من مسائل الاستحالة، وأكثر العلماء المسلمين يقولون: إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة، وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وقد ثبت في «الصحيح» أن مسجد النبي ﵌ كان حائطاً لبني النجار، وكان فيه قبور من قبور المشركين، ونخل، وخرب، فأمر النبي ﵌ بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت، وجعل النخل في صف القبلة، فلو كان تراب القبور نجساً، لكان تراب قبور المشركين نجسا ولأمر النبي ﵌ بنقل ذلك التراب، فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره».
ثم ذكر العلة الثانية ثم قال:
«وهذه العلة صحيحة باتفاقهم والمعللون بالأولى- كالشافعي وغيره- عللوا بهذه أيضاً، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد وغيره، علل بهذه الثانية أيضا وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى وقد قال تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا﴾ (نوح:٢٣ - ٢٤) ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وقد ذكر هذا البخاري في «صحيحه» وأهل التفسير كابن جرير وغيره».
"الثمر المستطاب" (١/ ٣٥٧ - ٣٧٣).
стр. 737
[١٦٤] باب شبهات وجوابها حول حكم اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
قد يقول قائل: إذا كان من المقرر شرعاً تحريم بناء المساجد على القبور، فهناك أمور كثيرة تدل على خلاف ذلك وإليك بيانها:
أولاً: قوله تعالى في سورة الكهف ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (١)، ووجه دلالة الآية على ذلك: أن الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى على ما هو مذكور في كتب التفسير، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم وشريعة من قبلنا شرعية لنا إذا حكاها الله تعالى ولم يعقبها بما يدل على ردها كما في هذه الآية الكريمة.
ثانياً: كون قبر النبي ﵌ في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه ﵌ في مسجده!
ثالثاً: صلاة النبي ﵌ في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما
قال ﵌!
رابعاً: ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه.
خامساً: بناء أبي جندل ﵁ مسجدا على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي ﵌ كما جاء في «الاستيعاب» لابن عبد البر
стр. 738
سادساً: زعم بعضهم أن المنع من اتخاذ القبور مساجد إنما كان لعلة خشية الافتتان بالمقبور، ثم زالت برسوخ التوحيد في قلوب المؤمنين، فزال المنع!
فكيف التوفيق بين هذه الأمور والتحريم المذكور؟
وجواباً على ذلك أقول وبالله تعالى أستعين:
الجواب عن الشبهة الأولى:
أما الشبهة الأولى فالجواب عنها من ثلاثة وجوه:
الأول: أن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة (١) منها قوله ﵌: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحدا من الأنبياء قبلي ... (فذكرها، وآخرها) وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (٢).
فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعة لمن قبلنا!
الثاني: هب أن الصواب قول من قال: «شريعة من قبلنا شريعة لنا» فذلك مشروط عندهم بما إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه وهذا الشرط معدوم هنا لأن الأحاديث تواترت في النهي عن البناء المذكور كما سبق فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا.
الثالث: لا نسلم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة لمن قبلنا غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فليس فيها التصريح بأنهم كانوا
стр. 739
مؤمنين، وعلى التسليم فليس فيها أنهم كانوا مؤمنين صالحين، متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك، قال الحافظ ابن رجب في «فتح الباري في شرح البخاري» (٦٥/ ٢٨٠) من «الكواكب الدراري» (١) في شرح حديث: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
«وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستنده القهر والغلبة وإتباع الهوى وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى»
وقال الشيخ علي بن عروة في «مختصر الكوكب» (١٠/ ٢٠٧/٢) تبعا للحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٧٨):
«حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين (٢):
أحدهما: أنهم المسلمون منهم.
والثاني: أهل الشرك منهم.
стр. 740
فالله أعلم والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هم محمودون أم لا؟ فيه نظر لأن النبي ﵌ قال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها»
إذا عرفت هذا، فلا يصح الاحتجاج بالآية على وجه من الوجوه، وقال العلامة المحقق الآلوسي في «روح المعاني» (٥/ ٣١):
«واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل، فاسد كاسد، فقد روي ... ».
ثم ذكر بعض الأحاديث المتقدمة وأتبعها بكلام الهيتمي في «الزواجر» مقرا له عليه وقد نقلته فيما سبق (ص. . . .) ثم نقل عنه في كتابه «شرح المنهاج» ما نصه:
«وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة، التي بناها بعض الملوك وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام آخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح. انتهى» ثم قال الإمام الآلوسي:
«لا يقال: إن الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا وقد استدل بها فقد روي أنه ﵌ قال: «من نام عن صلاة أو نسيها» (١) الحديث ثم تلا قوله تعالى
стр. 741
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١)، وهو مقول لموسى ﵇ وسياقه الاستدلال ... واحتج أبو يوسف على جري القود بين الذكر والأنثى بآية ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾، والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي (٢) بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك لأنا نقول: مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقا بل إن قص الله تعالى علينا بلا إنكار، وإنكار رسوله ﵌ كإنكاره (٣).
