فلم أرَ مثلي شاقه صوت مثلها ... ... ... ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما] (١).
١١٧ - الجناح يطلق لغة حقيقة على يدّ الإنسان وعضده وإبطه .
١١٨ - تطلق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب .
١١٩ - إسناد صفات الذات لبعض أجزائها
١٢٠ - يضاف الموصوف إلى صفته .
[الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ﴾، أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يدّ الإنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، والخفض مستعمل في معناه الحقيقي، الذي هو ضدّ الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما؛ كما قال لنبيّه ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب أسلوب معروف، ومنه قول الشاعر
وأنت الشهير بخفض الجنا ... ... ... ح فلا تكُ في رفعه أجدلا
وأما إضافة الجناح إلى الذلّ، فلا تستلزم المجاز كما يظنّه كثير؛ لأن الإضافة فيه كالإضافة في قولك: حاتم الجود.
فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر، وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... ... صب قد استعذبت ماء بكائي
جاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجّة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذلّ جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتّصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود، ونظيره في القرءان الإضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْء﴾، و ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾،
стр. 107
أي: مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه، وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه، والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذلّ مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح كني به عن ذلّ الإنسان، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، وكإسناد الخشوع، والعمل، والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾، وأمثال ذلك كثيرة في القرءان، وفي كلام العرب. وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدلّ عليه كلام السلف من المفسّرين.
وقال ابن القيّم في «الصواعق»: إن معنى إضافة الجناح إلى الذلّ أن للذلّ جناحًا معنويًّا يناسبه لا جناح ريش، واللَّه تعالى أعلم، انتهى. وفيه إيضاح معنى خفض الجناح.
والتحقيق أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته؛ كما أوضحنا، والعلم عند اللَّه تعالى.] (١)
١٢١ - حذف المنادى مع ذكر أداة النداء .
[قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ... اعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ﴿أَلَّا﴾ للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر، قالوا: وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل:
ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... ... وإن كان حيّانا عدى آخر الدهر
وقول ذي الرمّة:
ألا يا سلمى يا دارمي على البلا ... ... ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
стр. 108
فقوله في البيتين: ألا يا اسلمي، أي: يا هذه اسلمي، وقول الآخر: لا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد.
وقول الشمّاخ:
ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجالي ... ... ... وقبل منايا قد حضرن وآجالي
يعني: ألا يا صحبي اصبحاني، ونظيره قول الآخر:
ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر
ومنه قول الآخر:
فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي
يعني: ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته، قول الشاعر:
يا لعنة اللَّه والأقوام كلّهم ... ... ... والصالحين على سمعان من جار
بضمّ التاء من قوله: لعنة اللَّه، ثم قال: فيالغير اللعنة، يعني أن المراد: يا قوم لعنة اللَّه، إلى آخره. وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهدًا لقراءة الكسائي المذكورة، قول الشاعر:
يا قاتل اللَّه صبيانًا تجيء بهم ... ... ... أم الهنينين من زندلها وارى
ثم قال: كأنه أراد: يا قوم قاتل اللَّه صبيانًا، وقول الآخر:
يا من رأى بارقًا أكفكفه ... ... بين ذراعي وجبهة الأسد
ثم قال: كأنه دعا يا قوم يا إخوتي، فلمّا أقبلوا عليه قال: من رأى. وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته، قول عنترة في معلّقته:
يا شاة ما قنص لمن حلّت له ... ... ... حرمت على وليتها لم تحرم
قالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص.
واعلم أن جماعة من أهل العلم، قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا ويا: حرف تنبيه كرّر للتوكيد، وممّن روي عنه هذا القول: أبو الحسن بن عصفور، وهذا القول اختاره أبو حيّان في «البحر المحيط»، قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء، وحذف المنادى؛ لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف
стр. 109
المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلّقه، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالاً كبيرًا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلاً على العامل فيه جملة النداء، وليس حرف النداء حرف جواب كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهنّ لدلالة ما سبق من السؤال على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكّد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد، وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ، العاملين في قوله: فأصبحن لا يسألنني عن بما به، والمتفقي اللفظ العاملين في قوله: ولا للما بهم أبدا دواء.
وجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلاً، فاجتماع غير العاملين وهما مختلفا اللفظ يكون جائزًا، وليس يا في قوله: يا لعنة اللَّه والأقوام كلّهم. حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى، لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر] (١).
١٢٢ - يحذف الأول لدلالة الثاني عليه .
[قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ... المعنى عن اليمين قعيد
وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... ... ... بريئاً ومن أجل الطوى رمان
وقول قيس بن الخطيم الأنصاري:
نحن بما عندنا وأنت بما ... ... ... عندك راض والرأي مختلف
وقول ضبائي بن الحارث البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... ... ... فإني وقيار بها لغريب
فقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئاً أي كنت بريئاً منه وكان والدي بريئاً منه.
стр. 110
وقول ابن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت راض.
وقول ضابىء بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار غريب، وهذا أسلوب عربي معروف.
ودعوى أن قوله في الآية: ﴿قَعِيدٌ﴾ هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.] (١).
١٢٣ - زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل .
[من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرءان أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قول تعالى في موسى: ﴿فَقَالَ لاِهْلِهِ امْكُثُواْ﴾، وقوله: ﴿سَئَاتِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿لَّعَلّى ءاتِيكُمْ﴾، والمخاطب امرأته؛ كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكم ... ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا] (٢).
١٢٤ - الإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات (٣).
[الترتيب بالفاء لمجرّد الترتيب الذكري، والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات، أو الموصوفات أسلوب عربيّ معروف جاء في القرءان في مواضع، وهو كثير في كلام العرب.
ومن أمثلته في القرءان العظيم، قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا ادرَكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ﴾، فلا يخفى أن ﴿ثُمَّ﴾ حرف ترتيب وأن المرتب به
стр. 111
الذي هو كونه ﴿مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ﴾ لا ترتّب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذكري، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء﴾، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري.
ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ... ... ثم قد ساد قبل ذلك جدّه] (١).
١٢٥ - من للعالم (٢).
[قد علمت أن وجه العبارة بمن التي هي للعالم، في قوله تعالى: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾، عن السماوات، والأرض، والكواكب، هو تغليب ما ذكر معها من العالم كالملائكة على غير العالم، وذلك أسلوب عربيّ معروف] (٣).
١٢٦ - يطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد .
[وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾، اللازب: هو ما يلزق باليد مثلاً إذا لاقته، وعبارات المفسّرين فيه تدور حول ما ذكرنا، والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد، ومنه في اللازب قول عليّ ﵁:
تعلم فإن اللَّه زادك بسطة ... ... ... وأخلاق خير كلها لك لازب
وقول نابغة ذبيان:
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ... ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب
فقوله: ضربة لازب، أي: شيئًا ملازمًا لا يفارق، ومنه في اللاتب قوله:
فإن يك هذا من نبيذ شربته ... ... ... فإني من شرب النبيذ لتائب
صداع وتوصيم العظام وفترة ... ... وغمّ مع الإشراق في الجوف لاتب] (٤).
стр. 112
١٢٧ - الذي تأتي بمعنى الذين (١).
[قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾. أوضح جل وعلا، أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين، بدليل قوله بعده ﴿أولئك هُمُ الْمُتَّقُون َلَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الذي تأتي بمعنى الذين، في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن، قوله تعالى في آية الزمر هذه: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾. وقوله تعالى في سورة البقرة ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ أي الذين استوقدوا بدليل قوله بعده: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ وقوله فيها أيضاً ﴿كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ﴾ أي كالذين ينفقون بدليل قوله بعده ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾. وقوله تعالى في التوبة ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
وقول عديل بن الفرخ العجلي:
فبت أساقي القوم إخوتي الذي ... ... ... غوايتهم غيٌّ ورشدهم رشد
وقول الراجز:
يا رب عبس لا تبارك في أحد ... ... ... في قائم منها ولا فيمن قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد] (٢).
стр. 113
١٢٨ - يقال حاق به المكروه يحيق به حيقاً وحيوقاً، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة (١).
