← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 36194

التحرير شرح الدليل - كتاب الطهارة

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (269 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التحرير شرح الدليل للعلامة الفقيه الأصولي زين الدين مرعي بن يُوسُف الكرْمي الحنبلي. (ت: ١٠٣٣ هـ) رحمه الله تعالى الجزء الأول قسم الطهارة تأليف الفقير إلى عفو ربه الغني أبي المنذر: محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي عفا الله - تعالى - عنه الطبعة الأولى ١٤٣٢هـ / ٢٠١١م المكتبة الشاملة

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م رقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ٥/ ٢٠١١

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الشارح: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾. أما بعد ... فنبدأ بعون الله تعالى وتوفيقه في شرح متن "دليل الطالب لنيل المطالب" للعلامة مرعي بن يُوسُف الكرْمي ﵀. ونرجوا من الله القبول والسداد، وأن يمن علينا بإتمام هذا الشرح، وأن يتقبله وينفع به إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. نبدأ بنُّبْذَة عن التعريف بالمؤلف . هو الإمام العلامة زين الدين مرعي بن يُوسُف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يُوسُف بن أحمد الكرْمي المقدسي المصري الأزهري الحنبلي. ولد ونشأ المؤلف رحمه الله تعالى في بلدته طور كرْم وهي مدينة معروفة في فلسطين وإليه نسبتها، وتعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة، وتلقى مبادئ العلوم، وحفظ القرآنَ الكريم، ورحل إلى بيت المقدس ونهل من معين العلم فيها وجالس العلماء واستفاد من العلوم التي لديهم، ثم رحل بعد ذلك إلى القاهرة، فأخذ العلم عن كثير من علمائها ومشايخها في الفقه والحديث والتفسير حتى أصبح يشار إليه بالبنان في مكانته العلمية فتصدر للتدريس والإفتاء، وقد بقي فيها يفيد ويستفيد حتى توفي ﵀.

стр. 4

- مذهبه: درس المؤلف المذهب الحنبلي وتفقه فيه، ولذا فهو يعد من علماء الحنابلة الكبار، وقد قام بتدريس الفقه الحنبلي بجامع ابن طولون بالقاهرة فترة من الزمن، وألف فيه الكتب والرسائل، مثل: كتاب " دليل الطالب، وكتاب غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى " وقال: لَئِنْ قلَّدَ الناسُ الأئمَّةَ إنني ... لَفي مذهبِ الحَبْر ابن حنبل راغبُ أُقلِّدُ فتواهُ وأعشقُ قولَهُ ... وللناسِ فيما يعشَقُونَ مذَاهبُ ثناء العلماء عليه: فقد قال عنه ابن حُمَيد في السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (٤٦٣): " العالم العلامة، البحر الفهامة، المدقق المحقق، المفسر المحدث، الفقيه، الأصولي، النحوي، أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر ". وقال عنه ابن بدران في " المدخل " (٤٤٢): " العلامة، بقية المجتهدين، أحد أكابر علماء هذا المذهب بمصر ". وقال عنه محمد جميل الشِّطِي في مختصر طبقات الحنابلة (١٠٨): " شيخ الإسلام، أوحد العلماء الأعلام فريد عصره وزمانه، ووحيد دهره وأوانه، صاحب التآليف العديدة، والتحريرات المفيدة، العلامة بالتحقيق والفهامة بالتدقيق ". قال عنه المُحبي في خلاصة الأثر (٤/ ٣٥٨): " أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر، وكان محدثا فقيها ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائق الحديث ". مؤلفاته: فقد برع في مختلف العلوم الشرعية في الفقه والتفسير والحديث والعقائد وغيرها، وكذا في علوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة والأدب والشعر، وعلوم السيرة والتاريخ والسلوك وغيرها. ومؤلفاته كثيرة بلغت حوالي الثمانين تأليفاً ما بين كتاب كبير ورسالة صغيرة. وفاته: توفي الإمام العلامة بعد حياة حافلة بالعلم والتعليم والتدريس والإفتاء في القاهرة

стр. 5

في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وألف من الهجرة فرحمه الله رحمة واسعة. التعريف بالمتن: أما المتن الذي ندرسه " دليل الطالب لنيل المطالب "فهو متن مشهور في الفقه الحنبلي اختصره الشيخ مرعي من كتاب ابن النجار " منتهى الإرادات في جمع المقنع والتنقيح وزيادات " كما صرح بذلك جماعة من العلماء منهم: الشيخ محمد بن مانع في حاشيته على دليل الطالب. والشيخ صالح بن حسن البُهوتي في مقدمة شرحه " مسلك الراغب شرح دليل الطالب" ... . وغيرهما. وقد أشار الماتن نفسه إلى ذلك في مقدمة كتابه دليل الطالب حيث قال: [وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ... الفائز بمنتهى الإرادات من ربه ... ] ومنتهى الإرادات وهو أصل كتابنا من متون المذهب المعتمدة فقد اعتمده المتأخرون من عصر المؤلف حتى كان والد المؤلف يقرؤه للطلاب ويثني عليه وكاد الكتاب لشهرته ينسي ما قبله من متون المذهب المطولة فعكف الناس عليه شرحاً وتحشيةً واختصاراً وجمعاً له مع غيره. وتعالوا نتوقف قليلا لنتعرف على أصل كتابنا وهو كتاب منتهى الإرادات وأهميته: : [بعد أن وضع ابن قدامة متنه المشهور " المقنع " لقي قبولاً كبيراً داخل المذهب لكونه جاء على قول واحد هو الراجح في المذهب وتميز عن الكتب التي سبقته بأنه أوضح منها إشارة وأسلس عبارة وأجمع تقسيماً وتنويعاً كما أنه حوى غالب أمهات مسائل المذهب على توسط حجمه ومن هنا تناوله الحنابلة بالتآليف كالشروح والتعليقات التي تبيّنه وكتب اللغة التي توضح مصطلحاته وحدوده، وكتب التخريج التي تخرج أدلته وهذا الكتاب - وإن كان يعتبر نقلة علمية في المذهب - إلا أنه كان بحاجة إلى تحرير أكثر وتصحيح، فقد أطلق مؤلفه ﵀ الخلاف في كثير من مسائله بصيغ متفاوتة أوصلها بعضهم إلى ما يزيد على ثلاثين صيغة ولم يفصح فيها بتقديم حكم. كما أنه قطع بمسائل وقدمها على أنها المذهب وهي غير الراجح في المذهب وأخلّ ببعض القيود والشروط الصحيحة في

стр. 6

المذهب إضافة إلى أن عبارته كانت بحاجة إلى إعادة نظر لما فيها من عموم أو إطلاق أو خلل لهذه الأسباب وغيرها كانت الحاجة ماسة لأن يوجد كتاب يتمم ويكمل النقص الذي في هذا المتن الشهير. فجاء مجدد المذهب القاضي علي بن سليمان المرداوي ليسد هذا النقص بكتابه " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع " فعالج أغلب ما كان ينتقد على متن المقنع حتى كان كما قال عنه الشُّوَيْكِي ﵀: " أجل كتاب اجتهد في جمعه وأتى بالصواب وأراح كل قاض ومفت من الأتعاب وسهّل لهم معرفة المذهب وقرّب لهم المقصد والمطلب " ومن هنا اشتهر هذا الكتاب لدى أعيان المذهب باسم " التصحيح " وسمي مؤلفه " بالمصحح " لأنه صحح المقنع في مسائله وعباراته ومع هذا العمل الجليل الذي قدمه المرداوي للمذهب إلا أنه ﵀ ترك مسائل كثيرة في كتابه فلم يتناولها في التصحيح، كما أنه أسقط من كلام موفق الدين ابن قدامة أشياء كان يجب المحافظة عليها وبقاؤها مثل الشروط والقيود والاستثناءات الصحيحة في المذهب. كما أنه ﵀ كان يحيل الحكم في بعض الأحيان على المقنع ويطلقه من غير تقييد. فلهذه المقتضيات وغيرها ظهرت الحاجة الشديدة للجمع بين هذين الكتابين - المقنع والتنقيح - حتى يتم المقصود في وجود متن يعتمد القول الصحيح في المذهب بعبارة سليمة واضحة المقصود. فظهرت لهذه المهمة الشاقة - الجمع بين المقنع والتنقيح - فيما أعلم ثلاث محاولات: الأولى: قام بها العلامة أحمد بن عبد الله بن أحمد العسكري الصالحي) تلميذ المصحح المرداوي ﵀، في كتابه (المنهج في الجمع بين المقنع والتنقيح) إلا أنه توفي قبل أن يتم كتابه فقد وصل فيه إلى الوصايا. الثانية: قام بها الشيخ أحمد الشُّوَيْكِي ﵀ في كتابه " التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح " وقد وصف كتابه هذا بوضوح العبارة حتى قيل إنه متن كالشرح.