وقد سمعت أنه ﵊ لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفا احتجاج الأئمة بها، وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك، وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسي بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوما لا يدل على فعلهم عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده.
ومما يقوي قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم الأمراء والسلاطين كما
стр. 742
روي عن قتادة.
وعلى هذا لقائل أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور، فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده وكف التعرض لأصحابه، فلم يقبل الأمراء منهم، وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد.
وإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية فلك أن تقول: إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتخاذ المساجد على القبور المنهي عنه، الملعون فاعله، وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريبا من كهفهم وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدي ووهب ومثل هذا الاتخاذ ليس محذوراً إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى الكهف الذي هم فيه كنسبة المسجد النبوي إلى المرقد المعظم صلى الله تعالى على من فيه وسلم ويكون قوله ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على هذا لمشاكلة قول الطائفة ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾.
وإن شئت قلت: إن ذلك الاتخاذ كان على كهف فوق الجبل الذي هو فيه، وفيه خبر مجاهد أن الملك تركهم في كهفهم وبنى علي كهفهم مسجداً، وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى وهذا كله إنما يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الإعثار عليهم وأما على القول بأنهم ناموا كما ناموا أولا فلا يحتاج إليه على ما قيل (١).
стр. 743
وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة، معولاً على الاستدلال بهذه الآية، فإن ذلك في الغواية غاية وفي قلة النهى نهاية ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها، وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها، والصلاة إليها والطواف بها واستلامها، والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك محتجاً بهذه الآية الكريمة وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيداً، وجعله إياهم في توابيت من ساج، ومقيساً لبعض على بعض وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﵌، وابتداع دين لم يأذن به الله
.
ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسل في قبره ﵊ وهو أفضل قبر على وجه الأرض والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك والله سبحانه يتولى هداك».
قلت: وقد استدل بالآية المذكورة على الجواز المزعوم بل على استحباب بناء المساجد على القبور بعض المعاصرين (١) لكن من وجه آخر مبتدع مغاير
стр. 744
بعض الشيء لما سبق حكايته ورده فقال ما نصه:
«والدليل من هذه الآية إقرار الله إياهم على ما قالوا وعدم رده عليهم».
قلت: هذا الاستدلال باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يصح أن يعتبر عدم الرد عليهم إقرارا لهم، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين وصالحين متمسكين بشريعة نبيهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنهم كانوا كذلك بل يحتمل أنهم لم يكونوا كذلك، وهذا هو الأقرب أنهم كانوا كفاراً أو فجاراً، كما سبق من كلام ابن رجب وابن كثير وغيرهما وحينئذ فعدم الرد عليهم لا يعد إقراراً، بل
إنكاراً، لأن حكاية القول عن الكفار والفجار يكفي في رده عزوه إليهم فلا يعتبر السكوت عليه إقراراً كما لا يخفى، ويؤيده الوجه الآتي:
الثاني: أن الاستدلال المذكور إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون بالقرآن فقط ديناً، ولا يقيمون للسنة وزناً، وأما على طريقة أهل السنة والحديث الذين يؤمنون بالوحيين، مصدقين بقوله ﵌ -
стр. 745
في الحديث الصحيح المشهور: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».وفي رواية: «ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١).
فهذا الاستدلال عندهم- والمستدل يزعم أنه منهم- باطل ظاهر البطلان، لأن الرد الذي نفاه قد وقع في السنة المتواترة كما سيق فكيف يقول: إن الله أقرهم ولم يرد عليهم مع أن الله لعنهم على لسان نبيه ﵌ فأي رد أوضح وأبين من هذا؟!
وما مثل من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدمة؛ إلا كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله تعالى في الجن الذين كانوا مذللين لسليمان ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٢) يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير وما يفعل ذلك مسلم يؤمن بحديثه ﵌.
وبهذا ينتهي الكلام عن الشبهة الأولى وهي الاستدلال بآية الكهف (٣) والجواب عنها وعن ما تفرع منها.
الجواب عن الشبهة الثانية:
وأما الشبهة الثانية وهي أن قبر النبي ﵌ في مسجده كما هو مشاهد اليوم، ولو كان ذلك حراما لم يدفن فيه.
стр. 746
والجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة ﵃، فإنهم لما مات النبي ﵌ دفنوه في حجرته في التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان النبي ﵌ يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء، ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة ﵃ حينما دفنوه ﵌ في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً، كما سبق بيانه في حديث عائشة وغيره (ص ١٦٣).
ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله ﵌ إليه فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة فصار القبر بذلك في المسجد (١).
ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك خلافاً لم توهم بعضهم.
قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» (ص١٣٦):
«وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان آخرهم موتا جابر بن عبد الله، وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك (٢).
стр. 747
وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في «كتاب أخبار المدينة» مدينة الرسول ﵌ عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً
стр. 748
للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﵌ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه».
يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته ﵌، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضا لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد، ولم يدخلا القبر فيه.
ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو ﵁ بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة بل قال «إنه لا سبيل إليها» (١) فأشار ﵁ إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد.
ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين،
стр. 749
فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئاً ما فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم قال النووي في «شرح مسلم» (٥/ ١٤):
«ولما احتاجت الصحابة (١) والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﵌ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﵌ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد (٢)
فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني
стр. 750
القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر».
ونقل الحافظ ابن رجب في «الفتح» نحوه عن القرطبي كما في «الكواكب» (٦٥/ ٩١/١) وذكر ابن تيمية في «الجواب الباهر» (ق ٩/ ٢):
«أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها، وبني عليها حائط آخر صيانة له ﵌ أن يتخذ بيته عيداً وقبره وثناً».
قلت: ومما يؤسف له أن هذا البناء قد بني عليه منذ قرون- إن لم يكن قد أزيل- تلك القبة الخضراء العالية وأحيط القبر الشريف بالنوافذ النحاسية والزخارف والسجف وغير ذلك مما لا يرضاه صاحب القبر نفسه ﵌.
стр. 751
بل قد رأيت حين زرت المسجد النبوي الكريم وتشرفت بالسلام على رسول الله ﵌ سنة ١٣٦٨ هـ رأيت في أسفل حائط القبر الشمالي محراباً صغيراً ووراءه سدة مرتفعة عن أرض المسجد قليلا، إشارة إلى أن هذا المكان خاص للصلاة وراء القبر فعجبت حينئذ كيف ضلت هذه الظاهرة الوثنية قائمة حتى في عهد
دولة التوحيد!
أقول هذا مع الاعتراف بأنني لم أر أحداً يأتي ذلك المكان للصلاة فيه، لشدة المراقبة من قبل الحرس الموكلين على منع الناس من أن يأتوا بما يخالف الشرع عند القبر الشريف فهذا مما تشكر عليه الدولة السعودية، ولكن هذا لا يكفي ولا يشفي وقد كنت قلت منذ ثلاث سنوات في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» (٢٠٨ من أصلي):
«فالواجب الرجوع بالمسجد النبوي إلى عهده السابق، وذلك بالفصل بينه وبين القبر النبوي بحائطٍ، يمتد من الشمال إلى الجنوب بحيث أن الداخل إلى المسجد لا يرى فيه أي محالفة لا ترضى مؤسسه ﵌ اعتقد أن هذا من الواجب على الدولة السعودية إذا كانت تريد أن تكون حامية التوحيد حقا وقد سمعنا أنها أمرت بتوسيع المسجد مجددا فلعلها تتبنى اقتراحنا هذا وتجعل الزيادة من الجهة الغربية وغيرها وتسد بذلك النقص الذي سيصيبه سعة المسجد إذا نفذ الاقتراح أرجو أن يحقق الله ذلك على يدها ومن أولى بذلك منها؟».
ولكن المسجد وسع منذ سنتين تقريبا دون إرجاعه إلى ما كان عليه في عهد الصحابة والله المستعان.
стр. 752
الجواب عن الشبهة الثالثة:
وأما الشبهة الثالثة وهي أن النبي ﵌ صلى في مسجد الخيف وقد ورد في الحديث أن فيه قبر سبعين نبياًّ!
فالجواب:
إننا لا نشك في صلاته ﵌ في هذا المسجد ولكننا نقول: إن ما ذكر في الشبهة من أنه دفن فيه سبعون نبيا لا حجة فيه من وجهين:
الأول: أننا لا نسلم صحة الحديث المشار إليه، لأنه لم يروه أحد ممن عني بتدوين الحديث الصحيح ولا صححه أحد ممن يوثق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين ولا النقد الحديثي يساعد على تصحيحه، فإن في إسناده من يروي الغرائب وذلك مما يجعل القلب لا يطمئن لصحة ما تفرد به.
قال الطبراني في «معجمه الكبير» (٣/ ٢٠٤/٢): «حدثنا عبدان بن أحمد نا عيسى بن شاذان نا أبو همام الدلال نا إبراهيم بن طمهان عن منصور عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: «في مسجد الخيف قبر سبعين نبياً».
وأورده الهيثمي «المجمع» (٣/ ٢٩٨) بلفظ:
« ... قبر سبعون نبيا»، وقال: «رواه البزار ورجاله ثقات».
وهذا قصور منه في التخريج فقد أخرجه الطبراني أيضا كما رأيت.
قلت: ورجال الطبراني ثقات أيضا غير عبدان بن أحمد وهو الأهوازي كما ذكر الطبراني في «المعجم الصغير» (ص ١٣٦) ولم أجد له ترجمة وهو غير عبدان بن محمد المروزي وهو من شيوخ الطبراني أيضا في «الصغير» (ص١٣٦)
стр. 753
وغيره وهو ثقة حافظ له ترجمة في «تاريخ بغداد» (١١/ ١٣٥) و «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٢٣٠) وغيرها.
لكن في رجال هذا الإسناد من يروي الغرائب مثل عيسى بن شاذان، قال فيه ابن حبان في «الثقات»: «يغرب».
وإبراهيم بن طهمان، قال فيه ابن عمار الموصلي: «ضعيف الحديث مضطرب الحديث».
