← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36194

التحرير شرح الدليل - كتاب الطهارة

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (269 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

متنجسا، وكما سبق في باب المياه أن تغير أحد أوصاف الماء بالنجاسة علامة على تنجس الماء، وأنه لا يطهر حتى تزول جميعها، وروى ابن المنذر في "الأوسط" عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا أصاب ثوبه دم غسله , فإن لم يذهب قرضه بالمقراض " ورواته ثقات. مسألة- يجزئ في بول غلام لم يأكل طعاما لشهوة نضحه وهو غمره بالماء . قوله: (لشهوة) أي باختياره وإرادته. قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٨): (قال أحمد: الصبي إذا طعم الطعام، وأراده، واشتهاه، غسل بوله، وليس إذا أطعم؛ لأنه قد يلعق العسل ساعة يولد، والنبي ﷺ حنك بالتمر. ولكن إذا كان يأكل ويريد الأكل، فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعاما يوجب الغسل، وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه، هو الموجب لغسل بوله). قوله: (نضحه) أي رشه والمقصود أنه لا يجب عليه غسله. قال ابن قاسم في "حاشيته" (١/ ٣٥٦): (النضح في الأصل الرش والبل، فالذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره). • والذي اختاره الماتن هو الراجح واستدل له ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٨) فقال: (ولنا ما روت أم قيس بنت محصن «، أنها أتت بابن، لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله.» وعن عائشة ﵂ قالت «، أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله، ولم يغسله». متفق عليهما. وعن لبابة بنت الحارث قالت: «كان الحسين بن علي في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوبا آخر، وأعطني إزارك حتى أغسله. فقال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الغلام الذكر». رواه أبو داود. وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل». قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسل بولهما. رواه الإمام أحمد في مسنده).

стр. 212

فائدة - علة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية: قال ابن القيم في "تحفة المودود" (ص/٢١٦): (وقد فرق بين الغلام والجارية في المعنى بعدة فروق أحدها أن بول الغلام يتطاير وينشر هاهنا وهاهنا فيشق غسله وبول الجارية يقع في موضع واحد فلا يشق غسله الثاني أن بول الجارية أنتن من بول الغلام لأن حرارة الذكر أقوى وهي تؤثر في إنضاج البول وتخفيف رائحته الثالث أن حمل الغلام أكثر من حمل الجارية لتعلق القلوب به كما تدل عليه المشاهدة فإن صحت هذه الفروق وإلا فالمعول على تفريق السنة). • وفي زيادات أبي الحسن بن سلمة القطان على سنن ابن ماجه تفريق آخر منسوب للشافعي ﵀، قال أبو الحسن حدثنا أحمد بن موسى بن معقل قال: حدثنا أبو اليمان المصري، قال: سألت الشافعي، عن حديث النبي ﷺ «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعا واحد» قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: «فهمت؟» أو قال: «لقنت؟» قال، قلت: لا. قال: " إن الله تعالى، لما خلق آدم، خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم. قال، قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال لي: نفعك الله به)، وأبو اليمان المصري صوابه (أبو لقمان) قال عنه الخطيب: (كان ضعيفا، يروى المنكرات عن الثقات) وهذا الإسناد ضعفه الشيخ الألباني وانظر الضعيفة (١٣/ ١١٤٠). مسألة - يجزئ في تطهير صخر وأحواض وأرض تنجست بمائع ولو من كلب أو خنزير مكاثرتها بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها . تنبيه - خصص الماتن النجاسة التي تطهر بالمكاثرة هنا بالمائع وذلك لأن النجاسة المائعة هي التي تطهر بالمكاثرة، بخلاف ما له جزم أو ما يلتصق بالمحل فإنه يجب إزالة عينها. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣١٦): (وإن أصابت النجاسة محلا لا يتشرب بها، كالآنية ونحوها، طهر بمرور الماء عليه، وانفصاله عنه، وإن لصقت به النجاسة وجب مع ذلك إزالتها).

стр. 213

وقال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٢٢٧): ((و) يجزئ (في نحو) (صخرة وأجرنة) صغار مبنية أو كبيرة مطلقا. قاله في الرعاية " وأحواض وحيطان وأرض تنجست بمائع (أو) بنجاسة (ذات جرم أزيل) ذلك الجرم (عنها ولو من كلب أو خنزير مكاثرتها بماء حتى يذهب لون نجاسة وريحها)). • والدليل على ما ذهب إليه الماتن ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء». مسألة - لا تطهر الأرض بالشمس والريح والجفاف . واستدلوا على ذلك بحديث بول الأعرابي السابق، ومرادهم أنه لو كانت تطهر بالجفاف، أو بالريح لما أمر النبي بصب الماء عليها. ونوقش بأنه ﷺ أستعجل التطهير لكونه مسجدا، كما أنه ليس في الحديث ما يدل على نفي الطهارة بالجفاف، أو بالريح. الترجيح: الراجح أن الأرض تطهر بالشمس، بالريح، أو بالجفاف، وذلك لأن المقصود من التطهير إزالة عين النجاسة وأثرها، فبزوالها يزول حكمها، وهذا حاصل بالشمس والريح. قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (١/ ١٥٠): (قال أبو البركات بن تيمية: "وهذا كله يقوى طهارة الأرض بالجفاف، لأن الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة من طرقاته التي يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفى بعد ذلك، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك. ويعضده أمره ﵊ بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثاً، ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك، لأنه يسلكه الحافى وغيره". قلت: وهذا اختيار شيخنا ﵀.

стр. 214

مسألة - لا تطهر النجاسة بالنار . • وهذه المسألة أحد صور مسألة الاستحالة، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣١٨): (قوله (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، ولا بنار أيضا إلا الخمرة)، هذا المذهب بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب، ونصروه). • والاستحالة معناها التحول من حالة إلى حالة كتحول الدم والصديد واللحم في الميتة إلى تراب وكتحول الروث النجس إلى رماد، والميتة التي تسقط في أرض ملح فتصير ملحا، وهكذا. • والمذهب أن الاستحالة غير مطهرة إلا في الخمرة كما سيأتي، ومما يستدلون به على ذلك حديث الجلالة والنهي عن أكلها وعن شرب ألبانها. وهو حجة عليهم فأكل النجاسة أحال الطيب إلى خبيث، كما أنهم يقولون أنها إن حبست ثلاثة أيام طهرت، والسبب في ذلك الاستحالة أيضا. • والراجح أن الاستحالة مطهرة وأن النجاسة إذا تحولت بالنار إلى رماد فإنها تطهر. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٧٠): (وأما دخان النجاسة فهذا مبنى على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك ففيه للعلماء قولان أحدهما لا يطهر كقول الشافعى وهو أحد القولين في مذهب مالك وهو المشهور عن أصحاب أحمد وإحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى أنه طاهر وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك في أحد القولين وأحدى الروايتين عن أحمد ومذهب أهل الظاهر وغيرهم أنها تطهر وهذا هو الصواب المقطوع به فان هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى فليست محرمه ولا في معنى المحرم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل فإنها من الطيبات وهى أيضا في معنى ما اتفق على حله فالنص والقياس يقتضى تحليلها وأيضا فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلا بفعل الله تعالى صارت حلالا طيبا واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر والذين فرقوا بينهما قالوا الخمر نجست بالاستحالة فطهرت

стр. 215

بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وهذا الفرق ضعيف فان جميع النجاسات نجست أيضا بالاستحالة فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوقة وأيضا فإن الله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها وصف الطيب فإذا عرف هذا فعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث). مسألة - تطهر الخمرة بإنائها إذا انقلبت خلاً بنفسها . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣١٩): (الصحيح من المذهب: أن الخمرة إذا انقلبت بنفسها تطهر مطلقا، نص عليه. وعليه الجمهور). ثم قال: (اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب. وعليه الأصحاب ... فعلى المذهب: لو خالف وفعل: لم تطهر على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه). قوله: (بإنائها) أي أن شرط التخلل المطهر إذا كان بلا نقل من زق لزق، ولم يكتف به للدلالة على تخللها بنفسها فأكده بقوله: (بنفسها) وذلك لأنها قد تتخلل قصدا وهي في إنائها كما لو كشف الزق فتخللت بشمس أو بظل. قال المرداوي: (وعلى المذهب أيضا: لو خللت بنقلها من الشمس إلى الظل، أو بالعكس، أو فرغ من محل إلى محل آخر، أو ألقى جامدا فيها: ففيه وجهان. إحداهما: لا تطهر، وهو المذهب). الأدلة: والراجح أن الخمر إذا تخللت بنفسها، فإنها تطهر باتفاق الأئمة كما قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (١/ ٤٤١): (لو انقلبت الخمرة خلا بغير قصد آدمي، فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة). وأما إن تخللت بفعل فاعل فإنه يأثم لما رواه مسلم في "صحيحه" عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلا، فقال: «لا»،

