المتغير طهور.
ـ[وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة .. ]ـ
وقوله: (اشتبه) مقصوده بالاشتباه هنا مجرد اختلاط آنية الماء الطهور بآنية الماء النجس (١).
وقوله: (ما تجوز به الطهارة) أي الماء الطهور.
وقوله: (بما لا تجوز به الطهارة) ظاهره أنه يشمل الماء النجس والطاهر حقيقة أو حكما إلا أن ما ذكره من أحكام تخص النجس كما أنه الكلام لا يزال موصولا عن أحكام النجس دون الطاهر، فالماء الطاهر غير مقصود هنا.
مسألة - وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة:
تحرير محل النزاع:
هناك أربعة حالات لا يتحر فيها قولا واحدا، وهي خارجة عن محل النزاع (الخلاف في المذهب):
١ - لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز التحري إن تساوت عدد الآنية، وإنما محل الخلاف في التحري عند كثرة عدد آنية الماء الطهور، وظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز له التحري بحال، وفي رواية الجواز عند كثرة أنية الطهور، واختارها جماعة من الأصحاب.
٢: ٤ - وقال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٧٣): (محل الخلاف: إذا لم يكن عنده طهور بيقين. أما إذا كان عنده طهور بيقين. فإنه لا يتحرى، قولا واحدا.
ومحل الخلاف أيضا: إذا لم يمكن تطهير أحدهما بالآخر: فإن أمكن تطهير أحدهما بالآخر: امتنع من التيمم. قاله الأصحاب؛ لأنهم إنما أجازوا التيمم هنا بشرط عدم القدرة على استعمال الطهور. وهنا هو قادر على استعماله. مثاله: أن يكون الماء النجس دون القلتين بيسير. والطهور قلتان فأكثر بيسير، أو يكون كل واحد
стр. 37
قلتين فأكثر. ويشتبه. ومحل الخلاف أيضا: إذا كان النجس غير بول. فإن كان بولا لم يتحر، وجها واحدا. قاله في الكافي، وابن رزين، وغيرهما).
روايات المذهب:
قال المرداوي في " الإنصاف" (١/ ٧١): (قوله (وإن اشتبه الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب) وهو من مفردات المذهب. وعنه يتحرى إذا كثر عدد الطاهر).
قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٣): (لأنه اشتبه المباح بالمحظور، فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحري، كما لو كان النجس بولاً أو كثر عدد النجس، أو اشتبهت أخته بأجنبيات، قاله في الكافي).
نعم هذا هو الراجح من أقوال المذهب فإنه إذا اجتمع حلال وحرام غلب الحرام.
وأما الراجح بناء على الأدلة فإنه قد سبق وأن رجحت أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وفي هذه الحالة لا يمكن اشتباه الطهور بغيره إلا في حالة أن يكون التنجس بلعاب الكلب ففي هذه الحالة إن استطاع التمييز بين المائين ببعض القرائن كوجود شعرات من الكلب داخل الماء مثلا، فإنه يتحرى، فإن لم يترجح له طهورية أحد الآنية فإنه يتيمم بدون إراقة؛ لأنه قد يحتاج إليه في نحو إزالة غصة عند خشية الهلاك، أو بل التراب، أو طفئ حريق متلف، ونحو ذلك من وجوه الاستعمال التي سبق ذكرها.
ـ[ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله .. ]ـ
مسألة - ويلزم من علم بنجاسة شيء إعلام من أراد أن يستعمله:
قال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل" (ص/١٢٣): (لأن استعمال ما فيه النجاسة في العبادات لا يجوز، فالواجب على من يرى إنسانا يريد استعمال شيء فيه نجاسة من ماء أو ثياب أو نحوهما أن يخبره بذلك ليبتعد عن ما نهى الله عنه وهو من واجب النصيحة للمسلم لقوله ﷺ :"الدين النصيحة" وقوله ﷺ : " المؤمن مرآة المؤمن" أي يكون له كالمرآة فإذا رأى فيه عيبا أو رآه يفعل خطأ نهاه عن ذلك وأرشده إلى الصواب).
стр. 38
باب الآنية:
ـ[يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما .. ]ـ
الآنية هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره، سواء كانت من الحديد، أو الخشب، أو الجلود، أو غير ذلك (١).
ثمينة: أي كثير الثمن، كالمتخذة من جوهر وياقوت وزمرد، ونحو ذلك.
تعريف المموه وما في معناه:
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٩): (إناء (مموه) وهو إناء من نحو نُحَاس يلقى فيما أذيب من ذهب أو فضة، فيكتسب لونه. (و) إناء (مَطْلِيّ) بذهب أو فضة، بأن يجعلا كَالْوَرَق ويطلى به الإناء من نحو حديد. (و) إناء (مُطَعَّمٌ) بذهب أو فضة، بأن يحفر في الإناء من نحو خشب حفرا، ويوضع فيه قطع ذهب أو فضة بقدرها. (و) إناء (مُكَفَّتٌ) بأن يبرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ويوضع فيها شريط دقيق من ذهب أو فضة، ويدق عليه حتى يلصق).
- الفرق بين الاتخاذ والاستعمال:
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٧٢): (هناك فرق بين الاتخاذ والاستعمال، فالاتخاذ هو: أن يقتنيه فقط إما للزينة، أو لاستعماله في حالة الضرورة، أو للبيع فيه والشراء، وما أشبه ذلك. أما الاستعمال: فهو التلبس بالانتفاع به، بمعنى أن يستعمله فيما يستعمل فيه).
مسألة - يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا .
الراجح إباحة استخدام الأواني الثمينة من غير النقدين. وهو قول جمهور العلماء إلا أنه لم يصح فيه الإجماع.
مسألة - لا يباح اتخاذ ولا استعمال آنية الذهب والفضة .
الراجح تحريم اتخاذ واستعمال آنية الذهب والفضة، وأما ما ورد في بعض
стр. 39
الأدلة من ذكر الأكل والشرب فقط فهو من باب التنبيه بالبعض على الكل والعلة تعمم معلولها.
قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٥٥): ((ولا) يباح اتخاذا ولا استعمالا إناء (من ذهب و) لا من (فضة)، لحديث حذيفة مرفوعا «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» وعن أم سلمة ترفعه «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليهما. والجرجرة: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. وغير الأكل والشرب في معناهما، لأنهما خرجا مخرج الغالب، ولأن في ذلك سرفا وخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وتضييق النقدين).
بيان علل التحريم:
التشبه بالأعاجم والكفار:
وقد ذكر ابن تيمية أن اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة فيه تشبه بالكفار فقال في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٣٦٠): (قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه).
٢ - تضييق النقدين:
قال تقي الدين في " شرح عمدة الفقه" (١/ ١١٤): (لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور).
ولا يقال أن العلة منقوضة بما أذن الشرع في استعماله كالحلي للنساء فالترخيص في ذلك للدليل، وتجويز غيرها وقياسها عليه يؤدي إلى تضييق العلة.
وأما ما قيل من أن العلة هي كسر قلوب الفقراء، وقال بهذا جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة.
وهذه العلة غير منضبطة فقلوب الفقراء تنكسر بالمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والبيوت الواسعة والأطعمة اللذيذة وغير ذلك من المباحات ومع كون هذه
стр. 40
الأشياء مما ينكسر بها قلوب الفقراء لم يحرمها الشارع بل هي مباحة - ما لم يكن فيها إسراف -، وعليه فهذه العلة لا يناط بها حكم التحريم.
الترجيح:
والراجح أن العلة مركبة من كل ما سبق، والعلة تعمم معلولها وعليه فالنهي لا يخص الأكل والشرب فقط بل كل وجوه الاستعمال ولا يخرج عن ذلك إلا ما دلّ عليه الدليل كجواز التحلي بالذهب والفضة للنساء.
مسألة - لا يباح اتخاذ ولا استعمال الآنية المموهة بالذهب أو الفضة.
والقول بعدم جواز اتخاذ واستعمال هذه الآنية المموهة والمطلية - ونحو ذلك - بالذهب أو الفضة هو الأصح في المذهب وهو القول الراجح؛ لعموم الأدلة السابق ذكرها، ولتحقق علل التحريم في هذه الحالة، بالإضافة إلى أنه لا يوجد حاجة للتمويه والطلاء، بل هو من باب السرف والتزين.
ـ[وتصبح الطهارة بهما وبالإناء المغصوب .. ]ـ
مسألة - تصح الطهارة بآنية الذهب والفضة وبالإناء المغصوب .
وقوله: (بها) أي بأن يغترف بها الماء ويصبه على أعضاء وضوئه. وكما أنه يصح بها فيصح (منها) بأن يغترف منها بيده، و (فيها) كما لو غصب حوضا يسع قلتين فأكثر، فملأه ماء مباحا وانغمس فيه بنية رفع الحدث، فيرتفع حدثه؛ لأن الإناء ليس شرطا، و (إليها) بأن يجعله مصبا لماء الوضوء والغسل، كالطَّشْت؛ لأن الماء يقع فيه بعد أن رفع الحدث.
