يعجز عنها أي جاهل ولم يكتفِ بها حتى لجأ إلى تبريرها بما يضحك الثكلى وليس هذا فقط، بل إنه أعرض عن أقوال الأئمة الصريحة في تضعيف جميع طرق الأحاديث المشار إليها، وفيهم جماعة من كبار أئمة الشافعية الذي يتعصب لهم الدكتور عادة، كالإمام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني فضلاً عن غيرهم من الحفاظ المحققين كما سأبينه بإذن الله تعالى، مفصلاً ما في قوله هذا من الجهل والتجاهل والافتراء والتقليد الأعمى واتباع الهوى.
١ - لقد قلد في دعواه ارتفاع حديث فضل زيارة قبره ﵌ إلى درجة القوة بعض الفقهاء المتقدمين المقلدين الذين لا علم عندهم بهذا العلم الشريف مثل الأخنائي والسبكي وغيرهما من المتأخرين، وهو يعلم أن الذين ردوا عليهم من أهل المعرفة بهذا العلم قد بينوا بطلان الدعوى المذكورة بما لا يدع شبهة، فهذا هو الأخنائي يقول:
(ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح).
فرد ذلك عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوه يهمنا منها بعضها، فقال ﵀ (ص٨٧) وكأنه يرد على البوطي لتشابه ما بينه وبين الأخنائي!
(الثالث) أنه قول لم يذكر عليه دليلاً، فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب. وهو لم يذكر شيئاً من تلك الأحاديث فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع.
(الوجه الرابع) أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ: زيارة قبره حديث
стр. 947
صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئاً من ذلك، ولا أرباب السنن المعتمدة، كسنن أبي داود والنسائي ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من أهل هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك. ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن؟
(الوجه الخامس) قوله: وغيرها بما لم يبلغ درجة الصحيح .. فنقول له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة،
فتقابل بالمنع.
(الوجه السادس) أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، كما بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثاً حديثاً، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ﵌ البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفاً عندهم، ولهذا كره مالك التكلم به (١) بخلاف لفظ (زيارة) مطلقاً، فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﵌ وعن أصحابه ... ).
أقول: فما الذي صرف الدكتور البوطي عن الاعتماد على هذا الكلام لشيخ الإسلام وهو أعلم من السبكي وغيره ممن يقلده البوطي بما لا يصح المفاضلة
стр. 948
بينهما كما يقول مالك بكراهة التكلم بزيارة قبره ﵌ فضلاً عن غيره من أئمة الحديث كما يأتي-لولا الهوى وخوف أن يقال فيه "وهابي"! أم أن الدكتور لضيق عطنه وقلة اطلاعه، لا علم عنده بوجهة نظر ابن تيمية هذه، وأقوال الموافقين له من العلماء، وهذا مما استبعده، وسواء كان هذا وذاك فأحلاهما مر!
وكذلك ما الذي منعه من الانتفاع بنقد الحافظ محمد بن عبد الهادي للشيخ السبكي في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي". وقد تتبع فيه أحاديث السبكي في الزيارة حديثاً حديثاً وبين عللها، وأقوال أئمة الحديث فيها من (ص١٠ - ١٧١) وفصل القول فيها تفصيلاً لا يدع أي شك في قلب أحد من المنصفين بضعفها، وعدم ثبوت شيء منها إطلاقاً، وأنه ليس فيها ما يقوي بعضه بعضاً لشدة ضعفها واضطراب أسانيدها، وتضارب ألفاظها، ولذلك فإني أرى لزاماً على أن أوجز الكلام عليها هنا بمقدار ما يكشف عن عللها، وتقوم الحجة به على البوطي وأمثاله من المقلدين والمغترين بها (ليحيى من حيّ عن بينة) محيلاً لمن شاء التفصيل إلى كتاب الحافظ ابن عبد الهادي فإنه جمع فأوعى، وكتاب التلخيص لابن حجر (ج٢/ ٢٦٦و ٣٦٧) وإلى كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" فقد كنت بسطت الكلام فيه على بعضها رقم (٢٥و ٤٧و ٢٠٤).
الحديث الأول عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ:
«من زار قبري وجبت له شفاعتي» وله عنه طرق):
الأولى: من رواية موسى بن هلال العبدي وهو مجهول، وقد اضطرب في إسناده فقال مرة: عن عبد الله بن عمر، وقال: عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. قال البيهقي:
стр. 949
(وسواء قال عبيد الله، أو عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره) وقال فيه العقيلي:
(ولا يصح حديثه ولا يتابع عليه).ثم ساقه بإسناده وقال عقبه:
(والرواية في هذا الباب فيها لين).وفي نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال:
(ولا يصح في هذا الباب شيء. والمعنى واحد، وهو أن طرقه كلها ضعيفة) وذلك مما صرح به الحافظ في آخر كلامه على الحديث.
وعبيد الله المصغر-ثقة، بخلاف أخيه عبد الله -المكبر- فإنه ضعيف ورجع ابن عدي أنه هو صاحب هذا الحديث، ووافقه الإمام ابن خزيمة وصرح بأن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر كما قال الحافظ ابن حجر: ولذا قال النووي:
(إسناده ضعيف جداً).
الثانية: من رواية عبد الله بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر.
وعبد الله بن إبراهيم وهو ابن أبي عمرو الغفاري متهم بالكذب والوضع. ونحوه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه ضعيف جداً، وهو راوي حديث توسل آدم ﵇ بنبينا ﵌ وهو موضوع كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٥) وقد قال النووي في هذه الطريق أيضاً:
"إسناده ضعيف جداً".
الثالثة: من رواية مسلمة بن سالم الجهني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عنه بلفظ: «من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً على أن أكون
стр. 950
له شفيعاً يوم القيامة».
ومسلمة هذا مجهول، ويقال فيه مسلمة بن سالم الجهني، قال أبو داود: ليس بثقة. وقد اضطرب في إسناده فرواه مرة هكذا. وقال مرة: عن عبد الله بن عمر عن نافع. وهذا هو الأشبه أنه من روايته عن عبد الله بن عمر العمري المكبر المضعف، فيكون الجهني هذا متابعاً لموسى بن هلال الذي في الطريق الأولى، إلا أن متابعته له مما لا يفرح بها العلماء، لأنه غير ثقة كما عرفت، ولو نفعت لم يتقوى الحديث بها لأن فوقهما عبد الله بن عمر الضعيف، على أنه ليس فيه زيارة القبر الشريف! فيمكن حمله على زيارته في حياته، وهذا مما لا شك في شرعيته فتنبه ولا تكن من أهل الأهواء الغافلين!
