← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36193

الأساليب والإطلاقات العربية

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الأساليب والإطلاقات العربية التي ذكرها العلامة الشِّنقيطي محمد الأمين بن محمد المختار الجَكَنِي في تفسيره أضواء البيان جمع وترتيب أبي المنذر محمود بن محمد بن مصطفي المنياوي عفا الله عنه الطبعة الأولى ١٤٣٢هـ / ٢٠١١م المكتبة الشاملة

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م رقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ٧/ ٢٠١١

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾، أما بعد، .. فمنذ زمن، وقضية المجاز تستحوذ على قدر غير قليل من تفكيري، لما لها من تعلق بمسائل شتى وفنون متعددة، وخاصة صفات الباري ، فقد توصل قوم من خلال القول بوقوع المجاز في اللغة إلى نفي صفات الكمال الثابتة لله - عزوجل -. ولقد كانت تعجبني طريقة العلامة الشنقيطي ﵀ في الرد على القائلين بالمجاز في رسالته "منعُ جَوازِ المَجازِ في المُنزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعجَازِ" وذلك ببيان أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنها حقائق تكلم بها العرب، ولا يجوز نفيها. إلا أن رسالته هذه جاءت قصيرة، والأمثلة فيها قليلة، فقد صنفها ﵀ لتكون أمثلتها، وطريقتها مثالاً يحتذى به، ويقاس عليه غيره مما لم يُذكر - فجزاه الله خيراً -. ولقد منَّ الله - عزوجل - عليَّ بقراءة تفسيره "أضواء البيان" فرأيت فيه أنه ﵀ قد عالج هذه القضية بأوسع مما في هذه الرسالة، فرحت أجوب بين جنباته، وألتقط من عباراته كل ما قد ذكر عنه أنه من الأساليب العربية، ثم رأيت

стр. 4

أن أضيف إليها ما قال أنه من الإطلاقات العربية، للشبه بينهما، فلما رأيت أنه قد تجمع لديَّ كم غير قليل من هذه الأساليب، والإطلاقات قمت بعرضها على من أظن أن لهم دراية أكثر مني بعلم البلاغة، وكنت أستفيد من ملاحظاتهم، فجزاهم الله، على حسن النصيحة، خير الجزاء، فكانت ثمرة ذلك هذه الرسالة النافعة بإذن الله، وسميتها: "تتمة منع جواز المجاز ببيان الأساليب والإطلاقات العربية التي ذكرها العلامة الشِّنقيطي محمد الأمين بن محمد المختار الجَكَنِي في تفسيره أضواء البيان"، وسوف أقدم بين يديها بمقدمة تبين مقصودها، وتشتمل على: الكلام على المجاز: وبيان أهميته، وتعريف المجاز في الاصطلاح، وأقسامه، وأمثلة على كل قسم، وتاريخ نشوء القول بالمجاز، وأقوال العلماء في المجاز, وأدلتهم، مع المناقشة والترجيح. ثم أبين من كلام العلامة الشنقيطي ﵀ أهمية الأساليب العربية في الرد على القائلين بالمجاز، وأتبع ذلك ببعض الأمثلة حتى يتضح المقصود تمام الاتضاح. والله - عزوجل - أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وميزان حسنات كل من شارك فيه بنصح، أو مشورة. وأرجو من الله - عزوجل - أن تكون هذه الرسالة باكورة عمل لتجميع مثل هذه الأساليب والإطلاقات من بطون الكتب (١)، ومعالجتها على نحو طريقة الشنقيطي في الرد على القائلين بالمجاز؛ لتكون موسوعة شاملة، ومعولاً فعالاً لهدم طاغوت التأويل، ونفي الصفات، وأيضاً لفهم كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ على الوجه الصحيح.

стр. 5

المجاز (١) قال د. عبد الرحمن السديس: المطلب الأول: أهمية الموضوع وأسباب اختياره . تأتي أهمية هذا الموضوع وترجع أسباب اختياره لاعتبارات عدة أهمها: ١ - أن هذه القضية تعتبر مسألة جوهرية من مسائل اللغة، والألفاظ، لها علاقتها الوطيدة بعدد من العلوم في العقيدة لاسيما في صفات الباري جل وعلا، كما أن لها ارتباطا وثيقا بالأدلة خاصة المصدر الأول من مصادر التشريع "كتاب الله سبحانه"، وقضية هذا شأنها، وتلك محاورها، جديرة بالبحث والدراسة. ٢ - أن هذه المسألة ليست نظرية صرفة ولفظية بحتة، بل لها آثار عملية كثيرة ويلزم منها لوازم خطيرة، ويترتب عليها أمور شنيعة، بل لقد كانت تكأة لكثير من المخالفين لمذهب السلف في الاعتقاد، بنوا عليها مذاهبهم، وعولوا عليها في استدلالاتهم، فكان لابد من تجليتها وإبانة الحق فيها. ٣ - أن هذه القضية كانت ولازالت محل نقاش وإشكال وجدل بين طلاب العلم والباحثين ما بين مثبت وناف ومفصل ومتردد ومتوقف، فكان لابد من وجود بحث حر متجرد يتسم بالعرض والاستدلال والمناقشة الهادفة ومن ثم بيان الراجح على حسب قوة الدليل وصحة التعليل. المطلب الثاني: تعريف المجاز في الاصطلاح . تعددت عبارات الأصوليين في تعريف المجاز، وإليك أهمها: أن المجاز: "ما كان بضد معنى الحقيقة". ومنها: "أنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له" (٢).

стр. 6

ومن الأصوليين من زاد على هذا الحد قيدا، وهو قولهم "في غير ما وضع له أولا"، ومنهم من زاد "على وجه يصح" وهو تعريف صاحب الروضة (١)، وبعضهم زاد "في غير ما وضع له، لعلاقة مع قرينة" (٢). ومنهم من عبر بقوله: "قول مستعمل بوضع ثان لعلاقة". وعرفه بعضهم بأنه: "كل اسم أفاد معنى على غير ما وضع له" (٣). وذكروا في تعريفه "أنه كل اسم غير ما وقع عليه الاصطلاح على ما وضع له حين التخاطب" (٤). ومن خلال عرض هذه التعريفات يترجح لدي أن تعريف صاحب الروضة أرجحها لأنه جامع مانع وهذا واضح لمن تأمله بخلاف غيره فلم يسلم من المناقشات (٥). وهذا الترجيح مبني على القول بصحة التقسيم، والله أعلم. المطلب الثالث: أقسام المجاز، وأمثلته . قسم العلماء المجاز إلى أقسام متعددة، أهمها أربعة هي: مجاز الإفراد، ومجاز التركيب، والمجاز العقلي، ومجاز النقص والزيادة.