[ما دلت عليه هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر:٤٥) -، من حيق المكر السيىء بالماكر أوضحه تعالى في قوله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾.
والعرب تقول حاق به المكروه يحيق به حيقاً وحيوقاً، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة، يقال حاق به السوء والمكروه، ولا يقال حاق به الخير، فمادة الحيق من الأجوف الذي هو يائي العين، والوصف منه حائق على القياس، ومنه قول الشاعر:
فأوطأ جُرْد الخيل عقر دِيارِهم ... وحاقَ بهمْ من يأس ضبَّة حائقُ] (٢).
١٢٩ - النعت بالمصدر .
[قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ من النعت بالمصدر؛ لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... ... ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
وهو موجه بأحد أمرين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف. أي العذاب ذي الهون.
والثاني: أنه على سبيل المبالغة، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان اللاحق بمن وقع عليه، صار كأنه نفس الهوان، كما هو معروف في محله] (٣).
١٣٠ - يطلق الجزء مراداً به البنات .
[قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، قول قتادة ومن وافقه: إن
стр. 114
المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو الشريك غير صواب أيضاً؛ لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب.
أما كون المراد بالجزاء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإناث، فهذا هو التحقيق في الآية.
وإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين:
أحدهما: ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مراداً به البنات، ويقولون:
أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وامرأة مجزئة أي تلد البنات، قالوا ومنه قول الشاعر:
إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب ... ... قد تجزىء الحرة المذكار أحياناً
وقول الآخر:
زوجتها من بنات الأوس مجزئة ... ... ... للعوسج اللدن في أبياتها زجل
والوجه الثاني: وهو التحقيق إن شاء الله أن المراد بالجزء في الآية الولد، وأنه أطلق عليه اسم الجزء، لأن الفرع كأنه جزء من أصله والولد كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى ... ] (١).
١٣١ - إن كان بمعنى ما كان (٢).
[الذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ -: أنه يتعين المصير إلى القول بأن إن نافية، وأن القول بكونها شرطية لا يمكن أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء.
وإنما اخترنا أن ﴿إِنْ﴾ هي النافية لا الشرطية، وقلنا إن المصير إلى ذلك متعين في نظرنا لأربعة أمور:
стр. 115
الأول: إن هذا القول جار على الأسلوب العربي، جرياناً واضحاً، لا إشكال فيه، فكون إن كان بمعنى ما كان كثير في القرآن، وفي كلام العرب كقوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما كانت إلا صيحة واحدة.
فقولك مثلاً معنى الآية الكريمة: ما كان لله ولد فأنا أول العابدين، الخاضعين للعظيم الأعظم، المنزه عن الولد أو الآنفين المستنكفين، من أن يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله، من نسبة الولد إليه، أو الجاحدين النافين، أن يكون لربنا ولد، عن ذلك علواً كبيراً لا إشكال فيه، لأنه جار على اللغة العربية، التي نزل بها القرآن، دال على تنزيه الله، تنزيهاً تاماً عن الولد، من غير إيهام ألبتة لخلاف ذلك ... ] (١).
١٣٢ - يطلق الفعيل وصفاً بمعنى المفعل .
[وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (سبأ:٥)، أصح القولين فيه أن المراد بالرجز العذاب، ولا تكرار في الآية لأن العذاب أنواع متفاوتة والمعنى لهم عذاب، من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم. أي الموصوف بشدة الألم وفظاعته.
والتحقيق إن شاء الله: أن العرب تطلق الفعيل وصفاً بمعنى المفعل، فما يذكر عن الأصمعي من أنه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه، لأن إطلاق الفعيل بمعنى المفعل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السموات وَالاٌّرْضِ﴾ أي مبدعهما وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ﴾. أي منذر لكم، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع ... ... ... يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله الداعي السميع يعني الداعي المسمع. وقوله أيضاً:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... ... ... تحية بينهم ضرب وجيع
أي موجع. وقول غيلان بن عقبة:
стр. 116
ويرفع من صدور شمردلات ... ... ... يصك وجوهها وهج أليم
أي مؤلم] (١).
١٣٣ - يطلق المثل، على الذات نفسها .
[قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. التحقيق: إن شاء الله، أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي معروف، وهو إطلاق المثل، على الذات نفسها، كقولهم: مثلك، لا يفعل هذا، يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله.
وعلى هذا فالمعنى، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن، وحي منزل حقاً من عند الله، لا أنه شهد على شيء آخر مماثل له، ولذا قال تعالى ﴿فَأامَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾.
ومما يوضح هذا، تكرر إطلاق المثل في القرآن مراداً به الذات كقوله تعالى ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، فقوله: كمن مثله في الظلمات، أي كمن هو نفسه في الظلمات، وقوله تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ أي فإن آمنوا بما آمنتم به لا بشيء آخر مماثل له على التحقيق، ويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن
مسعود ﴿فإن آمنوا بما آمنتم به﴾ الآية.] (٢).
١٣٤ - يعرضون على النار: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به .
١٣٥ - قلب الفاعل مفعولاً، والمفعول فاعلاً .
[قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى الاٌّرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. معنى الآية الكريمة أنه يقال للكفار يوم يعرضون على النار: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾.
فقوله يعرضون على النار: قال بعض العلماء: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به، وهو معنى معروف في كلام العرب.
стр. 117
وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب لقوله: ﴿قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِأالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ لأنه عرض عذاب.
وقال بعض العلماء: معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها، والكشف لهم عنها، حتى يروها كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجِىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
وقال بعض العلماء: في الكلام قلب، وهو مروي عن ابن عباس وغيره.
قالوا: والمعنى ويوم تعرض النار على الذين كفروا قالوا وهو كقول العرب: عرضت الناقة على الحوض. يعنون عرضت الحوض على الناقة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية، كقلب الفاعل مفعولاً، والمفعول فاعلاً، ونحو ذلك اختلف فيه علماء العربية، فمنعه البلاغيون إلا في التشبيه، فأجازوا قلب المشبه مشبهاً به والمشبه به مشبهاً بشرط أن يتضمن ذلك نكتة وسراً لطيفاً كما هو المعروف عندهم في مبحث التشبيه المقلوب. وأجازه كثير من علماء العربية.
والذي يظهر لنا أنه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها، إلا أنه يحفظ ما سمع منه، ولا يقاس عليه ومن أمثلته في التشبيه قول الراجز:
ومنهل مغبرة أرجاؤه ... ... ... كأن لون أرضه سماؤه
أي كأن سماءه لون أرضه، وقول الآخر:
وبدا الصباح كأن غرته ... ... ... وجه الخليفة حين يمتدح
لأن أصل المراد تشبيه وجه الخليفة بغرة الصباح فقلب التشبيه ليوهم أن الفرع أقوى من الأصل في وجه الشبه.
قالوا ومن أمثلته في القرآن ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾؛ لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتيح أي تنهض بها بمشقة وجهد لكثرتها وثقلها، وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الاٌّنبَآءُ﴾ أي عموا عنها. ومن
стр. 118
أمثلته في كلام العرب قول كعب بن زهير:
كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... ... وقد تلفع بالقور العساقيل
لأن معنى قوله: تلفع لبس اللفاع وهو اللحاف، والقور الحجارة العظام، والعساقيل: السراب. والكلام مقلوب، لأن القور هي التي تلتحف بالعساقيل لا العكس كما أوضحه لبيد في معلقته بقوله:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... ... ... واجتاب أردية السراب إكامها
فصرح بأن الإكام التي هي الحجارة اجتابت أي لبست أردية السراب. والأردية جمع رداء، وهذا النوع من القلب وإن أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه، لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه.
وظاهر الآية جار على الأسلوب العربي الفصيح، كما أوضحه أبو حيان في البحر المحيط.] (١).
١٣٦ - يسند الفعل إلى ما هو له أصالة لملابسته له (٢).
[قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق﴾ (الأحقاف: ٢٠) مع أنه من المعلوم أنهم لا يستكبرون في الأرض إلا استكباراً متلبساً بغير الحق كقوله تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم، ونحو ذلك من الآيات، وهو أسلوب عربي نزل به القرآن.] (٣).
