← Язык

Язык · id 36322

أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجا

عبد الرازق بن حمودة القادوسي

Полный текст (333 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وخَطَّأَه الزجاج قال: "لأنَّ المسنونَ المصبوبَ على سَنَنِ الطريق" (١). وقريبا من ذلك قال كل من ابن خالويه (٢) وأبي زرعة بن زنجلة (٣). ويخلص مما سبق إلى أن اللغة العربية من اللغات التي تعتمد على الإعراب في تحديد المعنى، ولما كانت حركة الإعراب محلها الحرف الأخير من الكلمة فقد سلكت العربية تجاه الوقف طرقا عدة للحفاظ على هذه العلامة - حرصا على وضوح المعنى - تتمثل في: الوقف بالسكون، والوقف بالروم، والوقف بالإشمام والوقف بالتضعيف، والوقف بنقل حركة الحرف الأخير إلى ما قبله، ولكل طريقة تفصيل موضعه كتب النحو (٤) ومرادي هنا هو التنبيه على أن اللغة حافظت على الحركة الإعرابية بالطرق السابقة، ما عدا الوقف بالسكون والذي يستخدم عند أمن اللبس. والمعني بالحديث هنا اجتلاب هاء السكت للوقف، وسميت بالسكت لأن شرطها أن يُوقَفَ عليها بالسكون على الصحيح فهي لا تتحرك أبدا، إلا عند من أثبتها في الوصل فقد أجراها مجرى الوقف فاضطر إلى تحريكها على خلاف (٥) فهي إذن اجتلبت لتكون محلا للسكون العارض للوقف، ولتظل حركة الحرف الأخير ظاهرة بَيِّنَة. وجعلها النحاة خاصة بحركة البناء، اعتمادا على أن الطرق السابقة كفيلة بالحفاظ على حركة الإعراب (٦). وسماها البعض بهاء الاستراحة؛ لأن في الوقف فرصة لأخذ النفس، خاصة وأنها تدخل على ما آخره ألف حيث يحتاج إلى نفس طويل في مثل: واإسلاماه ونحوه، ورخصوا في الجمع بين ساكنين في مثل هذا الموضع؛ لأنه موضع وقف (٧).

стр. 142

الباب الثاني: القراءات والبنية الصرفية - الفصل الأول: تغيير بنية الأفعال - الفصل الثانى: تغيير بنية الأسماء

стр. 143

الباب الثاني: القراءات والبنية الصرفية يتناول هذا الباب التغيرات التي حدثت في البنية الصرفية وذلك على مستوى الأفعال والأسماء، وليفي بهذا الغرض فقد قسمته إلى فصلين: تناولت في الفصل الأول: التغيير الذي لحق بنية الأفعال، وتناولت في الفصل الثاني: التغيير الذي لحق بنية الأسماء.

стр. 144

الفصل الأول تغيير بنية الأفعال - المبحث الأول: التغيير فى الحركات (البناء للفاعل والمفعول) - المبحث الثانى: التغيير فى الصوامت (بالزيادة)

стр. 145

الفصل الأول تغيير بنية الأفعال يتناول هذا الفصل التغيير الذي لحق بنية الأفعال، وقد قسمته إلى مبحثين، يتناول المبحث الأول: التغيير في الحركات، وما ينجم عنه من أثر في المبنى والمعنى. وتناولت في المبحث الثاني: التغيير الذي يحدث في الصوامت (بالزيادة) وما ينجم عنه من تغير في المبنى والمعنى.

стр. 146

المبحث الأول التغيير في الحركات (البناء للفاعل والمفعول) يرصد هذا المبحث القراءة القرآنية التي حدث للفعل الوارد فيها تغيير في حركته، من خلال تحويله من فعل مبني للمعلوم إلى فعل مبني للمجهول وقد تعددت المواضع التي تردد الفعل فيها بين البناء للفاعل والبناء للمفعول في القراءات القرآنية، بحيث أصبحت تشكل ظاهرة تفرض نفسها على الدَّرْسِ اللغوي، فقد بلغ عدد مرات ورودها في القراءات العشر المتواترة فقط اثنين وسبعين موضعا، منها أربعة وعشرون موضعا بصيغة الماضي، وثمانية وأربعون بصيغة المضارع، فضلا عن القراءات الشواذ. أما معجم التاج فلم يذكر من قراءات هذه الظاهرة إلا سبع عشرة قراءة منها خمس من القراءات العشر، واثنتا عشرة من القراءات الشاذة. وقد استشهد الزبيدي في مواضع متفرقة من التاج باثنتي عشرة آية من الآيات التي تردد الفعل فيها بين المبني للفاعل والمبني للمفعول في القراءات العشر المتواترة. وأما القراءات التي تناولها الزبيدي وعرض فيها القراءة المقابلة فهي: • (أُظْلِمَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (١). [التاج: ظلم]. دلل الزبيدي على تعدي الفعل (أَظْلَمَ): بقراءة ابن قطيب: ﴿أُظْلِمَ﴾ (٢) بالبناء للمفعول؛ لأن الأصل في الفعل المبني للمفعول أن يكون متعديا. وقراءة البناء للفاعل "أَظْلَمَ" تدل على لزومه. وقد شغلت فكرة التعدي واللزوم الزبيدي بحيث تتبعها في العديد من المصادر المتنوعة، حيث يقول: "قال شَيخُنا: فهو لاَزِمٌ في اللُّغَتَيْن، وبذلك صَرَّحَ ابنُ مَالكٍ وغَيرُه. وفي الكَشَّاف (٣): احتِمالُ أنَّه مُتَعَدٍ في

стр. 147

قَولِهَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ بِدَليلِ قراءة يَزِيدَ بنِ قُطَيْبٍ: (أُظْلِمَ) مَجْهُولاً، وتَبِعَه البَيْضَاوِيُّ (١)، وفي بَحْرِ أبِي حَيَّان (٢). المَحْفُوظُ أَنَّ أَظْلَمَ لا يَتَعَدَّى، وَجَعَلَه الزَّمخشَرِيُّ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، قالَ شَيْخُنا (٣): ولم يَتَعَرَّضْ ابنُ جِنِّي لِتِلْكَ القِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ، وجَزَمَ ابنُ الصَّلاحِ بِورُودِهِ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وكأَنّه قَلَّدَ الزَّمَخْشَرِيَّ في ذلك، وأبو حَيَّانَ أعرفُ باللُّزُومِ والتَّعَدِّي. قُلتُ: وهذا الذي جَزَم به ابنُ الصَّلاح قد صَرَّحَ به الأزهَرِيُّ في التَّهْذِيب". قال السمين: "وقرئ "أُظْلِمَ" مبنياً للمفعول، وجَعَلَهُ الزمخشريُّ دالاَّ على أنَّ أَظْلَمَ متعدٍ ... ولا دليلَ في الآيةِ لاحتمالِ أن أصلَه: وإذا أَظْلم الليلُ عليهم، فلمَّا بُنِي للمفعولِ حُذِف "الليل" وقام "عليهم" مَقَامَه" (٤). • (يُطَوَّقُونَهُ) (٥): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ﴾ (٦). [التاج: طوق]. ذكر الزبيدي في هذه المادة قراءتين جاءتا بالبناء على المفعول هما: "يُطَوَّقُونَهُ" "يُطَيَّقُونَهُ"، القراء الأولى بواو بعد الطاء، والثانية بياء، وقد نقل الزبيدي هاتين القراءتين عن ابن جِنّي حيث قال: "وقُرِئَ شاذّاً "يُطَوَّقُونَهُ" ... أي يُجْعَلُ كالطّوْقِ في أعْناقِهم، ووزنه (يُفَعَّلُونَهُ)، وهو كقولك: يُجَشَّمُونَهُ ويُكلَّفُونَهُ. و"يُطَيَّقُونَهُ" وهي قِراءَةُ ابنِ عبّاس بخِلاف. أصلُه (يُطَيْوَقونَه) قُلِبت الواوُ ياءً كما قُلِبت في سَيّد ومَيّت، وقد يجوزُ أن يكونَ القَلْب على الُمعاقَبة، كتهوّر وتهَيَّر،