стр. 7

فمجاز الإفراد: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع. والتركيب: أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام آخر، لعلاقة بينهما دون نظر إلى المفردات، ومن ذلك جميع الأمثال السائرة، المعروفة عند العرب. والمجاز العقلي: هو ما كان التجوز فيه في الإسناد خاصة، لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، كقولك "أنبت الربيع البقل"، فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز: إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وهو لله جل وعلا. وأما مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب، ويمثلون للنقص بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، والمراد أهل القرية. ويمثلون للزيادة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويقولون إن الكاف زائدة والمراد ليس مثله شيء. وهناك أقسام أخرى كمجاز التقديم والتأخير، وغيره، وليس هذا محل بسطه (١). وينبغي أن يعلم أن أقسام المجاز هذه إنما هي عند الذين يرون المجاز في العربية، وفي القرآن، أما الذين لا يرونه فلا يعتبرون ذلك كله، وسيأتي لهذا الأمر تفصيل في صلب البحث عند ذكر الخلاف في المسألة، وقد أتيت بهذه التقسيمات لعلاقتها الوطيدة بالبحث، والله أعلم. المطلب الرابع: تاريخ نشوء القول بالمجاز . المستقرئ للجانب التاريخي لظهور المجاز يجد أن العرب لم يعرف عنهم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولم يذكر عنهم التعبير بلفظ المجاز الذي هو قسيم الحقيقة عند أهل الأصول، وإنما هذا اصطلاح حدث بعد القرون المفضلة.

стр. 8

يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: "فهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، .. بل ولا تكلم به أئمة اللغة، .. ولا من سلف الأمة، وعلمائها وإنما هو اصطلاح حادث، .. فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة، ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجودا في المائة الثانية" (١). وقال العلامة ابن القيم ﵀ بعد رده تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز: "وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص" (٢). المبحث الأول: أقوال العلماء في المجاز . اختلف العلماء في المجاز بين مجيز، ومانع، ومفصل، ولقد تتبعت أقوالهم فيه فتحصل لي خمسة مذاهب (٣) هي: الأول: الجواز والوقوع مطلقا، وإليه ذهب الجمهور (٤). الثاني: المنع مطلقا، وإليه ذهب بعض العلماء والمحققين منهم أبو إسحاق الاسفراييني (٥) من الشافعية، وأبو علي الفارسي من أهل اللغة، وهو قول المحققين من العلماء (٦).

стр. 9

القول الثالث: المنع في القرآن وحده، وهو قول بعض العلماء منهم داود بن علي، ومن الشافعية ابن القاص، ومن المالكية ابن خويز منداد، ومن الحنابلة جمع منهم: أبو الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي، وأبو عبد الله بن حامد وغيرهم (١). القول الرابع: المنع في القرآن والسنة دون غيرهما (٢)، وهو قول ابن داود الظاهري. القول الخامس: التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره، فما فيه حكم شرعي لا مجاز فيه ومالا فلا (٣)، وإلى هذا التفصيل ذهب ابن حزم الظاهري. المبحث الثاني: الأدلة، والمناقشات، والراجح، ووجه ترجيحه . أولا: أدلة الجمهور القائلين بجواز المجاز ووقوعه. استدلوا بأدلة كثيرة على ذلك، أهمها: ١ - أن الاسم في لغة العرب منقسم إلى الحقيقة والمجاز، وهذا التقسيم معتبر عند علماء العربية، ومشتهر في استعمالات العرب، والقرآن هو أصل اللغة، ومعينها، فمحال أن يأتي بخلاف ما عليه أهل اللسان العربي، من تقسيم الاسم إلى حقيقة ومجاز. ٢ - أن الأمثلة على وقوع المجاز في القرآن وغيره كثيرة جدا، وهي أشهر من أن تنكر كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾، وغيرها.

стр. 10

ووجه الاستدلال من هذه الآيات أنها استعملت في غير ما وضعت له أولا في أصل الوضع، فقوله "جناح الذل" الجناح حقيقة للطائر من الأجسام، والمعاني والجمادات لا توصف به، فإثباته للذل مجاز قطعا، والسؤال لأهل القرية، وليس لها، فهو مجاز بالحذف، والجدار لا إرادة له، إذ الإرادة حقيقة، من خصائص الإنسان أو الحيوان، وإنما هو كناية عن مقاربته الانقضاض لأن من أراد شيئا قاربه فكانت المقاربة من لوازم الإرادة، فتجوز بها عنها (١). ثانيا: أدلة المانعين من وجود المجاز، ومناقشتهم للمجيزين. سأورد هنا أدلة المانعين للمجاز سواء في اللغة أم في القرآن وحده أم في القرآن والسنة لتقاربها، وتلافيا للتكرار وفي ثناياها مناقشة المخالف ومنها: (أ) أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز لم يقع إلا في كلام المتأخرين، فهو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ولم يتكلم في ذلك أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم من أئمة المذاهب، وغيرهم، بل ولا تكلم فيه أئمة اللغة والنحو المعتبرون. (ب) أن الذين أطلقوا كلمة المجاز من علماء السلف لم يعنوا بها ما هو قسيم الحقيقة، فأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر ابن المثنى في كتابه "مجاز القرآن"، ولكنه لم يعن بالمجاز ما يقابل الحقيقة وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية. وقال الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" في قوله تعالى "إنا" و"نحن" ونحو ذلك في القرآن، هذا من مجاز اللغة، ومراده ﵀ بذلك أن هذا مما يجوز استعماله في اللغة، ولم يرد أنه مستعمل في غير ما وضع له. (جـ) أن الذين قالوا بالتقسيم مطالبون بالدليل لكون الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان، ثم بعد ذلك استعملت فيها، ثم تجوز بها عن ما وضعت له ولن يستطيعوا ذلك، لأنه ليس بإمكان أحد أن ينقل عن العرب أنه اجتمع جماعة،

