← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36193

الأساليب والإطلاقات العربية

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (132 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الاٌّلْبَابِ﴾ أي علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة لغة. وأما إطلاقها الثاني في القرآن فهو إطلاقها على الآية الشرعية الدينية، كقوله: ﴿رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ونحوها من الآيات. والآية الشرعية الدينية قيل: هي من الآية بمعنى العلامة لغة، لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها. وقيل: من الآية بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن] (١). ٥٧ - يطلق الغد على المستقبل من الزمان (٢). [قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ... والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من الزمان. ومنه قول زهير: واعلم علم اليوم والأمس قبله ... ... ... ولكنني عن علم ما في غد عم يعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك.] (٣). ٥٨ - التهديد بالصيغة التي ظاهرها التخيير (٤). [قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي التخيير بين الكفر والإيمان ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه

стр. 72

الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى.] (١). ٥٩ - الظلم وضع الشيء في غير محله . [وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئًا﴾ وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر: وقائلة ظلمت لكم سقائي ... ... ... وهل يخفى على العكد الظليم فقوله «ظلمت لكم سقائي» أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمه بنحو ذلك: وصاحب صدق لم تربني شكاته ... ... ... ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجر وفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم، إذا كان عالماً. ومن ذلك أيضاً قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق: أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان: إلا الأواري لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد وما زعمه بعضهم من أن «المظلومة» في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد غير صواب. والصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله

стр. 73

تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلاً مات ودفن: فأصبح في غبراء بعد إشاحة ... ... ... على العيش مرود عليها ظليمها] (١). ٦٠ - إغاثة الكفار بماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب (٢)، وبيان إطلاقات المهل. [قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك. ويطلق أيضاً على دردي الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردي الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل السم. فإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ﴾؟ فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم: غضبت تميم أن تقتل عامر ... ... ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم فمعنى قوله «أعتبوا بالصيلم»: أي أرضوا بالسيف. يعني ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف. ... وقول عمرو بن معد يكرب: وخيل قد دلفت لها بخيل ... ... ... تحية بينهم ضرب وجيع يعني لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة.] (٣).

стр. 74

٦١ - أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق (١). قال العلامة الشنقيطي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (الكهف: ٢٩) [والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكئ الإنسان معتمداً على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقاً. أي منزلاً، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل مقراً، وهو مروي عن عطاء. وقيل مجلساً وهو مروي عن العتبي. وقال مجاهد: مرتفقاً أي مجتمعاً. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار. وحاصل معنى الأقوال أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: نام الخلى وبت الليل مرتفقا ... ... ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح ويروى «وبت الليل مشتجراً» وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة: قد بت مرتفقاً للنجم أرقبه ... ... ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر وقول الراجز: قالت له وارتفقت ألا فتى ... ... ... يسوق بالقوم غزالات الضحا] (٢). ٦٢ - يطلق الجن على الملائكة . [العرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة. ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود: ... وسخر من جن الملائك تسعة ... ... ... قياماً لديه يعملون بلا أجر قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله. عن كل ما

стр. 75

لا يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً!] (١). ٦٣ - يطلق باض وفرخ على سبيل المثل (٢). [دلت الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ (الكهف: ٥٠) - على أن له ذرية، أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميري في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني: أنه خرج في كتابه مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ» (٣) وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه. قال مقيده عفا الله عنه: هذا الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك. هل هي من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك، مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا تخلو من احتمال؛ لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل المثل. فيحتمل معنى باض وفرخ على سبيل المثل؛ فيحتمل معنى باض وفرخ أنه فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن الأمثال لا تغير ألفاظها.] (٤).

стр. 76

٦٤ - الظن يطلق على اليقين، وعلى الشك (١). [معلوم أن الظن يطلق في لغة العرب، التي نزل بها القرآن على معنيين: أحدهما: الشك كقوله ﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. والثاني: هو إطلاق الظن مراداً به العلم واليقين، ومنه قوله تعالى هنا: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ أي أيقنوا، أنهم ليس لهم يوم القيامة محيص، أي لا مفر ولا مهرب لهم من عذاب ربهم، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي أيقنوا ذلك وعلموه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، فالظن في الآيات المذكورة كلها بمعنى اليقين. ونظير ذلك من كلام العرب قول دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... ... ... سراتهم في الفارسي المسرد وقول عميرة بن طارق: بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... ... ... وأجعل مني الظن غيباً مرجما والظن في البيتين المذكورين بمعنى اليقين] (٢).

стр. 77

٦٥ - تطلق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء . [قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (١). هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن المجاز في القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز، وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا، ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة ... وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب، والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جداً. وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا واضح جداً كما ترى، مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء. كما في قول الشاعر: يريد الرمح صدر أبي براء ... ... ... ويعدل عن دماء بني عقيل أي يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير: في مهمه قلقت بها هامتها ... ... ... قلق الفؤوس إذا أردن نضولا فقوله «إذا أردن نضولا» أي قاربنه. وقول الآخر: إن دهراً يلف شملي بجمل ... ... ... لزمان يهم بالإحسان فقوله «لزمان يهم بالإحسان» أي يقع الإحسان فيه.] (٢).