١٣٧ - الفعال يأتي كثيراً، بمعنى التفعيل .
[قوله تعالى: ﴿بَلاَغٌ﴾. التحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: ﴿بَلاَغٌ﴾ أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره، هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه.
ويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم ﴿هذا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾، وقوله
стр. 119
في الأنبياء ﴿إِنَّ فِى هذا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أن الفعال يأتي كثيراً، بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغاً: أي تبليغاً، وكلمه كلاماً، أي تكليماً، وطلقها طلاقاً، وسرحها سراحاً، وبينه بياناً. كل ذلك بمعنى التفعيل، لأن فعل مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته قياس مصدرها التفعيل. وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله.] (١).
١٣٨ - لفظة "اليدين" التي أضيفت إليها لفظة "بين" يكون المراد: " أمامه ".
[واعلم أن لفظ اليدين، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالاً خاصاً، بلفظ خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.
واللفظ المختص بهذا المعنى هو خاصة، أعني لفظة بين يديه، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت.
وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهذا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي ولا بالذي كان أمامه سابقاً عليه من الكتب.
وكقوله: ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي مصدقاً لما كان أمامه متقدماً عليه من التوراة.
وكقوله: ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم.
وكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى غير ذلك من الآيات.
ومما يوضح لك ذلك أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين. ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص دال على معنى خاص. بلفظ خاص مشهور، في كلام العرب فلا صلة له باللفظ الدال على
стр. 120
الجارحة، بالنسبة إلى الإنسان ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة لله تعالى. فافهم] (١).
١٣٩ - تطلق الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة بعضها على بعض (٢).
[واعلم أن العرب قد تطلق بعض هذه الست (٣) على بعض كإطلاق البطن على القبيلة في قول الشاعر:
وإن كلابا هذه عشر أبطن ... ... وأنت بريء من قبائلها العشر] (٤).
١٤٠ - شدة الخلق تسمى حبكاً .
[قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ (الذريات:٧) ... وقال بعض العلماء: ذات الحبك أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾. العرب تسمى شدة الخلق حبكاً، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك. ومنه قول امرئ القيس.
قد غدا يحملني في أنفه ... ... ... لاحق الأطلين محبوك ممر] (٥).
١٤١ - تطلق السماء على كل ما علاك .
[وقال بعض أهل العلم: معنى قوله: ﴿وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ﴾ أن أرزاقكم
стр. 121
مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الاٌّمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الاٌّرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ الآية، قوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ما، في محل رفع عطف على قوله: ﴿رِزْقُكُمْ﴾، والمراد بما يوعدون، قال بعض أهل العلم: الجنة، لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح، لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك كما قيل:
وقد يسمى سماء كل مرتفع ... ... ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
ولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... ... ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له ﷺ «إلى أين يا أبي ليلى: قال: إلى الجنة، قال: نعم إن شاء الله» (١).] (٢).
١٤٢ - يطلق اسم الذنوب، التي هي الدلو، على النصيب .
[قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾. أصل الذنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب، التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو:
لنا ذنوب ولكم ذنوب ... ... ... فإن أبيتم فلنا القليب
ويروى:
إنا إذا شاربنا شريب ... ... ... له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبى كان لنا القليب
ومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي، وقيل عبيد:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... ... فحق لشأس من نداك ذنوب
стр. 122
وقول أبي ذؤيب:
لعمرك والمنايا طارقات ... ... لكل بني أب منها ذنوب
فالذنوب في البيتين النصيب، ومعنى الآية الكريمة، فإن للذين ظلموا بتكذيب النبي ﷺ ذنوباً، أي نصيباً من عذاب الله مثل ذنوب أصحابهم من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم] (١).
١٤٣ - التنازع يطلق على كل تعاط وتناول .
[قوله: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً﴾: أي يتعاطون، ويتناول بعضهم من بعض كأساً أي خمراً، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول، فكل قوم يعطي بعضهم بعضاً شيئاً ويناوله إياه، فهم يتنازعونه كتنازع كؤوس الشراب والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب.