ثم إن المحفوظ في هذا المعنى ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل أشهد (وفي رواية: أشفع) لمن مات فيها». فهذا هو أصل الحديث ولفظه، فحرفه أولئك المجهولون والضعفاء عمداً أو سهواً، واغتر بهم من لا علم عندهم!
الرابعة: من رواية حفص بن سليمان أبي عمر عن الليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه بلفظ: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي زاد بعضهم وصحبني».
وهذا منكر جداً، حفص بن سليمان وهو الأسدي القارئ الغاضري متروك متهم بالكذب والوضع، وقد تفرد به كما قال البيهقي، وليث بن أبي سليم ضعيف مختلط، وهو مخرج في "الضعيفة" برم (٤٧).
الخامسة: من راوية محمد بن محمد بن النعمان بن شبل: حدثني جدي قال:
стр. 951
حدثني مالك عن نافع عنه بلفظ: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني».
وهذا موضوع، كما قال ابن الجوزي والذهبي والزركشي وغيرهم كما تراه في "الضعيفة" (٤٥)، والآفة من محمد بن محمد، أو من جده النعمان بن شبل، وكلاهما متهم، ورجح ابن عبد الهادي الأول فليراجعه من شاء. وليس فيه أيضاً ذكر زيارة القبر الشريف.
الحديث الثاني: عن عمر مرفوعاً بلفظ: «من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً». يرويه سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي: حدثني رجل من آل عمر عنه.
وهذا متن مضطرب، وإسناد مظلم، سوار هذا مجهول لا يعرف، وبعض الرواة يقلبه فيقول: ميمون بن سوار. وشيخه رجل لم يسم وهو أسوأ حالاً من المجهول، وقد اضطربوا فيه، فبعضهم يقول: "رجل من آل عمر"، كما في هذه الرواية، وبعضهم يقول: "رجل من ولد حاطب". وبعضهم يدخل بينه وبين سوار هارون أبا قزعة وهو مجهول أيضاً، وبعضهم يقول فيه هارون بن أبي قزعة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في "الضعفاء"! وقال "البيهقي": "هذا إسناد مجهول".
الحديث: الثالث: عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ:
«من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان».
وهذا موضوع، آفته أسيد بن زيد الجمال الكوفي، قال ابن معين: كذاب، سمعته يحدث بأحاديث كذب ومع ذلك فليس فيه ذكر القبر مطلقاً.
وله عنه طريق آخر بلفظ: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي،
стр. 952
ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال شفيعاً».
وهذا موضوع أيضاً، في إسناده فضالة بن سعيد بن زميل مجهول لا يعرف إلا في هذا الخبر الذي تفرد به ولم يتابع عليه. وقال الذهبي: "هذا موضوع".
الحديث الرابع: عن علي مرفوعاً: «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزر قبري فقد جفاني».
وهذا موضوع، آفته أنه من رواية النعمان بن شبل المتقدم، اتهمه الحافظ موسى بن هارون الحمال، وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات. وهو يرويه عن محمد بن الفضل بن عطية، وكان كذاباً، كما قال ابن معين، وقال أحمد: حديثه حديث أهل الكذب. وهذا يرويه عن جابر الجعفي، وهو رافضي متروك شديد الضعف، قال أبو حنيفة ﵀: ما رأيت أكذب منه.
الحديث الخامس: عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: «» من حج حجة
الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى في بيت المقدس، لم يسأله الله فيما افترض عليه».
وهذا حديث باطل ظاهر البطلان، ولذلك قال السيوطي وغيره: إنه حديث موضوع، وهو مخرج في "الأحاديث الضعيفة" برقم (٢٠٤).
الحديث السادس: عن أبي هريرة مرفوعاً:
«من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي».
وهذا موضوع، في إسناده خالد بن يزيد العمري، قال ابن معين، وأبو حاتم:
стр. 953
"كذاب". وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات".
قلت: والسند إليه مظلم، فيه من لا يعرف.
الحديث السابع: عن أنس، وله عنه لفظان بطريقين:
الأول بلفظ: «» من زارني محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة».
وفي إسناده سليمان بن يزيد الكعبي، قال أبو حاتم: "منكر الحديث".
ثم هو منقطع، لأن الكعبي هذا لم يسمع من أنس.
والآخر بلفظ: ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر".
وهذا موضوع، في سنده سمعان بن المهدي، قال الذهبي:
"ولا يكاد يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبح الله من وضعها".
قلت: وإسناده إليه ظلمات بعضها فوق بعض، وليس فيه ذكر القبر أيضاً.
الحديث الثامن: عن رجل عن بكير بن عبد الله مرفوعاً:
«من أتى المدينة زائراً وجبت له شفاعتي يوم القيامة».
وهذا باطل كما قال ابن عبد الهادي، وإسناده مرسل أو معضل، وفيه الرجل المبهم، وليس فيه ذكر القبر.
قلت: هذه هي الأحاديث التي أشار إليها الدكتور البوطي، وتلك طرقها التي زعم أن الحديث يرتقي بمجموعها إلى درجة القوة! دون أن يجري أي دراسة حولها -لو كان يستطيعها- ليعلم شدة ضعفها وتنافر متونها، فيحول ذلك بينه وبين الزعم المذكور. ولكن إذا كان لا يستطيع تلك الدراسة، فهل لا يحسن التقليد
стр. 954
أيضاً؟ فهو بدل أن يقلد شيخ الإسلام الذي صرح بتضعيف الحديث من جميع طرقه كما رأيت، يقلد الاخنائي، أو بدل أن يقلد الإمام النووي الذي ضعف جداً طريقيه المتقدمين -وهما أشهر طرقه- قلد السبكي الذي قوى الحديث خلافاً لكل من تكلم على الحديث من المتقدمين عليه- علماً وزمناً- الذين جزموا بأنه حديث منكر كابن خزيمة والبيهقي وغيرهما ممن تكلموا على مفردات طرقه وضعفوها كلها ممن سبق ذكرهم كالعقيلي الذي صرح بضعف جميع طرقه والعسقلاني والذهبي والسيوطي، فضلاً عن ابن تيمية وابن عبد الهادي، فلو أن الدكتور كان يحسن التقليد على الأقل لقلد هؤلاء لاختصاصهم بهذا العلم وكثرة عددهم وتقدمهم، ولكن صدق الله العظيم: «ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور».
