القول الأول:
من أخذ على التحديث أجراً فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد وإسحاق
بن راهويه، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن حرب وغيرهم (١).
القول الثاني:
قبول رواية من أخذ على التحديث أجراً، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبد العزيز المكي البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢).
والظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن أن يجر إليه أخذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض كأن يكون فقيراً، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي ﵀ حيث قال: " قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا، وإطلاقهما كما مضى أولاً، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين " (٣).
стр. 37
وواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم:
١) أبو نعيم الفضل بن دكين (١).
٢) عفان بن مسلم (٢).
٣) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي (٣): الحافظ المتقن صاحب المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحي بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٤) ... "، وقال عقبه: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار، ومع ذلك روى له البخاري والجماعة.
٤) هشام بن عمار (٥): قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئاً فأعطوه فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار. إن هشاماً كان يأخذ على كل ورقتين درهمين ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زماناً أن أمسك عن حديث هشام. لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد (٦): إنه كان لا يحدث ما لم
٥)
стр. 38
٦) يأخذ (١). ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك قادحاً في عدالته فقد روى له في "صحيحه ". وكذا روى له أصحاب السنن.
الربط بين العدالة والمروءة والكذب:
بعد مناقشة شروط العدالة والكلام على المروءة يتأكد عندما مبدأ أن هذه الشروط التي تكلمنا عنها لإنها هي لحدوث ثقة واطمئنان في النفس لصدق الراوي، وأن إرتكاب بعض الكبائر كسب الصحابة والبدعة لا يقدح في هذا التلازم ولا يمنع من ترجيح جانب صدقهم وقبول روايتهم.
قال موفق الدين في "المغني" (١٠/ ١٤٩): (وقد روى أبو مسعود البدري، قال: قال رسول الله ﷺ :» إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت «. يعني من لم يستح صنع ما شاء. ولأن المروءة تمنع الكذب، وتزجر عنه، ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين. وقد روي عن أبي سفيان، أنه حين سأله قيصر عن النبي ﷺ وصفته فقال: والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب، لكذبته. ولم يكن يومئذ ذا دين. ولأن الكذب دناءة، والمروءة تمنع من الدناءة. وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين).
قال الآمدي في "إحكام الأحكام" (٢/ ٧٧): (وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ونحوه. وأما بعض المباحات فيما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالأكل في السوق والبول في الشوارع وصحبة الأراذل، والإفراط في المزح. ونحو ذلك مما يدل على سرعة الإقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول الشهادة والرواية عن النبي ﷺ ؛ لأن من لا يجتنب هذه الأمور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله).
قال الشيخ مشهور في "المروءة" (ص/٢٨٩): (المروءة تمنع من الكذب
стр. 39
كالعدالة؛ فيجب اعتبارها فيه. قال ابن قدامة: " وإذا كانت المروءة مانعة من
الكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين " فالكذب دناءة، والمروءة تمنع منه؛ فحقَّقَت ما من أجله أشترطت العدالة، وقياسا على اشتراط الإسلام فإنه يمنع من الكذب؛ فكذا المروءة).
تعريف العدالة:
يمكننا من خلال هذه الشروط التي سبق مناقشتها أن نعرف العدالة المعتبرة في الرواية بأنها: (غلبة خير الراوي على جوره بحيث يظن صدقه)، والعدل هو الراوي الذي غلب خيره على شره حتى ظن صدقه).
وغليه الخيريه هذه نتيجة تتبع حاله ومعرفة مدى تحقق شروط العدالة والمروءة فيه، وثمرة هذه الغلبة ترجح جانب صدقه على كذبه.
وقولنا: (يظن صدقه) يشمل أن يكون مسلما حال الآداء؛ لأن المسلم لا يكذب، فدينه يمنعه من الكذب، وأن يكون عاقلا مميزا حال التحمل والآداء.
وأيضا من لا مروءة له لا تحصل الثقة بكلامه؛ لأن من لا يستقبح القبيح ولا يترفع عن الدناءات لا يستقبح الكذب.
وقد لاح لك مما سبق الشروط المعتبرة وغير المعتبرة في عدالة الراوي، وبقيت لنا مسألتان نختم بهما هذا المبحث الخاص بالعدالة:
المسألة الأولى: هل الأصل في الراوي الجهالة أم العدالة؟
المسألة الثانية: بم تثبت العدالة؟
(وأما المسألة الأولى وهي: هل الأصل في الراوي العدالة أم الجهالة ؟
عندنا ثلاث مسائل تكلم فيها العلماء وهي هل الأصل في المسلم العدالة؟ وهل الأصل في الشاهد العدالة؟ ومسألتنا هي هل الأصل في الرواي العدالة؟ وهذه المسائل بينها عموم وخصوص وقد تتداخل، وقد اختلف العلماء فيها على قولين بالإيجاب والسلب.
وسوف نركز كلامنا في الراوي، والذي أراه راجحا هو أن الأصل في الراوي الجهالة حتى تثبت عدالته ويغلب الظن صدقه في نقل كلام النبي صلى الله عليه
стр. 40
وسلم على النحو سالف الذكر، والدليل على ذلك أمور منها:
أولا - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]
هذه الآية لا دلالة فيها على أحد القولين من أن الأصل في المخبر العدالة أم الجهالة، وإنما تدل بمنطوقها على التثبت والتوقف في خبر من تبين فسقه لنرى هل صدق في هذا الخبر أم لا، وتدل بمفهومها على قبول خبر من من لم يعرف بفسق، وأما من لم يتبين حاله هل هو فاسق أم عدل ماذا نفعل في خبره هل نتوقف فيه أم نقبله؟
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٣٨): (ومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق فمن قال لا يقبل مجهول العدالة قال المدار على علم العدالة والمجهول لم تعلم عدالته فلا يقبل ومن قال يقبل قال المدار على عدم العلم بالفسق وهذا لم يعلم منه فسق فيقبل).
والقول بقبول رواية مجهول العدالة هو قول الحنفية، وقد رده الألوسي الحنفي في "روح المعاني" (١٣/ ٢٩٨): (واستدل الحنفية بها على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته وعدم وجوب التثبت لأنها دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه وهاهنا قد انتفى الفسق ظاهرا ونحن نحكم به فلا يجب التثبت. وتعقب بأنا لا نسلم أنه هاهنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو بتزكية خبير به له).
وعليه فالأقوى أنه يلحق بالفاسق حكما ونتوقف في خبره حتى نتبين حاله؛ حماية لجناب السنة حتى لا يلحق بسنة النبي ما لم يقله، وفي ذلك من المفاسد في ناحية التعبد ما لا يخفى.
ثانيا - ما عليه الجمهور من رد رواية مجهول العين والحال، ولو كان الأصل في الراوي العدالة لما رُدَّ حديثه.
قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/١١١): (المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا، وروايته غير مقبولة عند الجماهير). ثم قال: (المجهول العين،
стр. 41
وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين، ومن روى عنه عدلان وعَيَّنَاه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة).
ثالثا - في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ولو كانت كل الرواة عدول لما أوجب النبي التثبت من خبره، ولما حكم بإثم وتكذيب من يحدث بكل ما سمع.
رابعا - ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من التحري في الرواية وعدم الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين، وهذا مشهور عنهم وإليك طائفة من أقوالهم:
ساق الخطيب في "الكفاية" (ص/٨٣): بسنده عن أبي إسحاق , قال: كنت في المسجد الجامع مع الأسود فقال: أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب فقال:» ما كنا لندع كتاب ربنا , وسنة نبينا لقول امرأة , لا تدري أحفظت أم لا «ثم قال: (وهكذا اشتهر الحديث عن علي بن أبي طالب أنه قال ما: حدثني أحد عن رسول الله ﷺ إلا استحلفته , ومعلوم أنه كان يحدثه المسلمون ويستحلفهم , مع ظهور إسلامهم , وأنه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره , بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم , مع ظهور إسلامهم وبذلهم له اليمين , وكذلك غيره من الصحابة روي عنهم أنهم ردوا أخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الإسلام , فلم يطعن عليهم في ذلك الفعل , ولا خولفوا فيه , فدل على أنه مذهب لجميعهم , إذ لو كان فيهم من يذهب إلى خلافه لوجب بمستقر العادة نقل قوله إلينا , ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أنه لا يكفي في عدالة الشهود على ما يقتضي الحدود إظهار الإسلام , دون تأمل أحوال الشهود واختبارها , وهذا يوجب اختبار حال المخبر عن رسول الله ﷺ , وحال الشهود بجميع الحقوق , بل قد قال كثير من الناس: إنه يجب الاستظهار في البحث عن عدالة المخبر بأكثر مما يجب في عدالة الشاهد , فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام , يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال والله أعلم).
- روى مسلم في "مقدمة صحيحه" (١/ ١٣) بسنده عن مجاهد أنه قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه
стр. 42
وسلم- فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع!! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا, فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".
- وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
- وروى عن ابن سيرين أيضا أنه قال لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
- وروى عن عبد الله بن المبارك قال: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
(وأما المسألة الثانية وهي: بم تثبت العدالة ؟
تثبت عدالة الراوي بـ:
أولاً: بتنصيص المعدلين على عدالته.
ثانياً: بالاستفاضة والشهرة.