стр. 11

فوضعوا جميع الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال العرب هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، وأي دعوى خلاف ذلك فليست صحيحة لعدم نقلها إلينا (١). (د) أن التقسيم ذاته غير صحيح من وجوه: (١) أن دعوى المجاز تستلزم وضعا قبل الاستعمال، وهذا غير معلوم. (٢) أنه يستلزم تعطيل الألفاظ عن دلالتها على المعاني، وذلك ممتنع؛ لأن الدليل يستلزم مدلوله من غير عكس. (٣) أن التقسيم لا يدل على وجود المجاز، بل ولا على إمكانه، ولا يدل على ثبوت كل واحد من الأقسام في الخارج، ولا على إمكانها، فإن التقسيم يتضمن حصر المقسوم في تلك الأقسام وهي أعم من أن تكون موجودة، أو معدومة ممكنة، أو ممتنعة. (٤) أن هذا التقسيم يتضمن التفريق بين المتماثلين، فإن اللفظ إذا أفهم هذا المعنى تارة، وهذا تارة، فدعوى المدعي أنه موضوع لأحدهما دون الآخر تحكم محض. (٥) أنه يلزم منه الدور، فإن معرفة كون اللفظ مجازا متوقف على معرفة الوضع الثاني، ومستفاد منه، فلو استفيد معرفة الوضع من كونه مجازا لزم الدور الممتنع، فمن أين علم أن هذا وضع ثان للفظ؟ ومن أين علم أن وضع اللفظ لأحد معنيين سابق على وضعه للآخر؟ (٦) أن هذا التقسيم يتضمن إثبات الشيء ونفيه، فإن وضع اللفظ للمعنى هو تخصيص به، بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى فقط، ففهم المعنى المجازي مع نفي الوضع، جمع بين النقيضين، وهو يتضمن أن يكون اللفظ موضوعا غير موضوع. (٧) أن المجاز هو ما يصح أن يقال لقائله إنه فيه كاذب لأنه يخبر بالشيء على خلاف حقيقته فيصح أن يقال لمن قال: "رأيت أسدا يرمي": إنك كاذب، حيث

стр. 12

لم ير أسدا، وإنما رأى رجلا شجاعا، وهذا ظاهر في ضعف تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز. (٨) أن هذا التقسيم لا ينضبط بضابط صحيح، ولهذا فإن عامة ما يسميه بعضهم مجازا، يسميه غيرهم حقيقة، وكل يدعي أن اللفظ مستعمل في موضوعه، وهذا يدل على بطلان هذا التقسيم، وتجرده من الحقيقة، وإذا بطل التقسيم بطل تقسيم التقسيم حيث قسموا كل قسم إلى أقسام وهذا ينقصه الدليل الصحيح، والنقل السليم (١). (هـ) أن الفروق التي يفرق بها بين الحقيقة والمجاز ليست صحيحة، كقولهم: إن المجاز يصح نفيه، والحقيقة ليست كذلك، وإن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن، والحقيقة ما تتبادر إلى الذهن، وإن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن، والمجاز مالا يفيد ذلك المعنى إلا مع القرينة (٢). فهذه الفروق لم تخل من مناقشات طويلة، ومستلزمات غير سديدة، ثم ما ضابط القرائن، والعلائق التي تذكر؟ كل ذلك وغيره مما ليس له برهان ساطع، وضابط واضح يدل على عدم صحة هذه الفروق، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم (٣). (ز) أن هذا الأمر يستلزم لوازم غير صحيحة، ويترتب عليه أمور غير سديدة، وما استلزم ذلك فهو مثله، فما أولت الآيات وردت الأحاديث، إلا بدعوى

стр. 13

المجاز، وما عطلت الصفات العلي لله جل وعلا وحرفت إلا بدعوى المجاز، فقطع هذا الباب، وسده أسلم للشريعة، وأقوم للملة. ثالثا: أدلة المانعين منه في القرآن ومناقشتهم للمخالفين. من ذلك إضافة إلى ما سبق: أننا لو أثبتنا المجاز في القرآن لصح أن نطلق على الله سبحانه اسم متجوز ومستعير وهذا لا يصح لأن أسماء الله توقيفية، كما أن دعواهم في القرآن بضرب الأمثلة المعروفة غير صحيحة، فالآيات والأمثلة التي ذكروها لا مجاز فيها، وإنما هي أساليب استعملتها العرب، ومعان حقيقية جاءت بها اللغة، فمثلا قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فيه حذف مضاف، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أسلوب من أساليب العربية معروف (١)، لأنه مما يعلم وحذف ما علم جائز كما قرره علماء العربية. وأيضا: فإن العرب استعملت لفظ القرية ونحوه من الألفاظ التي فيها الحال والمحل، وهما داخلان في الاسم، كالمدينة والنهر، والميزاب وغيرها، وأطلقت هذه الألفاظ تارة على المحل، وهو المكان، وتارة على الحال وهو السكان، وهذا أسلوب مشهور من أساليب العربية، فيقولون: حفر النهر، يريدون المحل، وجرى النهر، وهو الماء ووضعت والميزاب وهو المحل، وجرى والميزاب وهو الماء، ونحو ذلك (٢)، ونظيره هذا المثال، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فقد جاء استعمال العرب لها تارة للمكان، وتارة للسكان، وقد جاء القرآن بذلك كله، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾، فالمراد بالقرية هنا السكان، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، والمراد السكان. وقد أطلق لفظ القرية، وأريد به المكان، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ الآية.