واعتقادي أن الدكتور يظن (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) أن أي حديث كثرت طرقه تقوى بها! وهذا جهل مخالف لما هو مقرر في علم مصطلح الحديث، قال ابن الصلاح في "المقدمة" (ص٣٦ - ٣٧) بعد أن ذكر الحديث الحسن لغيره وهو الذي جاء من أكثر من وجه ليس فيه مغفل كثير الخطأ.
(لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها مع كونها رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث: «الأذنان من الرأس» ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن، لأن بعض ذلك يعضد بعضاً كما قلتم في الحسن على ما سبق آنفاً؟ وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه صنف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه، وكذلك إذا كان ضعفه
стр. 955
من حيث الإرسال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر. ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك، لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي، متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً. وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة).
أقول: أي والله إنه لمن النفائس العزيزة التي يغفل عنها كثير من المشتغلين بهذا العلم، فضلاً عن غيرهم ممن لا معرفة لهم به مطلقاً، كهذا الذي نحن في صدد الرد عليه، والتحذير من آثار جهله، ولذلك فإنه لما لخص الحافظ ابن كثير كلام ابن الصلاح هذا في "مختصره" (١) (ص٤٣) وأقره عليه. علق عليه الشيخ أحمد شاكر ﵀ بقوله:
(وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ازداد ضعفاً، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم، يرفع الثقة بحديثهم، ويؤيد ضعف روايتهم
وهذا واضح).
قلت: إذا أمعن القارئ النظر في تلك الطرق المتقدمة لحديث الزيارة لم يجد فيها أي صفة من تلك الصفات التي ذكرها ابن الصلاح في الطرق التي يتقوى الحديث بها، فليس فيها مثلاً راوٍ واحد على الأقل هو من أهل الصدق، علمنا أنه
стр. 956
ضعيف الحفظ، بل هم من المتهمين بالكذب، أو المعروفين بالضعف الشديد، أو من المجهولين، أو المبهمين مع عدم سلامة الحديث من الاضطراب والنكارة في المتن، كما أنه ليس فيها طريق واحدة مرسلة، أرسلها إمام حافظ!!
من أجل ذلك نجد كثيراً من الأحاديث الضعيفة، قد جزم العلماء بضعفها مع أن لها طرقاً كثيرة، وقد ضرب ابن الصلاح لذلك مثلاً بحديث: «الأذنان من الرأس»، وفيه عندي نظر من وجوه أهمها أنني وجدت له طريقاً قوية الإسناد، ولذلك خرجته في "صحيح أبي داود" (١٢٣) و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٦) وهذا مطبوع، فليراجعه من شاء.
ولذلك، فالأولى عندي التمثيل بحديث: «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً له يوم القيامة» كما فعل الحافظ السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٧١) وقال عقبة:
"فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه".
والجهل بهذه القاعدة الهامة يؤدي إلى تقوية كثير من الأحاديث الضعيفة من أجل طرقها، بل وقد يؤدي إلى الالتحاق ببعض الفرق الضالة، فهذا مثلاً حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» فقد روي من حديث أبي سعيد، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وسهل بن حنيف، وغيرهم، ومع ذلك فهو معدود في جملة الأحاديث الموضوعة (١).ومثله حديث: «على خير البشر، من أبي فقد كفر» له طرق كثيرة أيضاً (٢). والأمثلة من هذا النوع كثيرة جداً لا تكاد تحصر، فراجع إن
стр. 957
شئت كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ففيها الشيء الكثير منها: (٥٥، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٩ و١٣٤، ٢٢٦، ٢٣٠و ٢٦٦و ٣٣٢و ٣٣٧و ٤٥١و ٥٨٣و ٥٨٥و ٦٤٩).
أقول: فهذه الأمثلة من الأحاديث الموضوعة ينبغي أن تكون عند الدكتور البوطي، صحيحة لأنه يصدق فيها قوله المتقدم: "بعضها يقوي بعضاً ... "!! ﴿فهل من مدكر﴾؟
"دفاع عن الحديث النبوي" (ص٩٢ - ١١٢).
[٢١٦] باب جواز زيارة قبر النبي ﵌
دون شد الرحل إليه بقصد الزيارة
[قال رسول الله ﵌]:
«يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، [أ] ولعلك أن تمر بمسجدي [هذا أ] وقبري».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٥): حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان حدثنا صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني، أن معاذاً لما بعثه النبي ﵌ خرج إلى اليمن معه النبي ﵌ يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﵌ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: فذكره.
وزاد: فبكى معاذ بن جبل جشعاً لفراق رسول الله ﵌، فقال النبي ﵌: «لا تبك يا معاذ! لَلبكاء، أو إن البكاء من الشيطان».
стр. 958
(تنبيه): هذا الحديث استدل به الدكتور البوطي في آخر كتابه " فقه السيرة " على شرعية زيارة قبره ﵌ التي زعم أن ابن تيمية ينكرها! ونحن وإن كنا لا نخالفه في هذا الاستدلال، فإنه ظاهر، ولكنا ننبه القراء بأن هذا الزعم باطل وافتراء على ابن تيمية ﵀، فإن كتبه طافحة بالتصريح بشرعيتها، بل وتوسع في بيان آدابها، وإنما ينكر ابن تيمية قصدها بالسفر إليها، المعني بحديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... » الحديث، كما كنت بينت ذلك وبسطت القول فيه من أقوال ابن تيمية نفسه في ردي على البوطي المسمى: "دفاع عن الحديث النبوي"، فما معنى إصرار الدكتور على هذه الفرية حتى الطبعة الأخيرة من كتابه؟! الجواب عند القراء الألباء.
"الصحيحة" (٥/ ٦٦٥ - ٦٦٧).
[٢١٧] باب بدع زيارة القبر النبوي
[ذكر الإمام من بدع زيارة القبر النبوي]:
- قصد قبره ﵌ بالسفر (١).