стр. 216

والراجح أنها تطهر ولكن لا يجوز أكلها، فقد روى أبو عبيد في "الأموال" وغيره عن أسلم، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تأكل خلا من خمر أفسدت، حتى يبدأ الله بفسادها، وذلك حين طاب الخل، ولا بأس على امرئ أصاب خلا من أهل الكتاب أن يبتاعه، ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها) ورواته ثقات. مسألة - إذا خفي موضع النجاسة غسل حتى يتيقن غسلها . المقصود أنه مثلا إن علم أنها في أحد الكمين ونسيه فهنا يغسلهما جميعا ليخرج من العهدة بيقين. ولكن هذا الإطلاق الذي في عبارته مقيد بالصحراء. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٢٢): (قوله (وإذا خفي موضع النجاسة: لزمه غسل ما تيقن به إزالتها) أطلق العبارة كأكثر الأصحاب. ومرادهم: غير الصحراء ونحوها). والمعنى أنه إن خفيت النجاسة في الصحراء أو حوش واسع ونحوهما فإنه لا يجب غسل جميعه ويصلي فيه بلا تحر، وهذا بناء على القول بأن الأرض لا تطهر بالشمس والريح والجفاف، وقد سبق بيان أن الراجح طهارتها بما ذكر. قوله: (حتى يتيقن غسلها) والصحيح أنه يكفى غلبة الظن كما نسبه المرداوي لتقي الدين. ـ [فصل المسكر المائع وكذا الحشيشة وما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة نجس، وما دونها في الخلقة كالحية والفار والمسكر غير المائع فطاهر. وكل ميتة نجسة غير ميتة الآدمي والسمك والجراد وما لا نفس له سائلة كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث. وما أكل لحمه ولم يكن أكثر علفه النجاسة فبوله وروثه وقيئه ومذيه ومنيه ولبنه طاهر، وما لا يؤكل فنجس إلا مني الآدمي ولبنه فطاهر. والقيح والدم والصديد نجس لكن يعفى في الصلاة عن يسير منه لم ينقض الوضوء إذا كان من حيوان طاهر في الحياة ولو من دم حائض .. ]ـ

стр. 217

ـ[ويضم يسير متفرق بثوب لا أكثر. وطين شارع ظنت نجاسته وعرق وريق من طاهر، طاهر. ولو أكل هر ونحوه من الحيوانات الطاهرات كالنمس، والفأرة، والقنفذ أو طفل نجاسة ثم شرب من مائع لم يضر. ولا يكره سؤر حيوان طاهر وهو فضلة طعامه وشرابه .. ]ـ مسألة - المسكر المائع نجس . كالخمر ونحوه مما فيه شدة مطربة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ٤٢٦): (يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين؛ لأن الله تعالى قال إنها: (رِجْسٌ)، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن. قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، وكقوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]، بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول وأهلها يصدعون، أي يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها، وقوله: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾، على قراءة فتح الزاي مبنيا للمفعول، فمعناه: أنهم لا يسكرون ... وعلى قراءة ينزفون بكسر الزاي مبنيا للفاعل، ففيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أنه من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر، وهذا القول معناه راجع إلى الأول. والثاني: أنه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم. وجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين لما ذكرنا، وخالف في ذلك ربيعة، والليث، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين، كما

стр. 218

نقله عنهم القرطبي في «تفسيره». واستدلوا لطهارة عينها بأن المذكورات معها في الآية من مال ميسر، ومال قمار، وأنصاب، وأزلام ليست نجسة العين، وإن كانت محرمة الاستعمال. وأجيب من جهة الجمهور بأن قوله: (رِجْسٌ)، يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخرجه إجماع، أو نص خرج بذلك، وما لم يخرجه نص ولا إجماع لزم الحكم بنجاسته؛ لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصص من المخصصات، لا يسقط الاحتجاج به في الباقي، كما هو مقرر في الأصول ... واعلم أن ما استدل به سعيد بن الحداد القروي على طهارة عين الخمر بأن الصحابة أراقوها في طرق المدينة؛ ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك؛ ولنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، كما نهاهم عن التخلي في الطرق، لا دليل له فيه، فإنها لا تعم الطرق، بل يمكن التحرز منها؛ لأن المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر كثيرة جدا بحيث تكون نهرا أو سيلا في الطرق يعمها كلها، وإنما أريقت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها، قاله القرطبي، وهو ظاهر). مسألة - الحشيشة نجسة . الحشيش هو نوع من ورق نبات الْقِنَّب الهندي. وقد تكلم الماتن بعد قليل عن المسكر غير المائع، فأرى أنه حتى يجتمع هذه المسألة أن أتكلم عن هاتين المسألتين معا في هذا الموضع. مسألة - المسكر غير المائع طاهر . مثل لهذا النوع ابن أبي تغلب في "نيل المآرب" بجوزة الطيب. تحرير قول الماتن: لعل الجمع بين المسألتين حتى لا يكن بينهما تعارض أنه ﵀ يختار أن الحشيشة المائعة نجسة دون الجامدة، وهذا هو ظاهر عبارته الأولى، إلا أن الماتن لما كان يختار الروايات الصحيحة في المذهب فلازمه أنه يرى أن الحشيشة المسكرة نجسة وإن كانت جامدة دون غيرها من باقي المسكرات غير المائعة وسوف يأتي عرض الفروق بينهما قريبا بإذن الله - تعالى -.

стр. 219

قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٢٠): (الحشيشة المسكرة نجسة على الصحيح، اختاره الشيخ تقي الدين. وقيل: طاهرة، قدمه في الرعاية، والحواشي. وقيل: نجسة إن أميعت، وإلا فلا). • فائدة - الفرق بين الحشيشة وغيرها من المسكرات الغير مائعة: عندنا الآن على كلام الماتن ثلاثة أنواع لجنس واحد وهو المسكر، وهي: مسكر مائع كالخمر، ومسكر غير مائع وهو نجس كالحشيشة، ومسكر غير مائع وهو طاهر كجوزة الطيب. هنا نجد أن الماتن سوى بين الأنواع الثلاثة في الإسكار وفرق بينها في الطهارة والنجاسة. وهذا التفريق يفهم من كلام تقي الدين في "الفتاوي" وسوف أعرض قبل أن أذكره لكلام القرافي. قال القرافي "الفروق" (١/ ٢١٧): "الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات) هذه القواعد الثلاث قواعد تلتبس على كثير من الفقهاء والفرق بينها أن المتناول من هذه إما أن تغيب معه الحواس أو لا فإن غابت معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد وإن لم تغب معه الحواس فلا يخلو إما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند غالب المتناول له أو لا فإن حدث ذلك فهو المسكر وإلا فهو المفسد فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر وَالْمِزْرِ وهو المعمول من القمح وَالْبِتْعِ وهو المعمول من العسل وَالسُّكْرُكَةِ وهو المعمول من الذرة. والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالْبَنْج (١). فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقام من الأعداء والمنافسة في العطاء وأخلاق الكرماء. وبهذا الفرق يظهر لك أن الحشيشة مفسدة وليست مسكرة لوجهين أحدهما أنا نجدها تثير الخلط الكامن في الجسد كيفما كان فصاحب الصفراء تحدث له حدة

стр. 220

وصاحب البلغم تحدث له سباتا وصمتا وصاحب السوداء تحدث له بكاء وجزعا وصاحب الدم تحدث له سرورا بقدر حاله فتجد منهم من يشتد بكاؤه ومنهم من يشتد صمته وأما الخمر والمسكرات فلا تكاد تجد أحدا ممن يشربها إلا وهو نشوان مسرور بعيد عن صدور البكاء والصمت وثانيهما أنا نجد شراب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو، ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك ولم يسمع عنهم من العوائد ما يسمع عن شراب الخمر بل هم همدة سكوت مسبوتين لو أخذت قُمَاشَهُمْ أَوْ سَبَبْتَهُمْ لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر بل هم أشبه شيء بالبهائم ولذلك إن القتلى يوجدون كثيرا من شراب الخمر ولا يوجدون مع أكلة الحشيشة فلهذين الوجهين أنا أعتقد أنها من المفسدات لا من المسكرات ولا أوجب فيها الحد ولا أبطل بها الصلاة بل التعزير الزاجر عن ملابسها). وقال أيضا: (١/ ٢١٦): (سئل بعض فقهاء العصر عمن صلى بالحشيشة معه هل تبطل صلاته أم لا؟ فأفتى أنه إن صلى بها قبل أن تحمص أو تصلق صحت صلاته أو بعد ذلك بطلت صلاته وقال في تعليل الفرق بأنها إنما تغيب العقل بعد التحميص أو الصلق أما قبل ذلك وهي ورق أخضر فلا بل هي كالعصير الذي للعنب وتحميصها كغليانه وسألت عن هذا الفرق جماعة ممن يعانيها فاختلفوا على قولين فمنهم من سلم هذا الفرق وقال لا تؤثر إلا بعد مباشرة النار ومنهم من قال بل تؤثر مطلقا وإنما تحمص لإصلاح طعمها وتعديل كيفيتها خاصة فعلى القول بعدم هذا الفرق تبطل الصلاة مطلقا وعلى القول بالفرق يكون الحق ما قاله المفتي إن صح أنها من المسكرات وإلا صحت الصلاة بها مطلقا وهو الذي أعتقده أنها مفسدة والمفسدة لا تبطل الصلاة كالبنج وجوزة بابل). • والآن نعرض لكلام تقي الدين حيث قال ﵀ في "مجموع الفتاوي" (٣٤/ ١٩٨): (الحشيشة المسكرة يجب فيها الحد؛ وهي نجسة في أصح الوجوه؛ وقد قيل: إنها طاهرة، وقيل: يفرق بين يابسها