قال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٠١ - ٣٠٢): [(الثانية تثبت العدالة) للراوي (بتنصيص عالمين عليها) وعبارة ابن الصلاح معدلين وعدل عنه لما سيأتي أن التعديل إنما يقبل من عالم (أو بالاستفاضة) والشهرة (فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم) من أهل الحديث أو غيرهم (وشاع الثناء عليه بها كفى فيها) أي في عدالته ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها (كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد) بن حنبل (وأشباههم) قال ابن الصلاح: هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه، وممن ذكره من أهل الحديث الخطيب ومثله بمن ذكر وضم إليهم الليث وشعبة وابن المبارك ووكيعا وابن معين وابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره، وقد سئل ابن حنبل
стр. 43
عن إسحق بن راهويه، فقال: مثل إسحق يسأل عنه، وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلى يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ومجوزا فيهما العدالة وغيرها قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة].
ثالثاً: حمل العلم:
قال السيوطي في التدريب (١/ ٣٠٢: ٣٠٤): [(وتوسع) الحافظ أبو عمر (ابن عبد البر فيه فقال كل حامل علم معروف العناية به) فهو عدل (محمول) في أمره (أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه) ووافقه على ذلك ابن المواق من المتأخرين لقوله ﷺ : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " رواه من طريق العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعا (وقوله هذا غير مرضي) والحديث من الطريق الذي أورده مرسل أو معضل وإبراهيم هو الذي أرسله قال فيه ابن القطان لا نعرفه البتة ومعان أيضا ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وابن عدي والجوزجاني، نعم وثقة ابن المديني وأحمد وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له كأنه موضوع فقال لا هو صحيح فقيل له ممن سمعته فقال من غير واحد قيل من هم قال حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن ومعان لا بأس به انتهى قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره قال العراقي وقد ورد هذا الحديث متصلا من رواية علي وابن عمر وابن عمرو وجابر بن سمرة وأبي أمامة وأبي هريرة وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوي المرسل قال ابن عدي ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم العذري ثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله ﷺ فذكره ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبق له محمل إلا على الأمر ومعناه أنه أمر للثقات بحمل
стр. 44
العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم والدليل على ذلك أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: " ليحمل هذا العلم " بلام الأمر وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته أن بعضهم ضبطه بضم الياء وفتح الميم مبنيا للمفعول ورفع العلم وفتح العين واللام من عدوله وآخره تاء فوقية فعولة بمعنى فاعل أي كامل في عدالته أي إن الخلف هو العدولة والمعنى إن هذا العلم يحمل أي يؤخذ عن كل خلف عدل فهو أمر بأخذ العلم عن العدول والمعروف في ضبطه فتح ياء يحمل مبنيا للفاعل ونصب العلم مفعوله والفاعل عدوله جمع عدل] (١).
وعلى كل حال فالحديث مختلف في ثبوته من ناحيتي الرواية والدراية، والراجح على فرض ثبوته من ناحية الرواية دلالته على عدالة المعروفين بحمل العلم المعتنين به.
قال ابن الوزير في تنقيح الأنظار (٢/ ٩٣ - مع التوضيح) عن رواية الأمر: [أنها معلولة بمخالفة جميع الرواة، إذ كلهم رواه بلفظ الخبر، فالوهم أبعد عن
стр. 45
الجماعة]. وعلى فرض ثبوتها، فتأول بما يوافق رواية الجماعة بأن يكون المراد بالأمر فيها الخبر فتكون من باب الإنشاء الذي أريد به الخبر جمعا بين روايات الحديث.
وقال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ٩٢) مرحجاً لاستدلال ابن عبد البر بالحديث على عدالة حملة العلم المعتنين به: [يتم به استدلاله وذلك لأن العام يعمل به على عمومه حتى يقوم دليل على تخصيصه، فمن كان حامل علم معروفا بالعناية به فهو عدل حتى يظهر قادح في عدالته].
قال المناوي في فيض القدير (٦/ ٣٩٦): [حديث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأنه تعالى يوفق له في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهذا من أعلام نبوته ولا يضر معه كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم بأن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف منه شيئاً].
فتحصل من هذا أن الحديث لا يثبت من ناحية الإسناد، وعلى فرض ثبوته فالأقوى فيه أنه خبر وهو صادق فكل من حمل العلم فهو عدل، فإن ظهر فيه فسق أو نحوه فإن هذا دليل على أنه ليس من حملة العلم، وليس من العلماء الربانيين العاملين بعلمهم، وأنه كان من أدعيائه، وأن بركة العلم نزعت منه لفسقه وغلبة جوره على عدله.
(مسائل أخرى متعلقة بالعدالة (١)):
المسألة الأولى: قبول تعديل العبد والمرأة:
قال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٢١): [(يقبل تعديل العبد والمرأة العارفين) لقبول خبرهما وبذلك جزم الخطيب في الكفاية والرازي والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم أنه لا يقبل في التعديل النساء لا في الرواية ولا في الشهادة واستدل الخطيب على القبول بسؤال النبي
стр. 46
صلى الله عليه وسلم بريرة عن عائشة في قصة الإفك قال بخلاف الصبي المراهق فلا يقبل تعديله إجماعا].
قلت وفي المسالة بالنسبة للمرأة قول ثالث وهو: وهو أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال، حيث بوب البخاري على سؤال النبي ﷺ في قصة الإفك بريرة عن حال عائشة أم المؤمنين ﵂ وجوابها له باب: (تعديل النساء بعضهم بعضاً)، قال ابن حجر في الفتح: (٥/ ٢٧٣): [قال بن بطال: فيه حجة لأبي حنيفة في جواز تعديل النساء، وبه قال أبو يوسف، ووافق محمد الجمهور. قال الطحاوي: التزكية خبر وليست شهادة فلا مانع من القبول، وفي الترجمة الإشارة إلى قول ثالث وهو: أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال؛ لأن من منع ذلك اعتل بنقصان المرأة عن معرفة وجوه التزكية لا سيما في حق الرجال، ... والجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه].
والراجح قول الجمهور من قبول تزكية كل عدل مرضي من ذكر أو أنثى حر أو عبد.
قال الخطيب في الكفاية (ص/ ٩٨): [فإذا ثبت أن خبر المرأة العدل مقبول وانه إجماع من السلف وجب أيضا قبول تعديلها للرجال حتى يكون تعديلهن الذي هو أخبار عن حال المخبر والشاهد بمثابة خبرهن في وجوب العمل به ... ويجب أيضا قبول تزكية العبد المخبر دون الشاهد لأن خبر العدل مقبول وشهادته مردودة والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل ذكر وأنثى حر وعبد لشاهد ومخبر حتى تكون تزكيته مطابقة للظاهر من حاله والرجوع إلى قوله وانتفاء التهمة والظنة عنه إلا أن يرد توقيف أو إجماع أو ما يقوم مقام ذلك على تحريم العمل بتزكية بعض العدول المرضيين فيصار إلى ذلك ويترك القياس لأجله ومتى لم يثبت ذلك كان ما ذكرناه موجبا لتزكية كل عدل لكل شاهد ومخبر].
المسألة الثانية: هل يثبت التعديل بواحد:
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٢٠ - ١٢١): [ولما كانت العدالة صفة للراوي لا تعرف بمجرد إيمانه، افتقرت إلى مُعَرِّف لها؛ فقال المصنف: قال - أي ابن الصلاح -: والصحيح أن التعديل يثبت بواحد ولو امرأة، على
стр. 47
الصحيح، واستدل ابن الصلاح لما جزم به بقوله: لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه ولا تعديله بخلاف الشهادات انتهى.
قلت وفي المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يقبل في التزكية إلا رجلان في رواية وشهادة حكاه القاضي أبو بكر والباقلاني عن
أكثر الفقهاء من أهل المدينة، وغيرهم.
الثاني: أنه يكفي واحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر فإنه قال: والذي يوجب القياس وجوب
قبول تزكية كل عدل مرضى ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا لشاهد ومخبر.
الثالث: التفصيل فيكفي في الرواية تزكية العدل، ولا بد من اثنين في الشهادة ورجحه الإمام فخر الدين والسيف الآمدي.
وأقربها به أوسطها لأن التزكية من باب الأخبار ولا يشترط العدد في قبول رواية العدل (١).] اهـ
стр. 48
كلام الصنعاني، والقول بالتفصيل الذي اختاره هو الراجح (١).
المسألة الثالثة: هل تُعد رواية العدل تعديلاً لمن روى عنه (٢)؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلا:
عزاه النووي في التقريب إلى الأكثرين من أهل الحديث وغيرهم، وصححه السيوطي في التدريب (١/ ٣١٤)، وعزاه ابن رجب في شرح علل الترمذي للشافعية، وأحمد في رواية، وقال: [ما ذكره الترمذي ﵀ يتضمن مسائل من علم الحديث:
إحداها: إن رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه؛ فإن كثيراً من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما، وكان شعبة يقول: ((لو لم
стр. 49
أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير))، قال يحيى القطان: ((إن لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت] إلا [عن خمسة أو نحو ذلك))].
أدلة القول الأول:
قالوا: يجوز رواية الثقة عن غير العدل، فلم تتضمن روايته عنه تعديله، وقد روينا عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحرث، وأشهد بالله أنه كان كذابا. وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن حنبل أنه رأى يحيى بن معين وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه؟ فقال: يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت.
القول الثاني: هو تعديل:
حكاه ابن رجب في شرح العلل للحنفية، ولأحمد في رواية.
أدلة القول الثاني:
قالوا: لو علم فيه جرحا لذكره، ولو لم يذكره لكان غاشا في الدين، قال الصيرفي: وهذا خطأ؛ لأن الرواية تعريف له، والعدالة بالخبرة. وأجاب الخطيب: بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه. قال السماحي في الرواة (ص/٦٤): [وقال ابن الحاجب: ورَد بأنه قد علم أنهم يروون عمن لو سئلوا عنه لم يعدلوه، فلا تدليس].