- ارسال العرائض مع الحجاج والزوار إلى النبي ﵌.
- إبقاء القبر النبوي في مسجده (٢).
- زيارة قبره ﵌ قبل الصلاة في مسجد.
стр. 959
- وقوف بعضهم أمام القبر بغاية الخشوع واضعاً يمينه على يساره كما يفعل في الصلاة.
- قصد استقبال القبر اثناء الدعاء.
- قصد القبر للدعاء عنده رجاء الإجابة. «الاختيارات العلمية» (٥٠).
- التوسل به ﵌ إلى الله في الدعاء.
- طلب الشفاعة وغيرها منه.
- قول ابن الحاج (١) في «المدخل» (١/ ٢٥٩) أن من الأدب: «أن لا يذكر حوائجه ومغفرة ذنوبه بلسانه عند زيارة قبره^ لأنه أعلم منه بحوائجه ومصالحه»!!
- قوله أيضاً (١/ ٢٦٤): «لا فرق بين موته ﵇ وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وتحسراتهم وخواطرهم»!!
- وضعهم اليد تبركاً على شباك حجرة قبره ﵌ وحلف البعض بذلك بقوله: وحق الذي وضعتَ يدك على شباكه وقلت: الشفاعة يا رسول الله!!
- «تقبيل القبر أو استلامه أو ما يجاور القبر من عود ونحوه».
«فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٣١٠) و «الاقتضاء» (١٧٦) و «الاعتصام» (٢/ ١٣٤ - ١٤٠) و «إغاثة اللهفان» (١/ ١٩٤) و «الباعث» لأبي شامة (٧٠) والبركوي في
стр. 960
«اطفال المسلمين» (٢٣٤) و «الإبداع» (٩٠)(١).
- «قصد الصلاة تجاه قبره» (٢).
«الرد على البكري» لا بن تيمية (٧١) و «القاعدة الجليلة» (١٢٥ - ١٢٦) و «الإغاثة» (١/ ١٩٤ - ١٩٥) والحادمي على «الطريقة المحمدية» (٤/ ٣٢٢).
- «الجلوس عند القبر وحوله للتلاوة والذكر» «الاقتضاء» (١٨٣ - ٢١٠).
- قصد القبر النبوي للسلام عليه دبر كل صلاة (١٨٢).
- «قصد أهل المدينة زيارة القبر النبوي، كلما دخلوا المسجد، أو
خرجوا منه».
«الرد على الاخنائي» (ص ١٥٠ - ١٥١ و١٥٦، ٢١٧، ٢١٨) و «الشفا في
стр. 961
حقوق المصطفى» للقاضي عياض (٢/ ٧٩) و «المدخل» (١/ ٢٦٢).
- التوجه إلى جهة القبر الشريف عند دخول المسجد أو الخروج منه، والقيام بعيداً منه بغاية الخشوع.
- تبركهم بما يسقط مع المطر من قطع الدهان الأخضر من قبة القبر النبوي!
- «تقربهم بأكل التمر الصيحاني في الروضة الشريفة بين المنبر والقبر».
«الباعث على إنكار البدع» (ص ٧٠) و «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٩٦).
«قطعهم من شعور هم ورميها في القنديل الكبير القريب من التربة النبوية».
«المصدران السابقان».
حجة النبي ﵌ " (ص١٣٦ - ١٤٢).
[٢١٨] باب من صور الغلو في زيارة قبر الرسول ﵌ -
[قال رسول الله ﵌]:
«من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ومما يدل على وضعه أن جفاء النبي ﵌ من الكبائر إن لم يكن كفراً، وعليه فمن ترك زيارته ﵌ يكون مرتكباً لذنب كبير، وذلك يستلزم أن الزيارة واجبة كالحجٍ، وهذا مما لا يقوله مسلم، ذلك لأن زيارته ﵌ وإن كانت من القربات
стр. 962
فإنها لا تتجاوز عند العلماء حدود المستحبات، فكيف يكون تاركها مجافياً للنبي ﵌ ومعرضاً عنه؟!
"الضعيفة" (١/ ١١٩).
[٢١٩] باب منه
[روي عن النبي ﵌]:
«من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي».
(موضوع).
[قال الإمام]:
واعلم أنه قد جاءت أحاديث أخرى في زيارة قبره ﵌ وقد ساقها كلها السبكي في " الشفاء " وكلها واهية وبعضها أو هى من بعض، وهذا أجودها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الآتي ذكره، وقد تولى بيان ذلك الحافظ ابن عبد الهادي في الكتاب المشار إليه آنفاً [كتاب " الصارم المنكي"] بتفصيل وتحقيق لا تراه عند غيره فليرجع إليه من شاء.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة " (ص ٥٧): "وأحاديث زيارة قبره ﵌ كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين، ولهذا لم يروأهل الصحاح والسنن شيئا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما.
ثم ذكر هذا الحديث ثم قال: فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا به كان من أصحابه، لاسيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه ﵌ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي
стр. 963
فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» خرجاه في الصحيحين، والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس، والصلاة عليه ﵌ فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين (يعني زيارة قبره ﵌) بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهي عنه، وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهو مستحب ".
(تنبيه): يظن كثير من الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحى نحوه من السلفيين يمنع من زيارة قبره ﵌، وهذا كذب وافتراء وليست أول فرية على ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعليهم، وكل من له اطلاع على كتب ابن تيمية يعلم أنه يقول بمشروعية زيارة قبره ﵌ واستحبابها إذا لم يقترن بها شيء من المخالفات والبدع، مثل شد الرحل والسفر إليها لعموم قوله ﵌: «لا تشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد» والمستثنى منه في هذا الحديث ليس هو المساجد فقط كما يظن كثيرون بل هو كل مكان يقصد للتقرب إلى الله فيه سواء كان مسجدا أو قبرا أو غير ذلك، بدليل ما رواه أبوهريرة قال (في حديث له): فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لوأدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت! سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ٢٢٦).
فهذا دليل صريح على أن الصحابة فهموا الحديث على عمومه، ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لزيارة قبر ما، فَهُم سلف ابن تيمية في هذه المسألة، فمن طعن فيه فإنما يطعن في السلف الصالح ﵃، ورحم الله من قال:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف.
"الضعيفة" (١/ ١٢٠، ١٢٣ - ١٢٥).