стр. 148

على أنّ أبا الحسَن قد حَكَى: هار يَهِير، فهذا يؤنِّسُ أنّ ياءَ تهيّرَ وضْعٌ، وليست على المُعاقَبة، قال: ولا تحْمِلَنَّ هارَ يَهِير على الواوِ، قِياساً على ما ذهَبَ إليه الخَليل في تاهَ يَتيه، وطاحَ يَطيح، فإنّ ذلك قَليل ... ويُؤْنِّسُ كَوْنَ "يُطَيَّقُونَهُ" (يَتَفَعَّلُونَهُ) لا (يتفَيْعَلونَه) قِراءَة من قرأ: "يُطَوَّقُونَهُ" والظاهر من بعد أن يكون (يتَفَيْعَلونه) ". ونقل الزمخشري عن ابن عباس أنه قرأ: "يُطَوَّقُونَهُ" تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه أو يقلدونه. و"يُطَيَّقُونَهُ" وأصلها (يطيوقونه) على أنها من (فيعل) من الطوق فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تَدَيَّرَ المكان وما بها ديار. ويجوز أن يكون معنى "يُطَيَّقُونَهُ" أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم (١). وقد خَرَّجَ السمين لقراءة "يُطَيَّقُونَهُ"، فقال:"وقد رَدَّ بعضً الناسِ هذه القراءةَ. وقال ابن عطية: "تشديدُ الياء في هذه اللفظةِ ضعيفٌ" (٢) وإنما قالوا بِبُطْلاَنِ هذه القراءةِ لأنها عندهم من ذوات الواوِ وهو الطَّوْق، فمن أين تَجِيءُ الياءُ؟ وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنُ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ (تَفَعَّل) حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من (تَفَيْعَل)، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والوُاو، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلبِ، فَمَنْ قَرَأَه "يَطَّيَّقونه" بفتح الياءِ بناه للفاعل، ومَنْ ضَمَّها بَناه للمفعول. وتَحْتَمِل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجاز من الطَّوْقِ الذي هو القِلاَدَةُ، كأنه بمنزلةِ القِلادَةِ في أَعْنَاقِهِم" (٣). • (فَبُهِتَ): من قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٤). [التاج: بهت]. استشهد الزبيدي بقراءة الجمهور ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ على مجيء الفعل (بُهِتَ) مبنيا للمفعول مثل: (زُهِيَ) و (عُنِيَ) على سبيل الاقتصار، وذكر أنها أفصح اللغات، لمجيء القرآن بها (٥).

стр. 149

وقد علل ابن جني لبناء الفعل هنا للمفعول فقال: "فإن قيل: فما معنى هذا التطاول والإبعاد في اللفظ؟، ولم يقل: "بُهِتَ"، وإبراهيم ﵇ هو الباهت؟!. قيل: إن الفعل إذا بني للمفعول لم يلزم أن يكون ذلك للجهل بالفاعل بل ليعلم أن الفعل قد وقع به، فيكون المعنى هذا لا ذكر الفاعل. لا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ (١)، وقوله: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ (٢)، وهذا مع قوله : ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ (٤) فالغرض في نحو هذا المعروف الفاعل إذا بني للمفعول إنما هو الاخبار عن وقوع الفعل به حسب، وليس الغرض فيه ذكر من أوقعه به" (٥). • (يُغَلَّ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٦). [التاج: غلل] اعتمد الزبيدي على قراءات الآية السابقة اعتمادا كليا في شرحه للمدخلين (أَغَلَّ) و (غَلَّ). ومن المدخل (غَلَّ) تتفرع مداخل تتغاير معانيها على النحو التالي: أَغَلَّ يُغِلُّ إِغْلالاً، وحَقْلُهُ الدَّلالي الخِيَانَةُ مطلقًا. وغَلَّ يَغِلُّ غِلَّاً، وحَقْلُهُ الدَّلالي الحِقْدُ. وغَلَّ يَغُلُّ غُلُولاً، وحَقْلُهُ الدَّلالي الخِيَانَةُ في المَغْنَمِ خَاصَّةً. قال ابن السِّكِّيت: "لم نسمعْ في المَغنَمِ إلاّ غَلَّ غُلولاً" (٧). وقال أبو عُبَيْدٍ: "الغُلول من المَغنَمِ خاصّةً، ولا نراه من الخيانةِ، ولا من الحِقدِ، وممّا يُبيِّنُ ذلك أنّه يقال من الخيانة: أَغَلَّ يُغِلُّ، ومن الحِقد: غَلَّ يَغِلُّ بالكَسْر، ومن الغُلول: غَلَّ يَغُلُّ بالضَّمّ". وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قراءتان: إحداها: ﴿يَغُلَّ﴾ (٨) من الثلاثي المبني للمعلوم. والأخرى: "يُغَلَّ" (٩) من (أُغِلَّ) الرباعي المبني للمفعول (١٠).

стр. 150

وقد ذكر الزبيدي أن أبا عمرو، ويونس كانا يختاران قراءة " يَغُلَّ " بالبناء للفاعل من الفعل الثلاثي (غَلَّ)، ويوضح ابن بَرِّيٍّ سبب هذا الاختيار بقوله: " قَلَّ أن تَجِدَ في كلامِ العربِ: ما كان لفلانٍ أن يُضرَبَ، على أن يكونَ الفِعلُ مَبْنِيّاً للمَفْعول، وإنّما تجدُه مبنيّاً للفاعل كقولِك: ما كان لمؤمنٍ أن يَكْذِبَ وما كان لنبيٍّ أن يَخون، وما كان لمُحْرِمٍ أن يَلْبِسَ، قال: وبهذا يُعلَمُ صِحَّةُ قراءةِ من قَرَأَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ على إسنادِ الفِعلِ للفاعلِ دونَ المَفْعول". وقد عرض الألوسي لقراءة "يُغَلَّ" فذكر أن في توجيهها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ماضيه: أَغْلَلْتُهُ أي: نسبته إلى الغُلُولِ، كما تقول: أَكْفَرْتُهُ أي نسبته إلى الكُفْرِ قال الكُمَيْتُ (١): وَطَائِفَةٍ قَدْ أَكْفَرَتْنِي بِحُبِّكُمُ ... وَطَائِفَةٍ قَالَتْ مُسِيءٌ وَمُذْنِبٌ والمعنى ما صح لنبي أن يَنْسِبَهُ أَحَدٌ إلى الغُلُولِ. وثانيها: أن يكون من أَغْلَلْتُهُ إذا وجدته غَالَّاً كقولهم: أَحْمَدْتُهُ، وأَبْخَلْتُهُ، وأَجْبَنْتُهُ بمعنى: وَجَدْتُهُ كذلك، والمعنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أَنْ يُوجَدَ غَالاً. وثالثها: أنه من (غَلَّ) إلا أن المعنى ما كان لنبي أن يَغُلَّهُ غَيرُهُ أو يَخُونَهُ ويَسْرِقَ مِنْ غَنِيمَتِهِ" (٢). • (يُورَثُ): من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٣)، [التاج: كلل]. أحاط الغموض بكلمة "كَلالَةٍ" في قوله تعالى: ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ نظراً لتعدد معناها فهي تعني الموروث: المال، أو الميت، كما تدل أيضا على الوارث. والمعنيان جائزان على قراءة "يُورَثُ" بالبناء للمفعول؛ لذلك اختار البصريون أن تكون الكلالة اسما للموروث، وعليه جاء التفسير في الآية: إن الكلالة الذي لم

стр. 151

يُخَلِّفْ ولداً ولا والداً. ولكن الكوفيين خالفوهم الرأي، ورأوا أن الكلالة اسم للوارث، وكان لقراءة الفعل بالبناء للفاعل ﴿يُورِثُ﴾ (١)، و ﴿يُوَرِّثُ﴾ (٢) دورها الإيجابي في ترجيح هذا الوجه عندهم؛ لأن الكلالة على ظاهر هذه القراءة هم ورثة الميت وهم الأخوة للأم. وهذه المسألة لما اكتنفها من غموض قد أَوْجَدَتْ لنفسها مكانا واسع الانتشار في كتب اللغة (٣) والتفسير (٤)، وما وُجِدَ مِنْ كَثْرَةِ النُّقُولِ التي حَشَدَهَا الزبيدي في تاجه أكبر دليل على ذلك. وقد كان لتحول بناء الفعل من المعلوم إلى المجهول أثره في التفسير والحكم الفقهي كما مر. • (أُحْصِنَّ): من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥)، [التاج: حصن]. تناول الزبيدي في المادة السابقة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، وقد قرئ الفعل (أَحْصَنَ) مسندا إلى نون النسوة، مرة بصيغة البناء للفاعل (أَحْصَنَّ) (٦)، ومرة أخرى مبنيا للمفعول (أُحْصِنَّ) (٧) وقد تغيرت دلالة الفعل مع تغير القراءة، فالفعل في حالة بنائه للمفعول معناه: تَزَوَّجْنَ. وأما في حالة بنائه للفاعل فإن معناه: أَسْلَمْنَ (٨). قال أبو زرعة: "قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر "فَإِذَا أَحْصَنَّ" بفتح الألف والصاد أي أسلمن، ويقال: عففن كذا جاء في التفسير، يسندون الإحصان إليهن،

стр. 152

وإذا قرئ ذلك على ما لم يسم فاعله - أُحْصِنَّ - كان وجوب الحد في ظاهر اللفظ على المملوكة ذات الزوج دون الأيم، وفي إجماع الجميع على وجوب الحد على المملوكة غير ذات الزوج دليل على صحة فتحة الألف. وقرأ الباقون "فَإِذَا أُحْصِنَّ" أي الأزواج جعلوهن مفعولات بإحصان أزواجهن إياهن، فتأويله: فإذا أحصنهن أزواجهن، ثم رُدَّ إلى ما لم يسم فاعله نظير قوله: "مُحْصَنَات" بمعنى أنهنَّ مفعولات، وهذا مذهب ابن عباس قال: لا تُجْلَد إذا زنت حتى تتزوج، وكان ابن مسعود يقول: إذا أسلمت وزنت جلدت، وإن لم تتزوج" (١). وهذا الموضع من المواضع التي أدى تحول الفعل فيها من البناء للفاعل إلى البناء للمفعول إلى اختلاف في الحكم الفقهي، فابن عباس ﵄ يرى على قراءة البناء للمفعول أن الأَمَةَ لا تَسْتَوْجِبُ الحَدَّ ما لم تُزَوَّجْ، وبقوله يقول فقهاء الأمصار. وقد حسم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري هذا الخلاف بأن جعلها محدودة بالسنة وليس بالقرآن فقال: "قرأه بعضهم: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) بفتح "الألف"، بمعنى: إذا أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام. وقرأه آخرون: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) بمعنى: فإذا تزوّجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج. والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ. فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني = فقد أغفل، وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه؛ لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله ﷺ ، الحدَّ فقال ﷺ : "إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها. ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ" (٢). • (يَنْفَُخُ) (٣) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّور﴾ (٤). [التاج: صور].