وهذا على إطلاقه وإن كان مردوداً على ابن عمار فهو يدل على أن في حديث ابن طهمان شيئاً، ويؤيده قول ابن حبان في «ثقات أتباع التابعين» (٢/ ١٠):
«أمره مشتبه له مدخل في الثقات، ومدخل في الضعفاء وقد روى أحاديث مستقيمة تشبه أحاديث الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلان سنذكره إن شاء الله في كتاب الفصل بين النقلة إن قضى الله سبحانه ذلك وكذلك كل شيءٍ توقفنا في أمره ممن له مدخل في الثقات».
ولذلك قال فيه الحافظ ابن حجر في «التقريب»: «ثقة يغرب» وشيخه منصور - وهو ابن المعتمر- ثقة، وقد روى له ابن طهمان حديثا آخر في مشيخته (٢٤٤/ ٢) (١).
فالحديث من غرائبه أو من غرائب ابن شاذان (٢).
стр. 754
وأنا أخشى أن يكون الحديث تحرف على أحدهما فقال: «قُبر» بدل «صلى»، لأن هذا اللفظ الثاني هو المشهور في الحديث فقد أخرج الطبراني في «الكبير» (٣/ ١٥٥١) بإسناد رجاله ثقات عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا ... » الحديث.
وكذلك رواه الطبراني في «الأوسط» (١/ ١١٩/٢ - زوائده) (١) وعنه المقدسي في «المختارة» (٢٤٩/ ٢) والمخلص في «الثالث من السادس من المخلصيات» (٧٠/ ١) وأبو محمد بن شيبان العدل في «الفوائد» (٢/ ٢٢٢/٢)
стр. 755
وقال المنذري (٢/ ١١٦):
«رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن» ولا شك في حسن الحديث عندي، فقد وجدت له طريقاً أخرى عن ابن عباس رواه الأزرقي في «أخبار مكة» (ص ٣٥) عنه موقوفا عليه وإسناده يصلح للاستشهاد به، كما بينته في كتابي الكبير «حجة الوداع» (ولم ينجز بعد).
ثم رواه الأزرقي (ص ٣٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس به موقوفا. فهذا هو المعروف في هذا الحديث
والله أعلم.
وجملة القول أن الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لصحته فإن صح فالجواب عنه من الوجه الآتي وهو:
الثاني: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف، وقد عقد الأزرقي في تاريخ مكة (٤٠٦ - ٤١٠) عدة فصول في وصف مسجد الخيف، فلم يذكر أن فيه قبوراً بارزة، ومن المعلوم أن الشريعة إنما تبنى أحكامها على الظاهر، فإذا ليس في المسجد المذكور قبور ظاهرة، فلا محظور في الصلاة فيه البتة، لأن القبور مندرسة ولا يعرفها أحد بل لولا هذا الخبر الذي عرفت ضعفه لم يخطر في بال أحد أن في أرضه سبعين قبراً! ولذلك لا يقع فيه تلك المفسدة التي تقع عادة في المساجد المبنية على القبور الظاهرة والمشرفة.
стр. 756
الجواب عن الشبهة الرابعة:
وأما ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى فيه فالجواب:
لا شك أن المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف صلاة (١)، ولكن هذه الفضيلة أصلية فيه منذ رفع قواعده إبراهيم مع ابنه إسماعيل ﵉ ولم تطرأ هذه الفضيلة عليه بدفن إسماعيل ﵇ فيه لو صح أنه دفن فيه، ومن زعم خلاف ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا وجاء بما لم يقله أحد من السلف الصالح ﵃، ولا جاء به حديث تقوم الحجة به.
فإن قيل: لا شك فيما ذكرت، ودفن إسماعيل فيه لا يخالف ذلك، ولكن ألا يدل هذا على الأقل على عدم كراهية الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟
فالجواب: كلا ثم كلا وهاك البيان من وجوه:
الأول: أنه لم يثبت في حديث مرفوع أن إسماعيل ﵇ أو غيره من الأنبياء الكرام دفنوا في المسجد الحرام، ولم يرد شيء من ذلك في كتاب من كتب السنة المعتمدة كالكتب الستة، ومسند أحمد، ومعاجم الطبراني الثلاثة وغيرها من الدواوين المعروفة، وذلك من أعظم علامات كون الحديث ضعيفا بل موضوعا عند بعض المحققين (٢).
стр. 757
وغاية ما روي في ذلك من آثار معضلات، بأسانيد واهيات موقوفات أخرجها الأزرقي في «أخبار مكة» (ص ٣٩ و٢١٩ و٢٢٠) فلا يلتفت إليها وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلمات (١).
ونحو ذلك ما أورد السيوطي في «الجامع» من رواية الحاكم في «الكنى» عن عائشة مرفوعا بلفظ:
«إن قبر إسماعيل في الحجر».