стр. 78

٦٦ - الرجاء يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضاً . [اعلم أن الرجاء كقوله هنا ﴿يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضاً. واستعماله في رجاء الخير مشهور. ومن استعمال الرجاء في الخوف قول أبي ذؤيب الهذلي: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل فقوله «لم يرج لسعها» أي لم يخف لسعها. ويروى حالفها بالحاء والخاء، ويروى عواسل بالسين، وعوامل بالميم. فإذا علمت أن الرجاء يطلق على كلا الأمرين المذكورين فاعلم أنهما متلازمان، فمن كان يرجوا ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس] (١). وقال أيضاً: [وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يرجون قال بعض العلماء: لا يرجون أي لا يخافون لقاءنا لعدم إيمانهم بالبعث. والرجاء يطلق على الخوف كما يطلق على الطمع. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: ﴿مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ قال أي لا تخافون لله عظمة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل فقوله لم يرج لسعها: أي لم يخف لسعها، وقال بعض أهل العلم: إطلاق الرجاء على الخوف لغة تهامة، وقال بعض العلماء: لا يرجون لقاءنا لا يأملون، وعزاه القرطبي لابن شجرة وقال: ومنه قول الشاعر: أترجو أمة قتلت حسينا ... ... ... شفاعة جده يوم الحساب أي أتأمل أمة الخ. والذي لا يؤمن بالبعث لا يخاف لقاء الله، لأنه لا يصدق بالعذاب، ولا يأمل الخير من تلقائه، لأنه لا يؤمن بالثواب.] (٢). ٦٧ - يعبر عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا . [وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ الألف واللام في «الرأس» قاما مقام المضاف إليه، إذ المراد: واشتعل رأسي شيبا. والمراد باشتعال الرأس شيباً: إنتشار

стр. 79

بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه: شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مراراً: أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما أرعويت وشيباً رأسي اشتعلا ومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته: واشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا] (١). ٦٨ - المولى: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به . [المولى في لغة العرب: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. وكثيراً ما يطلق في اللغة على ابن العم؛ لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية. ومنه قول طرفة بن العبد: واعلم علماً ليس بالظن أنه ... ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل يعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: مهلا ابن عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا] (٢). ٦٩ - العاقر يطلق على الذكر والأنثى (٣). [قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾ ظاهر في أنها كانت عاقراً في زمن شبابها. والعاقر: هي العقيم التي لا تلد، وهو يطلق على الذكر

стр. 80

والأنثى. فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله تعالى عن زكريا أيضاً: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾. ومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل: فَبِئسَ الفَتى إِن كُنتَ أَعوَرَ عاقِراً ... جَباناً فَما عُذري لَدى كُلِّ مُحضَرِ] (١). ٧٠ - السمي يطلق بمعنى: مسمى باسمه. وبمعنى: المسامي، أي المماثل في السمو، والرفعة، والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل (٢). [وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ اعلم أولاً أن السمي يطلق في اللغة العربية إطلاقين: الأول قولهم: فلان سمى فلان أي مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحداً فكلاهما سمى الآخر أي مسمى باسمه. والثاني: إطلاق السمي يعني المسامي، أي: المماثل في السمو، والرفعة، والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل. كالقعيد، والجليس بمعنى: المقاعد، والمجالس. والأكيل، والشريب بمعنى: المؤاكل، والمشارب، وكذلك السمي بمعنى: المسامي، أي: المماثل في السمو، فإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ أي لم نجعل من قبله أحداً يتسمى باسمه، فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه: لم نجعل له سمياً، أي: نظيراً في السمو، والرفعة غير صواب؛ لأنه ليس بأفضل من إبراهيم، وموسى، ونوح، فالقول الأول هو الصواب.] (٣). ٧١ - يطلق الكلام على الإشارة . [اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله: ﴿فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرحمن صَوْماً﴾ أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت قولاً على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيراً إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله:

стр. 81

إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... ... رددت عليها بالدموع البوادر] (١) ٧٢ - يطلق اسم الأخ على النظير المشابه، وعلى الصديق، والصاحب . [إطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، وقوله تعالى ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾، ومنه في كلام العرب قوله: وكل أخ يفارقه أخوه ... ... ... لعمر أبيك إلا الفرقدان فجعل الفرقدين أخوين. وكثيراً ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب. ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن: أخا الحرب لباسا إليها جلالها ... ... ... وليس بولاج الخوالف أعقلا فقوله: «أخا الحرب» يعني صاحبها. ومنه قول الراعي وقيل لأبي ذؤيب: عشية سعدي لو تراءت لراهب ... بدومة تجر دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشوق إنها ... ... ... على النأي إخوان العزاء هيوج فقوله «إخوان العزاء» يعني أصحاب الصبر] (٢). ٧٣ - يطلق الغي على كل شر، والرشاد على كل خير . [قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً﴾. اعلم أولاً أن العرب تطلق الغي على كل شر، والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ... ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فقوله: «ومن يغو» يعني: ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي: الضلال] (٣). ٧٤ - يعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح . [قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه سؤال

стр. 82

معروف، وهو أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشي، مع أن الجنة ضياء دائم ولا دليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة: الجواب الثالث: أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحاً ومساءً، وبكرة وعشياً. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين.] (١). ٧٥ - يعبر بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلاً . [قال الشنقيطي عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾: قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن الآية ليس يتعين فيها قسم. لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه، وحديث أبي هريرة المذكور المتفق عليه (٢) لا يتعين منه أن في الآية قسماً؛ لأن من أساليب اللغة العربية التعبير بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلاً، يقولون: ما فعلت كذا إلا تحلة القسم، يعنون إلا فعلاً قليلاً جداً قدر ما يحلل به الحالف قسمه، وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته: تخدي على يسرات وهي لاصقة ... ... ... ذوابل مسهن الأرض تحليل يعني: أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلا قدر تحليل القسم، ومعلوم أنه لا يمين من ناقته أنها تمس الأرض حتى يكون ذلك المس تحليلاً لها كما ترى.] (٣). ٧٦ - إطلاقات الأثاث . [الأثاث: متاع البيت. وقيل هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى «الخرثي» بضم الخاء وسكون الراء والثاء المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطُّوسي قول الشاعر:

