٨ - عن قزعة قال سألت ابن عمر: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأتها، وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (١).
٩ - عن علي بن حسين:
أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله ﵌؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي
стр. 772
فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» (١).
ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وابن خزيمة في «حديث علي ابن حجر» (ج ٤/رقم ٤٨) وابن عساكر (٤/ ٢١٧/١) (٢) من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي ﵌ فالتزمه ومسح قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله ﵌: «لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، [وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]» (٣).
١٠ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني (٤) حيثما كنتم» (٥).
стр. 773
١١ - ورأى ابن عمر فسطاطاً (١) على قبر عبد الرحمن فقال: «انزعه يا غلام فإنما يظله عمله» (٢).
١٢ - عن أبي هريرة أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطا ً (٣).
١٣ - وروى ابن أبي شيبة وابن عساكر (٧/ ٩٦/٢) مثله عن أبي سعيد الخدري (٤).
١٤ - عن محمد بن كعب قال: هذه الفساطيط التي على القبور محدثة (٥).
١٥ - سعيد بن المسيب أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إذا ما مت فلا تضربوا على قبري فسطاطا (٦).
١٦ - عن سالم مولى عبد الله بن علي بن حسين قال: أوصى محمد بن علي أبو جعفر قال: لا ترفعوا قبري على الأرض (٧).
١٧ - عن عمرو بن شرحبيل قال:
стр. 774
«لا ترفعوا جدثي- يعني القبر - فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك» (١).
واعلم أن هذه الآثار وإن اختلفت دلالاتها فهي متفقة على النهي في الجملة عن كل ما ينبئ عن تعظيم القبور تعظيما يخشى منه الوقوع في الفتنة والضلال، مثل بناء المساجد والقباب على القبور وضرب الخيام عليها ورفعها أكثر من الحديث المشروع، والسفر والاختلاف إليها (٢) والتسمح بها، ومثل التبرك بآثار الأنبياء ونحو ذلك.
فهذه الأمور كلها غير مشروعة عند السلف الذين سميناهم من الصحابة وغيرهم، وذلك يدل على أنهم كانوا جميعا يرون بقاء علة النهي عن بناء المساجد على القبور وتعظيمها بما لم يشرع ألا وهي خشية الإضلال والافتتان بالموتى، كما نص عليها الإمام الشافعي ﵀ فيما سبق بدليل استمرارهم على القول بالحكم المعلول بهذه العلة فإن بقاء أحدهم يستلزم بقاء الآخر كما لا يخفى وهذا بالنسبة لمن نص منهم على كراهية بناء المساجد على القبور ظاهراً، أما الذين صرحوا بالنهي عن غير ذلك مثل رفع القبر وضرب الخيمة عليه ونحوه مما أجملنا الكلام عليه آنفا فهم يقولون ببقاء الحكم المذكور من باب أولى وذلك لوجهين:
الأول: أن بناء المساجد على القبور أشد جرماً من رفع القبور وضرب الخيام عليها، لما ورد من اللعن على البناء، دون الرفع والضرب المذكور.
الثاني: أن المفروض في أولئك السلف الفهم والعلم، فإذا ثبت عن أحد
стр. 775
منهم النهي عن شيء هو دون ما نهى عنه الشارع، ولم ينقل هذا النهي عن أحدهم، فنحن نقطع بأنه ينهى عنه أيضاً، حتى ولو فرض عدم بلوغ النهي إليه لأن نهيه عما هو دون هذا يستلزم النهي عنه من باب أولى، كما لا يخفى.
فثبت أن القول بانتفاء العلة المذكورة وما بني عليه كله باطل، لمخالفته
نهج السلف الصالح ﵃، مع مصادمته للأحاديث الصحيحة، والله المستعان.
"تحذير الساجد" (ص٤٧ - ١٠٠)
стр. 776
جماع أبواب الكلام حول حكم زيارة القبور
وما يشرع عند القبور وما لا يشرع
والمسائل التي تتصل بذلك
стр. 777
[١٦٥] باب أئمة دعوة التوحيد
يجيزون زيارة القبور زيارة شرعية
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات" أن زيارة القبور مشروع عند أئمة الحنفية، فعلق الألباني قائلا]:
وكذلك سائر الأئمة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وإمام دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم، فمن نسب إنكارهم للزيارة فقد اعتدى وظلم، وإنما هم ينكرون الزيارة التي يقترن بها بعض المخالفات الشرعية كالاستغاثة بالمقبور، والنذر له، والحلف به، ونحو ذلك كشد الرحل إليه، ويسمون هذه الزيارة بالزيارة البدعية. وتجد تفصيل الكلام على الزيارة الشرعية وما جاء فيها من الأحاديث في " أحكام الجنائز وبدعها ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٧).
