حال الإطلاق إلا في المرفوع والموقوف، وأما في حال التقييد فيسوغ أن يقال في المقطوع، وهو واقع في كلامهم يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك] (١).
المسألة الثانية: معنى السند:
أ- لغة: قال الجوهري في "الصحاح": [السَنَدُ: ما قابلك من الجبلِ وعلا عن السفح. وفلان سَنَدٌ، أي معتمَدٌ. وسَنَدْتُ إلى الشئ أسند سنودا، واستندت بمعنى. وأَسْنَدْتُ غيري. والإسنادُ في الحديث: رفْعُه إلى قائله].
ب ـ اصطلاحاً:
قال السخاوي في فتح المغيث (١/ ١٦): [المتصل الإسناد: أي السالم إسناده، الذي هو كما قال شيخنا في شرح النخبة: الطريق الموصلة إلى المتن، مع قوله في موضع آخر منه: إنه حكاية طريق المتن، وهو أشبه فذاك تعريف السند].
قال ابن جماعة في المنهل الروي (١/ ٢٩): [وأما السند فهو الإخبار عن طريق المتن، وهو مأخوذ إما من السند وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم فلان سند أي معتمد، فسمي الإخبار عن طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه. وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله والمحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد].
قال الصنعاني في توضيح الأفكار: (١/ ٨): [السند هو الإخبار عن طريق المتن من قولهم (فلان سند) أي معتمد سمي سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعه عليه وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله وقد يستعمل كل منهما في مكان الآخر فقوله (ما اتصل سنده) احتراز عن المتقطع وهو الذي لم يتصل سنده بأقسامه ويأتي بيان أقسامه في كلام المصنف].
المسألة الثالثة: بمَّ يعرف اتصال السند؟
قال الفهري في السنن الأبين (ص/ ٤١ - ٤٢: ([اعلم أن البيِّن اتصاله من الحديث ما قال فيه ناقلوه: سمعت فلانا، أو حدثنا، أو أنبانا، أو نبأنا، أو أخبرنا
стр. 72
، أو خبرنا، أو قرأ علينا، أو قرأنا، أو سمعنا عليه، أو قال لنا، أو حكى لنا، أو ذكر لنا، أو شافهنا، أو عرض علينا، أو عرضنا عليه، أو ناولنا، أو كتب لنا إذا كتب له ذلك الشيء بعينه وكان يعرف خط الكاتب إليه، وفي اعتماده على إخبار الموصل الثقة بأنه خطه وكتابه وإلغاء الواسطة نظر الأصح إلغاؤها والأخلص اعتبارها وتبيين الحالة كما وقعت أو ما أشبه ذلك من العبارات المثبتة للاتصال النافية للانفصال فهذه كلها لا إشكال في اتصالها لغة وعرفا إذا كان الطريق كله بهذه الصفة وإن خالف بعضهم في بعضها.
وهذا الذي قلناه قبل أن يشيع اختصاص بعض هذه الألفاظ بالإجازة المعينة أو المطلقة على ما هو المعلوم من تفاصيل مذاهب المحدثين في ذلك ومن تخصيص بعض هذه الألفاظ ببعض الصور تمييزا لأنواع التحمل وتحرزا من الراوي تظهر به نزاهته على ما هو مفسر في مواضعه.
ويتلو ذلك ما شاع في استعمال المسندين وذاع في عرف المحدثين عند طلب الاختصار من إبراز عن في معرض الاتصال وهو الذي قصدناه].
وقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: [وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي:
١ - تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلاناً) أو (سمعنا فلاناً) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث.
٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلساً، أو مرسلاً، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلساً، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث.
وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموماً، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به
стр. 73
احتمال الانقطاع، من القرائن ... ].
قوله: (واتَّصَل سَنَدُه؛ فإن كان مُرسَلاً ففي الاحتجاج به اختلاف) .
ظاهر هذه العبارة أنه يرى أن المرسل لم يتحقق فيه شرط اتصال السند، وأن العلماء من المحدثين والفقهاء مختلفون في الاحتجاج به، وسوف يأتي من كلامه أن المرسل منه: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمطروح، والموضوع.
وسوف يأتي الكلام على تعريف المرسل، والخلاف في الاحتجاج به، ومسائل كثيرة متعلقة به في محله من الرسالة - إن شاء الله -.
قوله: (وزاد أهلُ الحديث: سلامتَهُ من الشذوذِ والعِلَّة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيراً من العِلَل يأبَوْنها).
فيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الشاذ:
وسيأتي بمشيئة الله تعالى الكلام عليه تفصيلياً في محله من الرسالة.
المسألة الثانية:
قال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٠٢): [هلا اكتفى - أي ابن الصلاح - بقوله " الضابط " عن قوله " ولا يكون شاذا "؛ لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟ فالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة، فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظا، ومتى خالفهم نادرا ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ، وكون الراوي ضابطا.
فإن قيل: هلا اكتفى بذكر السلامة من الشذوذ عن اشتراط الضبط في الراوي؛ لأن الشاذ هو الفرد المخالف، وإخلال الضبط يوجد لمخالفة الثقات غالبا، فحيث جعلنا الشذوذ يمنع من الحكم على الحديث بالصحة، وهو المخالفة في فرد واحد فبطريق أولى أن يمنع من خالف ففي أفراد كثيرة غالبة على رواية الثقات، وهو الذي قيل إنه يحصل به اختلال الضبط؟ فالجواب أنه أراد أن ينص عليها حتى يعلم ذلك بطريق
стр. 74
المنطوق].
ومما يوضح ضررة التنصيص على اشتراط الضبط في الحديث الصحيح وعدم الاكتفاء بنفي الشذوذ أنه ليس كل مخالفة تكون شاذة، فقد تكون الزيادة في المتن بيانية، وفي السند من المزيد في متصل الأسانيد، فالاقتصار على اشتراط الخلو من الشذوذ دون الضبط يفتح المجال للاختلاف في شروط الحديث الصحيح تبعا للاختلاف في حقيقة الشاذ وضوابط رد الزيادات أو قبولها، بخلاف التنصيص على ضبط الراوي فهو محل اتفاق بين العلماء.
أضف إلى أنه قد يفهم من اشتراط نفي الشذوذ دون التصريح باشتراط الضبط أنه يشترط في الحديث الصحيح أن يكون له طرق سالمة من المخالفة، فلا يشمل الأحاديث الغريبة.
المسألة الثالثة: الكلام على العلة (١):
١ - معنى العلة:
أ - لغة:
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة (عل): [(عل) العين واللام أصول ثلاثة صحيحة: أحدها تكرُّرٌ أو تكرير، والآخر عائق يعوق، والثالث ضَعف في الشَّيء.
فالأوَّل العَلَل، وهي الشَّرْبة الثانية. ويقال عَلَلٌ بعد نَهَل. والفعل يَعُلُّون عَلاًّ وعَلَلاً، والإبل نفسها تَعُلّ عَلَلا. قال:
عافَتا الماءَ فلم نُعْطِنْهُما ... ... ... إنَّما يُعْطِن من يرجو العَلَلْ
وفي الحديث: " إذا عَلَّهُ ففيه القَود "، أي إذا كرَّر عليه الضَّربَ. وأصله في المشْرَب. قال الأخطل:
стр. 75
إذا ما نديمي عَلَّنِي ثمَّ عَلَّني ... ... ... ثلاثَ زُجاجاتٍ لهنَّ هديرُ
ويقال أعلَّ القومُ، إذا شربت إبلُهم عَلَلا. قال ابنُ الأعرابيّ: في المثل: "ما زيارتُك إيّانا إلاَّ سَوْمَ عالَّة" أي مثل الإبل التي تَعُلّ. و"عَرَض عليه سَوْم عالّة". وإنّما قيل هذا لأنها إذا كرَّرَ عليها الشُّرْب كان أقلَّ لشُربها الثاني.
ومن هذا الباب العُلاَلة، وهي بقيّة اللَّبن. وبقيّةُ كلِّ شيء عُلالة، حتى يقالُ لبقيّة جَري الفرس عُلالة.
قال:
إلاّ عُلالة أو بُدَاهةَ ... ... ... قارحٍ نهدِ الجُزارَه
وهذا كلُّه من القياس الأول؛ لأنَّ تلك البقيَّة يُعاد عليها بالحلب. ولذلك يقولون: عالَلْتُ النّاقة، إذا حَلبتها ثم رفَقت بها ساعةً لتُفِيق، ثم حلبتها، فتلك المُعَالّة والعِلاَل. واسم اللَّبن العُلالة. ويقال إنَّ عُلالَة السَّير أن تظنَّ الناقةَ قد ونت فتضربَها تستحثُّها في السَّير. يقال ناقةٌ كريمة العُلالة. وربما قالوا للرّجُل يُمدح بالسَّخاء: هو كريم العُلالة، والمعنى أنَّه يكرِّر العطاءَ على باقي حالِه. قال:
فإلاَّ تكنْ عُقبي فإنَّ عُلاَلةً ... على الجهد من ولد الزّناد هَضومُ
وقال منظور بن مَرثد في تعالِّ النّاقة في السَّير:
وقد تعاللتُ ذَمِيل العَنْسِ ... ... ... بالسَّوط في ديمومةٍ كالتُّرْسِ ...