الوجه الثاني: أن القبور المزعوم وجودها في المسجد الحرام غير ظاهرة ولا بارزة، ولذلك لا تقصد من دون الله تعالى، فلا ضرر من وجودها في بطن أرض
стр. 758
المسجد فلا يصح حينئذ الاستدلال بهذه الآثار على جواز اتخاذ المساجد على قبور مرتفعة على وجه الأرض، لظهور الفرق بين الصورتين وبهذا أجاب الشيخ على القاري رحمه الله تعالى فقال في «مرقاة المفاتيح» (١/ ٤٥٦) بعد أن حكى قول المفسر الذي أشرت إليه في التعليق:
«وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا».قال القاري:
«وفيه أن صورة قبر إسماعيل ﵇ وغيره مندرسة، فلا يصلح الاستدلال» وهذا جواب عالم نحرير، وفقيه خريت، وفيه الإشارة إلى ما ذكرناه آنفا، وهو أن العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة، وأن ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط به حكم شرعي من حيث الظاهر، بل الشريعة تنزه عن مثل هذا الحكم لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال الشعبي: «بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم» (١).
ومنه قول الشاعر:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب ... فأين القبور من عهد عاد؟
خفف الوطأ ما أظن أديم ... الأرض إلا من هذه الأجساد
سر إن استطعت في الهواء رويدا ... لا اختيالاً على رفات العباد
ومن البين الواضح أن القبر إذا لم يكن ظاهراً غير معروف مكانه فلا يترتب
стр. 759
من وراء ذلك مفسدة كما هو مشاهد حيث ترى الوثنيات والشركيات إنما تقع عند القبور المشرفة، حتى ولو كانت مزورة! لا عند القبور المندرسة، ولو كانت حقيقية، فالحكمة تقتضي التفريق بين النوعين، وهذا ما جاءت به الشريعة كما بينا سابقاً، فلا يجوز التسوية بينهما، والله المستعان.
الجواب عن الشبهة الخامسة:
أما بناء أبي جندل ﵁ مسجداً على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي ﵌، فشبهة لا تساوي حكايتها ولولا أن بعض ذوي الأهواء من المعاصرين اتكأ عليها في رد تلك الأحاديث المحكمة لما سمحت لنفسي أن أسود الصفحات في سبيل الجواب عنها وبيان بطلانها والكلام عليها من وجهين:
الأول: رد ثبوت البناء المزعوم من أصله، لأنه ليس له إسناد تقوم الحجة به، ولم يروه أصحاب «الصحاح» و «السنن» و «المسانيد» وغيرهم وإنما أورده ابن عبد البر في ترجمة أبي بصير من «الاستيعاب» (٤/ ٢١ - ٢٣) مرسلا فقال:
«وله قصة في المغازي عجيبة ذكرها ابن إسحاق وغيره وقد رواها معمر عن ابن شهاب. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة القضية عام الحديبية، قال:
ثم رجع رسول الله ﵌ فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالا لرسول الله ﵌:
العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلماً، فدفعه النبي ﵌ إلى الرجلين فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيداً يا فلان! فاستله الآخر، وقال: أجل
стр. 760
والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال له أبو بصير أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الأخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد بعده فقال له النبي ﵌ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إلى النبي ﵌ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال يا رسول الله قد والله وفى الله ذمتك: قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فقال النبي ﵌: «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد».فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير ... وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظاً وأكمل سياقه قال: ... وكتب رسول الله ﵌ إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين فقدم كتاب رسول الله ﵌ على أبي جندل وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله ﵌ بيده يقرؤه فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبرِه مسجداً».
قلت: فأنت ترى أن هذه القصة مدارها على الزهري فهي مرسلة على اعتبار انه تابعي صغير، سمع من أنس بن مالك ﵁ وإلا فهي معضلة وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة على أن موضع الشاهد منها وهو قوله: «وبنى على قبره مسجداً» لا يظهر من سياق ابن عبد البر للقصة أنه من مرسل الزهري ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه بل هو من رواية موسى بن عقبة كما صرح به ابن عبد البر لم يجاوزه وابن عقبة لم يسمع أحدا من الصحابة فهذه الزيادة أعني قوله «وبنى على قبره مسجدا» معضلة (١).
стр. 761
بل هي عندي منكرة لأن القصة رواها البخاري في «صحيحة» (٥/ ٣٥١ - ٣٧١) وأحمد في «مسنده» (٤/ ٣٢٨ - ٣٣١) موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة وكذلك أوردها ابن إسحاق في «السيرة» عن الزهري مرسلا كما في «مختصر السيرة» لابن هشام (٣/ ٣٣١ - ٣٣٩) ووصله أحمد (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٦) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة، وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه (٣/ ٢٧١ - ٢٨٥) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة، فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة؛ لإعضالها، وعدم رواية الثقات لها. والله تعالى هو الموفق.
الوجه الثاني: أن ذلك لو صح لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة، في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين:
أولا: أنه ليس في القصة أن النبي ﵌ اطلع على ذلك وأقره.
ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي ﵌ علم بذلك وأقره فيجب أن يحمل ذلك على أنه قبل التحريم لأن الأحاديث صريحة في أن النبي ﵌ حرم ذلك في آخر حياته كما سبق فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم على فرض صحته عند التعارض وهذا بين لا يخفى نسأل الله تعالى أن يحمينا من إتباع الهوى.