стр. 83

تقادم العهد من أم الوليد بنا ... ... ... دهراً وصار أثاث البيت خرثيا والإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقاً. قال الفراء: لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع: الإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان: إذا أصاب رياشاً، قاله الجوهري عن أبي زيد] (١). ٧٧ - حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط . [قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط. فقوله: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي معروف يقصد به التعميم، كقولهم: فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان. ومن هذا القبيل قول زهير: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... ... وزودوك اشتياقاً أية سلكوا] (٢). ٧٨ - السحر يطلق على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق . [اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري: ... جعلت علامات المودة بيننا ... ... ... مصائد لحظ من أخفى من السحر فأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشزر ولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي: وانظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي] (٣).

стр. 84

٧٩ - يعدى التصليب بـ «في» . [تعدية التصليب بـ «في» أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كاهل: هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... ... ... فلا عطصت شيبان إلا بأجدعا ومعلوم عند علماء البلاغة: أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف] (١). ٨٠ - إشباع الحركة بحرف مد يناسبها . [قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى الْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى﴾ ... وقرأ حمزة ﴿لاَ تَخَفْ﴾ بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء، وهو مجزوم؛ لأنه جزاء الطلب، أي: فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخف. وقد قدمنا أن نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي: أن تضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخف. وعلى قراءة الجمهور «لا تخاف» بالرفع، فلا إشكال في قوله ﴿وَلاَ تَخْشَى﴾ لأنه فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله: ﴿يَبَساً لاَّ تَخَافُ﴾. وأما على قراءة حمزة ﴿لاَ تَخَفْ﴾ بالجزم ففي قوله ﴿وَلاَ تَخْشَى﴾ إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من ﴿تَخْشَى﴾ على حد قوله في الخلاصة: والرفع فيهما انْوِ واحذف جازما ... ثلاثهن تقض حكماً لازما والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك. وأجيب عنه من ثلاثة أوجه: ... والثالث: أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: وتضحك مني شيخة عبشمية ... ... ... كأن لم ترا قبلي أسيرا يمانيا

стр. 85

وقول الراجز: إذا العجوز غضبت فطلق ... ... ... ولا ترضاها ولا ثملق وقول الآخر: وقلت وقد خرت على الكلكال ... ... ... يا ناقتي ما جلت من مجال وقول عنترة في معلقته: ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... ... ... زيافة مثل الفنيق المكدم فالأصل في البيت الأول: كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني ولا ترضها، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث على الكلكال يعني الصدر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة للشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر: كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون كلكلاً، وخاتماً، ودانقاً.] (١). ٨١ - السلوى يطلق على العسل . [قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ... «السلوى» يطلق على العسل لغة. ومنه قول خالد بن زهير الهذلي: وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ ... ... ... من السلوى إذا ما نشورها يعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها؛ لأن النشور: استخراج العسل. قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة. سمي به لأنه يسلي. قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية.] (٢). ٨٢ - زيادة لفظة «لا» لتوكيد الكلام وتقويته في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره . [قوله تعالى: ﴿قَالَ ياهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾. قال

стр. 86

بعض أهل العلم: «لا» في قوله: ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ زائدة للتوكيد. واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في «الأعراف»: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ قال لأن المراد: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك. بدليل قوله في القصة بعينها في سورة «ص»: ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾. فحذف لفظة «لا» في «ص» مع ثبوتها في «الأعراف» والمعنى واحد. فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد عرف في اللغة العربية أن زيادة لفظة «لا» في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة. كقوله هنا: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْأَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي ما منعك أن تتبعني، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ بدليل قوله في «ص»: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾. أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ إي فوربك لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَلاَ تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ﴾ أي والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ على أحد الأقوال فيها. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنة العامري ... ... ... لا يدعي القوم أني أفر يعني فو أبيك. وقول أبي النجم: فما ألوم البيض ألا تسخرا ... ... ... لما رأين الشمط القفندرا يعني أن تسخر، وقول الآخر: ما كان يرضى رسول الله دينهم ... ... ... والأطيبان أبو بكر ولا عمر يعني وعمر. وقول الآخر: وتلحينني في اللهو ألا أحبه ... ... ... وللهو داع دائب غير غافل يعني أن أحبه، و «لا» مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها. وقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبه كالمنع في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ونحو ذلك. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم: أن زيادة لفظة «لا» لتوكيد الكلام وتقويته

стр. 87

أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة «لا» قول ساعدة الهذلي: أفعنك لا برق كان وميضه ... ... ... غاب تسنمه ضرام مثقب ويروى «أفمنك» بدل «أفعنك» و «تشيمه» بدل «تسنمه» يعني أعنك برق ب «لا» زائدة للتوكيد والكلام ليس فيه معنى الجهد. ونظيره قول الآخر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... ... ... وكاد صميم القلب لا يتقطع يعني كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة «لا» قول العجاج: في بئر لا حور سرى وما شعر ... ... ... بإفكه حتى رأى الصبح جشر والحور الهلكة. يعني في بئر هلكة ولا زائدة للتوكيد. قاله أبو عبيدة وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد.] (١). ٨٣ - الهمس يطلق على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام . [قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرحمن﴾ أي خفضت وخفتت، وسكنت هيبة لله، وإجلالاً وخوفاً ﴿فَلاَ تَسْمَعُ﴾ في ذلك اليوم صوتاً عالياً، بل لا تسمع ﴿إِلاَّ هَمْساً﴾ أي صوتاً خفياً خافتاً من شدة الخوف. أو ﴿إِلاَّ هَمْساً﴾ أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر. والهمس يطلق في اللغة على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام. كصوت أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات، ومنه قول الراجز: وهن يمشين بنا هميسا ... ... ... إن تصدق الطير ننك لميسا.] (٢). ٨٤ - العرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الاتصاف . [العرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الاتصاف. كقولهم: خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ على الأظهر.] (٣).

