← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فإن تحرَّي الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد. فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سداً للذريعة فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكون قصدوه للصلاة فيه؟.ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يقال أن الأنبياء قاموا فيها كالمقامين اللذين بجبل قاسيون بدمشق اللذين يقال أنهما مقام إبراهيم ﵇، والمقام الذي يقال إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك من البقع التي بالحجاز والشام وغيرها. ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: أن هذا مقام نبي أو قبر نبي أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو نمام لا تعرف حقيقته!. ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً فيصير وثناً يعبد من دون الله تعالى؛ شرك مبني على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص. ولهذا قال النبي ﵌ في الحديث الصحيح: «عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله (مرتين)». ثم قرأ: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين﴾ (١). ثم قال مثل هذا القول في الكتاب المذكور (ص٢٠٣ - ٢٠٤) ثم قال:

стр. 912

(ص٢٠٨ - ٢٠٩): وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم، وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات كعب الأحبار. وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيراً من الإسرائيليات، وقد قال معاوية ﵁: وما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحياناً. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم باطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه». ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة، إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي ﵌ بحديث كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبي العالية ونحوهم، وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين، توقف أهل العلم في مراسيلهم وليس بين أحدهم وبين النبي ﵌ إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة مثلاً، فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء، وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة أو أكثر أو أقل، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئاً بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي ﵌، وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء أو منسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلا الله، ومعلوم أن أصحاب النبي ﵌ من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موت النبي

стр. 913

وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الامصار، وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه، فما كان من هذه البقاع لم يعظموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك. وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك لأن اتّباع سبيلهم أولى من أتباع سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل انه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﵌ «لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين، ولم يصل بمكان غيره ولا زار». "تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص ٤٨ - ٥٦). [٢٠٣] باب هل شد الرحال يحرم لغير المساجد الثلاثة من المساجد فقط أم أن ذلك عام ؟ سؤال: [قوله ﵌]: تشد الرحال هذا يا شيخ: يقصد في المساجد أو عام لكل .. لكل الأسفار. لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد يعني: لا تشد إلا إلى هذه من بين المساجد؟ الشيخ: هذه مسألة كما لا يخفاك خلافية منذ القديم، لكن الصحيح أن النص عام والمستثنى خاص لا تشد الرحال إلى الموضع من المواضع لقصد تفضيل ذلك المكان إلا هذه المساجد الثلاثة، وأذكر أنني كنت عالجت هذه المسألة بالذات في كتاب: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، وذكرت هناك أقوال العلماء في تأويل الحديث ودعمت هذا القول الذي ذكرته آنفاً بخبر صحيح

стр. 914

الإسناد في مسند الإمام أحمد أن أبا بصرة الغفاري ﵁ لقي أبا هريرة قادماً من سفر، فلما سأله من أين؟ قال: من الطور، قال: لو علمت لما ذهبت سمعت رسول الله ﵌ وذكر الحديث في لفظ آخر لا تعمل المطي إلى مسجد من المساجد إلا المساجد الثلاثة. فاستفدنا من هذه الرواية أن الصحابي راوي الحديث الذي سمعه من النبي ﵌ يفهم أن الحديث على عمومه، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد من يعارض هذا الفهم العام. "الهدى والنور" (٧٢٣/ ٥٨: ٤٧: ٠٠) و (٧٢٣/ ٠٠: ٤٩: ٠٠) [٢٠٤] باب حديث: «لا تشد الرِّحال» يشمل المواطن الفاضلة عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت؛ إنى سمعت رسول الله ﵌ يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى. (صحيح). [قال الإمام]: الحديث عام يشمل المساجد وغيرها من المواطن التي تقصد لذاتها أو لفضل يدعى فيها، ألا ترى أن أبا بصرة ﵁ قد أنكر على أبى هريرة سفره إلى الطور وليس هو مسجدًا يصلى فيه، وإنما هو جبل كلم الله فيه موسى عليه

стр. 915

السلام فهو جبل مبارك ومع ذلك أنكر أبو بصرة السفر إليه وقد ثبت مثله عن عبد الله بن عمر ﵁ كما بينته في غير هذا الموضع. "إرواء الغليل" (٤/ ١٤٣). [٢٠٥] باب بدعية شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين [ذكر الإمام مِن بدع ما قبل الإحرام في الحج]: «السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين» [ثم علق في الحاشية قائلاً]: وأما الزيارة التي ليس معها سفر فهي مشروعة باتفاق العلماء ومنهم أبن تيمية، وكل من يتهمه بانكارها فهو جاهل أو مغرض. "حجة النبي ﵌ " (ص١٠٨). [٢٠٦] باب ما هو الحكم الشرعي في شد الرحال إلى القبور ؟ سؤال: ما هو الحكم الشرعي في شد الرحال إلى القبور؟ الشيخ: ... (إذا) كان النبي ﵌ نهى عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد الثلاثة، فمن باب أولى ينهى عن السفر إلى قبر من القبور الذي لا فضيلة له ولا مزية من حيث أنه لا شبه له بالمساجد التي هي خير البقاع لعموم قوله ﵊، فإذا نهى عن شد الرحال إلى المساجد وهي خير البقاع، إلا ما سوى المساجد الثلاثة، فلأن ينهى عن شد الرحال إلى أي مزار أو قبر هذا من باب أولى، وهنا نستطيع أن نقول: يلتقي صحة النظر مع صحة الأثر وليس بعد ذلك لأحد من أمر. " الهدى والنور" (٦/ ٤٦: ٢٤: ٠٠)

стр. 916

[٢٠٧] باب حكم شد الرحال إلى القبور وإلى المواطن الفاضلة [قال رسول ﵌]: «إنما تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى». [قال الإمام]: «عن سعيد بن أبي سعيد المقبري: أن أبابصرة جميل بن بصرة لقى أبا هريرة وهو مقبل من الطور فقال لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تاته، إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: فذكره» والحديث في " الصحيحين " وغيرهما من طرق عن أبي هريرة بلفظ " لا تشد الرحال " وقد خرجتها في " إرواء الغليل " (رقم ٩٥١)، وإنما خرجته هنا لهذه الزيادة التي فيها إنكار أبي بصرة على أبي هريرة ﵄ سفره إلى الطور، ولها طرق أخرى أوردتها هناك، فلما وقفت على هذه الطريق أحببت أن أقيدها هنا، وقد فاتتني ثم. وفي هذه الزيادة فائدة هامة، وهي أن راوي الحديث وهو الصحابي الجليل أبو بصرة ﵁ قد فهم من النبي ﵌ أن النهي يشمل غير المساجد الثلاثة من المواطن الفاضلة كالطور وهو جبل كلم الله عليه موسى تكليما ولذلك أنكر على أبي هريرة سفره إليه، وقال: " لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته " وأقره على ذلك أبو هريرة ولم يقل له كما يقول بعض المتأخرين: " الاستثناء مفرغ، والمعنى: لا تسافر لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة "! بل المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد.