стр. 221

ومائعها: والأول الصحيح لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء؛ بخلاف ما لا يسكر بل يغيب العقل كالبنج؛ أو يسكر بغير (١) الاستحالة كجوزة الطيب؛ فإن ذلك ليس بنجس. ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها؛ فإنه لولا ما فيها من اللذة لم يتناولوها ولا أكلوها؛ بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة فيه. والشارع فرق في المحرمات بين ما تشتهيه النفوس وما لا تشتهيه فما لا تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفي فيه بالزاجر الشرعي؛ فجعل العقوبة فيه التعزيز. وأما ما تشتهيه النفوس فجعل فيه مع الزاجر الشرعي زاجرا طبيعيا وهو الحد "والحشيشة" من هذا الباب). سوى تقي الدين بين الحشيشة والخمر في أنهما يسكران بالإستحالة بخلاف جوزة الطيب التي تسكر بغير إستحالة فحكم بنجاسة الأول وطهارة الثاني. وهذا التفريق هو أحد قولي العلماء وأهل الخبرة في هذا الشأن والقول الثاني أنها تسكر بغير إستحالة، والمقصود بإستحالتها أنها لا تسكر إلا بعد معالجتها بالنار، ومن لازم هذا التفريق أن الحكم عليها بالنجاسة إنما يكون بعد معالجتها بالنار لا قبله وأنها طاهرة قبل ذلك كحال الخمر قبل أن يستحيل ويعالج بالغليان فالعنب طاهر. • نعود الآن لتحرير كلام الماتن. لو لاحظنا التعميم الذي في كلام الماتن فظاهره عدم التفريق في الحكم على الحشيشة بالنجاسة بين معالجتها بالنار، أو عدمه، ولازم قول تقي الدين: (والأول الصحيح لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء) أنها نجسة بعد استحالتها ومعالجتها بالنار وأن هذه المعالجة بالنار لا تخرجها إلى حالة الميوعة بل هي مجرد تحميص لها. ومن هنا يظهر وجه الفرق بين الحشيشة وغيرها من المسكرات الغير مائعة كالجوزة التي لا تسكر بغير الاستحالة.

стр. 222

علة النجاسة: سبب الاختلاف في نجاسة الحشيشة هو الاختلاف في تحديد علة النجاسة في الخمر هل هو: الإسكار فقط أم الإسكار مع الإماعة فمن قال بالأول لم يفرق بين المائع والجامد. كما قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ٢٠٤): (هي في أصح قولي العلماء نجسة كالخمر. فالخمر كالبول والحشيشة كالعذرة)، ومن قال أن العلة مركبة فرَّق بين المائع والجامد، وحكم بطهارة الجامد، وهو قول في المذهب. الترجيح: لابد وأن نفرق بين أمرين: • الأول- علة التنجيس والأقوى أنها الإسكار مع الإماعة. • الثاني - علة التحريم وعلة التحريم في الخمر هي الإسكار فالخمر تخامر العقل أي تغطيه وهذه العلة اختلف العلماء في تحققها في الحشيشة وجوزة الطيب واعتبر القرافي الحشيشة والجوزة من المشوشات لا المغيبات للعقل وأنها مفسدة للحواس كما سبق كلامه ولذلك اختلف العلماء في شربها هل هو موجب للحد، أو للتعزير. وعلى ذلك فالأقوى أن الحشيشة والجوزة ونحوهما من المسكرات الجامدة يحرم تناولها (١)؛ لأنها تشوش العقل على القول بأنها مفسدة، أو تغيب العقل على قول تقي الدين. مع كونها طاهرة، ولا ملازمة بين التحريم والنجاسة فكل نجس حرام وليس كل حرام نجس فلبس الحرير والذهب حرام على الذكور وهما طاهران ضرورة إجماعاً. قال ابن حجر الهيتمي في " الفتاوى الفقهية الكبرى" (٤/ ٢٣١): (حكى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرحه لفروع ابن الحاجب الإجماع على أنها ليست نجسة، وكذلك نقل الإجماع القرافي في القواعد في نظير الحشيش) وإن كان في حكاية هذا الإجماع نظر إلا أن طهارة المسكر الجامد هو قول جمهور الفقهاء.

стр. 223

مسألة - ما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوق الهر خلقة نجس . اشترط الماتن هنا للحكم بالنجاسة شرطين: الأول - أن يكون مما لا يؤكل لحمه. والثاني - أن يكون فوق الهر خلقة لعدم مشقة التحرز منه. وذلك مثل: الصقر والبوم والحدأة والنسر والأسد والنمر والفهد، والذئب والكلب والخنزير والقرد، ونحو ذلك. والمقصود نجاسة جسده وما ينفصل عنه كالبيض والبول والروث وكالقيء والمذي والودي والمني والمخاط والبزاق واللبن نحوها، ونجاسة سؤره وميتته (١). والدليل على ذلك ما رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث». ووجه الاستدلال أن المسئول عنه لابد وأن يكون من الخبث، وإنما لم يحمل الماء هذا الخبث لكثرته ولو كان المسئول عنه طاهرا لما حده بالقلتين، قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١/ ٢٥٠) معلقا على هذا الحديث: (وظاهر هذا يدل على نجاسة سور السباع إذ لولا ذلك لم يكن لهذا الشرط فائدة ولكان التقييد به ضائعا). فائدة - حكم الحيوان المركوب كالبغل والحمار الأهلي. القول المشهور في المذهب نجاستهما. وذهب الجمهور: المالكية والشافعية ورواية عن أحمد اختارها ابن قدامة إلى قول بطهارتهما. قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٣٧): (الصحيح عندي: طهارة البغل والحمار؛ لأن النبي ﷺ كان يركبها، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسا لبين النبي ﷺ ذلك؛ ولأنهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبها السنور، وقول النبي ﷺ "

стр. 224

إنها رجس ". أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إنها "رجس"، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدورهم، فإنه رجس، فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره). الترجيح: الراجح نجاسة الجمار الأهلي، وذلك لما رواه الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، قال: "أصبنا من لحوم الحمر، فنادى منادي النبي ﷺ : «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس» وقد سبق آنفا بيان أن لفظ: "الرجس" يشمل النجاسة الحسية والمعنوية، ويؤيده ما ورد في رواية لمسلم عن لحوم الحمر الأهلية: رجس» أو «نجس». ومما يؤكد نجاسة عينه وأن هذا الحكم غير خاص بلحمه ما رواه ابن خريمة عن عبد الله ﵁ أنه قال: أراد النبي ﷺ أن يتبرز فقال: «ائتني بثلاثة أحجار» فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الروثة، وقال: «هي رجس» والحديث أصله في الصحيح. وأما ما استدل به ابن قدامة من أن ركوب الحمار وأن ذلك مظنة التلبس بعرقه، ففيه نظر لأن الغالب أن ركوبها يكون مصحوبا بإكاف أو برذعة وذلك مما يحول بين الملابس وعرق الحمار، كما أنه لا يستلزم من كل ركوب التنجس بعرقه وذلك لأن الغالب في ركوب الحمير أن يكون ذلك في المسيرات القصيرة. وأما قوله: (لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبها السنور) فيه نظر أيضا لأن النبي ﷺ علل الترخيص في الهرة لمشقة التحرز منها، وهذا يحتمل أن يكون لصغر حجمها، أو لطوافها، أو لكلاهما وهو الأولى وعليه فلا يلحق به الحمار لكبر حجمه مما لا يشق معه التحرز منه، بل الغالب أن يكون محبوسا في حظائر خاصة داخل البيوت، كما أن تركه يجول في البيوت كالهر قد يعرض الأطفال للخطر والأماكن للتنجس ببوله وروثه كما أنه قد يلتف الأثاث نظرا لكبر حجمه. • وأما البغل فإنه فرع عن الحمار فهو متولد من الحمار والخيل، والقاعدة أنه إذا اجتمع حلال وحرام غلب الحرام.

стр. 225

مسألة - ما لا يؤكل مما هو دون الهر في الخلقة كالحية والفار طاهر . المقصود هنا طهارة عينه بحيث أنه إذا وقع في ماء مثلا وخرج حيا فالماء طهور، وطهارة سؤره وهو باقي شربه وأكله، وقد نص السامري على طهارة ريقه ومخاطه ودمعه وعرقه، وأما منيّه ولبنه وبيضه فقال في طهارته وجهان، ورجح الحجاوي والبهوتي نجاستهم، وما سوى ذلك مما يخرج منه كالبول والروث فنجس. قال السامري في "المستوعب" (١/ ١١١): (ما يحرم أكله لا لحرمته فعلى ضربين: أحدهما: ما لا يمكن الاحتراز منه غالبا وهو الهر وما دونها في الخلقة، كالفأرة وابن عرس وسائر حشرات الأرض مثل: الحية والعقرب وما تولد من عين طاهرة كدود الخل ودود الفواكه وذباب الباقلاء وما في معنى ذلك، فهذا جميعه طاهر وكذلك ريقه ومخاطه ودمعه وعرقه. فأما منيّه ولبنه وبيضه ففي طهارته وجهان. وما خرج منه سوى ذلك نجس). قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ١٩٥): ((ولبن غير مأكول) كلبن الهر والحمار (وبيضه) أي: بيض غير المأكول، كبيض الباز والعقاب والرخم (ومنيّه من غير آدمي: نجس) كبوله وروثه (وسؤر) بضم السين وبالهمز (الهر) ويسمى الضَّيْوَنَ بضاد معجمة وياء ونون وَالسِّنَّوْرُ والقِط (وهو) أي: سؤره (فضلة طعامه وشرابه) طاهر. (و) سؤر (مثل خلقه) أي: مثل الهر في الخلقة (و) سؤر (ما دونه) أي: الهر في الخلقة (من طير وغيره طاهر) لما روى مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي قتادة «أن النبي ﷺ قال في الهر إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» شبهها بالخدام أخذا من قول الله ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] ولعدم إمكان التحرر منها، كحشرات الأرض كالحية قال القاضي فطهارتها من النص، ومثلها وما دونها من التعليل (فلو أكل) هر ونحوه (نجاسة ثم ولغ في ماء يسير فطهور ولو لم يغب) الهر ونحوه بعد أكله النجاسة؛ لأن الشارع عفى عنها مطلقا لمشقة التحرز).