стр. 88

٨٥ - يطلق اللبوس على كل ما يلبس . [إذا عرفت أن اللبوس في الآية - أي قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ - الدروع فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية. ... ومنه قول الشاعر: عليها أسود ضاويات لبوسهم ... ... ... سوابغ بيض لا يخرقها النبل فقوله «سوابغ» أي دروع سوابغ، وقول كعب بن زهير: شم العرانيين أبطال لبوسهم ... ... ... من نسج داود في الهيجا سرابيل ومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل: الدروع. والعرب تطلق اللبوس أيضاً على جميع السلاح درعاً كان أو جوشناً أو سيفاً أو رمحاً. ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحاً: ... ومعي لبوس للبئيس كأنه ... ... ... روق بجبهة نعاج مجفل وتطلق اللبوس أيضاً على كل ما يلبس. ومنه قول بيهس: البس كل حالة لبوسها ... ... ... إما نعيمها وإما بوسها] (١). ٨٦ - ما ورد من وضع الحامل حملها، وشيب الولد، ونحو ذلك يوم القيامة، كناية عن شدة الهول (٢). [قال البخاري ﵀ في صحيحه في التفسير في باب قوله ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النَّبي ﷺ «يقول الله يوم القيامة: يا آدمُ، فيقول: لبيك ربَّنا وسعديك، فَيُنادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه، قال تسعمائه وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد،

стр. 89

وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ... الحديث (١) ... فإن قيل: هذا النص فيه إشكال، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت. فالجواب عن ذلك من وجهين: الأول: هو ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملاً تبعث حاملاً، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. الوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول كقوله تعالى ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة.] (٢). ٨٧ - الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، ويستعمل أيضاً في الدلالة على الشر . [وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ويدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضاً في الدلالة على الشر، لأنه قال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ونظير في ذلك القرآن قوله تعالى ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده. وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك، بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية.] (٣). ٨٨ - يطلق على الأرض أنها اهتزت لاهتزاز ما بها من نبات . [﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ﴾: أي تحركت بالنبات. ولما كان النبات نابتاً فيها متصلاً بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها

стр. 90

اهتزت بالنبات. وهذا أسلوب عربي معروف] (١). ٨٩ - إسناد جميع الأعمال إلى اليد (٢). [السؤال الثاني: أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وكفره الذي هو أعظم ذنوبه، ليس من فعل اليد، وإنما هو من فعل القلب واللسان، وإن كان بعض أنواع البطش باليد، يدل على الكفر، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد. وزناه لم يفعله بيده، بل بفرجه، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد. والجواب عن هذا ظاهر: وهو أن من أساليب اللغة العربية، التي نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد، نظراً إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال فغلبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك] (٣). ٩٠ - الإشارة إلى القريب إشارة البعيد (٤). [الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف، وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله ﴿ذلك الْكِتَابُ﴾ أي هذا القرآن؛ لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإشارة إليه بإشارة القريب كقوله ﴿إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ وقوله ﴿وَهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندية السلمي: فإن تَكُ خيلي قد أصيب صَميمها ... فعمداً على عيني تيممَّتُ مالكا أقول له والرُّمح يأطر مَتْنُه ... ... ... تأمَّل خفافاً إنني أنا ذَلِكا

стр. 91

فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيداً من نفسه] (١). ٩١ - تزحلق اللام عن محلها الأصلي . [واعلم أن اللام في ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ فيها إشكال معروف. وللعلماء عن ذلك أجوبة. ذكر ابن جرير الطبري ﵀ منها ثلاثة: أحدها - وقال عنه أنه أقربهم عنده -: أن اللام متزحلقة عن محلها الأصلي، وأن ذلك من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، والأصل: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وعلى هذا فمن الموصولة في محل نصب مفعول به ليدعوا، واللام موطئة للقسم، داخلة على المبتدإ، الذي هو وخبره صلة الموصول، وتأكيد المبتدإ في جملة الصلة باللام، وغيرها لا إشكال فيه. قال ابن جرير وحكي عن العرب سماعاً: منها عندي لما غيره خير منه: أي عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيره خير منه: أي ما لغيره خير منه.] (٢). ٩٢ - اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب (٣). [وقد تقرر في الأصول أن فعل النَّبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النَّبي ﷺ للسارق من الكوع بيان، وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.] (٤). ٩٣ - تسمية الشيء باسم ما يحل فيه . [اعلم أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي منه الجمرة، فقال بعض أهل العلم:

