← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36194

التحرير شرح الدليل - كتاب الطهارة

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (269 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الباطن فلم يجب بتنقله فيه طهارة كالريح المتنقلة من المعدة إلى قريب المخرج لا توجب وضوءا إلا بعد خروجها. وعلى ذلك فالأقوى أن الجنابة لا تسمى جنابة إلا إذا فارقت البدن كله وجانبته، أما وقد فارق موضعه إلى موضع آخر من البدن نفسه فليس بجنب. استدل البعض على أن الغسل لا يكون إلا بعد ظهور الماء، وأن مجرد الانتقال لا يوجب غسلا بما رواه الشيخان عن أم سلمة، قالت: جاءت أم سُلَيْمٍ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ : «إذا رأت الماء». والاستدلال بهذا الحديث هنا فيه نظر؛ فإنه خارج محل النزاع لأن الكلام فيه عن الإحتلام، وبيَّن فيه النبي ﷺ أنها إذا احتلمت ولم تر الماء فلا غسل عليها، ومسألتنا في إيجاب الغسل بإنتقال المني مع الشهوة وهذا لا يكون إلا في اليقظة. وأما الاستدلال بمنطوق الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال عِتْبَانُ: يا رسول الله، أرأيت الرجل يُعْجَلُ عن امرأته ولم يُمْنِ، ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : «إنما الماء من الماء» ففيه نظر أيضا، فإن منطوقه يفيد إيجاب الغسل بخروج المني، ولكن نفي إيجاب الغسل بمجرد الإنتقال إنما يستفاد من مفهوم المخالفة الذي مفاده أنه إن لم ينزل فلا غسل عليه، وهذا المفهوم جاء مصرحا به في حديث علي ﵁ السابق، وهو أقوى دلالة في محل النزاع من غيره ولذلك اقتصرت عليه، وعموم هذا المفهوم نسخ نسخا جزئيا بإيجاب الغسل من مجرد إلتقاء الختانين وإن لم ينزل وبقي مثبتا في غيره من الحالات التي ليس فيها إنزال فلا يوجب غسلا. المسألة الثانية - من أحس بانتقال الماء فحبسه فلم يخرج ثم أغتسل لذلك، ثم خرج الماء بلا لذة لم يعد الغسل . قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٣٣٧): (أي: إذا اغتسل لهذا الذي انتقل ثم خرج مع الحركة، فإنه لا يعيد الغسل، والدليل:

стр. 142

١ - أن السبب واحد، فلا يوجب غسلين. ٢ - أنه إذا خرج بعد ذلك خرج بلا لذة، ولا يجب الغسل إلا إذا خرج بلذة. لكن لو خرج مني جديد لشهوة طارئة فإنه يجب عليه الغسل بهذا السبب الثاني). والراجح أنه إن أغتسل وقارب وقت الخروج وقت الإحساس بالانتقال فلا غسل عليه مرة أخرى كما ذكر الشيخ العثيمين، أما عن طال الفاصل، أو خرج مني جديد - بشروطه التي سوف تأتي - فعليه غسل جديد. المسألة الثالثة - يوجب الغسل خروج المني من مخرجه ولو دما ويشترط أن يكون بلذة . قوله: (من مخرجه) أي من الفرج المعتاد، ويقع مجرى المنى داخل الفرج أسفل مخرج البول فيه، قال تقي الدين في "شرح العمدة" (١/ ٣٥٦): (البول يدفع بقايا المني؛ لأن مخرج المني تحت مخرج البول، وبينهما حاجز رقيق، فينعصر مخرج المني تحت مخرج البول، فيخرج ما فيه). قال إبراهيم بن مفلح في "المبدع" (١/ ١٥٠): (فإن خرج من غيره، كما لو انكسر صلبه فخرج منه، لم يجب، وحكمه كالنجاسة المعتادة) والرواية الراجحة في المذهب أن المني طاهر، ولكنه لما خرج من غير المخرج المعتاد لم يأخذ حكم المني. قال الرزكشي في "شرح مختصر الخرقي" (١/ ٢٧٨): (إذا وطئ دون الفرج، فدب منيه فدخل فرج المرأة ثم خرج، أو وطئ في الفرج، ثم خرج منيه من فرجها بعد غسلها، أو خرج ما استدخلته من مني بقطنة، ولم يخرج منيها، وهو وجيه في الكل، والمنصوص المقطوع به عدم الغسل على المرأة والحال هذه، ولا نزاع فيما نعلمه أن الغسل لا يجب بخروج المني من غير مخرجه، وإن وجد شرطه). قوله: (ولو دما) قال ابن قاسم في "حاشيته" (١/ ٢٨٦): (المراد خروجه من مخرجه المعتاد ولو دما، فإنه قد يخرج أحمر لقصور الشهوة عنه، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا) أي خالصا طريا لا خِلْطَ فيه وأسباب خروج الدم مع المني كثيرة منها أسباب مرضية مثل وجود حصوات في المثانة أو البروستاتا، أو

стр. 143

لالتهابات في البروستاتا والحويصلة المنوية والخصيتين، وقد تكون من الإفراط في إخراج المني بالجماع وغيره، وتكثر كمية الدم الخارج تبعا للحالة. وقد اشترط الماتن هنا لإيجاب الغسل بنزول الدم من المخرج المعتاد للمني أن يكون بلذة، يعني لغير علة مرضية. والأقوى أن الاغتسال يجب من خروج المني وإن كان مصاحبا له دما نتيجة الإفراط في إخراج المني، أما إن كان الدم خالصا فلا يوجب غسلا؛ لأنه حينئذ يكون علامة مرضية وإلحاقه بحكم المستحاضة له وجه. قوله: (بلذة) اشترط الموفق وغيره في خروج المني أن يكون دافقا - أي سائلا في قوة - مع تحقق اللذة، واقتصر الماتن وغيره على اعتبار اللذة فقط؛ وعلل ذلك غير واحد بأنه يلزم من وجود اللذة أن يكون دفقا. فائدة - إن خرج المني بلا لذة فلا يوجب غسلا . قال موفق الدين في "الكافي" (١/ ١٠٥): (فإن خرج لمرض من غير شهوة لم يوجب، لأن النبي ﷺ وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض، ولا يخرج في المرض إلا رقيقا). الأدلة على مسألة الباب: يجب الغسل من خروج المني من مخرجه بلذة قال ابن قاسم في "حاشيته" (١/ ٢٦٨): (قال الترمذي: وهو قول عامة أهل العلم، وقال الشارح: لا نعلم فيه خلافا، وحكاه غير واحد اتفاقا، والطبري إجماع المسلمين). والأدلة على ذلك كثيرة منها: • حديث علي ﵁ المتفق عليه، ولفظه عند النسائي قال علي: كنت رجلا مذاء فسألت النبي ﷺ فقال: «إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل» ولفظ الحديث عند أبي داود: (فإذا فضخت الماء فاغتسل) وكما أن رؤية المذي تكون بخروجه فكذلك رؤية المني تكون بفضحه أي تدفقه وظهوره. فال ابن الجوزي في "غريب الحديث": (فضحت الماء يعني دفقته).

стр. 144

• ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الماء من الماء» فإنه يدل على إيجاب الغسل بخروج المني. المسألة الرابعة-يوجب الغسل خروج المني من النائم ونحوه ولو لم يذكر لذة . قوله: (ونحوه) قال ابن قاسم في "حاشيته" (١/ ٢٦٩): (كمجنون ومغمى عليه وسكران، فإنه لا لذة لهم يقينا لفقد إدراكهم وجعلت اللذة حاصلة في حقهم حكما، لحديث: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء، أي المني بعد الاستيقاظ متفق عليه، ولأحمد والنسائي وابن ماجه ليس عليها غسل حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل). الأدلة: • قال ابن موفق الدين في "الكافي" (١/ ١٠٤): (فيجب الغسل بخروجه في النوم واليقظة، «لأن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم إذا رأت الماء» متفق عليه ... فإن احتلم فلم ير بللا فلا غسل عليه، لحديث أم سليم. وإن رأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل، لما روت عائشة قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاما، فقال: " يغتسل» ". «وسئل عن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد البلل، فقال: " لا غسل عليه» رواه أبو داود). المسألة الخامسة: يوجب الغسل تغييب الحشفة كلها أو قدرها بلا حائل في فرج ولو دبرا لميت أو بهيمة أو طير . قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ١٤٩): (اتفق الفقهاء على وجوب الغسل في هذه المسألة، إلا ما حكي عن داود أنه قال: لا يجب؛ لقوله ﵇ «الماء من الماء» وكان جماعة من الصحابة ﵃، يقولون: لا غسل على من جامع فأكسل. يعني: لم ينزل. ورووا في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ . وكانت رخصة رخص فيها رسول الله ﷺ ثم أمر بالغسل، قال سهل ابن