стр. 917

وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر ﵁ كما بينته في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها " وهو الذي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض، والإمام الجويني والقاضي حسين، فقالوا: "يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة".ذكره المناوي في " الفيض ". فليس هو رأي ابن تيمية وحده كما يظن بعض الجهلة وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء. فهل آن للغافلين أن يعودوا إلى رشدهم ويتبعوا السلف في عبادتهم وأن ينتهوا عن اتهام الأبرياء بما ليس فيهم؟. "الصحيحة" (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨). [٢٠٨] باب بدعية قصد المساجد التي بمكة غير المسجد الحرام [ذكر الإمام: مِن بدع الحج]: «قصد المساجد التي بمكة، وما حولها، غير المسجد الحرام، كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ومسجد المولد، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﵌». «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩) و «تفسير سورة الإخلاص» لابن تيمية (١٧٩). "حجة النبي ﵌ " (ص١١٢ - ١١٣).

стр. 918

[٢٠٩] باب بدعية قصد الجبال والبقاع التي حول مكة [ذكر الإمام من بدع الحج]: «قصد الجبال والبقاع التي حول مكة، مثل جبل حراء، والجبل الذي عند منى، الذي يقال: إنه كان فيه الفداء، ونحو ذلك». «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٢٨٩). "حجة النبي ﵌ "" (ص١١٢ - ١١٣). [٢١٠] باب بدعية قصد الصلاة في مسجد عائشة [ذكر الإمام من بدع الحج]: «قصد الصلاة في مساجد عائشة بـ (التنعيم)». «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨). "حجة النبي ﵌ " (ص١١٣). [٢١١] باب بدعية قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة غير المسجد النبوي ومسجد قباء [ذكر الإمام من بدع زيارة المدينة النبوية]: «قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبي ﵌ إلا مسجد قباء». «تفسير سورة الإخلاص» (١٧٣ - ١٧٧). حجة النبي ﵌ " (ص١٤٤)

стр. 919

[٢١٢] باب لا يجوز شد الرحل إلى مسجد قباء مع فضيلته [تَكلَّم الإمام على فضل المساجد الثلاثة ثم قال]: ثم مسجد قباء وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ (التوبة/١٠٨) فإنه لما نزلت «أتاهم ﵊ في مسجد قباء فقال: «إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا [قال: وهو ذاك فعلكيم به]» ... وللصلاة فيه أجر عظيم فقد قال ﵌: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد- يعني مسجد قباء (وفي لفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء) فيصلي فيه كان كعدل عمرة (وفي اللفظ الآخر: كان له كأجر عمرة» ... ولذلك «كان ﵌ يأتي قباء [كل سبت] راكباً وماشياً [فيصلي فيه ركعتين]». قال الحافظ: «وفي هذا الحديث- على اختلاف طرقه- دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك، وفيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم؛ لكون النبي ﵌ كان يأتي مسجد قباء راكباً، وتعقب بأن مجيئه ﵌ إلى قباء إنما كان لمواصلة الأنصار، وتفقد حالهم، وحال من تأخر منهم، عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت».

стр. 920

قلت: فعلى هذا فذهابه ﵊ يوم السبت لم يكن مقصوداً بالذات، بل مراعاة لمصلحة التفقد المذكور، وعليه فالأيام كلها سواء في الفضيلة في زيارة قباء لعدم وجود قصد التخصيص، فما ذكره القاري في «المرقاة» (١/ ٤٤٨) عن الطيبي أن: «الزيارة يوم السبت سُنة» ليس كما ينبغي (١) قط. ثم وقفت على من ذكر ذلك وهو الإمام أبو شامة الشافعي في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وقد ذكر فيه ما يوافق ما ذهبنا إله من عدم جواز التخصيص وإليك كلامه في ذلك كله قال ﵀ (ص٣٤): «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصها بها الشرع، بل يكون جميع أنواع البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك؛ اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر، فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة النبي ﵌». ثم ساق حديث «الصحيحين» عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله ﵌ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وحديث علقمة قال:

стр. 921

قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﵌ يخص من الأيام شيئاً؟ قالت: لا كان عمله ديمة».ثم قال: «قال محمد بن سلمة: ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد قباء، قال: وكره أن يعد له يوماً بعينه فيؤتى فيه خوفاً من البدعة، وأن يطول بالناس زمان فيجعل ذلك عيداً يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجئ فيه بدعة. قلت: وقد صح أن النبي ﵌ كان يأتي قباء كل سبت، ولكن معنى هذا أنه كان يزوره في كل أسبوع، وعبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ونظيره ما في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك ﵁ في استسقاء النبي ﵌ يوم الجمعة قال فيه: فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً. والله أعلم. وكذلك الاستدلال بالحديث على جواز التخصيص المذكور ليس بجيد أيضاً، إلا أن يكون المراد به التخصيص مراعاة للمصلحة لا ترجيحاً ليوم على آخر بدون نص من النبي ﵌، مثال ذلك تخصيص يوم للتدريس أو إلقاء محاضرة ليجتمع الناس لسماع ذلك، فهذا لا مانع منه لأن اليوم ليس مقصوداً بالذات، ولذلك ينتقل منه إلى غيره مراراً ملاحقة للمصلحة، وهذا بخلاف تخصيص بعض الأيام ببعض العبادات بزعم أنها فيها أفضل منها في غيرها، كتخصيص ليلة العيدين بالقيام والعبادة، وتخصيص يومهما بالزيارة- أعني زيارة القبور-، وتخصيص شهر ربيع الأول بقراءة قصة مولد الرسول ﵊، فكل هذا وأمثاله بدع ومنكرات يجب نبذها والنهي عنها، ولذلك لما استدل النووي في «شرح مسلم» بالحديث على جواز التخصيص قال: «وكره ابن مسلمة المالكي ذلك، ولعله لم تبلغه هذه الأحاديث».

стр. 922

قلت: هذا بعيد والأقرب أنها بلغته ولكنه لم يفهم منها ما ذهب إليه النووي وغيره، وقد بينا ما هو الحق عندنا في المسألة. والله أعلم (فائدة): قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢/ ١٨٦): «ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد، واحتجوا بأن النبي ﵌ كان يأتي قباء كل سبت راكباً وماشياً، ولا حجة لهم فيه؛ لأن قباء ليس مشهداً، بل مسجد، وهي منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة؛ لأن ذلك ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب، كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد». قلت: ولهذا قلنا: «ولكن لا يجوز أن يشد الرحل إليه للحديث السابق» وهو قوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... الحديث» وليس هذا منها. "الثمر المستطاب" (٢/ ٥٦٧ - ٥٧٨). [٢١٣] باب بدعية الصلاة عند قبر إبراهيم الخليل ﵇ [ذكر الإمام من بدع زيارة بيت المقدس]: - «الصلاة عند قبر إبراهيم الخليل ﵇» «مجموعة الرسائل» (٢/ ٥٦). حجة النبي ﵌ " (ص١٤٦ - ١٤٧)