[١٦٦] باب ذكر جملة من أحكام زيارة القبور
وتحقيق القول في حكم زيارة النساء للقبور
[قال الإمام]:
-وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكر الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبجانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى، أو تزكيته والقطع له بالجنة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث.
الأول: عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، [فإنها تذكركم الآخرة]، [ولتزدكم
стр. 778
زيارتها خيرا]، [فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا]» أخرجه مسلم (٥٣/ ٦،٦/ ٨٢) وأبو داود (٢/ ٧٢،١٣١) ومن طريقة البيهقي (٤/ ٧٧) والنسائي (١/ ٢٨٥،٢٨٦،٢/ ٣٢٩،٣٣٠) وأحمد (٥/ ٣٥٠،٣٥٥،٣٥٦،٣٦١) والزيادة الأولى والثانية له، ولأبي داود الأولى بنحوها وللنسائي الثانية والثالثة. قال النووي ﵀ في (المجموع) (٥/ ٣١٠):
والهجر: الكلام الباطل، وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية
فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط ﵌ بقوله: «ولا تقولوا هجرا».
قلت: ولا يخفي أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه. لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك، ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها. وقد قال الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ١٦٢) عقب أحاديث في الزيارة والحكمة منها: (الكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها، وأنها للاعتبار- ... ،فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعا).
الثاني: عن أبي سعيد الخدري قا: قال رسول الله ﵌: «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة. [ولا تقولوا ما يسخط الرب]». أخرجه أحمد (٣/ ٣٨،٦٣،٦٦) والحاكم (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) وعنه البيهقي (٤/ ٧٧) ثم قال: (صحيح على شرط مسلم)،ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ورواه البزار أيضاً والزيادة له كما في (مجمع الهيثمي) (٣/ ٥٨) وقال: (وإسناده رجاله رجال الصحيح).
стр. 779
قلت: وهي عند أحمد بنحوها من طريق أخرى، وإسنادها لا بأس به في المتابعات، ولها شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ البزار. أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) (ص ١٨٣) ورجاله موثقون.
الثالث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: «كنت نهتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا». أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) بسند حسن، ثم رواه (١/ ٣٧٥،٣٧٦) وأحمد (٣/ ٢٣٧،٢٥٠) من طريق أخرى عنه بنحوه، وفيه ضعف. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي.
- والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور، لوجوه:
الأول: عموم قوله ﵌ « .. فزوروا القبور» فيدخل فيه النساء، وبيانه: أن النبي ﵌ لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر. فلا شك أن النهي كان شاملا للرجال والنساء معا، فلما قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: «فزوروها» إنما أراد به الجنسين أيضا. ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفاً: «ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الاسقية كلها ولا تشربوا مسكراً»، أقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا، كما هو الشأن في الخطاب الأول: «كنت: نهيتكم»، فإذا قيل بأن الخطاب في قوله: «فزوروها» خاص بالرجال، اختل نظام
стр. 780
الكلام وذهبت طراوته، الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد، ﵌،ويزيده تأييدا الوجوه الآتية:
الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: «فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة».
الثالث: أن النبي ﵌ قد رخص لهن في زيارة القبور، في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂:
١ - عن عبد الله بن أبي مليكة: (أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﵌ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمر بزيارتها).وفي رواية عنها (أن رسول الله ﵌ رخص في زيارة القبور).أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) من طريق بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة، والرواية الاخرى لابن ماجه (١/ ٤٧٥).
قلت: سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي (صحيح)، وقال البوصيري في (الزوائد) (٩٨٨/ ١): (إسناده صحيح رجاله ثقات).وهو كما قالا. وقال الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء) (٤/ ٤١٨): (رواه ابن أبي الدنيا في (القبور) والحاكم بإسناد جيد) (١).
стр. 781
٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﵌؟ قلنا: بلى: قالت: (لما كانت ليلتي التي كان النبي ﵌ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب [رويدا]، فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت: وتقنعت إزاري (١)،ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت. فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن
стр. 782
أضجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش (١) حشيا (٢) رابية؟ قالت: قلت: لا شئ [يا رسول الله]، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته [الخبر]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة (٣) أوجعتي، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله!؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [قال]: نعم قال فان جبريل أتاني حين رأيت فناداني- فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك. وخشيت
أن تستوحشي-فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء
الله بكم للاحقون). أخرجه مسلم (٣/ ١٤) والسياق له والنسائي (١/ ٢٨٦، ٢/ ١٦٠،١٦٠ - ١٦١) وأحمد (٦/ ٢٢١) والزيادات له إلا الأولى والثالثة
فإنها للنسائي (٤).