стр. 153

قرأ الجمهور ببناء الفعل للمجهول، ونائب الفاعل (إسرافيل) ﵇. وقرأ أبو عمرو في رواية "نَنْفُخُ" بنون العظمة والبناء للفاعل، وفي أخرى "يَنْفُخُ"، وعلى الروايتين يجوز أن يكون الفاعل فيهما هو (عالم الغيب). قال القرطبي: "وقد روي عن بعضهم أنه قرأ "يَنْفُخُ" فيجوز أن يكون الفاعل" عالم الغيب"؛ لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله كان منسوبا إلى الله تعالى. ويجوز أن يكون ارتفع (عالم) حملا على المعنى" (١). وقال السمين: "قرأ أبو عمروٍ: "نَنْفُخُ" مبنياً للفاعل بنونِ العظمة، أُسْنِدَ الفعلُ إلى الآمِر به تعظيماً للمأمورِ، وهو المَلَكُ إسرافيل. والباقون بالياءِ مضمومةً مفتوحَ الفاءِ على البناءِ للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعل الجارُّ والمجرورُ بعدَه" (٢). وقال ابن خالويه: "إجماع القراء فيه على الياء وضمها على ما لم يسم فاعله إلا ما اختاره أبو عمرو من النون وفتحها، وله في ذلك وجهان: أحدهما: أنه أتى بالنون في ننفخ ليوافق به لفظ "نحشر" فيكون الكلام من وجه واحد. والثاني: أن النافخ في الصور وإن كان (إسرافيل) فإن الله هو الآمر له بذلك والمقدر والخالق له فنسب الفعل إليه لهذه المعاني ودليله قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ والمُتَوَفِّي لها مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ (٣). • (يُضَاعِفْ) (٤) من قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٥). [التاج: ضعف] قال القرطبي: وقرأت فرقة: "يُضَاعِفْ" بكسر العين على إسناد الفعل إلى الله تعالى. وقرأ أبو عمرو فيما روى خارجة "نُضَاعِفْ" بالنون المضمومة ونصب "العذاب" وهذه قراءة أبن محيصن " (٦).

стр. 154

وقال السمين: "وقد تقدَّم أنه قرئ "يُضاعِفُ"، و"يُضَعِّفُ" فقيل: هما بمعنىً، وتكونُ المفاعلَةُ بمعنى فَعَل المجرد، نحو: عاقَبْت، وقيل: بل هما مختلفان، فقيل: إنَّ المضعَّفَ للتكثير. وقيل: إنَّ "يُضَعِّف" لِما جُعِلَ مثلين، و"ضاعَفَه" لِما زيد عليه أكثرُ من ذلك (١). • (يَنْقُصُ) (٢) قراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣). قال القرطبي: قراءة العامة "يُنْقَصُ" بضم الياء وفتح القاف، وقرأت فرقةٌ منهم يعقوب "يَنْقُصُ" بفتح الياء وضم القاف، أي لا ينقص من عمره شيء. يقال، نقص الشيء بنفسه ونقصه غيره، وزاد بنفسه وزاده غيره، متعد ولازم " (٤). وقال السمين: وقرأ يعقوبُ وسلام - وتُرْوى عن أبي عمروٍ - "ولا يَنْقُصُ" مبنياً للفاعلِ (٥). • (يُخْرَجُ) (٦) قراءة في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٧). [التاج: مرج]. وقال أبو زرعة: قرأ نافع وأبو عمرو: "يُخْرَجُ مِنْهُمَا" بضم الياء، وقرأ الباقون بالنصب. من قال "يُخْرَجُ" بالضم كان قوله بينا لأن ذلك إنما يُخْرَجُ ولا يَخْرُجُ بنفسه فهما يستخرجان، وحجته قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ فهي مفعولة

стр. 155

لا فاعلة. ومن قرأ:"يَخْرُجُ" جعل الفعل للؤلؤ والمرجان وهو اتساع لأنه إذا أُخْرِجَ ذلك خَرَجَ (١). وقال السمين: قرأ نافع وأبو عمرو "يُخْرَج" مبنياً للمفعول. والباقون مبنياً للفاعل على المجاز (٢).

стр. 156

المبحث الثاني التغيير فى الصوامت (بالزيادة) يتناول هذا المبحث الأفعال التي تحولت من مجردة إلى مزيدة بحرف أو أكثر، ويبين ما ترتب على هذه الزيادة من تغير في المعنى أو عدمه، وذلك من خلال ما ورد في التاج، وما قرره المفسرون واللغويون. وسوف يتخذ الدارس من حروف الزيادة أساسا لتصنيف مادة هذا المبحث كما يلي: أولا: الثلاثي المزيد بحرف: (أ) زيادة (فَعَلَ) بالتضعيف: (فَعَّلَ). (ب) زيادة (فَعَلَ) بالهمزة: (أَفْعَلَ). (ج) زيادة (فَعَلَ) بالألف: (فَاعَلَ). ثانيا: الثلاثي المزيد بحرفين: (أ) زيادة (فَعَلَ) بالتاء والتضعيف: (تَفَعَّلَ). (ب) زيادة (فَعَلَ) بالهمزة والتاء: (افْتَعَلَ). (ج) زيادة (فَعَلَ) بالتاء والألف: (تَفَاعَلَ). ثالثا: التبادل بين: (فَعَّلَ) و (فَاعَلَ). رابعا: التبادل بين: (أَفْعَلَ) و (فَعَّلَ).

стр. 157

أولا: الثلاثي المزيد بحرف: (أ) زيادة (فَعَلَ) بالتضعيف: (فَعَّلَ). • (يَذْبَحُونَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (١). [التاج: ذبح]. يأتي الفعل على زنة (فَعَّلَ) ليفيد التكثير، وقد يأتي مخففا ويفيد أيضا معنى التكثير؛ لأن المعنى لا يؤخذ من لفظ الفعل وحده، وإنما من السياق الذي وضع فيه هذا الفعل، ومن دلالات أخرى يدل عليها، كدلالة الفعل على مصدره؛ لذلك يذكر الزبيدي أن: ذَبَّحَهُ: كَذَبَحَهُ، أي أن الفعل المخفف قد يستخدم في موضع الفعل المشدد ويؤدي معناه؛ لأنه وضع في الأصل ليدل على القليل والكثير. وليدلل الزبيدي على صحة هذا المعنى يستشهد بقراءة الزُّهْرِيِّ وابن محيصن حيث قرآ بـ "يَذْبَحُونَ" مخففا (٢) في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فالقراءة استخدمت الفعل المخفف في موضع الفعل المشدد والمعنى واحد. وليزيد هذا المعنى وضوحا ينقل عن أبي إسحاق الزجاج قوله: "القراءة المُجْمعُ عليها بالتَّشديد، والتخفيف شاذٌّ، والتَّشديد أَبلغُ؛ لأَنه للتّكثير و (يَذْبَحون) يَصلُح أَن يكون للقليل والكثيرِ، ومعنى التكثيرِ أَبلغُ ". وقد أدرك أبو الفتح عثمان بن جني ذلك فقال في تعليقه على هذه القراءة: " (فَعَلْتَ) بالتخفيف قد يكون فيه معنى التكثير؛ وذلك لدلالة الفعل على مصدره، والمصدر اسم الجنس، وحسبك بالجنس سعة وعموما" (٣). • (يُمَيِّزَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٤). [التاج: ميز]. ذكر الزبيدي أن الأفعال: ماز، وأماز، ومَيَّزَ، تأتي بمعنى واحد، وقد استدل على ذلك بالقراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ حيث قرئ "يَمِيزَ" مخففا من (ماز)، كما قرئ "يُمَيِّزَ" مشددا من (مَيَّزَ)، والمعنى واحد.