وقد رجح ابن قدامة في "المغنى" (١/ ٥٦) قول الأكثرين بصحة الطهارة منها فقال: (يفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن أفعال الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود، في الدار المغصوبة؛ محرم؛ لكونه تصرفا في ملك غيره بغير إذنه، وشغلا له، وأفعال الوضوء؛ من الغسل، والمسح، ليس بمحرم، إذ ليس هو استعمالا للإناء، ولا تصرفا فيه، وإنما يقع ذلك بعد رفع الماء من الإناء، وفصله عنه، فأشبه ما لو غرف بآنية الفضة في إناء غيره، ثم توضأ به؛ ولأن المكان شرط للصلاة، إذ لا يمكن وجودها في غير مكان، والإناء ليس بشرط، فأشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب).
стр. 41
ـ[ويباح إناء ضبب بضبة يسيرة من الفضة لغير زينة .. ]ـ
تعريف المضبب:
المقصود بالإناء المضبب هنا هو ما أصابه شَّق أو كسر ونحوه فيذاب في شَّقه شيء من الذهب أو الفضة أو يربط كسره بسلك منهما، أو يوضع عليه لوح عريض تضمه وتحفظه.
مسألة - يباح إناء ضبب بضبة يسيرة من الفضة لغير زينة:
ومن أقوى أدلة الجواز:
روى البخاري في "صحيحه" (٤/ ٨٣) حديث رقم (٣١٠٩) من حديث أنس ﵁ «أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّة».
والضمير في قوله: "فاتخذ" يحتمل أن يعود للنبي ﷺ ، أو لأنس ﵁ والظاهر من بعض الروايات الأخرى أن الفاعل هو أنس، ولكن الأمر لا يعدو الاحتمال فلا يستدل به على أحد الاحتمالين دون الآخر.
أدلة من ذهب إلى التحريم:
• ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥/ ١٠٤) أثر رقم (٢٤١٥١) عن ابن عمر: «أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة، ولا ضَّبَّة فضة» رواته ثقات وإسناده صحيح، وهو فعل صحابي معارض بفعل أنس كما سبق.
• ما رواه مَعْمَر بن راشد في "جامعه" (١١/ ٧٢ - مصنف) أثر رقم (١٩٩٤٦)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٨/ ٣٨٢) أثر رقم (٥٩٦٧) عن أيوب السِّخْتِيَانِي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ «أنها كرهت الشراب في الإناء المفضض» ورواته ثقات.
• أما ما رواه الفاكهي في "فوائد" (ص/٢٧٠) حديث رقم (١٠٠) عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: (من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم).
فإسناده ضعيف وزيادة (أو إناء فيه شيء من ذلك) زيادة منكرة، والحديث قال عنه الذهبي في "الميزان": "منكر"، وضعفه ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠١).
стр. 42
الترجيح:
الراجح التفريق بين التضبيب وغيره؛ لأن الحاجة تدعو للتضبيب بخلاف المموه وما في معناه.
• وقد فرق الماتن وغيره بين القليل والكثير، وهذا التفريق غير منضبط ولا دليل عليه، فالراجح جواز استخدام ما تدعوا إليه الحاجة من الفضة - دون فرق بين قليل أو كثير - لإصلاح ما أصابه شَّق أو كسر من الآنية للحديث الوارد في ذلك.
وإيضاح ذلك: أن تحريم استعمال الذهب والفضة ليس لشيء في ذاتهما كالنجاسة مثلا، وإنما هما محرمان لعلل خارجة عن ماهيتهما - كما سبق بيان علل التحريم ومنها: التشبه بالأعاجم والكفار، وتضييق النقدين -، وكما هو مقرر أن ما حرم سدا للذريعة فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة.
ـ[وآنية الكفار وثيابهم طاهرة .. ]ـ
مسألة - آنية الكفار طاهرة .
يعني أن هذا هو الأصل ما لم يعلم نجاستهما أو يغلب على الظن. وهذا القول الذي اختاره الماتن هو الصحيح في المذهب وهو الراجح.
استدل من قال بالجواز بأدلة منها:
الدليل الأول:
استدلوا بما رواه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٩٣) حديث رقم (١٧٧٢) عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قال: أصبت جرابا من شحم، يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، قال: «فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ متبسما».
وجه الاستدلال:
تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والجراب يدخل ضمن أوانيهم ولو كان نجسا لأمره النبي بغسله وغسل الشحم الذي بداخله.
стр. 43
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وجه الاستدلال:
أن الله تعالى أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً في أوانيهم فدل على جواز الأكل من أوانيهم وأنها لا تنجس ما بها من طعام، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ أكل من الشَّاة المسمومة التي أُهديت له ﷺ في خيبر.
أدلة من قال بالمنع:
استدلوا بما رواه الشيخان من طريق عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، قال: قلت: يا نبي الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها».
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها) صريح في المنع من استعمالها عند توفر غيرها، أو قبل غسلها بالماء، فدل على أن الأصل في آنيتهم المنع وأن العلة هي نجاستها وعدم تحرزهم من شرب الخمر أو أكل الخنزير فيها كما ورد في بعض الروايات والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
مناقشة الاستدلال:
كثير من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرفوا بمباشرة النَّجاسات من أكل الخنزير، وشرب الخمر نحو ذلك، ولا يقال أن العبرة بعموم اللفظ بل يقال: العلة تعمم معلولها وقد تخصصه، فمتى تحققت العلة وجد المنع، وإلا فلا منع هذا هو مقتضى إعمال القواعد الأصولية.
الترجيح:
الراجح هو القول المشهور في المذهب من أن آنية الكفار مباحة الاستعمال إن جهل حالها ولم نتيقن أو يغلب على ظننا تنجسها وإلا فيجب الغسل.
стр. 44
مسألة - ثياب الكفار طاهرة .
الراجح هنا أيضا هو نفس القول السابق في الآنية من أن الأصل طهارتها إلا أن نتيقن أو يغلب على الظن نجاستها.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ٨٤): (وقوله "وثيابهم" أي تُباحُ ثيابُهم وهذا يشمل ما صنعوه وما لبسوه، فثيابهم التي صَنَعوها مباحة، ولا نقول: لعلهم نسجوها بمنْسَج نجس؛ أو صَبغُوها بصبغ نجس؛ لأنَّ الأصل الحِلُّ والطَّهارة، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنه يُباح لنا لُبسه ...
وقوله - أي الحجاوي في "الزاد" عن ثياب الكفار وأنها مباحة - "إن جُهل حالها" هذا له مفهومان:
الأول: أن تُعلَمَ طهارتُها.
الثاني: أن تُعلَمَ نجاستُها، فإن عُلِمتْ نجاستُها فإنها لا تُستعمل حتى تُغسل. وإن عُلمتْ طهارتُها فلا إشكال، ولكن الإشكال فيما إذا جُهل الحال، فهل نقول: إن الأصل أنهم لا يتوقَّون النَّجاسات وإنَّها حرام، أو نقول: إن الأصل الطَّهارة حتى يتبيَّن نجاستها؟ الجواب هو الأخير).
ـ[ولا ينجس شيء بالشك ما لم تعلم نجاسته .. ]ـ
مسألة - لا ينجس شيء بالشك ما لم تعلم نجاسته .
هذا تأكيد وتعميم وتقعيد للمسألة السابقة من حل ثيابهم وآنيتهم ما لم يعلم نجاستها، والقاعدة العامة التي قررها العلماء لتنتظم بها الفروع الفقهية التي تندرج تحتها هي قاعدة ((اليقين لا يزول بالشك))، وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الخمس الكبرى التي ذكر العلماء أنها مبنى الفقه، والدليل عليها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا».
стр. 45
ـ[وعظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعَصَبها وجلدها نجس ولا يطهر بالدباغ، والشعر والصوف والريش طاهر إذا كان من ميتة طاهرة في الحياة ولو كانت غير مأكولة كالهر والفأر .. ]ـ
حافرها: الحافر من الدواب ما يقابل القدم من الإنسان، والحافر يكون في الخيل، وهو كالخف الذي يكون في الإبل.
عَصَبها: بفتحتين أطناب مفاصل الحيوان، المقصود أنها كالخيوط التي تتصل بها مفاصل العظام وتشدها، وبها تكون الحركة والحس من المخ إلى البدن. ويحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة فيقطعونه ويجعلونه شبه الْخَرَزِ، فإذا يبس يتخذون منه القلائد.
طاهرة في الحياة: الحيوان من ناحية حل أكله قسمان حلال الأكل كبهيمة الأنعام فهذه طاهرة في الحياة وغير حلال الأكل كالخنزير والكلب والحمار الإنسي فهذه غير طاهرة في الحياة، ولكن استثني منها في المذهب الهر وما دونه في الخلقة مما ليس مأكولا وحكم بطهارتهم في حال الحياة للمشقة (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
فائدة - الحياة نوعان:
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٩٧): (الحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية؛ فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين وإنما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية).
مسألة - عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعَصَبها نجس .
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ٩٩): (وأما العظام ونحوها: فإذا قيل: إنها داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم. قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ؛ فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند
стр. 46
جمهور العلماء مع أنها ميتة موتا حيوانيا. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: ﴿إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء﴾ ... وإذا كان كذلك: علم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فإذا مات لم يحتبس فيه الدم؛ فلا ينجس. فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا؛ فإن العظم ليس فيه دم سائل ولا كان متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع. فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل: فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل؟ ... وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظُّفْر والظلف - أي الظُّفْر المشقوق للبقرة والشاة ونحوهما - وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢١/ ١٠١): (الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في سائر أجزائها والنبي ﷺ جعل دباغه ذكاته؛ لأن الدباغ ينشف رطوباته؛ فدل على أن سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه رطوبة سائلة وما كان فيه منها فإنه يجف وييبس وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد فهو أولى بالطهارة من الجلد).