ومنه في الشراب قول الأخطل:
وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار
نازعته طيب الراح الشمول وقد ... ... ... صاح الدجاج وحانت وقعة السار
فقوله: نازعته طيب الراح: أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها، ومنه في الكلام قول امرئ القيس:
ولما تنازعنا الحديث وأسمحت ... ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال] (٢).
١٤٤ - لا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء (٣).
وقال قال العلامة الشنقيطي ﵀ عقب كلامه السابق: [والكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء، وهي مؤنثة (٤)] (٥).
стр. 123
١٤٥ - يطلق السموم على الريح الشديدة البرد (١).
[قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِين َفَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ ... والسموم النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أنامل لم تضرب على البهم بالضحى ... بهن ووجه لم تلحه السمائم
وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز:
اليوم يوم بارد سمومه ... ... ... من جزع اليوم فلا ألومه] (٢).
١٤٦ - لن يحور، بمعنى لن يرجع .
[ذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾.
وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾، علة لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً﴾.
والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشقق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾، لأن معناه، ظن ألن يرجع إلى الله حياً يوم القيامة، ولا شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقاً في أهله خوفاً من العذاب، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء، وكون لن يحور، بمعنى لن يرجع معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:
أليلتنا بذي حسم أنيري ... ... ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
فقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي.
وقول لبيد بن ربيعة العامري:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد ما هو ساطع
стр. 124
أي يرجع رماداً، وقيل: يصير، والمعنى واحد.] (١).
١٤٧ - يطلق المنون على الموت .
[قال بعض العلماء: المنون في الآية - أي قوله تعالى: ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ - الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي:
هم منعوا حمى الوقبي بضرب ... ... يؤلف بين أشتات المنون
لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى.] (٢).
١٤٨ - لا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرداً إلا على الثريا .
[قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى﴾. اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة ... قال بعضهم: إن المراد به الثريا، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، ولفظة النجم علم للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرداً إلا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان:
أقول والنجم قد مالت أواخره ... ... ... إلى المغيب تثبت نظرة حار] (٣).
١٤٩ - أمنى الرجل ومني إذا أراق المني وصبه .
[قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاٍّنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الزوجين أي النوعين الذكر، والأنثى من نطفة، وهي نطفة المني إذا تمنى أي تصب وتراق في الرحم، على أصح القولين.
ويدل قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُون َأَءَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَى﴾.
стр. 125
والعرب تقول: أمنى الرجل ومنى إذا أراق المني وصبه] (١).
وقال الشنقيطي ﵀ أيضاً: [وقوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ﴾ يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فلفظة ما موصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة محذوف، لأنه منصوب بفعل، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه، والعرب تقول: أمنى النطفة بصيغة الرباعي، يمنيها بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة، إلا أن القراءة بها شاذة.] (٢).
١٥٠ - منى الماني إذا قدر .
[قال بعض العلماء: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ أي تقدر بأن يكون الله قدر أن ينشأ منها حمل، من قول العرب: منى الماني إذا قدر. ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمن الموت في حل وفي حرم ... إن المنايا توافي كل إنسان
واسلك سبيلك فيها غير محتشم ... ... ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني] (٣).
١٥١ - تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله .
[قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. قوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾، قال أبو حيان في البحر: فتعاطى هو مطاوع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضاً، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. انتهى محل الغرض منه.
والعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله، ومنه قول حسان ﵁:
كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل
وقوله: ﴿فَعَقَرَ﴾ أي تعاطى عقر الناقة فعقرها، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا] (٤).
стр. 126
١٥٢ - يطلق العقر على القتل والنحر والجرح .
[قوله تعالى: ﴿فَعَقَرَ﴾: أي قتلها. والعرب تطلق العقر على القتل والنحر والجرح ومنه قول امرىء القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... ... ... عقرت بعيري يامرأ القيس فانزل
ومن إطلاق العقر على نحر الإبل لقري الضيف قول جرير:
تعدون عقر الذيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرا لولا الكمي المقنعا] (١).
١٥٣ - يطلق كان بمعنى صار .
[قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾. أي صرتم أزواجاً ثلاثة، والعرب تطلق كان بمعنى صار، ومنه ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ أي فتصيرا من الظالمين.
ومنه قول الشاعر:
بتيهاء قفر والمطي كأنها ... ... ... قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها] (٢).
١٥٤ - كل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض، تسمية العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا .
[قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾. السرر جمع سرير، وقد بين تعالى: أن سررهم مرفوعة في قوله: في الغاشية ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ وقوله تعالى ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ منسوجة بالذهب، وبعضهم يقول بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، وكل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض، تسمية العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض.
ومنه قول الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... ... ... تساق مع الحي عيرا فعيرا
وقوله أيضاً:
وبيضاء كالنهى موضونة ... ... ... لها قونس فوق جيب البدن
стр. 127
ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخال بعضها في بعض وضينا.
ومنه قول الراجز:
ليك تعدو قلقا وضينها ... ... ... معترضا في بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينها] (١).
١٥٥ - تسمي المرأة لباساً وإزاراً وفراشاً ونعلاً .
[قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لاًّصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. الضمير في أنشأناهن: قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور. قال: هو راجع إلى قوله ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباساً، وإزاراً، وفراشاً، ونعلاً، وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله: ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ رفع المنزلة، والمكانة.] (٢).
١٥٦ - تأتي أو بمعنى الواو (٣).
[إتيانها - أي أو - بمعنى الواو معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ لأن الذكر الملقى للعذر، والنذر معاً لا لأحدهما، لأن المعنى أنها أتت الذكر إعذاراً وإنذاراً، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أي ولا كفوراً، وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ... ... ما بين ملجم مهرة أو سافع
فالمعنى ما بين الملجم مهره وسافع: أي آخذ بناصيته ليلجمه، وقول نابغة ذبيان:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... لى حمامتنا أو نصفه فقد
стр. 128
فحسبوه فألفوه كما زعمت ... ... ... ستا وستين لم تنقص ولم تزد
فقوله: أو نصفه بمعنى ونصفه كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين، لأن مرادها أنها تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها التي معها، ليكون الجميع مائة حمامة، فوجدوه ستاً وستين ونصفها ثلاث وثلاثون، فيكون المجموع تسعاً وتسعين، والمروي في ذلك عنها
أنها قالت:
ليت الحمام ليه ... ... ... إلى حمامتيه
ونصفه قديه ... ... ... تم الحمام مايه
وقول توبة بن الحمير:
قد زعمت ليلى بأني فاجر ... ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها] (١).
١٥٧ - يطلق النزول على عذاب أهل النار على سبيل التهكم والاحتقار (٢).
[قوله تعالى: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. النزل بضمتين: هو رزق الضيف الذي يقدم له عند نزوله إكراماً له، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾، وربما استعملت العرب النزول في ضد ذلك على سبيل التهكم والاحتقار، وجاء القرآن باستعمال النزول فيما يقدم لأهل النار من العذاب كقوله هنا: في عذابهم المذكور في قولهم: ﴿لاّكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ إلى قوله: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ﴾ أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند نزولهم في دارهم التي هي النار، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزول على عذاب أهل النار، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيم ٍوَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾، وقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي السعد الضبي:
стр. 129
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً] (١).
١٥٨ - كل شيء خلا من الناس يقال له أقوى .
[قوله تعالى ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد ... وكل شيء خلا من الناس يقال له أقوى، فالرجال إذا كان في الخلا قيل له: أقوى. والدار إذا خلت من أهلها قيل لها أقوت.
ومنه قول نابغة ذبيان:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقول عنترة:
حيت من طلل تقادم عهده ... ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم] (٢).
١٥٩ - يقال: أُتِيَ فلان إذا أظل عليه العدو .
قال صاحب التتمة ﵀: [قوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أتى: تأتي بعدة معان، منها: بمعنى المجيء، ومنها بمعنى الإنذار، ومنها بمعنى المداهمة.
أما معنى الآية، فإن سياق القرآن يدل على أن مثل هذا السياق ليس من باب الصفات كما في قوله تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِد)، أي هدمه واقتلعه من قواعده، ونظيره: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً)، وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، وقوله: (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا).