стр. 158

وقال السَّمِين في تخريج القراءتين السابقتين: "قرأ حمزة والكسائي: "يُمَيِّز" (١) بالتشديد، والباقون بالتخفيف. وعن ابن كثير أيضاً "يُمِيزَ" من أماز، فهذه ثلاث لغات يقال: مازَه ومَيَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل، لأنَّ الفعل قبلهما متعدٍ، وإنما (فَعَّل) بالتشديد و (أَفْعَل) بمعنى المجرد، وهل ماز ومَيّز بمعنى واحد أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم القائلون بالفرق اختلفوا فقال بعضهم: لا يقال: "مازا" إلا في كثير من كثير، فأما واحد من واحد فَمَيَّزت؛ ولذلك قال أبو معاذ: يقال: "مَيَّزْتُ بين الشيئين ومِزْتُ بين الأشياء". وقال بعضُهم عكسَ هذا: مِزْتُ بين الشيئين ومَيِّزْتُ بني الأشياءِ، وهذا هو القياسُ، فإنَّ التضعيفَ يُؤْذِنُ بالتكثير وهو لائقٌ بالمتعددات. ورجَّح بعضُهم "مَيَّز" بالتشديد بأنه أكثر استعمالاً، ولذلك لم يُسْتعمل المصدرُ إلا منه فقالوا: التمييز، ولم يقولوا: "المَيْز" يعني لم يقولوه سماعاً وإلا فهو جائز قياساً" (٢). • (عَقَّدَتْ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). [التاج: عقد] ذكر الزبيدي قراءة "عَقَّدَتْ" (٤) بغرض الاستدلال على أن الفعلين: عَقَدَ، وعَقَّدَ، يأتيان بمعنى واحد وهو توكيد العهد وتغليظه. قال صاحب الكشاف: "وقرىء (عقدت) بالتشديد والتخفيف بمعنى: عقدت عهودَهم أيمانُكم" (٥). وهذا المعنى مجازي وليس حقيقيا. مع الأخذ في الاعتبار أن التوحد في المعنى هنا ليس كاملا إذ توجد اختلافات بين هذين الفعلين في الدرجة (٦)، على اعتبار أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. • (خَرَّقُوا): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ (٧). [التاج: خرق].

стр. 159

ذكر الزبيدي أن من المَجاز: التَّخْرِيقُ: المُبالَغَةُ في الخرْقِ أَي: كَثرَة الكَذِبِ. والتخريق مصدر خَرَّقَ، وقد استشهد الزبيدي بقراءة أبي جعفر ونافع حيث قرآ: ﴿وَخَرَّقُوا﴾ (١) بالتَّشدِيدِ. قال السمين: قرأ الجمهور "خَرَقُوا" بتخفيف الراء ونافع بتشديدها ... والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاختلاق. قال الفراء: "يقال خلق الإِفك وخَرَقه واختلقه وافتراه وافتعله وخَرَصَه بمعنى كَذَب فيه" (٢)، والتشديد للتكثير لأن القائلين بذلك خلق كثير وجمٌّ غفير، وقيل: هما لغتان، والتخفيف هو الأصل " (٣). وقال ابن عاشور: "وقراءة نافع تفيد المبالغة في الفعل؛ لِأَنَّ التَّفْعِيلَ يَدُلُّ على قوّة حصول الفعل" (٤). • (أَمَّرْنَا): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ (٥). [التاج: أمر]. ذكر الزبيدي أن أَكثر القراءِ على "أَمَرْنَا" مخففة. ورُوِيَ عن أَبي عَمْرٍو وابنِ كَثِيرٍ وأَبي العالِيَةِ: "أَمَّرْنَا" (٦) بالتَّشدِيد، قال الفَرْاءِ (٧): مَنْ قرأَ: "أَمَرْنَا" خَفِيفَةً فَسَّرها بعضُهُم أَمَرنا مُترفِيها بالطّاعَة ففسقُوا فيها؛ لأَن المُتْرَفَ إِذا أُمِرَ بالطَّاعَة خالَفَ إِلى الفِسْق، قال: وهو موافِقٌ لتفسِيرِ ابنِ عَبّاس، وذلك أَنّه قال: سَلَّطْنَا رُؤَساءَهَا فَفَسَقُوا. وقد قصر ابن جني قراءة التضعيف على معنى المبالغة والزيادة في العدد أو الإمارة فقال: "وأما "أمَّرْنَا" فقد يكون منقولا من: أَمِرَ القوم أي كَثُرُوا، كعَلِمَ وعَلَّمْتُهُ، وسَلِمَ وسَلَّمْتُهُ. وقد يكون منقولا من: أَمَرَ الرجلُ، إذا صار أميرا، وأَمَرَ علينا فلان إذا وَلِيَ. وإن شئت كان "أمَّرْنَا" كَثَّرْنَا، وإن شئت كان من الأَمْرِ والإِمَارَةِ" (٨).

стр. 160

ويوافق السَّمِينُ ابن جني في معنى جعلناهم أُمَراءَ، ويخالفه في أنه رأى التشديد للتعدية فقال: "أمَّرْنَا" بالتشديد فيه وجهان، أحدهما: أنَّ التضعيفَ للتعديةِ، عدَّاه تارةً بالهمزة وأخرى بتضعيفِ العين، كأَخْرَجْته وخَرَّجته. والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أُمَراءَ، واللازمُ من ذلك "أُمِّر". قال الفارسيُّ، "لا وجهَ لكون "أَمَّرْنَا" من الإمارة؛ لأنَّ رئاستَهم لا تكونُ إلاَّ لواحدٍ بَعْدَ واحدٍ، والإهلاكُ إنما يكون في مُدَّة واحدة". وقد رُدَّ على الفارسي: بأنَّا لا نُسَلِّم أن الأميرَ هو المَلِك حتى يَلْزَمَ ما قلت، لأنَّ الأمير عند العرب مَنْ يَأْمُرُ ويُؤْتَمَرُ به. ولَئِنْ سُلِّم ذلك لا يلزم ما قال؛ لأنَّ المُتْرَفَ إذا مَلَكَ فَفَسَق ثم آخرَ بعده فَفَسَق، ثم كذلك كَثُر الفسادُ، ونزل بهم على الآخِر مِنْ ملوكهم" (١). ) ?فَرَّقْنَاهُ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَاً فَرَقْنَاهُ﴾ (٢). • (فَرَّقْنَا): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (٣). ) ?فَرَقُوا): قراءة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً﴾ (٤). [التاج: فرق] في أثناء تعديد معاني الفَرْقِ استشهد الزبيدي بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَاً فَرَقْنَاهُ﴾ على أن الفَرْقَ: هو الفصل بين الأشياء بغرض الإحكام والتبيين، وبقراءة ابن عباس وأُبَيٍّ بن كعب لنفس الآية "فَرَّقْنَاهُ" (٥) مشدداً، من (فَرَّقَ) وهو أيضا فَصْلٌ ولكن بزمن، بمعنى أنزلناه مفرقا ومنجما، ليسهل على الناس العمل به. قال السمين: والعامَّةُ "فَرَقْناه" بالتخفيف، أي: بَيَّنَا حلالَه وحرامَه، أو فَرَقْنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ علي بن أبي طالب - كرَّم اللهُ وجهَه - وأُبَيُّ وعبدُ الله وابنُ عباس والشعبي وقتادة وحميد في آخرين بالتشديد. وفيه وجهان: أحدُهما: أنَّ التضعيفَ فيه للتكثير، أى: فَرَّقْنا آياتِه بين أمرٍ ونهي وحِكَمٍ وأحكامٍ ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار ماضيةٍ ومستقبلةٍ. والثاني: أنه دالٌّ على التفريق والتنجيم.

стр. 161

قال الزمخشري: "وعن ابن عباس أنه قرأ مشدَّداً، وقال: لم يَنْزِلْ في يومين ولا في ثلاثةٍ، بل كان بين أولِه وآخره عشرون سنةً، يعني أنَّ "فَرَقَ" بالتخفيف يدلُّ على فصلٍ متقاربٍ" (١) " (٢). وفي ذات المعنى استشهد الزبيدي بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (٣) مخففا، وقراءة الزُّهْرِيِّ والأخفش: "فَرَّقْنَا" (٤) مشدًا، مبالغة في الفَرْقِ. وهذه المبالغة وضح الزمخشري مناسبتها للمقام فيقول "فَرَقْنَا" فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: "فَرَّقْنَا"، بمعنى فصلنا. يقال: فَرَقَ بين الشيئين، وفَرَّقَ بين الأشياء؛ لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط" (٥). وقرر ابن عاشور المعنى السابق ولكنه يضيف أن فَرَّقَ بالتشديد فيه علاج ومحاولة فيقول: "و"فَرَقْنَا" و"فَرَّقْنَا" بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد، إذ التشديد يفيده تعدية، ومعناه الفصل بين أجزاء شيء متصل الأجزاء، غير أن (فَرَّقَ) يدل على شدة التفرقة، وذلك إذا كانت الأجزاء المفرقة أشد اتصالاً، وقد قيل إن (فَرَّقَ) للأجسام، و (فَرَقَ) للمعاني، نقله القرافي عن بعض مشايخه، وهو غير تام ... فالوجه أن فَرَّقَ بالتشديد لما فيه علاج ومحاولة، وأن المخفف والمشدد كليهما حقيقة في فصل الأجسام، وأما في فصل المعاني الملتبسة فمجاز. وقد اتفقت القراءات المتواترة العشر على قراءة (فَرَقْنَا) بالتخفيف، والتخفيف منظور فيه إلى عظيم قدرة الله تعالى، فكان ذلك الفرق الشديد خفيفاً " (٦). ويذكر الزبيدي أيضا - أثناء تناوله لمعنى التفريق - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً﴾ (٧) من التفريق، أي جعلوه أَبْعَاضَاً وخَالَفُوا بين هذه الأَبْعَاضِ، وقرئ "فَرَقُوا" مخففا (٨)، من الفَرْقِ، أي: مازوه عن سائر الأديان.