стр. 145

سعد: حدثني أبي بن كعب «أن الماء من الماء كان رخصة أرخص فيها رسول الله ﷺ ثم نهى عنها». متفق عليه. ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروي عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الماء الدافق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فقلت: يا أماه، أو يا أم المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عن شيء كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل، قالت: قال رسول الله ﷺ «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل» متفق عليه. وفي حديث عن عمر ﵁، أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالا. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قعد بين شعبها الأربع، وجهدها فقد وجب عليه الغسل» متفق عليه. زاد مسلم وإن لم ينزل ". قال الأزهري أراد بين شعبتي رجليها وشعبتي شفريها. وحديثهم منسوخ بدليل حديث سهل بن سعد). ثم قال (١/ ١٥٠): (ويجب الغسل على كل واطئ وموطوء، إذا كان من أهل الغسل، سواء كان الفرج قبلا أو دبرا (١)، من كل آدمي أو بهيمة، حيا أو ميتا، طائعا أو مكرها، نائما أو يقظان. وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء الميتة والبهيمة؛ لأنه ليس بمقصود؛ ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص. ولنا أنه إيلاج في فرج، فوجب به الغسل، كوطء الآدمية في حياتها، ووطء الآدمية الميتة داخل في عموم الأحاديث المروية، وما ذكروه ينتقض بوطء العجوز والشوهاء). فائدة: قوله (بلا حائل في فرج) لو أولج الحشفة بحائل كبعض الأدوات المستخدمة في

стр. 146

هذا العصر فهل يجب الغسل؟ الجماع بحائل لا يخلوا من حالتين: الأولى: أن يحصل الإنزال فيجب عليه الغسل ولا يعلم في هذا خلاف. لقول النبي ﷺ (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) رواه مسلم. الثانية: إذا لم يحصل إنزال للمني فقد اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب الغسل على الرجل والمرأة مطلقاً ,سواء كان الحائل غليظاً أو رقيقاً. وهو مذهب الشافعي. قال النووي في "المجموع" (٢/ ١٥٠): " ولو لف على ذكره خرقة وأولجه بحيث غابت الحشفة ولم ينزل فالصحيح: وجوب الغسل عليهما؛ لأن الأحكام متعلقة بالإيلاج وقد حصل .. القول الثاني: أنه لا يجب الغسل مطلقاً، وهو مذهب الحنابلة كما ذكره المؤلف؛ لأنه لا تحصل الملاقاة مع وجود الحائل. القول الثالث: إذا كان الحائل رقيقاً بحيث يجد الحرارة واللذة وجب الغسل وإلا فلا، وهو مذهب المالكية وبعض الحنفية. قال ابن عثيمين عن القول الثالث وهذا أقرب، والأَوْلَى' والأحوط: أن يغتسل) (١). المسألة السادسة - لا يجب الغسل إلا على ابن عشر وبنت تسع . علة هذا التحديد: والمنصوص عن الإمام أحمد أنه هذا التحديد لكونه يجامع مثله. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٣٣): (شمل قوله (تغيبت الحشفة في الفرج) البالغ وغيره أما البالغ: فلا نزاع فيه. وأما غيره: فالمذهب المنصوص عن أحمد: أنه كالبالغ من حيث الجملة. قاله في الفروع وغيره ... فعلى المذهب: يشترط كونه يجامع مثله، نص عليه، وجزم به في التلخيص وغيره. وقال ابن عقيل وغيره، وقدمه ابن عبيدان، وابن تميم، ومجمع البحرين، وغيرهم. قال الزركشي: وهو

стр. 147

ظاهر إطلاق الأكثرين. وقال في المستوعب، والحاوي الكبير، وقدمه في الرعايتين وغيرهم: يشترط كون الذكر ابن عشر سنين، والأنثى تسع. قال في الفروع: المراد بهذا ما قبله يعني كون الذكر ابن عشر سنين والأنثى ابنة تسع، وهو الذي يجامع مثله قال: وهو ظاهر كلام أحمد. وليس عنه خلافه). قال موفق الدين في "المغني" (فإن كان الواطئ أو الموطوء صغيرا، فقال أحمد يجب عليهما الغسل. وقال: إذا أتى على الصبية تسع سنين، ومثلها يوطأ، وجب عليها الغسل. وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ، فجامع المرأة، يكون عليهما جميعا الغسل؟ قال: نعم. قيل له: أنزل أو لم ينزل؟ قال: نعم). الدليل على هذا التحديد: قوله ﷺ في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أبي داود: (واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) يدل على أن هذا السن مظنة الوطء، وإنما جعل الإمام أحمد البنت يجب عليها الغسل من تسع؛ لأن النبي ﷺ بني بأم المؤمنين عائشة ﵂ وهي بنت تسع سنين فجعله مظنة الوطء. ويحتمل أن تكون أم المؤمنين قد بلغت في هذا السن فالتحديد بعشر للذكر والأنثى أنسب للعلة المذكروة ولدلالة الحديث السابق عليها، ويقيد ذلك بألا يكون البلوغ قبل ذلك فمتى بلغت الجارية وهي بنت تسع مثلا كلفت بالغسل. معنى الوجوب في حقهما: قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٥٢): (ليس معنى وجوب الغسل في الصغير التأثيم بتركه، بل معناه أنه شرط لصحة الصلاة، والطواف، وإباحة قراءة القرآن، واللبث في المسجد، وإنما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه، ولذلك لو أخره في غير وقت الصلاة، لم يأثم، والصبي لا صلاة عليه، فلم يأثم بالتأخير، وبقي في حقه شرطا، كما في حق الكبير). ووجه التحديد بالعشر أنهما يضربان على ترك الصلاة في هذا السن كما دل على ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده السابق والغسل شرط لصحة الصلاة.

стр. 148

المسألة السابعة: يوجب إسلام الكافر الغسل ولو مرتدا . قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٥١): (الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل، سواء كان أصليا، أو مرتدا، اغتسل قبل إسلامه أو لم يغتسل، وجد منه في زمن كفره ما يوجب الغسل أو لم يوجد ... لأن الكافر لا يسلم غالبا من جنابة تلحقه، ونجاسة تصيبه، وهو لا يغتسل، ولا يرتفع حدثه إذا اغتسل، فأقيمت مظنة ذلك مقام حقيقته، كما أقيم النوم مقام الحدث، والتقاء الختانين مقام الإنزال). الأدلة: • ما رواه ابن حبان وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، أن ثمامة بن أثال أو أثالة أسلم، فقال رسول الله ﷺ : " اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل " واللفظ لأحمد. • ما رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح عن قيس بن عاصم ﵁: " أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر ". المسألة الثامنة: يوجب خروج دم الحيض والنفاس الغسل . قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٥٤): (لا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس، وقد أمر النبي ﷺ بالغسل من الحيض في أحاديث، كثيرة «، فقال لفاطمة بنت أبي حبيش دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه وأمر به في حديث أم سلمة، وحديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، رواهما أبو داود، وغيره، وأمر به في حديث أم حبيبة، وسهلة بنت سهيل، وحمنة بنت جحش، وغيرهن ... والنفاس كالحيض سواء؛ فإن دم النفاس هو دم الحيض، وإنما كان في مدة الحمل ينصرف إلى غذاء الولد، فحين خرج الولد خرج الدم لعدم مصرفه، وسمي نفاسا). • والدليل على أن الحيض كالنفاس ما رواه الشيخان عن القاسم بن محمد، يقول: سمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: «ما لك أنفست؟». قلت: نعم، قال: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت».

стр. 149

المسألة التاسعة: الموت يوجب الغسل . • روى الشيخان عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) الحديث، والأمر للوجب، وقد جعل البعض توكيل الإرادة لهن صارف للأمر عن الوجوب إلى الإستحباب، وفيه نظر فالتوكيل إنما هو لعدد الغسلات لا لأصل التغسيل. • روى الشيخان عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته، فوقصته - أو قال: فأوقصته - قال النبي ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». مسألة - غسل الميت تعبدا . أى لا عن حدث، قال الشيخ ابن جبرين ﵀ في "شفاء العليل" (ص/٣١٤): (أجمع المسلمون على ان الميت يُغسل ولو كان نظيف البدن، فلو اغتسل إنسان وتنظف ثم مات بعد دقائق من غسله لوجب على المسلمين أن يغسلوه لموته ولا يكفيه غسله الأول عن غسله بعد الموت؛ لأن غسل الميت ليس المقصود منه تنظيفه فقط، بل هو من الأور التعبدية). وقال إبراهيم بن مفلح في "المبدع" (١/ ١٥٧): (وهو تعبد لا عن حدث؛ لأنه لو كان عنه، لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا تغتسل مع جريان الدم، ولا عن نجس، لأنه لو كان عنه لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس، وهو الموت). ـ[فصل مسألة - وشروط الغسل سبعة: انقطاع ما يوجبه، والنية، والإسلام، والعقل، والتمييز، والماء الطهور المباح، وإزالة ما يمنع وصوله .. ]ـ ذكر الماتن هنا شروط الغسل، ومنها أربعة شروط عامة في كل عبادة، وهي: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، والباقي خاص بالوضوء والغسل.