القول الثالث: التفصيل:
إن كان العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته تعديلا، وإلا فلا. قال السيوطي في التدريب: [واختاره الأصوليون كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما].
وقال ابن رجب في شرح العلل: [والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له، ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل، وصرح بذلك طائفة من المحققين من أصحابنا وأصحاب
стр. 50
الشافعي.
قال أحمد - في رواية الأثرم -: ((إذا روى الحديث عبد الرحمن ابن مهدي عن رجل فهو حجة، ثم قال: كان عبد الرحمن أولاً يتساهل في الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعدها، وكان يروي عن جابر ثم تركه))، وقال في رواية أبي زرعة: ((مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة))، وقال في رواية ابن هانئ: ((ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة، كل من روى عنه مالك فهو ثقة))، وقال الميموني، سمعت أحمد غير مرة يقول: ((كان مالك من أثبت الناس، ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مديني)). قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: ((لا تريد أن تسأل عن رجال مالك، كل من حدث عنه ثقة إلا رجلاً أو رجلين))].
(والقول بالتفصيل هو الراجح:
قال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٥) بعد عرضه للقول الأول والثاني: [والثابت التفصيل، فإن علم أنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عن الراوي تعديلا له وإلا فلا وهذا هو الصحيح عند الأصوليين، كالسيف الآمدي، وابن الحاجب، وغيرهما، بل وذهب إليه جمع من المحدثين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم، والحاكم في مستدركه، ونحوه قول الشافعي ﵀ فيما يتقوى به المرسل أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه انتهى. وأما رواية غير العدل فلا يكون تعديلا باتفاق].
وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ٤٧٥): [والصحيح التفصيل بين أن يكون من عادته أنه لا يروي إلا عن ثقة فيكون تعديلا [له] وإلا فلا].
وقال د. عبد الرحمن الزيد في رسالته: " فوائد في مناهج المتقدمين في التعامل مع السنة تصحيحاً وتضعيفاً " حيث قال: [فالخلاصة: أن من روى عنه ولو واحد من أئمة النقل أهل النقد والتحري ممن لا يروي إلا عن الثقات ولم يُتَكلم فيه فإنه ينفعه ذلك].
فمن اشترط على نفسه عدم الرواية إلا عن الثقات أو العدول، فمن روى عنه
стр. 51
يكون ثقةً أو عدلاً عنده، مع ملاحظة شرطه هل هو على الإطلاق، أو في كتاب معين، وينبغي ملاحظة أن هذا التعديل أو التوثيق، كالتعديل أو التوثيق المجملين، الذين يقدم عليهما الجرح المفسر، وينبغي أيضاً لاعتبار قوله ملاحظة حاله في التزام شرطه، وأنه لم يضطرب فيه فإن ظهر أنه اضطرب فيه فلا يدل قوله على التوثيق أو التعديل.
فائدة: ذكر من كان لا يروي إلا عن الثقات:
قال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٦): [تتمة: من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد وبقي بن مخلد وحريز بن عثمان وسليمان ابن حرب وشعبة والشعبي وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ويحيى بن سعيد القطان وذلك في شعبة على المشهور فإنه كان يتعنت في الرجال ولا يروى إلا عن ثبت وإلا فقد قال عاصم بن علي سمعت شعبة يقول لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثة وفي نسخة ثلاثين وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر، وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك ولا عن من أجمع على ضعفه. وأما سفيان الثوري فكان يترخص مع سعة علمه وشدة ورعه ويروي عن الضعفاء حتى قال فيه صاحبه شعبة لا تحملوا عن الثوري إلا عن من تعرفون فإنه لا يبالي عمن حمل]
وقد طرح هذا الموضوع في ملتقى أهل الحديث، وأدلى كلٌّ بدلوه ونقلوا عن محمد خلف سلامة، في مقال له بِعنوان (الدرر المتناسقة فيمن قيل إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة)، وقد قمت بترتيب ما ذكروه على حروف المعجم مع حذف المكرر، ودمج التعليقات والإحالات مع بعض الزيادات في الإحالات، والواقع أن هذا المجهود منهم طيب، وسعي مشكور، ويا ليت هذا المجهود يكون بداية لبحث هذه المسألة نظرياً، وتطبيقياً، على نطاق أوسع، لأهميتها في علم الجرح والتعديل، وخاصة في تعديل أو توثيق المجاهيل.
وإليك مثالين لبيان أهمية هذه المسألة، فقد صحح الشيخ الألباني إسناد حديثين اعتماداً على هذه القاعدة وهما:-
١ - قال الشيخ الألباني في هامش صحيح ابن خزيمة (٤/ ٢٠٧) عن أثر ابن
стр. 52
عمر في قطع التلبية إذا دخل الحرم ويعاود إذا طاف بالبيت وإذا فرغ من الطواف بين الصفا والمروة: [إسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات معروفون، غير محمد بن مهدي العطار، وأظنه محمد بن مهدي الزيلعي الذي ترجمه ابن أبي حاتم فقال: " روى عن أبي داود الطيالسي روى عنه أبو زرعة " وأبو زرعة لا يروي إلا عن ثقة كما هو معروف ويكفي في توثيقه أنه من شيوخ ابن خزيمة في هذا الصحيح وبعيد جدا أن يكون مثله غير صحيح والله أعلم].
٢ - وقال في ظلال الجنة (١/ ٢٤٥):] إسناده صحيح: رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير محمد بن ثعلبة، وهو السدوسي البصري، روى عنه جمع من الحفاظ والثقات، ومنهم أبو زرعة الرازي وهو لا يروي إلا عن ثقة ولذلك قال الحافظ صدوق].
وإليك محصل ما وقفت عليه في هذه المسألة:
من كان من الحفاظ لا يروي إلا عن ثقة:
عرف عن جمع من الأئمة أنهم لا يروون إلا عن الثقات عندهم، منهم:
١ - إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الرازي.
٢ - إبراهيم بن يزيد النخعي.
٣ - أحمد بن حنبل: (فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣). وتعقب بعضهم وضع الإمام أحمد هنا، وكذا ابنه عبد الله؛ لأنهما كان يرويان عمن لم يجب في الفتنة، وليس عمن لم يكن فيه ضعف في الحديث.
٤ - إسماعيل بن أبي خالد: (تهذيب التهذيب ١/ ٢٩٢).
٥ - أيوب ابن أبي تميمة السختياني (فتح الباري لابن رجب (٤/ ١٣٢).
٦ - بقي بن مخلد الأندلسي: (تهذيب التهذيب ١/ ١٩و٢٦و٣٥٨)، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣، وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (٣/ ٣٧٢): [وحكى الشيخ علاء الدين مغلطاي عن تاريخ قرطبة أن بقي بن مخلد قال " كل من رويت عنه فهو ثقة ".
٧ - بكير بن عبد الله الأشج.
٨ - حريز بن عثمان الرحبي: (شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٨٣، فتح
стр. 53
المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣).
٩ - سعيد بن المسيّب.
١٠ - سليمان بن حرب الأزدي: (شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٨٣، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣).
١١ - شعبة بن الحجاج: (تهذيب التهذيب ١/ ٥، فتح الباري ١/ ٣٠٠، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣ وذكر في فتح الباري: أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم. ٤/ ٣٨و١٩٤).
١٢ - عامر بن شراحيل الشعبي: (تهذيب التهذيب ٥/ ٦٧، وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (٣/ ٣٧٢): [وحكى الشيخ علاء الدين مغلطاي من تاريخ ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول " إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه ".
١٣ - عبد الرحمن بن مهدي: (سؤالات أبي داود ص٣٣٩ و١٩٨ و٣٤١، فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٤٣).
١٤ - عبد الله بن أحمد بن حنبل: (قال ابن حجر في تعجيل المنفعة (١/ ١٨): [عبد الله كان لا يكتب إلا عن ثقة عند أبيه].
١٥ - عفان بن مسلم الباهلي.
١٦ - عمرو بن مرزوق البصري.
١٧ - مالك بن أنس: (التمهيد ١/ ١٧و١٣/ ١٨٨، سير أعلام النبلاء ١/ ١٣٨).
١٨ - محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح.
١٩ - محمد بن سيرين: (التمهيد ٨/ ٣٠١، فتاوى ابن تيمية ٢٣/ ٤٧).
٢٠ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب: (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٠٤و٣٠٥).
٢١ - محمد بن وضاح القرطبي: (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٩١).
٢٢ - محمد بن الوليد بن عامر.
٢٣ - مظفر بن مدرك الخراساني: (تقريب التهذيب ١/ ٥٣٥).
٢٤ - منصور بن المعتمر: (تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٤٩).
٢٥ - موسى بن هارون الحمّال.
стр. 54
٢٦ - الهيثم بن جميل.
٢٧ - يحيى بن أبي كثير الطائي: (الجرح والتعديل ٩/ ١٤١، سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٨). ٢٩ - أبو داود السجستاني صاحب السنن: (نصب الراية ١/ ١٩٩، تهذيب التهذيب ٢/ ٢٩٧، وقال المزي في تهذيب الكمال (٣١/ ٥٠٩): [وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة]. وبعضهم تعقب هنا بأن أبا داود روى في سننه عن رجال ضعّفهم بنفسه وجرحهم!