стр. 162

وفي هذا الموضع ينقل الزبيدي عن ابن جني كلاما طويلا مؤداه أن الفعل المخفف قد يؤدي معنى الفعل المشدد "ووجهُ هذا أنّ الفِعلَ عندنا موضوعٌ على اغْتِراقِ جِنْسِه ألا ترى أنّ معْنى: قامَ زيدٌ: كان منه القِيام وقعَدَ: كان منه القُعود. والقيامُ - كما نعلم - والقُعودُ جِنسان فالفعلُ إذنْ على اغتِراقِ جنسِه يدُلُّ على ذلك عملُه عندَنا في جميع أجزاءِ ذلِك الجِنْسِ من مُفردِه ومُثنّاه ومجموعِه ونَكِرته ومَعرِفته وما كان في معْناه" (١). • (نَقَبُوا): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢). [التاج: نقب]. ذكر الزبيدي أن الأفعال: نَقَبَ، وأَنْقَبَ، ونَقَّبَ كلها بمعنى واحد: ذهب في الأرض، إلا أن ابن الأعرابي جعل (نَقَّبَ) لمن ذهب في الأرض هربا. وقد استدل الزبيدي بالقراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ على معناه، حيث قرئت الآية "نَقَّبُوا" (٣) (فَعَّلُوا) بصيغة الماضي المشدد، وهي قراءة الجمهور، وقرئت "نَقَبُوا" (فَعَلُوا) بصيغة الماضي المخفف. وإن كانت الأفعال مشتركة في المعنى إلا أنها مختلفة في قدر ذلك المعنى، وقد نبه الزبيدي إلى ذلك بجعله (نَقَّبَ) المضعف خاص بالهارب؛ لأنه يجد في الذهاب. قال ابن خالويه: "فنقبوا في البلاد" يقرأ بالتشديد والتخفيف فالحجة لمن شدد أنه دل بذلك على مداومة الفعل وتكراره، والحجة لمن خفف أنه أراد المرة الواحدة، وأصله التطواف في البلاد" (٤). • (وَدَعَكَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ (٥). [التاج: ودع]. ساق الزبيدي الآية السابقة ليدلل على أن (وَدَّعَكَ) المشدد استخدم في معنى ﴿وَدَعَكَ﴾ (٦) المخفف. وهذه المسألة – أعني استخدام الفعل (وَدَعَ) مخففًا –

стр. 163

ترددت كثيرا في كتب النحاة (١)، وكان إمامهم في ذلك سيبويه عندما قال: " وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء فإنّهم يقولون يَدَعُ ولا يقولون وَدَع استغنوا عنها بتَرَكَ" (٢) والواضح أن مقولة سيبويه هذه قد تبناها النحويون كَالْمُسَلَّمَةِ، حتى قيل بموت ماضي هذا الفعل إلا أن قلة من اللغويين، رفضوا مبدأ الإماتة، وأقروا مبدأ قلة الاستخدام، وحملوا مبدأ الإماتة عليه، منهم الليث وابن الأثير. واستطاع الزبيدي أن يلخص هذه المسألة عن طريق بعض النقول فقال: " قال شَيْخُنَا عِنْدَ قَوْلهِ: ﴿وقدْ أُمِيتَ ماضِيهِ﴾ قلتُ: هي عِبَارَةُ أئِمَّةِ الصَّرْفِ قاطِبَةً، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، ويُنَافِيه ما يَأْتِي بأثَرِهِ، منْ وُقُوعِه في الشِّعْرِ، ووُقُوعِ القَراءَةِ، فإذا ثَبَتَ وُرُودُه ولو قَلِيلاً، فكَيْفَ يُدَّعَى فيهِ الإماتَة؟. قلت: وهذا بعَيْنِه نَصُّ اللَّيثِ فإنّه قالَ: وزَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أنَّ العَرَبَ أماتُوا مَصْدَرَ يَدَعُ، ويَذَرُ واسْتَغْنَوا عنْهُ بتَرْكٍ، والنَّبِيُّ ﷺ أفْصَحُ العَرَبِ، وقد رُوِيَتْ عَنْهُ هذهِ الكَلِمَةُ. قالَ ابنُ الأثِيرِ: وإنّمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُم على قِلَّةِ استِعْمَالِهِ، فهُوَ شاذٌّ في الاسْتِعْمَالِ، صَحِيحٌ في القِيَاسِ، وقد جاءَ في غَيْرِ حديثٍ، حتى قُرِئَ بهِ قولُه تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾. (ب) زيادة (فَعَلَ) بالهمزة: (أَفْعَلَ). • (نُنْسِخْ): قراءة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣). [التاج: نسخ]. قال الزبيدي:"قرأَ ابن عامرٍ ﴿مَا نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بضمّ النّون من (أَنْسَخَ) رُباعيّاً. قال أَبو عليّ الفارسيّ: الهَمْزَة للوجُود كأَحْمَدْتُه: وجَدْتُه: مَحموداً (٤). وقال الزمخشَريّ: الهَمْزَة للتعدية". وذكر البغوي أن الهمزة يجوز أن تكون للجعل، والمعنى: نجعله نسخة له (٥).

стр. 164

وقال السمين:"قرأ ابنُ عامر: "نُنْسِخْ" بضمِّ النونِ وكسر السينِ من (أَنْسَخَ) قال أبو حاتم: "هو غلطٌ" وهذه جرأةٌ منه على عادَتِه، وقال أبو عليّ (١): ليسَتْ لغةٌ لأنه لا يُقال: نَسَخَ وأَنْسخ بمعنىً، ولا هي للتعديةِ؛ لأنَّ المعنى يجيءُ الأمرُ كذلكَ، فلم يبقَ إلا أَنْ يكونَ المعنى: ما نَجِدْه منسوخاً إلا بأَنْ يَنْسَخَه، فتتفقُ القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ"، فالهمزةُ عنده ليست للتعديةِ. وجَعَلَ الزمخشري (٢) وابنُ عطية (٣) الهمزةَ للتعديةِ، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعولِ الأولِ المحذوفِ وفي معنى الإِنساخ، فَجَعَل الزمخشري المفعولَ المحذوفَ جبريلَ ﵇، والإِنساخَ هو الأمرَ بنَسْخِها أي: الإِعلامُ به، وجَعَلَ ابنُ عطية المفعولَ ضميرَ النبي ﵇، والإِنساخَ إباحةَ النَّسْخ لنبيِّه، كأنه لَمَّا نَسَخَها أباحَ لَه تَرْكَها، فَسَمَّى تلك الإِباحة إنساخاً " (٤). • (تَنْسَهَا) (٥): قراءة في قوله تعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٦). قال الزبيدي:"عامَّة القُرَّاء يَجْعلُونَه مِن النِّسْيان، والنِّسْيانُ هنا على وَجْهَيْن: أَحَدُهما على التَّرْك المَعْنى نَتْرُكُها فلا نَنْسَخها ومنه قولهُ تعالى: "ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنكم"؛ والوَجْه الآخَرْ: مِن النِّسْيان الذي يُنْسَى. وقال الزجَّاج (٧): وقولُ أَهْل اللغَةِ في قولهِ "أَو نُنْسِها" على وَجْهَيْنِ: يكونُ مِن النِّسْيان واحْتَجُوا بقولهِ تعالى: ﴿سَنُقْرِئك فلا تَنْسَى إلا ما شاءَ الله﴾ (٨)، فقد أَعْلَم الله أَنَّه يَشاءُ أَن يَنْسَى، قالَ: وهذا القولُ عنْدِي غيْرُ جائِزٍ؛ لأنَّ الله تعالى قد أَخْبَر النبيَّ ﷺ في قولِه: ﴿ولئِنْ شِئْنا لنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنا﴾ (٩)، أنَّه لا يَشاءُ أَن يَذْهَبَ بما أَوْحَى به إلى النبيِّ ﷺ . قالَ وقولهُ: "فلا تَنْسى"، أَي فلسْتَ تَتْرُك إلاَّ ما شاءَ الله أَن يَتْرُك قالَ: ويجوزُ أَن يكونَ إلاَّ ما شاءَ الله ممَّا يَلْحَق بالبَشَرِيَّة ثم