стр. 150

وهذه الشروط التي ذكرها هنا هي بعينها الشروط التي ذكرها للوضوء، وترك ذكر الإستجمار هنا وقد ذكره بعض الأصحاب. قال الزركشي في "شرح الخرقي" (١/ ٣١٦): (ويتلخص لي أنه يشترط لصحة الغسل تقديم الاستنجاء على الغسل إن قلنا: يشترط تقديمه في الوضوء. وإن لم نقل ذلك، أو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو عليهما غير خارجة منهما، لم يشترط التقديم، ثم هل يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، أو لا يرتفع إلا مع الحكم بزوال النجاسة؟ فيه قولان، ثم محل الخلاف إذا لم تكن النجاسة كثيفة، تمنع وصول الماء، أما إن منعته فلا إشكال في توقف صحة الغسل على زوالها، وهذا واضح والله أعلم). وقياسه إزالة النجاسة من أحد السبيلين هنا على زوالها في الاستنجاء فيه نظر، إذ أن مس الفرج بلا حائل في المذهب ينقض الوضوء بخلافه في الغسل فليس بناقض للغسل. والمسألة مفترضة في كون النجاسة لا تمنع تعميم الماء الجسد، فأما إن كانت كثيفة فيشترط إزالتها من السبيلين أو أحدهما، أو غيرهما ليصح التعميم، وأما إن كانت لا تمنع التعميم فالقول الراجح عدم اشتراط إزالتها وغاية الأمر أنه إن مس الفرج لإزالتها فإنه يجدد وضوءه على المذهب إن كان بلا حائل، وعلى الراجح نضيف إن كان المس بشهوة، ولا يعيد الاغتسال. • والمقصود بانقطاع ما يوجبه أنه لا يصح الاغتسال مع استمرار خروج المني أو دم الحيض والنفاس ونحو ذلك مما يوجبه، وكان عليه أن يخصص ذلك بالموت؛ لأنه يوجب الغسل ولا ينقطع، ويُغسل الميت مع استمراره. وباقي الشروط سبق شرحها في الوضوء فلا داعي لإعادتها هنا مرة أخرى. ـ[وواجبه: التسمية وتسقط سهوا .. ]ـ مسألة - التسمية واجبة في الغسل وتسقط سهوا . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٢٨): (قال صاحب الهداية، والفصول، وَالْمُذْهَبِ، والنهاية، والخلاصة، ومجمع البحرين، والمجد في شرحه: التسمية واجبة في أصح الروايتين، في طهارة الحدث كلها: الوضوء، والغسل، والتيمم) وقد سبق

стр. 151

في الوضوء ترجيح أنها مستحبة وأنه لا يأثم تاركها عمدا ولا سهوا والترجيح بذلك هنا أولى لعدم وردود دليل بإيجاب التسمية في الغسل كما ورد في الوضوء وقد سبق توجيهه. ـ[و فرضه: أن يعم بالماء جميع بدنه وداخل فمه وأنفه حتى ما يظهر من فرج المرأة عند القعود لحاجتها وحتى باطن شعرها، ويجب نقضه في الحيض والنفاس لا الجنابة. ويكفي الظن في الإسباغ .. ]ـ مسألة- من فرائض الغسل أن يعم بالماء جميع بدنه وحتى باطن شعر المرأة . أما تعميم الجسد فهو فرض ولا يجزئ الغسل إلا به حتى أنه يغسل ما تحت الشعر الكثيف وهو الذي لا ترى البشرة من ورائه لما رواه الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه. ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر. حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات. ثم أفاض على سائر جسده. ثم غسل رجليه». وقد تعلل البعض بأن هذا حادثة فعل ولم يوجبوا إنقاء البشرة، وأنه يكتفى بمجرد الإفراغ على الجسد فقط كما جاء في الحديث الطويل المتفق عليه عن عمران ﵁، وفيه أن النبي ﷺ أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك» وفي قولهم نظر، فإنما فعل النبي هنا بياني بين فيه كيف يكون الإفراغ على الجسد والتطهير الذي أمره به تعالى في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والمُبيِّن له حكم المُبيَّن. • ولما رواه الشيخان واللفظ لمسلم عن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وَسِدْرَتَهَا، فَتَطَهَّرُ فتحسن الطُّهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها» فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: «سبحان الله، تطهرين بها» فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: «تأخذ ماء فَتَطَهَّرُ فتحسن الطُّهور أو تُبلغ

стр. 152

الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء». • وروى أحمد وغيره من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله تعالى به كذا وكذا من النار " قال علي: فمن ثم عاديت شعري). وقد أختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث وذلك لإختلافهم في سماع حماد من عطاء كان قبل الإختلاط أم بعده، وقد رجح جماعة من العلماء وقفه. مسألة - من فرائض الغسل غسل داخل الفم والأنف . الصحيح في المذهب أن الأنف والفم من الوجه المأمور بغسله ولذلك يجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وقد سبق وأن بينا أنه ظاهرهما من الوجه بخلاف باطنهما فليس من الوجه ولا تكون المواجهة بباطنهما، ورجحنا وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء للأمر بهما في أحاديث منفصلة، وليس ثمَّ دليل على ذلك في الغسل فالأقوى أنه لا يجب غسل داخل الفم ولا الأنف في الاغتسال المجزئ الذي ليس فيه وضوء وإن قلنا بالاستحباب فلا يبعد خروجا من خلاف من قال بفرضيتهما، ولما ذكر في بعض الروايات المطلقة أنه ﷺ كان يتمضمض ويستنشق في الغسل كحديث ميمونة ﵂ المتفق عليه، قالت: «وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه»، وهو محمول على أن ذلك كان في الوضوء وقد جاء مصرحا بذلك في بعض طرق حديث ميمونة في الصحيحين قالت: «سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى، فغسل قدميه».

стр. 153

مسألة - من فرائض الغسل غسل المرأة ما يظهر من فرجها عند القعود لحاجتها . تمهيد - لا يجب غسل باطن الفرج: قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٥): (لا يجب غسل ما أمكن غسله من باطن فرج المرأة من جنابة، ولا نجاسة، على الصحيح من المذهب ... ). وقد علل ابن ضويان في "المنار" (١/ ٤٠) مسألتنا بقوله: (لأنه في حكم الظاهر ولا مشقة في غسله) وطالما أنه لا يظهر إلا عند القعود فالأقوى أنه من الباطن وليس من الظاهر فلا يجب غسله، وهذا بخلاف غسل الفرج وإزالة ما به من أذي وأثر للدم كما وردت بذلك بعض ألفاظ الأحاديث. مسألة - يجب نقض الشعر في الحيض والنفاس . واستدلوا بما رواه الشيخان عن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يهل بعمرة فليهلل، فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة» فأهل بعضهم بعمرة، وأهل بعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهل بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بحج». وجه الاستدلال: أمره ﷺ لها بنقض شعرها. مناقشة: وتعقب الاستدلال بهذا الحديث بأن اغتسالها لم يكن للطهر من الحيض فإنها كانت لا تزال في حيضها كما أنه ليس فيه ذكر الاغتسال. وأجيب بأن ذكر الاغتسال ورد في بعض طرق الحديث الصحيحة عند أحمد وابن ماجه والطبراني، وكونه في غسل الإحرام وهو مستحب، يدل بالأولى أنها تنقض شعرها للغسل الواجب من طهارة الحيض. الترجيح: والراجح أن الأمر في حديث الباب للاستحباب، وقد أمر النبي صلى الله عليه

стр. 154

وسلم أسماء بنت عميس أن تفرغ على نفسها من الماء وتستذفر بثوب عندما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة (١) وليس في أي من طرقه أمرها بنقض شعرها. ومما يؤكد الاستحباب أيضا أنه أمرها بتمشيط شعرها وليس بواجب. ولأنه موضع من البدن، فاستوى فيه الحيض والجنابة، كسائر البدن (٢) وسوف يأتي في المسألة التالية أنها لا تنقض شعرها في الجنابة. أضف إلى أن الحديث السابق إنما هو في غسل الإحرام وليس في غسل الحيض ولا الجنابة. وعليه فالراجح أن المرأة لا يجب أن تنقض شعرها في غسل الحيض أو النفاس. مسألة - لا يجب نقض الشعر في الجنابة . قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٦٦): (ولا يختلف المذهب في أنه لا يجب نقضه من الجنابة، ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر، وروى أحمد في " المسند "، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال. «بلغ عائشة أن عبد الله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فقالت: يا عجبا لابن عمر، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن، لقد كنت أنا ورسول الله ﷺ نغتسل فلا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات». واتفق الأئمة الأربعة على أن نقضه غير واجب؛ وذلك لحديث «أم سلمة، أنها قالت للنبي ﷺ : إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». رواه مسلم، إلا أن يكون في رأسها حشو أو سدر يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فيجب إزالته، وإن كان خفيفا لا يمنع، لم يجب، والرجل والمرأة في هذا سواء، وإنما اختصت المرأة بالذكر؛ لأن العادة اختصاصها بكثرة الشعر وتوفيره وتطويله).

стр. 155

فائدة: جاء في بعض الروايات في حديث أم سلمة ﵂ السابق عند مسلم وغيره زيادة ذكر الحيض مع الجنابة، وهي زيادة شاذة. وهذه الزيادة في الحديث عمدة في ترجيح عدم وجوب نقض الشعر في غسل الحيض ولكنها لا تصح وقد سبق بيان الراجح آنفا. مسألة - يكفي الظن في الإسباغ . روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ «إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده». ويكفي غلبة الظن هنا؛ لأن الوصول إلى اليقين قد يتعذر ويجر إلى الوسوسة والإسراف في الماء. سنن الاغتسال: ـ[وسننه: الوضوء قبله وإزالة ما لوثه من أذى وإفراغه الماء على رأسه ثلاثا وعلى بقية جسده ثلاثا والتيامن والموالاة وإمرار اليد على الجسد وإعادة غسل رجليه بمكان أخر .. ]ـ مسألة - من سنن الاغتسال الوضوء قبله وإزالة ما لوثه من أذى وإفراغه الماء على رأسه ثلاثا وعلى بقية جسده ثلاثا وإعادة غسل رجليه بمكان أخر . • وقوله: (ما لوثه) أي من أذى سواء أكان على يديه، أو على فرجه، أو على سائر بدنه من أثر الجنابة، وتغسل المرأة أيضا أثر الحيض والنفاس من جسدها وفرجها ويديها. ويستحب للمرأة بعد أن تغتسل كما جاء في بعض الراويات أن تأخذ فِرصة أي قطعة من القطن أو الصوف، ونحو ذلك وتجعل فيها مسك أو غيره من الطيب لتدفع به الرائحة الكريهة. قال البهوتي في "كشاف القناع" (١/ ١٥٢): ((ثم يغسل ما لوثه من أذى) لحديث عائشة «فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه». وظاهره: لا فرق بين أن يكون