والأصل الآخَر: العائق يعوق. قال الخليل: العِلّة حدَثٌ يَشغَلُ صاحبَه عن وجهه. ويقال اعتلَّه عن كذا، أي اعتاقه. قال: فاعتلَّهُ الدّهرُ وللدّهرِ علَلْ.
والأصل الثالث: العِلّةُ: المرض، وصاحبُها مُعتلّ. قال ابنُ الأعرابيّ: عَلّ المريض يَعِلُّ عِلّة فهو عليل. ورجل عُلَلَة، أي كثير العِلَل.
ومن هذا الباب وهو باب الضَّعف: العَلُّ من الرِّجال: المُسِنّ الذي تَضاءل وصغُر جسمُه. قال المتَنَخِّل:
ليس بعلٍّ كبيرٍ لا حَرَاكَ به ... ... ... لكن أُثيلةُ صافي اللَّوْن مقتَبَلُ
قال: وكلُّ مسِنٍّ من الحيوان عَلٌّ. قال ابنُ الأعرابيّ: العَلّ: الضعيف من كِبرَ أو مرض. قال الخليل: العَلُّ: القُرَاد الكبير. ولعلّه أن يكون ذهب إلى أنّه الذي أتت عليه مُدّةٌ طويلةٌ فصار كالمُسِنّ].
стр. 76
ب - اصطلاحاً:
قال هشام بن عبد العزيز الحلاف في رسالته (التعريف بعلم العلل): [تبين لي من خلال النظر في كتب العلل واستعمال الأئمة لها وتعاريفهم إياها أن مصطلح العلة يُستعمل عندهم باستعمالين: عام وخاص.
العلة بالمعنى الخاص:
فأما العلة بمعناها الخاص فهي سبب خفي يقدح في صحة الحديث.
وأول من وجدته قد أبان عن هذا المعنى بوضوح هو أبو عبد الله الحاكم، حيث قال في معرفة علوم الحديث _ في النوع السابع والعشرين منه _: (وإنما يُعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير معلولاً) (١).
وهذا هو معنى قول عبد الرحمن بن مهدي: (لئن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أكتب عشرين حديثاً ليس عندي).
ثم جاء بعده ابنُ الصلاح _ وقد حررَّ كلامَ الحاكم السابق _ فقال في مقدمته: (وهي (أي العلة) عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها) (٢).
قال ابن حجر: (فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع _ مثلاً _ معلولاً، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مضعف معلولاً، وإنما يسمى معلولاً إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك. وفي هذا رد على من زعم أن
стр. 77
المعلول يشمل كل مردود).
وقال ابن حجر _ أيضاً _: (وقد أفرط بعض المتأخرين فجعل الانقطاع قيداً في تعريف المعلول، فقرأت في المقنع للشيخ سراج الدين ابن الملقن قال: ذكر ابن حبيش في كتاب علوم الحديث أن المعلول: أن يروي عمن لم يجتمع به كمن تتقدم وفاته عن ميلاد من يروي عنه، أو تختلف جهتهما كأن يروي الخراساني مثلاً عن المغربي ولا يُنقل أن أحدهما رحل عن بلده. قلت (أي ابن حجر): وهو تعريف ظاهر الفساد، لأن هذا لا خفاء فيه، وهو بتعريف مدرك السقوط في الإسناد أولى).
وكل من جاء بعد ابن الصلاح _ ممن عرف الحديث المعلول _ هو على ما قاله ابن الصلاح، وعندهم أن الحديث المعلول يُشترط فيه شرطين:
الأول: أن تكون العلة في الحديث خفية غامضة.
الثاني: أن تكون العلة قادحة في صحة الحديث.
ولذا قال الإمام الذهبي في الموقظة: (فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول. وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، لأن الحكم للثبت).
وقال ابن حجر معقباً على تعريف ابن الصلاح للحديث المعلول: (وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود).
قلت: ولاشك في خطأ قصر تعريف الحديث المعلول على ما ذكره ابن الصلاح، لأنني وجدت الأئمة المتقدمين قد أطلقوا العلة بمعنى أعم مما سبق _كما سيأتي _، وقد اقرّ بهذا ابن الصلاح كما سنورد كلامه بعد قليل. وإنما أراد الحاكم في تعريفه للحديث المعلول بيان أدق صوره وأغمض أنواعه _ وعلى هذا المعنى وردت عبارات للأئمة ذكروا فيها صعوبة هذا العلم وغموضه ودقته _ ولذلك أورد الحاكم بعد تعريفه السابق قول عبد الرحمن بن مهدي: (لئن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أكتب عشرين حديثاً ليس عندي)] (١).
стр. 78
ثم قال هشام الحلاف: [العلة بالمعنى العام:
والناظر في كلام أئمة الحديث _ والمتقدمين منهم خاصة _ يجدهم يطلقون العلة في الحديث بمعنى أعم مما تقدم فالعلة عندهم هي كل سبب يقدح في صحة الحديث سواء كان غامضاً أو ظاهراً، وكل اختلاف في الحديث سواء كان قادحاً أو غير قادح.
قال ابن الصلاح بعد أن عرف العلة بالمعنى الخاص: (ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له
стр. 79
من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح. وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث. ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول!، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ!. والله أعلم).
قال ابن حجر متعقباً كلام ابن الصلاح السابق: (مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولاً اصطلاحاً. إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة. ولهذا قال الحاكم: " وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل).
قلت: وقول ابن حجر: (أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولاً اصطلاحاً) بعيد، وإلا فماذا يسمى حينئذ؟! (١)
وكلام ابن الصلاح صحيح، والأمثلة كثيرة جداً على ما ذكره ابن الصلاح من وجود أنواع من الجرح في كتب العلل. وقد يذكرون الحديث في كتب العلل لا لوجود جرح في أحد رواتها! وإنما من أجل عدم سماع راو من آخر، كما في علل ابن أبي حاتم: (١٣٨).
بل وجدت ابن أبي حاتم أورد في كتابه العلل أحاديث لأغراض أخرى!
стр. 80
فأورد أحاديث من أجل الاستفهام عن أحد الرواة الواردين في الإسناد من هو؟!: (٢٩٥، ٦٦٠، ٦٩٣، ١١٠٨ وغيره).
أو للسؤال عن نسب راو: (١٧١٨، ٢٥٩٣).
أو لأجل تعيين مبهم: (٢٧٤٠).
بل أعجب من هذا إدخاله حديثاً من أجل ما أشكل فيه من جهة العقيدة وما المراد به!: (٢١١٨).
أو لأجل استنباط حكم فقهي قد يكون غريباً: (١٢١٧)!!
ولذا قال الصنعاني بعد أن ذكر تعريف ابن الصلاح: (وكأن هذا تعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة، ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث).
وقد حاول السخاوي أن يخرج وجود العلل التي ليست بخفية في كتب العلل فقال: (ولكن ذلك منهم (أي من أصحاب كتب العلل الذين يذكرون ما ليس بخفي) بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يُحتمل أيضاً أن التعليل بذلك من الخفي، لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده)].
وإليك بعض النقول مما يؤيد وجود العلة بالمعنى العام عند بعض المحدثين:
قال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٥): [من العلل ما يجري على أصول الفقهاء وهي العلل القادحة. وأما العلل التي يعلل بها كثير من المحدثين ولا تكون قادحة فكثيرة. منها: أن يروي العدل الضابط عن تابعي مثلاً عن صحابي حديثاً فيرويه عدل ضابط غير مساو له في عدالته وضبطه وغير ذلك من الصفات العلية عن ذلك التابعي بعينه عن صحابي آخر، فإن مثل هذا يسمى على عندهم لوجود الاختلاف على ذلك التابعي في شيخه، ولكنها غير قادحة لجواز أن يكون التابعي سمعه من الصحابيين معاً من هذا جملة كثيرة].
قال الشيخ مقبل في غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل: [الأصل في العلة أنها سبب خفي يوجب ضعف الحديث لا يطلع عليها إلا جهابذة الحديث ونقاده.
ولكنهم قد يُعِلُّون بما علته ظاهرة كأن يكون في السند كذاب، أو ضعيف،
стр. 81
أو مجهول، أو غير ذلك من أسباب الضعف، كما ستراه إن شاء الله في هذا الفصل.
وما قرأنا في كتب المصطلح في تعريف العلة أنها سبب خفي .. إلخ؛ لا ينفي أنهم قد يُعِلُّون بما علته ظاهرة، ويكون التعريف أغلبي لا كلي. والله أعلم. ثم أخذ يسوق بعض الأمثلة على ذلك ... ].
٢ - فوائد:
الأولى: علاقة المعنى اللغوي للعلة بالمعنى الاصطلاحي:
قال د. همام عبد الرحيم سعيد في مقدمته لشرح علل الترمذي (١/ ٢٠) بعد أن نقل عن ابن فارس وغيره معنى العلة لغة: [ولما كان من معاني عل في أصل اللغة الشربة الثانية كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه لا في اللغة ولا في الاصطلاح وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة، وكما يقال معلول بهذا المعنى فإنه يقال معل لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض وأما استعمال معلل فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقا من علله بمعنى ألهاه به وشغله ويكون معنى الحديث المعلل هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به].