стр. 165

يَذْكُر بعْدُ ليسَ أنَّه على طرِيقِ السّلْب للنبيِّ ﷺ شيئاً أُوتِيَه مِن الحِكْمةِ، قالَ: وقيل في قولهِ تعالى: ﴿"أَو نُنْسِها﴾ قولٌ آخَرُ، وهو خَطَأٌ أَيْضاً، ونَتْرُكُهَا، وهذا إنَّما يقالُ فيه نَسِيتُ إذا تَرَكْت، ولا يقالُ أُنْسِيتُ تَرَكْت، قالَ: وإنَّما مَعْنى أَو نُنْسِها أَي نَأْمُرْكُم بتَرْكِها". [التاج: نسي] وقال أبو زرعة في الاحتجاج للقراءتين السابقتين: "أما قراءة أُبَيِّ بن كعب "أَوْ نُنْسِهَا" بضم النون، فمعناها: ننسك نحن يا محمد، وأما قراءة سعد بن أبي وقاص "أَوْ تَنْسَهَا" بتاء مفتوحة، فمعناها: أو تَنْسَهَا أَنْتَ يا محمد، وقراءتهما تدل على النسيان، وإن كان بعضهم أضافه إلى النبي ﷺ ، وبعضهم أخبر أن الله فعل ذلك به، وليس بين القولين اختلاف لأنه ليس يفعل النبي ﷺ إلا ما وفقه الله له، إذا أنساه نسي. قال أبو عبيد: "أَوْ نُنْسِهَا" من النسيان، ومعناه أن الله إذا شاء أنسى من القرآن من يشاء أن ينسيه. وقال آخرون منهم ابن عباس: "أَوْ نُنْسِهَا" أو نتركها فلا نبدلها. قال علماؤنا يلزم قائله أن يقرأها "أَوْ نَنْسَهَا" بفتح النون ليصح معنى نتركها، فأما إذا ضمت النون فإنما معناه نُنْسِكَ يا محمد، وهذا لا يكون بمعنى الترك. الجواب عنه يقال نسيت الشيء أي تركته، وأُنْسِيتُهُ أي أُمِرْتُ بتركه فتأويل الآية ﴿ما ننسخ من آية﴾ أي نرفعها بآية أخرى ننزلها "أو ننسها" (١). • (تَزُغْ): قراءة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (٢). [التاج: زوغ] ذكر الزبيدي أن الفعل (زاغ) الثلاثي يأتي لازما، نحو: زاغ عن الطريق: مال عنه كما يأتي متعديا، نحو: زاغَ قَلْبَهُ: أَمَالَهُ، وعلى تعدي الفعل، استشهد الزبيدي بِقِرَاءَةٍ قَالَ إِنَّهَا لِنَافِعٍ في الشواذ تقول: ﴿ربَّنَا لا تَزُغْ قُلُوبَنَا﴾ (٣) بفَتْحِ التاءِ، وضَمِّ الزّايِ، ونصب القلوب على المفعولية. كما استشهد على أن (أزاغ) الرباعي بمعنى: أمال أيضا بقراءة الجمهور ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. وفي الآية قراءتان أخريان من الثلاثي ذكرهما السمين في سياق تفسير هذه الآية حيث قال: "العامَّةُ على ضَمِّ حرفِ المضارعة من: أزاغ يُزيغ. "قلوبَنا"

стр. 166

مفعول به. وقرأ أبو بكر وابن فايد والجراح: ﴿لا تَزِغْ قُلُوبُنَا﴾ (١) بفتح التاء ورفع "قلوبنا"، وقرأه بعضهم كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وعلى القراءتين فالقلوب فاعلٌ بالفعل المنهيِّ عنه، والتذكير والتأنيث باعتبار تأنيثِ الجمعِ وتذكيرِه، والنهيُ في اللفظ للقلوب، وفي المعنى دعاءُ الله تعالى، أي: لا تُزِغْ قلوبَنا فَتَزيغَ، فهو من باب "لا أُرَيَنَّك" (٢). • (تَصْعَدُونَ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ (٤). [التاج: صعد] اختلف اللغويون في التصاحبات اللغوية التي تصحب: صَعِدَ، وأَصْعَدَ، وصَعَّدَ، وتمثلت أقوالهم في التصاحبات الآتية: صَعِدَ في السُّلَّم، وأَصْعَدَ في الجبل، وصَعَّدَ في الأرض، مع اختلاف بينهم في ذلك، إلا أن الزبيدي قد اتخذ من قراءة الحسن البصري: ﴿إِذْ تَصْعَدُونَ﴾ شاهدا على أن الصعود في الجبل كالصعود في السلم، تقول: صَعِدَ في السلم، وصَعِدَ في الجبل. واستشهد ابن الأعرابي على نفس الاستخدام بقوله تعالى: ﴿إليه يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٥) كما استشهد على: أَصْعَدَ في الجبل، بقراءة الجمهور: ﴿إذ تُصْعِدُونَ﴾ من (أصعد) الرباعي. قال الفراء: "الإصعاد في ابتداء الأسفار والمخارج. تقول: أصعدنا من مكة ومن بغداد إلى خراسان، وشبيه ذلك. فإذا صعدت على السلم أو الدّرجة ونحوهما قلت: صعدت، ولم تقل أصعدت. وقرأ الحسن البصرىّ: «إِذْ تَصْعَدُونَ وَلَا تَلْوُونَ» جعل الصعود في الجبل كالصعود في السلم " (٦). وقال السمين: والجمهور على "تُصْعدِونَ" بضم التاء وكسر العين، من أصْعَدَ في الأرض إذا ذهب فيها، والهمزة فيه للدخول نحو: "أصْبح زيدٌ" أي: دخل في الصباح، فالمعنى: إذ تَدْخُلون في الصُّعود، ويبيِّن ذلك قراءةُ أبُيّ:

стр. 167

"تُصْعِدون في الوادي". والحسن والسلمي: "تَصْعَدون" من صَعِد في الجبل أي رَقِي، والجمع بين القراءتين: أنهم أولاً أَصْعَدوا في الوادي، ثم لَمَّا حَزَبهم العدوُّ صَعِدوا في الجبل، وهذا على رأي مَنْ يفرِّقُ بين: أَصْعَدَ وصَعِد ... وقال المفضل: صَعِدَ وصَعَّدَ وأَصْعَدَ بمعنى واحد، والصعيدُ وجهُ الأرض" (١). وقال الراغب الأصفهاني: "وأما الإصعاد فقد قيل هو الإبعاد في الأرض، سواء كان ذلك في صعود أو حدور، وأصله من الصعود، وهو الذهاب إلى الأمكنة المرتفعة كالخروج من البصرة إلى نجد وإلى الحجاز، ثم استعمل في الإبعاد، وإن لم يكن فيه اعتبار الصعود، كقولهم: تعال، فإنه في الأصل دعاء إلى العلو، صار أمرا بالمجيء سواء كان إلى أعلى أو إلى أسفل، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾، قيل: لم يقصد بقوله: "إذ تصعدون" إلى الإبعاد في الأرض، وإنما أشار به إلى علوهم فيما تحروه وأتوه، كقولك: أبعدت في كذا، وارتقيت فيه كل مرتقى، وكأنه قال: إذ بعدتم في استشعار الخوف والاستمرار على الهزيمة" (٢). • (يُخْصِفَانِ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٤). قال الزبيدي "ومِن المَجَازِ: خَصَفَ العُرْيَانُ الْوَرَقَ علَى بَدَنِهِ، يَخْصِفُهَا، خَصْفاً: أَلْزَقَهَا، أَي: أَلْزَقَ بَعْضَها إِلى بَعْضٍ، وأَطْبَقَهَا عَلَيْهِ وَرَقَةً وَرَقَةً، لِيَسْتُرَ به عَوْرَتَهُ، وبه فُسِّرَ قَوْلُه تعالَى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ... كَأَخْصَفَ، ومنه قِرَاءَةُ ابنُ بُرَيْدَةَ، والزُّهْرِيِّ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: "وَطَفِقَا يُخْصِفَانِ". [التاج: خصف]. فالزبيدي يقرر أن قراءة الجمهور "يَخْصِفَانِ" من (خَصَفَ) الثلاثي، وأن قراءة الزهري "يُخْصِفَانِ" من (أخصف) الرباعي، وأن القراءتين معناهما واحد أي أن خصف الثلاثي بمعنى أخصف الرباعي هنا. وقد ذكر السمين هذا الوجه وزاد عليه وجها آخر، وهو أن تكون الهمزة للتعدية فقال: " قرأ الزهري "يُخْصِفان" مِنْ أخصف وهي تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَل.

стр. 168

والثاني: أن تكون الهمزةُ للتعدية، والمفعولُ على هذا محذوفٌ أي: يَخْصِفان أنفسهما أي: يجعلان أنفسَهما خاصِفين" (١). وكون الهمزة للنقل هو الوجه الأشهر في التفسير (٢). • (تُهْجِرُونَ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرَاً تَهْجُرُونَ﴾ (٤). [التاج: هجر] استشهد الزبيدي أثناء تناوله لـ (أهجر) بقراءة ابن عباس: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرَاً تُهْجِرُونَ﴾ بضم التاء، وكسر الجيم، من أَهْجَرَ. وفي تناوله لهَجَرَ الثلاثي قال: هَجَرَ في نَوْمِه ومَرضِه: هَذَى. واستشهد على هذا المعنى بقراءة الجمهور لنفس الآية: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرَاً تَهْجُرُونَ﴾. قال أبو زرعة: " قرأ نافع "سامرا تُهْجِرُونَ" بضم التاء وكسر الجيم، من أهجر يُهْجِرُ إذا هذى، فمعنى تُهْجِرُونَ: أي تهذون، وقالوا: أهجر المريض إذا تكلم بما لا يفهم، فكان الكفار إذا سمعوا قراءة رسول الله ﷺ تكلموا بالفحش وسَبُّوهُ، فقال جلَّ وَعَزَّ: "مستكبرين به" أي بالقرآن أي يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبارا، "سامرا تهجرون" قال ابن عباس: تأتون بالهجر والهذيان وما لا خير فيه ... وقرأ الباقون بفتح التاء المعنى: أنكم تَهْجُرُونَ النبيَّ ﷺ وآياتي وما يتلى عليكم من كتابي، فشبه الله تعالى مَنْ تَرَكَ القرآنَ والعملَ به كالهاجر لرشده" (٥). وقال السمين: " قرأ العامَّةُ "تَهْجُرُونَ" بفتح التاءِ وضمِّ الجيمِ، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنَّها مِن الهَجْرِ بسكونِ الجيمِ، وهو القطع والصَّدُ، أي: تهجُرُون آياتِ الله ورسولَه وتَزْهَدون فيهما، فلا تَصِلُونهما. الثاني: أنها من الهَجَرِ بفتحها وهو الهَذَيانُ. يقال: هَجَر المريضُ هَجَراً أي هَذَى، فلا مفعولَ له. ونافع وابن محيصن "تُهْجِرُونَ" بضم التاءِ وكسرِ الجيم مِنْ أهجر إهْجاراً أي: أَفْحَشَ في مَنْطِقِه" (٦).