стр. 14

فالحاصل أن العرب تطلق هذا اللفظ، وتريد به تارة المكان، وتارة السكان، والسياق هو الذي يحدد ذلك، وليس هذا اللفظ مجازا، وإنما أسلوب من أساليب العربية المعروفة (١). وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ ليس المراد به أن للذل جناحا، بل المراد بالآية الكريمة كما يدل عليه كلام جمع من المفسرين أنها من إضافة الموصوف إلى صفته، فيكون المعنى "واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة"، وقد ورد ما يدل على ذلك في كلام العرب كقولهم "حاتم الجود" أي الموصوف بالجود، ووصف الجناح بالذل، مع أنه صفة الإنسان، لأن البطش يظهر برفع الجناح، والتواضع واللين يظهر بخفضه فخفضه كناية عن لين الجانب، وإضافة صفة الإنسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب العربية كما في هذا المثال، وكما في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، والمراد: صاحب الناصية (٢)، والله أعلم. وأما قوله تعالى: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فلا مجاز فيه من وجهين: أحدهما: أن المراد بالإرادة هنا إرادة حقيقية، لأن للجمادات إرادة حقيقية، لا نعلمها، وإنما يعلمها الله ومما يؤيد ذلك سلام الحجر على الرسول ﷺ (٣)، وحنين الجذع الذي كان يخطب عليه لما تحول عنه إلى المنبر (٤)، وهذا كله ناشئ عن إرادة يعلمها الله تعالى وإن لم نعلمها، كما في قوله

стр. 15

تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة. الثاني: أن الإرادة تطلق على معان عدة، منها: المعنى اللغوي المعروف، ومنها: مقاربة الشيء، والميل إليه فيكون معنى إرادة الجدار ميله إلى السقوط، وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، وبه ينتفي ادعاء المجاز في الآية (١). وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ فلا مجاز فيه كذلك، بل هو من إطلاق اسم المحل على الحال فيه وعكسه، وهذا أسلوب من أساليب العربية المشهورة، وكلاهما حقيقة في محله، كما سبق نظيره في القرية، والنهر ونحوها. فحاصل الجواب على هذه الأمثلة التي ادعي فيها المجاز أن يقال: إن ذلك أسلوب من أساليب العرب على حقيقته (٢). رابعا: ومما سبق من الأدلة والمناقشات على منع المجاز في القرآن يدخل فيها المنع في السنة لعموم كونها وحيا من الله ﵎. خامسا: مناقشة الجمهور لأدلة نفاة المجاز. وقد ناقش الجمهور حجج المنكرين وأجابوا عن أدلتهم فمن ذلك: أن القول بأن العرب لم تقسم الكلام إلى حقيقة، ومجاز، فإن أردتم أنهم لم يضعوا هذا الاصطلاح فمسلم، وإن أردتم أنه لا يوجد في كلامهم مجاز فغير مسلم بدليل ما ذكرناه من الأمثلة. وأما قولكم إن هذا الاصطلاح حادث لم يعرف إلا بعد القرون المفضلة فغير صحيح بل قد تكلم به عدد من الأئمة منهم معمر بن المثنى مما يدل على أنه استعمال قديم وقد يطلقون عليه لفظ الاتساع. وأما القول بأن المجاز يخل بالفهم، فنحن اشترطنا لصحة القول بالمجاز وجود القرينة التي تمنع الإخلال بالفهم، وتبين مراد المتكلم من لفظه.

стр. 16

وأما قولكم إن المجاز كذب، وأنه يصح نفيه فغير مسلم، لأنه وإن جاز نفيه فليس كذبا، لأن المنفي هو إرادة المعنى الحقيقي وليس المجازي بدليل القرينة الموضحة للمراد. وأما دعوى أن المجاز يلزم عليه وصف الله سبحانه بأنه متجوز، ومستعير، فغير مسلم، لأن الصفات توقيفية. تلك أهم المناقشات التي أوردها الجمهور على القائلين بنفي المجاز وإنكاره (١). سادسا: أما التفصيل بين ما فيه حكم شرعي، وما ليس فيه فيمنع في الأحكام الشرعية لما يترتب عليه من لوازم غير صحيحة، فالأحكام الشرعية مبنية على القرآن والسنة بلفظ العرب ولغتهم، فالأيمان والنذور والمعاملات والنكاح والطلاق ونحوها لا مجاز فيها، أما ما ليس فيه حكم شرعي فالأمر فيه واسع بحمد الله، والله أعلم. سابعا: الراجح ووجه ترجيحه. مما سبق من عرض المذاهب، والأدلة والمناقشات، أرى صعوبة الترجيح في هذه المسألة وإن كنت أميل إلى التفصيل على حسب الضوابط الشرعية وأهمها: (١) ألا يكون في القرآن والسنة. (٢) ألا يكون في الاعتقاد لاسيما صفات الله سبحانه. (٣) ألا يكون طريقا إلى تأويل النصوص وردها والتنصل من الأحكام الشرعية.

стр. 17

والذي يظهر لي إذا دون تعصب، ولا تقليد رجحان القول بعدم المجاز، لاسيما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لقوة أدلة المانعين، وضعف أدلة المجيزين مما ورد عليها من المناقشات القوية، التي أوهنتها. ولما يلزم على القول بالجواز المطلق من لوازم غير سديدة، كتعطيل صفات الكمال لله جل وعلا بحجة المجاز وتأويل النصوص على حسب الأهواء بهذه الحجة، ولعدم الضوابط السليمة التي يعرف بها ما قسموه، مما يوهن القول به، ولما يترتب على التفريق بين ما قسموه، من جواز نفي بعض كلمات القرآن والسنة، لأن المجاز يجوز نفيه وهذا باطل قطعا، ونحو ذلك مما تقدم عند أدلة المانعين، ومناقشتهم للمجيزين فيصار إلى القول بأن ما سموه بالمجاز يسمى أسلوبا من أساليب العرب المشهورة، التي درجت عليها وعرفت عنها، فالحاصل أن الراجح هو التفصيل والقول بجواز المجاز بالضوابط الشرعية، فما يتعلق بالاعتقاد والصفات وكلام الله فلا مجاز فيه بل كله حقيقة، أما المجاز فيما دون ذلك فأمره يسير بحمد الله (١). المبحث الثالث: هل للخلاف في المجاز ثمرة ؟ بعد عرض الخلاف في المسألة ظهر لي أن الخلاف بين المانعين، والمجيزين خلاف حقيقي ليس لفظيا، وإن لم يترتب عليه كبير فائدة في الفروع بشرط ألا يتخذ القول بالمجاز ذريعة لتعطيل شيء مما جاء به الشرع، فالأمثلة السابقة المضروبة لهذه المسألة، يطلق عليها المجيزون مجازاً، ويطلق عليها المانعون أساليب عربية،