стр. 7

الثالثة: قام بها تقي الدين محمد بن أحمد الْفَتُوحِي الشهير بـ " ابن النجار " في كتابه " منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات " ووصف علماء المذهب هذا الكتاب بأنه معقد العبارة ومع هذا فهو عمدة المتأخرين وقد لقي قبولاً كبيراً وحظي بالشروح والتعليقات] وبعد ذلك جاء الشيخ مرعي فاختصر منتهى الإرادات في كتابه دليل الطالب لنيل المطالب. أهمية الكتاب يعتبر كتاب دليل الطالب لنيل المطالب من المتون المختصرة المعتمدة عند متأخري علماء المذهب الحنبلي. لا يذكر فيه مؤلفه خلافاً في المسائل، وإنما يقتصر على رواية واحدة وهي ما صححه المحققون من علماء المذهب وما صار عليه مدار الفتوى عند المرجحين المتقنين كأمثال ابن قدامة (المقنع) والمرداوي (التنقيح المشبع) وابن النجار (منتهى الإرادات). وقد أشار الشيخ مرعي في مقدمة كتابه دليل الطالب إلى ذلك فقال: (وبعد فهذا مختصر في الفقه على المذهب الأحمد مذهب الإمام أحمد بالغت في إيضاحه رجاء الغفران وبينت فيه الأحكام أحسن بيان لم أذكر فيه إلا ما جزم بصحته أهل التصحيح والعرفان وعليه الفتوى فيما بين أهل الترجيح والإتقان). وقال ابن بدران: [ ... حرر مسائله على الراجح من المذهب] وقال د. بكر أبو زيد: [ ... بناه على الراجح من المذهب] وعليه فمن أهم ميزات كتاب دليل الطالب: ١ - متن مختصر. ٢ - مشهور بين أتباع المذهب. ٣ - دقيق العبارة. ٤ - سهل العبارة يخلو من التعقيد والإلغاز. ٥ - يخلو من ذكر الدليل وهذا شأن المختصرات. ٦ - اقتصر على رواية واحدة وهي الراجحة في المذهب.

стр. 8

٧ - المسائل مرتبة ترتيباً جيداً. ٨ - يفصل بذكر الشروط والأركان والفروض والواجبات والسنن والمحرمات والمكروهات والمبطلات والقيود والاستثناءات. ولذلك فقد عُنِيَ به المتأخرون من الحنابلة دراسةً وشرحاً وتحشيةً ونظماً وذلك لما عرفوه من غزارة علمه وكثرة فوائده ... وما اعتنوا به إلا لجلالة قدره عندهم ومعرفتهم بما تضمنه من التحقيق. منهجي في الشرح ١ - أشرح عبارة المؤلف بما يزيل ما فيها من إبهام إن كانت مستغلقة. ٢ - أقسم المتن إلى مسائل. ٣ - أضع تصورا لهذه المسائل إن كانت مستغلقة بما يُجليها بإذن الله؛ لأن الحكم على شيء فرعٌ عن تصوره. ٤ - إن خالف الشيخ مرعي شرطه واختار قولا ضعيفا في المذهب أبين ذلك - وهو قليل -. ٥ - أستدل للرواية الراجحة في المذهب بأشهر الأدلة وأقواها دلالة على محل النزاع ولا أشترط على نفسي استيعاب الأدلة؛ لأن هذا يطول ويخرجنا عن المقصود. ٦ - أبين الراجح من الأقوال في المسائل مؤيدا كلامي بأشهر الأدلة وأقواها دلالة على محل النزاع. ٧ - بالنسبة للتعاريف الذي يذكرها الماتن فلن أتعرض لنقدها بإضافة قيود وفواصل غير مذكورة في تعريف الماتن جريا وراء جعل الحد جامعا مانعا فمجال ذلك في الشرح الموسع بإذن الله وسوف أقتصر على التنبيهات المباشرة التي تمس الأجناس والفواصل التي يذكرها الشيخ في تعريفه. وهذا أوان الشروع في المقصود. والله المستعان وعليه البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 9

مقدمة الماتن: قال الشيخ مرعي ﵀: بسم الله الر حمن الرحيم، وبه ثقتي. الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مالك يوم الدين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبين لأحكام شرائع الدين الفائز بمنتهى الإرادات من ربه فمن تمسك بشريعته فهو من الفائزين صلى الله وسلم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آل كل وصحبه أجمعين. وبعد: فهذا مختصر في الفقه على المذهب الأحمد مذهب الإمام أحمد بالغت في إيضاحه رجاء الغفران وبينت فيه الأحكام أحسن بيان لم أذكر فيه إلا ما جَزم بصحته أهل التصحيح والعرفان وعليه الفتوى فيما بين أهل الترجيح والإتقان وسميته بـ "دليل الطالب لنيل المطالب". والله أسأل أن ينفع به من اشتغل به من المسلمين وأن يرحمني والمسلمين إنه أرحم الراحمين.

стр. 10

كتاب الطهارة مسألة - تعريف الطهارة: بدأ الماتن بتعريف الطهارة في الاصطلاح فعرفها بأنها: ـ[(رفع الحدث وزوال الخبث).]ـ. والحدث: هو شيء معنوي غير محسوس يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة ونحوها - أي قراءة القرآن والطواف، وغير ذلك من العبادات التي يشترط لها الطهارة -. • الأولى أن يقول: (ارتفاع الحدث) بدلا من قوله: (رفع الحدث)، إننا الآن نعرف الطهارة وليس التطهير. التطهير هو فعل المكلف فإذا أردت طهارة جسدي من الحدث فإنني أقوم بالأعمال المشروعة من غسل الوجه واليدين ونحو ذلك مما يرفع الحدث فإن تمت هذه الطهارة أكون قد تطهرت فالطهارة أثر التطهير وناتجة عنه. إذن التطهير الرفع، والطهارة هي الأثر والارتفاع. رفع مصدره رفعا، وارتفع مصدره ارتفاعا. أنا الآن أعرف الطهارة وهي الارتفاع وليس الرفع ليحصل التطابق بين المفسَّر - الطهارة - والمفسِّر - وهو الارتفاع وليس الرفع -. إذن الأولى أن نقول في تعريف الطهارة (ارتفاع الحدث) وليس (رفع الحدث). • وزوال، أولى ممن عبر بإزالة؛ وذلك لأن تطهير النجاسة لا يشترط لها النية فإن زالت بنفسها بدون قصد من المكلف طهرت فإن نزل المطر على الملابس التي بها نجاسة فأزالها طهرت وإن كان هذا التطهير بدون قصد ونية المكلف لإزالتها. قال تقي الدين في " شرح العمدة " (١/ ١٦٦): (إزالة النجاسة من باب المتروك ولهذا لا يحتاج إلى عمل أصلا). قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٤٨): (إزالة النجاسة لا يعتبر لها نية). الخبث، والمقصود به هنا النجاسة الحسية. إذن تعريف الطهارة على كلام الماتن (ارتفاع الحدث وزوال الخبث) وهناك تعقبات أخرى على هذا التعريف خارجة عن شرطنا فلن استطرد بذكرها.

стр. 11

ـ[وأقسام الماء ثلاثة: أحدها: طهور وهو الباقي على خلقته يرفع الحدث ويزيل الخبث .. ]ـ مسألة - أقسام الماء ثلاثة: طهور وطاهر ونجس، فالطهور طاهر في نفسه مطهر لغيره، والطاهر هو الماء المتغير بطاهر يشرط ألا يخرجه عن كونه ماء ففرق بين أن نقول هذا ماء وقع فيه حبر وبين أن يغلب الحبر على أجزاء الماء حتى نقول هذا حبر فيه ماء، أو أن نقول: ماء في تراب، وطين. فالكلام في النوع الأول لا الثاني لأنه خرج عن إطلاقه ولم يشمله اسم الماء، والقسم الثالث هو الماء النجس، وسيأتي تفصيل الكلام على هذه الأنواع بإذن الله تعالى. وفي المذهب رواية أخرى بأن قسمة الماء ثنائية طهور ونجس، وقد انتصر لهذه الرواية تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٤) واختار أن الماء الذي تغير بالطاهرات كالأشنان والصابون والسدر والعجين وغير ذلك مما يغير الماء فإنه طهور ما لم يخرج عن إطلاقه وقد توسع في الاستدلال لذلك ومن الأدلة التي ذكرها: ١ - أن الذين ذهبوا إلى أن القسمة ثلاثية فرقوا بين المتماثلات فحكموا مثلا بطهورية الماء المتغير بما يشق صون الماء عنه كالطحلب وورق شجر ما لم يوضعا، فإن وضع قصدا فإنه يكون طاهرا وكذلك التفريق بين لملح المعدني والمائي في تغيير الماء وسيأتي الكرم تفصيليا على هذه الأنواع. ٢ - قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) وقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء لا فرق في ذلك بين نوع ونوع فإن قيل إن المتغير لا يدخل في اسم الماء قيل تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه. ٣ - ما ثبت «أن رسول الله ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قَصْعَةٍ فيها أثر العجين» إلى غير ذلك من الأدلة.