стр. 156

على فرجه أو بقية بدنه، وسواء كان نجسا كما صرح به في المحرر أو مستقذرا طاهرا، كالمني كما ذكره بعضهم (ثم يضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا) لحديث عائشة المتفق عليه). كيفية تثليث غسل الرأس: قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٢): (يحتمل قوله (ويحثي على رأسه ثلاثا يروي بها أصول الشعر): أنه يروي بمجموع الغرفات، وهو ظاهر كلامه هنا. وظاهر كلام الخرقي، وابن تميم، وابن حمدان، وغيرهم. ويحتمل أن يروي بكل مرة، وهو الصحيح من المذهب، قال في المستوعب: بكل مرة ... واستحب المصنف وغيره تخليل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء). وما رواه الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ «إذا اغتسل من الجنابة، دعا بشيء نحو الحِلاَب (١)، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على وسط رأسه» يدل على إرواء جميع الرأس إنما يكون بالثلاث لا بكل واحدة. وكون التخليل شعر الرأس يسبق إفاضة الماء عليها دلَّ عليه حديث عائشة المتفق عليه ولفظه قالت: كان رسول الله ﷺ «إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده». لا يستحب تثليث غسل البدن: وهذه السنن التي ذكرها الماتن قد وردت في حديث عائشة وميمونة السابقين بخلاف ثلثيث غسل البدن فلم يرد في أي من طرق الأحاديث ذكر تثليث غسل البدن، وإنما ورد أنه أفاض عليه الماء بدون ذكر التثليث، قال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٣٦٩): (قوله: "ثم أفاض على جسده" لأنه لم يقيد بعدد فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها).

стр. 157

وعليه فالأقوى عدم استحباب تثليث غسل البدن ويكفي مرة واحدة وهو قول في المذهب واختاره تقي الدين، وهو قول المالكية. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢٠/ ٣٦٩): (وكذلك الاغتسال من الجنابة؛ فمذهب مالك وأحد القولين من مذهب أحمد بل هو المأثور عنه: اتباع السنة فيه؛ فإن من نقل غسل النبي ﵌ كعائشة وميمونة لم ينقل أنه غسل بدنه كله ثلاثا بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه وأنه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه. والذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه قياسا على الوضوء والسنة قد فرقت بينهما). وسوف يأتي عند الكلام على الموالاة إحتمالا بتكرار الماء لغسل القدمين وهي بعض البدن، وهذه حالة خاصة وسوف يأتي بيانها قريبا بإذن الله. • فائدة - لا يكرر غسل القدمين . ظاهر حديث عائشة السابق: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) ظاهره أنه توضا وضوءا كاملا، وفي حديث ميمونة أنه أخر رجليه، فيجمع بينهما أن إطلاق الوضوء في حديث عائشة يراد به أكثره، وقد جاء مصرحا بذلك في بعض طرق حديث ميمونة ﵂ فروى البخاري عنها أنها قالت: «توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما، هذه غسله من الجنابة»، وعليه فالراجح أنه لا يكرر غسل رجليه بل يؤخرهما إلى آخر الوضوء فلا يسلم الأمر من رشاش، أو استقذار وخاصة إن كان يغتسل داخل طَسْت ونحوه. مسألة - من سنن الاغتسال التيامن . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٣): (قوله (ويبدأ بشقه الأيمن) بلا نزاع). قال النووي في "المجموع" (٢/ ١٨٤): (الابتداء بالأيامن فيغسل شقه الأيمن ثم الأيسر وهذا متفق على استحبابه). والتيامن يكون في بعض أعضاء الوضوء كاليدين والرجلين، ويكون في أفعال الغسل في غسل الرأس كما سبق بأن يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم يفرغ الماء على وسط رأسه.

стр. 158

والمقصود هنا التيامن في غسل سائر بدنه، وقد سبق وأن رجحنا أنه لا يستحب تثليث غسل البدن، وعليه فيمكن الجمع بين التيامن والغسل بمرة واحدة أن يبدأ الإفراغ على جسده من ناحية اليمين حتى ينتهي بالشمال. فائدة: الظاهر أنه لا يكتفى في تغسيل الميت بإفراغ الماء مرة واحدة على جسده، وذلك لتعذر تعميم جسد الميت بالماء بغسلة واحدة لكون ظهره يكون ملاصقا للمغسلة فلابد من تكرار تقليبه لكل ناحية حتى يعم الماء جسده، وهذا يستلزم تكرار مرات إفراغ الماء على جسد الميت في كل مرة من الثلاث أو الخمس، أو ما زاد على ذلك، وفي هذه الحالة يتوجه قوله ﷺ فيما رواه الشيخان عن أم عطية ﵂ قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». مسألة - من سنن الاغتسال الموالاة . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٧): (ظاهر كلام المصنف: أنه لا يشترط الموالاة في الغسل، وهو صحيح، وهو المذهب. وعليه أكثر الأصحاب كالترتيب ... ثم قال: فائدة: إذا فاتت الموالاة في الغسل أو الوضوء وقلنا بعدم الوجوب فلابد للإتمام من نية مستأنفة). الراجح وجوب الموالاة، وهو فعل النبي ﷺ فلم ينقل عنه في حديث صحيح أنه فرق غسله وهذا بيان مجمل القرآن. إلا احتمالا في القدمين وسيأتي توجيهه قريبا بإذن الله. ومما يدل أيضا على وجوب الموالاة أن الغسل المجزئ هو تعميم البدن بنية رفع الحدث، والبدن جميعه يقوم مقام العضو الواحد فكيف يصح تفريق غسله وإنما قال الجمهور بجواز التفريق لورود بعض الأحاديث الضعيفة ومنها: ما رواه أحمد وابن ماجه وعبد بن حميد غيرهم عن ابن عباس، قال: " اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة فرأى لمعة على منكبه لم يصبها الماء، قال: فعصر شعره عليها ومسحها به ". وهذا إسناد ضعيف جدا فيه أبو على الرحبي قال عنه ابن حجر: "متروك"، وله شواهد ضعيفة لا تصلح للتقوي. كما

стр. 159

أن متنه فيه نكارة فظاهره أنه اكتفى بمسح هذه اللمعة من البدن، وهذا مخالف للإجماع الذي نقله النووي من عدم إجزاء المسح في الغسل، قال النووي في "المجموع" (١/ ٤٣٦): (وقد أجمع العلماء على أن الجنب لو مسح بدنه بالماء وكرر ذلك لا ترتفع جنابته بل يشترط جري الماء على الأعضاء). تأخير القدمين: سبق وأن عرضنا الخلاف في تكرار غسل القدمين، والصحيح في المذهب أنه يكرر غسلهما فيكون غسلهما الأول متعلق بالوضوء والثاني متعلق بالإغتسال وفيه إلماح لجواز تفريق غسل البدن بتأخير القدمين. والجواب عن ذلك من وجوه: الأول - أن هذا حالة خاصة وإنما تنقطع الموالاة بتأخر غسل القدمين بعد جفاف باقي البدن وظاهر الأحاديث خلاف ذلك. الثاني - أن المغتسل لا يخلو أن يكون في واحد من الحالات التالية أنه واقف في طست ونحوه من الأوعية مما يجتمع فيه الماء المنفصل عن الجسد، أو يكون إغتساله خارجه وهو إما أن يكون في نهر ونحوه أو خارجه وخارج الطست. فصار عندنا احتمالات كثيرة لما يحيط بالقدم أو ما تقف عليه أثناء الاغتسال. • ولا يستقيم الاستدلال على جواز التفريق في بعض الحالات كنحو أن يكون المغتسل واقفا في نهر ونحوه أو خارج النهر أو الطست في مكان صلب طاهر والقدمان مكشوفتان أو عليهما نعل واسع يسمح بدخول الماء لهما ففي هذه الحالة فالقدمان يغسلان ضمنا مع البدن ويعممان بالماء معه لعدم وجود ما يمنع من ذلك. • وأما إن كان واقفا في مكان به طين، أو كان واقفا في مكان نجس أو كان على القدمين نعل ضيق يمنع وصول الماء لهما فهنا يتجه القول باحتمال التفريق وتكرار الماء لغسل القدمين، والراجح في مثل هذه الحالة أنه يبادر بغسل قدميه بعدما ينتقل من مكانه وقبل جفاف باقي بدنه، وينوي عند غسلهما رفع الحدث الأكبر مع نية تتميم الوضوء. • وأما إن كان واقفا داخل طست ونحوه فإن الماء الواقف فيه يمنع من وصول الماء الطهور لهما.