стр. 964
[٢٢٠] باب منه
[روي عن الني ﵌ أنه قال]:
«من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي».باطل.
[ثم علل الإمام بطلانه ثم قال]:
ومما سبق تعلم أن ما جاء في بعض كتب التربية الدينية التي تدرس في سورية تحت عنوان: زيارة قبر النبي ﵌: أن هذا الحديث رواه الدارقطني وابن السكن والطبراني وغيرهم بروايات مختلفة تبلغ درجة القبول، لم يصدر عن بحث علمي في إسناده، ولا نظر دقيق في متنه، الذي جعل من زار قبره ﵌، بمنزلة من زاره في حياته، ونال شرف صحبته، التي من فضائلها ما تحدث عنه ﵌ بقوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده، لوأنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»!.
فمن كان بينه وبين هؤلاء الصحابة ﵃ هذا البون الشاسع في الفضل والتفاوت، كيف يعقل أن يجعله ﵌ مثل واحد منهم، بمجرد زيارة قبره ﵌، وهي لا تعدوأن تكون من المستحبات؟!
"الضعيفة" (٣/ ٨٩،٩١).
стр. 965
[٢٢١] باب بيان بطلان ما ينسب
إلى أسامة بن زيد من صلاته عند قبر النبي ﵌ -
عن محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر رسول الله ﵌، فخرج مروان بن الحكم فقال: تصلي إلى قبره؟ فقال: إني أحبه فقال له قولا قبيحاً ثم أدبر، فانصرف أسامة فقال: يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش» وإنك فاحش متفحش.
[قال الإمام]:
صحيح لغيره المرفوع فقط, والقصة ضعيفة، وقوله: يصلي عند قبر النبي ﵌ منكر باطل.
[ثم علق قائلاً]:
ومع ضعف الإسناد؛ فإنَّ في القصة ما لا يخفى بطلانه على طالب علم فقيه, بل ولا على عارف بفضل الصحابة, وبعدهم عن الشركيات؛ من الصلاة عند القبر, والاحتجاج على ذلك بحبِّ النبيّ ﵌ , كما تقول جهلة العوام اليوم, هذا لو كانَ من الممكن يومئذ الصلاة إلى القبر الشريف, وهو في بيت عائشة ﵂.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٢٦٢)
стр. 966
[٢٢٢] باب زيارة قبر النبي ﵌
حكمها حكم زيارة باقي القبور ؟
سؤال: .. هل زيارة قبره ﵊ مثل بقية مقابر المسلمين
حيث علمنا وأرشدنا بأن زيارة القبور تذكرنا بالآخرة، فتكون عبرةً لنا، أم هي خصوصية أخرى؟
الشيخ: لا خصوصية هاهنا، فزيارة قبر النبي ﵌ مشروعة كسائر قبور المسلمين، ولكن ينبغي أن نذكر من يتذكر بأن هناك فرقًا بين هذه المسألة التي لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان ألا وهي زيارة قبر الرسول ﵊ فهي مشروعة دون خلاف بين ... لكن هذا شيء وشد الرحال والسفر خاصًة لزيارة قبر النبي ﵌ فضلًا عن قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، هذا أمر لا يجوز في الإسلام لقوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» ولذلك فمن يريد أن يزور قبر النبي ﵌ زيارًة شرعية فعليه أن ينوي السفر باكتساب فضيلة الصلاة في مسجده ﵊ حيث قال: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» عليه أن يقصد بسفره المسجد لينال هذه الفضيلة البالغة، وبطبيعة الحال إذا وصل إلى هناك وزار قبره ﵇، وزار البقيع، زار شهداء أحد، هذا كله جائز لا خلاف فيه، لكن الفرق بين أن يخلص النية في شد الرحل للصلاة في المسجد أو يجعل النية لزيارة قبر الرسول ﵇، وفي هذا مخالفة لذاك الحديث الصحيح: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد».
"فتاوى الإمارات" (٥/ ٠٠: ٤٢: ٥٩)
стр. 967
[٢٢٣] باب هل تشرع زيارة قبر النبي ﵌ -
السائل: بالنسبة للحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، أحيانًا يأتي بعبارات تستغرب منه، كقوله في زيارة النبي ﵌: إن زيارة النبي ﵌ من أعظم القرب، لا أذكر أين قرأتها في السير .. ؟
الشيخ: من أين وجه الاستغراب؟
مداخلة: يعني: زيارة النبي ﵌ من أعظم القرب.
الشيخ: أعدت العبارة بدون فائدة.
مداخلة: الحافظ الذهبي يعني معروف من كبار .. يعني: العبارة ما فيها خطأ، يعني: هل ترى أن ما فيها خطأ؟
الشيخ: أعدت كلامك.
مداخلة: أرفق بي جزاك الله خيرًا، يعني: الحافظ الذهبي معروف أنه من السلفيين، يعني: من علماء السلف لا شك إن شاء الله، يعني: هذه العبارة كأنها غريبة، أو ما فهمتها أنا؟
الشيخ: أنا ما فهمت استشكالك، فلأدخل أنا معك الآن لاستكشاف ما وراء الأكمة، هل الاستغراب هو اسم التفضيل بالذات، أم غير ذلك؟
مداخلة: لا، غير ذلك.
الشيخ: جميل! فلو أردنا أن نعبر نيابةً عن الذهبي بعبارة تكون مقبولة عندنا نحن معشر السلفيين، ماذا نقول؟
مداخلة: لا تشرع زيارة قبر النبي ﵌ -
стр. 968
الشيخ: لماذا؟
مداخلة: لأنه لا تشرع زيارة قبر النبي ﵌
الشيخ: .. الآن قد نصل إلى ما تقصد، لو قال قائل: يجوز شد الرحل إلى مسجد الرسول ﵇، فيه اعتراض؟
مداخلة: فيه اعتراض.
الشيخ: طيب! لو قال قائل: يجوز زيارة قبر الرسول، هناك اعتراض؟
مداخلة: فيه اعتراض.
الشيخ: لِمَ؟
مداخلة: لأنه ما شُرِع هذا، .. لعموم الحديث حديث أبي هريرة: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس» شك أبو هريرة حسب الراوي ... فيعني: لا يشرع هذا الذي أفهمه.