стр. 12

مسألة - تعريف القسم الأول وهو الماء الطهور: عرفه الماتن بأنه (الباقي على خلقته). • خلقته أي صفته وهي الطهورية سواء أكان هذا البقاء حقيقي أو حكمي. • حقيقي أي أن هذا الماء لم يتغير أحد أوصافه بأي مغير ولم يقيد بوصف دون آخر فهو على نفس الصفة التي خلقه الله عليه ومن أمثلته: ماء البحر وماء النهر والماء النابع من الأرض ومن العيون والآبار وما نزل من السماء من مطر وثلج وبَرَد. • والماء الماء الطهور الحكمي وهو الذي تغير ولكن بما لا يسلبه الطهورية وذلك مثل الماء المتغير بملح مائي فالملح المائي من نفس جنس الماء وسوف يأتي الكلام عليه بإذن الله، أو المتغير بما لا يمازجه كالماء المتغير بقطع الكافور الصلبة أو بالدُّهْن ويدخل فيه أيضا الماء المتغير بطول المكث وبسمى الماء الأجن أو الآسن، أو المتغير بما يشق صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر. كل هذا من الماء الطهور. مسألة - استعمالات الماء الطهور: قال الماتن: ـ[يرفع الحدث ويزيل الخبث .. ]ـ يرفع الحدث الأكبر والأصغر، ويزيل الخبث الطارئ على محل طاهر قبل طرؤه؛ لأن نجس العين لا يطهر فلو أن كلبا غسلناه بالماء مرات عديدة لا يطهر. وعليه فطهارة المحل من الخبث تكون بإزالته عن المكان المراد تطهيره، أو باستحالتها. فائدة - الأدلة على أن الماء الطهور يرفع الحدث ويزيل الخبث: قال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: ١١] وكلمة ماء في الآية نكرة في سياق الامتنان فتعم كل ماء نازل من السماء كالثلج والبرد والمطر. ومن الأدلة أيضا على تطهير الماء للخبث ما رواه الترمذي وغيره عن أسماء بنت أبي بكر: (أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم

стр. 13

من الحَيضة؟ فقال رسول الله ﷺ حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه). وما رواه مسلم عن أنس (أن أعرابيا بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله ﷺ : («دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ» - معناه لا تقطعوا والإزرام القطع - قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ). وقد أجمع العلماء على التطهر بالماء الذي لم يخالطه نجاسة (١).وأجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات (٢). وكون الماء الطهور يرفع الحدث ويزيل الخبث هو الأصل إلا أن هذا الماء قد يعرض له ما يفقده أو يقلل من عمله في أحد الاستعمالين وذلك تكلم الماتن عن أنواع هذا الماء فقال: ـ[وهو أربعة أنواع: ١ - ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحا .. ]ـ • وقوله: (ما ليس مباحا) أي كمغصوب أو مسروق، أو ما أُشتري بمال مغصوب أو مسروق، أو بماء مسبل لشرب، أو ماء آبار ديار ثمود - إلا بئر الناقة - (٣) ونحو ذلك. مسألة: الماء الطهور الغير مباح يحرم استعماله . نعم من استعمل ماء مغصوبا مثلا فعليه إثم الغصب ويأثم لغصبه هذا الماء وهكذا الكلام على باقي أنواع الماء الغير مباح.

стр. 14

مسألة: الماء الطهور الغير مباح لا يرفع الحدث . قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٨ - ٢٩): (وأما الوضوء بالماء المغصوب: فالصحيح من المذهب: أن الطهارة لا تصح به. وهو من مفردات المذهب. وعنه: تصح وتكره , واختاره ابن عَبْدُوس في تذكرته). قال ابن رجب في "قواعده": (وإن كان - أي الشرط - لا يختص بها ففي الصحة روايتان أشهرهما عدمها). والقول بالبطلان في هذه الحالة هو الصحيح من مذهب أحمد إلا أن الأقوى أنه يقتضي الفساد لا البطلان، وهذا هو ما اختاره الطوفي وغيره، قال الطوفي في مختصره بعد أن استعرض الأقوال في المسألة: (والمختار أن النهي عن الشيء لذاته، أو وصف لازم له مبطل، ولخارج عنه غير مبطل، وفيه لوصف غير لازم تردد، والأولى الصحة). إذن من تطهر من ماء غير مباح يأثم لغصبه واستعماله هذا الماء الغير مباح، وفي المذهب لا يرتفع حدثه، والراجح أنه يرتفع حدثه مع الإثم. مسألة: الماء الطهور الغير مباح يزيل الخبث . قال البهوتي في "المنح الشافيات" (١/ ١٣٥): (وأما إزالة النجاسة بالماء فلا يشترط فيها إباحته لأنها من قبيل التروك) وهذا القول هو الراجح فيرتفع الحدث ويزول الخبث بالماء الغير مباح مع الإثم إن كان عالما ذاكرا، والأمر في إزالة الخبث أهون من رفع الحدث به؛ لأنها من باب التروك ولا يلزم فيها نية. النوع الثاني - ماء خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث . ٢ - ـ[وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث .. ]ـ • معنى خَلوتها بالماء: معنى الْخَلْوَة في المذهب يدور على أمرين: الأول وهو الأصح في المذهب اعتبار عدم المشاهدة، وقد اختلفوا فيمن يرفع الْخَلْوَة بمشاهدته هل يشترط فيه أن يكون مكلفاً مسلماً؟ أو لا يشترط ذلك فلو كان صبياً أو امرأة أو كافراً زالت الْخَلْوَة. قولان في المذهب كما سيأتي.

стр. 15

والثاني: اعتبار انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا. الراجح هو اعتبار انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال (وليغترفا جميعاً) فدل بمنطوقه على الجواز فيما إن شاركها زوجها، وبمفهومه على عدم الجواز إن لم يكن معها زوجها يعترف معها وسيأتي الكلام تفصيليا على هذا الحديث بإذن الله. مسألة: الماء الذي خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث يرفع حدث الأنثى ولا يرفع حدث الرجل البالغ ولا الخنثى المشكل . فائدة: لماذا لا يرفع حدث الخنثى ؟ رجح أنه هذا الماء الذي خلت به المرأة لا يرفع حدث الخنثى فرجح جانب الحظر وذلك احتياطا للعبادة لاحتمال أن يكون رجلا. إذن الراجح في المذهب أن هذا الماء يجوز استعماله في شتى أنواع الاستعمال للرجل والمرأة غير أنه لا يزيل حدث الرجل الأصغر أو الأكبر وكذلك الخنثى ويرفع حدث الأنثى والصبي وعلة المنع تعبدية. ومن الأدلة على منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرهم - وصححه الشيخ الألباني - عنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ». ويستدل للجواز بما رواه مسلم في "صحيحه" (١/ ٢٥٧) (٣٢٣) عن ابْنُ جُرَيْجٍ، قال أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِي، وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ». الترجيح: وقد سلك العلماء عدة مسالك في الجمع والترجيح بين هذه الأحاديث، وأولاها حمل النهي على للتنزيه وقرينة الصرف أحاديث الجواز، والحديث الذي ذكرته في أدلة الجواز ترد على من جمع بأن النهي محمول على الخلوة.

стр. 16

النوع الثالث: ـ[٣ - وماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه وهو ماء بئر بمقبرة وماء اشتد حره أو برده أو سخن بنجاسة أو بمغصوب أو استعمل في طهارة لم تجب أو في غسل كافر أو تغير بملح مائي أو بما لا يمازجه كتغيره بالعود القماري وقطع الكافور والدهن ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث .. ]ـ قوله: (يكره استعماله) أي في طهارة أو في أكل وشرب، ونحو ذلك. قوله: (مع عدم الاحتياج إليه) ومفهوم المخالفة أن الكراهة تزول عند تعينه بالحاجة إليه كأن لا يوجد غيره، قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٦): (فإن لم يجد غيره تعين, وكذا يقال في كل مكروه, إذ لا يترك واجب لشبهة). مسألة - يكره استعمال ماء بئر بمقبرة مع عدم الاحتياج إليه . الراجح هو جواز التطهر من هذا الماء بلا كراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج لدليل ولا دليل، والشك في نجاسة الماء لا تجعل الطهارة منه مكروهة لأن الأصل في الماء الطهورية ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين. مسألة - يكره استعمال ماء اشتد حره أو برده مع عدم الاحتياج إليه . قال ابن ضويان في " منار السبيل" (١/ ١٦): (لأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة). وعلى ذلك فاستعمال هذا الماء إن لم يكن منه ثمَّ ضرر ولم يؤد استعماله إلى عدم استيعاب الأعضاء ولم يقصد المشقة على نفسه من استعماله فلا يخلو الأمر من كراهة نظرا لشدة برده أو حره مما يظن معه عدم إسباغه للوضوء. مسألة - يكره استعمال الماء المسخن بنجاسة مع عدم الاحتياج إليه . لاحظ أن هذه المسألة مفترضة فيما إذا كان الوقود نجسا فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك فلا يؤثر باتفاق العلماء وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل فإنها طاهرة في أصح قولي العلماء. عندنا في هذه المسألة ثلاثة أقسام: الأول - أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء، والقول المعتمد

стр. 17

في المذهب أنه ينجسه إذا كان الماء يسيرا، والراجح أنه لا ينجسه إلا أن تغير، وسيأتي الكلام في ذلك بإذن الله. الثاني - أن يكون الحائل بين الوقود النجس والماء حصين - أي محكم ومنيع. الثالث - أن يكون الحائل بين الوقود النجس والماء غير حصين فالمذهب فيه في القسمين روايتان بالكراهة وعدمها، واختار تقي الدين عدم الكراهة. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٦٩): (وهذه الكراهة لها مأخذان: أحدهما احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء فيبقى مشكوكا في طهارته شكا مستندا إلى إمارة ظاهرة فعلى هذا المأخذ متى كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره لأنه قد تيقن أن الماء لم تصل إليه النجاسة. والثاني أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه عندهم والحاصل بالمكروه مكروه. ثم قال: وأما دخان النجاسة فهذا مبنى على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادا ... فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث). وعليه فالراجح في الماء المسخن بالنجاسة أنه طهور ولا يكره التطهر به، ما لم يتحقق وصول النجاسة إليه وتغييرها له. مسألة - يكره استعمال الماء المسخن بمغصوب مع عدم الاحتياج إليه . قال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل شرح منار السبيل" (ص/٩٣): (ولعل الأرجح أن الماء المسخن بالمغصوب لا يكره لعدم الدليل على كراهته - وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد - ولكن يأثم الغاصب - كما هو معلوم -. مسألة - يكره استعمال الماء المستعمل في طهارة لم تجب أو في غسل كافر، مع عدم الاحتياج إليه . والمقصود بالماء المستعمل هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه.

