كونه محسنًا؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي ... ومعنى إسلام وجهه للَّه إطاعته وإذعانه، وانقياده لَّله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنًا، أي: مخلصًا عمله للَّه لا يشرك فيه به شيئًا مراقبًا فيه للهِ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فاللَّه تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التامّ، ومنه قول زيد بن نفيل العدويّ:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... ... ... له المزن تحمل عذبًا زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... ... ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا] (١).
٩ - عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل (٢).
[العرب تقول: عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب:
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... ... ... له شاهد من نفسه غير عائل
أي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر:
قالوا تبعنا رسول اللَّه واطرحوا ... ... ... قول الرسول وعالوا في الموازين
أي: جاروا، وقول الآخر:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... ... ... لقد عال الزمان على عيالي
أي: جار ومال، أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاريّ:
وما يدري الفقير متى غناه ... ... ... وما يدري الغني متى يعيل
وقول جرير:
اللَّه نزل في الكتاب فريضة ... ... ... لابن السبيل وللفقير العائل
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾، فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين.
وقال الشافعي ﵀: معنى قوله: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، أي: يكثر عيالكم من
стр. 37
عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم: إنّ هذا لا يصح وإنّ المسموع أعال الرجل بصيغة الرباعي على وزن أفعل، فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له؛ لأنّ الشافعي من أدرى الناس باللغة العربية؛ ولأنّ عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر:
وأن الموت يأخذ كل حي ... ... ... بلا شك وإن أمشى وعالا
يعني: وإن كثرت ماشيته وعياله، وقرأ الآية طلحة بن مصرف ﴿ألا تعيلوا﴾ بضم التاء من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.] (١)
١٠ - يسمى النفخ روحاً (٢).
قال العلامة الشنقيطي ﵀ وهو يتكلم عن سبب تسمية سيدنا عيسى ﵇ روحاً: [وقيل سمي روحاً بسبب نفخة سيدنا جبريل ﵇ المذكورة في سورة الأنبياء، والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحاً؛ لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة:
فَقُلتُ لَهُ اِرفَعها إِلَيكَ وَأَحيِها ... ... بِروحِكَ وَاِقتَتهُ لَها قيتَة قَدرا] (٣).
١١ - الخفض بالمجاورة .
[الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين.
فمنه في النعت قول امرئ القيس:
كأن ثبيرا في عرانين ودقه ... ... ... كبير أناس في بجاد مزمل
بخفض «مزمل» بالمجاورة، مع أنه نعت «كبير» المرفوع بأنه خبر «كأن» وقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ... ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
إذ الرواية بخفض «غير»، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت «سنة» المنصوب بالمفعولية.
стр. 38
ومنه في العطف قول النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت ... ... ... وموثق في حبال القد مجنوب
بخفض «موثق» لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على «أسير» المرفوع بالفاعلية.
وقول امرئ القيس:
وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... ... ... صفيف شواءٍ أو قدير معجل
بجر «قدير» لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على «صفيف» المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو «منضج» والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ.
وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه «الصبان» في حاشيته على «الأشموني» من أن قوله «أو قدير» معطوف على «منضج» بتقدير المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير «طابخ» محذوف.
وما ذكره العيني من أنه معطوف على «شواء»، فهو ظاهر السقوط أيضاً. وقد رده عليه «الصبان»، لأن المعنى يصير بذلك: وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفاً.
والتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني.
ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير:
لعب الزمان بها وغيرها ... ... ... بعدي سوافي المور والقطر
بجر «القطر» لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على «سوافي» المرفوع، بأنه فاعل غير.
ومنه في التوكيد قول الشاعر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
стр. 39
بجر «كلهم» على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد «ذوي» المنصوب بالمفعولية.
ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف كالآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، على قراءة حمزة، والكسائي.
ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ حكمه الرفع: فقيل، إنه معطوف على فاعل «يطوف» الذي هو ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾.
وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه.
أي: وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى.
وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة:
بادت وغير آيهن مع البلا ... ... ... إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجَّج أما سواء قذاله ... ... ... فبدا وغيب ساره المعزاء
لأن الرواية بنصب «رواكد» على الاستثناء، ورفع مشجج عطفاً عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا خلافاً لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حورٍ على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور.
ولا يخفى ما في هذين الوجهين، لأن الأول يرد، بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِى الْخِيَامِ﴾.
والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له.
وأجيب عن الأول بجوابين، الأول: أن العطف فيه بحسب المعنى، لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. قاله الزجاج وغيره.
الجواب الثاني: أن الحور قسمان: حور مقصورات في الخيام،: وحور
стр. 40
يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا.
وكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾، في قراءة الرفع، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك.