الشيخ: من هنا أوتيت! كان سؤالي بناًء على استشكالك، ليس هو: هل يجوز شد الرحل لزيارة قبر الرسول ﵇، وإنما كان بعد أن قلنا وسألنا: هل يجوز شد الرحل إلى مسجد الرسول ﵇؟ كان الجواب حقًّا، ثم تصرفنا في العبارة ورفعنا المسجد ووضعنا الزيارة، فقلنا: هل يجوز زيارة قبر الرسول، ولم نقل: هل يجوز شد الرحل لزيارة قبر الرسول؟ فلا شك أنك تفرق معنا بين العبارتين، فالعبارة الأولى: هل يجوز زيارة قبر الرسول، العبارة الثانية: هل يجوز شد الرحل لزيارة قبر الرسول؟ فأنت كان جوابك ينصب على السؤال الثاني الذي ما كنت وجهته إليك، جوابك يصلح لما لو كان السؤال: هل يجوز شد الرحل
стр. 969
لزيارة قبر الرسول؟ فذكرت حديث أبي هريرة وهذا صواب، لكن لم يكن السؤال هكذا، كان السؤال: هل يجوز زيارة قبر الرسول؟ واضح الآن الفرق؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: طيب! يعود السؤال: هل يجوز زيارة قبر الرسول؟
مداخلة: نعم يجوز.
الشيخ: فإذًا: لا إشكال.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٣/ ٠١: ٠٩: ٠٥)
[٢٢٤] باب الانتصار لشيخ الإسلام
في قوله بحرمة شد الرحال بقصد زيارة قبر النبي
سؤال: باختصار! نقل ابن حجر ﵀ في الفتح في المجلد الثالث أنه قال: من أبشع المسائل التي ذكرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه منع شد الرحال إلى قبر النبي ﵊، انتهى كلامه بتصرف، فيفهم من ذلك أن ابن حجر يعتمد على قوله هذا بأحاديث وأقوال ..
مداخلة: فيفهم من كلامك ... فهمت الآن عن النسبة التي فهمت: أن ابن حجر يعتمد على أحاديث طيب! ويرى بجواز شد الرحال إلى قبر النبي ﵊.
الشيخ: ما هي الأحاديث؟
مداخلة: ما أدري، ما يفهم من هذا الآن؟
الشيخ: لا.
стр. 970
مداخلة: وإلا ماذا يفهم؟
الشيخ: يفهم باستغراب هذا القول ولا يعني أن هناك أحاديث؛ لأنه يجب أن نستحضر في أذهاننا أن الأحكام الشرعية لا تثبت بأحاديث صريحة كلها، تارةً هكذا وتارةً باستنباط، وتارةً بالقياس، طيب! فإذا كان هناك استنباط وقياس ورأيت إنسانًا ذهب إلى قول ما واستغربته أنت ليس من الضروري أن تتصور أن هذا القول يوجد عليه حديث، ممكن أن يكون بالقياس، طيب! والآن: فسؤالك: هل الأحاديث تجيز شد الرحل إلى قبر الرسول ﵌ أم لا، أم أنت تريد أن تسأل ما موقفك من استغراب الحافظ ابن حجر لقول ابن تيمية أنه لا يجوز شد الرحل إلى قبر النبي ﵌؟
مداخلة: نعم يا شيخ.
الشيخ: وهو؟
مداخلة: استغراب الحافظ
الشيخ: أنا أقول: قوله هو المستغرب، قول ابن حجر هو المستغرب، لماذا؟ لأنه يعلم قول النبي ﵌: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وذكرها، وفي رواية لمسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فالآن: المسجد النبوي لم يكن القبر فيه، تعرف هذه الحقيقة؟ فهل كان شد الرحل فيه قبل دفنه ﵇ وبعدما قال هذا الحديث مشروعًا أم لا؟ أعيد ما قلته: عندما قال الرسول ﵌: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كان ميتًا أم كان حيًا؟
مداخلة: حيًا.
الشيخ: كان قبره في المسجد؟
стр. 971
مداخلة: لا.
الشيخ: كان شد الرحل إلى المسجد مشروعًا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم، عندما أصبح القبر في المسجد بعد موته ﵇ بزمان، وبعدما أجروا التوسعة، أصبح الآن القبر في المسجد، هل تغير الحكم السابق؟
مداخلة: لا ما تغير.
الشيخ: إذًا: بقي الحكم السابق كما هو، ولذلك يقول ابن تيمية أو غيره: أن الذي يسافر إلى المدينة فيجب أن يخلص النية لشد الرحل إلى مسجده ﵇؛ ذلك لأن الصلاة فيه بألف صلاة، فإذا وصل إلى ذلك المكان أو المقام فأمكن أن يزور قبر الرسول ﵇ كما يزور أي قبر من قبور الأولياء أو الأنبياء أو الصالحين، بينما إذا عكس النية فنوى أن يشد الرحل لزيارة قبره ﵇ هذا أولًا لا حديث فيه إطلاقًا، وثانيًا: قلب الحكم الشرعي، فالحكم الشرعي قال: لا تشد الرحال إلا إلى المسجد، فكيف هو عكس الموضوع وشد الرحل إلى القبر، واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فإذًا: قول ابن حجر هو المستغرب، وأظنكم تعلمون قوله ﵌: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) وفي حديث الفقراء الذي فيه: «إن لكم في كل تسبيحة صدقة وتحميدة صدقة وأمر بمعروف ونهي عن منكر» ثم
стр. 972
ختم الحديث بقوله: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته وله عليها أجر؟ قال: أليس إذا وضعها في حرام يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال يكون له عليها أجر» (١) كلٌّ ممن أتى الحلال أو الحرام قضى شهوته، لكن والاختلاف بالنية، العمل الواحد يختلف باختلاف النية فمن شد الرحل إلى المسجد النبوي فهذا اتقى الله فأجر، ثم له بعد ذلك أن يزور قبر الرسول وقبر أبي بكر الصديق وأُحُد وقباء ... وليس كذلك من عكس الحكم فشد الرحل لزيارة قبر الرسول وزيارة قبر أبي بكر وعمر، هذا واضح إن شاء الله.
مداخلة: واضح.