стр. 226

مسألة - كل ميتة نجسة غير ميتة الآدمي والسمك والجراد وما لا نفس له سائلة كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث . اشتملت هذه المسألة على أربعة أحكام: الأول - كل ميتة نجسة: وهذا من باب العام المخصوص وقد خصصه بقوله: (غير ... )، والميتة نجسة وإن كانت طاهرة حال الحياة، والعلة فسادها بانحباس الدم بداخلها، قال الدهلوي في " حجة الله البالغة" (٢/ ٢٨٠): (الْميتَة حرَام فِي جَمِيع الْملَل والنحل، أما الْملَل فاتفقت عَلَيْهَا لما تلقى من حَظِيرَة الْقُدس أَنَّهَا من الْخَبَائِث، وَأما النَّحْل فَلَمَّا أدركوا أَن كثيرا مِنْهَا يكون بِمَنْزِلَة السم من أجل انتشار أخلاط سميَّة تنَافِي المزاج الإنساني عِنْد النزع). والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقد نقل ابن رشد الإجماع على نجاسة الميتة، فقال في "بداية المجتهد" (١/ ٨٣): (وأما أنواع النجاسات، فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي ... ). فائدة - يدخل في ذلك ما يقطع من الحي: والدليل على ذلك ما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن عن أبي واقد الليثي، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل فَيَجُبُّونَهَا، فقال رسول الله ﷺ : " ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة ". الثاني - ميتة الآدمي طاهرة. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٣٧): (قوله (ولا ينجس الآدمي بالموت). هذا المذهب. وعليه جمهور الأصحاب، مسلما كان أو كافرا، وسواء جملته وأطرافه وأبعاضه. وقاله الزركشي في بعض كتبه، وقاله القاضي في بعض كتبه. قال المصنف في المغني: لم يفرق أصحابنا بين المسلم والكافر، لاستوائهما في الآدمية وفي الحياة).

стр. 227

• قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٣٤): (الآدمي الصحيح في المذهب أنه طاهر حيا وميتا؛ لقول النبي ﷺ : «المؤمن لا ينجس» متفق عليه، ولأنه آدمي، فلم ينجس بالموت، كالشهيد؛ ولأنه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل؛ كسائر الحيوانات التي تنجس). ومن الأدلة على طهارة المسلم ما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس، قال: " إن ميتكم لمؤمن طاهر وليس بنجس " قال الأرناؤوط: (وسنده جيد، وهو عند الحاكم مرفوع وصححه، وعند البيهقي موقوف، ورواية الوقف أصح). • ومن الأدلة على طهارة الكافر أن الله تعالى أباح طعام أهل الكتاب وأباح نكاح نسائهن ويلزم من حل طعامهم لنا مع مباشرتهم لها طهارة أبدانهم، كما أنه يلزم من المعاشرة الزوجية مباشرة كل واحد من الزوجين للآخر وفي هذا لا يسلم من إصابة عرقهن وريقهن فدل على طهارة أبدانهن. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فالمقصود نجاستهم الاعتقادية المعنوية لا الحسية، والمقصود منعهم من الحج كما في الحديث الذي عند أحمد وغيره عن علي ﵁ مرفوعا: (لا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا) ومما يدل على أن نجاستهم معنوية: ذكر المسجد الحرام دون غيره من المساجد، وما صح من ربط النبي ﷺ لثمامة في المسجد. ولا يوجد دليل على نجاسة الكافر بعد وفاته، وأما ترك غسله والصلاة عليه فلأنه لم يكن من أهل العبادة في حال الدنيا وليس هذا راجعا إلى نجاسته. الثالث - ميتة السمك والجراد طاهرة. روى أحمد وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال»، وقال ابن قدامة في "المغني" (٩/ ٣٩٥): (يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم). قال ابن ضويان في "المنار" (١/ ٥٢): (لأنها لو كانت نجسة لم يحل أكلها).

стр. 228

الرابع - ميتة ما لا نفس له سائلة كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث طاهرة. قال ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص/ ٥٥): ("ما لا نَفْسٌ له سائلةٌ كالذُّبَابِ": النفس السائلة: الدم السائل: قال الشاعر: "من الطويل" تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّبَاةِ نُفُوسُنَا ... ولَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّباة تَسِيلُ (١) وسمي الدم نفسا لنفاسته في البدن، وقيل للمولود منفوس؛ لأنه مما ينفس به، أي يضن به). • قال ابن ضويان في "المنار" (١/ ٥٢): (لحديث "إذا وقع الذباب إناء أحدكم فليمقله" وفي لفظ "فليغمسه فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً" رواه البخاري. وهذا عام في كل حار وبارد ودهن مما يموت الذباب بغمسه فيه، فلو كان ينجسه كان أمراً بإفساده، فلا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا مات فيه. قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً، إلا ما كان من الشافعي في أحد قوليه. قاله في الشرح). فائدة: خالف الشيخ مرعي الصحيح من المذهب، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٣٨): (قوله (وما لا نفس له سائلة) يعني: لا ينجس بالموت إذا لم يتولد من النجاسة. وهذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب). وما تولد من النجاسة كصراصير الكنف والدود الذي يكون من العذَرَة فإنها نجسة على الصحيح من المذهب، وهو الراجح؛ لأن الفرع آخذ حكم أصله، وما تولد من نجس فهو نجس (٢).

стр. 229

مسألة - ما أكل لحمه ولم يكن أكثر علفه النجاسة فبوله وروثه وقيئه ومذيه ومنيه ولبنه طاهر . قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٦): (لنا، «أن النبي ﷺ أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل»، والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة «، وكان النبي ﷺ يصلي في مرابض الغنم»، متفق عليه، وقال: «صلوا في مرابض الغنم»، متفق عليه (١)، وهو إجماع كما ذكر ابن المنذر (٢)، وصلى أبو موسى في موضع فيه أبعار الغنم. فقيل له: لو تقدمت إلى هاهنا؟ فقال: هذا وذاك واحد، ولم يكن للنبي ﷺ وأصحابه ما يصلون عليه من الأوطئة والمصليات، وإنما كانوا يصلون على الأرض، ومرابض الغنم لا تخلو من أبعارها وأبوالها، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرا كاللبن). مسألة - ما كان أكثر علفه النجاسة فبوله وروثه وقيئه ومذيه ومنيه ولبنه قبل أن يحبس ثلاثا نجس . والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر ﵄، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها» وفي لفظ آخر عند أبي داود أيضا: «نهي عن ركوب الجلالة». مسألة - بول وروث وقيئ ومذي ومني ولبن ما لا يؤكل نجس إلا مني الآدمي ولبنه فطاهر . قال ابن قدامة في "الكافي" (١/ ١٥٣): (بول الآدمي نجس؛ لأن النبي ﷺ قال في الذي يعذب في قبره: «إنه كان لا يستتر من بوله» متفق عليه، والغائط مثله. والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول، حكمه حكم البول لأنه في معناه.

стр. 230

والمذي نجس؛ لقول النبي ﷺ لعلي ﵁ في المذي: «اغسل ذكرك» ولأنه خارج من الذكر لا يخلق منه الولد، أشبه البول. وبول ما لا يؤكل لحمه، ورجيعه نجس؛ لأنه بول حيوان غير مأكول، أشبه بول الآدمي إلا بول ما لا نفس له سائلة، فإن ميتته طاهرة فأشبه الجراد. والقيء نجس؛ لأنه طعام استحال في الجوف إلى الفساد، أشبه الغائط. وفي كل حيوان غير الآدمي ومنيه، في حكم بوله في الطهارة والنجاسة؛ لأنه في معناه). • طهارة مني الآدمي: وقال في "المغني" (٢/ ٦٩): (لنا ما روت عائشة ﵂ قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيصلي فيه». متفق عليه. وقال ابن عباس: امسحه عنك بإذخرة أو بخرقة، ولا تغسله، إنما هو كالبزاق والمخاط. رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي ﷺ (١) -. ولأنه لا يجب غسله إذا جف، فلم يكن نجسا كالمخاط، ولأنه بدء خلق آدمي، فكان طاهرا كالطين، ويفارق البول من حيث إنه بدء خلق آدمي). • طهارة لبن الآدمي: لبن الآدمي طاهر لأنه خارج من جسم طاهر، وهو غذاء للإنسان في صغره (٢)، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٤٣): (لبن الآدمي والحيوان المأكول طاهر بلا نزاع). مسألة - القيح والدم والصديد نجس . سوى الماتن بين الدم، والقيح والصديد في النجاسة وفي العفو عن يسيرهم، وذلك بجامع أن القيح والصديد متولدان من الدم. قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٠): (ثبتت النجاسة في الصديد لأنه مستحيل