٢٨ - يحيى بن سعيد القطان: (ثقات العجلي ص ٤٧٢، سؤالات أبي داود ص ٣٣١و١٩٨، وقال المزي في تهذيب الكمال (٣١/ ٣٤٠): [قال العجلي بصري ثقة نقي الحديث كان لا يحدث إلا عن ثقة].
٢٩ - أبو زرعة الرازي: (لسان الميزان٢/ ٤١٦).
٣٠ - أبو مسلمة الخزاعي.
المسألة الرابعة: قول العدل حدثني الثقة:
من أبهم على التعديل للعلماء في قبول روايته أقوال:
القول الأول: عدم قبول هذا التعديل أو التوثيق:
عزاه الزركشي في البحر المحيط (٦/ ١٧٤): لأبي بكر القفال الشاشي، والخطيب البغدادي، والصيرفي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والماوردي، والروياني، وعزاه ابن النجار في شرح الكوكب المنير (ص/ ٢٨٥) لبعض الأصحاب من الحنابلة، ولأكثر الشافعية. وهو ترجيح جماعة من العلماء منهم ابن الملقن في المقنع (١/ ٢٥٤)، والسخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٣)، والأبناسي في الشذا الفياح (١/ ٨٥ - ٨٦) وغيرهم.
قال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [لأنه قد يكون ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف. بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب فيه تردداً].
القول الثاني: قبول هذا التعديل:
قال ابن النجار: [وصححه ابن الصباغ. قال ابن مفلح: وكذا أبو المعالي , واختار قبوله ; وأن الشافعي أشار إليه, وقبله المجد من أصحابنا, وإن لم يقبل
стр. 55
المرسل والمجهول. فقال: إذا قال العدل: حدثني الثقة, أو من لا أتهمه, أو رجل عدل, ونحو ذلك. فإنه يقبل, وإن رددنا المرسل والمجهول; لأن ذلك تعديل صريح عندنا انتهى. وكذا قال ابن قاضي الجبل. ونقل ابن الصلاح عن أبي حنيفة: أنه يقبل].
قال ابن الوزير في التنقيح (٢/ ١٧١، ١٧٢ - مع التوضيح): [ثم ذكروا مسألة وهي: توثيق من لم يعرف عينه، ولم يسم، مثل قول العالم الثقة: حدثني الثقة، أو جميع من رويت عنه ثقة، واختاروا أنه لا يقبل؛ لجواز أن يعرف فيه جرح لو بينه، وهذا ضعيف؛ فإن توثيق العدل لغيره يقتضي رجحان صدقه، وتجويز وجود الجارح لو عرف هذا المُعَدَّل لا يعارض هذا الظن الراجح حتى يصدر عن ثقة ولو كان التجويز يقدح مع تسميته لأن التسمية لا تمنع من وجود جرح عند غير المعدل. فإن قالوا: لما لم يعلم حكمنا بالظاهر حتى نعلم، فكذلك هنا لا فرق بينهما، إلا أن طريق البحث غير ممكنة عند الإبهام، وقد يمكن عند التسمية، فيكون الظن بعد البحث عن المعارض وعدم وجدانه أقوى. وهذا الفرق ركيك؛ لأنا لم نتعبد بأقوى الظنون في غير حال التعارض؛ ولأن الطلب المعارض في هذه الصورة لا يجب؛ ولأن التمكن من البحث قد يتعذر مع التسمية فيلزم طرح توثيق من الفرض أن قبوله واجب.
ويمكن نصرة القول الأول - وهو عدم قبول تزكية المبهم - بأن الخبر عن التوثيق كالخبر عن التصحيح والتحليل والتحريم يمكن اختلاف أهل الديانة والإنصاف فيه بخلاف الأخبار المحضة فلا يجوز للمجتهد التقليد في التوثيق المبهم على هذا وهو محل نظر والله أعلم].
القول الثالث: القبول بشروط:
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٧٢): [واعلم أن في المسألة قولا ثالثا، حكاه البرماوي، قال: وهو الصحيح المختار الذي قطع به إمام الحرمين، وجريت عليه في النظم، وحكاه ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين: أنه إن كان القائل بذلك من أئمة هذا الشأن العارف بما يشترط هو وخصومه في العدل، وقد ذكر في مقام الاحتجاج فيقبل].
стр. 56
القول الرابع: التفصيل:
قال الصنعاني: [وقول رابع: وهو التفصيل، فإن عرف من عادته إذا أطلق ذلك أنه يعني به معيناً، وهو معروف بأنه ثقة، فيقبل، وإلا فلا، حكاه البرماوي أيضا عن حكاية شارح اللمع عن صاحب الإرشاد، والثالث قد أشار إليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها].
وقد اجتهد العلماء في بيان المراد بالثقة عند الإمام الشافعي، والإمام مالك، وغيرهما، وقال الصنعاني في التوضيح (١/ ٣٢٠) بعد عرضه لبعض هذه الاجتهادات: [ذكر هذا البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه، ثم نقل أقوالا غير هذه فيما يريده الشافعي بالثقة. قلت: وكلها تخمين وتظنن] ...
وقال الشيخ مقبل في المقترح بعد ذكره لكلام الصنعاني هذا: [يعنى لا يوجد جزم؛ لأن هذه مسألة استقراء تصيب وتخطئ].
القول الخامس:
قال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [فإن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه على ما اختاره بعض المحققين. وذكر (الخطيب الحافظ): أن العالم إذا قال: كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أسمه. ثم روى عن من لم يسمه فإنه يكون مزكيا له، غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه].
(والقول الراجح هو القول بعدم قبول هذا الثوثيق أو التعديل؛ لأن الأصل في الرواة الجهالة، فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين. ولما كان الخبر عن التوثيق والتعديل يختلف باختلاف المُعَدِّل، فقد يُظهر له المُعَدَّل ما يجعله يحكم له بالعدالة أو التوثيق، في حين أنه لو صرح به لأنكشف حاله؛ وعليه فتمسكاً بالأصل الأول في الرواة، وحماية لجناب السنة، نختار القول بعدم قبول هذا التعديل أو التوثيق للمجاهيل والمبهمين. والله أعلم.
المسألة الخامسة: قول الراوي: حدثني من لا أتهم .
قال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣١١ (: [لو قال نحو الشافعي أخبرني من لا أتهم فهو كقوله أخبرني الثقة وقال الإمام الذهبي ليس بتوثيق لأنه نفي للتهمة وليس فيه تعرض لإتقانه ولا لأنه حجة قال ابن السبكي وهذا صحيح غير أن هذا
стр. 57
إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي أما من ليس مثله فالأمر كما قال انتهى قال الزركشي والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن طوائف من فحول أصحابنا صرحوا به منهم: السيرافي، والماوردي، والروياني].
المسألة السادسة: يقبل التعديل على الإجمال:
قال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [التعديل مقبول من غير ذكر سببه، على المذهب الصحيح المشهور؛ لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جدا ... ].
الشرط الثاني من شروط الحديث الصحيح: الإتقان .
قوله: [هو ما دَارَ على عَدْل مُتْقِنٍ].
ومتقن: اسم فاعل من الإتقان، والإتقان هو الإحكام.
قال الزبيدي في تاج العروس (١/ ٧٩٨٥): [(أتقن الأمر) اتقانا (أحكمه) وهو في الاصطلاح معرفة الأدلة وضبط القواعد الكلية بجزئياتها].
قال الجرجاني في التعريفات (١/ ٢٣): [الإتقان معرفة الأدلة بعللها وضبط القواعد الكلية بجزئياتها وقيل الإتقان معرفة الشيء بيقين].
والمقصود بالإتقان هنا إحكام الحفظ أو الضبط التام، لا المعنى الاصطلاحي للإتقان؛ إذ لو كان مقصوداً لاشترط في راوي الصحيح معرفة أصول الرواية والدراية، وسيأتي من كلام الذهبي عدم اشتراط ذلك.
مسائل:
الأولى:
قال الإمام الذهبي في الموقظة: [تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان، فإن انضاف إلى ذلك المعرفةُ والإكثارُ، فهو حافظ] .
والذي يظهر من عبارته هذه: أنه يجعل مرتبة الحافظ أعلى من مرتبة الثقة ، وذلك بزيادة المعرفة والإكثار لشروطه من عدالة وضبط وإتقان.
стр. 58
قال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ٥٣): [وسئل الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس عن حد المحدث والحافظ؟ فأجاب بأن المحدث في عصرنا هو من اشتغل بالحديث رواية ودراية وكتابة واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتبصر بذلك حتى حفظه واشتهر فيه ضبطه، فإن انبسط في ذلك وعرف أحوال من تقدم شيوخه وشيوخ شيوخهم طبقة طبقة بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة، ويكون ما يعلمه من أحوال الرواة كل طبقة أكثر مما يجهله فهذا حافظ].
وقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٦٨): [للحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً:
١ - وهو الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف.
٢ - والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم.
٣ - والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون.
فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً.] ...
(ومن هنا تظهر النكتة التي من أجلها عبر الذهبي ﵀ بلفظ: متقن، بدلاً من حافظ؛ فليس من شرط رواة الصحيح اشتراط المعرفة والإكثار مع الضبط والإتقان فيهم. ...
فائدة: هل يلزم من قول المحدثين عن راو أنه (حافظ) أن يكون ضابطاً ؟!
ذهب الشيخ طارق عوض الله في كتابه " النقد البناء لحديث أسماء " إلى أن: وصف الراوي بأنه (حافظ) لا يلزم منه أن يكون ضابطاً، وقال: بدلالة وصفهم لبعض الرواة بأنهم حفاظ وهم ضعفاء، ولأنهم ربما وصفوا الراوي بـ (الحفظ) مع اتهامهم له في عدالته وصدقه.