стр. 783
الرابع: إقرار النبي ﵌ المرأة التي رآها عند القبر في حديث أنس ﵁: (مر رسول الله ﵌ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري .. )
стр. 784
رواه البخاري وغيره، وقد مضى بتمامه في المسألة (١٩) (ص ٢٢)، وترجم له (باب زيارة القبور)، قال الحافظ في (الفتح): (وموضع الدلالة منه أنه ﵌ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة).وقال العيني في (العمدة) (٣/ ٧٦):
(وفيه جواز زيارة القبور مطلقا، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة: وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك).
وذكر نحوه الحافظ أيضا في آخر كلامه على الحديث فقال عقب قوله (لعدم الاستفصال في ذلك):
(قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط (١).انتهى).
وما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث، ولكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي، وهذا هو الظاهر، إذا تذكرنا ما أسلفناه من بيان أن النهي كان في مكة، وأن القصة رواها أنس وهو مدني جاءت به أمه أم سليم إلى النبي ﵌ حين قدم المدينة، وأنس ابن عشر سنين، فتكون القصة مدنية، فثبت أنها بعد النهي. فتم الاستدلال بها على الجواز، وأما قول ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٥٠): (وتقوى الله، فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن الزيارة).فصحيح لو كان عند المرأة علم بنهي النساء عن الزيارة وأنه استمر ولم ينسخ، فحينئذ يثبت قوله: (ومن جملتها النهي عن الزيارة) أما وهذا غير معروف لدينا فهو استدلال غير صحيح، ويؤيده أنه لو كان النهي لا يزال مستمرا لنهاها رسول الله ﵌ عن الزيارة صراحة وبين ذلك لها، ولم يكتف بأمرها
стр. 785
بتقوى الله بصورة عامة، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى.
- لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها، لان ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض، البلاد الإسلامية، وهذا هو المراد- إن شاء الله- بالحديث المشهور: (لعن رسول الله ﵌ (وفي لفظ: لعن الله) زوارات القبور).وقد روي عن جماعة من الصحابة: أبو هريرة، حسان بن ثابت، وعبد الله ابن عباس.
١ - أما حديث أبي هريرة، فهو من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه. أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦ - تحفة) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) وابن حبان ٧٨٩) والبيهقي (٤/ ٧٨) والطيالسي (١/ ١٧١ - ترتيبه) وأحمد (٢/ ٣٣٧)، واللفظ الآخر للطيالسي والبيهقي، وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح، وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي في زيارة القبور. فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن).
قلت: ورجال إسناد الحديث ثقات كلهم، غير أن في عمر بن أبي سلمة كلاما لعل حديثه لا ينزل به عن مرتبة الحسن، لكن حديثه هذا صحيح لما له من الشواهد الآتية.
٢ - وأما حديث حسان بن ثابت، فهو من طريق عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن ثابث عن أبيه به. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤١) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) والحاكم (١/ ٣٧٤) والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٤٣) وقال البوصيري في
стр. 786
(الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات).
كذا قال، وابن بهمان هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهما معروفان بالتساهل في التوثيق، وقال ابن المديني فيه: (لا نعرفه)، ولذا قال الحافظ في (التقريب): (مقبول) يعني عند المتابعة، ولم أجد له متابعا، لكن الشاهد الذي قبله وبعده في حكم المتابعة، فالحديث مقبول.
٣ - وأما حديث ابن عباس، فهو من طريق أبي صالح عنه باللفظ الأول إلا أنه قال: (زائرات القبور) وفي رواية (زوارات).أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٠) وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان (٧٨٨) والحاكم والبيهقي والطيالسي والرواية الأخرى لهما، وأحمد (رقم٢٠٣٠،٢٦٠٣،٢٩٨٦،٣١١٨) وقال الترمذي: (حديث حسن، وأبو صالح هذا مولى أم هانئ بنت أبي طالب واسمه باذان، ويقال: باذام).
قلت: وهو ضعيف بل اتهمه بعضهم، وقد أوردت حديثه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) لزيادة تفرد بها فيه، وذكرت بعض أقوال الأئمة في حاله فيراجع (٢٢٣).
فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ «زوارات» لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه وكذا حديث ابن عباس في رواية الأكثرين، على ما فيه من ضعف فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الأخرى من حديث ابن عباس كما هو ظاهر، وإذا كان الأمر كذلك فهذا اللفظ «زوارات» إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة. بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذ أن يعارض بهذا الحديث ما سبق من الأحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء، لانه خاص وتلك
стр. 787
عامة. فيعمل بكل منهما في محله، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي: (اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج. وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء).
قال الشوكاني في (نيل الاوطار) (٤/ ٩٥): (وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر) (١).
- ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان:
الأول: عن أبي هريرة قال: (زار النبي ﵌ قبر أمه. فبكى: وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها
стр. 788
فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت).أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) وأبو داود (٢/ ٧٢) والنسائي (١/ ٢٨٦) وابن ماجه (١/ ٤٧٦) (١/ ٤٧٦) والطحاوي (٣/ ١٨٩) والحاكم (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٦) وأحمد (٢/ ٤٤١).
الثاني: عن بريدة ﵁ قال: (كنا مع النبي ﵌[في سفر، وفي رواية: في غزوة الفتح].فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقداه بالأب والأم، يقول: يا رسول لله مالك؟ قال: إني سألت ربي في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، [واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي]، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا).أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٥،٣٥٧،٣٥٩) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٩) والرواية الأخرى لهما وإسنادها عند ابن أبي شيبة صحيح، والحاكم (١/ ٣٧٦) وكذا ابن حبان (٧٩١) والبيهقي (٤/ ٧٦) والزيادة الأولى لها: والرواية الأخرى فيها لمن سبق ذكره، والزيادة الأخرى للحاكم وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا: ورواه الترمذي مختصرا وصححه، وروى مسلم وغيره منه الإذن بالزيارة فقط كما تقدم في المسألة (١١٨ص١٧٨) الحديث الأول (١).
والمقصود من زيارة القبور شيئان:
١ - انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار
стр. 789
وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدل عليه ما سبق من الأحاديث.
٢ - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء والاستغفار له، وهذا خاص بالمسلم، وفيه أحاديث:
الاول: عن عائشة ﵂: (أن النبي ﵌ كان يخرج إلى البقيع، فيدعو لهم، فسألته عائشة عن ذلك؟ فقال: إني أمرت أن أدعو لهم).أخرجه أحمد (٦/ ٢٥٢) بسند صحيح على شرط الشخين. ومعناه عند مسلم وغيره من طريق أخرى مطولا، وقد مضى بتمامه في المسألة (١١٩).
الثاني: عنها أيضا قالت: (كان رسول الله ﵌ كلما كان ليلتها من رسول الله ﵌ يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم [أهل] دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدن غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).أخرجه مسلم (٣/ ٦٣) والنسائي (١/ ٢٨٧) وابن السني (٥٨٥) والبيهقي (٤/ ٧٩) وأحمد (٦/ ١٨٠) وليس عنده الدعاء بالمغفرة (والزيادة له ولابن السني.
الثالث: عنها أيضا في حديثها الطويل المشار إليه قريبا قالت: (كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).أخرجه مسلم وغيره.
الرابع: عن بريدة قال: (كان رسول الله ﵌ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون، [أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع]، أسأل الله لنا ولكم
стр. 790
العافية).أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) والنسائي وابن ماجه (١/ ٤٦٩)، وكذا ابن أبي شيبة) (٤/ ١٣٨) وابن السني في (٥٨٢) والبيهقي وأحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٩، ٣٦٠))، والزيادتان لهم جميعا حاشا ابن ماجه ومسلما. والزيادة الثانية، أخرجها ابن أبي شيبة من حديث علي وإسناده صحيح، ومن حديث سلمان (وإسناده حسن) وكلاهما موقوف عليهما.
الخامس: عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﵌ أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله. قال [بل] أنتم أصحابي، وأخواننا الذين يأتون بعد، [وأنا فرطهم على الحوض]، فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله: فقال أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر (١) محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم (٢) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: فأنهم يأتون [يوم القيامة] غراً محجلين من الوضوء. [يقولها ثلاثا]، وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال [منكم] عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم [ألا هلم].فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، [ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم]، فأقول: [ألا]، سحقا سحقا).اخرجه مسلم (١/ ١٥٠ - ١٥١) ومالك (١/ ٤٩ - ٥٠) والنسائي (١/ ٣٥) وابن ماجه (٢/ ٥٨٠) والبيهقي (٤/ ٧٨) وأحمد (٢/ ٣٠٠،٤٠٨) والزيادات كلها له إلا الأخيرتين فإنها لابن ماجه، ولمالك الثلاثة الأولى مع السادسة، وللنسائي الأولى والثالثة.
стр. 791
وفي الباب عن بشير بن الخصاصية، وقد ذكرت لفظه في التعليق على المسألة (٨٨)، (ص ١٣٥) وعن ابن عباس، وفيه ضعف كما يأتي التنبيه عليه في خاتمة المسألة الآتية بعد مسألة، وعن عمر وغيره، وفيها ضعف كما بينه الحافظ الهيثمي في (المجمع) (٣/ ٦٠).
-وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله ﵌ وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة ﵂-وهي من أحب الناس إليه ﵌ عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء. ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه ﵌ علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع. ومما يقوي عدم المشروعية قوله ﵌: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) أخرجه مسلم (٢/ ١٨٨) والترمذي (٤/ ٤٢) وصححه وأحمد (٢/ ٢٨٤،٣٣٧، ٣٧٨،٣٨٨) من حديث أبي هريرة.