وقال هشام الحلاف: [هناك علاقة بين المعنيين تظهر لنا فيما يلي:
فعلاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي الأول وهو التكرار ظاهرة، لأن الحديث المعلول لا يتبين فيه سبب الضعف إلا بعد تكرار النظر فيه، لأنه _كما سبق _ فيه خفاء، ولذا لا بد من تكرار النظر في الحديث حتى تتبين سلامته من العلل الخفية.
وأما علاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي الثاني وهو العائق يعوق، فإن الحديث المعلول عاقته العلة عن تصحيحه والعمل به.
وأما علاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي الثالث وهو المرض فهي علاقة ظاهرة أيضاً، وذلك أن العلة إذا طرأت في الحديث أوجبت ضعفه.
والظاهر مما سبق إيراده أن أقرب هذه المعاني إلى اصطلاح المحدثين هو المعنى الثالث. إلا أن للمعنيين الآخرين علاقة بالعلة عند المحدثين، فالمعنى اللغوي الأول يدخل في وسيلة تحصيل العلة، والمعنى الثاني هو نتيجة وثمرة وجود العلة].
стр. 82
الثانية: ما هو القياس في الحديث الذي طرأت عليه العلة ؟
قال هشام الحلاف: [القياس في الحديث الذي طرأت عليه علة (بمعنى المرض) أن يسمى (مُعَلّ) لأنه اسم مفعول من الفعل أعلّ. إلا أن المحدثين استعملوا (معلول)، وممن استعملها منهم:
١_ البخاري في قصته المشهورة مع مسلم لما سأله عن علة حديث كفارة المجلس، وانظر مثالاً آخر في: علل الترمذي (١/ ٢٠٦).
٢_ والترمذي في سننه: (١/ ١٦٣) (٣/ ٤٢٧).
٣_ وأبوداود في رسالته لأهل مكة (٣٤).
٤_ وابن خزيمة كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٩٨).
٥_ والعقيلي في ضعفائه (١/ ٢٥٢) (٢/ ٨٣، ١٣٩) (٣،٨١).
٦_ وابن حبان في صحيحه (٣/ ٤٠٨) (٤/ ٤٨٣) (٥/ ١٨٠،٣٤٢) (٦/ ٤٢٨) (٨/ ٣٠٢).
٧_ والحاكم في معرفة علوم الحديث (٥٩، ١١٥).
٨_ وأبونعيم في مستخرجه على صحيح مسلم: (١/ ٤٨).
٩_ والخليلي في الإرشاد (١/ ١٥٧،٣٢٢، ٣٧٨) (٢/ ٨٠٩).
١٠_ وابن عبدالبر في التمهيد (١٦/ ٢٣٧).
١١_ والبيهقي في سننه الكبرى (١/ ١٩٧) (٤/ ١٤٣) (١٠/ ٢٥٧).
وقد اختلف أهل اللغة في جواز هذا الاستعمال:
فذهب بعضهم إلى منعه، وممن منعه من أهل اللغة: _ ابن سيده (ت ٤٥٨هـ) صاحب المحكم حيث قال: (والعلة: المرض. علّ يعِل واعتل، وأعله الله، ورجل عليل. وحروف العلة والاعتلال: الألف والياء والواو، سميت بذلك للينها وموتها. واستعمل أبو إسحاق لفظة المعلول في المتقارب من العروض ... ).
ثم قال: (والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول في هذا كثيراً، وبالجملة فلست منها على ثقة ولا ثلج، لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل. اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من أنه جاء على جَنَنتُه وسَلَلته، وإن لم يُستعملا في الكلام استغني عنهما بأفعلت، قال: وإذا قالوا:
стр. 83
جُن وسُلَّ فإنما يقولون جعل فيه الجنون والسل كما قالوا: حُزِن وفُسِل).
_وقال الحريري (ت ٥١٦هـ) _ كما في درة الغواص في أوهام الخواص _: (ويقولون للعليل: هو معلول، فيخطئون فيه، لأن المعلول هو الذي سقي العَلَل وهو الشرب الثاني، والفعل منه علَلْتُه، فأما المفعول من العلة فهو مُعَلَّ، وقد أعلّه الله تعالى).
_ وقال الفيروزأبادي: (العلة _ بالكسر _: المرض، علّ يَعِلّ، واعتل وأعله الله تعالى فهو مُعَلّ وعليل، ولا تقل: معلول، والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج).
وتبعهم بعضُ المحدثين في تخطئة من يقول (معلول):
_قال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث _ المشهور بمقدمة ابن الصلاح _: (النوع الثامن عشر: الحديث المعلل، ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة).
وتبعه النووي والعراقي والأبنوسي والسيوطي.
وذهب بعض أهل اللغة إلى جواز استعمال (معلول) في اللغة:
قال الزركشي: (والصواب أنه يجوز أن يُقال: علّه فهو معلول، من العلة والاعتلال، إلا أنه قليل. ومنهم من نص على أنه فعل ثلاثي وهو ابن القوطية في كتاب الأفعال، فقال: (علّ الإنسان علة مرض، والشيء أصابته العلة) انتهى. وكذلك قاله قطرب في كتاب فعلت وأفعلت، وكذلك الليلي، وقال أحمد صاحب الصحاح: (علّ الشيء فهو معلول من العلة).
ويشهد لهذه العلة قولهم: عليل، كما يقولون قتيل وجريح. وظهر بما ذكرناه أن قول المصنف (مرذول) أجود من قول النووي في اختصاره (لحن) لأن اللحن ساقط غير معتبر البتة بخلاف المرذول).
وقال العراقي: (واعترض عليه (أي على ابن الصلاح) بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة، منهم: قطرب فيما حكاه اللبلي، والجوهري في الصحاح، والمطرزي في المغرب).
стр. 84
وقال البلقيني: (فائدة: لا يُقال ليست مرذولة، حكاها صاحب الصحاح والمطرزي وقطرب، ولم يترددوا، وتبعهم غير واحد. لأنا نقول: المستعمل عند المحدثين والفقهاء والأصوليين إنما يقصدون به أن غيره أعله، لا أنه عُلّ بنفسه. والذي ذكره الجوهري: (عُلّ الشيء فهو معلول، وما ذكره في أول المادة من أن علّه الثلاثي يتعدى فذاك في السقي (أي بمعنى سقاه)، وحينئذ فصواب الاستعمال: المعلل إذا كان من أُعلّ).
والذي يظهر لي هو جواز استعمال (معلول) في وصف الحديث الذي طرأت عليه العلة، وذلك لأمور:
الأول: أنه قد أجاز هذا الاستعمال بعض كبار أئمة اللغة كقطرب والجوهري والمطرزي وابن القوطية وغيرهم، ولذا لم يجزم ابن سيده بخطأ هذا الاستعمال.
ولذا قال السخاوي: (إلا أن مما يساعد صنيع المحدثين ومن أشير إليهم استعمال الزجاج اللغوي له، وقول صاحب الصحاح: علّ الشيء فهو معلول يعني من العلة، ونص جماعة كابن القوطية في الأفعال على أنه ثلاثي ... ).
الثاني: أن له مخرجاً لغوياً.
قال الفيومي في المصباح المنير: (العلة: المرض الشاغل، والجمع عِلل مثل سدرة وسدر، وأعله الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير قياس، وليس كذلك فإنه من تداخل اللغتين، والأصل أعله الله فهو معلول، أو من علّه فيكون على القياس، وجاء معل على القياس لكنه قليل الاستعمال).
الثالث: أن المحدثين استعملوا (معلول) والذي هو اسم مفعول لـ (علّ) بمعنى التكرار استعملوه اسماً مفعولاً لـ (أعلّ) بمعنى المرض _ والتي لا يصح عند أهل اللغة استعمال معلول منها _.
ولعل هذا جائز نظراً لأن أصل الكلمتين واحد، ولوجود علاقة بين معنى الكلمتين، فإن معنى الكلمة الأولى وهو التكرار هو وسيلة لكشف العلة المأخوذ تعريفها من المعنى الثالث وهو المرض.
стр. 85
فائدة: أيهما أولى استعمال معلول أو معلل ؟
استعمال (معلول) أولى من استعمال بعض المحدثين (كابن الصلاح ومن جاء بعده) لـ (معلل)، إذ أن (معلل) اسم مفعول لـ (عَلَّلَ) وهو بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، وهذا لا يناسب المعنى الذي أراده المحدثون إلا بتجوز. ولذا انتقد هذا الاستعمال بعض المحدثين، وممن انتقده: الزركشي حيث قال: (وأما قول المحدثين: علله فلان بكذا، فهو غير موجود في اللغة، وإنما هو مشهور عندهم بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصبي بالطعام. لكن استعمال المحدثين له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة).
وقال العراقي: (والأحسن أن يقال فيه: معل بلام واحدة، لا معلل، فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، من تعليل الصبي بالطعام، وأما بلام واحدة فهو الأكثر في كلام أهل اللغة، وفي عبارة أهل الحديث أيضاً، لأن أكثر عبارات أهل الحديث في الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا، وقياسه معل، وتقدم قول صاحب المحكم أن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل، وقال الجوهري: لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة). وتبعهما على ذلك السخاوي وزكريا الأنصاري والصنعاني وطاهر الجزائري. ولولا خشية الإطالة لذكرت كلامهم].
٣ - أسباب العلة: ...