وهذا التقعيد والتعميم في إطراد هذه الملازمة العكسية خطأ فإن الأصل في وصف المحدثين للراوي بأنه (حافظ) هو أن يكون ضابطاً، نعم قد يقصدون أحياناً بقولهم (حافظ) كثرة محفوظاته من مرويات ومسموعات، وإن لم يكن ضابطاً متقناً لما حفظه، ولكنهم لابد وأن يبينون وجه الضعف فيه عطفا على
стр. 59
وصفه بالحافظ فيقولون مثلا: حافظ، وهو ضعيف، والكلام في الإطلاق لا التقييد.
فهناك فرق بين إطلاق (حافظ) دون تقييد، وبين إطلاقها مع التعقيب عليها!؛ فالأصل أن إطلاق المحدث على راو أنه (حافظ) أي تام الضبط، إلا أنهم قد يريدون بـ (الحافظ) المكثر من المحفوظات، وحينها ينبهون على ذلك، فيعقبون على (حافظ) بقولهم (وله أوهام) أو (وله مناكير) ونحو ذلك من الألفاظ.
قال الشيخ العوني في "شرح الموقظة" (ص/١٨٦): (الأصل فيمن وصف بالحافظ أن يكون قد جمع مع الحفظ العدالة، وهذا خلاف ما قرره بعض المتأخرين من أن الراوي إذا وصف بأنه حافظ لا يحتج بحديثه؛ لاحتمال أن يكون غير عدل، وهذا خطأ، بل الصحيح أن من لم نجد فيه إلا الوصف بأنه حافظ فإنه حجة؛ لأنهم لا يطلقون هذا الوصف (دون قيد) إلا إذا أرادوا أنه قد جمع العدالة والضبط، بل يريدون ذلك .. وزيادة كما بيَّن الإمام الذهبي هنا. لكن إذا قالوا: (حافظ، وهو ضعيف) فهو خارج عن التقرير السابق؛ لأنه لميُطلق عليه لفظ الحفظ. بل مثل هذا الحكم وهو التضعيف مع الوصف بالحفظ لا يكون غالبا إلا في حق من كان ضعفه شديد؛ لأنه سيكون مطعونا في عدالته. وهذا كما وقع في حق بعض الحفاظ الكبار كسليمان بن داود الشاذكوني، ومحمد بن يونس الكديمي، وأبي الفتح الأزدي).
وهذا هو الظاهر من كلام الذهبي في مقولته السابقة - (تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان، فإن انضاف إلى ذلك المعرفةُ والإكثارُ، فهو حافظ) - ومن خلال منهجه في تذكرة الحفاظ، ويؤيد ذلك أن المعنى اللغوي لكلمة حافظ تدل على استظهار ما حفظه، قال ابن سيده: (الحفظ نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلة الغفلة)؛ فعلى هذا لا يصح أن يُقال على من أكثر من القراءة في الكتب أنه (حافظ)، ولا على من أكثر من السماع من شيخه!، وإنما تُقال لمن يستظهر العلوم في صدره!، ولابد من وجود علاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
المسألة الثانية:
فرَّق أبو هلال العسكري في معجم الفروق اللغوية بين الإتقان والإحكام ، فقال
стр. 60
: [الفرق بين الإتقان والإحكام: أن إتقان الشيء إصلاحه وأصله من التقن وهو التَّرنُوق (١) الذي يكون في المسيل أو البئر وهو الطين المختلط بالحمأة يؤخذ فيصلح به التأسيس وغيره فيسد خلله ويصلحه فيقال أتقنه إذا طلاه بالتقن ثم استعمل فيما يصح معرفته فيقال أتقنت كذا أي عرفته صحيحا كأنه لم يدع فيه خللا، والإحكام إيجاد الفعل محكما ولهذا قال الله تعالى " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه " أي خلقت محكمة (٢) ولم يقل أتقنت لأنها لم تخلق وبها خلل ثم سد خللها. وحكى بعضهم أتقنت الباب إذا أصلحته قال أبو هلال رحمه الله تعالى: ولا يقال أحكمته إلا إذا ابتدأته محكما.]
ومن تمام حفظ الراوي أنه يؤدي الحديث كما سمعه؛ وعليه فكان الأنسب للإمام الذهبي التعبير بلفظ: مُحْكِم، بدلاً من: متقن، أو يعبر بلفظ ضابط كما استخدمه حيث قال: [فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذاً: المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس].
والتعبير بالأخير المشهور المتداول هو الأولى، وضبط الشيء شدة الحفظ له لئلا يفلت منه شئ، وهو بمعنى الإتقان هنا.
المسألة الثالثة: الكلام على الضبط:
١ - تعريف الضبط:
أ - تعريفه لغة:
قال المناوي في التعاريف (١/ ٤٦٩): [الضبط لغة الحزم وعرفا سماع الكلام كما يحق سماعه ثم فهم معناه الذي أريد به ثم حفظه ببذل المجهود وهو الثبات عليه بمذاكرته إلى حين أدائه إلى غيره كذا ذكره ابن الكمال وفي المصباح
стр. 61
ضبطه حفظه حفظا بليغا ومنه ضبطت البلاد وغيرها قمت بأمرها قياما لا نقص فيه].
قال الزبيدي في تاج العروس (مادة ضبط): [ضَبَطَهُ يَضْبُطه ضَبْطاً وضَبَاطَةً بالفَتْحِ: حَفِظَهُ بالحَزْمِ فهو ضَابِطٌ أَي حازِمٌ. وقالَ اللَّيْثُ: ضَبْطُ الشَّيْءِ: لُزُومُه لا يُفارِقُه يُقَالُ ذلِكَ في كلِّ شيءٍ. وضَبْطُ الشَّيْءِ: حِفْظُه بالحَزْم. وقالَ ابنُ دُرَيْدٍ: ضَبَطَ الرَّجُلُ الشَّيءَ يَضْبُطُه ضَبْطاً إِذا أَخَذَه أَخْذاً شَديداً ورَجُلٌ ضَابِطٌ وضَبَنْطَى ... ].
ب - اصطلاحاً:
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ٨): [الضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام وهو المراد هنا. - أي في تعريف الحديث الصحيح -].
قال الشيخ السماحي في المنهج الحديث - قسم الرواة (ص/٦٩) في تعريف الضبط اصطلاحاً: [أن يكون الراوي متيقظا (١)، غير مغفل (٢)، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث منه، ويشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعنى إن روى به].
قال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٠٢):] أن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه].
قال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ١٠٥): [الضابط من الرواة هو الذي يقل خطؤه في الرواية وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ووهمه فيها سواء كان ذلك لضعف استعداده أو لتقصيره في اجتهاده].
стр. 62
٢ - أقسام الضبط:
قال الشيخ السماحي في المنهج الحديث قسم الرواة (ص/٧٤: ٧٧): [ينقسم الضبط باعتبار الحفظ والصيانة إلى ضبط صدر، وضبط كتاب، وباعتبار اللفظ والمعنى إلى ضبط لفظ، وضبط معنى، وباعتبار قوته وضعفه إلى مرتبة عليا، ووسطى، ودنيا:
١ - ضبط صدر: قال ابن حجر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
قال الملا: (ضبط صدر) أي إتقان قلب وحفظ.
(ما سمعه) أي من الحديث ورواته.
(يتمكن) أي يقتدر.
(متى شاء) الأظهر إذا شاء أي حين أراد أن يحدث به ... اهـ.
أما الكمال فعرفه عند الحنفية بأنه توجه الراوي بكليته إلى كله عند سماعه، ثم حفظه بتكريره، ثم الثبات عليه إلى أدائه. اهـ ...
فقوله: (توجه الراوي بكليته إلى كله عند سماعه) هو مثل قول المحدثين: (أن يكون الراوي متيقظاً غير مغفل). وقوله: (ثم حفظه بتكريره، ثم الثبات عليه إلى أدائه) مثل قول ابن حجر: (أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء). ولعل قوله (إلى كله) يريد إلى لفظه ومعناه.
٢ - ضبط كتاب: قال ابن حجر: وهو صيانته لديه، منذ سمعه فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.
قال الملا: (صيانته لديه) أي حفظ الكتاب عنده من غير أن يعيره بحيث لا أمن من تغيير المستعير، فلا يضر وضعه أمانة عند غيره.
(منذ سمع فيه) أي من ابتداء زمان سماعه في ذلك الكتاب.
(وصححه) حتى لا يتطرق الخلل إليه.
(إلى أن يؤدي) أي الحديث.
(منه) أي من الكتاب ... ]. اهـ كلام الشيخ السماحي.
وأما الكلام على تقسيم الضبط إلى: ضبط لفظ، وضبط معنى، فسوف يأتي
стр. 63
الكلام عليه - بمشيئة الله - في محله من الموقظة.
وأما تقسيم الضبط باعتبار قوته وضعفه إلى: مرتبة عليا، ووسطى، ودنيا. فقال الشيخ السماحي عقب ذكره لقول الكمال في الضبط: (وَيُعْرَفُ بِالشُّهْرَةِ، وَبِمُوَافَقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ، أَوْ غَلَبَتِهَا، وَإِلَّا فَغَفْلَةٌ): فاعتبر الكمال الموافقة في اللفظ والمعنى، أو غلبة الموافقة، واعتبر عدم الموافقة أو غلبتها غفلة بقوله: (وإلا) أي وإن لم يعرف بالموافقة أو غلبتها (فغفلة)، فالموافقة التامة هي العليا، وغلبة الموافقة هي الوسطى والدنيا].