وله شاهد من حديث الصلصال بن الدلهمس. رواه البيهقي في (الشعب) كما في (الجامع الصغير).
فقد أشار ﵌ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهي عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا بلصلاة أيضا، وهو قوله: «صلوا في
стр. 792
بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا» أخرجه مسلم (٢/ ١٨٧) وغيره عن ابن عمر، وهو- عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: بـ (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق (١).ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم (٢)
كراهة للقراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد
стр. 793
فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨): (سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا).
- ويجوز رفع اليد في الدعاء لهما، لحديث عائشة ﵂ قالت: (خرج رسول الله ﵌ ذات ليلة، فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب! قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه، ثم انصرف، فرجعت إلي بريرة، فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت: يارسول الله أين خرجت الليلة؟ قال: بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم).أخرجه أحمد (٦/ ٩٢)، وهو في (الموطأ) (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) وعنه النسائي (١/ ٢٨٧) بنحوه، لكن ليس فيه رفع اليدين، وإسناده حسن. وقد ثبت رفع اليدين في قصة أخرى لعائشة ﵂ تقدمت في المسألة (١١٩).
- ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة، لنهيه ﵌ عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي، والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها، وقد قال ﵌: (الدعاء هو العبادة، ثم قرأ «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم».أخرجه ابن المبارك في (الزهد) (١٠/ ١٥١) والبخاري في (الأدب المفرد) رقم (٧١٤) وأبو داود (١/ ٥٥١ - بشرح العون) والترمذي (٤/ ١٧٨،٢٢٣) وابن ماجه (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وابن حبان (٢٣٩٦) والحاكم (١/ ٤٩١) وابن منده في (التوحيد) (ق ٦٩/ ١) وأحمد (٤/ ١٦٧،٢٧١،٢٧٦،٢٧٧) وقال الحاكم:
стр. 794
(صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
ورواه أبو يعلى من حديث البراءة بن عازب كما في "الجامع الصغير".وفي الباب عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: «الدعاء مخ العبادة».أخرجه الترمذي (٢٢٣٤) وقال: (حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، فيستشهد به إلا ما كان من رواية أحد العبادلة عنه فيحتج به حينئذ، وليس هذا منها، لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان. قال الطيبي في شرحه:
(أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام [هو العبادة] ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال غيره: المعنى هو من اعظم العبادة فهو كخبر (الحج عرفة) أي ركنه الاكبر، وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله، معرضا عما سواه، لأنه مأمور به، وفعل المأمور عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي ويظهر ذلته ومسكنته وافتقاره، إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة).ذكره المناوي في (الفيض).
قلت: فإذا كان الدعاء من أعظم العبادة فكيف يتوجه به إلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة، ولذلك كان من المقرر عند العلماء المحققين أن (لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة).قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم) (ص ١٧٥):
(وهذا أصل مستمر أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه
стр. 795
ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء. ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين، وشر واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله. وقبر رسول الله ﵌! وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى).
وذكر قبل ذلك بسطور عن الإمام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي ﵌ بعد السلام عليه. وهو مذهب الشافعية أيضا، فقال النووي في (المجموع) (٥/ ٣١١ (:
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني- وكان من الفقهاء المحققين- في كتابه في (الجنائز): (ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله).قال: (وعلى هذا مضت السنة).قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله) قال: (فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة).وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، فقال شيخ الإسلام في (القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة) (ص ١٢٥):
(ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﵌، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام. وأما في
стр. 796
وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة).وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه ﵌ ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الإسلام في (الجواب الباهر) (ص ١٤) بعد أن ذكر هذا المعنى:
(وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح،
وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي
حنيفة أرجح).
قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة، لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الأكثرين يقولون باستقبال وجهه ﵌ أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة. الأمر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل. لإثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحداً من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول ﵌ أو في
стр. 797
القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال:
(مر رسول الله ﵌ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الأثر).أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦) والضياء في (المختارة) (٥٨/ ١٩٢/١) من طريق الطبراني وقال الترمذي: (حسن غريب).
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: (ليس بالقوي). وقال ابن حبان: (ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له).
قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الأحاديث الصحيحة وقد مضى قريبا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) منكر لتفرد هذا الضعيف به.
إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في (مرقاة المفاتيح) (٢/ ٤٠٧): (فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء).
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله ﵌ بوجهه على القبور، وأما الإقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر غير هذا، وهو مما لا أعرفه.
فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلا واضحا على أن المار بالقبور
стр. 798
يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلا.
ولا ينافي ما تقدم (١) عن الإمام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، لأنها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل في إسحاق القاضي وغيره.
ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لانفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه فمن البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال (لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها) (٢).
-وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار، كذلك أمر رسول الله ﵌ في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﵌ فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: في النار، فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال: يارسول الله! فأين أبوك؟ قال: (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار). قال: فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله ﵌ تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار). أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١/ ١٩١/١) وابن السني في (عمل اليوم والليلة) رقم (٥٨٨) والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) (١/ ٣٣٣) بسند صحيح، وقال الهيثمي (١/ ١١٧ -
стр. 799
١١٨): (رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح).
وقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧) من هذا الوجه لكنه جعله من مسند عبد الله ابن عمر، وقال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات).
قلت: لكنه شاذ، والمحفوظ أنه من مسند سعد كما بينته في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (١٨).
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: (إذا مررتم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية، فأخبروهم أنهم من أهل النار).رواه ابن السني في (اليوم والليلة) (رقم ٥٨٧) بسند فيه يحيى بن يمان وهو سيئ الحفظ عن محمد بن عمر، ولم أعرفه عن أبي سلمة عنه. لكن الظاهر انه (ابن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ثم واو بعد الراء، سقط من الطابع حرف الواو. وهو حسن الحديث.
وما ذكرنا في هذه المسألة هو مذهب الحنابلة كما في (كشاف القناع) (٢/ ١٣٤) وغيره من كتبهم.
- ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه، لحديث بشير بن الحنظلية قال: (بينما أماشي رسول الله ﵌ ... أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك، فنظر، فلما عرف الرجل رسول الله ﵌ خلع نعليه، فرمى بهما) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وقد مضى بتمامه في المسألة (٨٨)(١).
стр. 800
-ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور، لأنه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه "وقد قال ابن عمر ﵄: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة) (١).
رواه ابن بطة في (الإبانة عن
стр. 801
أصول الديانة) (٢/ ١١٢/٢) واللالكائي في (السنة) (١/ ٢١/١) موقوفا بإسناد صحيح، والهروي في (ذم الكلام) (٢/ ٣٦/ ١) مرفوعا، وما أراه إلا وهما. وإنما يصح منه مرفوعا الشطر الاول منه وقد مضى حديث جابر.
"أحكام الجنائز" (ص٢٢٧ - ٢٥٨)
[١٦٧] باب ما يحرم عند القبور
[قال الإمام]:
يحرم عند القبور ما يأتي:
١ - الذبح والنحر، لقوله ﵌: «لاعقر في الاسلام»، قال عبد الرزاق بن همام: «كانو يعقرون عند القبر بقرة أو شاة».أخرجه أبو داود (٢/ ٧١) وقول عبد الرزاق له وهو في مصنفه (٦٦٩٠)، والبيهقي (٤/ ٥٧) وأحمد (٣/ ١٩٧) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقال شيخ الإسلام في «الاقتضاء» (ص ١٨٢): «وأما الذبح هناك- يعني عند القبور- فمنهي عنه مطلقاً ذكره أصحابنا وغيرهم لهذا الحديث، قال أحمد
стр. 802
في رواية المروزي-: قال النبي ﵌: لا عقر في الاسلام. كانوا إذا مات لهم الميت تحروا جزوراً على قبره، فنهى النبي ﵌ عن ذلك.
وكره أبو عبد الله أكل لحمه.
قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه».
وقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٢٠): «وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح».
قلت: وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى وأما إذ كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، أي والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا هذا الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾، كما في «الزواجر» (١/ ١٧١) للفقيه الهيتمى. وقال: «لعن الله (وفي رواية: ملعون) من ذبح لغير الله».أخرجه أحمد (رقم ٢٨١٧، ٢٩١٥، ٢٩١٧) بسند حسن عن ابن عباس، ومسلم (٦/ ٨٤) عن علي نحوه
٢ - رفعها زيادة على التراب الخارج منها.
٣ - طليها بالكِلْس ونحوه.
٤ - الكتابة عليها.
٥ - البناء عليها.
٦ - القعود عليها.
стр. 803
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﵌ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه، [أو يزاد عليه]، [أو يكتب عليه]».أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥،٢٨٦) والترمذي (٢/ ١٥٥) وصححه، والحاكم (١/ ٣٧٠) والبيهقي (٤/ ٤) وأحمد (٣/ ٢٩٥، ٣٣٢، ٣٣٩، ٣٩٩)، والزيادتان لأبي داود والنسائي، وللبيهقي الأولى.
والثانية عند الترمذي والحاكم وصحح إسنادها ووافقه الذهبي.