وممن جزم بأن خفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لمجاورة المخفوض البيهقي في (السنن الكبرى)، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصباً، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضاً، فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.
قال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصباً، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها.
ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اه كلام البيهقي.
ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ بخفض ﴿مُحِيطٌ﴾ مع أنه نعت للعذاب. وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتاً للعذاب. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ على قراءة من قرأ بخفض ﴿مَّحْفُوظٍ﴾ كما قاله القرطبي ومن كلام العرب «هذا جحر ضب خرب» بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ. وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحناً لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة.] (١).
стр. 41
١٢ - يطلق المسح على الغسل .
قال العلامة الشنقيطي ﵀ وهو يتكلم على الجمع بين قراءتي الخفض، والنصب في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن﴾ (المائدة: ٦) [وقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما: والعرب تطلق المسح على الغسل أيضاً، وتقول: تمسَّحت بمعنى توضأت، ومسح المطر الأرض أي غسلها، ومسح الله ما بك أي غسل عنك الذنوب والأذى.] (١).
١٣ - ربّما اسْتُعمِل التحرير في الإخراج مِن الأسر والمشقّات، وتعب الدنيا ونحو ذلك .
[قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾، والمراد بالتحرير الإخراج من الرقّ، وربّما استعملته العرب في الإخراج مِن الأسر والمشقّات، وتعب الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي من تعب أعمال الدُّنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب التميمي:
أبني غدانة إنِّي حررتكم ... ... ... فوهبتكم لعطية بن جعال
يعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم.] (٢).
١٤ - إطلاق شيطان على المتمرد (٣).
[اللسان العربي الذي نزل به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن، والإنس، والدواب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ومنه قوله ﷺ : «الكلب الأسود شيطان» (٤) وقول جرير:
стр. 42
أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا] (١).
١٥ - يطلق المجموع مراداً بعضه .
[قال بعض العلماء: ﴿رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ (٢) أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس: لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مراداً بعضه، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾.] (٣).
وقال أيضاً [من أساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ من القتل في الفعلين، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مراراً. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك قول الفرزدق:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... ... ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة.] (٤).
١٦ - يطلق لا شيء على ما لا نفع فيه .
[ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن
стр. 43
الله يقول في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾، مع أنه يقول فيهم: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ
سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، ويقول فيهم: ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء: فيصدق على صاحبه أنه أعمى
وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب بن أم صاحب:
صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكِرت به ... ... وإن ذكرت بسوء عندهم أَذنوا
وقول الآخر:
أصمٌّ عن الأمر الذي لا أريده ... ... وأسمع خلق الله حين أريد
وقول الآخر:
قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... ... ... حلمي أصم وأذني غير صماء
ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها.] (١).
١٧ - القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها، وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث .
[من أساليب اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها في الأنثى فتقول: هذا المرأة قريبتي أي في النسب ولا تقول: قريب مني. وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث. فتقول: داره قريب وقريبة مني، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ وقول امرىء القيس:
لَهُ الوَيلُ إِن أَمسى وَلا أُمُّ هاشِمٍ ... قَريبٌ وَلا البَسباسَةُ اِبنَةَ يَشكُرا] (٢).
١٨ - يطلق اسم الفيء على الغنيمة .
قال بعض العلماء: إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على
أي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة ﵀ وهو المعروف في اللغة،
стр. 44
فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:
فلا وأبي جليلة ما أفأنا ... ... ... من النعم المؤبل من بعير
ولكنا نهكنا القوم ضربا ... ... ... على الأثباج منهم والنحور
يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال فقوله: أفأنا: يعني غنماً، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾، لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسبيات ولو كن منتزعات قهراً، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة-أي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ -.] (١).
١٩ - يطلق الحرف الواحد من الكلمة، ويراد به جميع الكلمة .
[العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع الكلمة كقول الراجز:
قلت لها قفي فقالت لي قاف ... ... ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
فقوله: «قاف» أي وقفت. وقول الآخر:
بالخير خيرات وإن شراً فا ... ... ... ولا أريد الشر إلا أن تا
يعني: وإن شراً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين.
قال القرطبي: وفي الحديث «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة» الحديث (٢). قال سفيان: هو أن يقول في أقتل: أق.] (٣).
стр. 45
٢٠ - عادة العرب قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا، إذا كان شديد الكراهية، والبغض له (١).
[قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ ... المعنى ما كانوا يستطيعون السمع أي لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذا الْقُرْآنِ﴾ وقوله ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ﴾.] (٢).
٢١ - الضلال يطلق بمعنى: الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل، وبمعنى: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، وبمعنى: الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع .
[وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:
الأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل. كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر. وهذا أكثر استعمالاته في القرآن. ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾.
الثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي غاب واضمحل، وقوله هنا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل
стр. 46
واضمحل، وقول الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الديار ... ... ... عن الحي المضلل أين ساروا
أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالاً؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغه ذبيان:
فآب مضلوه بعين جلية ... ... ... وغودو بالجولان حزم ونائل
فقوله «مضلوه» يعني دافنيه في قبره.
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى الاٌّرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. فمعنى ﴿ضَلَلْنَا فِى الاٌّرْضِ﴾ أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها لغابت واستهلكت فيها.
الثالث: الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى﴾ أي ذاهباً عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا﴾ أي نذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله ﴿فَتُذَكّرَ أَحَدُهُمَا الاْخْرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى﴾ ومن هذا المعنى قول الشاعر:
وتظن سلمى أنثى أبغى بها ... ... ... بدلاً أراها في الضلال تهيم
فقوله «أراها في الضلال» أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغى بها بدلاً، والواقع بخلاف ذلك] (١).
стр. 47
٢٢ - يطلق الهم ويراد به المحبة والشهوة .
[العرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي] (١).
٢٣ - إذا كان المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي .
قال العلامة الشنقيطي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (الرعد: ٢) مرجحاً أن السماء لا عمد لها: [وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة «الحج» أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الاٌّرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيداً لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفى اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين:
الأولى: أن يكون المحكوم عليه موجوداً، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه.
الثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، ومثاله في اللغة قول امرئ القيس:
على لا حب لا يهتدى بمناره ... ... ... إذا سافه العود النباطي جرجوا
أي لا منار له أصلاً حتى يهتدي به، وقوله:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ... ... ولا ترى الضب بها ينجحر
يعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: لا عمد لها حتى تروها] (٢).
стр. 48
٢٤ - " وراء " تطلق بمعنى: أمام (١).
[قوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى أمام كما هو ظاهر. ويدل له إطلاق وراء بمعنى إمام في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي أمامهم ملك. وكان ابن عباس يقرؤها: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، ومن إطلاق وراء بمعنى أمام في كلام العرب قول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... ... ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
وقول الآخر:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... ... ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
وقوله الآخر:
ومن ورائك يوم أنت بالغه ... ... ... لا حاضر معجز عنه ولا باد
فوراء بمعنى أمام في الأبيات.
وقال بعض العلماء. ومعنى من ورائه جهنم، أي من بعد هلاكه جهنم، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد، ومن إطلاق وراء بمعنى بعد قول النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... ... ... وليس وراء الله للمرء مذهب
أي ليس بعد الله مذهب، قاله القرطبي. والأول هو الظاهر وهو الحق] (٢).
٢٥ - الغلام يطلق على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ (٣)، وربما قالوا للأنثى غلامة.
[الغلام يطلق في لغة العرب على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ.
стр. 49
ومن إطلاقه على البالغ قول علي رضي الله يوم النهروان:
أنا الغلام القرشي المؤتمن ... ... ... أبو حسين فاعلمن والحسن
وقول صفوان بن المعطل السلمي لحسان ﵄:
تلق ذباب السيف عني فإنني ... ... ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... ... ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... ... غلام إذا هز القناة سقاها
وربما قالوا للأنثى غلامة ومنه قول أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرساً:
ومركضة صريحي أبوها ... ... ... يهان لها الغلامة والغلام] (١).
٢٦ - صدعت الشيء: أظهرته .
[قوله: ﴿فَاصْدَعْ﴾ قال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى الإظهار، ومنه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل. والصديع: الفجر لانصداعه، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
ترى السرحان مفترشاً يديه ... ... ... كأن بياض لبته صديع
أي فجر والمعنى على هذا القول: أظهر ما تؤمر به وبلغه علناً على رؤوس الأشهاد وتقول العرب:
صدعت الشيء: أظهرته. ومنه قول أبي ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه ... ... ... يسر يفيض على القداح ويصدع
قاله صاحب اللسان] (٢).
٢٧ - يطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى (٣).
стр. 50
٢٨ - يقال: سامت المواشي، إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه .
[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١) أي ترعون مواشيكم السائمة
في ذلك الشجر الذي هو المرعى. والعرب تطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى. ومنه قول النمر بن تولب العكلي:
إنا أتيناك وقد طال السفر ... ... ... نقود خيلا ضمرا فيها صعر
نطعمها اللحم إذا عز الشجر
والعرب تقول: سامت المواشي إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر:
مثل ابن بزعة أو كآخر مثله ... ... ... أولى لك ابن مسيمة الأجمال
يعني يا ابن راعية الجمال التي تسيمها في المرعى] (٢).