"رحلة النور" (ب٤٠/ ٠٠:٣٥:٥١)
[٢٢٥] باب رد بعض شبهات
المجيزين لشد الرحال إلى قبر النبي ﵌ -
سؤال: بعض الذين يقولون بجواز قصد السفر لزيارة قبر النبي ﵌ يحتجون بحجة يقولون: لو أن شخصاً مقيماً في مكة ويريد أن يسافر إلى المدينة فماذا ينوي؟ لو قلنا: أنه ينوي زيارة المسجد النبوي فالصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي، فيقولون: فنحن إذاً لا بد أنه ينوي زيارة القبر الشريف حتى تكون نيته يعني: للبيت قد تكون لها معنى، فكنا نحب أن نسمع الرد على ذلك؟
الشيخ: الرد واضح، هل زيارة قبر الرسول أفضل من الصلاة في مسجد الرسول؟
стр. 973
فإذا كان هو يعيش في مكة والصلاة فيها بمائة ألف، فإذاً لا مبرر له من أن يشد رحلاً للصلاة في المسجد النبوي فإذاً لا مبرر له من أن يشد الرحل من أجل زيارة قبر الرسول ﵇ ..
"الهدى والنور" (٨٠/ ٣٤: ٥٧: ٠٠)
[٢٢٦] باب هل تجوز زيارة قبر النبي ﵌ بعد كل صلاة ؟
[سئل الإمام سؤالاً مفاده هل يجوز لمن سافر إلى المدينة النبوية أن يزور قبر النبي ﵌ بعد كل صلاة؟]
السائل: عفواً أنت ذكرت من سافر إلى المدينة ثم ثنيت فذكرت أهل المدينة، أكذلك؟
الشيخ:- إذا كنت تعني ما تقول كلما صلى فنقول لا، لكنه يجوز أن يفعل ذلك أحياناً وكذلك أهل المدينة لا يجوز لهم أن يترددوا دبر كل صلاة كما هو الواقع اليوم، لأنهم بذلك يتخذون قبره ﵇ عيداً وقد جاءت أحاديث ثابتة في النهي عن اتخاذ قبره عيداً، لكن من فعل ذلك أحياناً سواءً كان من سكان المدينة أو من الوافدين إليها فيفعل ذلك أحياناً ولا يكرر.
مداخلة: [ألم يكن ابن عمر يفعل ذلك].
الشيخ: مش دائماً كان إذا مثلاً غاب من سفر جاء إلى قبر الرسول ﵇ وسلم عليه وعلى أبي بكر وعلى أبيه، أما أن يجعل ذلك ديدنه كما يفعل المبتدعة في هذا الزمان، فحاشاه من مثل ذلك.
" الهدى والنور" (٩٧/ ١٥: ٠٤: ٠٠)
стр. 974
[٢٢٧] باب الفرق بين السلام على النبي ﵌
من المدينة المنورة ومن خارجها
مداخلة: يسأل السائل فيقول: ما الفرق بين السلام على رسول الله ﵌ من بلد آخر غير المدينة المنورة علمًا بأن الملائكة يبلغون السلام بنص الحديث، وبين وقوف الشخص أمام قبره ﵊.
الشيخ: الحقيقة أنه لا فرق، وقد جاءت أحاديث تؤكد هذا، ذكرت شيئًا منها قديمًا في كتابي: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، جاء عن بعض أهل البيت أنه رأى رجلًا جالسًا بجانب قبر النبي ﵌ فسأله عن سبب جلوسه بهذا القرب من قبر النبي ﵌ فقال: إنه يصلي على النبي ﵌، فأجابه: بأن صلاة المصلي أنت هنا ومن كان في الأندلس سواء؛ ذلك لأن من خصوصيات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ومما فضله الله ﵎ على من قبله من إخوانه من الأنبياء والرسل أنه كما قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» (١) سياحين: طوافين في الدنيا كلها، يبلغوني عن أمتي السلام، ولا فرق بين من يصلي على النبي ﵌ في مسجده وعند قبره وبين من يصلي هنا وهناك في أقاصي البلاد كلها؛ لأن الملائكة الموظفين بتبليغ الصلاة عليه ﵌ إليه يقومون بذلك خير قيام.
وهذا في الحقيقة يذكرني بشيء لعل من المفيد أن أذكره: في أول مرة حينما كتب لي أن أسافر إلى السعودية وأن أؤدي فريضة الحج لأول مرة، فلما جئت لآخذ الجواز ويوقع عليه الضابط المسئول رأى أن الأمر في دخول المدينة، قال:
стр. 975
أريد منك شيئًا، قلت له: تفضل، قال: إذا وصلت إلى هناك بالسلامة أقرئ سلامي إلى رسول الله ﵌، كان الوضع يومئٍذ خير مما هو الآن، مع الأسف تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح، فقلت له: ألا أدلك هو الشاهد على ما هو خير لك مما توصيه، قال: تفضل، قلت: أنا إنسان قد لا أصل بسبب أو أكثر إلى المدينة، وقد أصل فلا أتذكر، فالآن: أفلا أدلك على ما هو خير لك قال: تفضل، قلت: صل عليه الآن يصل الآن بأسرع من طرف البصر، وذكرت له هذا الحديث: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» فهؤلاء موظفون من رب العالمين فقط لتبليغ نبينا صلوات الله وسلامه عليه سلام أمته.
ويحسن التنبيه أيضًا بحديث: «من صلى علي نائيًا أبلغته، ومن صلى علي قريبًا مني سمعته» هذا حديث موضوع لا أصل له، فقد كنت خرجته تخريجًا علميًا في الجزء الأول كما أذكر من "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة".
"فتاوى الإمارات" (٥/ ٠٠: ٣٨: ٥٢)
стр. 976
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملاً ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٢)
(كتاب التوحيد وما يضاده من الشرك)
الجزء الثاني
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
стр. 977
جماع أبواب
أحكام التوسل
стр. 978
[٢٢٨] باب بيان اضطراب الأقوال
في حكم التوسل مما يوجب تحقيق القول فيه
[قال الإمام]:
اضطرب الناس في مسألة التوسل، وحكمها في الدين اضطراباً كبيراً، واختلفوا فيها اختلافاً عظيماً، بين مُحلِّل ومُحرِّم، ومغال ومتساهل، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلاً: «اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني" و «اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي" و «اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان" أو «اللهم بكرامة رجال الله عندك، وبجاه من نحن في حضرته، وتحت مدده فرج الهم عنا وعن المهمومين"و «اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين .. " إلخ.