стр. 18

تكلمت بها العرب، وهي حقيقة في معناها، لا تجوز فيها (١)، ولهذا فقد أنكر المانعون كون الخلاف لفظيا (٢)، لأنهم لم يسلموا أصلا بصحة التقسيم. قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: "وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع، محدث لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه لفظيا، بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل، لا يتميز هذا عن هذا، .. " (٣). المبحث الرابع: أثر القول بالمجاز على النصوص الشرعية وتعقيب على أشهر الأمثلة التي ذكرها بعض الأصوليين للمجاز . لقد كان للقول بالمجاز على إطلاقه أثر عظيم وخطير على الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه حيال النصوص الشرعية حيث يجب إثباتها على حقيقتها دون تحريف لها عن معانيها الحقيقية لاسيما فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وقد سبق أن أوردت في حجج منكري المجاز ومناقشتهم للمثبتين له شيئا من ذلك بما يغني عن الإعادة. وقد ذكر الأصوليون عددا من الأمثلة من القرآن على إثبات المجاز وحيث إن كثيرا منها يتعلق بصفات الباري جل وعلا، فإن ادعاء المجاز فيها يقتضي نفي حقيقتها، وتعطيل دلالتها على إثبات صفات الكمال لله ، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، وسار عليها سلف هذه الأمة، وقد عرف عن بعضهم سلوكه مذهب الأشاعرة في العقيدة، لذا فقد وقعوا في تأويل بعض النصوص عن حقيقتها، بدعوى المجاز، ولاسيما في آيات الصفات وتلك عقيدة المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة في إثباتهم الصفات لله، كما جاءت، وإقرارها كما وردت، بدون تأويل، ولا تعطيل، ولا نفي لحقيقتها، ولا ادعاء كونها مجازا. وإليك بعض الأمثلة (٤) التي ذكروها -عفا الله عنهم- تعد شواهد من كلامهم تبين خطورة القول بالمجاز في هذا المجال:

стр. 19

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ .. ﴾ الآية. هذا المثال ذكره بعضهم لإثبات المجاز في القرآن، مع اختلافهم في معنى إيذاء الله تعالى. فيرى بعضهم أن معنى إيذاء الله: إيذاء رسوله (١). ويرى آخرون أن معنى إيذاء الله: إيذاء أوليائه (٢). والذي اضطرهم إلى هذا التأويل الواضح ادعاؤهم المجاز فيها. والحق: أن كلا التفسيرين ليس صحيحا، بل تحمل الآية على حقيقتها، وتجرى على ظاهرها، ويكون المعنى الصحيح لإيذاء الله: الكفر به، ومخالفة أوامره، وارتكاب زواجره، واتخاذ الأنداد والشركاء له، وتكذيب رسله عليهم الصلاة والسلام (٣)، ويدل على ذلك المعنى حديث "ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، ويجعلون له أندادا، وهو مع ذلك يعافيهم ويرزقهم" (٤). وأما تفسير من أوله بأنه إيذاء رسوله فهو مردود، بما ذكر، ثم إن الله نص في الآية نفسها على إيذاء الرسول بعد ذكره إيذاءه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيكون الكلام على هذا القول مكرراً، وهذا محال؛ لمنافاته الأسلوب الصحيح، والتعبير السليم، الذي جرى عليه كتاب الله. وأما تفسير من قال بأنهم يؤذون أولياءه فهو غير صحيح من جهتين: الأولى: ما ذكر سابقا من المعنى الصحيح في الآية. الثانية: أن الآية نفسها فيها ذكر للرسول، وللمؤمنين والمؤمنات وهم أولياء الله، فيكون في الكلام تكرار لا يليق بكتاب الله، ولو قيل به لحصل المحظور، وهو

стр. 20

صرف الآية عن ظاهرها، وتأويلها على غير حقيقتها، والوقوع في التكرار الممنوع الذي يجعل المعطوف عليه بمعنى المعطوف فيكون معنى لفظ الجلالة "الله" بمعنى لفظ "الرسول" وبمعنى لفظ "المؤمنين"، وهذا غير مراد قطعاً. والأمثلة التي ذكرها القائلون بالمجاز ليس فيها مجاز على القول الراجح وإنما هي أساليب بلاغية، تكلم بها العرب وأرادوا بها الحقيقة، وأما آيات الصفات فهي حق، تمر على ظاهرها، وتجرى على حقيقتها، نوردها كما جاءت، ونثبتها كما وردت ولا نقع فيه تأويلا أو تعطيلا بدعوى المجاز، فهذا خلاف منهج السلف أهل السنة والجماعة والله تعالى أعلم. اهـ كلام د. عبدالرحمن السديس باختصار. الأساليب العربية الأسلوب العربي هو: الطريقة (١) التي يسلكها العرب للتعبير عن أفكارهم، أو عواطفهم. وقد بيَّن العلامة الشنقيطي (٢) ﵀ أهمية هذه الأساليب العربية في الرد على القائلين بالمجاز النافين لصفات الله ، وبيَّن أيضاً أنها حقائق تكلم بها العرب، وأنه لا يجوز نفيها، وإليك جملاً من أقواله يتضح بها المقام، والله المستعان. قال العلامة الشنقيطي: [كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية. فمن أساليبها إطلاق الأسد مثلاً على الحيوان المفترس المعروف، وأنه ينصرف إليه عند الإطلاق، وعدم التقييد بما يدل على أن المراد غيره. ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك. ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد، والثاني يحتاج إليه؛ لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد، وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا

стр. 21

بقيد يدل عليه، وكل منهما حقيقة في محله. وقس على هذا جميع أنواع المجازات. وعلى هذا، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلاً، كما حققه العلامة ابن القيم ﵀ في الصواعق. وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل، وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه، ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل، فقولك: " رأيت أسداً يرمي " يدل على الرجل الشجاع، كما أن لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس. ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن ... والذي ندين به، ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز مطلقاً على كلا القولين. أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلاً - وهو الحق - فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن. وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسداً يرمي، ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجاز أن في القرآن ما يجوز نفيه. ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهد في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم. وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا: لا يد ولا استواء ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات، لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها، بل هي عندهم مجازات، فاليد مستعملة - عندهم - في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز ... ] (١). ثم قال ﵀: [فإن قالوا: هذا الذي نسميه مجازاً وتسمونه أسلوباً