٢٩ - يذكر وصف الأنثى باعتبار الشخص، وكذلك لا مانع من تأنيث صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس (٣).
стр. 51
[قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنه يلزمه الحدّ.
وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون عاميًّا لا يعرف العربية، أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان عاميًّا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالمًا باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصًا.
وقد قدّمنا بعض أمثلة ذلك في سورة «النحل» (١)، في الكلام على قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان ﵁:
منع النوم بالعشاء الهموم ... ... ... وخيال إذا تغار النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه ... ... ... سقم فهو داخل مكتوم
стр. 52
ومراده بالحبيب أنثى، بدليل قوله بعده:
لم تفتها شمس النهار بشىء ... ... ... غير أن الشباب ليس يدوم
وقول كثير:
لئن كان يرد الماء هيمان صاديًا ... ... إلى حبيبًا إنها لحبيب
ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي:
ولكن ليلى أهلكتني بقولها ... ... ... نعم ثم ليلى الماطل المتبلح
يعني ليلى الشخص الماطل المتبلح.
وقول عروة بن حزام العذري:
وعفراء أرجى الناس عندي مودّة ... ... ... وعفراء عني المعرض المتواني
أي: الشخص المعرض.
وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف؛ كقوله:
أبوك خليفة ولدته أخرى ... ... ... وأنت خليفة ذاك الكمال] (١).
٣٠ - الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع (٢)، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنّث.
стр. 53
[قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ أي السفن. وقد دل القرآن على أن " الفلك " يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنّث. فأطلقه على المفرد مذكراً في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. وأطلقه على الجمع مؤنثا في قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (١).] (٢).
٣١ - يطلق الوصوب على الدوام .
[قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ ... ونظير هذه الآية المذكورة قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم. وقيل: عذاب «وجمع مؤلم» والعرب تطلق الوصب على المرض، وتطلق الوصوب على الدوام. وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال له: الوصب الدائم، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
وله الدين واصباً وله المل ... ... ... ك وحمد له على كل حال
ومنه قول الدؤلي:
لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... ... ... يوماً بذم الدهر أجمع واصباً
وممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم: ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، وغيرهم] (٣).
٣٢ - البشارة تطلق على الخبر مما يسر، وبما يسوء .
[البشارة: الخبر بما يسر. وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ومنه قول الشاعر:
وبشرتني يا سعد أن أحبتي ... ... ... جفوني وقالوا الود موعده الحشر
وقول الآخر:
يبشرني الغراب ببين أهلي ... ... ... فقلت له ثكلتك من بشير
стр. 54
والتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازاً، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله] (١).
وقال أيضاً: [والبشارة تطلق في العربية على الخبر مما يسر، وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالاٍّنْثَى﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ونحو ذلك من الآيات.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم.
ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال:
أني وإن سيق إلى المهر ... ... ... ألف وعبدان وذود عشر
أحب أصهاري إلى القبر
ويروى لعبد الله بن طاهر قوله:
لكل أبي بنت يراعى شؤونها ... ... ... ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر
فبعل يراعيها وخدر يكنها ... ... ... وقبر يواريها وخيرهم القبر
وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن: الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم. كما قال الشاعر في ابنة له تسمى مودة:
مودة تهوى عمر شيخ يسره ... ... ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدري
يخاف عليها جفوة الناس بعده ... ... ... ولا ختن يرجى أود من القبر ... ] (٢).
٣٣ - لفظة «جعل» تأتي لأربعة معان: اعتقد، صير، خلق، شرع .
[لفظة «جعل» تأتي في اللغة العربية لأربعة معان:
الأول بمعنى اعتقد؛ كقوله تعالى هنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال في الخلاصة: وجعل اللذ كاعتقد.
стр. 55
الثاني بمعنى صير؛ كما تقدم في الحجر. كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾. قال في الخلاصة:
والتي كصيرا ... ... ... وأيضاً بها انصب مبتدأ وخبرا
الثالث بمعنى خلق؛ كقوله: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى خَلَقَ السموات وَالاٌّرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي خلق الظلمات والنور.
الرابع بمعنى شرع؛ كقوله:
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ... ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر
قال في الخلاصة:
كأنشأ السائق يحدو وطفق ... ... ... كذا جعلت وأخذت وعلق] (١).
٣٤ - رجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام .
[قوله: ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ الضمير في «عليها» راجع إلى غير مذكور وهو الأرض؛ لأن قوله ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ يدل عليه؛ لأن من المعلوم: أن الدواب إنما تدب على الأرض. ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب. ومنه قول حميد بن ثور:
وصهباء منها كالسفينة نضجت ... ... به الحمل حتى زاد شهراً عديدها
فقوله «صهباء منها» أي من الإبل، وتدل له قرينة «كالسفينة» مع أن الإبل لم يجر لها ذكر، ومنه أيضاً قول حاتم الطائي:
أماوى ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقوله «حشرجت وضاق بها» يعني النفس، ولم يجر لها ذكر. كما تدل له قرينة «وضاق بها الصدر». ومنه أيضاً لبيد في معلقته:
حتى إذا ألقت يداً في كافر ... ... ... وأجن عورات الثغور ظلامها
فقوله «ألقت» أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل له قوله: وأجن عورات الثغور ظلامها
стр. 56
لأن قوله: «ألقت يداً في كافر» أي دخلت في الظلام. ومنه أيضاً قول طرفة في معلقته:
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
فقوله: «أفديك منها» أي الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق الكلام تدل عليها] (١).
٣٥ - تطلق المفاعلة بمعنى الفعل المجرد .
[وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم﴾ -: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ الظاهر أن المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد. فمعنى آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافى. وقوله «يؤاخذ» إن قلنا إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل. كقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾، وقول قيس بن الملوح: ...
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ... ... ومن دون رمسينا من الأرض سيسب
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتاً في البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله:
لو حرف شرط في مضي ويقل ... ... ... إيلاؤها مستقبلاً لكن قبل]. (٢)
٣٦ - يطلق المصدر ويراد الاسم (٣).
[قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالاٌّعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا
стр. 57
حَسَنًا﴾. جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة: الخمر، لأن العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم. والعرب تقول: سكر «بالكسر» سكراً «بفتحتين» وسكراً «بضم فسكون».
وقال الزمخشري في الكشاف: والسكر: الخمر. سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً، نحو رشد رشداً ورشداً. قال:
وجاءونا بهم سكر علينا ... ... فأجلى اليوم والسكران صاحي اهـ
ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر:
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاء والسكر
وممن قال: بأن السكر في الآية الخمر: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، وابن جبير، وأبو ثور، وغيرهم] (١).
٣٧ - يطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية. ولذا تطلقه العرب على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام .
[الوحي في لغة العرب يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء؛ ولذلك أطلق على الإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ﴾. ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ -. وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:
فمدافع الريان عرى رسمها ... ... ... خلقا كما ضمن الوحي سلامها
فقوله «الوحي» بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء، جمع وحي بمعنى الكتابة. وقول عنترة: ...
كوحي صحائف من عهد كسرى ... ... ... فأهداها لأعجم طمطمي
وقول ذي الرمة:
стр. 58
سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها ... ... ... بقية بطرحى في ون الصحائف
وقول جرير:
كأن أخا الكتاب يخط وحيا ... ... ... بكاف في منازلها ولام] (١).
٣٨ - حذف الإرادة لدلالة المقام عليه (٢).
[قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أظهر القولين في هذه الآية الكريمة: أن الكلام على حذف الإرادة. أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله .. الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم. والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها. كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاةِ﴾، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر. وقوله: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ﴾. أي إذ أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم. لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى كما هو واضح] (٣).
٣٩ - يطلق اللسان ويراد به الكلام، فيؤنث، ويذكر (٤).
[العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام. فتؤنثها وتذكرها. ومنه قول أعشى باهلة:
إني أتتني لسان لا أسر بها ... ... ... من علو لا عجب فيها ولا سخر
وقول الآخر:
لسان الشر تهديها إلينا ... ... ... وخنت وما حسبتك أن تخونا
وقول الآخر:
стр. 59
أتتني لسان بني عامر ... ... ... أحاديثها بعد قول نكر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاٌّخِرِينَ﴾ أي ثناءً حسناً باقياً. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكراً قول الحطيئة:
ندمت على لسان فات مني ... ... ... فليت بأنه في جوف عكم] (١).
٤٠ - يطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة .
٤١ - يطلق اللباس على المعروف، ويطلق على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال .
[في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمامِ اللغة الأدب: هل يُذاق اللباس؟ ايريد الطعن في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناسا هب أن محمداً ﷺ ما كان نبياً! أما كان عربياً؟
قال مقيده عفا الله عنه: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كالباس، ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبرَّ به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة، وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازاً، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازاً أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.
وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة. يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف،
стр. 60
الذي هو الإذاقة ملائماً للمستعار له، الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال.
فيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فسكاها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى «ترشيحاً»، والكسوة تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة، قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحاً.
وقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة، فإنه أولاً استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار، والذبول، والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعاراً لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة تبعية.
وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال. كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، وقول الأعشى:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... ... تثنت عليه فكانت لباسا
وكلها أساليب عربية، ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر
стр. 61
باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.] (١).