стр. 160

• وهذه الحالة لا تخلو من احتمالين: الأول - أن يكون هذا الماء الواقف فيه طاهر بناء على القسمة الثلاثية، أو يكون تنجس بدم ونحوه من مستحاضة مثلا. فإن كان طاهرا فقد سبق مرارا بيان أن القسمة ثنائية وأن هذا الماء المستعمل يرتفع به الحدث فعادت هذه الحالة كمن عممها مع جسده. وأما إن كان الماء أصابه دم وتغير به فهنا نقول أنه لابد من المبادرة بغسلها قبل جفاف البدن، لتتحقق الموالاة كالحالة السابقة. تتمة: ما سبق هو بناء على اعتبار أفعال الغسل المجزئ من النية والتعميم، أما إن اعتبرنا أفعال الغسل المستحب من الوضوء قبله وإزالة ما لوثه من أذى وتخليله أصول الشعر وإفراغه الماء على رأسه ثلاثا فهنا تتجه هذه المسألة من القول بسنية الموالاة بين هذه المستحبات بعضها مع بعض وبين أفعال الوضوء المجزئ من تعميم الماء للجسد بنية رفع الحدث عنه، ولابد للإتمام من نية مستأنفة برفع الحدث. • فإن قيل لماذا لم تعتير أن فعل النبي هنا بياني وتقول بالوجوب. فالجواب أن الفعل البياني له حكم المُبَيَّن فلما كانت هذه الأفعال مستحبة قلنا باستحباب الموالاة فيها، وإنما يجب من الأفعال ما كان بيانا لواجب. مسألة - من سنن الاغتسال إمرار اليد على الجسد . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٣): ((ويدلك بدنه بيديه) بلا نزاع أيضا. قال الأصحاب: يتعاهد معاطف بدنه وسرته وتحت إبطيه، وما ينوء عنه الماء. وقال الزركشي. كلام أحمد قد يحتمل وجوب الدلك). والراجح أن الدلك وسيلة لإرواء البشرة وإيصال الماء لها فإن حصل غلبة ظن يتعميم الجسد بالماء بدون دلك فلا يجب، وإلا فيجب. ولم بذكر الدلك للبدن في أحاديث وصف وضوء النبي ﷺ ، وإنما قال المالكية أن مجرد الإفاضة بدون دلك لا تسمى غسلا.

стр. 161

قال ابن حزم في "المحلى" (١/ ٩٤): (من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به). قال الشيخ الدبيان في "موسوعة الطهارة" (١١/ ٥٦٠): (ولو كان الغسل لا يقع إلا على الدلك، لكانت المواضع التي لا يستطيع الوصول إليها بيده كبعض المواضع من ظهره لا يمكن أن يغسلها، فأما ان يقول: يسقط الدلك للعجز كما اختاره من المالكية ابن القصار، وبالتالي لم يقم بغسل جميع بدنه؛ لأن الغسل عندهم لا يطلق إلا على جريان الماء مع الدلك أو يقال: يجب أن يتخذ خرقة ليستعين بها على دلك ما يعجز عن دلكه، كما اختاره سحنون من المالكية، وقال بعضهم: يجب استنابة من يدلكه من زوجة أو أمة، أو يتدلك بحائط إن كان ملكا له، أو أذن له مالكه، ولم يكن الدلك بؤذبه، وهذا أيضا لم يقم عليه دليل من السنة ومن التعمق الذي لم نؤمر به، وكل هذا يدل على ضعف القول بوجوب التدليك، والله أعلم). ـ[ومن نوى غسلا مسنونا أو واجبا أجزأ عن الآخر، وإن نوى رفع الحدثين أو الحدث وأطلق أو أمرا لا يباح إلا بوضوء وغسل أجزأ عنهما .. ]ـ مسألة - من نوى غسلا مسنونا أجزأ عن الواجب . الغسل المسنون مثل غسل الجمعة، والغسل من تغسيل الميت، وغسل يوم العيد، والغسل للإحرام ونحو ذلك كما سيأتي قريبا بإذن الله تعالى. وعندنا هنا حالتين: الأولى - أن يكون ذاكرا لحدثه، ونوى الغسل المستحب. الثانية - أن يكون ناسيا لحدثه كمن اغتسل للعيد وهو غير متذكر لجنابته. فهل يرتفع حدثه؟ الصحيح من المذهب أنه يرتفع حدثه، والراجح أنه لا يرتفع حدثه في الحالتين، وخاصة الأولى لأنه متذكر لحدثه ولم ينو رفعه، فالغسل المستحب ليس فيه حدث لينو رفعه، وكما قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وسوف يأتي دليل لهذه المسألة في المسألة التالية بإذن الله تعالى. قال الشيخ الحمد في "شرح الزاد": (فالأصح أنه لا يجزئ عنه ـ كما لو تصدق بصدقة بنية أنها صدقة فإنها لا تجزئ عن الزكاة.

стр. 162

فإن النية: تمييز العبادة عن العبادة، فالنية تمييز غسل العبادة عن غسل التبريد، وكذلك تميز الطهارة المستحبة عن الطهارة الواجبة. فهذا قد نوى طهارة شرعية لكنها ليست متضمنه لرفع الحدث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)). مسألة - من نوى غسلا واجبا أجزأ عن المسنون . الفرض هنا أنه لم ينوه، ووجه قولهم أن الواجب أعلى من المسنون فيسقط به، والراجح أنه لا تصح العبادة إلا بالنية وغسل الجمعة عبادة ولم ينوه فلا يجزئ عنه. • ومن الأدلة على ذلك ما رواه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل علي أبو قتادة، وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: أغسلك هذا من جنابة؟ قلت: نعم، قال: أعد غسلا آخر، فإني سمعت النبي، ﷺ ، يقول: «من اغتسل يوم الجمعة، لم يزل طاهرا إلى الجمعة الأخرى» حسنه الشيح الألباني، وإسناده ضعيف فيه عنعنة يحيى بن أبي كثير، وهو مدلس، وله شاهد رواه الطحاوي في "معاني الآثار" عن يزيد بن أبي حبيب، أن مصعب بن ثابت، حدثه، أن ثابت بن أبي قتادة حدثه , أن أبا قتادة قال له: " اغتسل للجمعة , فقال: له قد اغتسلت للجنابة " وفيه مصعب ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا وروى عنه اثنان فهو مجهول الحال، والأثر يتقوى بهذين الطريقين وخاصة أن بعض العلماء احتمل تدليس يحيى بن أبي كثير. • وهذا الأثر دليل هنا بمنطوقه، وفي المسألة السابقة بقياس الأولى. مسألة - إن نوى رفع الحدثين أو الحدث وأطلق أو أمرا لا يباح إلا بوضوء وغسل أجزأ عنهما . وقوله: (أمرا لا يباح إلا بوضوء وغسل) كمس مصحف وطواف.

стр. 163

وقد سبق في باب نواقض الوضوء نقاش مسألة: هل يرتفع الحدث الأصغر مع الأكبر؟ وبينا أن الراجح أن من نوى رفع الحدث الأكبر فإنه يرتفع معه الحدث الأصغر سواء نواه أم لم ينوه، فراجعه هناك. ـ[و يسن الوضوء بمد ، وهو: رطل وثلث بالعراقي، وأوقيتان وأربعة أسباع بالقدسي. والاغتسال بصاع وهو: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وعشر أواق وسبعان بالقدسي. ويكره: الإسراف لا الإسباغ بدون ما ذكر. ويباح الغسل في المسجد ما لم يؤذ به، وفي الحمام إن أمن الوقوع في المحرم فإن خيف كره، وإن علم حرم .. ]ـ مسألة - يسن الوضوء بمد والاغتسال بصاع . قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٦٣): (ليس في حصول الإجزاء بالمد في الوضوء والصاع في الغسل خلاف نعلمه، وقد روى سفينة، قال: «كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء من الجنابة؛ ويوضئه المد» رواه مسلم. وروي أن قوما سألوا جابرا عن الغسل، فقال: يكفيك صاع. فقال رجل: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى شعرا منك، وخير منك. يعني النبي ﷺ متفق عليه. وفيه أخبار كثيرة صحاح). مسألة - المد هو: رطل وثلث بالعراقي، وأوقيتان وأربعة أسباع بالقدسي . المد هو ملء اليدين المتوسطتين من غير قبض ولا بسط. قال صاحب رسالة "المكاييل والموازين الشرعية" (ص/٣٦): (المد عند الجمهور يساوي رطل وثلث بالعراقي. فالمد عندهم: (٣٨٢.٥ × ١.٣٣٣ = ٥١٠) جرامًا). مسألة - الصاع هو: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وعشر أواق وسبعان بالقدسي . وقال: (الصاغ لغة: مكيال لأهل المدينة يسع أرعة أمداد. مقدار الصاع: عند الجمهور: (٥١٠ × ٤ = ٢.٠٤) كيلو جرام).