قال د. همام في مقدمة شرح علل الترمذي (١/ ٩٠: ١١٨): [المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب: تمهيد:
لقد حاولت من خلال استقراء شرح علل الترمذي لابن رجب وغيره من كتب العلل أن أحدد أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العلة إذ الكلام عن هذه الأسباب منظما مجتمعا لم يقع لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل ومع أن كتاب ابن رجب هو كتاب العلل الوحيد الذي تكلم على العلل كعلم له قواعده وأقسامه إلا أنه لم يفصل أسباب العلل في مبحث مستقل وإنما عرض لها في مواضع متفرقة ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل.
وفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها مع ذكر كلام ابن رجب في كل
стр. 86
منها.
السبب العام:
هو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق ولا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله (١) وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون ويتذكرون وينسون وينشطون ويغفلون على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر ومقل، ودخول الوهم والخطأ على الصحابة والتابعين والأئمة المتقدمين شيء معروف عند العامة والخاصة وقد أشار الترمذي في علله آخر الجامع إلى هذا في القسم الرابع من الرواة عنده وهم الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط في حديثهم وهؤلاء هم الطبقة العليا من الرواة فهو لم يصفهم بالضبط التام الكامل بل قال وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة فالضبط التام الكامل هو ضبط نسبي يدخل فيه الوهم والخطأ القليل النادر وهذا احتراز ينبغي أن يدخل صراحة في شرط رجال الصحيح وإن كان قد تناوله تعريف الحديث الصحيح بصورة غير مباشرة عند ذكرهم سلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة.
وقد تناول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي هذا القسم الرابع الذي ذكره الترمذي بالشرح وذكر أقوال العلماء في أخطاء الثقات وأوهامهم فقال: وذكر الترمذي ههنا حكم القسم الرابع وهم الحفاظ المتقنون الذين يقل خطؤهم وذكر أنه لم يسلم من الخطأ كبير أحد من الأئمة على حفظهم.
وقال ابن معين: من لم يخطئ في الحديث فهو كذاب.
وقال أيضا: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.
وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم، وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم وقد جمع بعضهم جزءا في ذلك. ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله تزوج النبي ميمونة وهو محرم ...
стр. 87
وأما أوهام كبار أئمة الحديث فقد ذكر ابن رجب أقوالا فيها:
قال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ.
وقال البرذعي شهدت أبا زرعة وذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه وقال: وهم في غير شيء ثم ذكر عدة أسماء صحفها، وهذه الأسماء ورد النص بها في كتاب البرذعي، وهي: قول ابن مهدي شهاب بن شريفة وإنما هو شهاب بن شرنقة، وقال عن هشام عن الحجاج عن عائذ بن بطة، وإنما هو ابن نضلة. وقال: قيس بن جبير وإنما هو قيس بن حبتر (وزن جعفر) التميمي ...
ونختم هذا السبب العام الذي لا يكاد يخرج من تأثيره أحد من الحفاظ بما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وهو نص يؤكد وقوع بعض الأوهام في روايات الحفاظ ويكشف عن القدر من الخطأ الذي يبقى معه الحافظ الضابط الإمام على رتبته في الإمامة والضبط: (أنا) أبي أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقي قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي اكتب عمن يغلط في عشرة قال نعم قيل له يغلط في عشرين قال نعم قلت فثلاثين قال نعم قلت فخمسين قال نعم.
وهكذا فإنه يمكننا أن نرجع قسما لا بأس به من علل الحديث لأخطاء مثل هؤلاء الجهابذة ويعتبر كشف هذه العلل من أعلى مراتب هذا العلم وذلك لخفائها واستتارها بمنزلتهم في الحفظ والضبط ...
السبب الثاني:
هو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط، وكثرة الوهم مع بقاء عدالتهم وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع) بقوله: أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا.
وعلى أسلوب ابن رجب في توليد الموضوعات من الكلمات فقد شرح عبارة الترمذي وحشد لها عيون الشواهد من كلام أرباب هذه الصنعة فقال: (وهم أيضا أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا ولكن ليس هو الغالب عليهم وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة. وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث والمصنفين منهم في السنن والصحاح كمسلم
стр. 88
بن الحجاج وغيره فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث أو عند أكثرهم ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط. وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان وأنهم على ضربين:
أحدهما من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد ولا تخليط فاحش.
والثاني من هو دونهم في الحفظ والإتقان وشملهم اسم الصدق والستر وتعاطى العلم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم).
من كل هذا نعلم أن حديث هؤلاء الذين كثر غلطهم مقبول عند جماهير علماء الحديث ولا يعني قبول حديثهم أن يؤخذ دونما تمييز بين الصواب والخطأ بل استطاع النقاد أن يحصوا ما لهم من أوهام ويسجلوا شوارد أخبارهم شواذها فكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرا وكثيرا ما نقرأ الحديث في هذه الكتب ثم تذكر علته ويقال بعد ذلك أخطأ فيه شريك وهم فيه عطاء الخراساني وهكذا.
وقد ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي عددا من هؤلاء الثقات الذين يكثر الخطأ في حديثهم مع ترجمة قصيرة لكل منهم فأنار سبيل سالك هذا الدرب بمعرفتهم وأتاح لدارسي الكتاب فرصة كشف كثير من العلل، فذكر من هذا الصنف محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وعبد الرحمن بن حرملة المدني، وشريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، وأبا بكر بن عياش المقرئ الكوفي، والربيع بن صبيح ومبارك بن فضالة، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وحماد بن سلمة وغيرهم ...
السبب الثالث: الاختلاط أو الآفة العقلية:
وقد تكلم ابن رجب عن هذا السبب أثناء الكلام عن اختلاط المشاهير من الثقات ...
مفهوم الاختلاط:
والاختلاط آفه عقلية تورث فسادا في الإدراك وتصيب الإنسان في آخر عمره أو تعرض له بسبب حادث ما كفقد عزيز أو ضياع مال ومن تصيبه هذه الآفة لكبر سنة يقال فيه: اختلط بأخرة.
ورغم أن كثيرا من الناس يختلطون إلا أن الاختلاط إذا أطلق انصرف إلى فئة
стр. 89
قليلة منهم وهي فئة المحدثين وذلك لما في اختلاط المحدث من أثر على روايته لا سيما وأنه الثقة العدل المحتج به.
الكشف عن الاختلاط:
والكشف عن الاختلاط يلقي على الناقد رجل العلل مهمة عسيرة وشاقة إلى جانب أنها دقيقة وخطيرة فهي لا تقتصر على متابعة المحدث في فترة دون فترة أو مكان دون آخر أو عن شيخ دون سواه بل تمتد مهمة رجل العلل حتى وفاة الرجل موضع النقد والعلة ولمعرفة طريقة النقاد في الكشف عن الاختلاط وتحديد زمنه يحسن بنا أن نستشهد بما ذكره البرذعي في مسائله لأبي زرعة الرازي قال: قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغير؟ فقال: نعم كنا أنكرناه بأخرة غير أنه كان لا يحدث إلا من كتابه ولا يحدث حتى يحضر ابنه ثم تبسم فقلت لم تبسمت قال أتيته ذات يوم وأبو حاتم فقرعنا عليه الباب واستأذنا عليه فدنا من الباب ليفتح لنا فإذا ابنته قد لحقت وقالت يا أبت إن هؤلاء أصحاب الحديث ولا آمن أن يغلطوك أو أن يدخلوا عليك ما ليس من حديثك فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي تعني علي بن قرة فقال لها أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك فقالت لست أدعك تخرج إليهم فإني لا آمنهم عليك فما زال قرة يجتهد ويحتج عليها في الخروج وهي تمنعه وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة حتى غلبت عليه ولم تدعه. قال أبو زرعة فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي. قال أبو زرعة فجعلت أعجب من صرامتها وصياتنها أباها ...
وأحيانا كان الناقد يدخل على المختلط يخضعه لاختبار دقيق فيقلب عليه الأسانيد والمتون ويلقنه ما ليس من روايته فإن لم يتنبه الشيخ لما يراد به فإنه يتأكد اختلاطه ويحذر الناس من الرواية عنه؛ روى أبو محمد الرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث مليح بن وكيع وحفص بن غياث وعبد الله بن إدريس ويوسف بن خالد التيمي قلنا نأتي ابن عجلان نقلب على هذا الشيخ ننظر فهمه قال فقلبوا فجعلوا ما كان عن سعيد عن أبيه وما كان عن أبيه عن سعيد ثم جئنا إليه لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب وقال لا أستحل وجلست معه ودخل حفص ويوسف بن خالد ومليح فسألوه
стр. 90
فمر فيها فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ فقال أعد العرض فعرض عليه فقال ما سألتموني عن أبي فقد حدثني به سعيد وما سألتموني عن سعيد فقد حدثني به أبي.
ولكن بصيرة الناقد ويقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دورا أنهم أخذوها عن الثقة ولكن في اختلاطه، وهكذا تدخل العلة من هذا الطريق الذي هو طريق الاختلاط ولكن رجال هذا العلم بما لديهم من وسائل الدراية يقفون بالمرصاد لتمييز الصحيح من السقيم ...