стр. 169

وقال البغوي: قرأ نافع "تُهْجِرُونَ" بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في القول، أي: تفحشون وتقولون الخنا، وذكر أنهم كانوا يسبون النبي ﷺ وأصحابه، وقرأ الآخرون: "تَهْجُرُونَ" بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن النبي ﷺ وعن الإيمان والقرآن، وترفضونها: وقيل: هو من الهَجَرِ وهو القول القبيح، يقال هَجَرَ يَهْجُرُ هَجَرَاً إذا قال غير الحق. وقيل: تهزؤون وتقولون ما لا تعلمون، من قولهم: هَجَرَ الرجلُ في مَنَامِهِ إذا هَذَى" (١). • (تَشْطُطْ) (٢): قراءة في قوله تعالى: "ولا تُشْطِطْ" (٣). [التاج: شطط] ذكر الزبيدي القراءتين السابقتين في سياق شرحه لـ (شَطَّطَ) فقال: "وشَطَّطَ تَشْطيطاً: بالَغَ في الشَّطَطِ، أَي الجَوْرِ والتَّجاوُز عن الحَدّ، وقُرِئَ: "ولا تُشْطِطْ" بضَمِّ التّاء، وكَسْرِ الطاء الأُولى. وقَرَأ الحَسَن البَصْرِيُّ، وأبو رَجاءٍ، وأبو حَيْوَةَ، واليَمانِيُّ، وقَتادَةُ في إحْدَى رِوايَتَيْه، وأبو إبراهيمَ، وابنُ أَبي عَبْلَةَ: "ولا تَشْطُطْ" بفَتْحِ التّاءِ، وضمِّ الطّاء الأُولَى. ولم ينبه الزبيدي على أن فعل وأفعل من هذا الفعل بمعنى واحد، ولكن السمين قد صرح بذلك حيث يقول: العامَّةُ على "تُشْطِطْ" ضَمِّ التاء وسكونِ الشينِ وكسرِ الطاءِ الأولى مِنْ أشْطَطَ يُشْطِطُ إذا تجاوز الحقَّ. قال أبو عبيدة: "شَطَطْتُ في الحُكْمِ؛ وأَشْطَطْتُ فيه، إذا جُرْتُ "فهو ممَّا اتفق فيه فَعَل وأَفْعَل ... وقرأ الحسن وأبو رجاء وابنُ أبي عبلة "تَشْطُطْ" بفتح التاءِ وضَمِّ الطاءِ مِنْ شَطَّ بمعنى أشَطَّ كما تقدَّم" (٤). أما ابن عطية فقد جعل الهمزة للتعدية حيث يقول: "شَطَّ إذا بَعُدَ وأَشَطَّ إذا أَبْعَدَ غَيْرَهُ" (٥). • (فَأَزَرَهُ) (٦): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ (٧). [التاج: أزر]

стр. 170

ذكر الزبيدي أن الأَزْرَ: القوة، واستشهد بقراءة ابن ذكوان ﴿فَأَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ من الفعل الثلاثي (أزر) على زنة (فَعَلَ)، وذكر أن سائر القراء قرؤو: "فَآزَرَهُ". وقد آزرَه: أعانَه وأسعدَه. والواضح من تمثيل الزبيدي بـ (أعان) و (أسعد) أن "آزره" على زنة (أفعل). وعند شرحه للمؤازرة قال: "المُؤازرةُ أن يُقَوِّيَ الزَّرْعُ بعْضُه بعضاً، فَيَلْتَفَّ ويتلاصَقَ، وهو مَجازٌ كما في الأساس. وقال الزَّجّاج في قوله تعالى: ﴿فآزَرَه فاسْتَغْلَظَ﴾ أي: فآزَر الصِّغارُ الكِبَارَ، حتى استَوَى بعضُه مع بعضِ. فاستشهاده بالآية هنا يدل على أنه جعل (آزر) على زنة (فاعل)، وهذا اللبس جاء من أن الفعل (أزر) على وزني: (فاعل) و (أفعل)، تجتمع أوله همزتان: أازر، وأأزر، والقاعدة تستبدل الهمزتين بألف مد (آ) فيصير شكل الفعل في الحالتين (آزر). ولم يوضح الزبيدي هذا الإشكال، وقد ذكر الزمخشري ما يفيد جواز الوجهين فقال: "فَآزَرَهُ من المؤازرة وهي المعاونة. وعن الأخفش: أنه (أفعل). وقرئ: "فَأَزَرَهُ" بالتخفيف والتشديد، أى: فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل آزر (أفعل)، فهو في معنى القراءتين" (١). ولكن السمين يذكر خطأ (فاعل) فيقول: "العامَّةُ على المدِّ "فآزَرَه" وهو على (أَفْعَل). وغَلَّطوا مَنْ قال: إنه (فاعَلَ) كمجاهدٍ وغيرِه بأنَّه لم يُسْمَعْ في مضارِعه يُؤَازِرُ بل يُؤْزِرُ. وقرأ ابن ذكوان "فَأَزَرَهُ" مقصوراً جعله ثلاثياً ... والمعنى في الكلِّ: قَوَّاه" (٢). (ج) زيادة (فَعَلَ) بالألف: (فَاعَلَ). • (يَخْدَعُونَ اللهَ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤). [التاج: خدع] تناول الزبيدي المخادعة من خلال القراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾، حيث ورد الفعل (يخدعون) مرتين في الآية، وقد قرئ في الموضعين مرة على زنة (يفعلون) وثانية على زنة (يفاعلون) وذكر أن الفعل إذا جاء على زنة (فاعل) فإنه يقتضي المشاركة بين طرفين فأكثر وبَيَّنَ أن هذا المعنى ليس مطرداً على الدوام؛ لأن السياق يرفض أحيانا هذه المشاركة، وهو لا يكتفي بتقرير هذا المعنى، وإنما

стр. 171

يعلل له بما ورد عن العرب من استخدامات، فيقول: "قَرَأَ ابنُ كَثِيرِ ونافِعٌ وأَبُو عَمْروٍ: ﴿ومَا يُخَادِعُونَ﴾ (١) بالأَلِفِ. وقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ ﴿يَخْدَعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا ومَا يَخْدَعُونَ﴾ (٢) جَمِيعاً بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى أَنَّ الفِعْلَ فِيهِمَا جَمِيعاً من الخَادِع. وفي اللِّسَان: جَازَ (يُفَاعِلُ) لِغَيْرِ الاثْنَيْنِ؛ لأَنَّ هذَا المِثَالَ يَقَعُ كَثِيراً في اللُّغَةِ للْوَاحِدِ نَحْو: عاقَبْتُ اللِّصَّ وطارَقْتُ النَّعْلَ. وقالَ الفَارِسِيّ: والعَرَبُ تُقُولُ: خَادَعْتُ فُلاناً، إِذا كُنْتَ تَرُومُ خَدْعَهُ. وعلَى هذا يُوَجَّهُ قَوْلُه تَعالَى: "يُخَادِعُونُ اللهَ وهُوَ خَادِعُهُم" (٣) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ في أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُم يُخَادِعُونَ اللهَ، واللهَ هُوَ الخَادِعُ لَهُمْ أَي المُجَازِي لَهُمْ جَزَاءَ خِدَاعِهم. وقالَ الرَّاغِبُ في المُفْرَدَاتِ (٤): وقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِنَّ هذا على حَذْفِ المُضَافِ، وإِقَامَةِ المُضَافِ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، فيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ المَقْصُودَ بمِثْلِهِ في الحَذْفِ، لا يَحْصُلُ لَوْ أُتِيَ بالمُضَافِ المَحْذُوفِ، ولِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّنْبِيه عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحْدِهِمَا: فَظَاعَةُ فِعْلِهِمْ فِيمَا تَجَرَّؤُوهُ مِنَ الخَدِيعَةِ، وأَنَّهُمْ بمُخَادَعَتِهِمْ إِيّاه يُخَادِعُونَ اللهَ. والثانِي: التَّنْبِيهُ علَى عِظَمِ المَقْصُودِ بالخِدَاعِ، وأَنَّ مُعَامَلَتَهُ كمُعَامَلَةِ اللهِ. وقد ذكر أبو زرعة حجة القراءتين فقال: " قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "وما يخادعون إلا أنفسهم" بالألف واحتج أبو عمرو بأن قال: إن الرجل يخادع نفسه ولا يخدعها. قال الأصمعي ليس أحد يخدع نفسه إنما يخادعها. وقرأ أهل الشام والكوفة "وما يخدعون" بغير ألف وحجتهم في ذلك أن الله أخبر عن هؤلاء المنافقين أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر، فأثبت لهم مخادعتهم الله والمؤمنين، ثم يخبر عنهم عقيب ذلك أنهم لا يخادعونه، ولا يخادعون إلا أنفسهم، فيكون قد نفى عنهم في آخر الكلام ما أثبته لهم في أوله، ولكنه أخبر أن المخادعة من فعلهم، ثم إن الخدع إنما يحيق بهم خاصة دونه" (٥). ويرجح السمين معنيين لـ (فاعل) هما: المشاركة، أو أن يكون (فاعل) بمعنى (فعل) فيقول: ومعنى ﴿يخادعون الله﴾ أيْ مِنْ حيث الصورةُ لا مِنْ حيث المعنى، وقيل: لعدم عرفانِهم بالله تعالى وصفاته ظنُّوه مِمَّنْ يخادَعُ ... و (فَاعَلَ)