إذن الراجح أن عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعَصَبها طاهر.
مسألة - جلد الميتة نجس لا يطهر بالدباغ .
هذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب، ومن الأدلة عليه ما رواه أبو داود وغيره عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ، قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» صححه الشيخ الألباني.
وهو معارض بما رواه الشيخان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: مَاتَتْ شَاةٌ لِمَيْمُونَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ طُهُورُهُ» واللفظ لأبي داود.
وقد اختلف العلماء في الجمع بين الحديثين والأقوى أنه لا تعارض بينهما فإنما نهي النبي عن الإهاب وهو اسم للجلد قبل الدباغ وقرينة ذلك ذكر العصب معه وهو
стр. 47
لا يدبغ، وأرشدهم لدبغه ليحل الانتفاع به، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَه: إِهَابٌ، إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً ".
مسألة - الشعر والصوف والريش طاهر إذا كان من ميتة طاهرة في الحياة ولو كانت غير مأكولة كالهر والفأر .
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٩٨): (الشعر حياته من جنس حياة النبات؛ لا من جنس حياة الحيوان؛ فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه ... ).
قال الشيخ الحمد في "شرح الزاد": (ومما استدل به أهل العلم على أن هذه الأشياء ـ أي الصوف ـ أنها طاهرة وليست بنجسه، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، فذكر الله أن مِنْ مِنَنِهِ على عباده أنه منّ عليهم بالأصواف والأوبار والشعور يتمتعون بها في هذه الحياة، وما كان في سياق الامتنان فإنه يدل على العموم ـ كما هو معروف عند أهل العلم ـ فتكون هذه الأصواف وغيرها طاهرة في كل حال لأن الآية تدل على العموم.
وهي ـ عند جمهور العلماء طاهرة، وقالوا: يشترط أن تكون من طاهر في الحياة.
إذن: إذا جُزّت من بهيمة الأنعام ونحوها مما هو طاهر في الحياة سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول فإنها طاهرة.
ـ أما إذا جُزّت من كلب ونحوه مما هو نجس في الحياة فمذهب جمهور أهل العلم أنها لا تكون طاهرة.
ـ وذهب شيخ الإسلام إلى أنها طاهرة ـ وهذا على مذهبه ـ في أن المستحيل من النجس ليس بنجس، فإذا استحال شيء من النجاسات إلى شيء آخر فليس بنجس، فالشعر الخارج من الحيوانات النجسة ليس بنجس وهذا القول هو الراجح).
وعليه فالشعر والصوف والريش طاهر سواء أكان من حيوان مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم.
стр. 48
ـ[ويسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقية .. ]ـ
مسألة - يسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقية .
قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ١٥): (لحديث جابر أن النبي ﷺ قال: "أوك سقاءك، واذكر اسم الله وخمر إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عوداً" متفق عليه).
وهذا الأمر بالإيكاء والتخمير إرشادي فلا يكون للوجوب.
وعلل التغطية هي:
١ - عدم نزول الوباء. فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء».
٢ - صيانته من الشيطان - فقد روى مسلم عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا، ويذكر اسم الله، فليفعل).
٣ - صيانة الماء من الهوام والحشرات والمقذرات فربما وقع شيء منها فيه فيتناوله وهو غافل أو يفسد عليه ما في الإناء من طعام أو شراب.
باب الاستنجاء وآداب التخلي:
مسألة -
ـ[الاستنجاء هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور أو حجر طاهر مباح منق .. ]ـ
الاستنجاء لغة: يطلق الاستنجاء في اللغة على عدة معان ومنها ما ذكره ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص/٢٣): (الاستنجاء إزالة النَّجْو وهو العذرة عن الجوهري، وقيل هو من النَّجْوَة وهي ما ارتفع من الأرض كأنه يطلبها ليجلس تحتها قاله ابن قتيبة وقيل لارتفاعهم وتجافيهم عن الأرض، وقيل هو من النَّجْو
стр. 49
وهو القطع يقال نجوت الشجرة وأنجيتُها واستنجيتُها إذا قطعتُها فكأنه قطع الأذى عنه باستعمال الماء).
وأقرب المعاني للمعنى الاصطلاحي الذي ذكره الماتن هو المعنى الأول.
• قوله: (إزالة) أولى من قول: (هو زوال)؛ لأنه لابد من فاعل فلا يزول بقايا الخارج وأثره بنفسه.
• قوله: (ما خرج من السبيلين) ظاهره أنه يجب الاستنجاء من كل خارج من السبيلين سواء أكان الخارج معتادا كالبول والغائط، أو نادرا كالدود والحصى. أو يقال: ظاهره يشمل ما كان طاهرا كالمني، والريح، والولد العاري عن الدم، والحصى، وما كان نجسا، والنجس قسمان ملوِّث كالعذرة وغير ملوَّث كالدود ونحو ذلك وسيأتي بيان أن هذا العموم غير مراد عند قول الماتن: (ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الطاهر والنجس الذي لم يلوِّث المحل).
• قوله: (من السبيلين)) أي القبل والدبر الأصليين.
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٠٦): (وإن انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر , لم يجزه الاستجمار فيه؛ لأنه غير السبيل المعتاد وحكي عن بعض أصحابنا أنه يجزئه؛ لأنه صار معتادا. ولنا , أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم تثبت فيه أحكام الفرج , فإنه لا ينقض الوضوء مسه , ولا يجب بالإيلاج فيه حد ولا مهر ولا غسل , ولا غير ذلك من الأحكام , فأشبه سائر البدن).
• قوله (بماء طهور) أخرج الماء الطاهر والنجس فلا يجوز الاستنجاء بهما، وسبق بيان أن الراجح أن الماء الطاهر يزيل الخبث فيجوز الاستنجاء به ما لم يخرج عن إطلاقه.
• قوله: (أو حجر طاهر مباح منق) اشترط في الحجر الذي يستنجي أو يستجمر به ثلاثة أشياء:
١ - أن يكون طاهرا فلا يجوز بالنجس، والدليل على ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده،
стр. 50
فأخذت رَوْثَةً فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الرَّوْثَةَ» وقال: «هذا ركس» وفي رواية أنها كانت رَوْثَة حمار وكما هو مقرر أن إزالة النجاسة لا تكون بالنجاسة.
٢ - أن يكون مباحا فلا يكون مغصوبا أو مسروقا، وكما قدمنا أن هذا من باب المحرم لغيره فيأثم للغصب أو السرقة وتزول حكم النجاسة؛ لأن لمقصود هو زوالها وقد حصل وهو اختيار تقي الدين.
٣ - أن يكون منقيا أي مزيلا للخارج، فلا يجزئ الاستجمار بالأملس كالزجاج، ولا بالشيء الرخو - أي الهش اللين كالروث -، لعدم حصول المقصود منهما.
تنبيه:
ظاهر كلام الماتن أنه لا يجوز الاستنجاء بغير الحجر وهي رواية عن الإمام أحمد وهي من المفردات،
ولكن الماتن عقب بما يدل على جواز الاستنجاء بغير الحجر فقال: (فالإنقاء بالحجر ونحوه) وهذه الرواية هي الصحيحة في المذهب وهي ما عليه جماهير الأصحاب من أنه يجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي، كالحجر والخشب والخرق.
مسألة -
ـ[فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء .. ]ـ
علامة الإنقاء أن لا يبقى في المحل شيء يزيله الحجر، بحيث يخرج الآخر نقيا. قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (١/ ٧٦): (والإنقاء بحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء والأثر نجس على الصحيح من المذهب، يعفى عنه في محله لمشقة الاحتراز منه)، ولفعله ما أُمر به، فإذا عجز المكلف عن إزالة أثر النجاسة فإن الحرج مرفوع، فيكفيه ما فعل من الاستنجاء ولا يضره هذا الأثر، وإن كان هذا الأثر يزول بنحو الملح والصابون.
ـ[ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل .. ]ـ
مسألة - لا يجزئ في الاستجمار أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل .
الراجح أنه لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاث مسحات لما رواه مسلم عن سلمان ﵁ مرفوعا: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» ويقوم مقامهم حجر واحد له ثلاث شعب.
стр. 51
فإن لم يحصل بهن الإنقاء زاد حتى يحصل الإنقاء والقطع على وتر مستحب لما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (من استجمر فليوتر) والجمهور على الاستحباب عملا بالزيادة التي رواها أصحاب السنن: (ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) ولكن هذه الزيادة لا تثبت.
قوله: (تعم كل مسحة المحل) قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١١٢): (قال القاضي وغيره: المستحب أن يمر الحجر الأول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه. ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك. ثم يمر الثالث على المَسْرُبَةِ والصفحتين. فيستوعب المحل في كل مرة) ثم قال: (لو أفرد كل جهة بحجر، لم يجزه على الصحيح من المذهب ... وقيل: يجزئ).
والقول الثاني هو الصحيح، فهيئة المسح لا يجب منها شيء لعدم الدليل ولأنها تختلف بحسب مقدار الخارج، فالواجب الإنقاء بالثلاثة فما زاد، على أي هيئة كان المسح.