وقد ذكر ابن رجب طائفة من مشاهير المختلطين وفصل أحوالهم وما يتعلق باختلاطهم وهم عطاء بن السائب الثقفي وحصين بن عبد الرحمن السلمي وسعيد بن إياس الجريري وسعيد بن أبي عروبة وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وأبان بن صمعة وسفيان بن عيينة وأبو قلابة الرقاشي ومحمد بن الفضل السدوسي ...
ذكر ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده:
وقد فصل ابن رجب في هذا الأمر وجمع أقوال العلماء التي تصلح ضابطا للتمييز بين الرواية عنه قبل الاختلاط وبعده ونرى مثل هذا في كلامه على اختلاط عطاء بن السائب فقال: وقد اختلفوا في ضابط من سمع منه قديما ومن سمع منه بأخرة - فمنهم من قال من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح ومن سمع منه بالبصرة فسماعه ضعيف - ومنهم من قال دخل عطاء البصرة مرتين فمن سمع منه في المرة الأولى فسماعه صحيح ومنهم الحمادان والدستوائي ومن سمع منه في المقدمة الثانية فسماعه ضعيف منهم وهيب وإسماعيل بن علية - ومنهم من قال إن حدث عطاء عن رجل واحد فحديثه جيد وإن حدث عن جماعة فحديثه ضعيف وهو ضابط التمييز عند شعبة بالنسبة لروايات عطاء - ومنهم من قال حديث شعبة وسفيان عنه صحيح لأنه قبل الاختلاط.
السبب الرابع: خفة الضبط بالأسباب العارضة:
ونقصد بالأسباب العارضة أمورا تعرض للمحدث تؤثر في ضبطه دون أن
стр. 91
تؤثر في إدراكه وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط ولا أرى ضمها إلى الاختلاط كما فعل السخاوي في كتابه فتح المغيث وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية فإذا ضاع الكتاب أو احترق أو أضر الراوي أو لم يصطحب كتابه معه إذا رحل في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث ...
ولكن ضبط الكتاب لا يغني وبالتالي يقع المحذور في حالة بعد الكتاب أو فقده وفقد آلة النظر في الكتاب ومن هنا دخلت العلة في أحاديث بعض الثقات فكان لا بد من دخول الناقد رجل العلل في دائرة أحاديث هؤلاء الثقات لتمييز سقيمها ومعلولها من صحيحها ومستقيمها.
وممن خف ضبطه لبعده عن كتبه معمر بن راشد ... ومن الحفاظ من خف ضبطه لضياع كتبه فدخلت الأوهام على حديثه فمنهم علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل ولي قضاءها للمهدي (سنة ١٦٦هـ) وكان ثقة صالح الكتاب قبل ذهاب كتبه.
ومن أسباب خفة الضبط - وبالتالي دخول الوهم والعلل- الانشغال عن العلم حفظا وكتابة وضبطا وقد ذكر هذا السبب في علل من تولوا القضاء كشريك بن عبد الله النخعي وحفص بن غياث ...
ومن الثقات من فقد بصره وكان يعتمد على كتبه فخف ضبطه ووهم فيما حدث به بعد ذلك وهؤلاء كثيرون منهم عبد الرزاق بن همام ... وقد ذكر ابن رجب ضابطا لرواية الضرير والأمي فقال وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فإنه لا تجوز الرواية عنهما ولا تلقينهما ولا القراءة عليها من كتاب وقد نص على ذلك أحمد -في رواية عبد الله- في الضرير والأمي لا يجوز أن يحدثا إلا بما حفظا وقال كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى أنه لا يحفظه يقول في كتابي كذا وكذا، ولقد أخذ على يزيد بن هارون أنه لما أضر كانت جاريته تحفظه من كتاب فيتلقن.
قال ابن رجب: وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام حافظ متقن يحدث من حفظه فهذا لا كلام فيه وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب فرجع
стр. 92
إليه حفظه الذي كان نسيه وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ ومن لا يحفظ وإنما يعتمد على مجرد التلقين فهذا الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه.
السبب الخامس: قصر الصحبة للشيخ وقلة الممارسة لحديثه:
أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة فرجحوا - من أجل ذلك - أسانيد كثيرة على أخرى وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل، واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول صحبة والأقصر والأقل ممارسة والأكثر وممن اعتنى اعتناء فائقا باختيار أكثر رجاله من بين الأوثق والأطول صحبة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه الصحيح وفي هذا يقول الإمام ابن رجب - في شرحه لعلل الترمذي - وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط ولمن ندر وهمه ونذكر لذلك مثالا وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات: الطبقة الأولى جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري والعلم بحديثه والضبط له كمالك وابن عيينة وعبيد الله بن عمر ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وغيرهم وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري. الطبقة الثانية أهل حفظ وإتقان ولكن لم تطل صحبتهم للزهري وإنما صحبوه مدة يسيرة ولم يمارسوا حديثه وهم في إتقانه دون الأولى كالأوزاعي والليث وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري. الطبقة الثالثة لازموا الزهري وصحبوه ولكن تكلم في حفظهم كسفيان بن حسين ومحمد بن إسحاق. الطبقة الرابعة قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة ولا طول صحبة ومع ذلك تكلم فيهم مثل إسحاق بن أبي فروة وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم. الطبقة الخامسة قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي وعبد القدوس بن حبيب. ورجال البخاري - كما دل عليه الاستقراء - هم في معظمهم من الطبقة الأولى طبقات الثقات ذات الصحبة والممارسة؛ وهكذا نرى أن درجة الثقة وحدها لا تكفي لقبول الحديث بل لا بد من معرفة سياق السند ومعرفة ممارسة كل رجل من رجاله لحديث شيخه ومعرفة هذه الممارسة تجعل نظرة المحدث تختلف - عما قبل المعرفة - وهو يرى حديث الأوزاعي عن الزهري وحديث معمر عن الزهري فمما لا شك فيه أن الأوزاعي
стр. 93
أكبر وأجل ولكن إسناد معمر أصح وأدق إذ أن معمر عن الزهري من الطبقة الأولى والأوزاعي عن الزهري من الطبقة الثانية لقصر صحبته وقلة ممارسته؛ ومن أجل هذه الممارسة كان بعض المحدثين لا يرضى أن يسمع الحديث من الشيخ مرة واحدة قال حماد بن زيد ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة يعاود صاحبه مرارا.
وتظهر هذه الممارسة في عبارات القوم وهم يقولون ليس هذا الحديث من حديث فلان أو يقولون هذا الحديث أشبه بفلان إلى غير ذلك من العبارات التي تدل على خبرة واسعة بعلاقة الرواة بعضهم ببعض.
والجدير بالذكر أن هذه الممارسة قد ترفع الراوي من رتبة الصدوق إلى رتبة الثقة أو إلى رتبة أوثق الناس في هذا الشيخ ومثاله حماد بن سلمة فقد اتفق النقاد أنه أوثق الناس في ثابت بالرغم من أن حمادا بشكل عام كثير الوهم والخطأ ... وهذا كله في مجال تقديم إسناد على آخر إذ يتقدم الأفهم والأكثر ممارسة على غيره. (١)
السبب السادس: اختصار الحديث أو روايته بالمعنى:
رأى الجمهور على أن الرواية بالمعنى جائزة وقد دلل ابن رجب على جوازها بأقوال بعض الصحابة والتابعين وعلماء الحديث المتقدمين وبأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها وقد قيد العلماء هذا الجواز فاشترطوا فيمن يروي الحديث بالمعنى أن يكون عارفا بمواقع الألفاظ بصيرا بدلالاتها حتى لا يحيل الحلال حراما أو يضع الدليل في غير مكانه وفي شرح علل الترمذي تفصيل لهذا الموضوع وعرض لأقوال العلماء فيه وأن الرواية بالمعنى إن لم يلتزم راويها بشرطها الذي يضمن عدم الإحالة فإن هذه الرواية تكون سببا في دخول العلة على الحديث ...
السبب السابع: تدليس الثقات:
وقد يكون سبب العلة تدليسا أدركه النقاد فكشفوا فيه عن انقطاع في الإسناد أو
رواية عن ضعيف غير اسمه أو كنيته وغالبا ما تكون العلة في حديث الأعمش أو
стр. 94
هشيم بن بشير أو إسحاق بن أبي فروة أو ابن جريح ناشئة عن التدليس ..
السبب الثامن: الرواية عن المجروحين والضعفاء:
وقد تضمنت كتب العلل أحاديث ذكر أن علتها جرح الراوي فكان هذا الجرح سببا في العلة وقد سبق وأن اشترطنا لدخول هذا الفرع في العلل أن يكون من الخفاء بحيث يغيب عن بعض الثقات الأعلام (١) كأن يروي مالك عن عبد الكريم أبي أمية والشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى ... وينبغي التنبيه إلى أن الأغلب في العلل أوهام الثقات حتى الرواية عن المجروحين كثيرا ما ترتبط بالثقة الذي روى الحديث.
وفي جعل الجرح سببا من أسباب العلة يقول ابن الصلاح: ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح.].
٤ - معرفة العلة ووسائل الكشف عنها:
قال د. همام في مقدمة شرح علل الترمذي (١/ ١١٩: ١٣٦) [المبحث الثاني معرفة العلل والكشف عنها من خلال كتاب ابن رجب: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معرفة العلة.
المطلب الثاني: وسائل الكشف عن العلة.