стр. 92

الجمرة في اللغة: الحصاة، وسميت الجمرة التي هي موضع الرمي بذلك، لأنها المحل الذي يرمى فيه بالحصى، وعلى هذا فهو من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه، وهو أسلوب عربي معروف، وهو عند البلاغيين من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، والتجمير: رمي الحصى في الجمار ومنه قول بن أبي ربيعة: بدَا لِي منها معصمٌ يوم جَمَّرت ... ... ... وكفٌّ خضيبٌ زُيِّنت ببنانِ فوالله ما أدري وإني لحاسب ... ... ... بسبع رميتَ الجمرَ أم بثمانِ والمجمر بصيغة اسم المفعول مضعفاً: هو الموضع الذي ترمى فيه الجمار، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي: لأدركهم شُعْث النواصي كأنهم ... ... سوابقُ حجَّاج تُوافِي المجمَّرا وقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمر بمعنى التجمع، تقول العرب: تجمَّر القوم، إذا اجتمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وجمرهم الأمر: أحوجهم إلى التجمر، وهو التجمع، وجمر الشيء: جمعه، وجمر الأمير الجيش، إذا أطال حبسهم مجتمعين بالثغر، ولم يأذن لهم في الرجوع والتفرق، وروى الربيع: أن الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر: وجمَّرتْنا تجميرَ كسرى جُنوده ... ... ... ومنيتنا حتى نسينا الأمَانِيَا والجمار: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى: فَمِنْ مُبلغٍ وائلاً قومَنا ... ... ... وأعني بذلك بكراً جمارا أي مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع الحجيج عندها يرمونها، وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها، وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر إذا أسرع؛ لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته إذا نحيته، وأظهرها: القول الأول، والثاني. والعلم عند الله تعالى.] (١).

стр. 93

٩٤ - يطلق الإحرام على الدخول في أي حرمة لا تهتك زمانية، أو مكانية، أو غير ذلك (١). [ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم أو غير ذلك. وقال ابن منظور في اللسان: وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام، وقد أنشده في اللسان شاهداً لذلك قول زهير: جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ... ... وكم بالقنان من محل ومحرم وقول الآخر: وإذ فتك النعمان بالناس مُحرما ... ... ... فملىء من عوف بن كعب سلاسله وقول الراعي: قتلوا ابن عفَّان الخليفةَ مُحرما ... ودعا فلم أر مثله مقتولا فتفرقت من بعد ذاك عصاهُم ... ... ... شقفاً وأصبح سيفهم مسلولا ويروى: فلم أر مثله مخذولاً، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً: أي في الشهر الحرام وهو ذو الحجة، وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، لأن المُحْرِِِم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية أو غير ذلك. وقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرماً في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها وأنه لم يحل من نفسه شيئاً يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد: قتلوا كسرى بليل محرما ... ... ... غادروه لم يمتع بكفن

стр. 94

يدريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئاً يستوجب به منهم القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرماً، وعلى تفسير قول ابن عباس: وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع ... ] (١). ٩٥ - الأيام تطلق على ما يشمل الليالي . قال العلامة الشنقيطي ﵀ وهو يتكلم عن حكم ذبح الهدي في ليالي الأيام المعلومات [وحجة من قال لا يجوز الذبح ليلاً: أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله: ﴿فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ قالوا: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك. وحجة من أجازه: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي، وتخصيصه بالأيام أحوط، لمطابقة لفظ القرآن، والعلم عند الله تعالى.] (٢). ٩٦ - السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده، وإصلاحه . [السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده وإصلاحه، ومن استعماله في الإفساد قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِى آيَاتِنَا﴾ أي سعوا في إبطالها وتكذيبها بقولهم: إنها سحر، وشعر، وكهانة، وأساطير الأولين، ونحو ذلك، ومن إطلاق السعي في الفساد أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الاٌّرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾. (٣) ومن إطلاق السعي في العمل للإصلاح قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات (٤). ومن إطلاق السعي على الخير، والشر معاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ وهذه الآية التي ذكرها هنا في سورة

стр. 95

الحج التي هي قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أولئك أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ جاء معناها واضحاً في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿لِّيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو عذاب الجحيم المذكور في الحج.] (١). ٩٧ - معاني الفتنة في القرآن . [وقد أوضحنا معاني الفتنة في القرآن سابقاً، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة منها: الوضع في النار، ومنه قوله تعالى ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي يحرقون بها. وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين. ومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لاّسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. ومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال كقوله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك بدليل قوله ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ وقوله في الأنفال ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾ ومما يوضح هذا المعنى قوله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله» الحديث (٢). فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية، لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام ﴿ثُمَّ

стр. 96

لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي حجتهم كما هو الظاهر] (١). ٩٨ - يسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضاً . [اعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين: أحدهما: مرض بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وقوله هنا ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي كفر وشك. الثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضاً وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى: حافظ للفرج راض بالتقى ... ... ... ليس ممن قلبه فيه مرض] (٢). ٩٩ - تطلق القلة، ويراد بها العدم . [العرب تطلق القلة، وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب: أشم ندى كثير النوادي ... ... ... قليل المثالب والقادحه يعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة ... العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل. يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة: أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... ... ... قليل بها الأصوات إلا بغامها يريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته. وقول الآخر: فما بأس لو ردت علينا تحية ... ... ... قليلاً لدى من يعرف الحق عابها