وقد قسمها الصنعاني بأوسع من ذلك حيث قال في توضيح الأفكار تعليقاً على عبارة ابن الوزير في التنقيح (١/ ٩: ١٢): [(ولا بد من اشتراط الضبط؛ لأن من كثر خطؤه عند المحدثين استحق الترك) المعنى استحقاق كثير الخطأ الترك عند أئمة الحديث (وإن كان عدلا) إذا العدالة لا تنافي كثرة الخطأ في الرواية إذ مدرك ذلك عدم تمام الضبط ومدرك العدالة غيره وهذا في كثرة الخطأ وأما خفته فإنه يكون الراوي معه مقبولا ويصير حديثه حسنا كما قال الحافظ ... (وكذلك) أي يستحق الترك (عند الأصوليين إذا كان خطؤه أكثر من صوابه، واختلفوا) أي الأصوليون لا أهل الحديث فإنه يعلم أنهم إذا تركوا من كثر خطؤه فتركهم من تساوي خطؤه وصوابه بالأولى، والفرق بين: كثيرا وأكثر ظاهر، فهذان قسمان، والثالث أشار إليه بقوله (إذا استويا فالأكثر منهم) أي الأصوليين (على رده) لعدم الظن بصدقه (لأنه لا يحصل الظن بصدقه) ولا يقبل إلا ما يظن صدقه وإلا كان تحكما وهذا ثالث الأقسام، ورابعها أن يخف ضبطه وهذا لم يذكره المصنف، وقد أشرنا إليه، وخامسها من صوابه أكثر من أخطائه، وهو مفهوم كلام المصنف حيث قال لأن من كثر خطؤه عند المحدثين واستحق الترك كما سلف وهذا يحتمل أنه الخفيف الضبط فهو مقبول عند المحدثين لكن حديثه حسن لا صحيح عندهم ويكون مقبولا عند الأصوليين ...
ثم قال: اعلم أنه يتصور هنا أربع صور:
الأولى: تام الضبط.
الثانية: من تساوى ضبطه وعدمه.
стр. 64
الثالثة: من كان ضبطه أكثر من عدمه.
الرابعة: من عدم ضبطه أكثر من ضبطه.
وينضاف إليها صورتان: الأولى: من قل غلطه. والثانية: من كثر غلطه.
الأولى من الأربع بشرط الصحيح، والخامسة شرط الحسن؛ فإن قلة الضبط هي خفته، والسادسة هي التي قال المصنف: إنه يستحق صاحبها الترك عند المحدثين، وأما من صوابه أكثر من خطائه وهي الصورة الثالثة فمفهوم كلام المصنف أن صاحبها مقبول عند الأصوليين ويحتمل أنها صورة خفة الضبط عند المحدثين فيكون مقبولا عندهم أيضا فأنا لم ترهم عينوا خفة الضبط برتبة يتميز بها عن غيره، وعلى هذا فقد قبل المحدثون أهل هذه الصفة في رجال الحسن فلا يتم قول المنصف إن في دعوى الفقيه عبد الله الإجماع نظرا لمخالفة المحدثين فإن الفقيه عبد الله ادعى الإجماع على قبول من صوابه أكثر من خطائه وهو فيما يظهر لنا خفيف الضبط فيتم دعواه الإجماع على قبوله من الفريقين لكنه شرط للحسن، والفقيه عبد الله إنما يتكلم على مجرد القبول، لا على ما هو شرط الصحيح؛ ويدل لذلك أن المحدثين جعلوا من القوادح في الراوي فحش غلطه، أي كثرته، وسوء حفظه، وهو عبارة عمن يكون غلطة أكثر من إصابته، هكذا ذكره الحافظ في النخبة وشرحها فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطة أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما
، والأخريان مردود من اتصف بهما].
٣ - هل يقع الوهم في الكتاب كما يقع في الحفظ:
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٢٠):] واعلم أن قدمنا لك أنهم اختاروا في رسم الصحيح أن يكون راويه تام الضبط، كما قال في النخبة: عدل تام الضبط، وتبعه المصنف في مختصره كما قدمنا لفظه، وفي شرح النخبة: وقيد بالتمام إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك، قال ملا على: والمعنى أنه لا يكفي في الصحيح لذاته بمسمى الضبط على ما هو المعتبر في الحسن لذاته وكذا في الصحيح لغيره يكتفي بمجرد الضبط انتهى. ولا يخفي أن هذا في ضبط الصدر، قال ملا على: وأما ضبط الكتاب فالظاهر أن كله تام لا يتصور فيه النقصان،
стр. 65
ولهذا لا يقسم الحديث باعتباره، وإن كان يختلف ضبط الكتاب باختلاف الكُتَّاب].
وقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٠٤):] ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف: أن الوهم تارة يكون في الحفظ، وتارة يكون في القول، وتارة في الكتابة، قال: وقد روى مسلم حديث: " لا تسبوا أصحابي " عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية عن، الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ووهم عليهم في ذلك إنما رووه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبي سعيد كذلك، رواه عنهم الناس كما رواه ابن ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه قال: والدليل على أن ذلك وقع منه في حال كتابته لا في حفظه أنه ذكر أولا حديث أبي معاوية ثم ثنى بحديث جرير وذكر المتن وبقية الإسناد ثم ثلث بحديث وكيع ثم ربع بحديث شعبة ولم يذكر المتن ولا بقية الإسناد عنهما بل قال عن الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثهما فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعهما في الحوالة عليهما].
والصحيح إمكان وقوع الوهم في الكتاب وهو قليل بالنسبة لوقوعه في ضبط الصدر، وترجم الذهي في كتابه "المغني في الضعفاء" لابن سعدون بذلك فقال: (مُحَمَّد بن سعدون الأندلسي لَقِي ابْن الْورْد، قَالَ ابْن الفرضي: ضَعِيف الْكتاب غير ضَابِط (١)).
٤ - بمَّ يعرف ضبط الصدر ؟
قال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر روايته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم].
وقال ابن أمير الحاج في التقرير والتحبير شرح تحرير ابن الهمام (٢/ ٢٤٢) عند الكلام على شرائط الراوي: [(وَمِنْهَا رُجْحَانُ ضَبْطِهِ عَلَى غَفْلَتِهِ لِيَحْصُلَ
стр. 66
الظَّنُّ) بِصِدْقِهِ إذْ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَالْحُجَّةُ هِيَ الْكَلَامُ الصِّدْقُ (وَيُعْرَفُ) رُجْحَانُ ضَبْطِهِ (بِالشُّهْرَةِ وَبِمُوَافَقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ) أَيْ بِالضَّبْطِ فِي رِوَايَتِهِمْ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى (أَوْ غَلَبَتِهَا) أَيْ الْمُوَافَقَةِ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يَعْرِفْ رُجْحَانَ ضَبْطِهِ بِذَلِكَ (فَغَفْلَةٌ)].
@ وللشيخ المأربي بحث جبد حول هذه المسألة فقال - حفظه الله - في "الجواهر السليمانبة شرح المنظومة البيقونية" (ص/٦١): (يعرف العلماء ذلك بأمور:
١ - استفاضة ضبط الراوي بين الأئمة، وهذه الصورة هي أعلى الصور في هذا الباب.
٢ - تزكية بعض أئمة الجرح والتعديل للراوي بأنه يحفظ حديثه ويتقنه.
٣ - سَبْر روايات الراوي، ومقارنتها بروايات غيره من الثقات؛ لينظر هل يوافقهم أم يخالفهم؟ ويُحْكَم على حديثه بعد ذلك بما يستحق، كما قال ابن معين: قال لي إسماعيل بن علية يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث، فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له عارَضْنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، فقال: الحمد لله. . . اهـ (١).
٤ - إذا نصُّوا على أن الراوي ثقة، وليس له كتاب، فهذا يدل على أنه يحفظ حديثه في صدره.
٥ - ومن ذلك قول الراوي عن نفسه:" ما كتبت سوداء في بيضاء " أو " ما يضُرُّني أن تُحْرَق كتبي" ونحو ذلك مما يدل على إتقانه لحديثه.
٦ - باختبار الراوي، وللاختبار صور، منها:
أ - أن يأتي إليه أحد أئمة الجرح والتعديل، فيسأله عن بعض الأحاديث، فيحدثه بها على وجه ما، ثم يأتي إليه بعد زمن، فيسأله عن الأحاديث نفسها، فإن أتى بها كما سمعها منه في المرة الأولى؛ علم أن الرجل ضابط لحديثه، ومتقن له، أما إذا خَلَّط فيها، وقَدَّم وأَخَّر؛ عَرَفَ أنه ليس كذلك، وتكلم فيه على قدر خطئه
стр. 67
ونوعه، فإن كانت هذه الأخطاء يسيرة عددا ونوعا؛ احتملوها له إذا كان مكثرا، وإلا طُعِن فيه.
ومسألة كثرة الخطأ وقلته مسألة نسبية، ترجع إلى كثرة حديث الراوي وقلته، فمن كان مكثرًا من أحاديثه الصحيحة، وأخطأ في أحاديث قليلة؛ احْتُمِل له ذلك الخطأ، كمن كان عنده عشرة آلاف حديث - مثلاً - وأخطأ في عشرين حديثًا منها، وهذا بخلاف من لم يكن عنده إلا حديث واحد - مثلا - وأخطأ فيه، فمثل هذا يكون متروكا، أو كمن عنده عشرة أحاديث، وأخطأ في خمسة منها؛ فهذا يطعن فيه مع أن الخطأ في عشرين حديثًا، أو خمسين حديثًا، لا يضر من كان مكثرًا، واسع العلم والحصيلة.