٤٢ - الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية، والإتيان باللاّم للدلالة على ترتب أمر على أمر، كترتب المعلول على علته الغائية .
[من أساليب اللغة العربية: الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية. كقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. ومن أساليبها الإتيان باللاّم للدلالة على ترتب أمر على أمر، كترتب المعلول على علته الغائية، وهذا الأخير كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾؛ لأن العلة الغائية الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدواً، بل ليكون لهم قرة عين. كما قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ ولكن لما كان كونه عدواً لهم وحزناً يترتب على التقاطهم له. كترتب المعلول على علته الغائية عبر فيه باللام الدالة على ترتيب المعلول على العلة. وهذا أسلوب عربي، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيون في مثل هذا المبحث.] (٢).
٤٣ - الفلاح يطلق على: الفوز بالمطلوب، وعلى: البقاء والدوام في النعيم .
[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح. والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب. ومنه قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي ... ... ... ولقد أفلح من كان عقل
فقوله «ولقد أفلح من كان عقل» يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر مطلوب. ويطلق الفلاح أيضاً على البقاء والدوام في النعيم. ومنه قول لبيد:
لو أن حيا مدرك الفلاح ... ... ... لناله ملاعب الرماح
فقوله «مدرك الفلاح» يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقيل كعب بن زهير:
لكل هم من الهموم سعه ... ... ... والمسى والصبح لا فلاح معه
يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من المعنيين فسر
стр. 62
بعض أهل العلم «حي على الفلاح» في الأذان والإقامة] (١).
٤٤ - المشاكلة بين الألفاظ .
[أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والجناية الأولى ليست عقوبة؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ، فيؤدي لفظ بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام.
كقول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... ... ... قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا
أي خيطوا لي. وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر
بناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث.
ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر قوله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ﴾، ونحوه أيضاً قوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ مع أن القصاص ليس بسيئة وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾. لأن القصاص من المعتدي أيضاً ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدى بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين.] (٢).
٤٥ - لفظ الرؤيا يطلق على رؤية العين يقظة - أي مع إطلاقها على رؤيا المنام - (٣).
[وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلا على رؤيا المنام مردود.
بل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضاً. ومنه
стр. 63
قول الراعي وهو عربي قح:
فكبر للرُّؤيا وهش فؤاده ... ... وبشَّر نفساً كان قبل يلومها
فإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضاً قول أبي الطيب: " ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ". قاله صاحب اللسان.] (١).
٤٦ - حذف المضاف، إن دلت عليه قرينة (٢).
[قوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ﴾ على التفسير المذكور أي الشمس ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي ذات شعاع يبصر
في ضوئها كل شيء على حقيقته.
قال الكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار: إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها. نقله عنه القرطبي.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا التفسير من قبيل قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. ومنه قوله:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ... ... ونمت وما ليل المحب بنائم
وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير: حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة. قال في الخلاصة:
وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا
стр. 64
والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما أنفسهما. وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله: ﴿وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالّعِيْرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الاٌّخِ وَبَنَاتُ الاٍّخْتِ﴾ أي نكاحها، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي أكلها، ونحو ذلك.] (١).
٤٧ - أمرته فعصاني. أي أمرته بالطاعة فعصى .
[قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. في معنى قوله ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير:
الأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله ﴿أَمْرُنَا﴾ هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به ﴿فَفَسَقُواْ﴾ أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي وجب عليها الوعيد ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم ...
وبهذا التحقيق تعلم: أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأن هذا مجاز تنزيلاً لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك كلام كله ظاهر السقوط والبطلان. وقد أوضح إبطاله أبو حيان في «البحر»، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه.
وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني. أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان كما لا
стр. 65
يخفى] (١).
٤٨ - خطاب إنسان والمراد بالخطاب غيره .
[قوله تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ الهاءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً﴾. الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النَّبي ﷺ ؛ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا؛ لأنه ﷺ معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهاً آخر، وأنه لا يقعد مذموماً مخذولاً.
ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه ﷺ يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو ﷺ . قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾؛ لأن معنى قوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾: أي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف، ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل، فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره ﷺ ، ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنساناً والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري: إياك أعني واسمعي يا جاره
وسبب هذا المثل: أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائباً. فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة.
فأعجبه جمالها، فقال مخاطباً لأخرى غيرها ليسمعها هي:
يا أخت خير البدو والحضارة ... ... ... كيف ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره ... ... ... إياك أعني واسمعي يا جاره
ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها:
إني أقول يا فتى فزاره ... ... لا أبتغي الزوج ولا الدعاره
ولا فراق أهل هذي الحاره ... ... ... فارحل إلى أهلك باستحاره
стр. 66
والظاهر أن قولها «باستحاره» أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في «الاستحاره» عوض من العين الساقطة بالإعلال، كما هو معروف في فن الصرف.] (١).