стр. 97

يعني لا عاب فيها: أي لا عيب فيها عند من يعرف الحق، وأمثال هذا كثير في كلام العرب] (١). ١٠٠ - يطلق النكاح على الوطء (٢). [العرب الذين نزل القرءان بلغتهم، يطلقون النكاح على الوطء، والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء. قال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد يكون العقد، اهـ. وإنما سموا عقد التزويج نكاحًا؛ لأنه سبب النكاح أي الوطء، وإطلاق المسبب، وإرادة سببه معروف في القرءان، وفي كلام العرب، وهو مما يسمّيه القائلون بالمجاز، المجاز المرسل، كما هو معلوم عندهم في محله، ومن إطلاق العرب النكاح على الوطء، قول الفرزدق: وذات حليل أنكحتها رماحنا ... ... ... حلال لمن يبنى بها لم تطلق لأن الإنكاح في البيت ليس المراد به عقد التزويج، إذ لا يعقد على المسبيات، وإنما المراد به الوطء بملك اليمين والسبي مع الكفر، ومنه قوله أيضًا: وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... ... ... لها خاطب إلا السنان وعامله فالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين، لا العقد؛ كما صرّح بذلك بقوله: ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله. وقوله: إذا سقى اللَّه قومًا صوب غادية ... فلا سقى اللَّه أهل الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم ... ... ... والناكحين بشطي دجلة البقرا ومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج.] (٣). ١٠١ - إطلاق المسبب وإرادة سببه، وإطلاق السبب وإرادة المسبب . [أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً﴾ -، الرزق وأراد المطر، لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق

стр. 98

المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله: أكنت دماً إن لم أرعْكِ بضرَّة ... ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فأطلق الدم وأراد الدية، لأنه سببها. وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه، يجب الرجوع إليه. وإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أول سورة الجاثية ﴿وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأوضح بقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها. وقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقاً، لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى. وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السموات وَالاٌّرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾. وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ ... ] (١). ١٠٢ - يطلق المحصنات على العفائف . ١٠٣ - يطلق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح . [وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير:

стр. 99

فلا تأمننّ الحيّ قيسًا فإنَّهم ... ... بنو محصنات لم تدنس حجورها وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... ... ... بريئًا ومن أجل الطوى رماني فقوله: رماني بأمر يعني أنه رماه بالكلام القبيح، وفي شعر امرىء القيس أو غيره: وجرح اللسان كجرح اليد] (١). ١٠٤ - يطلق على سليمات الصدور، نقيّات القلوب، اسم البله مدحاً لا ذماً (٢). [قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾، وقد زاد في هذه الآية كونهنّ مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهنّ الكريمة. ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهنّ غافلان ثناء عليهن بأنهنّ سليمات الصدور نقيّات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتّصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًّا، ومنه قول حسّان ﵁: نفج الحقيبة بوصها متنضد ... ... ... بلهاء غير وشيكة الإقسام وقول الآخر: ولقد لهوت بطفلة ميالة ... ... ... بلهاء تطلعني على أسرارها وقول الآخر: عهدت بها هندًا وهند غريرة ... ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤم رداح الضحى ميالة بحترية ... ... لها منطق بصبى الحليم رخيم] (٣).

стр. 100

١٠٥ - يطلق النشور على الإحياء بعد الموت، وعلى الحياة بعد الموت . [قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلاَ نُشُوراً﴾، اعلم أن النشور يطلق في العربية إطلاقين: الأول: أن يكون مصدر نشر الثلاثي المتعدّي، تقول: نشر اللَّه الميت ينشره نشرًا ونشورًا. والثاني: أن يكون مصدر نشر الميّت ينشر نشورًا لازمًا، والميت فاعل نشر. والحاصل أن في المادة ثلاث لغات: الأولى: أنشره رباعيًّا بالهمزة ينشره بضم الياء إنشارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ ننشرها﴾، بضمّ النون وبالراء المهملة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وهو مضارع أنشره. والثانية نشر اللَّه الميت ينشره بصيغة الثلاثي المتعدّي، والمصدر في هذه اللغة النشر والنشور، ومنه قوله هنا: ﴿حياةً وَلاَ نُشُوراً﴾، أي لا يملكون أن ينشروا أحدًا، بفتح الياء وضمّ الشين. والثالثة: نشر الميّت بصيغة الثلاثي اللازم، ومعنى أنشره ونشره متعدّيًا أحياه بعد الموت، ومعنى نشر الميّت لازمًا حيى الميت وعاش بعد موته، وإطلاق النشر والنشور على الإحياء بعد الموت، وإطلاق النشور على الحياة بعد الموت معروف في كلام العرب، ومن إطلاقهم نشر الميّت لازمًا فهو ناشر، أي: عاش بعد الموت، قول الأعشى: لو أسندت ميّتًا إلى نحرها ... ... ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس مما رأوا ... ... ... يا عجبًا للميّت الناشر ومن إطلاق النشور بمعنى الإحياء بعد الموت، مصدر الثلاثي المتعدّي، قوله هنا: ﴿وَلاَ نُشُوراً﴾، أي: بعثًا بعد الموت، ومن إطلاقهم النشور بمعنى الحياة بعد الموت مصدر الثلاثي اللازم، قول الآخر: إذا قبلتها كرعت بفيها ... ... ... كروع العسجدية في الغدير فيأخذني العناق مبرد فيها ... ... ... بموت في عظامي أو فتور

стр. 101

فنحيا تارة ونموت أخرى ... ... ... ونخلط ما نموت بالنشور فقد جعل الغيبوبة من شدّة اللذّة موتًا، والإفاقة منها نشورًا، أي: حياة بعد الموت.] (١). ١٠٦ - يأتي الفعال بمعنى المفعول (٢). [وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً﴾، حذف فيه أحد المفعولين، أي: اتّخذوا من دونه أصنامًا آلهة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَة﴾ (الأنعام: ٧٤)، والآلهة جمع اله، فهو فعال مجموع على أفعلة، لأن الألف التي بعد الهمزة مبدّلة من همزة ساكنة هي فاء الكلمة، كما قال في «الخلاصة»: ومدًّا أبدل ثاني الهمزين من ... ... ... كلمة إن يسكن كآثر وأتمن والإله المعبود فهو فعال بمعنى مفعول، إتيان الفعال بمعنى المفعول جاءت منه أمثلة في اللغة العربية كالإله بمعنى المألوه، أي: المعبود، والكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى: الملبوس، والإمام بمعنى المؤتم به.] (٣). ١٠٧ - تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل . [العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل، فقوله: ﴿فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً﴾، أي: فعلوه، وقيل: بتقدير الباء، أي: جاءوا بظلم، ومن إتيان أتى بمعنى فعل قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ﴾، أي: بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى: فما يك من خير أتوه فإنما ... ... ... توارثه آباء آبائهم قبل] (٤). ١٠٨ - أفكه بمعنى قلبه . [اعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب؛ لأنه قلب للكلام عن الحقّ إلى الباطل،