إلا أن النظر لا يقتصر على مسألة القلة والكثرة فقط، بل يُراعَى في ذلك أيضاً نوع الخطأ: فقد يكون الخطأ قليلاً، إلا أنه فاحش، فيذهب بحديث الراوي، كما جاء عن الدارقطني أنه قال في الربيع بن يحيى بن مقسم: حَدَّث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر، قال: جَمَع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بين الصلاتين، ثم قال: وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولاجمل، وهذا يُسقط مائة ألف حديث " وقال أبو حاتم في "العلل ": " هذا باطل عن الثوري " اهـ (١).
ب - وهناك صورة أخرى لاختبار الرواة لمعرفة ضبطهم، وهي أن يُدْخِل الإمام منهم في حديث الراوي ما ليس منه، ثم يقرأ عليه ذلك كله، موهمًا أن الجميع حديثه، فإن أقره وقبله، مع ما أُدخل فيه؛ طعن في ضبطه، وإن ميز حديثه من غيره؛ علم أن الرجل ضابط، ومثال ذلك: ما حصل من يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي (٢) ولعل لذلك صلة بالتلقين الآتي في الصورة الثالثة.
ج - ومن صور الاختبار - أيضًا - أن يلقن الإمام منهم الراوي بقصد اختباره شيئا في السند أو في المتن، لينظر هل سيعرف ويميز؛ فيرد ما لُقِّنَه، أو لا يميز؛ فيقبل ما أُدخل عليه، فإن ميز؛ فهو ضابط، وإلا فغير ضابط.
ومن قبول التلقين: أن يسأل الإمامُ أحدَ الرواة عن مجموعة من الأحاديث،
стр. 68
أي هل حدثك فلان بكذا وكذا، وليس ذلك من حديثه، فإن أجابه بنعَم؛ عَرف ضعفه وغفلته، ويُعبِّر علماء الجرح والتعديل عن الراوي الضعيف في مثل ذلك بقولهم: " فلان يُجيب عن كل ما يُسْأل عنه " والله أعلم.
د - إغراب إمام من الأئمة على الراوي بالحديث، فيقلب سنده، أو متنه، أو يركب سند حديث على متن حديث آخر، أو العكس، ليعرف ضبط الراوي من عدمه أو قلته، ويحكم عليه بما يستحق حسب حِذْقه، وفطنته، وضبطه، أو غفلته، وعدم فهمه، وهذا يفعله الشيوخ مع تلاميذهم لمعرفة نباهتهم وتيقظهم، والعكس، كما جرى من حماد بن سلمة مع ثابت البناني (١).
٧ - وكذلك يُعرف الضبط بالمذاكرة، كما قال أبوزرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ومايدريك؟ قال: ذاكرتُه، فأخذت عليه الأبواب " اهـ (٢).
٨ - بالنظر في كتاب الراوي: فيُعرف اختلاطه - مثلاً - وذلك إذا كانت رواية القدماء عنه مستقيمة، ورواية الأحداث عنه مضطربة، فَيُعْلَم من ذلك اختلاطه بأخرة.
بل يُعلم من خلال النظر في الكتاب: هل هو مدلِّس أم لا؟ فإن كانت رواياته التي صرح فيها بالسماع عن الثقات مستقيمة، والتي يعنعن فيها مضطربة، وكذا التي قد يُظهر فيها واسطة ضعيفة، عُلم بذلك تدليسه، فمن خلال النظر في الكتاب يُعلم ضبط الراوي وعدمه، والله أعلم).
٥ - بم يعرف ضبط الكتاب ؟
وقال الشيخ المأربي (ص/٦٥): (يُعْرف ذلك بعدة أمور:
١ - التنصيص من إمام على أن فلانًا صحيح الكتاب، أو أن كتابه هو الحَكَم بين المحدثين، أو أن كتابه كثير العجم والتنقيط، ونحو ذلك مما يدل على ضبطه لكتابه.
٢ - أن يصرح الراوي الثقة بضبطه كتابه، كأن يقول: إذاكان كتابي معي
стр. 69
فلا أبالي أن يكون فلان من الأئمة عن يميني، والآخر عن شمالي.
٣ - التنصيص على أن أصل الراوي الذي يُحدِّث منه مُقَابلٌ على أصل شيخه، أو على نسخة معتمدة منه.
٤ - أن يوافق حديثُهُ الذي يرويه من كتابه حديثَ الثقات، فإن هذا يدل على ضبطه لكتابه، وقد يكون عنده ضبط صدر، وقد لايكون.
٥ - التنصيص على أنه لم يكن يُعير كتابه، ولايُخْرِج أصله من عنده؛ لأن فاعل ذلك قد ينسى المعار إليه، وقد يعيره للمأمون وغير المأمون؛ فيؤدي ذلك إلى إدخال شئ في كتابه، وهو ليس من حديثه، وقد لا يميز ذلك، لاسيما إذا لم يكن عنده حفظ وإتقان لحديثه، فيسقط حديثه).
المسألة الرابعة:
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ٨): [(ولم يشترط) الخطابي في رسم الصحيح (الضبط) كما اشترط غيره من أئمة الحديث، قال السيوطي في شرح ألفيته: قال الحافظ ابن حجر: قول الخطابي (وعدلت نقلته) مغن عن التصريح باشتراط الضبط؛ لأن المعدل من عدله النقاد أي وثقوه، وإنما يوثقون من اجتمع فيه العدالة والضبط بخلاف من عرفه بلفظ العدل فيحتاج إلى زيادة قيد الضبط فلا اعتراض عليه].
ولا يخفى ما فيه من تكلف، فظاهر قوله: (وعدلت نقلته) أي شهدوا له بالعدالة، وأما الضبط فهو شرط زائد على ذلك وليس في عبارة الإمام الخطابي ما يشير إلى اشتراطه، وظاهر كلام الحافظ التسوية بين قولهم: (وعدلت نقلته)، و: (وثقت نقلته)، والله أعلم.
المسألة الخامسة:
قال الإمام الذهبي في الموقظة: [تُشتَرَطُ العدالةُ في الراوي كالشاهد، ويمتازُ الثقةُ بالضبطِ والإتقان]. فظاهر هذه العبارة أن الثقة عنده من جمع مع العدالة الضبط والإتقان؛ وعليه فقد تعقب البعض الذهبي بأنه قد أسهب في عبارة التعريف، وكان الأخصر أن يقول: هو ما دار على ثقة.
قال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٦٣): [كان الأخضر أن يقول - أي
стр. 70
النووي في التقريب -: بنقل الثقة؛ لأنه من جمع العدالة، والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب].
وهذا التعقب ليس بشيء، فقد آثر الذهبي التطويل، وعدل عن الاختصار؛ زيادةً في البيان، ودفعاً للتوهم، فقد بين ﵀ أن الثقة عند المتأخرين يطلق على من لم يُجْرَح، مع ارتفاع الجهالةِ عنه، قال الإمام الذهبي في الموقظة: [وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين، إطلاقُ اسم (الثقة) على من لم يُجْرَح، مع ارتفاع الجهالةِ عنه. وهذا يُسمَّى: مستوراً، ويُسمىَّ: محلهُّ الصدق، ويقال فيه: شيخ].
وقد أشار طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ١٨١) إلى هذا التعقب على التعريف، وأجاب عنه بنحو ذلك فقال: [فأورد عليه بأن الاختصار يقتضي أن يقال: بنقل ثقة عن مثله؛ فإن الثقة هو الجامع بين وصف العدالة والضبط، وأجيب عن ذلك: بأن الثقة قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط، والمعتبر في حد الصحيح إنما هو تام الضبط، ولذا فسروا الضابط في تعريفه بتام الضبط].
قوله: (واتَّصَل سَنَدُه).
فيه مسائل:
المسألة الأولى: معنى الاتصال:
أ - لغة: قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: [وَصَلَ الشيءَ بالشيءِ وَصْلاً وصُلَةً بالكسر والضم ووصَّلَهُ: لأَمّهُ ووصِلَكَ اللهُ بالكسرِ لُغَةٌ والشيءَ وإليه وُصولاً ووُصْلَةً وصِلَةً: بَلَغَهُ وانتهى إليه. وأوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لم يَنْقَطِعْ ... ]. ...
ب ـ اصطلاحاً:
قال الحافظ في شرح النخبة (ص/٢٥): [المتصل: ما سلم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه].
تنبيه:
قال طاهر الجزائري في توجيه النظر (١/ ١٧٤): [تنبيه: لا يقال المتصل في
стр. 71
حال الإطلاق إلا في المرفوع والموقوف، وأما في حال التقييد فيسوغ أن يقال في المقطوع، وهو واقع في كلامهم يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك] (١).
المسألة الثانية: معنى السند:
أ- لغة: قال الجوهري في "الصحاح": [السَنَدُ: ما قابلك من الجبلِ وعلا عن السفح. وفلان سَنَدٌ، أي معتمَدٌ. وسَنَدْتُ إلى الشئ أسند سنودا، واستندت بمعنى. وأَسْنَدْتُ غيري. والإسنادُ في الحديث: رفْعُه إلى قائله].
ب ـ اصطلاحاً:
قال السخاوي في فتح المغيث (١/ ١٦): [المتصل الإسناد: أي السالم إسناده، الذي هو كما قال شيخنا في شرح النخبة: الطريق الموصلة إلى المتن، مع قوله في موضع آخر منه: إنه حكاية طريق المتن، وهو أشبه فذاك تعريف السند].