وأما ما رواه الطبراني والدارقطني وغيرهما عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة فقال: «أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار , حجرين للصفحتين وحجر للمسربة» فهو ضعيف فيه: أبي بن العباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف، وانظر "السلسلة الضعيفة" (٩٦٩).
ـ[والإنقاء بالماء عود خشونة المحل كما كان وظنه كاف .. ]ـ
مسألة - الإنقاء بالماء عود خشونة المحل كما كان .
قال ابن قاسم في "حاشية الروض المربع" (١/ ١٤٤): (أي كما كان قبل خروج الخارج، لزوال لزوجة النجاسة وآثارها).
مسألة - يكفي ظنه في عودة خشونة المحل كما كان للحكم بالإنقاء بالماء .
وقال ابن قاسم أيضا: (ويكفي في زوال النجاسة غلبة الظن، جزم به جماعة، لأن اعتبار اليقين هنا حرج، وهو منتف شرعا، ويسترخي قاضي الحاجة قليلا فلا يضم شرج مقعدته لئلا يبقى شيء).
стр. 52
ـ[ويسن الاستنجاء بالحجر ونحوه ثم بالماء فإن عكس كره ويجزئ أحدهما والماء أفضل .. ]ـ
مسألة - يسن الاستنجاء بالحجر ونحوه ثم بالماء .
قال موفق الدين في المغني (١/ ١٠١): (قال أحمد: إن جمعهما فهو أحب إلي ; لأن عائشة قالت: ﴿مرن أزواجكن أن يتبعن الحجارة الماء من أثر الغائط والبول ; فإني أستحييهم , كان النبي ﷺ يفعله.﴾ احتج به أحمد ورواه سعيد ; ولأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تصيبها يده , ثم يأتي بالماء فيطهر المحل , فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن).
وأما بالنسبة للأحاديث والآثار الواردة في الجمع بين الحجر والماء فلم يصح شيء منها فحديث الباب لفظه عند الترمذي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ُ، والحديث بهذا اللفظ صححه الألباني، وأما باللفظ الذي ساقه المؤلف فلم أقف عليه من حديث عائشة وقال عنه الألباني في "الإرواء" (٤٢): (لا أصل له بهذا اللفظ).
وأما العلة التي ذكرها الموفق وغيره فلا شك أنه إن تيسر الأمران معا فيبدأ بالحجر ونحوه ثم يتبعه الماء فهو أبلغ في التنظيف وأحسن، وفيه أيضا تنزيه اليد عن الرائحة الكريهة.
مسألة - يكره الاستنجاء بالماء ثم بالحجر ونحوه.
قال البهوتي في كشاف القناع (١/ ٦٦): ((فإن عكس) بأن بدأ بالماء وثنى بالحجر (كره) له ذلك نصا لأنه لا فائدة فيه إلا التقذير).
وهذه الكراهة إنما تتحقق بالحجر ونحوه مما يقذر المحل، وأما ما لا يقذره كالورق والقماش فلا كراهة هنا.
مسألة - يجزئ الاستنجاء بالحجر ونحوه وحده، أو بالماء وحده .
قال إبراهيم بن مفلح في "المبدع" (١/ ٦٨): (أما الماء، فلما روى أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته، أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي به» متفق عليه ... وأما الأحجار، فلقوله ﵇ -
стр. 53
في حديث جابر: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فَلْيَسْتَطِبْ بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» رواه أحمد، وأبو داود.
• وهذا التعميم الذي في عبارة الماتن مخصص بألا يعدو الخارج موضع العادة وقد ذكره الماتن فيما بعد وسيأتي كلامه.
مسألة - الاستنجاء بالماء أفضل من الاستنجاء بالحجر ونحوه .
هذا هو الصحيح في المذهب وما عليه جماهير الأصحاب، وهو معلل بأمور منها:
١ - لأنه أبلغ في التنظيف ويطهر المحل ويزيل الأثر. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعا: نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: (كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية)، والحديث صححه الألباني والثناء عليهم من الله لاستنجائهم بالماء يدل على تفضيله على الاستجمار بالحجر الذي كان يفعله باقي الصحابة، وما ذُكِرَ من التعليل بأنه أبلغ في التنظيف ويطهر المحل يؤكد ذلك.
٢ - أن الأصل في إزالة النجاسة هو الماء فكان القياس على سائر البدن يقتضي ألا بجزيء إلا الماء، وإنما جاز الاستجمار بالحجر ونحوه رخصة على خلاف الأصل، فإذا استعمل الماء كان أفضل لموافقته الأصل، وما ذُكِرَ من مباشرة اليد للنجاسة إنما هو لغرض صحيح وهو الإزالة كما في سائر المواضع.
قال تقي الدين في "شرح العمدة" (١/ ١٥٤) بعد أن ذكر نحوا مما سبق: (فإن لم يكره الحجر فلا أقل من أن يكون مفضولا وما نقل عن بعض الصحابة من إنكار الماء فهو - والله أعلم - إنكار على من يستعمله معتقدا لوجوبه، ولا يرى الأحجار مجزئة؛ لأنهم شاهدوا من الناس محافظة على الماء لم يكن في أول الإسلام فخافوا التعمق في الدين كما قد يبتلى به بعض الناس).
ـ[ويكره استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء .. ]ـ
تنبيهات:
الأول- لاحظ أننا نتكلم عن الاستنجاء الذي هو إزالة الأذى لا عن قضاء الحاجة الذي هو نفس خروج الأذى.
стр. 54
الثاني - أطلق الماتن القول بالكراهة بالنسبة للمكان، والقول الصحيح في المذهب أن هذا مقيد بالفضاء لا البنيان، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٠٢): (يكره استقبالها في فضاء باستنجاء واستجمار على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وقيل: لا يكره. ذكره في الرعاية. قلت: ويتوجه التحريم) والإطلاق الذي في كلام الماتن أولى فالتفريق بين الفضاء والبناء غير سديد ويعطل الأحاديث ويجعلها خاصة بالمشاهد المباشر فقط، وذلك لأن من يقضي حاجته أو يستنجي في الفضاء يكون غير مستقبل للقبلة حقيقة لوجود تلال وجبال وبينان بينه وبين القبلة كما أن النبي ﷺ غصب وأنكر على من تفل في مسجده تجاه القبلة وهذا داخل بناء.
الثالث - أنه سوى بين الاستقبال والاستدبار في الحكم وظاهر كلام الأصحاب عدم الكراهة (١)، قال البهوتي في كشاف القناع (١/ ٦٣): ((ويكره استقبال القبلة في فضاء باستنجاء أو استجمار) تشريفا لها وظاهر كلامه كغيره لا يكره استدبارها إذن).
مسألة - يكره استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء .
وقد اختلف العلماء في علة الكراهة هل هي تعظيم وتشريف القبلة أم إظهار العورة، والراجح الأول ويدل عليه ما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن عن جابر ﵁، قال: " كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة، أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء " فهو يدل على أن النهي يختص بحال خروج البول ويلحق به الغائط، وأما الاستنجاء فإنه إزالة للخبث فلا يلحق بخروجه، وعليه فالأقوى القول بعدم كراهة استقبال أو استدبار القبلة في الاستنجاء أو الاستجمار مطلقاً.
стр. 55
ـ[ويحرم بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة فإن فعل لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء كما لو تعدى الخارج موضع العادة .. ]ـ
مسألة - يحرم الاستنجاء بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة .
• روى مسلم في "صحيحه" عن سلمان ﵁ «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط، أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» والرجيع هو الروث والعذرة سمي رجيعا لأنه يرجع عن حاله الأولي بعد أن كان طعاما أو علفا.
• وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» ولما كان الروث هو طعام دواب الجن كان طعامنا وطعام دوابنا أولى بالمنع.
فائدة - بيان علل النهي:
١ - الحديث السابق بين أن النهي عن الاستنجاء بهما لكون العظم من طعام الجن والروث من طعام دوابهم فلا نفسده عليهم.
٢ - روى الدارقطني في "سننه" عن أبي هريرة - رضي اله عنه -، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى برجيع أو عظم , وقال: «إنهما لا تطهران» قال الدارقطني: "إسناد صحيح".
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ١٣٤): (قوله: "غيرَ عظمٍ وروثٍ" هذا شرط عدمي وهو الشَّرط الرَّابع، لأنَّ كلمة "غير" تدلُّ على النَّفي.
والدَّليل على ذلك أن النبيَّ ﷺ نهى أن يُستنجَى بالعظم أو الروث، كما في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وسلمان ورويفع وغيرهم ﵃.
والتَّعليل: أنه إن كان العَظْمُ عظمَ مُذَكَّاة، فقد بَيَّنَ النبيُّ ﷺ أنَّ هذا العظم يكون طعاماً للجِنِّ؛ لأنه ﷺ قال لهم: "لكم كلُّ عظم ذُكِرَ اسمُ
стр. 56
الله عليه، يقع في أيديكم أوفَرَ ما يكونُ لحماً" ولا يجوز تنجيسه على الجِنِّ، وإن كان عظم ميتة فهو نجس فلا يكون مطهِّراً.
والرَّوث: نستدلُّ له بما استدللنا به للعظم.
وأما العِلَّة فإن كان طاهراً فهو عَلَفُ بهائم الجِنِّ؛ وإن كان نجساً لم يصلح أن يكون مطهِّراً.