стр. 22

آخر من أساليب اللغة يجوز نفيه على قولكم، كما جاز نفيه على قولنا. فيلزم المحذور قولكم كما لزم قولنا. فالجواب: أنه على قولنا بكونه حقيقة لا يجوز نفيه. فإن قولنا: رأيت أسداً يرمي - مثلاً - لا نسلم جواز نفيه؛ لأن هذا الأسد المقيد بكونه يرمي ليس حقيقة الحيوان المفترس حتى تقول: وهو ليس بأسد. فلو قلتم: فهو ليس بأسد. قلنا: نحن ما زعمنا أنه حقيقة الأسد المتبادر عند الإطلاق حتى تكذبونا، وإنما قلنا بأنه أسد يرمي، وهو كذلك هو أسد يرمي. قال ابن القيم ﵀ في مختصر الصواعق ما نصه: (الوجه السادس عشر): أن يقال: ما تعنون بصحة النفي؟ نفي المسمى عند التقييد؟ أم القدر المشترك؟ أم أمراً رابعاً؟ فإن أردتم الأول كان حاصله أن اللفظ له دلالتان، دلالة عند الإطلاق ودلالة عند التقييد، بل المقيد مستعمل في موضعه، وكل منهما منفي عن الآخر. وإن أردتم الثاني لم يصح نفيه فإن المفهوم منه هو المعنى المقيد فكيف يصح نفيه. وإن أردتم القدر المشترك بين ما سميتموه حقيقة ومجازاً لم يصح نفيه أيضاً. وإن أردتم أمراً رابعاً فبينوه لنا لنحكم عليه بصحة النفي أو عدمها. وهذا ظاهر جداً لا جواب عنه كما ترى. اهـ كلام ابن القيم ﵀ بلفظه. وهو موضح غاية لما ذكرنا مصرح بأنه ظاهر جداً لا جواب عنه. فإن قيل: هذا الذي قررتم يدل على عدم صحة نفي المجاز، لأن ابن القيم ساق الكلام المذكور ليبين عدم صحة نفي المجاز وإذا يرتفع المحذور الناشئ عن القول بصحة نفيه. فالجواب: أنكم أيها القائلون بالمجاز أنتم الذين أطبقتم على جواز نفيه وتوصلتم بذلك إلى نفي كثير من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة، زعماً منكم أنها مجاز وأن المجاز يجوز نفيه ـ فلو أقررتم بأنه لا يجوز نفيه لوقفتم على أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية وهو حقيقة في محله، وسلمتم من نفي صفات الكمال والجلال الثابتة في القرآن .... ] (١).

стр. 23

وبعد، فسوف أضرب بعض الأمثلة (١) التي يتبين بها طريقة الشنقيطي ﵀ في الرد على القائلين بالمجاز بطرقة الأساليب العربية، حتى يتضح المقام تمام الاتضاح. قال العلامة الشنقيطي ﵀: [في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمامِ اللغة الأدب: هل يُذاق اللباس؟ ايريد الطعن في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً ﷺ ما كان نبياً! أما كان عربياً؟ قال مقيده عفا الله عنه: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كاللباس، ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبرَّ به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة، وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازاً، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازاً أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية. وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة. يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف، الذي هو الإذاقة ملائماً للمستعار له، الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال. فيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. فكانت الاستعارة مجردة

стр. 24

لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فسكاها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى «ترشيحاً»، والكسوة تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة، قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحاً. وقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة، فإنه أولاً استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار، والذبول، والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعاراً لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة تبعية. وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال. كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، وقول الأعشى: إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... ... ... تثنت عليه فكانت لباسا وكلها أساليب عربية، ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.] (١). وقال أيضاً: [البشارة: الخبر بما يسر، وقد تطلق العرب البشارة على

стр. 25

الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ومنه قول الشاعر: وبشرتني يا سعد أن أحبتي ... ... جفوني وقالوا الود موعده الحشر وقول الآخر: يبشرني الغراب ببين أهلي ... ... ... فقلت له ثكلتك من بشير والتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية، ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازاً، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله] (١). وقال أيضاً: [أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً﴾ -، الرزق وأراد المطر، لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله: أكنت دماً إن لم أرعْكِ بضرَّة ... ... ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فأطلق الدم وأراد الدية، لأنه سببها. وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه، يجب الرجوع إليه. وإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أول سورة الجاثية ﴿وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأوضح بقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها. وقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقاً، لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ

стр. 26

مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى. وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السموات وَالاٌّرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾. وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ ... ] (١). وفي الختام أنقل هذه العبارة للعلامة الألوسي ﵀ للاستدلال بها على صحة كلام الشنقيطي ﵀ في الأساليب، قال الألوسي في روح المعاني (١/ ٣٠٢): [الويل: واد في جهنم يهوى به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، وفي بعض الروايات: إنه جبل فيها، وإطلاقه على ذلك إما: حقيقة شرعية، وإما مجاز لغوي، من إطلاق لفظ الحال على المحل، ولا يمكن أن يكون حقيقة لغوية؛ لأن العرب تكلمت به في نظمها، ونثرها قبل أن يجيء القرآن، ولم تطلقه على ذلك]. فيستفاد من مفهوم المخالفة في هذه العبارة أن العرب إن تكلمت بها على المعنى المراد، فتكون حقيقة لغوية. وهذا هو نفس مقصود العلامة الشنقيطي بالأساليب العربية، فتراه يبين بهذه الأساليب أن ما يدعون فيه المجاز إنما هو أسلوب تكلمت به العرب، فيكون حقيقة، وليس مجازاً (٢). وبعد فقد لاح لك أيها القارئ الكريم أهمية جمع هذه الأساليب، والإطلاقات العربية، مع ذكر شواهدها من القرآن، واللغة، حتى يتضح لك الجواب عما زعموا أنه من المجاز قاصدين من وراء ذلك نفي الصفات، وهو في الحقيقة حقيقة في محله، وأسلوب عربي، تكلمت به العرب. وهذا أوان الشروع في المقصود، فالله المستعان، وعليه البلاغ، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي. عفا الله - تعالى - عنه

стр. 27

الأساليب والإطلاقات العربية (١) ١ - يسمي التقدير خلقاً (٢). [المراد بخلق ما في الأرض جميعا قبل خلق السماء الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود، والعرب تسمي التقدير خلقا ومنه قول زهير: ولأنت تَفْري ما خلقت وبعض ... القوم يخلُقَ ثم لا يَفْري والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير أنه تعالى نصّ على ذلك في سورة فصلت حيث قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية.] (٣). وقال: [وقوله في هذه الآية ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي المقدرين والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير. ومنه قول زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري

стр. 28

فقوله: يخلق ثم لا يفري: أي يقدر الأمر، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو معلوم.] (١) وقال أيضاً: [إطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل، وعلى أن هذه الآية - أي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النور:٢٧) أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن، يصير المعنى: حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى بعده: ﴿فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾، وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن.] (٢). ٢ - المفرد إذا كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مراداً به الجمع - مع تنكيره، أو تعريفه بالألف واللام أو بالإضافة - (٣). [قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مراداً به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي وأنهار بدليل قوله تعالى ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ وقوله ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ أي أئمة وقوله تعالى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ أي أنفساً وقوله تعالى ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ أي سامرين وقوله تعالى ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي بينهم وقوله تعالى ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ أي رفقاء

стр. 29

وقوله تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ أي جنبين أو أجناباً وقوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ﴾ أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري: وكان بنو فزارة شرَّ عم ... ... ... وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا يعني شر أَعمام. وقول قعنب ابن أم صاحب: ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا يعني ما بال قوم أصدقاء. وقول جرير: نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... ... ... بأعين أعداء وهن صديق يعني صديقات. وقول الآخر: لعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... ... ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق وقول الآخر. يا عاذلاتي لا تزدن ملامة ... ... ... إن العواذل ليس لي بأمير أي لسن لي بأمراء. ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي أصدقائكم: وقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي أوامره: وقوله ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ أَي نعم الله: وقوله ﴿إِنَّ هؤلاء ضَيْفِى﴾: أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... ... ... فبيض وأما جلدها فصليب أي وأما جلودها فصليبة. وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... ... ... فإن زمانكم زمن خميص أي بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهداً بهما لما ذكرنا. ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرادس السلمي: فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... ... ... وقد سلمت من الإحن الصدور أي إنا إخوانكم. وقول جرير:

стр. 30

إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... ... ... أبان المقرفات من العراب أي إذا آباؤنا وآباؤك عدواً، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل: أبون وأخون فحذفت النون للإضافة، فصار كلفظ المفرد. ومن أمثلته جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة المذكور آنفاً، حيث قال فيه: ... كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر: فلما تبين أصواتنا ... ... ... بكين وفديننا بالأبينا ومن أمثلة ذلك في القرآن: واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي بالكتب كلها، بدليل قوله ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية، وقوله ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ وقوله تعالى ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي الغرف بدليل قوله ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ وقوله ﴿وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾: وقوله تعالى ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً﴾: أي الملائكة بدليل قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾: وقوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أي الأدبار بدليل قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ﴾: أي الأطفال: وقوله تعالى ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب: وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مراراً. ومن أمثلة ذلك قول زهير: متى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم ... ... ... هم بيننا هم رضى وهم عدل أي عدول مرضيون.] (١)

стр. 31

٣ - عطف الشيء على نفسه، مع اختلاف اللفظ؛ لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي . ... [قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الظاهر في معناه: أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وإنما عطف على نفسه؛ تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين: أحدهما: أنه مكتوب كتبه اللَّه لنبيه موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام. والثاني: أنه فرقان أي فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظرًا لتغاير الصفتين، كقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام ... ... ... وليث الكتيبة في المزدحم بل ربما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ. كقول الشاعر: إني لأعظم في صدر الكميِّ على ... ... ... ما كان فيّ من التجدير والقصر القصر: هو التجدير بعينه. وقول الآخر: وقددت الأديم لراهشيه ... ... ... وألفى قولها كذبًا ومينًا والمين: هو الكذب بعينه. وقول الآخر: ألا حبذا هند وأرض بها هند ... ... ... وهند أتى من دونها النأْي والبعد

стр. 32

والبعد: هو النأي بعينه. وقول عنترة في معلّقته: حييت من طلل تقادم عهده ... ... ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والإقفار: هو الإقواء بعينه.] (١) وقال أيضاً: [قوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ... الوجه الثاني من التفسير أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر. وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلاً لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الاٌّخِرَةِ﴾، والدار هي الآخرة بعينها. بدليل قوله في موضع آخر: ﴿وَلَلدَّارُ الاٌّخِرَةُ﴾ بالتعريف، والآخرة نعت للدار. وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّىءِ﴾، والمكر هو السيء بدليل قوله ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾. ومن أمثلته في كلام العرب قول امرىء القيس: ... كبكر المقاناة البياض بصفرة ... ... ... غذاها نمير الماء غير المحلل لأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته: ومشك سابغة هتكت فروجها ... ... ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم لأن مراده بالمشك: السابغة بعينها. بدليل قوله: هتكت فروجها. لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة فاطر. وبينا أن الذي يظهر لنا: أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية. لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي. لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي

стр. 33

كلام العرب. وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن. وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة: ولا يضاف اسم لما به اتحد ... ... ... معنى وأول موهماً إذا ورد ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله: وإن يكونا مفردين فأضف ... ... ... حتما وإلا أتبع الذي ردف لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى. وعلى هذا الوجه من التفسير فالمعنى: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. أي جعلنا الليل مَمْحُو الضوء مطموسه، مظلماً لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو. وجعلنا النهار مبصراً. أي تبصر فيه الأشياء وتستبان.] (١). ٤ - كل ما علا الماء يسمى طافيًا . [كل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيًا. ومن ذلك قول عبد اللَّه بن رواحة ﵁: وأن العرش فوق الماء طاف (٢) ... ... وفوق العرش رب العالمين (٣)

стр. 34

ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونًا مرّ به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون: القوا الغلام في البحر فإن رسب فيه فهو من بني راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة.] (١). ٥ - الخيط الأبيض يطلق على الصبح، والأسود على الليل (٢). [قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ بينه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧) والعرب تسمى ضوء الصبح خيطًا، وظلام الليل المختلط به خيطًا، ومنه قول أبي دواد الإيادي: فلما أضاءت لنا سدفة ... ... ... ولاح من الصبح خيط أنارا وقول الآخر: الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الأسود جنح الليل مكتوم] (٣).