قال ابن جماعة في المنهل الروي (١/ ٢٩): [وأما السند فهو الإخبار عن طريق المتن، وهو مأخوذ إما من السند وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم فلان سند أي معتمد، فسمي الإخبار عن طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه. وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله والمحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد].
قال الصنعاني في توضيح الأفكار: (١/ ٨): [السند هو الإخبار عن طريق المتن من قولهم (فلان سند) أي معتمد سمي سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعه عليه وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله وقد يستعمل كل منهما في مكان الآخر فقوله (ما اتصل سنده) احتراز عن المتقطع وهو الذي لم يتصل سنده بأقسامه ويأتي بيان أقسامه في كلام المصنف].
المسألة الثالثة: بمَّ يعرف اتصال السند؟
قال الفهري في السنن الأبين (ص/ ٤١ - ٤٢: ([اعلم أن البيِّن اتصاله من الحديث ما قال فيه ناقلوه: سمعت فلانا، أو حدثنا، أو أنبانا، أو نبأنا، أو أخبرنا
стр. 72
، أو خبرنا، أو قرأ علينا، أو قرأنا، أو سمعنا عليه، أو قال لنا، أو حكى لنا، أو ذكر لنا، أو شافهنا، أو عرض علينا، أو عرضنا عليه، أو ناولنا، أو كتب لنا إذا كتب له ذلك الشيء بعينه وكان يعرف خط الكاتب إليه، وفي اعتماده على إخبار الموصل الثقة بأنه خطه وكتابه وإلغاء الواسطة نظر الأصح إلغاؤها والأخلص اعتبارها وتبيين الحالة كما وقعت أو ما أشبه ذلك من العبارات المثبتة للاتصال النافية للانفصال فهذه كلها لا إشكال في اتصالها لغة وعرفا إذا كان الطريق كله بهذه الصفة وإن خالف بعضهم في بعضها.
وهذا الذي قلناه قبل أن يشيع اختصاص بعض هذه الألفاظ بالإجازة المعينة أو المطلقة على ما هو المعلوم من تفاصيل مذاهب المحدثين في ذلك ومن تخصيص بعض هذه الألفاظ ببعض الصور تمييزا لأنواع التحمل وتحرزا من الراوي تظهر به نزاهته على ما هو مفسر في مواضعه.
ويتلو ذلك ما شاع في استعمال المسندين وذاع في عرف المحدثين عند طلب الاختصار من إبراز عن في معرض الاتصال وهو الذي قصدناه].
وقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: [وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي:
١ - تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلاناً) أو (سمعنا فلاناً) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث.
٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلساً، أو مرسلاً، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلساً، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث.
وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموماً، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به
стр. 73
احتمال الانقطاع، من القرائن ... ].
قوله: (واتَّصَل سَنَدُه؛ فإن كان مُرسَلاً ففي الاحتجاج به اختلاف) .
ظاهر هذه العبارة أنه يرى أن المرسل لم يتحقق فيه شرط اتصال السند، وأن العلماء من المحدثين والفقهاء مختلفون في الاحتجاج به، وسوف يأتي من كلامه أن المرسل منه: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمطروح، والموضوع.
وسوف يأتي الكلام على تعريف المرسل، والخلاف في الاحتجاج به، ومسائل كثيرة متعلقة به في محله من الرسالة - إن شاء الله -.
قوله: (وزاد أهلُ الحديث: سلامتَهُ من الشذوذِ والعِلَّة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيراً من العِلَل يأبَوْنها).
فيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الشاذ:
وسيأتي بمشيئة الله تعالى الكلام عليه تفصيلياً في محله من الرسالة.
المسألة الثانية:
قال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٠٢): [هلا اكتفى - أي ابن الصلاح - بقوله " الضابط " عن قوله " ولا يكون شاذا "؛ لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟ فالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة، فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظا، ومتى خالفهم نادرا ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ، وكون الراوي ضابطا.
فإن قيل: هلا اكتفى بذكر السلامة من الشذوذ عن اشتراط الضبط في الراوي؛ لأن الشاذ هو الفرد المخالف، وإخلال الضبط يوجد لمخالفة الثقات غالبا، فحيث جعلنا الشذوذ يمنع من الحكم على الحديث بالصحة، وهو المخالفة في فرد واحد فبطريق أولى أن يمنع من خالف ففي أفراد كثيرة غالبة على رواية الثقات، وهو الذي قيل إنه يحصل به اختلال الضبط؟ فالجواب أنه أراد أن ينص عليها حتى يعلم ذلك بطريق
стр. 74
المنطوق].
ومما يوضح ضررة التنصيص على اشتراط الضبط في الحديث الصحيح وعدم الاكتفاء بنفي الشذوذ أنه ليس كل مخالفة تكون شاذة، فقد تكون الزيادة في المتن بيانية، وفي السند من المزيد في متصل الأسانيد، فالاقتصار على اشتراط الخلو من الشذوذ دون الضبط يفتح المجال للاختلاف في شروط الحديث الصحيح تبعا للاختلاف في حقيقة الشاذ وضوابط رد الزيادات أو قبولها، بخلاف التنصيص على ضبط الراوي فهو محل اتفاق بين العلماء.
أضف إلى أنه قد يفهم من اشتراط نفي الشذوذ دون التصريح باشتراط الضبط أنه يشترط في الحديث الصحيح أن يكون له طرق سالمة من المخالفة، فلا يشمل الأحاديث الغريبة.
المسألة الثالثة: الكلام على العلة (١):
١ - معنى العلة:
أ - لغة:
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة (عل): [(عل) العين واللام أصول ثلاثة صحيحة: أحدها تكرُّرٌ أو تكرير، والآخر عائق يعوق، والثالث ضَعف في الشَّيء.
فالأوَّل العَلَل، وهي الشَّرْبة الثانية. ويقال عَلَلٌ بعد نَهَل. والفعل يَعُلُّون عَلاًّ وعَلَلاً، والإبل نفسها تَعُلّ عَلَلا. قال:
عافَتا الماءَ فلم نُعْطِنْهُما ... ... ... إنَّما يُعْطِن من يرجو العَلَلْ
وفي الحديث: " إذا عَلَّهُ ففيه القَود "، أي إذا كرَّر عليه الضَّربَ. وأصله في المشْرَب. قال الأخطل:
стр. 75
إذا ما نديمي عَلَّنِي ثمَّ عَلَّني ... ... ... ثلاثَ زُجاجاتٍ لهنَّ هديرُ
ويقال أعلَّ القومُ، إذا شربت إبلُهم عَلَلا. قال ابنُ الأعرابيّ: في المثل: "ما زيارتُك إيّانا إلاَّ سَوْمَ عالَّة" أي مثل الإبل التي تَعُلّ. و"عَرَض عليه سَوْم عالّة". وإنّما قيل هذا لأنها إذا كرَّرَ عليها الشُّرْب كان أقلَّ لشُربها الثاني.
ومن هذا الباب العُلاَلة، وهي بقيّة اللَّبن. وبقيّةُ كلِّ شيء عُلالة، حتى يقالُ لبقيّة جَري الفرس عُلالة.
قال:
إلاّ عُلالة أو بُدَاهةَ ... ... ... قارحٍ نهدِ الجُزارَه
وهذا كلُّه من القياس الأول؛ لأنَّ تلك البقيَّة يُعاد عليها بالحلب. ولذلك يقولون: عالَلْتُ النّاقة، إذا حَلبتها ثم رفَقت بها ساعةً لتُفِيق، ثم حلبتها، فتلك المُعَالّة والعِلاَل. واسم اللَّبن العُلالة. ويقال إنَّ عُلالَة السَّير أن تظنَّ الناقةَ قد ونت فتضربَها تستحثُّها في السَّير. يقال ناقةٌ كريمة العُلالة. وربما قالوا للرّجُل يُمدح بالسَّخاء: هو كريم العُلالة، والمعنى أنَّه يكرِّر العطاءَ على باقي حالِه. قال:
فإلاَّ تكنْ عُقبي فإنَّ عُلاَلةً ... على الجهد من ولد الزّناد هَضومُ
وقال منظور بن مَرثد في تعالِّ النّاقة في السَّير:
وقد تعاللتُ ذَمِيل العَنْسِ ... ... ... بالسَّوط في ديمومةٍ كالتُّرْسِ ...
والأصل الآخَر: العائق يعوق. قال الخليل: العِلّة حدَثٌ يَشغَلُ صاحبَه عن وجهه. ويقال اعتلَّه عن كذا، أي اعتاقه. قال: فاعتلَّهُ الدّهرُ وللدّهرِ علَلْ.
والأصل الثالث: العِلّةُ: المرض، وصاحبُها مُعتلّ. قال ابنُ الأعرابيّ: عَلّ المريض يَعِلُّ عِلّة فهو عليل. ورجل عُلَلَة، أي كثير العِلَل.
ومن هذا الباب وهو باب الضَّعف: العَلُّ من الرِّجال: المُسِنّ الذي تَضاءل وصغُر جسمُه. قال المتَنَخِّل:
ليس بعلٍّ كبيرٍ لا حَرَاكَ به ... ... ... لكن أُثيلةُ صافي اللَّوْن مقتَبَلُ
قال: وكلُّ مسِنٍّ من الحيوان عَلٌّ. قال ابنُ الأعرابيّ: العَلّ: الضعيف من كِبرَ أو مرض. قال الخليل: العَلُّ: القُرَاد الكبير. ولعلّه أن يكون ذهب إلى أنّه الذي أتت عليه مُدّةٌ طويلةٌ فصار كالمُسِنّ].