стр. 164

تنبيه: حرر الشيخ عطية محمد سالم في تتمة أضواء البيان وزع الصاع النبوي مكتل يسع ثلاثة كيلوجرامات ومائة جرام من الماء. وعلي ذلك يكون المد يساوي ٠.٧٧٥ جراما من الماء. مسألة - يكره: الإسراف في الماء . قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٦٥): (وإن زاد على المد في الوضوء، والصاع في الغسل، جاز؛ فإن عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، من قدح يقال له الفرق» رواه البخاري. والفرق ثلاثة آصع، وعن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد» رواه البخاري أيضا. ويكره الإسراف في الماء، والزيادة الكثيرة فيه؛ لما روينا من الآثار. وروى عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ مر بسعد، وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف؟. فقال أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار» (١) رواه ابن ماجه. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للوضوء شيطانا، يقال له ولهان، فاتقوا وسواس الماء» (٢). وكان يقال: من قلة فقه الرجل ولوعه بالماء). قال الشوكاني في "النيل" (١/ ٣١٤): (القدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر، سواء كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف). والقول بتحريم الإسراف هو الأولى لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ولقوله ﷺ فيما رواه عنه أحمد وغيره بإسناد حسن لغيره " يكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور " ويتأكد التحريم إذا كان مسبلا لكونه غير مأذون في الزيادة، كما أن الإسراف في

стр. 165

الماء يفتح الباب للوسوسة والزيادة على ثلاث مرات فيدخل في قوله ﷺ : " هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم " قاله بمن سأله عن الوضوء فتوضأ ثلاثا ثلاثا. مسألة - لا يكره الإسباغ بأقل من الصاع، أو المد . قال ابن ضويان في "المنار" (١/ ٤١): (هذا مذهب أكثر أهل العلم. قاله في الشرح لأن عائشة كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك رواه مسلم. وروى أبو داود والنسائي عن أم عمارة بنت كعب أن النبي ﷺ توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد). مسألة - يباح الغسل في المسجد ما لم يؤذ به . قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٠٥): (ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدا بوضوئه، ولم يبل موضع الصلاة. قال ابن المنذر أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، منهم: ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وأبو بكر بن محمد وابن عمر وابن حزم وابن جريج وعوام أهل العلم، قال: وبه نقول، إلا أن يبل مكانا يجتاز الناس فيه، فإني أكرهه، إلا أن يفحص الحصى عن البطحاء، كما فعل لعطاء وطاوس فإذا توضأ رد الحصى عليه، فإني لا أكرهه، وقد روي عن أحمد أنه يكرهه؛ صيانة للمسجد عن البصاق والمخاط وما يخرج من فضلات الوضوء). روى أحمد بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «حفظت لك أن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد». وتتأكد الإباحة في زماننا هذا عندما خصصت أماكن للوضوء وقضاء الحاجة بسهل الاغتسال فيها بدون إيذاء أو تلويث للمسجد أو خشية انكشاف العورة للغير. مسألة - يباح الغسل في الحمام إن أمن الوقوع في المحرم فإن خيف كره، وإن علم حرم . والحمام بالتشديد هو أماكن مخصوصة يعالج فيها الجسم بالبخار والحكم يدور مع علته، فإن كان الدخول لهذه الأماكن يؤدي للإطلاع على العورة أو غلب على الظن ذلك فلا يجوز دخولها وخاصة من النساء، روى أحمد وغيره بإسناد صحيح

стр. 166

عن عائشة ﵂ أنها فقالت: أنتن اللاتي تدخلن الحمامات، قال رسول الله ﷺ : " ما من امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها إلا هتكت سترا بينها وبين الله ". فإن خيف أو قصد التنعم كره، وإن أمن وتيقن عدم التلصص أبيح، فالوسائل لها أحكام المقاصد، وقد دخل بعض الصحابة الحمام ورخصوا فيه ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة أو قصد التنعم به وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر إنه كان يغتسل بالحميم وصح عن أبي هريرة وأبي الدرداء قولهم: (" نعم البيت الحمام يذهب الوسخ ويذكر النار " , يقول: " بئس البيت الحمام؛ لأنه يكشف عن أهله الحياء " واللفظ لأبي الدرداء ﵁. ـ [فصل في الأغسال المستحبة وهي ستة عشر: آكدها لصلاة جمعة في يومها لذكر حضرها ثم لغسل ميت ثم لعيد في يومه ولكسوف واستسقاء وجنون وإغماء ولاستحاضة لكل صلاة ولإحرام ولدخول مكة وحرمها ولوقوف بعرفة وطواف زيارة وطواف وداع ومبيت بمزدلفة ورمي جمار ويتيمم للكل لحاجة، ولما يسن له الوضوء إن تعذر .. ]ـ مسألة - يستحب الاغتسال استحبابا مؤكدا لصلاة جمعة في يومها لذكر حضرها . القول باستحباب غسل الجمعة هو قول جمهور العلماء حتى أن ابن عبد البر نقل الإجماع على عدم الوجوب، والقول بالوجوب رواية عن أحمد وهو قول الظاهرية. • وقد دلت بعض الأحاديث على انه واجب ومنها: ما رواه الشيخان عن: أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، وعن عبد الله بن

стр. 167

عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل». • وقد جاءت بعض الأدلة التي تصرفهذه الأوارم والأحاديث عن ظاهرها إلى الإستحباب ومن ذلك: ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» والحسن مدلس وقد عنعنه، ولكن للحديث شواهد عن عن جابر بن عبد الله، وأنس، وعبد الرحمن بن سمرة، وابن عباس، ومفرداتها لا تخلو من مقال إلا أن تتقوى بمجموعه طرقها. وجه الاستدلال: قال الخطابي في "معالم السنن" (١/ ١١١): (فبها قال الأصمعي معناه فبالسنة أخذ، وقوله ونعمت يريد ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة أو نحو ذلك، وفيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة وإن الغسل لها فضيلة لا فريضة). • ومنها منا رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا». وجه الاستدلال: قال ابن رجب في "الفتح": (٨/ ٨١): (وهذا يدل على أن الوضوء كافٍ، وأن المقتصر عليه غير أثمٍ ولا عاصٍ، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب). الترجيح: والمسألة فيها أقوال أخرى، والمسألة خلافية والترجيح فيها صعب إلا أنني أرى حتى على القول بالاستحباب فهو مؤكد تأكيدا شديدا وينبغي ألا يترك خروجا من الخلاف.

стр. 168

قوله: (في يومها) واليوم يبدأ من الفجر فلا يكون مصيبا لسنة الغسل يوم الجمعة من اغتسل لها قبل الفجر، قال المرداوي في "الإنصاف" (٢/ ٤٠٧): (الصحيح من المذهب: أن أول وقت الغسل: بعد الفجر وقطع به أكثر الأصحاب ... الصحيح من المذهب: أن أفضله كما قال المصنف والأفضل فعله عند مضيه إليها). قوله: (لذكر حضرها) قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٤٧): (محل الاستحباب، أو الوجوب حيث قلنا به أن يكون في يومها لحاضرها إن صلى). ثم قال: (الصحيح من المذهب: أن المرأة لا يستحب لها الاغتسال للجمعة. نص عليه). روى أبو داود وغيره عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " صحح إسناده ابن رجب في "الفتح"، وصححه الشيخ الألباني في "الإرواء". قال موفق الدين في "المغني" (٢/ ٢٥٨): (ومن لا يأتي الجمعة فلا غسل عليه قال أحمد: ليس على النساء غسل يوم الجمعة، وعلى قياسهن الصبيان والمسافر والمريض. وكان ابن عمر، وعلقمة، لا يغتسلان في السفر، وكان طلحة يغتسل وروي عن مجاهد، وطاوس، ولعلهم أخذوا بعموم قوله ﷺ : «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» وغيره من الأخبار العامة. ولنا قوله ﵇: «من أتى الجمعة فليغتسل» ولأن المقصود التنظيف، وقطع الرائحة حتى لا يتأذى غيره به، وهذا مختص بمن أتى الجمعة، والأخبار العامة يراد بها هذا، ولهذا سماه غسل الجمعة، ومن لا يأتيها لا يكون غسله غسل الجمعة، وإن أتاها أحد ممن لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم الخبر، ووجود المعنى فيه). مسألة - يستحب الاغتسال لغسل ميت . وقد دل ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من غسل ميتا، فليغتسل» على وجوب الغسل، إلا أن هذا الحديث مختلف في وقفه ورفعه وعلى فرض ثبوته فالأمر فيه ليس للإيجاب بدليل

стр. 169

ما رواه الدارقطني وغيره عن نافع , عن ابن عمر , قال: «كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل» وصحح إسناده الحافظ في التلخيص. وما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس، قال: " ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه إن ميتكم لمؤمن طاهر وليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم " قال الأرناؤوط: (وسنده جيد، وهو عند الحاكم مرفوع وصححه، وعند البيهقي موقوف، ورواية الوقف أصح). إلى غير ذلك من صوارف الأمر من الوجوب للاستحباب وهذه المسألة قد سبق نقاشها عند مسألة (من نواقض الوضوء غسل الميت أو بعضه) فانظرها. مسألة - يستحب الاغتسال لعيد في يومه . قال ابن رجب في "الفتح" (٨/ ٤١٥): (الغسل للعيدين، وقد نص أحمد على استحبابه. وحكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ. وكان ابن عمر يفعله ... وممن روي عنه الغسل للعيد - أيضا - من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والسائب بن يزيد). ولم يثبت فيه شيء من المرفوع، والاستحباب هو القول الراجح لفعل هؤلاء الصحابة. وقوله: (لعيد في يومه) ظاهر كلامه أن الاغتسال لليوم وليس للصلاة وأن وقته يبدأ من بداية اليوم وهو طلوع الفجر الثاني، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٤٨): (وقت مسنونية الغسل: من طلوع فجر يوم العيد، على الصحيح من المذهب). وقد ناقش الشيخ الدبيان هذه المسألة في موسوعة الطهارة (١١/ ٢٣٣) ورجح أن الغسل يتأكد عند الاجتماع للصلاة ولا يفوت بفوت الغسل لها لأن يوم العيد يوم يشرع فيه التزين والاجتماع مع الأهل. مسألة - يستحب الاغتسال لكسوف واستسقاء . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٤٨): (ووقت الغسل للاستسقاء: عند إرادة الخروج للصلاة. والكسوف: عند وقوعه).