стр. 923

[٢١٤] باب فتوى الشيخ في النُصُب المزعوم للخضر الذي كان موجوداً في جزيرة فيلكا وعلى دعوى المبتدعة وعَبدَةِ القبور في حياة الخضر [قال الإمام]: إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات العمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد، أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فقد رغب مني بعض الأساتذة الفضلاء، أن أكتب كلمة موجزة حول الخضر ﵊، والأثر المنسوب إليه في جزيرة (فيلكا) في (الكويت)، بمناسبة طبع الكتاب الذي ألفه في ذلك الأخ الفاضل أحمد بن عبد العزيز الحصين، وفتاوى السادة العلماء التي ألحقها به، نفع الله بها المسلمين آمين. وبناء عليه فقد رأيت أن أدير الكلام في ذلك حول مسألتين اثنتين: الأولى: التبرك بأثره المزعوم في الكويت وغيرها من البلاد الإسلامية، وقصد التقرب إلى الله تعالى بزيارته والتعبد بالصلاة والدعاء لديه. والأخرى: النظر في قول من رجح أن الخضر ﵊ ليس نبياً. والله تعالى أسأل أن يلهمني التوفيق في القول والعمل فأقول: ١ - اعلم أيها القارئ الكريم أنه إذا كان الراجح بل الصحيح من أقوال العلماء أن الخضر ﵊ قد مات في جملة من خلا من الرسل والأنبياء ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فليس من الممكن عادة، أو فمن البعيد جداً، أن يظل مقام من مقاماته ﵇ معروفًا حتى اليوم، وقد

стр. 924

مضى عليه آلاف السنين، ولذلك صرح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من المحققين أنه لا يعرف قبر نبي من الأنبياء على التعيين واليقين، إلا قبر نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، هذا مع حرص أتباعهم من اليهود والنصارى على اتخاذ قبورهم مساجد كما أشارت الآية الكريمة إلى شيء من ذلك: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، وكما أخبرنا بذلك رسول الله ﵌ في أحاديث كثيرة متواترة وأنهم لعنوا بسبب ذلك (١)، فإذا كان الأمر كذلك في قبورهم التي كانت ظاهرة على الأرض بل مرفوعة البنيان، ومع ذلك لم يبق لها أثر تعرف به، فأولى ثم أولى أن يضيع مقام من مقاماته التي قام فيه الخضر وصلى، والذي ليس عليه دليل مادي متوارث خلفاً عن سلف مثلا, ولئن فرض أنه ظل مقامه معروفاً، فذلك مما يمكن التسليم به إلى ما قبل الإسلام وظهوره، وأما بعد ذلك، وتمكين الله ﵎ له في الأرض، وقضاؤه على كل آثار الشرك والوثنية، مما هو في قدرته، وتحت سلطانه، فلو كان مقام الخضر المزعوم في الجزيرة (فيلكا) أو غيره موجوداً أو مقصوداً للتبرك به كما هو الواقع اليوم لقضى عليه المسلمون الأولون وقطعوا دابره، منعاً لافتتان الناس به والتعبد لديه. ألا ترى أن شجرة الرضوان التي بويع تحتها النبي ﵊، من أصحابه الكرام، قد عميت على الصحابة أنفسهم ثم على الذين جاؤوا من بعدهم، حتى صار مكانها نسيا منسياً، كما جاء في صحيح البخاري، وغيره مما هو مفصل في موضع آخر (٢)، وما ذلك إلا سداً للذريعة، وقطعاً لدابر الفتنة، ولا سيما بالنسبة للذين يأتون من بعدهم، ممن لا معرفة لديهم بالكتاب والسنة، وأصول الشريعة

стр. 925

وقواعدها المحكمة، وقد قيل إن عمر ﵁ هو الذي قطعها، وفي ذلك نظر ذكرته في غير هذا الزمان (١). وأيضا فلو ادعى مدع مكابر، أن مقام (فيلكا) أو غيره من المقامات المنسوبة للخضر في غيرها من البلاد الإسلامية كمسجد دمشق، وحلب وغيرها أنه هو مقام الخضر ﵇ حقيقة وأنه بقي معروفاً حتى اليوم، فليس ذلك بالذي يبرر قصده للصلاة فيه، والتعبد لله عنده، بله طلبه لشيء من البدع والشركيات التي وصف المؤلف حفظه الله بعضها مما يقع لديه، لأن ذلك القصد ليس من سنة المسلمين الأولين، بل هو من سنن اليهود المغضوب عليهم، والنصارى الضالين، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أن ذلك كان من أسباب هلاكهم، فقد رأى في حجة له في خلافته الراشدة أناساً يبتدرون مكاناً يقصدونه للصلاة والعبادة فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﵌، فهم يقصدون الصلاة فيه، فقال ﵁: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيها الصلاة فلا يصل (٢). وهذا من فقه عمر ﵁ وحكمته، وقد يخفى ذلك على كثير من الخاصة فضلا عن غيرهم، وبيانه: أنه إذا كان من المعلوم عند الفقهاء أنه يجب التزام السنة في أفعال النبي ﵌ وعبادته الظاهرة، وأنه لا يجوز بوجه من الوجوه قصد مخالفته في هذه السنة ن فأولى ثم أولى أن لا يجوز قصد مخالفته في نيته

стр. 926

التي نواها فيها، لأنه مخالف للأدلة الكثيرة الموجبة للاقتداء به ﵌ (١). فإذا كان من المعلوم مثلا أنه كان يصلي صلاة الضحى بنية التطوع، فلا يجوز لأحد أن يخالفه فيها فيصليها بنية الفرض، والعكس بالعكس تماماً، فكذلك ما نحن فيه: إذا صلى النبي ﵌ في مكانٍ ما، ولم يظهر لنا أنه كان قاصداً له متقرباً إلى الله بقصده إياه وإنما وقع له ذلك اتفاقًا، فلا شك حينئذ أن الذي يقصد ذلك المكان بالصلاة فيه متقرباً إلى الله بقصده إياه- أنه يكون مخالفاً لسنة رسول الله ﵌ من جهة أنه قصد مالم يقصد، ونوى مالم ينو ﵊، ومن كان كذلك، فهو مبتدع مردودة عليه بدعته، لقوله ﵌ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢)، ولا ريب أن قصد مخالفة النبي ﵌ سواء كانت في أفعاله أو نواياه من أعظم أسباب الفتنة والهلاك، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فاحفظ هذا البيان لفقه عمر المذكور يساعدك في كثير من المسائل التي هي من مواطن النزاع، تكن مهتدياً بإذن الله تعالى، فإنه على ذلك جرى السلف الصالح ﵃، ولذلك لم يكن لهذه المقامات المزورة عندهم ذكر، بل ولا كانوا يقصدون المقامات التي صلى فيها الرسول نفسه ﵌، بله مقام غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، على ندرة المقامات الثابتة نسبتها إليهم. فهذا جبل الطور مثلا، وهو الجبل الذي قام عليه نبي الله موسى لمنا جاة ربه عليه [وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا] ومع ذلك فلا يجوز قصده للصلاة فيه والدعاء عنده، وغير ذلك من العبادات، ولذلك لم يكن السلف يقصدونه، وتوارث الخلف