стр. 231

من الدم إلى حال مستقذرة). • والراجح نجاسة القيح والصديد والمدة - وهو قول الأئمة الأربعة -؛ لأنهم تولدوا من الدم، والدم نجس وما تولد منه فهو نجس مثله، لاسيما وأنه غالبا ما تختلط هذه الأشياء بالدم ويظهر معها (١). مسألة - يعفى في الصلاة عن يسير من القيح والدم والصديد لم ينقض الوضوء إذا كان من حيوان طاهر في الحياة ولو من دم حائض . قوله: (يسير ... لم ينقض الوضوء) سبق في باب نواقض الوضوء ذكر تفريق الماتن بين القليل والكثير في نقض الوضوء بخروج النجاسات كالدم والقيء من بقية البدن، وأنه ذهب إلى نقض الوضوء بالكثير منه دون القليل، وحد الكثير بما فحش في نفس كل أحد بحسبه - ما لم يكن موسوسا، أو متبذلا. أي أن الماتن يذهب إلى أنه يعفى في الصلاة عن ما لا يفحش في النفس من القيح والدم والصديد بشرط أن يكون من حيوان طاهر في الحياة ولو من دم حائض. قال ابن قدامة في " المغني" (٢/ ٥٨): (أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم والقيح. وممن روي عنه ابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وابن أبي أوفى، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعروة، ومحمد بن كنانة، والنخعي وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في أحد قوليه، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر ينصرف من قليله وكثيره. وقال الحسن: كثيره وقليله سواء. ونحوه عن سليمان التيمي؛ لأنه نجاسة فأشبه البول. ولنا: ما روي عن عائشة، قالت: قد كان يكون لإحدانا الدرع، فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة، ثم ترى فيه قطرة من دم، فتقصعه بريقها. وفي لفظ: ما كان لإحدانا إلا ثوب، فيه تحيض، فإن أصابه شيء من دمها بلته بريقها، ثم قصعته بظفرها. رواه أبو داود.

стр. 232

وهذا يدل على العفو عنه؛ لأن الريق لا يطهر به ويتنجس به ظفرها، وهو إخبار عن دوام الفعل، ومثل هذا لا يخفى على النبي ﷺ ولا يصدر إلا عن أمره، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، فيكون إجماعا. وما حكي عن ابن عمر فقد روي عنه خلافه، فروى الأثرم بإسناده، عن نافع، أن ابن عمر كان يسجد، فيخرج يديه، فيضعهما بالأرض، وهما يقطران دما، من شقاق كان في يديه، وعصر بثرة فخرج منها شيء من دم وقيح، فمسحه بيده وصلى، ولم يتوضأ. وانصرافه منه في بعض الحالات لا ينافي ما رويناه عنه، فقد يتورع الإنسان عن بعض ما يرى جوازه، ولأنه يشق التحرز منه، فعفي عنه كأثر الاستنجاء). فائدتان: الأولى - يفهم أيضا من قوله: (في الصلاة) أنه لا يعفى في المائع والمطعوم عن شيء منه. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٢٦): (حيث قلنا بالعفو عن اليسير: فمحله في باب الطهارة دون المائعات). قال ابن قاسم في " حاشيته" (١/ ٣٥٧): (ظاهره أنه لا يعفى عنه في المائع والمطعوم ولو كثر وهو المذهب ومذهب مالك والشافعي، وعنه: يعفى عنه وفاقا لأبي حنيفة وغيره من السلف، وهو نص القرآن واختاره الناظم (١) والشيخ وغيرهما، واختار العفو عن يسير النجاسات مطلقا في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وقال: إذا استهلكت فيه واستحالت فلا وجه لإفساده، ولا دليل على نجاسته، لا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله ﷺ وفي مجمع البحرين: الأولى العفو عنه لعظم المشقة ولا يرتاب ذو عقل في عموم البلوى به). • الترجيح: قال الشيخ العثيمين ﵀ في " الشرح الممتع" (١/ ٤٣٩): (أما المائع

стр. 233

والمطعوم؛ فلا يعفى عن يسيره فيهما، هذا هو المذهب، والراجح: العفو عن يسيره فيهما كغيرهما ما لم يتغير أحد أوصافهما بالدم). الثانية - قوله: (إذا كان من حيوان طاهر في الحياة) يشمل الآدمي وغيره. وغير الآدمي يدخل فيه ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر، وما لا يؤكل كالهر (١). ويفهم من كلامه أنه لا تصح الصلاة حتى مع اليسير من هذه النجاسات إن كانت من حيوان غير طاهر في الحياة كالكلب والخنزير والسباع والحمار الأهلي ونحوهم. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٢٦): (دم الحيوان النجس. كالكلب والخنزير ونحوهما، فالصحيح من المذهب: أنه لا يعفى عن يسيره. وعليه الأصحاب. وفي الفروع احتمال بالعفو عنه كغيره. وقال في الفائق: في العفو عن دم الخنزير وجهان). وقد سبق اختيار أن سؤر وقئ ولبن ما لا يؤكل لحمه، مما كان فوق الهرة خلقة، ولا يشق التحرز منه: نجس، فدمه أولى. قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٠): (فأما دم الكلب والخنزير فلا يعفى عن يسيره؛ لأن رطوباته الطاهرة من غيره لا يعفى عن شيء منها، فدمه أولى، ولأنه أصاب جسم الكلب فلم يعف عنه، كالماء إذا أصابه. وهكذا كل دم أصاب نجاسة غير معفو عنها، لم يعف عن شيء منه لذلك). وأما قوله: (لأنه أصاب جسم الكلب فلم يعف عنه) وهذا بناء على الرواية المشهورة في المذهب من نجاسة شعر الكلب والخنزير، وقد سبق ترجيح أن شعر الكلب والخنزير طاهران بخلاف ريقه. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٦١٦): (في الشعور النابتة على محل نجس ثلاث روايات: إحداها: أن جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز. والثانية: أن جميعها نجس كقول الشافعي. والثالثة: أن

стр. 234

شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهرا كالشاة والفأرة وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس: كالكلب والخنزير وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه. والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف الريق وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه: وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليل). وعليه فالأولى الاقتصار في تعليل نجاسة دمه وقيحه وصديده على العلة الأولى من كلام ابن قدامة دون العلة الثانية. مسألة - يضم يسير متفرق بثوب لا أكثر . والمقصود أنه إن كان في ثوب ما بقعا نجسة من دم أو صديد ونحوهما وهذه البقع كل واحدة بمفردها يعفى عنها، ولكنها إذا ضم بعضها لبعض فإنها تصير فاحشة في النفس فهذا الثوب يمنع من الصلاة فيه، أما إن كانت هذه البقع في عدة أثواب فإنه لا يضم ويكون لكل ثوب حكم بنفسه. قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٠): (لا فرق بين كون الدم مجتمعا أو متفرقا، بحيث إذا جمع بلغ هذا القدر، ولو كانت النجاسة في شيء صفيق، قد نفذت من الجانبين، فاتصل ظاهره بباطنه، فهو نجاسة واحدة. وإن لم يتصلا، بل كان بينهما شيء لم يصبه الدم، فهما نجاستان، إذا بلغا - لو جمعا - قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنهما، كما لو كانا في جانبي الثوب). مسألة - طين شارع ظنت نجاسته: طاهر . قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٠٩): (طين شارع ظنت نجاسته طاهر. وكذا ترابه، عملا بالأصل. فإن تحققت نجاسته عفي عن يسيره)، وعلل الرحيباني العفو عن يسيره بمشقة التحرز منه. أما ما تحقق من نجاسته كماء البالوعات فإنه نجس لا يعفى عن كثيره ويغسل ما أصاب البدن أو الثياب منه. قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٧١): (احتج أحمد في طهارة طين المطر بأن أصحاب النبي ﷺ والتابعين كانوا يخوضون المطر في

стр. 235

الطرقات، فلا يغسلون أرجلهم. وممن روي عنه أنه خاض طين المطر، وصلى، ولم يغسل رجليه عمر، وعلي ﵄ وقال ابن مسعود: كنا لا نتوضأ من موطئ. ونحوه عن ابن عباس. وقال بذلك سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود، وعبد الله بن معقل بن مقرن والحسن، وأصحاب الرأي، وعوام أهل العلم. لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك). مسألة - عرق وريق حيوان طاهر: طاهر . سواء أكان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم كالهر وما دونه في الخلقة. قال ابن قدامة في "الكافي" (١/ ١٥٧): (البصاق والمخاط والعرق، وسائر رطوبات بدن الآدمي طاهرة؛ لأنه من جسم طاهر، وكذلك هذه الفضلات، من كل حيوان طاهر). وقال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٠٩): ((والبلغم) من صدر أو رأس أو معدة طاهر (ولو أزرق) لحديث مسلم عن أبي هريرة «أنه ﷺ : رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل علي فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه. فإن لم يجد فليقل هكذا - ووصفه القاسم - فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه في بعض» " ولو كانت نجاسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه، ولو كان نجسا لنجس الفم ; ولأنه منعقد من الأبخرة أشبه المخاط). مسألة - لو أكل هر ونحوه من الحيوانات الطاهرات كالنمس، والفأرة، والقنفذ أو طفل: نجاسة، ثم شرب من مائع لم يضر . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٤٤): (لو أكلت الهرة نجاسة، ثم ولغت في ماء يسير، إن كان الولوغ قبل غيبتها. فقيل: طاهر، قدمه ابن تميم، واختاره في مجمع البحرين. قال الآمدي: هذا ظاهر مذهب أصحابنا. قلت: وهو الصواب) وقد سبق كلام تقي الدين في أن لعابها يطهر فمها. وقال أيضا: (وجزم في الفائق: أن أفواه الأطفال والبهائم طاهرة، واختاره في مجمع البحرين. ونقل أن ابنة الموفق نقلت أن أباها سئل عن أفواه الأطفال؟ فقال