٤٩ - إفراد الخطاب مع قصد التعميم (٢).
وقال العلامة الشنقيطي ﵀ عقب كلامه السابق: [وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ الهاءَاخَرَ﴾ ونحو ذلك من الآيات متوجه إلى المكلف، ومن أساليب اللغة العربية: إفراد الخطاب مع قصد التعميم. كقول طرفة بن العبد في معلقته: ...
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود] (٣).
٥٠ - إطلاق كل من اسما الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر .
[قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ قال بعض العلماء: هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل. أي حجاباً ساتراً، وقد يقع عكسه كقوله تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي مرضية. فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية. والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق «مجازاً عقلياً» (٤) ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية قولهم: ميمون ومشؤوم، بمعنى يامن وشائم. وقال بعض أهل العلم: قوله ﴿مَّسْتُورًا﴾ على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول، لأن ذلك
стр. 67
الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه. أو مستوراً به القارئ فلا يراه غيره. واختار هذا أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى.] (١).
٥١ - حذف النعت إن دلَّ عليه الدليل .
[قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذلك فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. قال بعض أهل العلم: في هذه الآية الكريمة حذف الصفة، أي وإن من قرية ظالمة إلا نحن مهلكوها. وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب الله تعالى. كقوله ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ وقوله: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. أي بل لا بد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم. وقوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، وقوله ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وغاية ما في هذا القول حذف النعت مع وجود أدلة تدل عليه. ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي كل سفينة صالحة. بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ الملك لها، لأنه لا يأخذ المعيبة التي فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة. ومن حذف النعت قوله تعالى: ﴿قَالُواْ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة. ونظيره من كلام العرب قول الشاعر، وهو المرقش الأكبر:
ورب أسيلة الخدين بكر ... ... مهفهفة لها فرع وجيد
أي فرع فاحم وجيد طويل، وقول عبيد بن الأبرص:
من قوله قول ومن فعله ... ... فعل ومن نائله نائل
أي قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزيل، وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله: ...
стр. 68
وما من المنعوت والنعت عقل ... ... ... يجوز حذفه وفي النعت يقل] (١).
٥٢ - يطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة .
[التحقيق: أن مفرد ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك أنه: صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة، كإطلاق اسم الجنس لتناسى الوصفية، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مراداً بها الفعلة الطيبة.
ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص بن الربيع في زوجة زينب بنت رسول الله ﷺ :
بنت الأمين جزاك الله صالحة ... ... ... وكل بعل سيثنى بالذي علماً
وقول الحطيئة:
كيف الهجاء ولا تنفك صالحة ... ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
وسئل إعرابي عن الحب فقال: ...
الحب مشغلة عن كل صالحة ... ... وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن] (٢).
٥٣ - تطلق لعل مضمنة معنى النهي .
[قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهذا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ ... وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى «لعل» أن المراد بها في الآية النهي عن الحزن عليهم. وإطلاق لعل مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام. ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك كثرة ورود النهي صريحاً عن ذلك. كقوله: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات وخير ما يفسر به القرآن القرآن.] (٣).
стр. 69
٥٤ - يطلق فعيل بمعنى مفعول (١).
[قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْءَايَاتِنَا عَجَبًا﴾. واختلف العلماء في المراد بـ ﴿الرقيم﴾ في هذه الآية على أقوال كثيرة ... وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن: أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. والعلم عند الله تعالى.] (٢).
وقال أيضاً: [قوله تعالى في هذه الآية ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. والظاهر أن أصل السعير: فعيل، بمعنى: مفعول من قول العرب: سعر النار، يسعرها كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف، وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص: سعرت بتشديد العين وقرأه الباقون بتخفيف العين، ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة:
قالت له عرسهُ يوماً لتُسْمعني ... ... مهلاً فإنَّ لنا في أمِّنا أربا
ولو رأتنيَ في نار مُسعَّرة ... ثم استطاعت لزادَت فوقْها حَطبا
إذ لا يخفى أن قوله: مسعرة: اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير: فعيل بمعنى اسم المفعول: أي النار المسعرة: أي الموقدة إيقاداً شديداً لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذاً بالله منها، ومن كل ما قرب إليها
стр. 70
من قول وعمل] (١).
٥٥ - يطلق الأمد على الغاية .
[إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب ومنه قول نابغة ذبيان:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد] (٢).
٥٦ - تطلق الآية في اللغة العربية بمعنى العلامة، وبمعنى الجماعة، وتطلق في القرآن على الآية الشرعية، والآية الكونية .
[الآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين أيضاً. أما إطلاقاها في اللغة الأول منهما أنها تطلق بمعنى العلامة، وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، وقول عمر بن أبي ربيعة:
بآية ما قالت غداة لقيتها ... ... ... بمدفع أكنان أهذا المشهر
يعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله قبله:
ألكني إليها بالسلام فإنه ... ... يشهر إلمامي بها وينكر
وقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله:
توهمت آيات لها فعرفتها ... ... ... لستة أعوام وذا العام سابع
ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده:
رماد ككحل العين لأياً أبينه ... ونؤدي كجذم الحوض أثلم خاشع
وأما الثاني منهما فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر أو غيره:
خرجنا من النقبين لاحى مثلنا ... ... ... بآياتنا لزجي اللقاح المطافلا
فقوله «بآياتنا» أي بجماعتنا.
وإما إطلاقاها في القرآن فالأول منهما إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السموات وَالاٌّرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاّيَاتٍ لاٌّوْلِى
стр. 71
الاٌّلْبَابِ﴾ أي علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة لغة.
وأما إطلاقها الثاني في القرآن فهو إطلاقها على الآية الشرعية الدينية، كقوله: ﴿رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ونحوها من الآيات.
والآية الشرعية الدينية قيل: هي من الآية بمعنى العلامة لغة، لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها.
وقيل: من الآية بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن] (١).
٥٧ - يطلق الغد على المستقبل من الزمان (٢).
[قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ... والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من الزمان. ومنه قول زهير:
واعلم علم اليوم والأمس قبله ... ... ... ولكنني عن علم ما في غد عم
يعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك.] (٣).
٥٨ - التهديد بالصيغة التي ظاهرها التخيير (٤).
[قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي التخيير بين الكفر والإيمان ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه
стр. 72
الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى.] (١).
٥٩ - الظلم وضع الشيء في غير محله .
[وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئًا﴾ وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر:
وقائلة ظلمت لكم سقائي ... ... ... وهل يخفى على العكد الظليم
فقوله «ظلمت لكم سقائي» أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمه بنحو ذلك:
وصاحب صدق لم تربني شكاته ... ... ... ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجر
وفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم، إذا كان عالماً.
ومن ذلك أيضاً قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق: أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان:
إلا الأواري لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
وما زعمه بعضهم من أن «المظلومة» في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد غير صواب. والصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله
стр. 73
تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلاً مات ودفن:
فأصبح في غبراء بعد إشاحة ... ... ... على العيش مرود عليها ظليمها] (١).
٦٠ - إغاثة الكفار بماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب (٢)، وبيان إطلاقات المهل.
[قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل.
والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك.
ويطلق أيضاً على دردي الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردي الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل السم.
فإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ﴾؟ فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم:
غضبت تميم أن تقتل عامر ... ... ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
فمعنى قوله «أعتبوا بالصيلم»: أي أرضوا بالسيف. يعني ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف. ...
وقول عمرو بن معد يكرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... ... ... تحية بينهم ضرب وجيع
يعني لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة.] (٣).
стр. 74
٦١ - أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق (١).
قال العلامة الشنقيطي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (الكهف: ٢٩) [والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكئ الإنسان معتمداً على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقاً. أي منزلاً، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل مقراً، وهو مروي عن عطاء. وقيل مجلساً وهو مروي عن العتبي. وقال مجاهد: مرتفقاً أي مجتمعاً. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار.
وحاصل معنى الأقوال أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
نام الخلى وبت الليل مرتفقا ... ... ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح
ويروى «وبت الليل مشتجراً» وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة:
قد بت مرتفقاً للنجم أرقبه ... ... ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر
وقول الراجز:
قالت له وارتفقت ألا فتى ... ... ... يسوق بالقوم غزالات الضحا] (٢).
٦٢ - يطلق الجن على الملائكة .
[العرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة. ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود: ...
وسخر من جن الملائك تسعة ... ... ... قياماً لديه يعملون بلا أجر
قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله. عن كل ما
стр. 75
لا يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً!] (١).
٦٣ - يطلق باض وفرخ على سبيل المثل (٢).
[دلت الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ (الكهف: ٥٠) - على أن له ذرية، أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميري في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني: أنه خرج في كتابه مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ» (٣) وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك. هل هي من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك، مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا تخلو من احتمال؛ لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل المثل. فيحتمل معنى باض وفرخ على سبيل المثل؛ فيحتمل معنى باض وفرخ أنه فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن الأمثال لا تغير ألفاظها.] (٤).