стр. 762
الجواب عن الشبهة السادسة:
وهي الزعم بأن المنع إنما كان لعلة، وهي خشية الافتتان بالمقبور، وقد زالت، فزال المنع!!
لا أعلم أحدا من العلماء ذهب إلى القول بهذه الشبهة إلا مؤلف «إحياء المقبور» فإنه تمسك بها وجعلها عمدته في رد تلك الأحاديث المتقدمة واتفاق الأمة عليها فقال ما نصه (ص ١٨ - ١٩):
«وأما النهي عن بناء المساجد على القبور فاتفقوا على تعليله بعلتين: إحداهما أن يؤدي إلى تنجيس المسجد (١) وثانيهما وهو قول الأكثرين بل الجميع حتى من نص على العلة السابقة أن ذلك قد يؤدي إلى الضلال والفتنة بالقبر، لأنه إذا وقع بالمسجد وكان قبر ولي مشهور بالخير والصلاح لا يؤمن مع طول المدة أن يزيد اعتقاد الجهلة فيه ويؤدي بهم إلى فرط التعظيم إلى قصد الصلاة إليه، إذا كان في قبلة المسجد، فيؤدي بهم ذلك إلى الكفر والإشراك».
ثم ساق شيئاً من النقول في العلة المذكورة عن بعض العلماء منهم الإمام الشافعي وقد تقدم نصه في ذلك ( ﷺ . . . .. ) ثم قال المؤلف المشار إليه (ص ٢٠ - ٢١):
«فالعلة المذكورة قد انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين، ونشأتهم على التوحيد الخالص، واعتقاد نفي الشريك مع الله تعالى، وأنه سبحانه المنفرد بالخلق والإيجاد والتصريف (!) وبانتفاء العلة ينتفي الحكم المترتب عليها، وهو
стр. 763
كراهة اتخاذ المساجد والقباب على قبور الأولياء والصالحين»!
قلت: والجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش!
أثبت أولاً أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي، ثم أثبت أنها قد انتفت، ودون ذلك خرط القتاد.
أما الأول، فإن لا دليل مطلقا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط نعم من الممكن أن يقال: انها بعض العلة وأما حصولها بها فباطل، لأن من الممكن أيضا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى، كما تقدم في كلام الفقيه الهيتمي، والمحقق الصنعاني، وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعاً، وغير ذلك مما قد يبدو للباحث الناقد.
وأما زعمه أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين ... إلخ. فهو زعم باطل أيضاً وبيانه من وجوه:
الأول: أن الزعم بني على أصل باطل، وهو أن الإيمان بأن الله هو المنفرد بالخلق والإيجاد كاف في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎، وليس كذلك فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﵌ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١).
ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئاً، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة وأنكروه على النبي ﵌ أشد الإنكار، بقولهم فيما حكاه الله عنهم
стр. 764
﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١).
ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئاً من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له نداً وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك وهذا مفصل في غير هذا الموضع.
فإذا تبين هذا نعلم أن الإيمان الصحيح غير راسخ في نفوس كثير من المؤمنين بتوحيد الربوبية، ولا أريد أن أبعد بالقارئ الكريم في ضرب الأمثلة فحسبي هنا أن أنقل ما ذكره المؤلف الذي نحن في صدد الرد عليه فإنه قال بعد أسطر من كلامه السابق (ص ٢١ - ٢٢):
«ونراهم (يعني العامة) يحلفون بالأولياء، وينطقون في حقهم بما ظاهره الكفر الصراح بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولا شك ... فكثير من جهلة العوام بالمغرب ينطق بما هو كفر صراح في حق مولانا عبد القادر الجيلاني ﵁ ... فإن عندنا بالمغرب من يقول عن القطب الأكبر مولانا عبد السلام بن مشيش ﵁ أنه الذي خلق الدين والدنيا! ومنهم من قال والمطر نازل بشدة: يا مولانا عبد السلام ألطف بعبادك! فهذا كفر! ... ».
قلت: فهذا الكفر أشد من كفر المشركين، لأن هذا فيه التصريح بالشرك في توحيد الربوبية أيضاً، وهو مما لا نعلم أنه وقع من المشركين أنفسهم! وأما الشرك في الألوهية فهو أكثر في جهَّال هذه الأمة- ولا أقول عوامهم- فإذا كان هذا حال
стр. 765
المسلمين اليوم وقبل اليوم فكيف يقول هذا الرجل:
«وقد انتفت العلة برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين .. »؟!
وإذا كان يريد بـ «المؤمنين» الصحابة ﵃، فلا شك أنهم كانوا مؤمنين حقاً، عالمين بحقيقة التوحيد الذي جاءهم به رسول الله ﵌، ولكن الشريعة الإسلامية شريعة عامة أبدية فلا يلزم من انتفاء العلة- ولو ثبت- بالنسبة إليهم أن ينتفي الحكم بالنسبة لمن بعدهم، لأن العلة لا تزال قائمة، والواقع أصدق شاهد على ذلك.