قوله: "وطعامٍ" يعني: طعام بني آدم، وطعام بهائمهم، فلا يصحُّ الاستنجاء بهما. والدَّليل: أن الرَّسول ﷺ نهى أن يُستنجيَ بالعظم، والرَّوث، لأنَّهما طعام الجِنِّ، ودوابهم. والإنس أفضل، فيكون النهي عن الاستجمار بطعامهم وطعام بهائمهم من باب أَوْلى.
كما أن فيه محذوراً آخر، وهو الكفر بالنِّعمة؛ لأن الله تعالى خلقها للأكل؛ ولم يخلقها لأجل أن تُمتهن هذا الامتهان.
فكُلُّ طعام لبني آدم، أو بهائمهم، فإنَّه حرام أن يُستَجْمَرَ به.
وظاهر كلام المؤلِّف: ولو كان فَضْلَةَ طعام ككِسْرَةِ الخُبز ... ).
مسألة - من استنجى بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء .
والصحيح أنه إن استجمر بما ذكر يأثم ولكن لا يتعين الماء بعده، ويجزئه الاستجمار بطاهر مباح منق ويطهر المحل، وإليك حالات هذه المسألة: فالمستنجى به قد يكون نجساً، وقد يكون لا ينقي، وقد يجتمعا، وقد يكون طاهراً وينقي.
• الحالة الأولى أن يكون المستنجى به نجساً كروث الحمار الأهلي:
قال في المغني (١/ ١١٠٤٤): (إن استنجى بنجس احتمل أن لا يجزئه الاستجمار بعده ; لأن المحل تنجس بنجاسة من غير المخرج , فلم يجزئ فيها غير الماء , كما لو تنجس ابتداء , ويحتمل أن يجزئه ; لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل , فزالت بزوالها).
والوجه الأول الذي ذكره ابن قدامة راجع إلى القول بتخصيص الماء لإزالة النجاسة، والراجح أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة وأن النجاسة لو زالت بأي
стр. 57
مزيل أو بنفسها فقد حصل مقصود الشرع وطَهُرَ المحل والدليل على ذلك قوله ﷺ في النعل الذي به أذى (ثم ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور)، ومنها: قوله في الذيل: (يطهره ما بعده) ومنها قوله في الهر: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها (١).
وعليه فالراجح في هذه الحالة هو الوجه الثاني من أنه يجزئه الاستجمار بعده؛ لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل ولم تتعد المحل المعتاد , فزالت بزوالها بالاستجمار.
• الحالة الثانية أن يكون المستنجى به لا ينقي كعظم المذكاة أو الروث:
وقد سبق ترجيح أن عظم الميتة طاهر وكذا روث مأكول اللحم طاهر، ولذلك فإنهما لا ينجسان المحل، ولكن لما ورد في الحديث أنهما لا يطهران، قلناً بجواز الاستجمار بعدهما، كالحالة الأولى بل الحكم هنا أولى لعدم وجود النجاسة.
• الحالة الثالثة أن يكون المستنجى به نجساً ولا ينقي كعظم الميتة:
والعلة هنا أصبحت مركبة من الأمرين معاً وليس في اجتماعهما ما يوجب تعين الماء بعده كما هو واضح.
• الحالة الرابعة أن يكون المستنجى به طاهراً وينقي كما له جرم متماسك من طعام البهائم ونحوه:
والحال هنا أنه يأثم ويطهر المحل، ولا وجه لإيجاب الاستنجاء أو الاستجمار عليه بعد ذلك.
وبعد فقد ظهر ضعف قول الماتن من عدم إجزاء غير الماء فيما ذُكِرَ.
مسألة - لو تعدى الخارج موضع العادة لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء .
قال إبراهيم ابن مفلح في "المبدع": ((إلا أن يعدو الخارج موضع العادة) جزم به في " المستوعب "، و" التلخيص "، و" الوجيز "، مثل أن ينتشر إلى الصفحتين، أو يمتد إلى الحشفة كثيرا ... (فلا يجزئ إلا الماء) لأن الأصل وجوب إزالة
стр. 58
النجاسة بالماء، وإنما رخص في الاستجمار لتكرر النجاسة على المحل المعتاد، فإذا جاوزته خرجت عن حد الرخصة، فوجب غسلها كسائر البدن ... ).
وإنما لا يجزيء الاستجمار في هذه الحالة لكونه رخصة في محله فلا يتعداه، والنجاسة هنا تزال بأي مائع يزيلها ويقطع أثرها ولا يشترط الماء.
مسألة -
ـ[ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الطاهر والنجس الذي لم يلوث المحل .. ]ـ
عمم الماتن وجوب الاستنجاء من كل خارج من السبيلين ما عدا ما كان طاهرا كالمني، والريح، والولد العاري عن الدم، والحصى، وما كان نجسا وغير ملوَّث كالدود ونحو ذلك وهذا القول هو الراجح.
وقد خالف الماتن هنا الصحيح من المذهب.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١١٣): (وأما النجس غير الْمُلَوَّثِ والطاهر: فالصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب: وجوب الاستنجاء منه ... وقيل: لا يجب للخارج الطاهر، ولا للنجس غير الْمُلَوَّثِ. قال المصنف وتبعه الشارح والقياس لا يجب الاستنجاء من ناشف لا يُنَجِّسُ المحل. وكذلك إذا كان الخارج طاهرا، كالمني إذا حكمنا بطهارته؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة. ولا نجاسة هنا. قال في الفروع: وهو أظهر، قال في الرعاية الكبرى: وهو أصح قياسا. قلت: وهو الصواب. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؟ أم كيف يحصل الإنقاء بالأحجار في الخارج غير الملوث؟ وهل هذا إلا شبيه بالعبث؟ ... ).
ـ[فصل: يسن لداخل الخلاء تقديم اليسرى وقول: "بسم الله" أعوذ بالله من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ. وإذا خرج قدم اليمنى وقال: "غفرانك" "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" .. ]ـ
مسألة - يسن لداخل الخلاء تقديم اليسرى، وإذا خرج قدم اليمنى .
والقاعدة في هذه المسألة أن كل ما كان من باب التكريم والتزين فاليمين أحق بالتقديم فيه واليسرى فيما عداه والأدلة العامة شاهدة على طرد هذا الأصل.
стр. 59
ولم يثبت في مسألتنا حديث بعينه وإنما هي أحاديث عامة في التيامن كقول أم المؤمنين عائشة ﵂ في الحديث المتفق عليه: كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله». وأقرب الأدلة ما رواه الحاكم وحسنه الألباني عن أنس ﵁ أنه قال: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» ويقاس عليه الدخول الخلاء بقياس العكس.
مسألة - يسن لداخل الخلاء قول: "بسم الله" أعوذ بالله من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ.
والدليل على ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " سَتْرُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم: إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله " والحديث فيه علل وصححه الشيخ الألباني بالشواهد. وروى الشيخان عن أنس ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ».
فائدة: للداخل أن يقتصر على أحدهما أو يجمعهما وما ورد من جمعهما في حديث واحد فلا يصح، وهذه الأذكار لا تختص بالمكان المعد لذلك بل يقولها حتى وإن بال في إناء مثلا في جانب البيت، أو في الفضاء. ويقولها في البناء قبل الدخول وفي غيره في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا.
مسألة - يسن للخارج من الخلاء قول: "غفرانك" "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ".
روى أصحاب السنن بإسناد حسن عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: «غفرانك».
وأما ما رواه ابن ماجه وغيره من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء، قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» فلا يصح وضعفه البوصيري وغيره.
وعليه فيقتصر على قول: «غفرانك».
فائدة:
قال الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٢٢): (وفي تعقيبه الخروج من الخلاء بهذا
стр. 60
الدعاء قولان أحدهما أنه قد استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدة لبثه على الخلاء، وكان ﷺ لا يهجر ذكر الله إلاّ عند الحاجة فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحالة تقصيرا وعده على نفسه ذنبا فتداركه بالاستغفار. وقيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروج الأذى منه فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعم ففزع إلى الاستغفار منه والله أعلم).
ـ[ويكره في حال التخلي استقبال الشمس والقمر ومهب الريح والكلام والبول في إناء وشَقٍّ ونار ولا يكره البول قائما ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل ويكفي إرخاء ذيله وأن يبول أو يتغوط بطريق مسلوك وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمر يقصد وبين قبور المسلمين وأن يلبث فوق قدر حاجته .. ]ـ
مسألة - يكره استقبال الشمس والقمر في حال التخلي .
الصحيح أنه لا يكره.
قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٢٠٥): (إن النبي لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل وليس لهذه المسألة أصل في الشرع).
وقال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ١٢٣): (ليس هناك دليل صحيح، بل تعليل وهو: لما فيهما من نور الله، وهذا النُّور الذي فيهما ليس نورَ الله الذي هو صفته، بل هو نورٌ مخلوق. وفي هذا نَظر! لأن مقتضاه كراهة استقبال النُّجوم مثلاً، فإِذا قلنا بهذا قلنا: كلُّ شيء فيه نورٌ وإضاءةٌ يُكرهُ استقبالهُ! ثم إِن هذا التَّعليلَ منقوضٌ بقوله ﷺ : «لا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبُوا». ومعلوم أن من شرَّق أو غرَّب والشَّمس طالعة فإنه يستقبلها، وكذا لو غرَّب والشمسُ عند الغروب. والرسول ﷺ لم يقل: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم فلا تفعلوا.