المطلب الأول: معرفة العلة:
ذكر ابن رجب في شرح علل الترمذي أن مجال العلة - في الأغلب والأكثر - حديث الثقات وذلك لأن رواية الثقة للحديث تكسبه في الأصل صفة الصحة الظاهرة والسلامة التي تجعله مقبولا محتجا به ولكن ليس عجيبا أن يفاجئنا رجل العلل بما لديه من الوسائل العلمية والمعرفة الحديثية بكشف ما يقدح في هذه السلامة الظاهرة وإذا بالحديث بعد الصحة معلولا وبعد القبول والاحتجاج به شاذا
стр. 95
لا يستند عليه ولا يحتج به وإذا كان الأمر كذلك فهل لنا أن نتعرف على وسائل النقاد وجوانب معرفتهم الحديثية التي مكنتهم من ارتياد هذا المجال ...
ومن كل هذا نستفيد أن الكشف عن العلة يحتاج إلى علم غزير بالأسانيد والطرق وأساليب التعبير كما يحتاج إلى مزيد فهم ومعرفة وحدة ذكاء وسرعة بديهة وإن شئت فقل هو فن القلة من الناس وحتى هؤلاء القلة فإنهم متفاوتون في القدرة عليه.
يقول ابن كثير في اختصار علوم الحديث وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجه ومستقيمه فمنهم من يظن ومنهم من يقف بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث وذوقهم حلاوة عبارة الرسول التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة يدركها البصير من أهل هذه الصناعة.
ويقول ابن الصلاح في هذا ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي أو بمخالفته غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن.
أما الخطيب البغدادي فإنه يقول السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانتهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان.
المطلب الثاني: وسائل الكشف عن العلة:
إن كتب العلل تحمل بين طياتها صورة كاملة شاملة لما ينبغي أن يكون عليه رجل هذا الفن وأنه إن كان حصر جوانب هذه المعرفة لا يمكن في مبحث صغير فإن ذكر أهم هذه الجوانب يسير ومعقول وفيما يلي بعض هذه الجوانب.
١ - معرفة المدارس الحديثية ونشأتها ورجالها ومذاهبها العقدية والفقهية وأثرها وتأثيرها في غيرها وما تميزت به عن غيرها، فقد نشأت للحديث مدارس في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن.
وبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة فيكشف عن علتها فإذا كان الحديث كوفيا احتمل التدليس أو الرفض إن كان بصريا احتمل النصب وتأثير الإرجاء والاعتزال في إسناده فإذا روى المدنيون عن الكوفيين فإنها تختلف الاحتمالات عما
стр. 96
إذا روى المدنيون عن البصريين ولذلك نجد الحاكم يقول بعد ذكره علة حديث: والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. أما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف ...
٢ - معرفة من دار عليهم الإسناد وأوثق الناس فيهم وتمييز أصح الأسانيد وأضعفها وممن اهتم بهذا وأرسى قواعده علي بن المديني فنراه يقول: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة فلأهل المدينة ابن شهاب ولأهل مكة عمرو بن دينار ولأهل البصرة قتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن أبي كثير ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران، ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف فلأهل المدينة مالك بن أنس ومحمد بن إسحاق من أهل مكة عبد العزيز بن جريح وسفيان بن عيينة ثم انتهى علم هؤلاء الثلاثة من أهل البصرة وعلم الاثني عشر إلى ستة ... وهكذا يمضي علي بن المديني في تأصيل هذه الخبرة الإسنادية وتفريعها. ومع ذكر الراوي فإنه يذكر أصحابه ويبين أوثقهم فيه وأكثرهم في الرواية عنه وهذا جزء هام من علم العلل ... ...
٣ - معرفة الأبواب ورجل العلل الحافظ العارف الفهم لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن جمع الأحاديث في الأبواب وأحاديثه كما سبق وأن قلت إنها مرتبة على الأسانيد فهي أيضا مرتبة على الأبواب باب الطهارة الصلاة الزكاة وهكذا والعملية النقدية عنده هي عرض ما يسمعه على أبوابه وأصوله وبعد هذا العرض يذكر نتيجة من النتائج الكثيرة عنده معروف منكر مشهور غريب شاذ لا أصل له ... وروي عن علي بن المديني أنه قال الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه.
٤ - معرفة المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب:
وكتب العلل مليئة بهذا النوع كمعرفة عامة أو تطبيقية تخدم موضوع العلة ومثال ذلك ما ذكره عبد الله بن أحمد ﵀ في العلل قال حدثني أبي قال حدثنا هشيم قال زعم لي بعضهم قال كتب الحجاج أن يؤخذ إبراهيم بن يزيد إلى عامله فلما أتاه الكتاب قال فكتب إليه إن قبلنا إبراهيم بن يزيد التيمي وإبراهيم بن يزيد النخعي فأيهما نأخذ قال فكتب أن يأخذهما جميعا هذه القصة ظاهرها أنها طرفة ومقصدها ذكر اثنين من الرواة اجتمعا في الاسم والعصر والرتبة ومن لا
стр. 97
يميز بينهما قد يخلط في حديثهما وقد يقول قائل ما داما ثقتين فما الضرر من هذا الخلط والجواب على ذلك أن لكل من الرجلين إسناده ولكل منهما رجاله والخلط بينهما لا يقتصر عليهما بل يتعداهما إلى بقية رجال الإسناد. وإن الباحث ليدهش وهو يجد أن أربعة عشر رجلا من الثقات يحملون اسم إبراهيم بن يزيد مما يجعل معرفة هذا الجانب ضرورية لرجل العلل حتى لا تشتبه عليه الأمور. وكما تتشابه الأسماء تتشابه الكنى ولا بد من معرفتها من قبل صاحب هذا الشأن ...
وإلى جانب التشابه في الكنى نجد الكثير من الكنى التي لم تشتهر أصحابها بها فاستغلها المدلسون ستارا لتدليسهم ولكن المعرفة الواسعة التي يتمتع بها الناقد تقف لكل ذلك بالمرصاد.
٥ - معرفة مواطن الرواة:
قال الحاكم أبو عبد الله وهو علم قد زلق فيه جماعة من كبار العلماء بما يشتبه عليهم فيه وقد يثبت هذه المعرفة في كتب العلل لارتباطها وعلاقتها الوثيقة به ففي علل أحمد ابن أبي حسن قرشي مكي هشام بن حجير مكي ضعيف الحديث ومحمد بن أبي إسماعيل شيخ كوفي ثقة وعبد الله بن سعيد بن أبي هند شيخ مديني موثق وإبراهيم بن ميسرة طائفي سكن مكة وهكذا إذ القصد هو التمثيل على هذه المعرفة لا الإحاطة بما كتب عليها فهو كثير.
٦ - معرفة الوفيات والولادات:
وعن طريق هذه المعرفة - مضافا إليها غيرها - يتأكد الناقد من السماع والمعاصرة أو ينفيهما وتجد هذه المعرفة مبثوثة في كتب العلل يقول ابن المديني مات أيوب سنة إحدى وثلاثين في الطاعون ومات يونس سنة تسع وثلاثين ومات إبراهيم النخعي سنة خمس وتسعين وقتل ابن جبير سنة خمس وتسعين وفيها مات الحجاج وهكذا. ومعرفة الولادات جانب آخر يحدد اللقاء وفترته بين الراوين فعندما يأتي حديث يرويه عبد الجبار بن وائل عن أبيه نجد النقاد يقولون عبد الجبار لم يدرك أباه ولد بعد وفاة أبيه.
٧ - معرفة من أرسل ومن دلس ومن اختلط:
وقد اعتنت كتب العلل اعتناء كبيرا بهذه المعرفة وكثيرا ما تجد فيها علل
стр. 98
الإرسال والتدليس والاختلاط كما نجد تحديدات دقيقة للاختلاط وتفاوت المراسيل وما دلس من الأسانيد.
٨ - معرفة أهل البدع والأهواء:
وقد سبق وأن ذكرت أن هذه المعرفة جزء من معرفة المدارس الحديثية ولكنها هنا تهتم بالرواة كأفراد كل على حدة وقد يكون الغالب على مدرسة ما التشيع ولكن فيها الناصبي والخارجين والمعتزلي وغير ذلك. وعلى صفحات كتب العلل نجد كلاما كثيرا حول هذا الجانب مثل يونس بن عباد كان خبيث الرأي كان يزيد بن عبد الرحمن شيخا فقيرا مرجئيا.
هذه بعض جوانب المعرفة التي لا بد منها للمشتغل بالعلل وتركت غيرها لأن الموضوع لا يتسع لعلوم الحديث إذ ظهر لي بعد البحث والاستقصاء أن أكثر علوم الحديث استمد من علم العلل وأن أقدم المحاولات في هذا الميدان هي كتب ابن المديني وأحمد الترمذي وأبي زرعة وأبي حاتم وهي كتب شاملة تطبيقية. وقد قصدت من ذكر هذه الجوانب التمثيل لا الحصر ولعل أبرز ثمرات هذا الموضوع القناعة التامة بأن علم العلل عماده المعرفة المستفيضة أفقيا وعموديا وهو ما يعبر عنه بعلم الرواية والدراية ومن تتوافر له هذه المعرفة تنكشف له العلاقات بين الروايات فيصبح مجال الحديث سندا ومتنا بمتناول بصيرته وعند التعليل يستفيد من كل هذه الجوانب فجزى الله علماءنا عن أمتهم خير الجزاء فلقد والله حملوا الأمانة التي لا تحملها الجبال الراسيات].