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ في العَدْوَى: (أنَّى قلتَ أُتِيتَ) (٣) أي دُهِيتَ وتغيَّر عليك حِسّك فَتَوَهَّمْتّ ما ليس بصحيح صحيحا.
ويقال: أُتِيَ فلان بضم الهمزة وكسر التاء إذا أظل عليه العدو، ومنه قولهم: «من مأمنه يأتي الحذر»، فيكون قوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أخذهم ودهاهم وباغتهم من حيث لم يحتسبوا من قتل كعب بن الأشرف وحصارهم،
стр. 130
وقذف الرعب في قلوبهم] (١).
١٦٠ - القول لا يتغير بل يحكي على ما قيل أولاً .
[إنهم اتفقوا على أن القول لا يتغير بل يحكي على ما قيل أولاً كقولهم: الصيف ضيعتِ اللبن بكسر التاء خطاباً للمؤنثة.
فلو قيل لرجل أهمل وقت الإمكان ثم راح يطلبه بعد فواته، لقلت له: الصيف ضيعتِ اللبن بكسر التاء على الحكاية.
وهذا مما يسمى الاستعارة التمثيلية من أبلغ الأساليب، وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي، وهو تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان.] (٢).
١٦١ - الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول والإحاطة التامة .
[معلوم أن الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول والإحاطة التامة. ومن إطلاقها على الخير ما جاء في الحديث: «ما جلس قوم مجلساً يذكرون الله تعالى فيه إلاَّ حفَّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» أخرجه مسلم (٣).
وبيان ذلك وتحقيقه في حق كلا القسمين كالآتي:
أما الأول منهما: وهو الغاشية في حق أهل النار فقد غشيهم العذاب حساً ومعنى ظاهراً وباطناً أو لا خشوع في ذلة، وهي ناحية نفسية، وهي أثقل أحياناً من الناحية المادية، فقد يختار بعض الناس الموت عنها، ثم مع الذلة العمل والنصب حساً وبدناً، ومع النصب الشديد تصلى ناراً حامية، وكان يكفي تصلى ناراً. ولكن إتباعها بوصفها حامية فهو زيادة في إبراز عذابهم وزيادة في غشيان العذاب لهم، ثم يسقون من عين آنية متناهية في الحرارة فيكونون بين نار حامية من الخارج وحميم من الداخل تصهر منه البطون، فهو أتم في الشمول للغاشية لهم من جميع
стр. 131
الوجوه. وفي حق القسم المقابل تعميم كامل وسرور شامل كالآتي، وجوه ناعمة مكتملة النعمة، تعرف في وجههم نضرة النعيم.
وهذا في شموله من الناحية المعنوية كمقابلة في القسم الأول بدلاً من خاشعة في ذلة ناعمة في نضرة لسعيها راضية الذي سعته في الدنيا، والذي تسعى لتحصيله أو ثوابه في جنة عالية بدلاً من عمل ونصب، لا تسمع فيها لاغية: منزلة أدبية رفيعة حيث لا تسمع فيها كلمة لغو، ولا يليق بها، فهو إكرام لهم حتى في الكلمة التي يسمعونها، كما في قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾ ... ] (١).
١٦٢ - يطلق المحل، ويراد الحال (٢).
[﴿الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ﴾. اختلف في الظرف هنا، هل هو ظرف للوسواس حينما يوسوس، فيكون موجوداً في الصدور، ويوسوس للقلب، أو هو ظرف للوسوسة. ويكون المراد بالصدور القلوب، لكونها حالة في الصدور من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال على ما هو جار في الأساليب البلاغية. وعلى حد قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أطلق النادي، وأراد من يحل فيه من القوم (٣).] (٤).
стр. 132
وهذا آخر ما وقفت عليه من أساليب وإطلاقات عربية في تفسير أضواء البيان للعلامة الشنقيطي ﵀.
والله أسأل التوفيق، والقبول، والسداد. وهو حسبنا ونعم الوكيل. ...
أبو المنذر: محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي.
عفا الله - تعالى - عنه