стр. 35

٦ - ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل . [قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (آل عمران: ١٤)، ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل، ومنه قوله ﷺ : «من حمر النعم» (١) يعني: الإبل (٢). وقول حسان ﵁: وكانت لا يزال بها أنيس ... ... ... خلال مروجها نعم وشاء أي: إبل وشاء.] (٣). ٧ - إطلاق الخوف بمعنى العلم . [الخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل. والحزن: الغم من أمر ماض. وربما استعمل كل منهما في موضع الآخر. وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. قال معناه: إلا أن يعلما. ومنه قول أبي محجن الثقفي: إذا مُت فادفِنّي إِلى أصلِ كَرمَةٍ ... ... تروّي عظامي في التراب عروقُها ولا تَدفِنَنّي بالفلاةِ فإنّني ... ... ... أخافُ إذا ما مُتُّ أن لا أذوقُها (٤) فقوله أخاف: أي أعلم لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته.] (٥) ٨ - إسلام الوجه يطلق ويراد به الإذعان والانقياد التامّ . [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن دينًا ممن أسلم وجهه للَّه، في حال

стр. 36

كونه محسنًا؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي ... ومعنى إسلام وجهه للَّه إطاعته وإذعانه، وانقياده لَّله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنًا، أي: مخلصًا عمله للَّه لا يشرك فيه به شيئًا مراقبًا فيه للهِ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فاللَّه تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التامّ، ومنه قول زيد بن نفيل العدويّ: وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... ... ... له المزن تحمل عذبًا زلالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... ... ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا] (١). ٩ - عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل (٢). [العرب تقول: عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب: بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... ... ... له شاهد من نفسه غير عائل أي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر: قالوا تبعنا رسول اللَّه واطرحوا ... ... ... قول الرسول وعالوا في الموازين أي: جاروا، وقول الآخر: ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... ... ... لقد عال الزمان على عيالي أي: جار ومال، أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاريّ: وما يدري الفقير متى غناه ... ... ... وما يدري الغني متى يعيل وقول جرير: اللَّه نزل في الكتاب فريضة ... ... ... لابن السبيل وللفقير العائل وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾، فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين. وقال الشافعي ﵀: معنى قوله: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، أي: يكثر عيالكم من

стр. 37

عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم: إنّ هذا لا يصح وإنّ المسموع أعال الرجل بصيغة الرباعي على وزن أفعل، فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له؛ لأنّ الشافعي من أدرى الناس باللغة العربية؛ ولأنّ عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر: وأن الموت يأخذ كل حي ... ... ... بلا شك وإن أمشى وعالا يعني: وإن كثرت ماشيته وعياله، وقرأ الآية طلحة بن مصرف ﴿ألا تعيلوا﴾ بضم التاء من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.] (١) ١٠ - يسمى النفخ روحاً (٢). قال العلامة الشنقيطي ﵀ وهو يتكلم عن سبب تسمية سيدنا عيسى ﵇ روحاً: [وقيل سمي روحاً بسبب نفخة سيدنا جبريل ﵇ المذكورة في سورة الأنبياء، والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحاً؛ لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة: فَقُلتُ لَهُ اِرفَعها إِلَيكَ وَأَحيِها ... ... بِروحِكَ وَاِقتَتهُ لَها قيتَة قَدرا] (٣). ١١ - الخفض بالمجاورة . [الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين. فمنه في النعت قول امرئ القيس: كأن ثبيرا في عرانين ودقه ... ... ... كبير أناس في بجاد مزمل بخفض «مزمل» بالمجاورة، مع أنه نعت «كبير» المرفوع بأنه خبر «كأن» وقول ذي الرمة: تريك سنة وجه غير مقرفة ... ... ... ملساء ليس بها خال ولا ندب إذ الرواية بخفض «غير»، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت «سنة» المنصوب بالمفعولية.

стр. 38

ومنه في العطف قول النابغة: لم يبق إلا أسير غير منفلت ... ... ... وموثق في حبال القد مجنوب بخفض «موثق» لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على «أسير» المرفوع بالفاعلية. وقول امرئ القيس: وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... ... ... صفيف شواءٍ أو قدير معجل بجر «قدير» لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على «صفيف» المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو «منضج» والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ. وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه «الصبان» في حاشيته على «الأشموني» من أن قوله «أو قدير» معطوف على «منضج» بتقدير المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير «طابخ» محذوف. وما ذكره العيني من أنه معطوف على «شواء»، فهو ظاهر السقوط أيضاً. وقد رده عليه «الصبان»، لأن المعنى يصير بذلك: وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفاً. والتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني. ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير: لعب الزمان بها وغيرها ... ... ... بعدي سوافي المور والقطر بجر «القطر» لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على «سوافي» المرفوع، بأنه فاعل غير. ومنه في التوكيد قول الشاعر: يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

стр. 39

بجر «كلهم» على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد «ذوي» المنصوب بالمفعولية. ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف كالآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، على قراءة حمزة، والكسائي. ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ حكمه الرفع: فقيل، إنه معطوف على فاعل «يطوف» الذي هو ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾. وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه. أي: وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى. وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة: بادت وغير آيهن مع البلا ... ... ... إلا رواكد جمرهن هباء ومشجَّج أما سواء قذاله ... ... ... فبدا وغيب ساره المعزاء لأن الرواية بنصب «رواكد» على الاستثناء، ورفع مشجج عطفاً عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا خلافاً لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حورٍ على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور. ولا يخفى ما في هذين الوجهين، لأن الأول يرد، بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِى الْخِيَامِ﴾. والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له. وأجيب عن الأول بجوابين، الأول: أن العطف فيه بحسب المعنى، لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. قاله الزجاج وغيره. الجواب الثاني: أن الحور قسمان: حور مقصورات في الخيام،: وحور

стр. 40

يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا. وكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾، في قراءة الرفع، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك. وممن جزم بأن خفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لمجاورة المخفوض البيهقي في (السنن الكبرى)، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصباً، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضاً، فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب. قال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصباً، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها. ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اه كلام البيهقي. ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ بخفض ﴿مُحِيطٌ﴾ مع أنه نعت للعذاب. وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتاً للعذاب. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ على قراءة من قرأ بخفض ﴿مَّحْفُوظٍ﴾ كما قاله القرطبي ومن كلام العرب «هذا جحر ضب خرب» بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ. وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحناً لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة.] (١).
следующие страницы →