الوجه الثاني: علمت مما سبق من الأحاديث أن النبي ﵌ حذر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته، بل في مرض موته فمتى زالت العلة التي ذكرها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته ﵌ فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه ﵌، لأن القول بذلك يستلزم- بناء على ما سبق من كلامه- أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعد في نفوس الصحابة ﵃ وإنما رسخ بعد وفاته ﵌! ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم وهذا مما لا أتصور أحداً يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته ﵌ قلنا: وكيف ذلك وهو ﵌ إنما نهى عن ذلك في آخر نفس من حياته؟ ويؤيده:
الوجه الثالث: أن في بعض الأحاديث المتقدمة باستمرار الحكم إلى قيام الساعة كالحديث (١٢).
الوجه الرابع: أن الصحابة ﵃ إنما دفنوه في حجرته ﵌ خشية أن يتخذ قبره مسجدا كما تقدم عن عائشة ﵂ في الحديث (٤) [[وكذا الحديث رقم ١]]، فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت منصبة على الصحابة
стр. 766
أنفسهم، أو على من بعدهم، فإن قيل بالأول قلنا فالخشية على من بعدهم أولى وإن قيل بالثاني، وهو الصواب عندنا فهو دليل قاطع على أن الصحابة ﵃ كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم، لا في عصرهم، ولا فيما بعدهم، فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بين. ويؤيده:
الوجه الخامس: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه مما يستلزم بقاء العلة السابقة وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها، وهذا بين لا يخفى والحمد لله وإليك بعض الأمثلة على ما ذكرنا:
١ - عن عبد الله بن شرحبيل بن حسنة قال: رأيت عثمان بن عفان يأمر بتسوية القبور فقيل له هذا قبر أم عمرو بنت عثمان! فأمر به فسوي (١).
٢ - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب:
ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرا مشرفاً إلا سويته (٢).
стр. 767
ولما كان هذا الحديث حجة واضحة على إبطال ما ذهب إليه الشيخ الغماري في كتابه المشار إليه سابقاً حاول التقصي منه من طريقين:
الأول: تأويله، حتى يتفق مع مذهبه.
والآخر: التشكيك في ثبوته فقال (ص ٥٧):
«فلا بد من أحد أمرين: إما أن يكون غير ثابت في نفسه، أو هو محمول على غير ظاهره ولا بد».
قلت: أما ثبوته فلا شك فيه لأن له طرقا كثيرة بعضها في «الصحيح» كما سبق ولكن أصحاب الأهواء لا يلتزمون القواعد العلمية في التصحيح والتضعيف، بل ما كان عليهم ضعفوه ولو كان في نفسه صحيحا كهذا الحديث (١)، وما كان لهم صححوه أو مشوه ولو كان في نفسه ضعيفاً، وسيأتي لذلك بعض الأمثلة الأخرى والله المستعان.
стр. 768
وأما تأويله فقد ذكر له وجوها واهية أقواها قوله:
«إنه خبرٌ متروك الظاهر بالاتفاق لأن الأئمة متفقون على كراهة تسوية القبر وعلى استحباب رفعه قدر شبر».
قلت: العجب ممن يدعي الاجتهاد ويحرم التقليد كيف يصرف الأحاديث ويتأولها حتى تتفق مع أقوال الأئمة بزعمه، بينما الاجتهاد الصحيح يقتضي عكس ذلك تماما على أن الحديث لا ينافي الاتفاق المذكور، لأنه خاص بالقبر المبني عليه فحينئذ يسوى بالأرض كما سبق عن الأزهار واتفاق الأئمة إنما هو في الأصل الذي ينبغي أن يراعى حين دفن الميت فيرفع قليلاً فهذا لا يعنيه الحديث كما أفاده القارئ رحمه فيما تقدم نقله قريباً في الحاشية.
ثم نقل الغماري في تأويل الحديث عن الشافعية أنهم قالوا: «لم يرد تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعاً بين الأحاديث».
قلت: لو سلم هذا فهو دليل على الغماري لا له لأنه لا يقول بوجوب تسطيحه بل يقول باستحباب رفعه بدون حد، وباستحباب البناء عليه قبة أو مسجداً!
ثم قال الغماري في الجواب الأخير عن الحديث:
«وهو الصحيح عندنا أنه أراد قبور المشركين التي كانوا يقدسونها في الجاهلية وفي بلاد الكفار التي افتتحها الصحابة ﵃ بدليل ذكر التماثيل معها».
قلت: في بعض طرق الحديث عند أحمد أن بعث علي ﵁ إنما كان إلى بعض نواحي المدينة حين كان رسول الله ﵌ فيها، فهذا يبطل ما ادعاه من أن
стр. 769
الإرسال كان إلى بلاد الكفار.
ثم إن موضع الشاهد من الحديث إنما هو بعث علي أبا الهياج إلى تسوية القبور، وكان رئيس الشرطة ففيه دليل واضح على أن علياً وكذا عثمان ﵄ في الأثر المتقدم كانا يعلمان هذا الحكم بعد وفاته ﵌ خلافا لما
زعمه الغماري.