وأعلها المنذري (٤/ ٣٤١) وغيره بالانقطاع بين سليمان بن موسى وجابر. لكن هذا بالنظر لطريق أبي داود وغيره، وإلا فقد أخرجها الحاكم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وهذا سند على شرط مسلم، وقد صرح ابن جريج عنده بسماعه من أبي الزبير وهذا من جابر، فزال بذلك شبهة تدليسهما، ومن هذا الوجه جاءت الرواية الأولى عند من ذكرنا، وقال النووي (٥/ ٢٩٦): «وإسنادها صحيح».ثم استدل بها على أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه وقال: «قال الشافعي: فإن زاد فلا بأس، قال أصحابنا: معناه أنه ليس بمكروه».
قلت: وهذا خلاف ظاهر النهي فإن الأصل فيه التحريم، فالحق ما قاله ابن حزم في «المحلى» (٥/ ٣٣):
«ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شئ ويهدم كل ذلك».
وهو ظاهر قول الإمام أحمد، فقال أبو داود في «المسائل» (ص ١٥٨):
стр. 804
«سمعْت أحمد قال: لا يزاد على القبر من تراب غيره، إلا أن يسوى بالأرض فلا يعرف، فكأنه رخص إذ ذاك».
لكن ذكر في «الإنصاف» (٢/ ٥٤٨) عنه الكراهة فقط! وقال الإمام محمد في «الآثار» (ص ٤٥):
«أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كان يقال: ارفعوا القبر حتى يعرف أنه قبر فلا يوطأ. قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجداً أو علماً، أو يكتب عليه، ويكره الآجُرّ أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسا، وهو قول أبي حنيفة».
قلت: ويدل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر بقدر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر، فهو موافق للنص المتقدم في المسألة (١٠٧).
وأما التجصيص فهو من «الجص» وهو الكِلس، والمراد الطلي به قال في «القاموس»: «وجصص الإناء: ملأه، والبناء: طلاه بالجص».
ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع زينة كما قال بعض المتقدمين، وعليه فما حكم تطيين القبر؟ للعلماء فيه قولان:
الأول: الكراهة، نص عليه الإمام محمد فيما نقلته آنفا عنه، والكراهة عنده للتحريم إذا أطلقت. وبالكراهة قال أبو حفص من الحنابلة كما في «الإنصاف» (٢/ ٥٤٩)
والآخر: أنه لا بأس به. حكاه أبو داود (١٥٨) عن الإمام أحمد. وجزم به في
стр. 805
«الإنصاف».وحكاه الترمذي (٢/ ١٥٥) عن الإمام الشافعي، قال النووي عقبه: «ولم يتعرض جمهور الأصحاب له، فالصحيح أنه لا كراهة فيه كما نص عليه، ولم يرد فيه نهي».
قلت: ولعل الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إن كان المقصود من التطين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار، فهو جائز بدون شك لأنه يحقق غاية مشروعة، ولعل هذا هو وجه من قال من الحنابلة أنه يستحب، وإن كان المقصود الزينة ونحوها مما لا فائدة فيه فلا يجوز لأنه محدث، وأما الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الإمام محمد، وصرح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط! وقال النووي (٥/ ٢٩٨):
«قال أصحابنا: وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس، أم في غيره، فكله مكروه لعموم الحديث».
واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف قياساً على وضع النبي ﵌ الحجر على قبر عثمان بن مظعون ... قال الشوكاني: «وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في «ضوء النهار»، ولكن الشأن في صحة هذا القياس».
والذي أراه والله أعلم أن القول بصحة هذا القياس على إطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله ﵌ الحجر، ألا وهي التعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلاً وكثرة الأحجار المعرفة! فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة. والله أعلم. وأما قول الحاكم عقب الحديث: «ليس العمل عليه، فإن أئمة
стр. 806
المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف».
فقد رده الذهبي بقوله: «ما قلت طائلاً، ولا نعلم صحابياًّ فعل ذلك، وإنما هو شئ أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم- ولم يبلغهم النهي».
الثاني: عن أبي سعيد وهو الخدري «أن النبي ﵌ نهى أن يبنى على القبر».أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٣ - ٣٧٤) بسند رجاله جميعاً رجال الصحيح، إلا أنه منقطع، فقد قال البوصيري في «الزوائد» (ق٩٧/ ٢): «رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، القاسم بن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد».
قلت: فقول السندي في حاشية ابن ماجه: «وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات»، وَهْمٌ لا أدري ممن هو؟ ورواه أبو يعلى بلفظ: «نهى نبي الله ﵌ أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها» قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٦١): «ورجاله ثقات».