стр. 927

ذلك عن السلف فهو لا يقصد-فيما أعلم-حتى اليوم، بل ثبت النهي عنه من بعض الصحابة ﵃ حينما توهم أحدهم جواز قصده، فقد قال قزعة بن يحيى البصري: «سألت ابن عمر ﵁: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأته [أما علمت أن النبي ﵌] قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١)؟ وهذا الحديث الذي استدل ابن عمر ﵁، هو حديث مرفوع، قد صح عن جمع من الصحابة مرفوعاً (٢) ومنهم أبو بصرة الفباري (٣)، وفي بعض الطرق الصحيحة عنه أنه أنكر أيضاً إتيان الطور (٤). فإذا كان هذا شأن هذا المقام الحق ومقامات الرسول التي كان صلى فيها كما سبق، وهي لا يفعل فيها إلا الصلاة ونحوها من العبادات فماذا يقال عن مقام جزيرة «فيلكا» وغيره من المقامات المزورة المضللة، وهي بؤرة للفساد، والشركيات والوثنيات؟ لا شك أنها بالنهي عنها أولى، وباستئصال شأفتها أحرى ولكن يجب أن يتولى ذلك في هذا الزمان ولاة الأمور والحكام الذين يحكمون بما أنزل الله من كانوا وأينما كانوا، فهم المسؤولون عن استمرار هذه البدع والشركيات وبقائها بين ظهراني المسلمين أكثر من العلماء، فإذا لم يُدعم هؤلاء من أولئك ذهبت أصواتهم وجهودهم أدراج الرياح كما هو المشاهد اليوم، وقديماً

стр. 928

قيل: «إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن»، وأسوتهم في ذلك-إن فعلوا-رسول الله ﵌ الذي هدم مسجد الضرار وحرقه على أهله كما جاء في تفاسير القرآن الكريم ن عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الآية، فقد استدل بها العلماء على النهي عن الصلاة فيمن بني المساجد مباهاة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله ، فهذه المقامات أولى بالهدم والحرق لأنها لا تقصد إلا لوجه الشيطان نسأل الله السلامة من أوليائه! ٢ - لقد أشار المؤلف الفاضل في أول كتابه إلى اختلاف العلماء في نبوة الخضر ﵊ فقال «والراجح من أقوالهم أنه ليس نبياً». ولما كان هذا القول مرجوحاً عند العلماء المحققين، فقد رأيت أن أذكر شيئاً من أقوالهم وأدلتهم، تنبيهاً وتذكيراً، فأقول: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في أول رسالته «الزهر النضر»: «باب ما ورد في كونه نبياً، قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وهذه ظاهرة أنه فعله بأمر من الله، والأصل عدم الوساطة، ويحتمل أن يكون بوساطة نبي آخر لم يذكره، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير نبي وحياً حتى يعمل به ما عمل؛ من قتل النفس، وتعريض الأنفس للغرق. فإن قلنا: إنه نبي، فلا إنكار في ذلك. وأيضاً، كيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي ﵌ في

стр. 929

الحديث الصحيح (١): «أن الله تعالى قال لموسى: بلى عبدنا خضر»؟!. وأيضا فكيف يكون النبي تابعاً لغير نبي؟! وقال الثعلبي: هو نبي في جميع الأقوال. وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبياً، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي! كما قال قائلهم (٢): مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي قلت: وهناك آية أخرى تدل على نبوته ﵊، وهي قوله تعالى في: ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾، فقد ذكر العلامة الآلوسي في تفسيرها ثلاثة أقوال، أشار إلى تضعيفها كلها، ثم قال: «والجمهور على أنها الوحي والنبوة، وقد أطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس، ... والمنصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين» (٣). قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن المتأمل في قصته مع موسى عليهما الصلاة والسلام يجد أن الخضر كان مظهراً على الغيب وليس ذلك لأحد من الأولياء، بدليل قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من

стр. 930

رسول﴾، وذلك ظاهر في مواطن عدة من القصة، أذكر ما تيسر منها: ١ - قوله لموسى عندما طلب منه الصحبة ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ فهذا الجزم منه ﵇ لدليل واضح على أنه كان على علم بذلك، ولم يكن من باب الظن والتخرص منه، حاشاه، ويؤيده زيادة جاءت في بعض طرق الحديث عقب هذه الآية بلفظ: «وكان رجلاً يعلم علم الغيب، قد علم ذلك» (١). ٢ - ومثله قوله في تأويله قتل الغلام: «وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك، أرهقهما طغياناً وكفراً, فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً». زاد في رواية: «ووقع أبوه على أمه فعلقت فولدت منه خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» (٢). وإخباره ﵇ أن الغلام طبع كافراً، وأن أباه وقع على أمه فحملت وولدت خيراً منه، لهو من الأمور الغيبية المحضة التي لا مجال للاطلاع عليها إلا من طريق النبوة والوحي، فذلك من أقوى الأدلة على أنه كان نبياً، إن لم يكن رسولا. ٣ - ومن ذلك قول ﵌: «لما لقي موسى الخضر ﵉، جاء طير، فألقى منقاره في الماء فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطير؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول:

стр. 931

ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذا منقاري من الماء» (١). فهذا صريح في أن الخضر، قد علم منطق الطير، وهو من الغيب الذي لا يعلمه البشر، فهو في هذا على نحو النبي سليمان ﵊ الذي حكى الله عنه في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل: ١٦). وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأدلة المتقدمة إذا تأملها المسلم ووعاها بقلبه، تيقن أن الصواب القول بنبوة الخضر كما ذهب إليه جمهور العلماء ولذلك فعل ما فعل من العجائب التي لم يصبر لها موسى ﵊، وهو كليم الله تعالى، وبه نستطيع أن نحل تلك العقدة من الزندقة التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما سبق، ونحوها مما يعتقده كثير من الصوفية من الاعتقاد بالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة التي أفسد عقيدة كثير من الخاصة فضلاً عن العامة، فاعتقدوا الصلاح بل الولاية في كثير من الفساق الذين لا يصلون ولا يشهدون جماعات المسلمين ولا أعيادهم بدعوى الظاهر، وأنهم في الباطن من كبار أولياء الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وما قصة شيخ الإسلام ابن تيمية مع البطائحية الذين كانوا يتظاهرون في دمشق بالولاية والكرامة في زمانه حتى نصره الله عليهم، وقضى على باطنهم وباطلهم عن القارئ يعيد. ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧). وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم دمشق ٩ ربيع الأول سنة ١٣٩٤ محمد ناصر الدين الألباني "حياة الألباني" (١/ ٤٢٠ - ٤٢٩).