٥ - خطوات معرفة العلل:
قال هشام الحلاف: [لما كانت العلة سبباً خفياً غامضاً كان لابد من وجود طرق ترشد إلى وجودها، ووسائل تعين على الوقوف عليها، ومن خلال كلام العلماء في هذا العلم وممارستي له تبين لي أنه لا بد من عدة خطوات حتى يمكن معرفة سلامة الحديث من العلة أو وجودها فيه. وإليك هذه الخطوات:
أولاً: جمع طرق الحديث:
وقد كان المحدثون يهتمون بذلك ويؤكدون عليه:
قال أحمد: (الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه
стр. 99
بعضاً).
وقال علي بن المديني: (الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه).
وقال عبد الله بن المبارك: (إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض).
ولهذا قال يحيى بن معين: (اكتب الحديث خمسين مرة، فإن له آفات كثيرة).
وقال أيضاً: (لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه).
وقال أيضاً: (لو لم نكتب الحديث من مائة وجه ما وقعنا على الصواب).
وقال أبو حاتم الرازي: (لو لم يُكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه).
وكان بعض الحفاظ يقول: (إن لم يكن الحديث عندي من مائة طريق فأنا فيه يتيم).
وللمحدثين في ذلك الأخبار الكثيرة، ومن ذلك:
قال ابن حبان: (سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدثتك. فقال: إنما هو درهم وانحدر إلى البصرة وأسمع من التبوذكي، فقال: شأنك. فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب من أحد؟! قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر!. فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافه، علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطئ عليه).
ثانياً: الموازنة بين الطرق:
وفي هذه الخطوة يتم المقارنة بين طرق الحديث بعد جمعها، فإن اتفقت الطرق ولم يوجد بينها اختلاف علمنا حينئذ سلامة الحديث من العلة.
قال ابن حجر: (السبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف
стр. 100
(أي ابن الصلاح) عن الخطيب: أن يُجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف).
قلت: وإن وجد اختلاف بين هذه الطرق (كالاختلاف بين الوصل والإرسال والوقف والرفع ونحوه) فلابد حينئذ من تحديد الراوي الذي اختلف عليه ومعرفة الأوجه التي رويت عنه، ثم يكون الترجيح بين هذه الطرق بقرائن كثيرة لا يمكن حصرها.
قال العلائي: (ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن، الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده، والله أعلم).
وقال ابن الصلاح: (ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه).
وهناك أحاديث ليس فيها اختلاف في طرقها، وإنما تدرك علتها بأمور أخرى: قال ابن رجب: (حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك. وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه إلى أهله، إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم).]
٦ - أقسام العلة وأنواعها:
قال هشام الحلاف: [أقسام العلة وأنواعها.
يمكن تقسيم العلة بعدة اعتبارات:
стр. 101
أ_ تقسيم العلة بحسب تأثيرها: فالعلة بحسب تأثيرها على قسمين:
١_ علة قادحة: وهي العلة التي يُضعّف الحديث من أجلها.
٢_ وعلة غير قادحة: وهي العلة التي لا يُضعف بها الحديث.
ب_ تقسيم العلة بحسب محلها: فالعلة بحسب محلها على قسمين أيضاً:
١_ علة في الإسناد: وهي العلة التي تقع في إسناد الحديث.
٢_ علة في المتن: وهي العلة التي تقع في متن الحديث.
وسيأتي أمثلة للتقسيمين السابقين في التقسيم الثالث.
ج_ تقسيم العلة بحسب تأثيرها ومحلها معاً: من خلال التقسيمين السابقين يمكن لنا ظهور هذا التقسيم الثالث، وهذا التقسيم هو الذي ذكره ابن حجر في نكته على ابن الصلاح فإنه قال: (إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح في المتن. وكذا القول في المتن سواء. فالأقسام على هذا ستة:
_ فمثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقاً: ما يوجد مثلاً من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.
_ ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن: ما مثّل به المصنف من إبدال راو ثقة براو ثقة، وهو بقسم المقلوب أليق.
_ فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضاً إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة.
_ ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ولا تقدح فيهما: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين إذا أمكن رد الجمع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.
_ ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن واستلزمت القدح في الإسناد: ما يرويه
стр. 102
راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي فيعلل الإسناد.
_ ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما ذكره المصنف (أي ابن الصلاح) من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس وهي قوله (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها) فإن أصل الحديث في الصحيحين، فلفظ البخاري (كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين)، ولفظ مسلم في رواية له نفي الجهر، وفي رواية أخرى نفي القراءة). انتهى ما ذكره الحافظ ابن حجر باختصار يسير.
د_ تقسيم العلة بحسب صورها: وقد قسمها أبو عبد الله الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث (١١٣) إلى عشرة أقسام، ولم يذكر تعريفاً لكل نوع وإنما اكتفى ببيان أمثلة لكل نوع.
وجاء السيوطي بعده في تدريب الراوي (١/ ٢٥٨) وذكر هذه الأنواع باختصار معرفاً لكل نوع منها، فقال: (وقد قسم الحاكم في علوم الحديث أجناس المعلل إلى عشرة، ونحن نلخصها هنا بأمثلتها.
أحدها: أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه. كحديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك. فروى أن مسلما جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال هذا حديث مليح إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل.
الثاني: أن يكون الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة.
كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعاً أرحم أمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر الحديث. قال فلو صح إسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلاً.
стр. 103
الثالث: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين. كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحق عن أبي بردة عن أبيه مرفوعا إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة. قال هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا ظن أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، وإنما الحديث محفوظ عن رواية أبي بردة عن الأغر المزني.
الرابع: أن يكون محفوظاً عن صحابي فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحته بل ولا يكون معروفا من جهته. كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور. قال أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في الوحدان وهو معلول، أبو عثمان لم يسمع من النبي ﷺ ولا رآه، وعثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وإنما هو عثمان بن أبي سليمان.
الخامس: أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة. كحديث يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجل من الأنصار أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فرمى بنجم فاستنار الحديث. قال وعلته أن يونس مع جلالته قصر به، وإنما هو عن ابن عباس حدثني رجال، هكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري.
السادس: أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد. كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال قلت يا رسول الله مالك أفصحنا؟ الحديث. قال وعلته ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن واقد بلغني أن عمر فذكره.
السابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. كحديث الزهري عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم. قال وعلته ما أسند عن محمد بن كثير حدثنا سفيان عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة فذكره.
الثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه لكنه لم يسمع منه
стр. 104
أحاديث معينة فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه. كحديث يحيى ابن أبي كثير عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا أفطر عند أهل بيت قال أفطر عندكم الصائمون الحديث. قال فيحيى رأى أنسا وظهر من غير وجه أنه لم يسمع منه هذا الحديث، ثم اسند عن يحيى قال حدثت عن أنس فذكره.
التاسع: أن تكون طريقه معروفة يروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق فيقع من رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم. كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال سبحانك اللهم الحديث. قال أخذ فيه المنذر طريق الجادة، وإنما هو من حديث عبد العزيز حدثنا عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي.
العاشر: أن يروي الحديث مرفوعاً من وجه وموقوفاً من وجه. كحديث أبي فروة يزيد بن محمد حدثنا أبى عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء. قال وعلته ما أسند وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال سئل جابر فذكره.
قال الحاكم وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلنا هذه مثالا لأحاديث كثيرة.]
المسألة الثالثة:
قوله: (وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيراً من العِلَل يأبَوْنها) .
١ - قوله: (وفيه نظر) ظاهر هذه العبارة أن الضمير يعود لاشتراط نفي الشذوذ والعلة في الحديث الصحيح، وأن اشتراطهما فيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء دون المحدثين، وعبارة شيخه ابن دقيق العيد في الاقتراح صريحة في ذلك حيث قال: [الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التَّيقُظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسنداً. وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذاً ولا معلَّلاً. وفي هذين الشرطين نَظَرٌ على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيراً من العلل (التي) يعلِّل بها المحدثون الحديث لا
стр. 105
تجري على أصول الفقهاء].
(وبعد فالذي يظهر أنه هاهنا ثلاث وجوه للتعقب على الإمام الذهبي في هذه العبارة:
الوجه الأول: قد تعقب البعض هنا بأنهما أطلقا الخلاف في اشتراط خلو الحديث من الشذوذ والعلة، ولكنهما لم يفصلا بعد ذلك إلا في الكلام على العلة دون الشذوذ.
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ١٤): [كلام الشيخ تقي الدين تنظير على شرطي السلامة من الشذوذ من العلة ولم يبين وجه النظر إلا في اشتراط السلامة من العلة دون الشذوذ؛ فالعلة قاصرة عن المدعى].