стр. 236

الشيخ: قال النبي ﷺ في الهرة «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» قال الشيخ: هم البنون والبنات. قال: فشبه الهر بهم في المشقة). مسألة - لا يكره سؤر حيوان طاهر وهو فضلة طعامه وشرابه . والحيوان الطاهر يشمل الآدمي، ومأكول اللحم، وما هو دون الهرة مما ليس مأكولا. قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٣٧): (القسم الثاني طاهر في نفسه، وسؤره وعرقه، وهو ثلاثة أضرب: الأول، الآدمي، فهو طاهر، وسؤره طاهر، سواء كان مسلما أم كافرا، عند عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن النخعي أنه كره سؤر الحائض، وعن جابر بن زيد، لا يتوضأ منه، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «المؤمن لا ينجس». وعن عائشة «أنها كانت تشرب من الإناء، وهي حائض، فيأخذه رسول الله ﷺ فيضع فاه على موضع فيها فيشرب، وتتعرق العرق فيأخذه فيضع فاه على موضع فيها.» رواه مسلم ... الضرب الثاني ما أكل لحمه؛ فقال أبو بكر بن المنذر أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه، والوضوء به. الضرب الثالث السنور وما دونها في الخلقة؛ كالفأرة، وابن عِرْس، فهذا ونحوه من حشرات الأرض سؤره طاهر، يجوز شربه والوضوء به. ولا يكره. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ من الصحابة، والتابعين، من أهل المدينة، والشام، وأهل الكوفة أصحاب الرأي، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر، فإن فعل أجزأه. وقد روي عن ابن عمر أنه كرهه، وكذلك يحيى الأنصاري، وابن أبي ليلى. وقال أبو هريرة، يغسل مرة أو مرتين. وبه قال ابن المنذر. وقال الحسن، وابن سيرين: يغسل مرة. وقال طاوس: يغسل سبعا، كالكلب. وقد روى أبو داود، بإسناده، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -

стр. 237

فذكر الحديث، وقال: «إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة» (١). ولنا ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت أبي قتادة، أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءا، قالت: فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ «قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». أخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا أحسن شيء في الباب. وقد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا. وروى ابن ماجه، عن عائشة، قالت: «كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك». وعن عائشة، أنها قالت: «إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم. وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها.» رواه أبو داود). ـ [باب الحيض لا حيض قبل تمام تسع سنين ولا بعد خمسين سنة ولا مع حمل وأقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وغالبه ست أو سبع. وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما وغالبه بقية الشهر ولا حد لأكثره. ويحرم بالحيض أشياء: منها الوطء في الفرج والطلاق والصلاة والصوم والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف واللبث في المسجد وكذا المرور فيه إن خافت تلويثه. ويوجب الغسل والبلوغ والكفارة بالوطء فيه ولو مكرها أو ناسيا أو جاهلا للحيض والتحريم وهي دينار أو نصفه على التخيير وكذا هي إن طاوعت. ولا يباح بعد انقطاعه وقبل غسلها أو تيممها غير الصوم والطلاق واللبث بوضوء .]ـ

стр. 238

ـ[في المسجد. وانقطاع الدم: بأن لا تتغير قطنة احتشت بها في زمن الحيض طهر. وتقضي الحائض والنفساء الصوم لا الصلاة .. ]ـ مسألة - لا حيض قبل تمام تسع سنين . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٥٥): (قوله (وأقل سن تحيض له المرأة: تسع سنين) هذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. وعنه أقله عشر سنين، وهو احتمال في مختصر ابن تميم. وعنه أقله اثنتا عشرة سنة. واختار الشيخ تقي الدين: أنه لا أقل لسن الحيض. فائدة: حيث قلنا: أقل سن تحيض له كذا. فهو تحديد. فلا بد من تمام تسع سنين، أو عشرة، أو اثنتي عشرة سنة. إن قلنا به. وهذا هو الصحيح، جزم به في المستوعب، والفصول ... وقيل تقريبا وصرح به في المستوعب، والرعايتين ... قلت: والنفس تميل إليه). • واستدلوا على هذا التحديد بقول أم المؤمنين عائشة ﵂: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة) ولم أجده مسندا فذكره الترمذي والبيهقي بدون إسناد. وعلى فرض صحته فليس فيه دلالة على التحديد بل المقصود أنها ﵂ رأت أن هذا السن مظنة الحيض، وهذا لا ينفي أن يتقدم الحيض أو يتأخر عن هذا السن، ولذلك عقب البيهقي عقبه بقوله: (تعني والله أعلم فحاضت فهي امرأة)، ولذلك فالأقرب أنه هذا السن تقريبي لا تحديدي، وأن العبرة برؤية دم الحيض على صفته المعروفة سواء أكان قبل هذا السن، أم بعده وهو اختيار تقي الدين وابن عثيمين - رحمهما الله -. مسالة - لا حيض بعد خمسين سنة . والقول في هذه المسألة كسابقتها، والراجح أنه ليس للإياس سن محدد بل هو مرتبط بوجود دم الحيض على صفته المعروفة ولو جاوز سن المرأة الستين عاما، أو أكثر.

стр. 239

مسألة - لا حيض مع حمل . وهذا هو قول المشهور في المذهب والمشهور عند الحنفية، وقول الشافعي في القديم. والأدلة في هذه المسألة حمالة وليس فيها ما يقطع النزاع بين الفقهاء، ولذلك رأيت أن كلام الأطباء هو الذي يفسر هذه المسألة، ويفصل فيها. ومن المهم أن نعرف كيف يتكون الحيض وكيف ينزل. يعتبر الحيض جزء من الدورة الشهرية التي تهيأ المرأة للحمل كل شهر، وهذه الدورة تبدأ من اليوم الأول للحيض إلى اليوم الأول للحيض التالي وغالبا ما يكون معدل طول الدورة ٢٨ يوم وقد يقل عن ذلك وقد يزيد يكون سمك جدار الرحم نصف مليمتر في أول الدورة أي بعد نزول الحيض، وفي النصف الأول من الدورة ترتفع نسبة هرمون الإستروجين والذي يجعل الرحم ينمو ويزداد حجمه وتنمو أوعيته الدموية وغدده ويزداد سمك جدار الرحم تدريجيا وقد يصل في نهابة فترة الدورة إلى ثمان ميليمتر أي يتضاعف حجمه ست عشرة مرة، وكل هذا استعدادا لحمل البويضة المخصبة. فإذا حدث تلقيح البيضة بالحيوان المنوي تصل البيضة الملقحة إلى الرحم ويحدث الحمل وتثبت في جدار الرحم عن طريق المشيمة. وأما إذا لم يحدث تلقيح للبيضة فإنها تذوب وتمتص بالجسم وبالتالي لا يحدث الحمل وتقل نسبة الإستروجين وتبدأ أوعية الرحم الدموية في الانقباض الشديد وتمنع فيه تغذية الغشاء حتى يتفتت ويسقط الغشاء المبطن بالدماء والغدد على شكل دم حيض وينهار البناء تماما ويعود سمك جدار الرحم لحجمه الطبيعي وهكذا فسبحان الملك. إذا ظهر لك هذا فأعلم أن سبب انهيار هذا الجدار هو نقص هرمون الإستروجين بسبب عدم حدوث الإخصاب للبويضة وهذا الهرمون يزداد في الجسم مع الإخصاب وتطور مراحل الحمل حتى يبدأ ويقل عند نهاية فترة الحمل استعدادا لنزول الجنين.