стр. 932

جماع أبواب الكلام حول مسألة زيارة قبر النبي ﵌

стр. 933

[٢١٥] باب تحرير القول في مسألة زيارة قبر النبي ﵌ مع سرد جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذا الباب [قال الإمام في معرض كلامه على أخطاء البوطي في كتاب فقه السيرة]: قال [أي البوطي في "فقه السيرة"] (ص ٥٢١) وهو يسرد الوجوه الدالة على مشروعية زيارة قبره ﵌. «الوجه الثاني ما يثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة قبره ﵌ والسلام عليه كلما مروا على الروضة الشريفة. روى ذلك الأئمة الأعلام وجماهير العلماء بما فيهم ابن تيمية ﵀». أقول: هذا كذب على الأئمة الأعلام, وبخاصة ابن تيمية شيخ الإسلام, فإن أحداً منهم لم يرو عن المذكورين زيارتهم للقبر الشريف كلما مروا على الروضة فضلاً عن أن ينقلوا الإجماع عليه!! بل نص الإمام مالك على كراهة ذلك. وأقوال العلماء الشاهدة لما أقول كثيرة, اجتزئ منها على قولين اثنين: أحدهما لابن تيمية المفُترى عليه, والآخر للإمام النووي باعتباره من أئمة الشافعية الذين يقلدهم الدكتور البوطي! ١ـ أما ابن تيمية فأقواله كثيرة جداً في هذا الصدد وإليك نصين منها: الأول قوله: «ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر, ولا يقفون عنده خارجاً, مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلاً ونهاراً, وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه ولا يأتون القبر, إذ كان هذا عندهم مما

стр. 934

لم يأمرهم به ولم يسنه لهم, وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند دخولهم المساجد, وغير ذلك, ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر, وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضاً، فلهذا رأى من رأى من العلماء هذا جائزاً اقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم. وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف ولا يقف, يقول: السلام عليك يا رسول الله, السلام عليك يا أبا بكر, السلام عليك يا أبت, ثم ينصرف. ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر, بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره, ويرجعون, ولا يفعلون ذلك, إذ لم يكن هذا عندهم سنة سنّها لهم, وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم يسافرن إلى الحج, ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك. وكانت أمداد اليمن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ على عهد أبي بكر وعمر يأتون أفواجاً من اليمن للجهاد في سبيل الله, ويصلون خلف أبي بكر وعمر في مسجده, ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة, ولا يقف في المسجد خارجاً منها, لا لدعاء ولا لصلاة ولا لسلام ولا لغير ذلك, وكانوا عالمين بسنته كما علمتهم الصحابة والتابعون». كذا في كتابه «الجواب الباهر في زوار المقابر». (ص٦٠ - الطبعة السلفية) الثاني: قوله في رده على الأخنائي (ص٤٥): «وأما ما يظن أنه زيارة لقبره ﵌ مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء فهذا لا يستحب لأهل المدينة، بل ينهون عنه. لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان- الخلفاء الراشدين وغيرهم-كانوا يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر عند جدار المسجد، ولم يكونوا يذهبون إليه، ولا يقفون عنده، وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء ذكروا أنه لا

стр. 935

يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فإنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد، وكان الناس يقدمون من الأمصار يصلون معهم، ومعلوم أنه لو كان مستحباً لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلو لكثر وظهر واشتهر. لكن مالك وغيره خصوا من ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر، قال القاضي عياض: قال مالك: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج على سفر أن يقف على قبر النبي ﵌ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة وفي الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر يسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده». ٢ - قال النووي «في كتابه» مناسك الحج» (٢٩/ ٢ - مخطوط): «كره مالك ﵀ لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف على القبر. قال وإنما ذلك للغرباء. قال ولا بأس لمن قدم من سفر وخرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي^ فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر ﵄ قال الباجي: فرق مالك بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا ذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، وقد قال ﵌ اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد». قلت: وهذه الأقوال من الإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية، صريحة في

стр. 936

إبطال الإجماع الذي نقله البوطي، بل هي ناطقة بعدم مشروعية ما ذكره، وأنه كذب على العلماء عامة، وابن تيمية خاصة فيما عزاه إليهم من الرواية. فماذا يقول المنصف المتجرد في مثل هذا الإنسان الذي لا يبالي بما يخرج من فيه. فإلى الله المشتكي. ثم قال الدكتور: «الوجه الثالث: ما ثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره ﵌ منهم بلال ﵁ رواه ابن عساكر بإسناد جيد». قلت فيه أمور: أولاً: أنه أبهم على القراء نص رواية ابن عساكر واكتفى بالإشارة إليها، لأنه لو ساقها بتمامها لتبين للناس بطلانها، ولو لم يقفوا على ضعف إسنادها، فكان لابد لي من أن أسوق الرواية ليتيقن القراء الكرام معنا أن الدكتور لا يجري فيما يكتب على منهج علمي محقق، وانما هو الهوى والغرض وعلى القاعدة المزعومة «الغاية تبرر الوسيلة»! فروى الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء الأنصاري (ج٢ق٢٥٤/ ١) بإسناده عنه قال: حدثني أبي محمد بن سليمان عن أبيه سليمان ابن بلال عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال (فذكر قصة قدوم بلال إلى الشام في عهد عمر ثم قال): «ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي ﵌ وهو يقول له، ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينًا وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتي قبر النبي ﵌ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي

стр. 937

كنت تؤذنه لرسول ﵌ في السحر، ففعل فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: «الله أكبر» عجت المدينة فلما أن قال: «أشهد أن لا إله إلا الله» زاد عجيجها، فلما أن قال: «أشهد أن محمداً رسول الله» ^ خرج العواتق من خدورهن، فقالوا: «أبعث رسول الله ﵌؟ فما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله ﵌ من ذلك اليوم». قلت: فهذه الرواية باطلة موضوعة، ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه عديدة أذكر أهمها: ١ - قوله: «فأتي قبر النبي ﵌ فجعل يبكي عنده» فإنه يصور لنا أن قبره ﵌ كان ظاهراً كسائر القبور التي في المقابر يمكن لكل أحد أن يأتيه! وهذا باطل بداهة عند كل من يعرف تاريخ دفن النبي ﵌ في حجرة عائشة ﵂ وبيتها الذي لا يجوز لأحد أن يدخله ألا بإذن منها، كذلك كان الأمر في عهد عمر ﵁، فقد ثبت أنه لما طُعن ﵁ أمر ابنه عبد الله أن يذهب إلى عائشة ويقول لها: إن عمر يقول لك إن كان لا يضرك ولا يضيق عليك فإني أحب أن أدفن مع صاحبي فقالت: أن ذلك لا يضرني ولا يضيق علي قال: فادفنوني معهما. أخرجه الحاكم (٣/ ٩٣). ثم أخرج (٣/ ٧) بإسناده الصحيح عنها قالت: «كنت أدخل البيت الذي دفن معهما عمر والله ما دخلت إلا وأنا مشدود على ثيابي حياء من عمر رضي الله عنه». ولقد استمر القبر الشريف في بيت عائشة إلى ما بعد وفاتها بل إلى آخر قرن الصحابة ﵃ ثم أدخلوا البيت ضموه إلى المسجد لتوسعته فصار