فالصحيح: عدمُ الكراهة لعدم الدَّليل الصَّحيح، بل ولثبوت الدَّليل الدَّالِّ على الجواز).
стр. 61
مسألة - يكره استقبال مهب الريح في حال التخلي .
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٠٠): (يكره أن يستقبل الريح دون حائل يمنع) والعلة بينها ابن قدمة فقال في "المغنى" (١/ ١٢٠): (ويكره أن يستقبل الريح؛ لئلا تَرُدَّ عليه رَشاش البول، فَيُنَجِّسَهُ) أو يصاب يالوسوسة.
مسألة - يكره الكلام في حال التخلي .
وما أقوى ما يستدل به على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ، أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو قال: على طهارة " وليس الشاهد في الحديث عدم رد السلام فالسلام ذكر وهو أخص من دعوى النزاع، وإنما الشاهد عدم الاعتذار للرجل حتى الانتهاء من قضاء الحاجة ولعل النبي علم أن الرجل ينتظره فلم يكن هناك حاجة لتعجل الرد ولذلك أخر الاعتذار إليه.
ولذلك فالأولى تقييد الكراهة بأن يكون الكلام لغير حاجة أما إن احتاج إليه فلا كراهة، قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ١١٩): (فالحاصل: أنه لا ينبغي أن يتكلَّم حال قضاء الحاجة، إلا لحاجة كما قال الفقهاء ﵏، كأن يُرشِدَ أحداً، أو كلَّمه أحد لا بدَّ أن يردَّ عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء ليستنجي، فلا بأس).
وأما ما رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك» فقد اختلف في ثبوته اختلافا كثيرا وعلى فرض ثبوته فعلة النهي فيه مركبة من كلامهما مع كشفهما لعورتيهما فهو أعم من محل النزاع.
فائدة:
وقد يجب الكلام حال قضاء الحاجة، قال البهوتي في "كشاف القناع" (١/ ٦٣): ((ويجب) الكلام على من في الخلاء كغيره (لتحذير معصوم عن هلكة كأعمى وغافل) يحذره عن بئر أو حية أو نحوها،؛ لأن مراعاة حفظ المعصوم أهم).
стр. 62
مسالة - يكره البول في إناء .
وهذا الإطلاق الذي في عبارته خطأ والمذهب يقيد الكراهة عند عدم الحاجة، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٩٩): (يكره في إناء بلا حاجة على الصحيح من المذهب، نص عليه. وقيل: لا يكره).
والراجح عدم الكراهة مطلقا قال ابن قاسم في "حاشية الروض" (١/ ١٣٢): (لا خلاف في جوازه لحديث أميمة كان له ﵊ قدح من عَيْدَان (١) تحت سريره يبول فيه، رواه أبو داود وغيره، فتقييده بالحاجة لا حاجة إليه).
مسالة - يكره البول في شَقٍّ .
الشَّقُّ: هو الفتحةُ في الأرض، وهو الجُحر للهوامِّ والدَّواب.
ومن الأدلة على الكراهة:
١ - ما رواه أبو داود وغيره عن عبد الله بن سَرْجِسَ، «أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الْجُحْرِ»، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الْجُحْرِ؟ قال: كان يقال إنها مساكن الجن. والحديث مختلف في ثبوته وقد ضعفه الألباني في "الإرواء" وأما ما علله به قتادة من أنها مساكن الجن، فمثل هذا التعليل لا يقبل إلا بتوقيف، كما أن قتادة ذكره بصيغة التمريض، وعلى فرض قبوله فقد تأوله البعض بأنها صغار الحيات، وأما ما ورد من أن الجن قد قتل سعد عندما بال في جُحر فلا يصح.
٢ - قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (١/ ١٢٠): (ومن التَّعليل: أنه يُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك فيؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول).
مسالة - يكره البول في نار .
ولا شك أن البعد عن البول فيها أسلم وأولى. ومحصل ما وقفت عليه من علل لهذه لكراهة ما قاله ابن عقيل: يقال يورث السقم، ويؤذي برائحته. وقال الشيخ ابن جبرين من أنه قد يتطاير إليه شيء من النار إذا بال فيها.
стр. 63
مسألة - لا يكره البول قائما .
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٩٩): (ولا يكره البول قائما بلا حاجة، على الصحيح من المذهب، نص عليه، إن أمن تلوثا وناظرا).
والدليل على الجواز ما رواه الشيخان عن حذيفة ﵁ أنه قال «لقد أتى النبي ﷺ سُبَاطَةِ قوم، فبال قائما» والسُبَاطَةِ هي ملقى القمامة والتراب لا يرتد البول منها على البائل. وأما ما نقل من أنه بال قائما لجرح كان في مأبَضِه فضعيف.
مسالة - يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل ويكفي إرخاء ذيله .
المذهب فيه ورايات كثيرة في حكم استقبال أو استدبار القبلة ببول وغائط والرواية التي ذكرها الماتن هي المذهب وما عليه أكثر الأصحاب والراجح التحريم مطلقا بلا فرق بين الفضاء والبنيان.
ووجه تفريقهم بين الفضاء والبنيان ما رواه أبو داود وغيره عن مروان الأصفر قال: (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها فقلت: أبا عبدالرحمن أليس قد نهي عن ذلك؟ فقال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس).
فهذا صريح من ابن عمر في التفريق، وهذا التفريق اجتهادي من ابن عمر ﵄ وذلك عندما رقى بيت حفصة ورأي النبي على حاجته مستقبل الشام مستدبرا الكعبة.
وفعل النبي ﷺ يحتمل عدة وجوه من أقواها أنه لعله رآه وهو يستنجي وبينهما فرق فلا يحرم استقبال أو استدبار القبلة في حال الاستنجاء، وإنما النهي جاء في حال خروج البول، أو الغائط.
ويحتمل الخصوصية؛ لأن علة النهي هي عدم تعظيم القبلة، وهذا غير متحقق في حقه ﷺ .
والمسالة طويلة الذيل، والراجح التحريم مطلقا بلا تفريق بين البنيان أو الفضاء ومن قرائن هذا الترجيح أمور منها:
стр. 64
- عموم أحاديث النهي الكثيرة ومنها ما رواه الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: قال
رسول الله ﷺ «إذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا» وليس فيه التفريق بين بنيان وغيره.
- أن التفريق يؤدي إلى تعطيل عموم أحاديث النهي وجعلها خاصة بمن يرى القبلة بلا حائل، إذ أنك في الفضاء يكون بينك وبين القبلة جبال وتلال ومفاوز.
- غضب النبي ﷺ من التفل تجاه القبلة داخل مسجده ﷺ ، وهذا داخل بنيان، والبول والتغوط أشد حرمة من التفل.
وقول الماتن: (ويكفي إرخاء ذيله) يعني لو أنه بسط ثوبه كفى، ويعد حائلا.
مسألة - يحرم أن يبول أو يتغوط بطريق مسلوك وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمر يقصد .
قال ابن قدامة في "المغنى" (١/ ١٢٢): (لا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مورد ماء، ولا ظل ينتفع به الناس؛ لما روى معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاثة - البراز في الموارد (١)، وقارعة الطريق، والظل» رواه أبو داود، وقال رسول الله ﷺ : " اتقوا اللعانين. قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم " أخرجه مسلم.
والمورد طريق. ولا يبول تحت شجرة مثمرة، في حال كون الثمرة عليها لئلا تسقط عليه الثمرة فتتنجس به. فأما في غير حال الثمرة فلا بأس).
وقوله ﷺ : (الملاعن) من باب تسمية الشيء باسم سببه فأذى الناس بالتخلي فيما تحتاجون إليه وإلى الجلوس فيه أو المرور فيه ونحو ذلك سبب للعن من فعل هذا، ويستفاد من ذلك التحريم لأن اللعن علامة التحريم.
стр. 65
مسألة - يحرم أن يبول بين قبور المسلمين .
والدليل ما رواه ابن ماجه بإسناد صححه البوصيري عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق».
مسألة - يحرم أن يلبث فوق قدر حاجته .
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ١٢٦): (قوله: «ولُبْثُه فوق حاجته»، أي: يحرم، ويجب عليه أن يخرج من حين انتهائه، وعلَّلوا ذلك بعِلَّتين: الأولى: أن في ذلك كشفاً للعورة بلا حاجة.
الثَّانية: أن الحُشُوشَ والمراحيض مأوى الشَّياطين والنُّفوس الخبيثة فلا ينبغي أن يبقى في هذا المكان الخبيث.
وتحريمُ اللُّبث مبنيٌّ على التَّعليل، ولا دليلَ فيه عن النبيِّ ﷺ ، ولهذا قال أحمد في رواية عنه: «إِنه يُكره، ولا يحرم»).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٩٦): (لبثه فوق حاجته: مضر عند الأطباء. ويقال: إنه يدمي الكبد. ويأخذ منه الباسور) فإن ثبت طبيا أنه يضر فهو محرم وإلا فالقول بالكراهة متجه.
باب السواك
ـ[يسن بعود رَطْب لا يتفتت .. ]ـ
الرَّطْبُ ضِدُّ اليَابِسِ. ومقصوده: اللين وفائدته أنه ينقي الفم، ولا يجرحه.
وكونه لا يتفتت بعدا عن الأذى الذي قد يترتب على تساقط أجزاؤه في الفم والتي قد يبتلعها الإنسان.