٣ - عن أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا المشي ولا يتبعني مجمر، ولا تجعلوا في لحدي شيئا يحول بيني وبين التراب ولا تجعلوا على قبري بناء وأشهدكم أني بريء من كل حالقة أو سالقة أو خارقة (١) قالوا أو سمعت فيها شيئا؟ قال: نعم من رسول الله ﵌ (٢).
٤ - عن أنس: كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور (٣).
٥ - عن إبراهيم أنه كان يكره أن يجعل على القبر مسجداً (٤).
وإبراهيم هذا هو ابن يزيد النخعي الثقة الإمام، وهو تابعي صغير مات سنة (٩٦)، فقد تلقى هذا الحكم بلا شك من بعض كبار التابعين أو ممن أدركهم من الصحابة، ففيه دليل قاطع على أنهم كانوا يرون بقاء هذا الحكم واستمراره بعده
стр. 770
- ﵌ فمتى نسخ؟!
٦ - عن المعرور بن سويد قال:
«خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (١) و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٢) فلما قضى حجه ورجع والناس يتبدرون، فقال: ما هذا؟ فقال: مسجد صلى فيه رسول الله ﵌، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً! من عرضت له منكم فيها الصلاة، فليصل ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» (٣).
٧ - عن نافع قال:
«بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت» (٤).
стр. 771
٨ - عن قزعة قال سألت ابن عمر: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأتها، وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (١).
٩ - عن علي بن حسين:
أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله ﵌؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي
стр. 772
فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» (١).
ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وابن خزيمة في «حديث علي ابن حجر» (ج ٤/رقم ٤٨) وابن عساكر (٤/ ٢١٧/١) (٢) من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي ﵌ فالتزمه ومسح قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله ﵌: «لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، [وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]» (٣).
١٠ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني (٤) حيثما كنتم» (٥).
стр. 773
١١ - ورأى ابن عمر فسطاطاً (١) على قبر عبد الرحمن فقال: «انزعه يا غلام فإنما يظله عمله» (٢).
١٢ - عن أبي هريرة أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطا ً (٣).
١٣ - وروى ابن أبي شيبة وابن عساكر (٧/ ٩٦/٢) مثله عن أبي سعيد الخدري (٤).
١٤ - عن محمد بن كعب قال: هذه الفساطيط التي على القبور محدثة (٥).
١٥ - سعيد بن المسيب أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إذا ما مت فلا تضربوا على قبري فسطاطا (٦).
١٦ - عن سالم مولى عبد الله بن علي بن حسين قال: أوصى محمد بن علي أبو جعفر قال: لا ترفعوا قبري على الأرض (٧).
١٧ - عن عمرو بن شرحبيل قال:
стр. 774
«لا ترفعوا جدثي- يعني القبر - فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك» (١).
واعلم أن هذه الآثار وإن اختلفت دلالاتها فهي متفقة على النهي في الجملة عن كل ما ينبئ عن تعظيم القبور تعظيما يخشى منه الوقوع في الفتنة والضلال، مثل بناء المساجد والقباب على القبور وضرب الخيام عليها ورفعها أكثر من الحديث المشروع، والسفر والاختلاف إليها (٢) والتسمح بها، ومثل التبرك بآثار الأنبياء ونحو ذلك.
فهذه الأمور كلها غير مشروعة عند السلف الذين سميناهم من الصحابة وغيرهم، وذلك يدل على أنهم كانوا جميعا يرون بقاء علة النهي عن بناء المساجد على القبور وتعظيمها بما لم يشرع ألا وهي خشية الإضلال والافتتان بالموتى، كما نص عليها الإمام الشافعي ﵀ فيما سبق بدليل استمرارهم على القول بالحكم المعلول بهذه العلة فإن بقاء أحدهم يستلزم بقاء الآخر كما لا يخفى وهذا بالنسبة لمن نص منهم على كراهية بناء المساجد على القبور ظاهراً، أما الذين صرحوا بالنهي عن غير ذلك مثل رفع القبر وضرب الخيمة عليه ونحوه مما أجملنا الكلام عليه آنفا فهم يقولون ببقاء الحكم المذكور من باب أولى وذلك لوجهين:
الأول: أن بناء المساجد على القبور أشد جرماً من رفع القبور وضرب الخيام عليها، لما ورد من اللعن على البناء، دون الرفع والضرب المذكور.
الثاني: أن المفروض في أولئك السلف الفهم والعلم، فإذا ثبت عن أحد
стр. 775
منهم النهي عن شيء هو دون ما نهى عنه الشارع، ولم ينقل هذا النهي عن أحدهم، فنحن نقطع بأنه ينهى عنه أيضاً، حتى ولو فرض عدم بلوغ النهي إليه لأن نهيه عما هو دون هذا يستلزم النهي عنه من باب أولى، كما لا يخفى.
فثبت أن القول بانتفاء العلة المذكورة وما بني عليه كله باطل، لمخالفته
نهج السلف الصالح ﵃، مع مصادمته للأحاديث الصحيحة، والله المستعان.
"تحذير الساجد" (ص٤٧ - ١٠٠)