стр. 18

والمقصود بالطهارة الغير واجبة ما كانت لا عن حدث كالتجديد والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء لأن الحدث يرتفع بالغسلة الأولى , وكغسل الجمعة والعيدين وكالماء المستعمل في غُسل كافر لأنه لم يرفع حدثا ولم يزل خبثا (ولو) كانت كتابية؛ اغتسلت من الحيض أو النفاس لحل وطء زوجها المسلم لأن هذا الغسل لا يسلب الماء طهوريته لعدم أهليتها للنية. ونحو ذلك. والمذهب فيه روايتان في طهورية هذا الماء. والراجح عدم كراهة هذا الماء، قال الشيخ ابن جبرين: (لأنه ماء طاهر قد لاقى محلا طاهرا فبقي طاهرا غير مكروه بوجه من الوجوه، ولا دليل لمن قال بكراهته). ومما يستدل به على طهارة هذا الماء ما رواه أبو داود (١/ ٣٢) (١٣٠) عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ﵂ (أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده) حسنه ابن حجر، والماء المتبقي في يده ﷺ يحتمل أنه يكون بعد الغسلة الأولى لليد، فيكون مسح الرأس بماء استعمل في رفع حدث، فيدل على مسألتنا بالأولى، ويحتمل أن يكون بعد الغسلة الثانية أو الثالثة فيكون على هذا الاحتمال دليلا في مسألتنا. مسألة - يكره استعمال الماء المتغير بمَلح مائي مع عدم الاحتياج إليه . المَلح المائي هو الملح المنعقد من الماء، ويمكن الحصول عليه من الملاحات البحرية التي تتكون من تبخر الماء. والملح المائي هو الملح المستخدم في الطعام، وهو يمازج الماء ويذوب فيه فيكسبه طعما مالحا. وقيده بالمائي: احترازاً من الملح المعدني، وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحاً معدنياً، أو حجريا، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإن يسلبه الطهورية، ويجعله طاهرا غير مطهر. والمذهب به روايتان في سلب الملح المائي لطهورية الماء. وفيه أيضا روايتان في الحكم بكراهيته. الشرع لا يفرق بين المتماثلات فهذا الماء الذي وضع فيه ملح مائي هو من ناحية النتيجة كماء البحر، وقد نص النبي ﷺ على طهورية ماء

стр. 19

البحر والحكم على الأول بالكراهة دون الثاني، فالراجح أن هذا الماء طهور ولا كراهة في استعماله في رفع الحدث. • تنبيه: قول المرداوي عن هذا النوع من الماء: (أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.) يدل على أن المذهب عدم كراهة الماء المتغير بالملح المائي على خلاف ما اختاره الشيخ مرعي، ولعله راعى الخلاف. وجعل علة الكراهة مراعاة الخلاف لا يصح فالخلاف ليس من الأدلة الشرعية حتى تعلل به الكراهة كما أنه يقل أن تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين العلماء فهل يصح أن نحكم على كل هذه المسائل بالكراهة مع أن الخلاف في كثير منها قد لا يكون معبرا ولا حظ له من النظر. مسألة - يكره استعمال الماء المتغير بما لا يمازجه كتغيره بالعود الْقَمَارِيّ وقطع الكافور والدُهْن مع عدم الاحتياج إليه . المسألة مفترضة في تغير الماء بما لا يمازجه ولذلك قيدنا الكافور بأنه قطع فإنه لو كان غير قطع لخالط. العود الْقَمَارِيّ: منسوب إلى قِمار - بكسر القاف - موضع ببلاد الهند. والمذهب فيه روايتان في كراهة هذا النوع من الماء والراجح أنه طهور ولا يكره التطهر به، وطالما أن ما ذكر لا يمازج الماء فإنه لا يخرجه عن إطلاقه، فتشمله الأدلة التي سبق ذكرها عند الانتصار لكون قسمة الماء ثنائية لا ثلاثية. والتعليل بالخلاف عليل كما سبق. مسألة - ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث . الراجح القول بكراهة الاغتسال منه وإزالة الخبث وجواز الوضوء بلا كراهة: ومن الأدلة على جواز الوضوء منها ما رواه ما عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ٧٦) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب ﵁ مطولا

стр. 20

وفيه: (فدعا رسول الله ﷺ بِسَجْلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ). وحجة من ذهب إلى منع الاغتسال منها: قول العباس بن عبد المطلب وهو قائم عند زمزم وهو يرفع ثيابه بيده وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ هِيَ لِشَارِبٍ أَحْسَبُهُ» قَالَ: «وَمُتَوَضِّئٍ حِلٌّ وَبِلٌّ» رواه عبد الرزاق وأحمد في العلل وإسناد أحمد حسن، ونحوه عن ابن عباس عند عبد الرزاق وغيره ورواته ثقات. ومعنى قوله: (حِلٌّ وَبِلٌّ) البِل المباح بلغة حِمْيَر بكسر الباء والمعنى أنها للمحرم حلال مباحة، وقيل: حِل وبَلّ، والبَلّ هو: الشفاء من قولهم بل من مرضه بَلّا: بَرَأَ وصَحَ كما قال فيها: شِفاء سُقْم. والمعنى أنها حلال للمحرم شفاء من الأمراض (١). النوع الرابع - ماء لا يكره استعماله: ـ[٤ - وماء لا يكره استعماله كماء البحر والآبار والعيون والأنهار والحمام والمسخن بالشمس والمتغير بطول المكث أو بالريح من نحو ميتة أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب وورق شجر ما لم يوضعا .. ]ـ مسألة - ماء البحر لا يكره استعماله: والدليل قوله ﷺ عندما سأله رجل: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله ﷺ : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). مسالة - ماء الآبار والعيون والأنهار لا يكره استعماله: قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٦): (لحديث أبي سعيد قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب وَالنَّتَن فقال ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم

стр. 21

خمس مرات هل يبقى من درنه شيء (١)). مسألة - ماء الحمّام لا يكره استعماله: الحمّام مشدد، وهو مشتق من الحميم، والحميم الماء الساخن، ومن سمى الحمَّام حَمَّامًا لإسخانه من دخله، وقيل للمحموم محمومًا لسخونة جسده بالحرارة. قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٧) معللا عدم كراهة استعمال ماء الحمام: (لأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه (٢) ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة أو قصد التنعم به ذكره في المبدع وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يسخن له ماء في قُمْقُم فيغتسل به (٣) وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر إنه كان يغتسل بِالحَمِيمِ - أي الماء المسخن -. (٤)). مسألة - الماء المسخن بالشمس لا يكره استعماله: وما ورد من أن الماء المشمس يورث البرص لا يصح، فقد مرفوعا ورد عن عائشة، وأنس، وموقوفا على عمر ﵃، ولا يصح شيء منها، وانظر الإرواء (١/ ٥٠) (١٨) فقد فصل القول في بيان عللهم وحكم على حديث عائشة بالوضع. مسألة - الماء المتغير بطول المكث لا يكره استعماله: قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٦): (الماء الآجن وهو الذي يتغير بطول مكثه في المكان من غير مخالطة شيء يغيره باق على إطلاقه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم على الوضوء بالماء الآجن من غير نجاسة حلت فيه جائز غير ابن سيرين فإنه كره ذلك وقول الجمهور أولى فإنه يروى أن النبي ﷺ توضأ من بئر كأن ماءه نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أي ماء نقع فيه حناء - ولأنه تغير من غير مخالطة).