ومن أفضل ما يستاك به عود الأراك، والزيتون، والْعُرْجُونِ.
وأما ما قد يجرح أو يضر فلا يستاك له كعود الرَّيحان والرمان، والقصب ونحوه.
стр. 66
مسألة - يسن التسوك بعود رطب لا يتفتت .
روى البخاري في "صحيحه" عن عائشة ﵂ أنها قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فَأَبَدَّهُ رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقصمته، ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانا قط أحسن منه) الحديث والشاهد منه أن القصم أو القضم والتطييب يستلزم التليين وأن يكون العود رطبا.
ـ[وهو مسنون مطلقا إلا بعد الزوال للصائم فيكره ويسن له قبله بعود يابس ويباح برطب .. ]ـ
قوله: (مطلقا): أي في كل الأوقات ثم استثنى بعد الزوال للصائم فقال بكراهته له من بداية هذا الوقت إلى المغرب، سواء أكان بعود يابس، أو برطب.
قوله: (الزوال) أي زوال الشمس: وهو ميلها عن كبد السماء وهو بداية وقت صلاة الظهر.
مسألة - السواك مسنون مطلقا إلا بعد الزوال للصائم فيكره .
والدليل على أنه مسنون مطلقا في كل الأوقات، قوله ﷺ : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» وقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» قال ابن قدامة في " المغني" (١/ ٧١): (لأمرتهم أمر إيجاب؛ لأن المشقة إنما تلحق بالإيجاب لا بالندب، وهذا يدل على أن الأمر في حديثهم أمر ندب واستحباب، واتفق أهل العلم على أنه سنة مؤكدة، لحث النبي ﷺ ومواظبته عليه، وترغيبه فيه وندبه إليه، وتسميته إياه من الفطرة) ويتأكد السواك في بعض الأوقات وستأتي.
ومما اُستدل به على أنه مكروه للصائم بعد الزوال:
• ما رواه الطبراني وغيره: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كان نورا بين عينيه يوم القيامة».
стр. 67
• واستدلوا بالحديث المتفق عليه: «لَخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
وجه الاستدلال:
والَخُلُوفُ هو تغير رائحة الفم من أثر الصيام لخلو المعدة من الطعام، ولا يظهر في الغالب إلا في آخر النهار، لكن لما كان ناشئا عن طاعة الله صار أطيب عند الله من ريح المسك، وإذا كان أطيب عند الله من ريح المسك فإنه لا ينبغي أن يزال.
المناقشة:
• وأجيب عن الحديث بأنه ضعيف لا تقوم به حجة قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٦٥): «رواه الطبراني في «الكبير» ورفعه عن خباب ولم يرفعه عن علي وفيه كيسان أبوعمر وثقه ابن حبان وضعفه غيره» والحديث ضعفه الحافظ في التلخيص والألباني في «الإرواء» (٦٧) و «الضعيفة» (٤٠١).
• وأجيب عن الاستدلال الثاني بعدة وجوه:
الأول - أن ربط الحكم بالزوال منتقض؛ لأنه قد تحصل هذه الرائحة قبل الزوال؛ لأن سببها خلو المعدة من الطعام، وإذا لم يتسحر الإنسان آخر الليل فإن معدته ستخلو مبكرة؛ وهم لا يقولون: متى وجدت الرائحة الكريهة كره السواك؟! أيضا أن من الناس من لا توجد عنده هذه الرائحة الكريهة، إما لصفاء معدته، أو لأنه معدته لا تهضم بسرعة، فتكون هذه العلة منتقضة، وإذا انتقضت العلة انتقض المعلول؛ لأن العلة أصل والمعلول فرع (١).
الثاني - إن الخلوف من المعدة، فهو رائحة تنبعث من المعدة؛ بسبب خلوها من الطعام، وليس من الفم، إذاً السواك لا يزيل الخلوف، ولا مدخل له فيه.
الثالث - أنه جاء في بعض الروايات الصحيحة أن هذه الرائحة أطيب عند الله يوم القيامة فسببه الصيام في الدنيا وأثره في الآخرة كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير
стр. 68
علانية ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم (١).
الترجيح:
وعليه فالراجح أنه لا يكره السواك للصائم سواء أكان قبل الزوال، أو بعده، وقد وردت في ذلك أخبار لا تخلو من مقال ولعل أقواها ما نقل عن ابن عمر أنه كان يستاك آخر النهار وهو صائم.
مسألة - يسن السواك للصائم قبل الزوال بعود يابس ويباح بعود رطب .
وهذا التفريق بين الرطب واليابس؛ لأن السواك الرطب يغلب على الظن أنه يتحلل منه أجزاء وتصيب الفم وقد تدخل إلى الداخل.
فأصبح عندنا ثلاث حالات للصائم مكروه له بعد لزوال، مسنون له قبل الزوال إن كان بعود يابس، مباح له قبل الزوال إن كان بعود رطب.
والسنة أحد أسماء المندوب بل نقل الشيخ أبو طالب أن السنة أعلى درجات المندوب وهو ما يعظم أجره، والمباح لا يأثم المرء بتركه ولا يؤجر بفعله بخلاف المسنون فإنه يؤجر بفعله وإن كان لا يأثم بتركه.
والراجح عدم التفريق بين هذه الحالات وأن السواك مسنون مطلقا للصائم في جميع الأوقات؛ لأن فيه مرضاة للرب، بشرط أن يأمن وصول شيء إلى جوفه.
ـ[ولم يصب السنة من استاك بغير عود .. ]ـ
مسألة - لم يصب السنة من استاك بغير عود .
أي بالإصبع أو بخرقة ونحو ذلك. قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٧٢): (وإن استاك بأصبعه أو خرقة،
فقد قيل: لا يصيب السنة؛ لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل الإنقاء به حصوله بالعود، والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها).
وكلام الموفق مبني على أن علة استعمال السواك هي الإنقاء فقط، وقد ثبت
стр. 69
طبيا أن شجر الأراك به بعض المواد التي تحمى الأسنان من التسوس، ومن البكتريا والميكروبات، ويعمل أيضا على تبييض الأسنان، ويمنع تكوّن الرواسب الجيرية وغير ذلك.
قال ابن القيم في "الزاد" (٤/ ٢٩٦): (في السواك عدة منافع: يطيب الفم، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفر، ويصح المعدة، ويصفي الصوت، ويعين على هضم الطعام، ويسهل مجاري الكلام، وينشط للقراءة، والذكر والصلاة، ويطرد النوم، ويرضي الرب، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات).
وعليه فالسنة لا تصاب بغير السواك. وقد قال بعض الحنابلة: إنما يجزئ عنه إن لم يجد عوداً وهذا قوي. فإن لم يجد عوداً فإنه يستاك بأصبع أو نحوها فمالا يدرك كله لا يترك كله، والميسور لا يسقط بالمعسور.
فائدة:
روى أحمد عن علي ﵁ أنه توضأ وتمضمض ثلاثا، فأدخل بعض أصابعه في فيه ونسب ذلك للنبي ﷺ ، والحديث لا يصح.
ولا يصح أيضا ما رواه البيهقي من حديث أنس ﵁ مرفوعا: «يجزي من السواك الأصابع».
ـ[ويتأكد عند وضوء وصلاة وانتباه من نوم وعند تغير رائحة فم وكذا عند دخول مسجد ومنزل وإطالة سكوت وصفرة أسنان .. ]ـ
مسألة - يتأكد السواك عند وضوء وصلاة .
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وفي رواية أحمد وغيره «مع الوضوء».
مسألة - يتأكد السواك عند انتباه من نوم .
روى الشيخان عن حذيفة ﵁، قال: كان النبي ﷺ «إذا قام من الليل، يشوص فاه بالسواك».
стр. 70
مسألة - يتأكد السواك عند تغير رائحة فم .
روى النسائي وغيره بإسناد صحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «السواك مَطْهَرَةٌ للفم مرضاة للرب» أي إن السواك ينظف الفم وينقيه وإنما يحتاج لذلك عند تغير رائحة الفم.
مسألة - يتأكد السواك عند دخول مسجد ومنزل .
قال ابن ضويان في "منار السبيل" (١/ ٢٢): (لما روى شُرَيْحِ بن هانئ قال: سألت عائشة بأي شئ كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت بالسواك رواه مسلم. والمسجد أولى من البيت).
مسألة - يتأكد السواك عند إطالة سكوت وصفرة أسنان .
لأن ذلك مظنة تغير رائحة الفم، ولإزالة صفرة الأسنان
ـ[ولا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعدا .. ]ـ
مسألة - ولا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعدا .
ولابد من تقييد الجواز بأمرين كما يأتي.
روى البخاري في "صحيحه" عن عائشة ﵂ أنها قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فَأَبَدَّهُ رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقصمته، ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانا قط أحسن منه) الحديث.