стр. 102

والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه، ومنه قوله تعالى في قوم لوط: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾، وإنما قيل لها مؤتفكات؛ لأن الملك أفكها، أي: قلبها؛ كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾.] (١). ١٠٩ - إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل . [قوله تعالى: ﴿أَذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وَعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ... وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف، وهو أن يقال: لفظة خير في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية: وغالباً أغناهم خير وشر ... عن قولهم أخير منه وأشر كما قدمناه موضحاً في صورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ﴾ (٢). والمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه فيما فيه التفضيل، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال. والجواب عن هذا الإشكال من وجهين: الأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن، وفي اللغة مراداً بها مطلق الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مراراً وأكثرنا من شواهده العربية في سورة النور وغيرها (٣). الثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل، كقول حسان بن ثابت ﵁: أتهجوه ولست له بكفء ... ... ... فشرّ كما لخيركما الفداء

стр. 103

وكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ﴾ الآية. قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: ﴿أَذلك خَيْرٌ﴾، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله: فشركما لخيركما الفداء. وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وكقوله: ﴿السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾ وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ. اهـ. الغرض من كلام أبي حيان. وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير البتة كما لا يخفى] (١). ١١٠ - بورا، اسم مصدر يقع على الجماعة، وعلى الواحد . [الأصح أن قوله بوراً معناه هلكى، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا ﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْء وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ ومن إطلاقه على المفرد قول عبد الله بن الزبعري السهمي ﵁: يا رسول المليك إن لساني ... ... ... راتق ما فتقت إذ أنا بور ويطلق البور على الهلاك. وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان، وهم من أهل اليمن، ومنه قول الشاعر: فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم ... وكافوا به فالكفر بور لصانعه] (٢). ١١١ - رجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدّد باعتبار المذكور (٣). [رجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدّد باعتبار المذكور أسلوب عربيّ معروف، ومنه في الإشارة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا

стр. 104

بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾، أي: ذلك المذكور من الفارض والبكر، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر، وقول عبد اللَّه بن الزبعري السهمي: إن للخير وللشرّ مدى ... ... ... وكلا ذلك وجه وقبل أي: وكلا ذلك المذكور من الخير والشر، ومنه في الضمير قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق ... ... ... كأنه في الجلد توليع البهق أي: كأنه، أي: ما ذكر من خطوط السواد والبلق، وقد قدّمنا هذا البيت] (١). ١١٢ - يطلق الموت على النوم (٢). [إطلاق الموت على النوم معروف في القرءان العظيم؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ فيه دليل على ما ذكره الزمخشري؛ لأن كلاًّ من البعث والنشور يطلق على الحياة بعد الموت؛ وكقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الاْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاْخْرَى إِلَى أَجَلٍ﴾] (٣). ١١٣ - تطلق مرج بمعنى: أرسل وخلى، وبمعنى: خلط . [اعلم أن لفظة: ﴿مَرَجَ﴾، تطلق في اللغة إطلاقين: الأول: مرج بمعنى: أرسل وخلى، من قولهم: مرج دابّته إذا أرسلها إلى المرج، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب؛ كما قال حسان بن ثابت ﵁: وكانت لا يزال بها أنيس ... ... ... خلال مروجها نعم وشاء

стр. 105

وعلى هذا، فالمعنى: أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر. والإطلاق الثاني: مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾، أي: مختلط، فعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في جميع الدنيا، والماء الملح في جميعها.] (١). ١١٤ - عود الضمير إلى اللفظ وحده، دون المعنى . [أسلوب عربي معروف، وهو عود الضمير إلى اللفظ وحده، دون المعنى. وإيضاحه أن يقال في قوله: ﴿جَعَلَ فِى السَّمَاء بُرُوجاً﴾، هي السماء المحفوظة، ولكن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾، راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة، وهذا أسلوب عربي معروف وهو المعبّر عنه عند علماء العربية، بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَابٍ﴾، أي: ولا ينقص من عمر معمر آخر.] (٢). ١١٥ - بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم (٣). [قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ (الفرقان:٦٤)، قال الزجاج: بات الرجل يبيت، إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم، قال زهير: فبتنا قيامًا عند رأس جوادنا ... ... ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله انتهى بواسطة نقل القرطبي.] (٤). ١١٦ - كل صوت غير عربيّ تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل . [قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:١٩٨ - ١٩٩) اعلم أن كل صوت غير عربيّ تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل، ومنه قول حميد بن ثور يذكر صوت حمامة:

стр. 106

فلم أرَ مثلي شاقه صوت مثلها ... ... ... ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما] (١). ١١٧ - الجناح يطلق لغة حقيقة على يدّ الإنسان وعضده وإبطه . ١١٨ - تطلق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب . ١١٩ - إسناد صفات الذات لبعض أجزائها ١٢٠ - يضاف الموصوف إلى صفته . [الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ﴾، أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يدّ الإنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، والخفض مستعمل في معناه الحقيقي، الذي هو ضدّ الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما؛ كما قال لنبيّه ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب أسلوب معروف، ومنه قول الشاعر وأنت الشهير بخفض الجنا ... ... ... ح فلا تكُ في رفعه أجدلا وأما إضافة الجناح إلى الذلّ، فلا تستلزم المجاز كما يظنّه كثير؛ لأن الإضافة فيه كالإضافة في قولك: حاتم الجود. فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر، وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال: لا تسقني ماء الملام فإنني ... ... صب قد استعذبت ماء بكائي جاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجّة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذلّ جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتّصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود، ونظيره في القرءان الإضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْء﴾، و ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾،

стр. 107

أي: مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه، وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه، والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذلّ مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح كني به عن ذلّ الإنسان، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، وكإسناد الخشوع، والعمل، والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾، وأمثال ذلك كثيرة في القرءان، وفي كلام العرب. وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدلّ عليه كلام السلف من المفسّرين. وقال ابن القيّم في «الصواعق»: إن معنى إضافة الجناح إلى الذلّ أن للذلّ جناحًا معنويًّا يناسبه لا جناح ريش، واللَّه تعالى أعلم، انتهى. وفيه إيضاح معنى خفض الجناح. والتحقيق أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته؛ كما أوضحنا، والعلم عند اللَّه تعالى.] (١) ١٢١ - حذف المنادى مع ذكر أداة النداء . [قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ... اعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ﴿أَلَّا﴾ للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر، قالوا: وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل: ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... ... وإن كان حيّانا عدى آخر الدهر وقول ذي الرمّة: ألا يا سلمى يا دارمي على البلا ... ... ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر

стр. 108

فقوله في البيتين: ألا يا اسلمي، أي: يا هذه اسلمي، وقول الآخر: لا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد. وقول الشمّاخ: ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجالي ... ... ... وقبل منايا قد حضرن وآجالي يعني: ألا يا صحبي اصبحاني، ونظيره قول الآخر: ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر ومنه قول الآخر: فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي يعني: ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته، قول الشاعر: يا لعنة اللَّه والأقوام كلّهم ... ... ... والصالحين على سمعان من جار بضمّ التاء من قوله: لعنة اللَّه، ثم قال: فيالغير اللعنة، يعني أن المراد: يا قوم لعنة اللَّه، إلى آخره. وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهدًا لقراءة الكسائي المذكورة، قول الشاعر: يا قاتل اللَّه صبيانًا تجيء بهم ... ... ... أم الهنينين من زندلها وارى ثم قال: كأنه أراد: يا قوم قاتل اللَّه صبيانًا، وقول الآخر: يا من رأى بارقًا أكفكفه ... ... بين ذراعي وجبهة الأسد ثم قال: كأنه دعا يا قوم يا إخوتي، فلمّا أقبلوا عليه قال: من رأى. وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته، قول عنترة في معلّقته: يا شاة ما قنص لمن حلّت له ... ... ... حرمت على وليتها لم تحرم قالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص. واعلم أن جماعة من أهل العلم، قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا ويا: حرف تنبيه كرّر للتوكيد، وممّن روي عنه هذا القول: أبو الحسن بن عصفور، وهذا القول اختاره أبو حيّان في «البحر المحيط»، قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء، وحذف المنادى؛ لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف

стр. 109

المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلّقه، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالاً كبيرًا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلاً على العامل فيه جملة النداء، وليس حرف النداء حرف جواب كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهنّ لدلالة ما سبق من السؤال على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكّد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد، وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ، العاملين في قوله: فأصبحن لا يسألنني عن بما به، والمتفقي اللفظ العاملين في قوله: ولا للما بهم أبدا دواء. وجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلاً، فاجتماع غير العاملين وهما مختلفا اللفظ يكون جائزًا، وليس يا في قوله: يا لعنة اللَّه والأقوام كلّهم. حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى، لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر] (١). ١٢٢ - يحذف الأول لدلالة الثاني عليه . [قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ... المعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... ... ... بريئاً ومن أجل الطوى رمان وقول قيس بن الخطيم الأنصاري: نحن بما عندنا وأنت بما ... ... ... عندك راض والرأي مختلف وقول ضبائي بن الحارث البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... ... ... فإني وقيار بها لغريب فقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئاً أي كنت بريئاً منه وكان والدي بريئاً منه.

стр. 110

وقول ابن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت راض. وقول ضابىء بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار غريب، وهذا أسلوب عربي معروف. ودعوى أن قوله في الآية: ﴿قَعِيدٌ﴾ هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.] (١). ١٢٣ - زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل . [من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرءان أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قول تعالى في موسى: ﴿فَقَالَ لاِهْلِهِ امْكُثُواْ﴾، وقوله: ﴿سَئَاتِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿لَّعَلّى ءاتِيكُمْ﴾، والمخاطب امرأته؛ كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم ... ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا] (٢). ١٢٤ - الإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات (٣). [الترتيب بالفاء لمجرّد الترتيب الذكري، والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكرى فقط، دون إرادة ترتيب الصفات، أو الموصوفات أسلوب عربيّ معروف جاء في القرءان في مواضع، وهو كثير في كلام العرب. ومن أمثلته في القرءان العظيم، قوله تعالى: ﴿فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا ادرَكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ﴾، فلا يخفى أن ﴿ثُمَّ﴾ حرف ترتيب وأن المرتب به
следующие страницы →