стр. 22

قال ابن ضويان (١/ ١٧): (وكذلك ما تغير في آنية الأدم والنُحاس لأن الصحابة كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم وهي تغير أوصاف الماء عادة ولم يكونوا يتيممون معها). مسألة - الماء المتغير بالريح من نحو ميتة لا يكره استعماله: وهذه حالة خاصة مما تغير فيه أحد أوصاف الماء - أي الريح - بنجاسة، ومع ذلك لا ينجس الماء بالاتفاق؛ لأن التغير لم يكن عن مخالطة، بل عن مجاورة، وينضبط المجاور بما يمكن فصله، والممازج بما لا يمكن فصله. وصورة المسألة كأن يكون إلى جانب الماء جيفة، أو عذرة أو غيرهما، فتنقل الريح رائحة ذلك إلى الماء فتغيره، وأيضا كما لو سُدَّ فم الإناء بشجر أو نحوه فتغير منه الماء من غير مخالطة لشيء منه. قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (١/ ٣٥): (ولا شكَّ أن الأَوْلَى التنزُّه عنه إن أمكن، فإِذا وُجِدَ ماء لم يتغيَّر فهو أفضل، وأبعد من أن يتلوَّث بماء رائحته خبيثة نجسة، وربما يكون فيه من النَّاحية الطبيَّة ضرر، فقد تحمل هذه الروائح مكروبات تَحُلُّ في هذا الماء). وكلام الشيخ العثيمين له وجه فالأولى ترك استعمال هذا الماء إن وجد غيره. مسألة - الماء المتغير بما يشق صون الماء عنه كطحلب وورق شجر ما لم يوضع، لا يكره استعماله: والحكم بعدم الكراهة هنا للمشقة الناتجة عن عدم انفكاكه وصعوبة التحرز منه، والمشقة تجلب التيسير، بعكس ما لو وضع قصدا، أو لم يكن مما يشق التحرز منه كما سيأتي. لاحظ أن جمهور الحنابلة الذين قسموا الماء قسمة ثلاثية مثلوا للنوع الأول وهو الطهور ببعض المتغيرات وتحكموا في التفريق بين المتماثلات في التغير كأن يتغير عن مخالطة، أو عن مجاورة، وفرقوا بين ما يشق صون الماء عنه وما لا يشق، وبين وضع ما وضع قصدا، وما لم يوضع قصدا، وحكموا على بعضها بالكراهة، وبعضها بعدم الكراهة، وهذا مما يؤكد أن الراجح ما اختاره تقي الدين من أن قسمة الماء ثنائية، وقد سبق بعض كلامه.

стр. 23

القسم الثاني - الماء الطاهر: ـ[الثاني: طاهر يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث .. ]ـ بدأ الماتن ﵀ في الكلام على القسم الثاني من أقسام المياه التي ذكرها، وهو الماء الطاهر - أي في نفسه الغير مطهر لغيره -. مسألة - الماء الطاهر يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث . كاستعماله في الطعام والشراب والعجن والتبرد ونحو ذلك من العادات. مسألة - الماء الطاهر لا يجوز استعماله في رفع الحدث . الراجح أن بعض أنواعه لا يزال بها الحدث اتفاقا لخروجها عن إطلاق الماء، والبعض الراجح عدم سلب طهوريته بتغيره كما سيأتي بإذن الله في الكلام على أنواعه. مسألة - الماء الطاهر لا يجوز استعماله في زوال الخبث . وهذه المسألة فيها خلاف في المذهب وقد اختار ابن عقيل وتقي الدين جواز إزالة الخبث بكل مائع طاهر مزيل كخل وسيأتي الكلام بإذن الله في الفائدة التالية. ـ[وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر فإن زال تغيره بنفسه عاد إلى طهوريته .. ]ـ مسألة - من الماء الطاهر ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر: معنى عبارته أن من الماء الطاهر ما تغير كثير - وهذا قيد هام فإن كان التغير قليلا فلا يدخل في كلامه - من أحد أوصافه اللون أو الطعم أو الرائحة بشيء طاهر. وهذه العبارة لابد من تقييد هذا الطاهر المُغيِّر بأمور وإلا لما استقامت العبارة وأصبحت غير صحيحة. لابد من تقييد الطاهر المُغِّير بأن يكون: ١ - من غير جنس الماء كالملح المعدني، وذلك تحرزا من الملح المائي فإنه طاهر ويغير الماء ولكنه لا يسلبه طهوريته. ٢ - أن يكون بوضع ما يشق صون الماء عنه، فما يشق صون الماء عنه

стр. 24

كالطحلب وورق الشجر إن غيَّر الماء لا يسلبه الطهورية ولكنه إن وضع قصدا سلبه الطهورية. ٣ - أن يكون غير موافق للماء في الطهورية كالتراب فإنه لا يسلب الماء طهوريته. ٤ - أن يكون مما يمازج الماء كالزعفران والحبر، ونحوهما، وذلك تحرزا مما لا يمازجه كالدُهْن فإنه لا يسلب الماء طهوريته. ٥ - ألا يكون في محل التطهير تحرزا مما لو كان التغير في محل التطهير فإنه لا يسلبه الطهورية وسيأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله. ٦ - ألا يكون تمرا ويصير نبيذا ويشتد، وهذه حالة خاصة من التغير الكثير لأحد أوصاف الماء بالطاهر وتحوله إلى طاهر أيضا، فالنبيذ إذا اشتد أو أتى عليه ثلاثة أيام فإنه يصير نجسا، وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله -. فائدة - حد التغير الكثير: هناك أنواعا من التغير تخرج الماء عن إطلاقه بحيث لا يسمى ماء بإطلاق بل يسمى مضافا. قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٤): (إن المضاف لا تحصل به الطهارة وهو على ثلاثة أضرب أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة وهو على ثلاثة أنواع أحدها ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد وماء القرنفل وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة. الثاني: ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغا أو حبرا أو خلا أو مرقا ونحو ذلك. الثالث: ما طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلا المغلي فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل ... قال أبو بكر بن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد وماء الشجر وماء العصفر ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء ولأن الطهارة إنما تجوز بالماء وهذا لا يقع عليه اسم الماء بإطلاقه).

стр. 25

وغير هذه الأنواع مما سبق ذكره لا تخرج الماء عن إطلاقه وتدخل على الراجح في الماء الطهور. مسألة - فإن زال تغير الماء الطاهر بنفسه عاد إلى طهوريته . وتعقب اللبدي قوله (بنفسه) فقال في "حاشيته على نيل المآرب" (ص/١٢): (ليس بقيد, بل إن زال تغيره بإضافة ونحوها عاد إلى طهوريته). إذن يعود الماء الطاهر المتغير لطهوريته بزوال التغير بنفسه، أو بضم شيء إليه وفي الأخير تفصيل سوف يأتي بإذن الله. ـ [ومن الطاهر: ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث .. ]ـ • حد القِلة: وحد القلة هو ما كان دون القلتين قال ابن قدامة في "الكافي" (١/ ٧): (جعلت القلتان حدا بين القليل والكثير) وسوف يأتي بإذن الله الكلام على تحديد القُلة. • معنى الاستعمال: سبق بيان معنى الاستعمال وأنه هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه. • جميع الأحداث سواء: قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٢٩): (جميع الأحداث سواء فيما ذكرنا - أي في سلبها لطهورية الماء القليل باستخدامها فيه - الحدث الأصغر والجنابة والحيض والنفاس وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته - وذلك لأن هناك رواية أخرى في المذهب بنجاسة المستعمل في غسل الميت -. مسألة - من الطاهر ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث: والمذهب به ثلاث روايات في هذا الماء الرواية المقدمة والتي عليها جماهير الأصحاب وهي ما اختارها الماتن أنه طاهر مسلوب الطهورية، والثانية أنه طهور، والثالثة انه نجس. • يستدل للرواية المصححة في المذهب -: بما رواه مسلم عن أبي السَّائِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: «يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا».

стр. 26

وجه الاستدلال: قال الزركشي في "شرحه على مختصر الخرقي" (١/ ١٣): (فلولا أن الغسل فيه لا يجزئ، وأن طهوريته تزول لم ينه عن ذلك). المناقشة: العلة غير منصوصة والجزم بأنها لخروجه عن الطهورية تحكم بلا دليل، والأولى أن تكون العلة النهي عن الاغتسال فيه لئلا يصير مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه. والدليل على أنه لا يصير مستعملا فهم أبو هريرة للحديث وقوله بأن يجوز أن يتناول منه للاغتسال أو الوضوء كما ورد في بعض طرق الحديث فدل على أن غمسه يده فيه للتناول بنية رفع الحدث لا تخرج الماء عن طهوريته. ومن الأدلة على أنه غير مسلوب الطهورية: • - ما سبق ذكره من أدلة تدل على أنه ﷺ كان يغتسل بفضل نسائه من الجنابة، وهذا الماء لا يسلم من تطاير رشاش إليه وتناول ونحو ذلك، وقد علل النبي اغتساله من هذا الماء بقوله ﷺ فيما رواه أحمد (٦/ ٣٣٠) من حديث ميمونة ﵂ مرفوعا: (الماء ليس عليه جنابة أو لا ينجسه شيء) وله شواهد يصح بها يدل على أنه لا ينتقل إليه الحدث. • - وأيضا قال ابن حزم في " المحلى" (١/ ١٨٤): (لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن كل متوضئ فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه وهكذا كل عضو في الوضوء وفي غسل الجنابة وبالضرورة والحس يدري كل ما مشاهد لذلك أن ذلك الماء قد وضئت به الكف وغسلت ثم غسل به أول الذراع ثم آخره وهذا ماء مستعمل بيقين ثم إنه يرد يده إلى الإناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضو فيأخذ ماء آخر للعضو الآخر فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر وهذا ما لا مَخْلَصَ منه).