وليس في الحديث أنه تسوك من مكان تسوكه، فقولها فقصمته: أي كسرته وقطعته، وفي لفظ آخر (فقضمته) أي أكلته بأطراف أسناني، ولا تنافي بين اللفظين فأولا هي قصمته لتزيل موضع الإستياك الأول ثم قضمته لتنشئ موضعا جديدا يستاك به النبي ﷺ . ولذلك استدل ابن ضويان بتليين عائشة للسواك فقال في "المنار" (١/ ٢٢): (لأن عائشة ﵂ لينت السواك للنبي
стр. 71
صلى الله عليه وسلم فاستاك به) ولا شك أن التليين أخص من التسوك إذ في التسوك قد يتعلق بالسواك آثار مما يكون على اللثة واللسان وبين الأسنان بخلاف التليين. أضف إلى أنها نفضته أي حركته ليزول عنه ما علق به، وأما قولها: (وطيبته) فيحتمل أنها طيبته بإزالة آثاره عند قضمه فلا يكون فيه دلالة فيه على مسالة الباب على هذا الاحتمال، ويحتمل أنها طيبته بأن جعلت فيه طيباً، كماء الورد ونحوه والاحتمال الثاني أقوى لما ورد في رواية عند البخاري أنها قالت: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه، في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به، وهو مستند إلى صدري) فقولها (وخالط ريقه ريقي) هو الشاهد الحقيقي في الحديث وكان الأولى الاستدلال به بداية وهو يدل على أن نفضها للسواك وتطيبيها له لم يزل عنه أثر القضم إلا أنه كما ذكرت أخص من محل النزاع. وعلى كلٍ فلابد من تقييد الجواز بأمرين:
الأول - قال ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٣٧٧): (ينبغي تقييد الغير بأن يكون ممن لا يعاف أثر فمه إذ لولا ذلك ما غيرته عائشة).
الثاني - ألا يترتب على ذلك ضرر لكون أحدهما مريضا ويخشى من انتقال العدوى.
ـ [فصل
يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر والنظر في المرآة والتطيب بالطيب والاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثا وحف الشارب وإعفاء اللحية وحرم حلقها ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها والختان واجب على الذكر والأنثى عند البلوغ وقبله أفضل .. ]ـ
مسألة - يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر .
والدليل علي سنيتهم ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي
стр. 72
صلى الله عليه وسلم قال: " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار ".
الاستحداد هو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال آلة الحديد فيه وهي الموسَى ونحوها.
والسنة أن يقلع شعر الإبط قلعا، فإن قدر على ذلك فإنه المتسحب، وإن لم يقدر على ذلك فلا حرج في أن يزيله بالموسى أو بالنُّورَة.
فائدة:
وهذه الثلاثة المذكورة ومعها قص الشارب السنة أخذها كلما طالت واحتيج إلى ذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وهذا يختلف من شخص إلى آخر، وقد وقت النبي ﷺ أكثر مدة تترك فيها هذه الأشياء بلا أخذ وهي أربعين ليلة فقد روى مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك ﵁، قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة».
ولذا يتجه القول بتحريم ترك هذه الأشياء إن تركت أكثر من أربعين ليلة.
مسالة - يسن النظر في المرآة .
قال البهوتي في "كشاف القناع" (١/ ٧٧): ((ويسن النظر في المرآة وقوله: «اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي وحرم وجهي على النار») لخبر أبي هريرة رواه أبو بكر بن مردويه والخلق الأول بفتح الخاء الصورة الظاهرة، والثاني: بضمها الصورة الباطنة).
والحديث ورد عن عائشة وابن مسعود عند أحمد، ولكن الزيادة ضعيفة، وقد ورد الحديث من طرق ضعيفة جدا عن ابن عباس وعائشة وعلي وأنس وفيه زيادة أنه كان يقول هذا الذكر عند النظر في المرآة.
وعليه فالدعاء صح عنه ﷺ مطلقا دو تقييده بالنظر في المرآة.
والقول بالسنية هنا غير متجه والنظر في المرآة من الوسائل ويكون له حكم المقاصد ويدور مع الأحكام التكليفية الخمسة فقد يكون مباحا إن كان لتصفيف الشعر أو إصلاح الثياب ونحو ذلك فقد يصلحهما بدون النظر في المرآة.
стр. 73
وقد يكون مستحبا كاستعمالها في تزين المرآة لزوجها مثلا أو لتجمل الرجل لزوجته ونحو ذلك.
وقد يكون واجبا كاستعمالها في إزالة أذي وقع في العين مثلا.
وقد يكون مكروها إن كان لغير علة من إصلاح ثياب أو تصفيف شعر ونحو ذلك فهذا يفتح بال العجب والاغترار بالنفس.
وقد يكون محرما إن بالغ وغالى في ذلك وشُغل به عن المهمات والواجبات.
فائدة:
حكم الماتن بالسنية لمجرد فعل النبي صلى الله عليه فيه نظر وقد قسم العلماء أفعال النبي إلى عدة أقسام منها الجبلي والخاص والبياني والعادي الذي يطهر فيه قصد القربة والذي لا يظهر فيه قصد القربة، والأخير هو المقصود هنا، وقد اختلف العلماء فيه هل هو للندب، أو الإباحة، أو الوجوب، وقيل بالوقف، والراجح أنه للإباحة.
قال مجد الدين في "المسودة" (ص/٧٧): (فعل النبي ﷺ يفيد الإباحة إذا لم يكن فيه معنى القربة في قول الجمهور) وليس هذا محل بسط الكلام في هذه المسألة.
مسألة - يسن التطيب بالطيب .
والأصل في التطيب أنه من العادات والأصل فيها أنها للإباحة، وقد يكون التطيب مندوبا إليه كالتطيب في حق الرجال لصلاة الجمعة فقد ورى البخاري في "صحيحه" عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيب، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».
فائدة:
أما ما رواه أحمد وغيره عن أبي أيوب ﵁ مرفوعا: " أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحياء " فهو ضعيف.
стр. 74
مسألة - يسن الاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثا .
قد يوضع الكحل للتداوي كالإثمد وقد رغب فيه النبي ﷺ فروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: «عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر» والأمر هنا إرشادي للإباحة.
وقد يوضع للزينة وتزين المرأة لزوجها مندوب إليه، وأما تزين الرجل به ففيه خلاف وقد ورد استعمال النبي ﷺ له بدون تقييد بحال النوم فروى أبو الشيخ في "أخلاف النبي" عن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات واليسرى مرتين " وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٦٣٣)، وروى أبو داود عن أنس بن مالك، «أنه كان يكتحل وهو صائم» حسنه موقوفا الشيخ الألباني، وهو صريح في أنه كان بالنهار، وعليه فالأقوى أن الكحل مباح للرجل إلا أنه عليه أن يراعي موافقة عادة قومه إن كانت عادتهم عدم استعماله للرجال.
مسألة - يسن حف الشارب وإعفاء اللحية ويحرم حلق اللحية .
روى الشيخان عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب ".
وهذا الأمر مع تعليله بمخالفة المشركين يدل على وجوب إعفائها، والأصل في التشبه التحريم، وقد قال ﷺ :: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وقد صرح بتحريم حلقها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
وروى أحمد وغيره عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: " من لم يأخذ من شاربه، فليس منا " وهو يؤكد أن الأمر للوجوب.
قال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٢١١): (إحفاء الشارب أن يوخذ منه حتى يحفى ويرق، وقد يكون أيضاً معناه الاستقصاء في أخذه من قولك أحفيت في المسألة إذا استقصيت فيها واعفاء اللحية توفيرها من قولك عفا النبت إذا طال ويقال عفا الشيء بمعنى كثر قال الله تعالى ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا).
ولابد من الأخذ من الشارب ولا يتركه أكثر من أربعين يوما كما سبق، وقد اختلف العلماء في هيئة الأخذ هل هي بأن يأخذ ما تدلى على الشفة مما قد يعلق به
стр. 75
الطعام، أو يأخذ من جميعه حتى يبدو بياض الجلد، والأولى ألا يبالغ في القص جدا كأنه استأصله، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وغيره عن المغير ﵁ قال: وكان شاربي وفى فقصه لي رسول الله ﷺ على سواك، أو قال: " أقصه لك على سواك "، والمسألة تحتاج لبسط أكثر من ذلك وليس هذا محله.
تنبيه:
في جمع الماتن بين سنية الإعفاء لللحية مع تصريحه بحرمة حلقها إشكال، وهناك احتمالان: أن يكون مقصوده بالسنة هنا بمعنى الطريقة وهذا بعيد.
والثاني أنه يرى أن الإعفاء سنة وأنه يجوز له أن يأخذ منها ما زاد على القبضة وقد صرح بذلك وهي المسالة التالية.
مسألة - لا بأس بأخذ ما زاد على القبضة من اللحية .
وهذه المسألة كثر فيها الكلام وقد رأيت فيها بعض الرسائل وقد نقل أخذ ما زاد عن القبضة عن بعض الصحابة، وخلاصة القول أنه يجوز له الأخذ مما زاد على القبضة ولا يجب وإن كان الأولى أن يتركها.
مسألة - الختان واجب على الذكر والأنثى .
الختان في حق الرجل قطع جلدة غاشية حَشَفَة الذّكَرِ، ومن المرأة قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفَرْج (١).
وهذا الإطلاق في أحوال وجوب الختان فيه نظر، والمذهب أنه مقيد بما لم يخف على نفسه تلفا أو ضررا فيسقط وجوبه، وهذا شرط في جميع الواجبات؛ فلا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٢٣): (ويجب الختان ما لم يَخَفْهُ على نفسه) هذا المذهب، قال أحمد: إن خاف على نفسه لا بأس أن لا يختتن. وقاله الأصحاب ... فإن خيف، فنقل حنبل: يختن. فظاهره: يجب لأنه أقل من يتلف منه. قال أبو بكر: والعمل على ما نقله الجماعة، وأنه متى خشى عليه لم يختن.).