стр. 240

وعلى ذلك فكلما زاد هذا الهرمون زادت بطانة الرحم وكان سببا في عدم تفتتها وبالتالي عدم نزول الحيض ولذلك يقرر الأطباء قاطبة عدم إمكانية نزول الحيض في أثناء الحمل. ويقرر الأطباء أن الدماء التي تنزل من الحامل ما هي إلا دماء طبيعة كالاستحاضة لا علاقة لها بالحيض وتكون بسبب هذا النزيف إما لالتهاب، أو لحمية في عنق الرحم، أو لجرح في المشيمة، أو مرض سرطاني والعياذ بالله، أو لحمل خارج الرحم (١) ... • وعلى ذلك فالأصل أن الحامل لا تحيض وأن الوضع الطبيعي لها هو زيادة هرمون الحمل مما يمنع من تفتت بطانة الرحم وبالتالي يمنع من نزول الحيض، إلا أنه قد يقل هذا الهرمون في بعض حالات الإجهاض وتبدأ بطانة الرحم في التقلص، وينزل الدم في هذه الفترة قد يستمر ليوم أو لأيام، وقد لا يكون في فترة الحيض المعروفة للمرأة مسبقا قبل الحمل، وهذا حيض وله حكم الحيض بشرط أن تميزه المرأة بلونه ورائحته لمعروفة، وقد تعالج المرأة ببعض الأدوية التي تزيد من هرمون الحمل داخل الجسم مما قد يؤدي إلى توقف هذه البطانة عن الانقباض ويستمر الحمل بعد ذلك بإذن الله. مسألة - أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما . الأدلة التي وردت ليست صريحة في محل النزاع، والصريح منها في التحديد غير صحيح، وهذا التأصيل الذي أصلناه في المسألة السايقة يبين لنا أن كمية الدم الذي ينزل في الحيض متفاوتة من امرأة لأخرى وكذلك مدتها وذلك تبعا لحجم الرحم وسمك جداره، وعلى ذلك فعلامة دم الحيض تمييزه بلونه ورائحته ولا حد لأكثره ولا أقله وهو اختيار تقي الدين وابن إبراهيم وابن سعدى وغيرهم. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٣٧): (لا حد لا لأقله ولا لأكثره بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض. وإن قدر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض. وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض.

стр. 241

وأما إذا استمر الدم بها دائما فهذا قد علم أنه ليس بحيض لأنه قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهرا وتارة تكون حائضا ولطهرها أحكام ولحيضها أحكام، والعادة الغالبة أنها تحيض ربع الزمان ستة أو سبعة وإلى ذلك رد النبي ﷺ المستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز والطهر بين الحيضتين لا حد لأكثره باتفاقهم). مسالة - غالب الحيض ست أو سبع . قال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٣٦٤): (وغالبه ست أو سبع "و") أي وفاق الأئمة الثلاثة. قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٤٧٢): (غالب الحيض ست ليال أو سبع. وهذا صحيح؛ لثبوت السنة به؛ حيث قال ﷺ للمستحاضة: «فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي». وهذا أيضا هو الواقع، فإنه عند غالب النساء يكون ستا، أو سبعا). وهذا الحكم إنما يثبت بأحد أمرين: أن ينص عليه الشارع، أو بالاستقراء، وبكلاهما استدل الشيخ العثيمين. تنبيه: وأما حديث حمنة ﵂ فرواه أحمد وأبو داود ولفظ أبي داود: (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) ومدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف فيه ومثله حسن الحديث بشرط ألا يخالف غيره، وقد اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث وإعلاله، وقد رجح ضعفه الأرناوؤط في هامش المسند، وكذا الدبيان في موسوعة الطهارة (٨/ ١٠٤٢)، وظاهر الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة التي ردَّ فيها النبيُ المستحاضةَ إلى عادتها لا إلى عادة النساء، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة أن النبي صلى

стр. 242

الله عليه وسلم قال لأم حبيبة: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي» وعليه فحديث الباب إن حمل عمومه على المبتدأة، أو المتحيرة التي لا تستطيع التمييز بلون الدم وحمل حديث عائشة على من لها عادة معلومة فلا يكون هناك معارضة بين الأحاديث وهو أولى. مسألة - أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما . قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٣٥٨): (قوله (وأقل الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يوما) هذا المذهب. وعليه جمهور الأصحاب. قال الزركشي: هو المختار في المذهب، وهو من المفردات). إشكال: سبق وأن ذكرنا أن القول الراجح في المذهب أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وبناء على ذلك يكون أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما. قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٢٢٥): (قال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر الحيض، فإن قلنا أكثره خمسة عشر يوما، فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر، فأقل الطهر ثلاثة عشر. وهذا كأنه بناه على أن شهر المرأة لا يزيد على ثلاثين يوما، يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأما إذا زاد شهرها على ذلك تصور أن يكون حيضها سبعة عشر، وطهرها خمسة عشر وأكثر). • ومحصل ما وقفت عليه من توجيه لهذه الرواية أمرين: الأول - أنه راعي أكثر ما قيل في حد الحيض. سأل إسحاق بن منصور في "مسائله" (٣/ ١٣١٨): كيف يكون الحيض عشرين يوماً؟ فقال أحمد: (أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوماً)، فيكون باقي الشهر ثلاثة عشر يوما. وأجاب ابن القيم عن ذلك فقال في "بدائع الفوائد" (٤/ ٩٤): (يحتمل أن يكون ذكره لأنه قوله ويمكن أن يكون على طريق الحكاية، والأشبه عندي أن يكون قوله لا يختلف أنه خمسة عشر يوما وإنما أخبر عن السبع عشرة أنه سمعه لا أنه يقلده). الثاني - قال موفق الدين في " المغني" (١/ ٢٢٥): (أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما؛ لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد

стр. 243

إذا قامت به البينة ... ولنا ما روي عن علي ﵁، أن امرأة جاءته، وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، طهرت عند كل قرء وصلت، فقال علي لشريح: قل فيها. فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: " قالون. وهذا بالرومية. ومعناه: جيد. وهذا لا يقوله إلا توقيفا؛ ولأنه قول صحابي، انتشر، ولم نعلم خلافه، رواه الإمام أحمد بإسناده، ولا يجيء إلا على قولنا أقله ثلاثة عشر، وأقل الحيض يوم وليلة). والجواب عن ذلك بأن يقال: ١ - أن الأثر ضعيف فهو منقطع بين الشعبي وعلي ﵁. ٢ - كما أن انقضاء العدة في الشهر الواحد يتوقف على تفسير القرء بأنه الحيض لا الطهر وهو الصحيح في المذهب، وعلى أنها طلقت في طهر وحاضت في اليوم التالي حتى يصير المجموع شهرا. أما إن طلقت في حيض وطهرت منه في اليوم التالي فسوف تطول العدة إلى ثلاثة وأربعين يوما؛ لأن الحيض لا يتبعض فلا يعتد بالحيضة التي طلقت فيها بل تعتد بعدها بثلاث حيض كوامل. ٣ - كما أنه لا يتعين أن يكون أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما وأقل الحيض يوما وليلة لتنقضي عدتها في شهر فقد نقل ابن رجب في الفتح تفسيرا آخر لها فقال (٢/ ١٤٨): (وقال حرب الكرماني: ثنا إسحاق: ثنا أبي، قالَ: سألت ابن المبارك فقالَ: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هَذا؟ وما معناه؟ فقالَ: جعل ثلاثاً حيضاً، وعشراً طهراً، وثلاثاً حيضاً، كذا قال). ٤ - قال الدبيان في "موسوعته" (٦/ ١٩١): (من أين لكم من الأثر أنها لو ادعت أقل من شهر أنه لن يسمع دعواها، ولن يطلب منها بينه، فهذا لا سبيل إليه من الأثر). الترجيح: والراجح ما ذهب إليه تقي الدين وهو قول في المذهب من أنه لا حد لأقل الطهر كما أنه لا حد لأكثره. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٣٨): (الطهر بين الحيضتين لا حد

стр. 244

لأكثره باتفاقهم. إذ من النسوة من لا تحيض بحال وهذه إذا تباعد ما بين أقرائها فهل تعتد بثلث حيض أو تكون كالمرتابة تحيض سنة؟ فيه قولان للفقهاء. وكذلك أقله على الصحيح لا حد له بل قد تحيض المرأة في الشهر ثلاث حيض وإن قدر أنها حاضت ثلاث حيض في أقل من ذلك أمكن لكن إذا ادعت انقضاء عدتها فيما يخالف العادة المعروفة فلا بد أن يشهد لها بطانة من أهلها كما روي عن علي ﵁ فيمن ادعت ثلاث حيض في شهر. والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة؛ لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخيه الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر؛ وذلك كالمرض؛ والأصل الصحة لا المرض. فمتى رأت المرأة الدم جار من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة). مسألة - غالب الطهر بقية الشهر . الغالب أن المرأة لا تحيض في الشهر إلا مرة واحدة، وحيض كل امرأة بحسبها كما سبق، وباقي الشهر يكون طهرا لها، وأما المبتدأة المستحاضة، أو المتحيرة فسبق وأن حملنا حديث حمنة ﵂ عليه فغالب حيضها ستا أو سبعا، وغالب طهرها بقية الشهر. مسألة - لا حد لأكثر الطهر . وهذه المسألة سبقت آنفا في كلام تقي الدين ونقل عليها الاتفاق. مسألة يحرم بالحيض الوطء في الفرج . قال تعالي: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وروى مسلم عن أنس ﵁ قال أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح».