стр. 27

ولا وجه لقول من فرق بين الماء الذي يجري على يد المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال وبين الماء المنفصل أو الذي ينتقل من عضو لعضو آخر لا يتصل به، وذلك لأن علة كونه مستعملا عندهم أن الحدث انتقل إليه بعد أن رفعه عن العضو فلا فرق بين أن ينفصل حقيقة عن العضو أو يبقى عليه بعد رفع الحدث عنه. • ومن الأدلة أيضا كل ما سبق من أدلة تدل على أن قسمة الماء ثنائية فمفادها عدم وجود هذا القسم وان ما كان من الماء متغيرا تغيرا حكميا باستعماله في رفع حدث يدخل في الماء الطهور؛ لأنه ليس بنجس ولا يكون مسلوب الطهورية. الترجيح: وبعد فالراجح هو كون الماء المستعمل في إزالة حدث طهور، وأن هذا الاستعمال لا يسلبه طهوريته. ـ [ما كان قليلا وانغمست فيه كل يد المسلم المكلف النائم ليلا نوما ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب .. ]ـ • التقييد بكون الماء دون القلتين: قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٣٨): (محل الخلاف إذا كان الماء الذي غمس يده فيه دون القلتين أما إن كان قلتين فأكثر فلا يؤثر فيه الغمس شيئا بل هو باق على طهوريته قاله الأصحاب وهو واضح). • حكم غسلها قبل الغمس: الخلاف هنا مبني على الخلاف في وجوب غسلها إذا قام من النوم، فمن قال بالوجوب فإن الغمس عنده يؤثر في الماء - بناء على القسمة الثلاثية - ويسلبه طهوريته، ومن قال بالاستحباب فلا يسلبه طهوريته، ويكون كالطهارة المستحبة. الماتن هنا عد هذا القسم من الماء المسلوب الطهورية يعني الغمس يؤثر في الماء إذن هو يرجح وجوب غسل اليدين إذا قام من النوم قبل غمسها في الإناء

стр. 28

وهذا صريح في عبارته حيث قال في آخرها: (قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب). روى البخاري (١/ ٧٢) (١٦٠)، ومسلم (١/ ٢٣٣) (٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) وليس عند البخاري التثليث. وهذا الحديث ظاهر في وجوب غسل اليد ثلاثا قبل أن يغمسها في الإناء، وقد اعتذر الجمهور عن الوجوب بأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الندب. وقد ردَّ ذلك الشوكاني فقال معقبا في "نيل الأوطار" (١/ ١٧٠): (وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في الحكم وفيه أن قوله: (لا يدري أين باتت يده) ليس تشكيكا في العلة بل تعليلا بالشك وأنه يستلزم ما ذكر). • هل يشترط أن يكون مسلما مكلفا: ظاهر قول الماتن ﵀: (المسلم المكلف) أن غمس الكافر، أو الصبي، والمجنون لا يؤثر في الماء، وهذا الظاهر صححه المرداوي، ومال إليه ابن قدامة في "المغني"، واختاره المجد في "شرح الهداية"، وغيرهم، والذي أراه أنه لا فرق بين غمس وغمس - على اعتبار أن الغمس يسلب الماء طهوريته- وذلك لأن الشارع جعل غمس القائم من النوم يده في الإناء سببا لسلب الماء طهوريته، وهذا من الأحكام الوضعية، ومن استدل على التفريق فقد نظر إليه من ناحية الحكم التكليفي على أن الأقوى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على أصح قولي المذهب بشرط تقدم الإسلام. أضف أن شمول الحكم للكافر والصبي والمجنون أولى من المسلم العاقل البالغ فالصبي لا يحسن الطهارة والكافر لا يستنزه من البول، والمجنون لا يعقل فهؤلاء أولى بسلب الماء طهوريته من المسلم العاقل البالغ الذي يحسن الطهارة ويستنزه من بوله. • هل يختص النوم بنوم الليل ؟ قوله ﷺ في الحديث: (أين باتت يده) يدل على أن النوم

стр. 29

المؤثر ما كان ليلا فالبيتوتة هي الدخول في الليل، وهو المذهب. قال الخليل بن أحمد: (البيتوتة دخولك في الليل تقول بت أصنع كذا إذا كان بالليل. وبالنهار ظللت ومن فسر بات على النوم فقد أخطأ ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجوم معناه بت أنظر إليها فكيف نام وهو ينظر إليها وتقول أباتهم الله إباتة حسنة فباتوا بيتوتة صالحة وأتاهم الأمر بياتا أي أتاهم في جوف الليل وبات يصلي). والذي أراه أن نوم النهار يلحق بنوم الليل، وأنه لا يعمل مفهوم المخالفة للحديث لأن ذكر البيتوتة فيه جريا على الغالب كقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: ٢٣] فالربيبة محرمة بالشرط المذكور وإن لم تكن في الحجر. كما أن العلة متحققة في كل نوم. وقال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٢٦٣): (التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة). • اشتراط النية: خالف الشيخ مرعي الصحيح من المذهب واشترط النية عند الغمس ليُسلَب الماء طهوريته. وقد ذكر المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٤٢): أن المذهب وما عليه جماهير الأصحاب أن الغمس يؤثر سواء كان قبل نية غسلها أو بعده، وقال القاضي ويحتمل أن لا يؤثر إلا بعد النية. وقد استدل ابن ضويان لاشتراط النية بحديث: (إنما الأعمال بالنيات). والصواب عدم اشتراط النية؛ لأن العلة كما بينها النبي ﷺ هي مظنة النجاسة، وخشية تنجيس الماء، وغسل النجاسة من باب التروك لا يفتقر لنية. • اشتراط التسمية: اشترط التسمية أيضا أبو الخطاب قياسا على الوضوء، وهذا القياس مع الفارق للنص على التسمية في الوضوء دون غمس اليدين، وليس هو مثله في أحكامه فافترقا.

стр. 30

مسألة - من الماء الطاهر ما كان قليلا وانغمست فيه كل يد المسلم المكلف النائم ليلا نوما ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب . والمذهب به روايتان في سلب هذا الغمس للماء طهوريته. وقوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) ليس فيه أن الماء يصير مستعملا، بل العلة كما هو ظاهر من الحديث هي احتمال وجود نجاسة في اليد، وكان الأولى أن يدور الخلاف بين العلماء على نجاسة الماء من عدمه، ولما كان الأصل في الماء الطهورية ونجاسة اليد مشكوك فيها فإنه لا ينتقل عن هذا الأصل بالشك، وعليه فهذا الماء طهور. النوع الثالث - الماء النجس: قال الماتن: ـ[الثالث: نجس يحرم استعماله إلا للضرورة ولا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث .. ]ـ مسألة - الماء النجس يحرم استعماله إلا لضرورة ولا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث: قال البهوتي في " كشاف القناع" (١/ ٣٨): (والماء النجس لا يجوز استعماله بحال) لقوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:١٥٧] والنجس خبيث (إلا لضرورة لقمة غص بها وليس عنده طهور ولا طاهر) لقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: ١٧٣] أو لعطش معصوم من آدمي أو بهيمة سواء كانت تؤكل كالإبل والبقر (أو لا) كالحمر والبغال (ولكن لا تحلب) ذات اللبن إذا سقيت النجس (قريبا) قلت: بل بعد أن تسقى طاهرا يستهلك النجس كما في الزرع إذا سمد بنجس (أو لطفي حريق متلف) لدفع ضرورة (ويجوز بل التراب به) أي بالماء النجس (وجعله) أي التراب (طينا يطين به ما لا يصلى عليه) لأنه لا يتعدى تنجيسه ولا يجوز أن يطين به نحو مسجد). ـ[وهو ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل .. ]ـ قيد الشيخ مرعي الشق الأول من الحد بقيدين وهما: وقوع النجاسة فيه، وكونه قليلا.

стр. 31

والقيد الأول تحرزا من الماء المتغير في محل تطهير النجاسة فهو طهور على الصحيح في المذهب، وذلك لأن الماء في محل التطهير هو الذي يرد على النجاسة لا أن النجاسة تقع فيه. مسألة - من الماء النجس ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل: والمذهب به روايتان في نجاسة هذا الماء الرواية المقدمة والتي عليها جماهير الأصحاب الحكم بنجاسة الماء القليل بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، والرواية الثانية لا ينجس إلا يتغير أحد أوصافه اختارها ابن عقيل والشيخ تقي الدين وغيرهما. • ومن أدلة من قال بنجاسته: حديث القلتين: عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينو به من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". ووجه الاستدلال بحديث القلتين: اعتبار مفهوم المخالفة فيه وذلك بأن الماء القليل، وهو ما دون القلتين تؤثر فيه النجاسة، ولأنه ولقلته قد تبقى النجاسة فيه فيفضي استعماله إلى استعمالها. مناقشة الاستدلال: ويجاب عن ذلك بأن هذا الجواب من النبي ﷺ إنما جاء جوابا لسؤال، وهذا مانع من اعتبار مفهوم المخالفة، ويكون معنى الحديث أن هذا الماء الذي تسألون عنه قد وصل من الكثرة لحد لا يحمل الخبث بل يستحيل فيه الخبث لكثرته. كما أن قوله ﷺ : (لا يحمل الخبث) يدل على أنه مدار التنجيس على حمل الماء للخبث. • واستدلوا أيضا بحديث النهي عن البول في الماء الدائم: والنهي ليس من أجل تنجيسه بمجرد البول، وإنما النهي لعلل وهي: ١ - سد للذريعة؛ لأن الإذن بالبول فيه قد يفضي إلى تنجيسه من كثرة توارد من يبول فيه.