стр. 938

بذلك في المسجد على النحو المشاهد اليوم، فيظن من لا علم عنده بحقيقة الأمر أن النبي ﵌ لما مات دفنه الصحابة في المسجد وحاشاهم من ذلك وإنما دفنوه في البيت ثم حدث بعد ذلك ما ذكرنا، خلافاً لما يظنه كثير من الجهال ومنهم واضع هذه القصة، الذي أعطي صورة للقبر مخالفة للواقع يومئذ وللصحابة ﵃ كما شرحه شيخ الإسلام وغيره من المحققين، وذكرت طرفاً منه في كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، فليراجعه من شاء. ٢ - قوله: «ويمرغ وجهه عليه».قلت: وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة وجهل واضعها، فإنه يصور لنا أن بلالاً ﵁ من أولئك الجهلة الذين لا يقفون عند حدود الشرع إذا رأو القبور، فيفعلون عندها ما لا يجوز من الشركيات والوثنيات، كتلمس القبر والتسمح به وتقبيله، وغير ذلك مما هو مذكور في محله وإن كان يجيز ذلك بعض المتفقهة، الذين لا علم عندهم بالكتاب والسنة ينير بصائرهم وقلوبهم ممن يسايرون العامة على أهوائهم، ويبررون لهم كثيراً من ضلالاتهم. ولقد أعجبني حقاً أن لا يكون الدكتور البوطي منهم في هذه المرة، فقد رأيته يقول في آداب زيارة قبره ﵌ (ص٥٢٣): «فإياك أن تهجم عليه، أو تلتصق بالشبابيك، أو تتمسح بها كما يفعل كثير من الجهال، فتلك بدعة توشك أن تكون محرمة». فهذا القول من الدكتور على مافيه من التردد في حكم ما ذكر مما يدل على أنه لم يفقه بعد قوله ﵌: «كل بدعة صلالة وكل ضلالة في النار» يدل دلاله واضحة على أنه لا يمكن أن يعتقد أن بلالاً مرغ وجهه على قبر النبي ﵌، وهو

стр. 939

الحق، وحينئذ فكيف يحتج الدكتور برواية ابن عساكر هذه وفيها هذا المنكر!؛ لأنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من ذلك، فهو يأخذ من الرواية الواحدة ما يشتهي ويحتج به، ويعرض عمالا يشتهي بل وينكره!! وإلا فماذا يقول الدكتور لمن قد يحتج عليه من المبتدعة والمتفقهة برواية ابن عشاكر هذه على جواز التمرغ بالقبر الشريف، وهو نفسه قد احتج بها وقواها؟! قوله «خرج العواتق من خدورهن .... » الخ كلام شعري خيالي ظاهر الوضع، وإلا فما علاقة خروجهن بسماعهن الشهادة الأخرى وقولهن، أبعث سول الله ﵌»! من أجل ذلك جزم الحافظ ابن حجر بأن هذه القصة موضوعة كما يأتي. ثانياً: قول البوطي: «رواه ابن عساكر بإسناد جيد». فأقول: فيه مؤاخذتان: الأولى: أن هذا التجويد ليس من علم الدكتور واجتهاده، لأنه لا علم عنده مطلقا يؤهله لإصدار مثل هذا الحكم، كما عرف القراء من المقالات السابقة، وإن كان هذا الحكم خطأ في ذاته كما يأتي، فكان من الواجب عليه أن يعزوه إلى من نقله عنه، لكي لا يتشبع بما ليس له لقوله ﵌، «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» متفق عليه. الثانية: أن القول المذكور إنما هو للشيخ السبكي الشافعي قال في كتابه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» وقد رده عليه الحافظ المحقق محمد بن عبد الهادي الحنبلي في كتابه العظيم: «الصارم المنكي في الرد على السبكي» (ص ٢١٠ - ٢١٥) وأطال النفس فيه بما حاصله أن إسناده لا يصلح الاعتماد عليه ولا يرجع عند التنازع إليه عند أحد من أئمة هذا الشأن. وسأبين علته قريباً إن شاء

стр. 940

الله تعالى، فهل الدكتور على علم بهذا ومع ذلك آثر عليه قول السبكي لا لشيء إلا لأنه شافعي المذهب مثله، أم أنه لم يعلم به مطلقاً؟ الأمر كما قيل: فإن كنت لا تدري ... الثالثة: أن إسناد القصة أبعد ما يكون عن الجودة، فانه عند ابن عساكر كما سبق-من رواية إبراهيم بن محمد بن سليمان عن أبيه سليمان بن بلال .. وهذا إسناد مظلم فيه مجهولان: الأول: سليمان بن بلال، قال الحافظ ابن عبد الهادي «غير معروف، بل هو مجهول الحال (كذا الأصل) قليل الرواية، لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمنا، ولم يذكر البخاري ترجمته في كتابه، وكذلك ابن أبي حاتم، ولا يعرف له سماع من أم الدرداء». قلت فهو مجهول العين، وما في الأصل «مجهول الحال» لعله خطأ مطبعي، أو سبق قلم من المؤلف رحمة الله تعالى. وتبعاً للبخاري وابن أبي حاتم لم يذكره الذهبي في «الميزان» ولا الحافظ في «اللسان». والآخر: إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال، قال الحافظ ابن عبد الهادي «شيخ لم يعرف بثقة وأمانة ولا ضبط وعدالة، بل هو مجهول غير معروف بالنقل، ولا مشهور بالرواية، ولا مشهور بالرواية، ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر». وأورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: «لا يعرف» وقال في «الميزان» «فيه جهالة، حدث عنه محمد بن الفيض الغساني». وأقره الحافظ ابن حجر في «اللسان» وزاد عليه، فقال:

стр. 941

«ترجمة ابن عساكر ثم ساق من روايته عن أبيه عن جده عن أم الدرداء عن أبي الدرداء في قصة رحيل بلال إلى الشام، وفي قصة مجيئه إلى المدينة وأذانه بها وارتجاج المدينة بالبكاء لأجل ذلك، وهي قصة بينة الوضع». قلت: وقد أشار إلى ضعف هذه القصة كل من الحافظين المزي، وابن كثير أما الأول ففي ترجمة بلال في كتابه «تهذيب الكمال» والآخر في ترجمته من كتابه «البداية» (٢/ ١٠٢)، فهؤلا خمسة من الحفاظ المشهورين- وكلهم شافعية من حظ البوطي! -إلا ابن عبد الهادي جزموا بعدم صحتها ما بين مصرح بالوضع ومضعف، يقابلهم السبكي وحده الذي جود إسنادها، والنقد العلمي يقطع بوهمه؛ إن لم يقل باتباعه لهواه ومع هذا قلده فضيلة الدكتور دون أولئك! فماذا يقول كل متجرد عن الهوى منصف في هذا الدكتور الذي يؤلف في السيرة، ويقرر أحكاماً شرعية، وهو لا يحسن الاتباع ولا التقليد!! فاللهم هداك. (تنبيهان): الأول: محمد بن سليمان بن بلال ترجمه الحافظ ابن عبد الهادي (ص ٢٢٤) بما يؤخذ منه أنه مجهول الحال، لكني وجدت ابن أبي حاتم روى في «الجرح والتعديل» (٣/ ٢/٢٦٧) عن أبيه أنه قال فيه: «ما بحديثه بأس».وبذلك تجنبت إعلال القصة به أيضاً. والآخر: أورد البوطي رواية ابن عساكر السابقة عن بلال محتجا بها على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله في مخالفته-بزعم البوطي- الإجماع القائل بمشروعية زيارة قبره عليه الصلاة السلام، وهي فرية على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حمل رايتها الشيخ الأخنائ والسبكي وغيرهما قديماً، وزيني