стр. 170

ولم أجد دليلا لمن قال بالاستحباب لا من فعل النبي ﷺ ولا من فعل الصحابة ﵃، وغابة الأمر أن الغسل عندهم معلل، وهو من أجل الاجتماع وإزالة الرائحة الكريهة، ولم نلتزم هذا التعليل لأن من لازمه أنه إن لم يكن هناك رائحة غير طيبة فلا يشرع الاغتسال، ومن لازمه أيضا القول باستحباب الغسل لكل صلاة، وعلى ذلك فالأقوى عدم استحباب الغسل للكسوف والاستسقاء لعدم الدليل على ذلك كما أن إزالة الروائح الكريهة تكون بالطيب وبتغيير الملابس وغير ذلك، فإن تعين إزالتها بالاغتسال فلا شك أن إزالة الذي مرغب فيه. قال الشيخ الحمد في "شرح الزاد": (وأما كونه يستحب له أن يغتسل فلا دليل عليه من فعل النبي ﷺ ولا من فعل أصحابه كما بين ذلك ابن قيم الجوزية. فاستحباب الحنابلة للاغتسال له لا دليل عليه، وقد خرج النبي ﷺ في الحديث المتقدم -: "متواضعاً متبذلاً " أي غير متزين في الهيئة " متخشعاً " أي مظهراً للخشوع " مترسلاً " أي على رسله في مشيه ﵇، ففيه استحباب ترك الزينة والغسل فيها، ألا أن يكون الأذى لا يزول إلا باغتسال فإنه ولا شك يستحب الاغتسال لإزالة الأذى الذي يؤذي المؤمنين عند اجتماعهم). مسألة - يستحب الاغتسال لجنون وإغماء . قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ٤٣): (لأنه ﷺ اغتسل من الإغماء متفق عليه. ولا يجب، حكاه ابن المنذر إجماعاً، قاله في الشرح). وقد اختلف العلماء في بيان علة اغتساله ﷺ في مرض موته، هل من أجل الإغماء أم للتنشط للصلاة، والأقوى أنه من أجل الحمى فهو من باب التداوي فكان ﷺ يريد أن ينشط للصلاة ولكي يعهد للناس فروى الشيخان عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الحمى من فور جهنم فأبردوها عنكم بالماء».

стр. 171

الترجيح: والأقرب أنه ليس ثمَّ دليل على استحباب الاغتسال بعد زوال العقل بجنون أو إغماء إلا أن يكون أجنب في ذلك الوقت فيجب عليه الغسل، والاستحباب حكم شرعي يحتاج لدليل، وقد سبق بيان أن علة اغتسال النبي ﷺ لم يكن من أجل الإغماء. مسألة - يستحب الاغتسال المستحاضة لكل صلاة . روى الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ فقالت: إني أستحاض فقال: «إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة " قال الليث بن سعد: «لم يذكر ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ولكنه شيء فعلته هي». وعمدة من ذهب لاستحباب اغتسالها لكل صلاة ما ورد في بعض طرق الحديث أن النبي ﷺ هو الذي أمرها بالاغتسال لكل صلاة، ثم جمعوا بين أحاديث الأمر مع أحاديث الاكتفاء بالأمر بالغسل مرة واحدة فقط عند انقطاع الحيض بأن الاغتسال لكل صلاة على الاستحباب. وما ورد من أن النبي ﷺ هو الذي أمر للمستحاضة بأن تغتسل لكل صلاة غير محفوظ، وبعض رواياته شاذة والبعض الآخر لا يثبت، وقد مال إلى تقويتها الشيخ الألباني. والخلاف بين الصحابة في هذه المسألة محفوظ، فمنهم من يرى أن عليها الاغتسال لكل صلاة، ومنهم من يرى أن عليها الاغتسال لكل صلاتين مجموعتين جمعا صوريا وللفجر مرة بمفرده، ومنهم من يرى الاغتسال مرة واحدة كل يوم، ومنهم من يرى أن الاغتسال إنما يكون فقط عند إدبار الحيضة، وأقوال الصحابة لا حجة لبعضهم على بعض عند الاختلاف. الترجيح: الثابت هو أمر النبي ﷺ لها أن تغتسل عند انقطاع الحيض، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، ولذلك فالواجب عليها الاغتسال مرة واحدة فقط

стр. 172

، ثم كانت تغتسل من عند نفسها لكل صلاة ولذا لم يوجب ذلك أحد من الأئمة وإنما هو عندهم على الاستحباب، وسوف يأتي الكلام على أحكام المستحاضة قريبا بإذن الله تعالى. مسألة - يستحب الاغتسال لإحرام . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٠): (ظاهر قوله (والغسل للإحرام) دخول الذكر والأنثى، والطاهر والحائض والنفساء، وهو صحيح، صرح به الأصحاب). وقال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ٤٣): (بحج أو عمرة، لحديث زيد بن ثابت أنه رأى النبى ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل رواه الترمذي وحسنه) وهذا الحديث إسناده ضعيف إلا أن له شواهد يتقوى بها. مسألة - يستحب الاغتسال لدخول مكة وحرمها . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٠): (قال في المستوعب وغيره: يستحب الغسل لدخول مكة. ولو كانت حائضا، أو نفساء. وقال الشيخ تقي الدين: لا يستحب لها ذلك). والدليل على الاستحباب ما رواه الشيخان عن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄ «إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طُوى، ثم يصلي به الصبح، ويغتسل»، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك). قال ابن بطال في "شرح البخاري" (٤/ ٢٦٠): (قال ابن المنذر: الاغتسال لدخول مكة مستحب عند جميع العلماء، إلا أنه ليس فى تركه عامدًا عندهم فدية، وقال أكثرهم: الوضوء يجزئ منه، وكان ابن عمر يتوضأ أحيانًا ويغتسل أحيانًا). الترجيح: ومحل القول باستحباب الغسل إن طال الزمن بين غسل الإحرام ودخول مكة كما كان يحدث قديما، أما إن اقترب الزمن كما في أيامنا هذه فقد يكون بين غسله للإحرام ودخوله مكة ساعة تقريباً فلا وجه لإعادة الاغتسال مرة أخرى هنا لعدم الحاجة إلى ذلك فضلا عن القول باستحبابه.

стр. 173

مسألة - يستحب الاغتسال لوقوف بعرفة . قال ابن ضويان (١/ ٤٣): (لما روى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة. ولأنه يروى عن علي، وابن مسعود). وأثر علي ﵁ أخرجه الشافعي في "المسند" وغيره من طريق زاذان قال: سأل رجل عليا ﵁ عن الغسل فقال: «اغتسل كل يوم إن شئت»، فقال: الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر» وإسناده صحيح. وأثر عبد الله ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" بإسناد ضعيف فيه عنعنة الأعمش وهو مدلس عن عبد الله: أنه اغتسل ثم راح إلى عرفة. مسألة - يستحب الاغتسال لطواف زيارة، وطواف وداع، ولمبيت بمزدلفة، ولرمي جمار . علله ابن ضويان (١/ ٤٤) بقوله: (لأن هذه كلها أنساك يجتمع لها، فاستحب لها الغسل قياساً على الإحرام ودخول مكة). والراجح أنه لا يستحب الاغتسال لما ذكر، قال تقي اليدن في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٣٢): (الغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة فلا أصل له لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة: لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه. بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها). ـ[ويتيمم للكل لحاجة، ولما يسن له الوضوء إن تعذر .. ]ـ مسألة - يتيمم لما يسن له الاغتسال لحاجة .

стр. 174

والمقصود أنه يستحب التيمم بدلا عن الأغسال المستحبة السابقة عند الحاجة كعدم الماء، أو لتعذر الوصول إليه كأن يحول بينك وبين الماء عدو، أو سبع، أو لعدم وجود آلة استخراجه من البئر مثلا (١). والراجح أنه لا يشرع له التيمم في هذه الحالة. قال موفق الدين في "المغني" (٣/ ٢٥٧): (فإن لم يجد ماء، لم يسن له التيمم. وقال القاضي: يتيمم؛ لأنه غسل مشروع، فناب عنه التيمم، كالواجب. ولنا، أنه غسل مسنون، فلم يستحب التيمم عند عدمه، كغسل الجمعة، وما ذكره منتقض بغسل الجمعة ونحوه من الأغسال المسنونة، والفرق بين الواجب والمسنون، أن الواجب يراد لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصل هذا، بل يزيد شعثا وتغييرا، ولذلك افترقا في الطهارة الصغرى، فلم يشرع تجديد التيمم، ولا تكرار المسح به). مسألة - يتيمم لما يسن له الوضوء إن تعذر . والمقصود أنه يستحب التيمم لما يسن له الوضوء كقراءة القرآن والذكر عند تعذر الوضوء كالمريض والجريح والعاجز عن أن يمس الماء بشرته (٢). قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٥٢): (يتيمم لما يستحب الوضوء له لعذر، على الصحيح من المذهب. وظاهر ما قدمه في الرعاية: أنه لا يتيمم لغير عذر. قال في الفروع: وتيممه عليه أفضل الصلاة والسلام يحتمل عدم الماء. قال: ويتوجه احتمال في رده السلام عليه أفضل الصلاة والسلام، لئلا يفوت المقصود، وهو رده على الفور. وجوز المجد وغيره: التيمم لما يستحب له الوضوء مطلقا؛ لأنها مستحبة، فخف أمرها) والراجح وهو القول الصحيح في المذهب أن التيمم هنا كان لعذر. ودليل المسألة ما رواه الشيخان عن أبي الجُهَيْمِ الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد

стр. 175

عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇». ويجمع بين تيممه هنا وتوضؤه فيما رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ، أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو قال: على طهارة " كما قال ابن بطال وغيره أنه ﷺ لم يكن له سبيل إلى الوضوء بالماء، وهذا التوجيه موافق لما عنون به الماتن من جواز التيمم في حال العذر، وهو الموافق لشروط التيمم كما سيأتي قريبا بإذن الله تعالى. ـ [باب التيمم ويصح بشروط ثمانية: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، والاستنجاء أو الاستجمار. السادس: دخول وقت الصلاة فلا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها ولا لنافلة وقت نهي. السابع: تعذر استعمال الماء إما لعدمه أو لخوفه باستعماله الضرر. ويجب بذله لعطشان من آدمي أو بهيمة محترمين. ومن وجد ماء لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوبا ثم تيمم. وإن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد خروجه عدل إلى التيمم وغيره لا ولو فاته الوقت. ومن في الوقت أراق الماء أو مر به وأمكنه الوضوء ويعلم أنه لا يجد غيره حرم ثم إن تيمم وصلى لم يعد. وإن وجد محدث ببدنه وثوبه نجاسة ومعه ماء لا يكفي وجب غسل ثوبه ثم إن فضل شيء غسل بدنه ثم إن فضل شيء تطهر به، وإلا تيمم. ويصح التيمم لكل حدث وللنجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن فإن تيمم لها قبل تخفيفها لم يصح .. ]ـ

стр. 176

ـ[الثامن: أن يكون بتراب طهور مباح غير محترق له غبار يعلق باليد فإن لم يجد ذلك صلى الفرض فقط على حسب حاله ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ ولا إعادة .. ]ـ مسألة - من شروط التيمم: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، والاستنجاء أو الاستجمار . وهذه الشروط سبق الكلام عنها مرارا، فلا داعي لإعادة الكلام عنها مرة أخرى. فائدة (١): فرق الحنفية بين الوضوء والتيمم في اشتراط النية، فقالوا لا يشترط النية في الوضوء، وتشترط في التيمم، وذكروا لهذا التفريق وجوها منها: الأول - أن التيمم في اللغة القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة. الثاني - الماء مطهر بنفسه فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث. ويجاب عن هذا بجوابين: الأول - أن يقال وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد، فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود. الثاني - لا نسلم أن التراب غير مطهر، بل هو مطهر للحدث والخبث جميعا، والدليل على أنه مطهر للحدث قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله صلى لله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث أبي ذر ﵁ مرفوعا: (إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك). فهذه الأدلة وغيرها دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الإستجمار، وطهارة النعل بالتراب وطهارة ذيل المرأة، فالقول

стр. 177

بأن التراب غير مطهر بنفسه مخالف للنصوص. وكون التيمم في اللغة القصد إن دل على اشتراط النية للتيمم فهو لا ينفي النية عن الوضوء، وقد سبق بيان الراجح في هذه المسألة. فالصواب اشتراط النية للوضوء والتيمم جميعا. مسألة - من شرط التيمم دخول وقت الصلاة فلا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها ولا لنافلة وقت نهي . هذه المسألة مبينة على الخلاف في كون التيمم مبيح أم رافع، والمذهب أنه مبيح. وعلى القول بأنه رافع: فيجوز ذلك كما في كل وقت. وعندنا في المسألة ثلاثة مذاهب من قال أن التيمم مبيح أي أن المتيمم يمكنه الصلاة والطواف وفعل العبادات التي يلزم لها الطهارة مع كونه لا يزال ملتبسا بالحدث إلى أن يجد الماء فيرفعه به، وعكسه أن التيمم رافع للحدث كالماء، والراجح أن التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا لحين وجود الماء، وهو قول في المذهب واختيار تقي الدين، وهو قول الحنفية، وأحد قولي المالكية، وهو الراجح. وقد حاول البعض جعل الخلاف لفظيا بين القولين الأول والثالث بناء على أنهما اتفقا على بطلان التيمم عند القدرة على استعمال الماء، والصحيح أن الخلاف معنوي ويترتب عليه مسائل كثيرة ومنها (١): - جواز وطء الحائض إذا طهرت، وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه يرفع الحدث يجوز وطؤها قبل الاغتسال، والعكس بالعكس. ومنها-إذا تيمم ولبس الخفين، فعلى أن التيمم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوضوء بعد ذلك، والعكس بالعكس. ومنها - ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن من أن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الغسل، فالظاهر أنه بناه على رفع الحدث بالتيمم، لكن هذا القول ترده الأحاديث المتقدمة، وإجماع المسلمين قبله، وبعده على خلافه. ومنها - هل يقوم التيمم مقام الماء فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت،

стр. 178

ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلي بالماء؟ ومنها - هل خروج الوقت مبطل للتيمم أو يكون بمنزلة الماء؟ قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ٣٦٧): (التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا لا كليا، وهذا لا مانع منه عقلا ولا شرعا، وقد دلت عليه الأدلة؛ لأن صحة الصلاة به المجمع عليها يلزمها أن المصلي غير محدث، ولا جنب لزوما شرعيا لا شك فيه. ووجوب الاغتسال، أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضا يلزمه لزوما شرعيا لا شك فيه، وأن الحدث مطلقا لم يرتفع بالكلية، فيتعين الارتفاع المؤقت. هذا هو الظاهر). • نعود إلى مسألتنا: استدل ابن ضويان وغيره لكون التيمم للصلاة لا يصح قبل وقتها بحديث أبي أمامة مرفوعاً: "جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده، وعنده طهوره" رواه أحمد. وجه الإستدلال: قوله في الحديث: (أدركته الصلاة) أي أدركه وقت الصلاة، فهذا دليل على ان التيمم لا يكون إلا بعد دخول الوقت. مناقشة: ونوقش بأننا لابد من التفريق بين سبب الوجوب وشرط الوجوب، فالعبادات لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ولكن يجوز تقديمها على شرط الوجوب ومسألتنا من الثانية لا الأولى فجاز تقديمها. قال الشيخ الزحيلي في "القواعد الفقهية" (٢/ ٨٣٨): (السبب: هو ما ارتبط به غيره وجوداً وعدماً، فيلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدم الحكم، فالسبب هو الموجب للحكم، ولذلك لا تصح العبادات كلها، سواء كانت بدنية، أو مالية، أو مرغبة منهما، قبل وجود السبب، ولا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، فدخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، فلا تصح قبل وقتها، وملك النصاب هو سبب وجوب الزكاة، فلا يصح تقديم الزكاة قبل أن يتم النصاب.

стр. 179

والشرط: هو ما ارتبط به غيره عدماً لا وجوداً، فإذا عدم الشرط عدم الحكم، لكن إن وجد الشرط قد يوجد الحكم وقد لا يوجد، فالوضوء شرط للصلاة، فإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إن وجد الوضوء فقد توجد الصلاة وقد لا توجد، ولذلك يجوز تقديم الشرط وهو الوضوء عن الصلاة، فيقدم الوضوء علي إرادة الصلاة، مع أن الوضوء لا يجب إلا بعد إرادة الصلاة لقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ... ). قال ابن رجب في "القواعد الفقهية" (ص/٦): ("العبادات كلها لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها" العبادات كلها سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل الوجوب أو قبل شرط الوجوب ويتفرع على ذلك مسائل كثيرة: (منها) الطهارة سبب وجوبها الحدث وشرط الوجوب فعل العبادة المشترط لها الطهارة فيجوز تقديمها على العبادة ولو بالزمن الطويل بعد الحدث ... (ومنها) زكاة المال يجوز تقديمها من أول الحول بعد كمال النصاب ... ). الترجيح: ومما سبق يتضح أن الراجح أن التيمم يجوز تقدمه قبل دخول وقت الصلاة. ومما يدل على ذلك: حديث أبي ذر ﵁ مرفوعا: (إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك) ولم يفرق بين كونه قبل الوقت أو بعده، وإنما علق جوازه بعدم الماء، لا بالوقت، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين حاله قبل الوقت أو بعده. مسألة - من شروط التيمم: تعذر استعمال الماء إما لعدمه أو لخوفه باستعماله الضرر . قال ابن ضويان (١/ ٤٥): ("تعذر استعمال الماء إما لعدمه" لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ الآية، وقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الصعيد

стр. 180

الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير" صححه الترمذي. "أو لخوفه باستعماله الضرر" لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية. ولحديث صاحب الشجة. وعن عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد). وأما الآية فقال البعض أنها مقيدة بالسفر قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) الآية وهو قول في المذهب اختاره الخلال، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٦٤): (العجز عن استعمال الماء لعدمه) أن العدم سواء كان حضرا أو سفرا، وسواء كان العادم مطلقا أو محبوسا، وهو صحيح، وهو المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. وقيل: لا يباح التيمم للعدم، إلا في السفر. اختاره الخلال). قال الدبيان في "موسوعة الطهارة" (١٢/ ١٠٣): (وأجيب بأن الله ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر قليل، ومثله السفر في آية الرهن، قال تعالى: (﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وليس السفر بشرط للرهن، فإن جاز الرهن في الحضر، جار التيمم في الحضر أيضا). ومن الأدلة على جواز التيمم في الحضر أن النبي ﷺ تيمم في الحضر لرد السلام كما سبق، فإن جاز التيمم لرد السلام مع أن الطهارة ليست شرطا ولا واجبة لرد السلام، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى. وحديث صاحب الشجة رواه أبو داود وغيره لفظه عنده عن جابر ﵁ أنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر - أو» يعصب «شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، والحديث حسنه بالشواهد الشيخ الألباني دون
следующие страницы →