ويسمون هذا توسلاً، ويدَّعون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى، يصح أن يكون وسيلة إلى الله، بل قد أجاز بعض المتأخرين الاستغاثة بغير الله!
"التوسل" (ص٩ - ١٠)
стр. 979
[٢٢٩] باب التوسل في اللغة والقرآن
[قال الإمام]:
أحب أن ألفت النظر إلى سبب هام من أسباب سوء فهم كثير من الناس لمعنى التوسل، وتوسعهم فيه، وإدخالهم فيه ما ليس منه، وذلك هو عدم فهمهم لمعناه اللغوي، وعدم معرفتهم بدلالته الأصلية، ذلك أن لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عنى بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في «النهاية": (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل) وقال الفيروز أبادي في «القاموس": (وسل إلى الله تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل) وقال ابن فارس في «معجم المقاييس": (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ).
وقال الراغب الأصفاني في «المفردات": (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).
وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضاً وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما
стр. 980
ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله ﵌: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة﴾ (١).
وواضح إن هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.
معنى الوسيلة في القرآن:
إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (المائدة: ٣٥ (، وقوله سبحانه: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً﴾ (الإسراء: ٥٧ (.
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. ﴿اتقوا الله﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).
стр. 981
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه .. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود) (١).
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون) (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣): (أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).
قلت: وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: ﴿يبتغون﴾ أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها،
стр. 982
ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على
كل شيء.
الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله:
ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطئ لا يصح حمل الآيتين عليه، لأنه لم يثبت شرعاً أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكر هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله ﵎ يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه
بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يكل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه؛ لأنه لا يعلم ما يرضي الله إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله ﵌، ويعني ذلك أن نرجع إلى كتاب الله
стр. 983
وسنة رسوله ﵌ وهذا هو الذي وصانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" (١).
متى يكون العمل صالحاً:
وقد تبين من الكتاب والسنة أن العمل حتى يكون صالحاً مقبولاً يقرب إلى الله سبحانه، فلا بد من أن يتوفر فيه أمران هامان عظيمان، أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله ، وثانيهما: أن يكون موافقاً لما شرعه الله ﵎ في كتابه، أو بينه رسوله في سنته، فإذا اختل واحد من هذين الشرطين لم يكن العمل صالحاً ولا مقبولاً.
ويدل على هذا قوله ﵎: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ (الكهف: ١١٠) فقد أمر سبحانه أن يكون العمل صالحاً، أي موافقاً للسنة، ثم أمر أن يخلص به صاحبه لله، لا يبتغي به سواه.
قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره": (وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله ﵌) وروي مثل هذا عن القاضي عياض ﵀ وغيره.
"التوسل" (١١ - ١٦)
стр. 984
[٢٣٠] باب الوسائل الكونية والشرعية وكيفية معرفة مشروعية الوسائل
[قال الإمام]:
إذا عرفنا أن الوسيلة هي السبب الموصل إلى المطلوب برغبة فاعلم أنها تنقسم إلى قسمين، وسيلة كونية، ووسيلة شرعية.
فأما الوسيلة الكونية فهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله بها، ويؤدي إلى المطلوب بفطرته التي فطره الله عليها، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر من غير تفريق، ومن أمثلتها الماء فهو وسيلة إلى ريّ الإنسان، والطعام وسيلة إلى شبعه، واللباس وسيلة إلى حمايته من الحر والقر، والسيارة وسيلة إلى انتقاله من مكان إلى مكان، وهكذا.
وأما الوسيلة الشرعية فهي كل سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى، وبينه في كتابه وسنة نبيه، وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله.
ومن أمثلتها النطق بالشهادتين بإخلاص وفهم وسيلة إلى دخول الجنة والنجاة من الخلود في النار، وإتباع السيئة الحسنة وسيلة إلى محو السيئة، وقول الدعاء المأثور بعد الأذان وسيلة إلى نيل شفاعة النبي ﵌، وصلة الأرحام وسيلة لطول العمر وسعة الرزق، وهكذا.
فهذه الأمور وأمثالها إنما عرفنا أنها وسائل تحقق تلك الغايات والمقاصد عن طريق الشرع وحده، لا عن طريق العلم أو التجربة أو الحواس، فنحن لم نعلم أن صلة الرحم تطيل العمر وتوسع الرزق إلا من قوله صلوات الله وسلامه عليه:
стр. 985
«من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فَلْيَصِلْ رحمه " (١).
وهكذا الأمثلة الأخرى.
ويخطئ الكثيرون في فهم هذه الوسائل بنوعيها خطأ كبيراً، ويهمون وهماً شنيعاً، فقد يظنون سبباً كونياً ما يوصل إلى غاية معينة، ويكون الأمر بخلاف ما يظنون، وقد يعتقدون سبباً شرعياً ما يؤدي إلى مقصد شرعي معين، ويكون الحق بخلاف ما يعتقدون.
فمن أمثلة الوسائل الباطلة شرعاً وكوناً في آن واحد، ما يراه المار في شارع النصر في دمشق في كثير من الأحيان، إذ يجد بعض الناس قد وضعوا أمامهم مناضد صغيرة، وعليها حيوان صغير يشبه الفأر الكبير، وقد وضع بجانبه بطاقات مضمومة كتب فيها عبارات فيها توقعات لحظوظ الناس، كتبها صاحب الحيوان، أو أملاها عليه بعض الناس كما شاء لهم جهلهم وهواهم، فيمر الصديقان الحميمان فيقول أحدهم للأخر: تعال لنرى حظنا ونصيبنا، فيدفعان للرجل بضعة قروش، فيدفع الحوين لسحب بطاقة ما، ويعطيها أحدهما فيقرؤها، ويطالع حظه المزعوم فيها!
ترى ما مبلغ عقل هذا الإنسان الذي يتخذ الحيوان دليلاً ليعلمه ما جهله، وليطلعه على ما غُيّب عنه من قدره؟
إنه إن كان يعتقد فعلاً أن هذا الحيوان يعلم الغيب فلا شك أن الحيوان خير منه، وإن كان لا يعتقد ذلك ففعله هذا عبث وسخف وإضاعة وقت ومال يتنزه عنه العقلاء. كما أن تعاطي هذا العمل تدجيل وتضليل وأكل لأموال الناس بالباطل.