стр. 942

دحلان وأمثاله في محاربته لمجدد دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ومن تبعهم عليها من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم البوطي المسكين، فقال (ص ٥٢٠): (واعلم أن زيارة مسجده وقبره ﵌ من أعظم القربات إلى الله أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا. لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية غفر الله له. فقد ذهب إلى أن زيارة قبره ﵌ غير مشروعة). ثم استدل عل الإجماع المذكور بوجوه أربعة منها راوية ابن عساكر، ثم قال: (فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية ﵀ من دفعه هذه الأوجه في غير ما دافع، والقول بأن زيارة قبره ﵌ غير مشروع). قلت: وهذا كذب وافتراء عظيم من هذا الدعي على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فكتبه وفتاويه طافحة مصرحة بمشروعية زيارة قبور المسلمين عامة، وزيارة قبره ﵊ خاصة، كما يعلم ذلك كل من اطلع على شيء من كتب الشيخ ودرسها، ومن ذلك كتابه "الرد على الأخنائي"، وهو من المعاصرين للشيخ الذين ردوا عليه بظلم مقروناً بالافتراء عليه، ومن ذلك هذه التهمة التي تلقفها البوطي عنه أو عن أمثاله من المفترين الكذابين، دون أن يرجع إلى بعض كتب الشيخ ليتبين حقيقة الأمر، فقد قال الشيخ ﵀ في أول "الرد على الأخنائي" بعد أن ذكر فريته المذكورة عليه: (والمجيب (يعني نفسه) قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه، يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد، ويذكر زيارة قبر النبي ﵌ إذا دخل مسجده والأدب في ذلك).

стр. 943

وقال في أول كتابه "الجواب الباهر في زوار المقابر" (ص١٤): (وقد ذكرت فيما كتبت من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب، وذكرت السنة في ذلك، وكيف يسلم عليه، فهل يستقبل الحجرة أم القبلة على قولين ... ). وقد شرح هذا ابن عبد الهادي في رده على السبكي، فليراجعه من شاء الزيادة، فماذا يقول القائل في الدكتور البوطي وفريته هذه؟ هل لم يطلع على هذه المصادر التي تحول بينه وبينها؟ أم أنه اطلع وعلم أن شيخ الإسلام بريء منها، ثم أصر على اتهامه بها لما في قلبه من الغل والحقد على شيخ الإسلام ابن تيمية بصورة خاصة والسلفيين بصورة عامة غير مبال بمثل قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم﴾، وقوله : ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾. وسواء كان هذا أم ذاك، فالله سبحانه هو حسيب البوطي وأمثاله، ونحن إنما علينا أن ندافع عن الذين آمنوا نبرئ ساحتهم مما اتهموا به من الأكاذيب والأباطيل التي يكون الدافع عليها تارة الجهل وأخرى الظلم، وقد يجتمعان! ومن النوع الأول قوله: "لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية".فإن من الواضح أن اسم الإشارة (ذلك) يرجع إلى كل من زيارة مسجده ﵌ وزيارة قبره، وهذه فرية جديدة تفرد بها البوطي دون أسلافه المشار إليهم، فإن زيارة مسجده ﵌ مما يقول شيخ الإسلام بمشروعيته أيضاً، بل إنه يقول بمشروعية السفر إليه خاصة كما سبق دون السفر لزيارة قبره ﵌ خاصة وظاهر كلام البوطي أنه لايفرق بين

стр. 944

الزيارتين، كأسلافه السابقين، ومن الدليل على ذلك قوله عقب ما سبق نقله عنه آنفاً. (وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك قول رسول الله ﵌: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... )، وهذا إنما استدل به ابن تيمية لإثبات مشروعية السفر إلى المسجد دون القبر، فيرد البوطي استدلاله بأن الحديث كناية عن أولى الأماكن بالاهتمام للتوجه إليها من مسافات بعيدة، هذه المساجد الثلاثة بدليل أن النبي ﵌ كان يخص أماكن أخرى غير هذه المساجد بالزيارة (!). فتأمل كيف يخلط بين الزيارة بسفر، وهو المنفي في الحديث الأول، وبين الزيارة بدون سفر، وهو المثبت في حديث قبا فلا تعارض بينهما، كما هو ظاهر، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؛ لأنه يقول بمشروعية زيارة مسجد قباء وزيارة قبور البقيع والشهداء وغيرها من القبور، ولكنه لا يجيز السفر إليها كما يدل عليه الحديث الأول، فهو قائل بالحديثين، بينما البوطي -هداه الله- ليس عنده من العلم ما يوفق بينهما لو كانا متعارضين-إلا بتعطيل دلالة الأول منهما بأنه كناية! وهذا خلاف ما فهمه السلف من الصحابة وغيرهم، فقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه نهى رجلاً أراد الذهاب إلى الطور فقال له: (دع عنك الطور فلا تأته) واحتج عليه بحديث النهي عن شد الرحال، وثبت نحوه عن غير واحد من الصحابة كما تراه مبسوطاً في كتابي "أحكام الجنائز" (ص٢٢٤ - ٢٣١) فلو كان الحديث يعني ما ذهب إليه البوطي ما استقام نهي ابن عمر عن الذهاب إلى الطور ترى البوطي أصاب أم ابن عمر؟! فاللهم هداك. وليس غرضي الآن مناقشة البوطي في كل ما جاء في هذه المسألة من تخاليط

стр. 945

لأن لهذا مجالاً آخر وهو الذي سبقت الإشارة إليه في بيان الأخطاء الفقهية-وما أكثرها- وإنما هو التنبيه فقط على افترائه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتحذير القراء من أن يغتروا بمثله، والله تعالى المسؤول أن يسدد خطانا، ويخلص نوايانا ويوفقنا للعمل الصالح الموافق للكتاب والسنة. ١٥ - ثم قال الدكتور في حاشية (ص٥٢١): (هنالك أيضاً طائفة من الأحاديث الواردة عنه ﵌ في فضل زيارة قبره لا يخلو معظمها من ضعيف أو لين، وهي وإن كانت ترتقي في مجموعها إلى درجة القوة، فقد آثرنا أن لا نسوقها مع هذه الدلائل التي ذكرناها حتى لا يتعلق المخالفون بما قد يطيب لهم التعلق به من لين أو ضعف فيها، فيجدوا بذلك منفذاً للانتصار لرأي ابن تيمية على ما فيه من شذوذ)! أقول: لقد ذكرني هذا بالمثل المشهور: أحمق من نعامة! ذلك لأنها إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لكي لا يراها الصياد لحماقتها، وهكذا صنع الدكتور، فإنه بإيثاره أن لا يسوق تلك الأحاديث، توهم أن ينجو من النقد والكشف عن الخطأ، وما هو بناج، فالأحاديث المشار إليها معروفة الضعف والنكارة-سواء ساقها أم لم يسقها. ولو أنه أراد النجاة حقاً لاستغنى عن هذه الحاشية ولما سود بها كتابه! ولم يفتح باب الانتقاد عليه ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره، ويظهر للناس الحقيقة الجلية وما ينبغي الاضطلاع بهذا العلم الشريف، حتى لا يغتروا بالمؤلف وبكتابه مرة أخرى، فيضلوا سواء السبيل. ويبدو أن الذي اضطره إلى هذا القول إنما هو شعوره بجهله وعجزه عن إثبات ما زعمه من القوة، فلم يسعه إلا الدعوى التي لا