والصحيح أنه لا وجه للتعقب عليهما من هذه الناحية؛ وذلك لأن كلام الإمام الذهبي، وشيخه ابن دقيق العيد صريح في أن الفقهاء لا يشترطون خلو الحديث من الشذوذ مطلقاً، ولكنهم يتفقون مع المحدثين في اشتراط خلو الحديث من بعض العلل، وهي القادحة فقط، ولذا فقد لزم ذلك منهما التنبيه على موضع الاتفاق وهو بعض العلل، وأما الشذوذ فكلامهما في أول عبارتهما صريح في عدم اشتراط الفقهاء لخلو الحديث الصحيح منه، ولذلك لم يحتاجا لإعادة التنبيه اكتفاءً بما سبق من كلامهم.
ومما يؤكد مذهب الفقهاء في الشاذ ما نقله الصنعاني في التوضيح (١/ ٣٧٨) عن ابن حجر حيث قال: [قال الحافظ ابن حجر إنه يمكن بأن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في رسم الصحيح إنما يقوله المحدثون وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك فأهل الحديث يشترطون أن لا يكون الحديث شاذا ويقولون إن من أرسل عن الثقات فإن كان أرجح ممن وصل من الثقات قُدِّمَ والعكس ... ].
الوجه الثاني: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من الشذوذ، وهذا متعارض مع ما قاله ابن حجر، قال السيوطي في التدريب (١/ ٦٥): [قيل لم يفصح - أي ابن كثير - بمراده من الشذوذ هنا وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال أحدها مخالفة الثقة لأرجح منه والثاني
стр. 106
تفرد الثقة مطلقا والثالث تفرد الراوي مطلقا ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول، قال شيخ الإسلام: وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن وفي اشتراط ركوبه وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها مع تخريج الأمرين ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر (١) وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو ابن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب وغيرهم عن الزهري فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم وأمثلة ذلك كثيرة. ثم قال: فإن قيل يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به قلت لا مانع من ذلك ليس كل صحيح يعمل به بدليل المنسوخ قال وعلى تقدير التسليم إن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحا ففي جعل انتفائه شرطا في الحكم للحديث بالصحة نظر بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا لأن الأصل عدم الشذوذ وكون ذلك أصلا مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه فإذا ثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روي حتى يتبين خلافه].
وسوف يأتي - بمشيئة الله - الكلام على الشاذ في موضعه من الرسالة، وإنما الغرض هنا التنبيه. والله أعلم.،
стр. 107
الوجه الثالث: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من العلة مطلقاً، بمعنى أنهم يعللون الحديث بمطلق العلة، مع أنه قد قال في الموقظة: (فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول. وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، لأن الحكم للثبت) فهذا صريح منه في أن بعض العلل غير مؤثرة وأن الحديث مع وجود مثل هذه العلل ليس بمعلول.
وقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٦): [ويحتمل إنه - أي ابن الصلاح - إنما لم يقيد العلة بالقدح في نفس الحد ليكون الحد جامعاً للحديث الصحيح المتفق على قبوله عند الجميع، لأن بعض المحدثين يرد الحديث بكل علة سواء كانت قادحة أو غير قادحة]. فقوله: (بعض المحدثين) صريح في بيان أن البعض الآخر من المحدثين لا يشترطون خلو الحديث الصحيح إلا من العلة القادحة.
وقد أطلق الخليلي أيضاً العلة على غير القادح وقسم الصحيح إلى معلول، وغير معلول حيث قال في الإرشاد (١/ ١٥٧ وما بعدها): [اعلموا رحمكم الله أن الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ على أقسام كثيرة: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه، وشواذ، وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيئ الحفظ يضعف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ... فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا وينفرد به ثقة مسندا فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال ومثاله حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا يعتمد عليه وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث لا يبين إسنادها وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد ... إلى آخر ما ذكر من أمثلة]. وراجع هنا أيضاً ما سبق ذكره
стр. 108
في تعريف العلة بالمعنى العام.
ملاحظة: مناقشة كلام الشيخ المليباري في التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة:
قال المليباري في رسالته " الحديث المعلول قواعد وضوابط " تحت عنوان: التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة: [ما ينبغي ذكره هنا أنه يمكن أن نستخلص مما سبق أن العلة كلها قادحة، لأنها دالة على وهم الراوي وخطئه، ويكون الخطأ قادحا في صحة ما وقع فيه الخطأ، وقد يكون ذلك في الإسناد أو في المتن أو في كليهما، ولا تخرج العلة عن أن تكون قادحة، ولهذا جاء تعريف العلة متضمنا ذلك حين قالوا: ''إن العلة عبارة عن سبب غامض يقدح في صحة الحديث''.
وعلى الرغم من اتفاق المتأخرين على ذكر القدح في تعريف العلة كقيد وشرط، فإنهم في الوقت ذاته يقسمونها إلى قادحة وغير قادحة!! ولعل هذا التقسيم لخلفيتهم العلمية المزدوجة، التي لا تتفق مع منهج المحدثين في نقد الحديث، كما سيتضح لنا من المثال الآتي.
روى مخلد ويعلى بن عبيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم حديثا في خيار البَيِّعين (١). يقول النقاد: هذا وهم من مخلد ويعلى إذ أضافا الحديث إلى عمرو بن دينار، وهو لم يحدث به، والصواب: أن هذا الحديث إنما رواه عبد الله بن دينار، وليس عمرو بن دينار. وهذه العلة في الإسناد غير قادحة في صحة المتن، لأنه صح عن سفيان من طرق أخرى.
وبهذا وغيره قالوا: العلة قد تكون غير قادحة، أي لا تقدح في صحة المتن، والواقع أن ذلك لا ينفي كون تلك العلة قادحة، إذ لا يختلف اثنان على عدم صحة روايتهما، وأن العلة هنا أصبحت قادحة في صحة الحديث عن عمرو بن دينار، وإن كان المتن صحيحا. كما أن الاضطراب حول اسم الصحابي الذي روى الحديث، أو راويه الثقة لا يعدونه علة قادحة أيضا، لأنه أيا كان هذا الراوي
стр. 109
فالحديث لا يخرج من رواية الثقة، سواء أكان هو هذا الثقة أم ذاك الثقة، أو هذا الصحابي أو ذاك الصحابي، بخلاف الاضطراب الذي يكون حول الراوي الثقة والضعيف؛ فإنه يضر حينئذ في صحة الحديث.
وهذا أيضا لا ينفي كون العلة قادحة لتأثيرها في ثبوت الراوي الثقة بعينه، ويكون السؤال مطروحا: من صاحب هذا الحديث؟ فهذا النوع من الاضطراب أصبح علة قادحة، وإن لم تقدح في صحة الحديث عموما ...
والواقع هو أن العلة كلها قادحة تقدح في صحة ما وقعت فيه العلة، قد يكون ذلك في الإسناد أو فيما يخص راويا من رواته، أو في المتن، أو زيادة كلمة فيه، أو تغيير سياقه أو في الحديث سندا ومتنا، أعني بذلك أن القدحية قد تكون نسبية أو مطلقة، لأن العلة عند نقاد الحديث عبارة عن خطأ الراوي. والله أعلم].
لاحظ أن نظر المقسمين للعلة إلى قادحة وغير قادحة إنما هو بالنظر إلى الطريق الصحيح، فالعلة والمخالفة هنا لم تقدح في صحة هذا الحديث من هذه الطريق الصحيحة، وأما كلام المليباري في هذا المبحث فإنما هو بالنظر لعموم الطرق فمطلق العلة قادح سواء كان ذلك في الطريق الصحيح أو الطريق الخطأ، فأصبح الخلاف بينهما لفظي فالمليباري بمقتضى كلامه لا ينكر أن العلة القادحة في الطريق الخطأ تكون غير قادحة في الطريق الصحيح.
قوله: (فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذاً: المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس) . فيه مسألتان:
المسألة الأولى: قوله: (المجُمْعُ على صِحَّتِه) أي بين المحدثين والفقهاء، قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: [الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التَّيقُظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسنداً. وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذاً ولا معلَّلاً. وفي هذين الشرطين نَظَرٌ على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيراً من العلل (التي) يعلِّل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء. وبمقتضى ذلك حُدَّ الحديث
стр. 110
الصحيح، بأَنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معلّلاً.
ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعاً مانعاً]. ...
(ولابد هنا من التنبيه على بعض الشروط الأخرى التي ذكرها العلماء في الحديث الصحيح والتي منها الشروط الثبوتية والسلبية، والتي تجعل الحد غير جامع ولا مانع. وإليك هذه الشروط وتوجيهات العلماء لها.
١ - اشتراط نفي النكارة:
قال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٧): [إنما لم يشترط نفي النكارة - أي ابن الصلاح -، لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفاً من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبه الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة.
كذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة. ولم يتفطن الشيخ تاج الدين التبريزي لهذا وزاد في حد الصحيح، أن لا يكون شاذاً ولا منكراً].
٢ - عدم شموله للصحيح لغيره:
قال السيوطي في التدريب (١/ ٦٧ - ٦٨): [أورد على هذا التعريف ما سيأتي إن الحسن إذا روى من غير وجه ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصحة وهو غير داخل في هذا الحد وكذا ما اعتضد بتلقي العلماء له بالقبول قال بعضهم يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح قال ابن عبد البر في الاستذكار لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر هو الطهور ماؤه وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده لكن الحديث عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول وقال في التمهيد روى جابر عن النبي ﷺ الدينار أربعة وعشرون قيراطا قال وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإسناد فيه وقال الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، وقال نحوه ابن فورك وزاد بأن مثل