стр. 32

٢ - لأن البول فيه يؤدي إلى استقذاره فالنفوس مجبولة على استقذار الماء الراكد الذي يبال فيه فيذهب عنهم نفعه ووجوه استعماله، ومن هنا تفهم علة النهي عن الاغتسال منه أيضا. ٣ - النهي لقطع الوساوس التي تطرأ على من يستخدم الماء الذي بيل فيه. • واستدلوا أيضا بخبر البلوغ وهو قياس مع الفارق لوجود جرثومة في لعاب الكلب لا تقتل إلا بالتراب، واستدلوا بخبر الاستيقاظ وقد سبق أن بينت أن الماء طهور. أدلة من قال بعدم تنجيسه ما لم يتغير: أولا - حديث يئر بضاعة: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، والحديث صححه الإمام أحمد وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهده. والماء صيغة عموم تشمل القليل والكثير، وكما سبق فإنه ليس مع من ذهب لتخصيصه بالكثير دليل يصح. قال ابن المنذر في "الإجماع" (ص: ٣٥): (وأجمعوا على أن الماء القليل، والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعما، أو لونا، أو ريحًا: أنه نجس ما دام كذلك) فجعل مدار التنجيس التغير لا الكثرة ولا القلة. ثانيا - تطهير بول الأعرابي: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه طهر قليل النجاسة بقليل الماء كما في حديث بول الأعرابي، وفيه دليل على أن الماء القليل الذي خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه طهور وإلا لما كان لصب الماء فائدة ولما طهر المسجد. ولا يقال أن هذا في محل التطهير لأنه كما سبق أن هذا التفريق لا يصح، والشرع لا يفرق بين المتماثلات، فنتيجة ورود الماء على النجاسة لتطهيرها هي بعينها نتيجة وقوع النجاسة في الماء، فكل منهما ماء قليل فيه نجاسة لم تغيره، فهو باق على إطلاقه.

стр. 33

الترجيح: وعليه فالراجح أن الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره أنه باق على إطلاقه ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغيرت أحد أوصافه. ـ[أو كان كثيرا وتغير بها أحد أوصافه .. ]ـ مسألة - من الماء النجس ما كان كثيرا وتغير بالنجاسة أحد أوصافه: قوله: (أو كان كثيرا وتغير بها أحد أوصافه) وأما الماء الكثير فلا ينجس إلا إن تغير وقد دلَّ على ذلك الإجماع، قال ابن المنذر في "الإجماع" (ص: ٣٥): (وأجمعوا على أن الماء القليل، والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعما، أو لونا، أو ريحًا: أنه نجس ما دام كذلك. وأجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لوناً ولا طعما ولا ريحا: أنه بحاله، ويتطهر منه). وقال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص/١٧) حيث قال: (واتفقوا أن الماء الراكد إذا كان من الكثرة بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه ولا شيء منهما فانه لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته). ـ[فإن زال تغيره بنفسه أو بإضافة طهور إليه أو بنزح منه ويبقى بعده كثير طهر .. ]ـ مسألة - إن زال تغير الماء النجس بنفسه طهر . ويزول تغيره بنفسه أي بمكثه بدون إضافة أو نزح، والمقصود استحالة النجاسة فيه. مسألة - إن زال تغير الماء النجس بإضافة طهور إليه طهر . والمكاثرة هي أن يصب فيه أو ينبع فيه ماء طهور. مسألة إن زال تغير الماء النجس بالنزح منه ويبقى بعده كثير طهر . والمقصود بالنزح هو أخذ ماء من البئر ونحوه وتفريغه.

стр. 34

ـ[والكثير قلتان تقريبا واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي وثمانون رطلا وسبعان ونصف سبع بالقدسي ومساحتهما أي القلتان ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا .. ]ـ قال ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص: ١٨): (القلتان: واحدتهما قلة، وهي الجَرَّة، سميت بذلك؛ لأن الرجل العظيم يقلها بيديه، أي يرفعها، يقال: قل الشيء وأقله: إذا رفعه). وقوله والكثير قلتان تقريبا، مشكل لأن التقريب ليس لكون الكثير قلتان، وإنما التقريب يتجه لمقدارهما. وقد ذكر عصام القلعجي في حاشيته على منار السبيل أنه جاء في النسخة الأصل زيادة لفظ (من قِلاَلِ هَجَرَ) قال: (فحذفتها من هذه النسخة لأنها ليست من المتن) وقد بحثت عن هذه الزيادة في ثلاث نسخ خطية وفي بعض النسخ المطبوعة فلم أجدها، وقد أثبتها أيضا الشيخ ابن جبرين ﵀ في النسخة التي كان يشرحها، ويكون على ذلك مراده بقوله: (تقريبا) أي كونهما من قِلاَلِ هَجَر، ولعله لم يشأ الجزم بكونها من هجر لعدم صحة ما ورد من المرفوع في تعيينها وسوف يأتي الكلام في ذلك قريبا - بإذن الله -. وعلى اعتبار عدم وجود هذه الزيادة فظاهر العبارة مشكل، ويتجه تأويلها لمقدارهما، ووجه صحة هذا التأويل أنه يصح إطلاق الشيء وإرادة ما يحل فيه، كقولنا: الجمرة لأنها المحل الذي يرمى فيه بالجمار، وهكذا. وكلا الوجهين في الجواب عن عبارته محتمل والثاني أولى وأوجه في حمل كلامه عليه. مسألة - الكثير قلتان واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي وثمانون رطلا وسبعان ونصف سبع بالقدسي ومساحتهما أي القلتان ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا: مقدارهما بالرِّطْل العراقي أو القدسي: وقد قمت بحساب مقدار القلتين بالجرام فكانتا تساويان ١٩١٢٥٠ جرام أي ٢٥٠ ,١٩١ كيلوجرام.

стр. 35

حجم القلتين: وحسبت حجمهما فكانتا تساويان ٢٣١.٩ سم٣ تقريبا. أي هو حجم مكعب طول ضلعه ٣ ,٧٧ سم تقريبا. ـ[فإذا كان الماء الطهور كثيرا ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور ولو مع بقائها فيه .. ]ـ مقصوده بالكثير هنا ما كان قلتين وما فوقهما لأن ما دون القلتين ينجس في المذهب بمجرد الملاقاة، وما كان قلتين فأكثر لابد وأن يتغير. مسألة - الماء الطهور الكثير لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة ولو مع بقائها فيه . والدليل على ذلك حديث بئر بضاعة والإجماع الذي سبق ذكرهما. ـ[وإن شك في كثرته فهو نجس .. ]ـ مسألة - الماء المشكوك في كثرته ولو لم يتغير بالنجاسة نجس . ووجه الرواية المصححة في المذهب والتي اختارها الماتن من الحكم بنجاسة هذا الماء: جعل الأصل في الماء القلة وعدم بلوغه مقدار القلتين، وتيقن حلول النجاسة فيه، والمذهب أن الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة، فلا ينتقل عن الأصل بالشك. ملاحظة: هذا الماء لم تغير النجاسة فيه أحد أوصافه وإلا لما حصل التردد في الحكم بنجاسة مع التغير حتى وإن كان كثيرا. ولا يصح أن يقال أن هذا الماء تردد فيه بين الطهورية والتنجيس فنحكم بالطهورية، بمعنى أن هذا الماء إن كان كثيرا ولم تظهر فيه أثر النجاسة فهو طهور، وإن كان قليلا تنجس بمجرد الملاقاة، وعليه فلما تردد الماء بين الطهورية والتنجيس حكمنا بالطهورية؛ لأنا نقول أن محل هذا الكلام لو كان الشك في التنجيس لا في قلة الماء وكثرته، ومسألتنا أننا تيقنا وقوع النجاسة فلا يصح أن يقال أن الأصل في هذا الماء الطهورية للأخذ في الاعتبار بحلول النجاسة فيه. الترجيح: والراجح عندنا أن الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وأن هذا الماء الغير