стр. 245

قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: ٢٣): (اتفقوا على أن الحائض لا يطؤها زوجها في فرجها ولا في دبرها واتفقوا أن له مؤاكلتها ومشاربتها). مسألة يحرم بالحيض الطلاق . عمم الماتن كلامه هنا ولم يقيد بالسنة، مع أن الصحيح من المذهب أن الحيض يمنع من الطلاق البدعي كالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه ونحو ذلك، ولكن يباح له الطلاق على عوض، أو الخلع. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٤٨): (قوله (وسنة الطلاق)، الصحيح من المذهب: أن الحيض يمنع سنة الطلاق مطلقا. وعليه الجمهور ... ). ثم قال: (فائدة: لو سألته الخلع أو الطلاق بعوض لم يمنع منه على الصحيح من المذهب. وعليه أكثر الأصحاب). قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١١١): ((و) يمنع الحيض أيضا (سنة طلاق) لأن الطلاق فيه بدعة محرمة. كما يأتي موضحا في بابه (ما لم تسأله) أي الحائض الزوج (خلعا أو طلاقا على عوض) فيباح له إجابتها؛ لأن المنع لتضررها بطول العدة، ومع سؤالها قد أدخلت الضرر على نفسها. وعلم منه: أنه لا يباح إن سألته طلاقا بلا عوض. ولا إن كان السائل غيرها). • ومن الأدلة على تحريم الطلاق البدعي قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] والأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده. قال ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢٩٦): (قوله : (لِعِدَّتِهِنَّ) أي: لزمان عدتهن، وهو الطهر. وهذا للمدخول بها، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها. والطلاق على ضربين: سني، وبدعي. فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فذلك هو الطلاق للعدة، لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتقع في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة. والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، فهو واقع، وصاحبه آثم). وما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه

стр. 246

وسلم ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله ». قال ابن قدامة في "المغني" (٧/ ٣٦٤): (وأما المحظور، فالطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه). مسألة يحرم بالحيض الصلاة والصوم . والدليل على ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها». قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: ٢٣): (اتفقوا على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم أيام حيضها). وقال ابن المنذر في "الإجماع" (ص:٤٢): (أجمعوا على أن الحائض لا صلاة عليها في أيام حيضتها، فليس عليها القضاء). مسألة يحرم بالحيض الطواف . والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بِسَرِف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: «ما لك أنفست؟». قلت: نعم، قال: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت». وهذه المسألة مجمع عليها ونقل الإجماع ابن عبد البر، وابن رشد، والنووي، وابن تيمية، وابن حزم وغيرهم (١). مسألة يحرم بالحيض قراءة القرآن . وهذه المسألة سبقت وسبق ترجيح اختيار تقي الدين بتحريم القراءة على الجنب دون الحائض ورد قياسها على الجنب.

стр. 247

مسألة يحرم بالحيض مس المصحف . وهذا هو الراجح، وقد سبقت هذه المسألة. مسألة يحرم بالحيض اللبث في المسجد . وهذا هو الراجح وقد سبق بيانه. مسألة يحرم بالحيض المرور في المسجد إن خافت تلويثه . قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ١٠٧): (ليس لهم - أي: الجنب والحائض والنفساء - اللبث في المسجد، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وروت عائشة، قالت: «جاء النبي ﷺ وبيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود. يباح العبور للحاجة، من أخذ شيء، أو تركه، أو كون الطريق فيه، فأما لغير ذلك فلا يجوز بحال. وممن نقلت عنه الرخصة في العبور: ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب وابن جبير والحسن ومالك والشافعي وقال الثوري وإسحاق لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدا، فيتيمم. وهو قول أصحاب الرأي؛ لقول النبي ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب.» ولنا قول الله تعالى: (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ)، والاستثناء من المنهي عنه إباحة. وعن عائشة، «أن رسول الله ﷺ قال لها: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: إني حائض، قال إن حيضتك ليست في يدك». رواه مسلم (١). وعن جابر قال: كنا نمر في المسجد ونحن جنب. رواه ابن المنذر، وعن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون

стр. 248

في المسجد وهم جنب رواه ابن المنذر أيضا. وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعا. فأما المستحاضة، ومن به سلس البول، فلهم اللبث في المسجد والعبور إذا أمنوا تلويث المسجد؛ لما روي عن عائشة أن «امرأة من أزواج رسول الله ﷺ اعتكفت معه وهي مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي.» رواه البخاري. ولأنه حدث لا يمنع الصلاة فلم يمنع اللبث، كخروج الدم اليسير من أنفه. فإن خاف تلويث المسجد فليس له العبور؛ فإن المسجد يصان عن هذا، كما يصان عن البول فيه. ولو خشيت الحائض تلويث المسجد بالعبور فيه، لم يكن لها ذلك). مسألة - يوجب الحيضُ الغسل . سبقت هذه المسألة في باب ما يوجب الغسل. مسألة - يوجب الحيضُ البلوغ . روى أحمد وأبو داود وغيرهما عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه، قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» أي من بلغت المحيض. قال ابن حجر في " فتح الباري" (٥/ ٢٧٧): (أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء). مسألة - يوجب الحيضُ الكفارة بالوطء فيه ولو مكرها أو ناسيا أو جاهلا للحيض والتحريم، وهي دينار أو نصفه على التخيير . دليل وجوب الكفارة: روى أحمد وغيره عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: "يتصدق بدينار، أو بنصف دينار". والحديث قد اختلف في إسناده وقفا ورفعا، ورواية الوقف أصح، وهو قول صحابي لم يعرف له مخالف من الصحابة فيعمل به. كم الكفارة ؟ الصحيح من المذهب أنه مخير بين الدينار، أو النصف دينار، وهو ضعيف.

стр. 249

قال الشيخ الدبيان في "موسوعته" (٧/ ٨٨٥) بعد أن ذكر قول أحمد بالتخيير: (وهذا من اضعفها، ولا أعرف له شبها في الكفارات، أن يكون الإنسان مخيرا في جنس واحد بمعني أن نصف الدينار واجب والنصف الآخر مستحب، فالصدقة المستحبة مفتوحة ليس لها حد، والمعروف في الكفارات التي تأتي على التخيير أن يكون كل واحد منها واجبا لا بعينه، وذلك مثل كفارة اليمين، فالتخيير بين الإطعام، والكسوة، وتحرير الرقبة كل واحد منها واجب لا بعينه، ومثله المحرم في كفارة حلق الرأس من الأذى، بخلاف قوله: يتصدق بدينار أو نصف دينار، فإن الدينار ليس واجبا، والنصف منه واجب على القول بالتخيير). والراجح أن "أو" في الأثر للتنويع وليست للشك ولا للتخيير، وقد روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ بإسناد حسن أنه قال: «إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار» وفي تفسير قوله: (في انقطاع الدم) بحث سيأتي بإذن الله تعالى. قال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٢٧٦): (يحتمل قوله: " دينار أو نصف دينار " ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون تخييرا ويبطل هذا بأن يقال: التخيير لا يكون إلا بعد طلب، وهذا واقع بعد الخبر إذ حكم التخيير الاستغناء بأحد الشيئين عن الآخر لأنه إذا خير بين الشيء وبعضه، كان بعض أحدهما متروكا بغير بدل. والأمر الثاني: أن يكون شكا من الراوي. والثالث: أن يكون باعتبار حالين، وهذا هو الذي يتعين منها). مسألة - على من وطء مكرها أو ناسيا أو جاهلا للحيض والتحريم كفارة ؟ قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٥٢): (الصحيح من المذهب: أن الجاهل بالحيض أو بالتحريم أو بهما والناسي كالعامد، نص عليه. وكذا لو أكره الرجل. وعنه لا كفارة عليه. واختار ابن أبي موسى: أنه لا كفارة مع العذر، وقدمه في المستوعب. وأطلقهما في المغني والتلخيص.).

стр. 250

الترجيح: والراجح أن لا كفارة على من وطء في الحيض إن كان مكرها، أو ناسيا للحيض، أو جاهلا للحكم، وأما من كان عاملا بالتحريم ولكنه جاهلا للكفارة فهذا عليه الكفارة؛ لأنه فعله وهو يعلم أنه محرم. تقعيد أصولي: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (١/ ٤١٦): (الفرق بين خطاب التكليف والوضع من حيث الحكم، فهو أن خطاب اللفظ الذي يعبر عنه بخطاب التكليف، يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه، كالصلاة، والصيام، والحج، ونحوها على ما سبق في شروط التكليف. أما خطاب الوضع، فلا يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما يستثنى بعد إن شاء الله تعالى. أما عدم اشتراط العلم، فكالنائم يتلف شيئا حال نومه، والرامي إلى صيد في ظلمة أو وراء حائل يقتل إنسانا، فإنهما يضمنان ما أتلفا، وإن لم يعلما. وأما عدم اشتراط القدرة والكسب، فكالدابة تتلف شيئا، والصبي أو البالغ يقتل خطأ، فيضمن صاحب الدابة والعاقلة، وإن لم يكن الإتلاف والقتل مقدورا ولا مكتسبا لهم. أما المستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة فهو قاعدتان: إحداهما: أسباب العقوبات، كالقصاص لا يجب على مخطئ في القتل لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته، لعدم العلم أيضا، ولا على من أكره على الزنى لعدم القدرة على الامتناع، إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تنتهك بها حرمة الشرع زجرا عنها وردعا، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم والقدرة والاختيار، والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، والجاهل والمكره قد انتفى ذلك فيه، وهو شرط تحقق الانتهاك، فينتفي الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها). قال القرافي في "شرح تنقيح الفصول" (ص: ٨٠): (بعض الأسباب يشترط فيه العلم والقدرة وهو كل ما كان فيه جناية كالزنا وشرب الخمر ونحوه مما هو سبب للعقوبة؛ فإن قواعد الشرع تتقاضى أنه لا يعاقب من لم يقصد المفسدة، ولم يشعر
следующие страницы →