стр. 946

يعجز عنها أي جاهل ولم يكتفِ بها حتى لجأ إلى تبريرها بما يضحك الثكلى وليس هذا فقط، بل إنه أعرض عن أقوال الأئمة الصريحة في تضعيف جميع طرق الأحاديث المشار إليها، وفيهم جماعة من كبار أئمة الشافعية الذي يتعصب لهم الدكتور عادة، كالإمام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني فضلاً عن غيرهم من الحفاظ المحققين كما سأبينه بإذن الله تعالى، مفصلاً ما في قوله هذا من الجهل والتجاهل والافتراء والتقليد الأعمى واتباع الهوى. ١ - لقد قلد في دعواه ارتفاع حديث فضل زيارة قبره ﵌ إلى درجة القوة بعض الفقهاء المتقدمين المقلدين الذين لا علم عندهم بهذا العلم الشريف مثل الأخنائي والسبكي وغيرهما من المتأخرين، وهو يعلم أن الذين ردوا عليهم من أهل المعرفة بهذا العلم قد بينوا بطلان الدعوى المذكورة بما لا يدع شبهة، فهذا هو الأخنائي يقول: (ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح). فرد ذلك عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوه يهمنا منها بعضها، فقال ﵀ (ص٨٧) وكأنه يرد على البوطي لتشابه ما بينه وبين الأخنائي! (الثالث) أنه قول لم يذكر عليه دليلاً، فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب. وهو لم يذكر شيئاً من تلك الأحاديث فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع. (الوجه الرابع) أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ: زيارة قبره حديث

стр. 947

صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئاً من ذلك، ولا أرباب السنن المعتمدة، كسنن أبي داود والنسائي ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من أهل هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك. ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن؟ (الوجه الخامس) قوله: وغيرها بما لم يبلغ درجة الصحيح .. فنقول له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة، فتقابل بالمنع. (الوجه السادس) أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، كما بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثاً حديثاً، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ﵌ البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفاً عندهم، ولهذا كره مالك التكلم به (١) بخلاف لفظ (زيارة) مطلقاً، فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﵌ وعن أصحابه ... ). أقول: فما الذي صرف الدكتور البوطي عن الاعتماد على هذا الكلام لشيخ الإسلام وهو أعلم من السبكي وغيره ممن يقلده البوطي بما لا يصح المفاضلة

стр. 948

بينهما كما يقول مالك بكراهة التكلم بزيارة قبره ﵌ فضلاً عن غيره من أئمة الحديث كما يأتي-لولا الهوى وخوف أن يقال فيه "وهابي"! أم أن الدكتور لضيق عطنه وقلة اطلاعه، لا علم عنده بوجهة نظر ابن تيمية هذه، وأقوال الموافقين له من العلماء، وهذا مما استبعده، وسواء كان هذا وذاك فأحلاهما مر! وكذلك ما الذي منعه من الانتفاع بنقد الحافظ محمد بن عبد الهادي للشيخ السبكي في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي". وقد تتبع فيه أحاديث السبكي في الزيارة حديثاً حديثاً وبين عللها، وأقوال أئمة الحديث فيها من (ص١٠ - ١٧١) وفصل القول فيها تفصيلاً لا يدع أي شك في قلب أحد من المنصفين بضعفها، وعدم ثبوت شيء منها إطلاقاً، وأنه ليس فيها ما يقوي بعضه بعضاً لشدة ضعفها واضطراب أسانيدها، وتضارب ألفاظها، ولذلك فإني أرى لزاماً على أن أوجز الكلام عليها هنا بمقدار ما يكشف عن عللها، وتقوم الحجة به على البوطي وأمثاله من المقلدين والمغترين بها (ليحيى من حيّ عن بينة) محيلاً لمن شاء التفصيل إلى كتاب الحافظ ابن عبد الهادي فإنه جمع فأوعى، وكتاب التلخيص لابن حجر (ج٢/ ٢٦٦و ٣٦٧) وإلى كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" فقد كنت بسطت الكلام فيه على بعضها رقم (٢٥و ٤٧و ٢٠٤). الحديث الأول عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» وله عنه طرق): الأولى: من رواية موسى بن هلال العبدي وهو مجهول، وقد اضطرب في إسناده فقال مرة: عن عبد الله بن عمر، وقال: عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. قال البيهقي:

стр. 949

(وسواء قال عبيد الله، أو عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره) وقال فيه العقيلي: (ولا يصح حديثه ولا يتابع عليه).ثم ساقه بإسناده وقال عقبه: (والرواية في هذا الباب فيها لين).وفي نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال: (ولا يصح في هذا الباب شيء. والمعنى واحد، وهو أن طرقه كلها ضعيفة) وذلك مما صرح به الحافظ في آخر كلامه على الحديث. وعبيد الله المصغر-ثقة، بخلاف أخيه عبد الله -المكبر- فإنه ضعيف ورجع ابن عدي أنه هو صاحب هذا الحديث، ووافقه الإمام ابن خزيمة وصرح بأن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر كما قال الحافظ ابن حجر: ولذا قال النووي: (إسناده ضعيف جداً). الثانية: من رواية عبد الله بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر. وعبد الله بن إبراهيم وهو ابن أبي عمرو الغفاري متهم بالكذب والوضع. ونحوه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه ضعيف جداً، وهو راوي حديث توسل آدم ﵇ بنبينا ﵌ وهو موضوع كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٥) وقد قال النووي في هذه الطريق أيضاً: "إسناده ضعيف جداً". الثالثة: من رواية مسلمة بن سالم الجهني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عنه بلفظ: «من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً على أن أكون

стр. 950

له شفيعاً يوم القيامة». ومسلمة هذا مجهول، ويقال فيه مسلمة بن سالم الجهني، قال أبو داود: ليس بثقة. وقد اضطرب في إسناده فرواه مرة هكذا. وقال مرة: عن عبد الله بن عمر عن نافع. وهذا هو الأشبه أنه من روايته عن عبد الله بن عمر العمري المكبر المضعف، فيكون الجهني هذا متابعاً لموسى بن هلال الذي في الطريق الأولى، إلا أن متابعته له مما لا يفرح بها العلماء، لأنه غير ثقة كما عرفت، ولو نفعت لم يتقوى الحديث بها لأن فوقهما عبد الله بن عمر الضعيف، على أنه ليس فيه زيارة القبر الشريف! فيمكن حمله على زيارته في حياته، وهذا مما لا شك في شرعيته فتنبه ولا تكن من أهل الأهواء الغافلين! ثم إن المحفوظ في هذا المعنى ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل أشهد (وفي رواية: أشفع) لمن مات فيها». فهذا هو أصل الحديث ولفظه، فحرفه أولئك المجهولون والضعفاء عمداً أو سهواً، واغتر بهم من لا علم عندهم! الرابعة: من رواية حفص بن سليمان أبي عمر عن الليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه بلفظ: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي زاد بعضهم وصحبني». وهذا منكر جداً، حفص بن سليمان وهو الأسدي القارئ الغاضري متروك متهم بالكذب والوضع، وقد تفرد به كما قال البيهقي، وليث بن أبي سليم ضعيف مختلط، وهو مخرج في "الضعيفة" برم (٤٧). الخامسة: من راوية محمد بن محمد بن النعمان بن شبل: حدثني جدي قال:
следующие страницы →