стр. 36

المتغير طهور. ـ[وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة .. ]ـ وقوله: (اشتبه) مقصوده بالاشتباه هنا مجرد اختلاط آنية الماء الطهور بآنية الماء النجس (١). وقوله: (ما تجوز به الطهارة) أي الماء الطهور. وقوله: (بما لا تجوز به الطهارة) ظاهره أنه يشمل الماء النجس والطاهر حقيقة أو حكما إلا أن ما ذكره من أحكام تخص النجس كما أنه الكلام لا يزال موصولا عن أحكام النجس دون الطاهر، فالماء الطاهر غير مقصود هنا. مسألة - وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة: تحرير محل النزاع: هناك أربعة حالات لا يتحر فيها قولا واحدا، وهي خارجة عن محل النزاع (الخلاف في المذهب): ١ - لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز التحري إن تساوت عدد الآنية، وإنما محل الخلاف في التحري عند كثرة عدد آنية الماء الطهور، وظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز له التحري بحال، وفي رواية الجواز عند كثرة أنية الطهور، واختارها جماعة من الأصحاب. ٢: ٤ - وقال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٧٣): (محل الخلاف: إذا لم يكن عنده طهور بيقين. أما إذا كان عنده طهور بيقين. فإنه لا يتحرى، قولا واحدا. ومحل الخلاف أيضا: إذا لم يمكن تطهير أحدهما بالآخر: فإن أمكن تطهير أحدهما بالآخر: امتنع من التيمم. قاله الأصحاب؛ لأنهم إنما أجازوا التيمم هنا بشرط عدم القدرة على استعمال الطهور. وهنا هو قادر على استعماله. مثاله: أن يكون الماء النجس دون القلتين بيسير. والطهور قلتان فأكثر بيسير، أو يكون كل واحد

стр. 37

قلتين فأكثر. ويشتبه. ومحل الخلاف أيضا: إذا كان النجس غير بول. فإن كان بولا لم يتحر، وجها واحدا. قاله في الكافي، وابن رزين، وغيرهما). روايات المذهب: قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧١): (قوله (وإن اشتبه الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب) وهو من مفردات المذهب. وعنه يتحرى إذا كثر عدد الطاهر). قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٣): (لأنه اشتبه المباح بالمحظور، فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحري، كما لو كان النجس بولاً أو كثر عدد النجس، أو اشتبهت أخته بأجنبيات، قاله في الكافي). نعم هذا هو الراجح من أقوال المذهب فإنه إذا اجتمع حلال وحرام غلب الحرام. وأما الراجح بناء على الأدلة فإنه قد سبق وأن رجحت أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وفي هذه الحالة لا يمكن اشتباه الطهور بغيره إلا في حالة أن يكون التنجس بلعاب الكلب ففي هذه الحالة إن استطاع التمييز بين المائين ببعض القرائن كوجود شعرات من الكلب داخل الماء مثلا، فإنه يتحرى، فإن لم يترجح له طهورية أحد الآنية فإنه يتيمم بدون إراقة؛ لأنه قد يحتاج إليه في نحو إزالة غصة عند خشية الهلاك، أو بل التراب، أو طفئ حريق متلف، ونحو ذلك من وجوه الاستعمال التي سبق ذكرها. ـ[ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله .. ]ـ مسألة - ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله: قال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل" (ص/١٢٣): (لأن استعمال ما فيه النجاسة في العبادات لا يجوز، فالواجب على من يرى إنسانا يريد استعمال شيء فيه نجاسة من ماء أو ثياب أو نحوهما أن يخبره بذلك ليبتعد عن ما نهى الله عنه وهو من واجب النصيحة للمسلم لقوله ﷺ :"الدين النصيحة" وقوله ﷺ : " المؤمن مرآة المؤمن" أي يكون له كالمرآة فإذا رأى فيه عيبا أو رآه يفعل خطأ نهاه عن ذلك وأرشده إلى الصواب).

стр. 38

باب الآنية: ـ[يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما .. ]ـ الآنية هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره، سواء كانت من الحديد، أو الخشب، أو الجلود، أو غير ذلك (١). ثمينة: أي كثير الثمن، كالمتخذة من جوهر وياقوت وزمرد، ونحو ذلك. تعريف المموه وما في معناه: قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٩): (إناء (مموه) وهو إناء من نحو نُحَاس يلقى فيما أذيب من ذهب أو فضة، فيكتسب لونه. (و) إناء (مَطْلِيّ) بذهب أو فضة، بأن يجعلا كَالْوَرَق ويطلى به الإناء من نحو حديد. (و) إناء (مُطَعَّمٌ) بذهب أو فضة، بأن يحفر في الإناء من نحو خشب حفرا، ويوضع فيه قطع ذهب أو فضة بقدرها. (و) إناء (مُكَفَّتٌ) بأن يبرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ويوضع فيها شريط دقيق من ذهب أو فضة، ويدق عليه حتى يلصق). - الفرق بين الاتخاذ والاستعمال: قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٧٢): (هناك فرق بين الاتخاذ والاستعمال، فالاتخاذ هو: أن يقتنيه فقط إما للزينة، أو لاستعماله في حالة الضرورة، أو للبيع فيه والشراء، وما أشبه ذلك. أما الاستعمال: فهو التلبس بالانتفاع به، بمعنى أن يستعمله فيما يستعمل فيه). مسألة - يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا . الراجح إباحة استخدام الأواني الثمينة من غير النقدين. وهو قول جمهور العلماء إلا أنه لم يصح فيه الإجماع. مسألة - لا يباح اتخاذ ولا استعمال آنية الذهب والفضة . الراجح تحريم اتخاذ واستعمال آنية الذهب والفضة، وأما ما ورد في بعض

стр. 39

الأدلة من ذكر الأكل والشرب فقط فهو من باب التنبيه بالبعض على الكل والعلة تعمم معلولها. قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٥٥): ((ولا) يباح اتخاذا ولا استعمالا إناء (من ذهب و) لا من (فضة)، لحديث حذيفة مرفوعا «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» وعن أم سلمة ترفعه «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليهما. والجرجرة: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. وغير الأكل والشرب في معناهما، لأنهما خرجا مخرج الغالب، ولأن في ذلك سرفا وخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وتضييق النقدين). بيان علل التحريم: التشبه بالأعاجم والكفار: وقد ذكر ابن تيمية أن اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة فيه تشبه بالكفار فقال في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٣٦٠): (قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه). ٢ - تضييق النقدين: قال تقي الدين في " شرح عمدة الفقه" (١/ ١١٤): (لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور). ولا يقال أن العلة منقوضة بما أذن الشرع في استعماله كالحلي للنساء فالترخيص في ذلك للدليل، وتجويز غيرها وقياسها عليه يؤدي إلى تضييق العلة. وأما ما قيل من أن العلة هي كسر قلوب الفقراء، وقال بهذا جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة. وهذه العلة غير منضبطة فقلوب الفقراء تنكسر بالمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والبيوت الواسعة والأطعمة اللذيذة وغير ذلك من المباحات ومع كون هذه

стр. 40

الأشياء مما ينكسر بها قلوب الفقراء لم يحرمها الشارع بل هي مباحة - ما لم يكن فيها إسراف -، وعليه فهذه العلة لا يناط بها حكم التحريم. الترجيح: والراجح أن العلة مركبة من كل ما سبق، والعلة تعمم معلولها وعليه فالنهي لا يخص الأكل والشرب فقط بل كل وجوه الاستعمال ولا يخرج عن ذلك إلا ما دلّ عليه الدليل كجواز التحلي بالذهب والفضة للنساء. مسألة - لا يباح اتخاذ ولا استعمال الآنية المموهة بالذهب أو الفضة. والقول بعدم جواز اتخاذ واستعمال هذه الآنية المموهة والمطلية - ونحو ذلك - بالذهب أو الفضة هو الأصح في المذهب وهو القول الراجح؛ لعموم الأدلة السابق ذكرها، ولتحقق علل التحريم في هذه الحالة، بالإضافة إلى أنه لا يوجد حاجة للتمويه والطلاء، بل هو من باب السرف والتزين. ـ[وتصبح الطهارة بهما وبالإناء المغصوب .. ]ـ مسألة - تصح الطهارة بآنية الذهب والفضة وبالإناء المغصوب . وقوله: (بها) أي بأن يغترف بها الماء ويصبه على أعضاء وضوئه. وكما أنه يصح بها فيصح (منها) بأن يغترف منها بيده، و (فيها) كما لو غصب حوضا يسع قلتين فأكثر، فملأه ماء مباحا وانغمس فيه بنية رفع الحدث، فيرتفع حدثه؛ لأن الإناء ليس شرطا، و (إليها) بأن يجعله مصبا لماء الوضوء والغسل، كالطَّشْت؛ لأن الماء يقع فيه بعد أن رفع الحدث. وقد رجح ابن قدامة في "المغنى" (١/ ٥٦) قول الأكثرين بصحة الطهارة منها فقال: (يفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن أفعال الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود، في الدار المغصوبة؛ محرم؛ لكونه تصرفا في ملك غيره بغير إذنه، وشغلا له، وأفعال الوضوء؛ من الغسل، والمسح، ليس بمحرم، إذ ليس هو استعمالا للإناء، ولا تصرفا فيه، وإنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء غيره، ثم توضأ به؛ ولأن المكان شرط للصلاة، إذ لا يمكن وجودها في غير مكان، والإناء ليس بشرط، فأشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب).
следующие страницы →