الثالث: عن أبي الهياج الأسدي قال: «قال لي على بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌؛ أن لا تدع تمثالا [رواية: صورة] [في بيت] إلا طمسته، ولا قبراً مشرفا إلا سويته».أخرجه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (٥١/ ٢٨) والترمذي (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) حسنه، والحاكم (١/ ٣٦٩) والبيهقي (٤/ ٣) والطيالسي في (رقم ١٥٥) وأحمد (رقم ٧٤١، ١٠٦٤) من طريق أبي وائل عنه، والطبراني في «المعجم الصغير» (ص ٢٩) من طريق أبي إسحاق عنه. وله في مسند الطيالسي (رقم٩٦) وأحمد (رقم٦٥٧،٦٥٨، ٦٨٣،٦٨٩) طريقان آخران عن علي ﵁.
стр. 807
قال الشوكاني رحمه الله تعالى (٤/ ٧٢) في شرح هذا الحديث: «فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعاً كبيراً من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة الشافعي ومالك، قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﵌ فاعل ذلك كما سيأتي. وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام؛ منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجا لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا. وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالماً ولا متعلماً، ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبي واعترف بالحق! وهذا من أبين الادلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للاسلام أشد من الكفر، وأي بلاء. لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأى مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجباً؟!
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
стр. 808
ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
وللشوكاني رحمه الله تعالى رسالة لطيفة نافعة في هذا الباب أسماها «شرح الصدور في تحريم رفع القبور» مطبوعة في «المجموعة المنيرية» (١/ ٦٢ - ٧٦).
الرابع: عن ثمامة بن شفي قال: «خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم، وكان عاملاً لمعاوية على الدرب، (وفي رواية: غزونا أرض الروم، وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الانصاري)، فأصيب ابن عم لنا [بـ] (رودس) (١) فصلى عليه فضالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه، (وفي الرواية الاخرى: خففوا عنه) (٢) فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور».أخرجه أحمد (٦/ ١٨) بالروايتين وإسناده حسن، وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٥ - ١٣٨) بالرواية الاخرى.
ورواه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٥) والبيهقي (٤/ ٢ - ٣) من طريق أخرى عن ثمامة نحوه أخصر منه، وهو رواية لأحمد (٦/ ٢١) ولفظها عنده:
«سمعت رسول الله ﵌ يقول: سووا قبوركم بالأرض».
وفي سنده ابن لهيعة وهو سئ الحفظ.
وأما الحديث المشهور على الالسنة بلفظ: «خير القبور الدوارس» فلا أصل له في شئ من كتب السنة، وهو بظاهره منكر؛ لأن القبر لا ينبغي أن يدرس، بل
стр. 809
ينبغي أن يظل ظاهراً مرفوعاً عن الأرض قدر شبر كما سبق، ليعرف فيصان ولا يهان، ويزار ولا يهجر.
ثم إن الظاهر من حديث فضالة «كان يأمرنا بتسوية القبور» تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقاً، وهذا الظاهر غير مراد قطعاً، بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الإشارة إليه سابقاً، ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة «خففوا» أي التراب، فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية، وبهذا فسره العلماء انظر «المرقاة» (٢/ ٣٧٢).
الخامس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر».أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٧) وابن ماجه (١/ ٤٨٤) (١/ ٤٨٤) والبيهقي (٤/ ٧٩) وأحمد (٢/ ٣١١،٣٨٩، ٤٤٤)، والرواية الأخرى إحدى روايتيه (٢/ ٥٢٨).
السادس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (١) أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق».أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٣٣) وابن ماجه (١/ ٤٧٤) بإسناد صحيح كما قال البوصيري في «الزوائد» (ق ٩٨/ ١)، وقال المنذري في «الترغيب»: إنه جيد.
السابع: عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا تصلوا
стр. 810
إلى القبور، ولا تجلسوا عليها».أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأصحاب السنن الثلاثة وغيرهم، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» وقد تكلمت على إسناده في «تخريج صفة صلاة النبي ﵌» ثم في «تحذير الساجد» (ص ٢١).
وفي هذه الأحاديث الثلاثة دليل على تحريم الجلوس والوطأ على قبر المسلم، وهو مذهب جمهور العلماء على ما نقله الشوكاني (٤/ ٥٧) وغيره، لكن حكى النووي والعسقلاني عنهم الكراهة فقط، وهو نص الامام الشافعي في «الأم» (١) وكذلك نص الامام محمد في «الآثار» (ص ٤٥) على الكراهة وقال: «وهو قول أبي حنيفة».
قلت: والكراهة عندهما إذا أطلقت فهي للتحريم، وهذا أقرب إلى الصواب من القول بالكراهة فحسب، والحق القول بالتحريم لأنه الذي ينص عليه حديث أبي هريرة وعقبة؛ لما فيهما من الترهيب الشديد، وبهذا قال جماعة من الشافعية، منهم النووي، وإليه ذهب الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٢١٠)، ومال الفقيه ابن حجر الهيتمى في «الزواجر» (١/ ١٤٣) إلى أنه كبيرة، لما أشرنا إليه من الوعيد الشديد، وليس ذلك عن الصواب ببعيد.