стр. 172

له معانٍ خمسةٌ: المشاركةُ المعنويةُ نحو: "ضاربَ زيدٌ عمراً" وموافقةُ المجرد نحو: "جاوَزْتُ زيداً" أي جُزْتُه، وموافقةُ أَفْعَل متعدياً نحو: "باعَدْتُ زيداً وأَبْعدته"، والإغناءُ عن أَفْعل نحو: "وارَيْتُ الشيءَ"، وعن المجردِ نحو: سافَرْت وقاسَيْت وعاقَبْت، والآيةُ فيها (فاعَلَ) يحتمل المعنيين الأَوَّلَيْنِ. أمَّا المشاركةُ فالمخادعةُ منهم لله تعالى تقدَّم معناها، ومخادعةُ الله إياهم من حيث إنه أجرى عليهم أحكامَ المسلمين في الدنيا، ومخادعةُ المؤمنين لهم كونُهم امتَثلوا أمرَ الله تعالى فيهم، وأمَّا كونُه بمعنى المجرد فيبيِّنه قراءةُ ابن مسعود وأبي حيوة: "يَخْدَعون" " (١). • (وَعَدْنَا) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿وإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٣). [التاج: وعد] في هذه المادة يضع الزبيدي تذييلا يناقش فيه مسألة المشاركة ومدى مناسبتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ويبين فيه الأساس اللغوي الذي من أجله اختار بعض القراء قراءتهم، حيث اختار أبو عمرو بن العلاء "وَعَدْنَا" بغيرِ أَلفٍ؛ لأَن المُوَاعَدَة إِنما تَكُونُ مِن الآدمِيّينَ، بدليل قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ﴾ (٤). وذكر كلاما للزجاج سوغ فيه قراءة "وَاعَدْنا" (٥) لأَن الطَّاعَةَ في القَبُولِ بمَنْزِلةِ المُوَاعَدَةِ، فهو من الله وعْدٌ، ومِن مُوسى قَبُولٌ واتِّبَاعٌ، فَجَرَى مَجْرَى المُواعَدَة. وقد لخص السمين احتجاج العلماء للقراءتين السابقتين فقال: " قرأ أبو عمروٍ "وَعَدْنَا "، وقرأه الباقون: "وَاعَدنا" بألف. واختارَ أبو عُبَيْد قراءةَ أبي عمروٍ، ورجَّحها بأنَّ المواعدةَ إنما تكونُ من البشر، وأمَّا اللهُ تعالى فهو المنفردُ

стр. 173

بالوَعْدِ والوعيد، على هذا وجَدْنَا القرآن، نحو: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾ (١) و ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ (٢) و ﴿وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ (٣) و ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ (٤). وقال مكي مُرَجِّحاً لقراءةِ أبي عمرو أيضاً: "وأيضاً فإنَّ ظاهرَ اللفظِ فيه وَعْدٌ من الله لموسى، وليسَ فيه وعدٌ مِنْ موسى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ على الواحدِ بظاهر النص" (٥) ثم ذَكَرَ جماعةً جِلَّةً من القرَّاءِ عليها. وقال أبو حاتم مُرَجِّحاً لها أيضاً: "قراءةُ العامَّة عندَنا: وَعَدْنا - بغيرِ ألفٍ - لأن المواعَدَةَ أكثرُ ما تكونُ من المخلوقين والمتكافِئين". وقد أجابَ الناس عن قول أبي عُبَيْد وأبي حاتم ومكي بأن (المفاعلةَ) هنا صحيحةٌ، بمعنى أنَّ موسى نزَّلَ قبوله لالتزام الوفاءِ بمنزلة الوَعْدِ منه، أو أنَّه وَعَدَ أن يُعْنَى بما كلَّفه ربُّه. وقال مكي: "المواعدة أصلُها من اثنين، وقد تأتي بمعنى (فَعَل) نحو: طارَقْتُ النَّعْلَ"، فجعل القراءتين بمعنىً واحد، والأولُ أحسنُ. ورجَّح قوم "واعدنا". وقال الكسائي: وليس قولُ الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ من هذا البابِ في شيء؛ لأن "واعَدْنا موسى" إنما هو من بابِ الموافاة، وليس من الوَعْد في شيء، وإنما هو من قولك: مَوْعِدُكَ يومُ كذا وموضعُ كذا، والفصيحُ في هذا "واعَدْنا". وقال الزجاج: "واعَدْنا" بالألفِ جَيِّدٌ، لأن الطاعةَ في القَبول بمنزلةِ المواعدة، فمِنَ الله وَعْدٌ، ومِنْ موسى قَبولٌ واتِّباعٌ، فجَرى مَجْرَى المواعدة" (٦). وقال مكي أيضاً: "والاختيارُ "واعَدْنا" بالألفِ، لأن بمعنى وَعَدْنَا، في أحدِ مَعْنَيَيْه، وأنه لا بُدَّ لموسى وَعْدٍ أو قبول يقُومُ مقامَ الوعدِ فَصَحَّت المفاعلة" (٧). • (عَاقَدَتْ) (٨): قراءة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٩). [التاج: عقد]

стр. 174

وعلى غرار ما سبق أتى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ حيث قرئ ﴿عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن الفعل يقتضي المشاركة، حيث إن العقد لا يكون إلا بين طرفين. قال ابن خالويه: "عقدت" يقرأ بإثبات الألف والتخفيف، وبترك الألف وتخفيف القاف، فالحجة لمن أثبت الألف، أنه جعله من المعاقدة، وهي المحالفة في الجاهلية أنه يواليه ويرثه ويقوم بثأره، فأمروا بالوفاء لهم، ثم نسخ ذلك بآية المواريث، فحسنت الألف ها هنا؛ لأنها تجيء في بناء فِعْلِ الاثنين. والحجة لمن حذف الألف أنه يقول ها هنا صفة محذوفة والمعنى: والذين عَقَدَتْ أيمانُكُمْ لَهُمُ الحَلِفَ " (١). • (لَمَسْتُمُ) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣). [التاج: لمس] تناول الزبيدي الملامسة فقال: "والمُلامَسَةُ أَكْثَرُ ما جاءَت من اثْنَيْن"، واستدل بقوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وقُرِئَ "أَو لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ" وهي قراءَةُ عن حَمْزَةَ والكِسَائيِّ وخَلَفٍ". قال أبو زرعة: "قرأ حمزة والكسائي "أو لمستم النساء" بغير ألف جاعلا الفعل للرجال دون النساء، وحجتهما أن اللمس ما دون الجماع، كالقبلة والغمزة، عن ابن عمر اللمس ما دون الجماع، أراد اللمس باليد، وهذا مذهب ابن مسعود وسعيد بن جبير وإبراهيم والزهري. وقرأ الباقون "أو لامستم" بالألف أي جامعتم، والملامسة لا تكون إلا من اثنين، الرجل يلامس المرأة، والمرأة تلامس الرجل، وحجتهم ما روي في التفسير، قال علي بن أبي طالب ﵁: قوله "لامستم النساء" أي جامعتم، ولكن الله يكني" (٤). ويلاحظ هنا أن اختلاف القراءة قد أثمر ختلافا معنويا وفقهيا، فمجرد لمس الرجال للنساء يوجب الوضوء، هذا على قراءة "لمستم". أما قراءة "لامستم" والتي حملوها على الجماع فإنها توجب الاغتسال.

стр. 175

• (دَارَسْتَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ (١). [التاج: درس] ذكر الزبيدي عند تناوله للمدارسة ثلاث قراءات لقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ كلها على وزن (فاعل) وهي قِرَاءَة ابنِ كَثِيرٍ وأَبِي عَمْرٍو: ﴿وَلَيقُولُوا دَارَسْتَ﴾ (٢) وفسَّرَه ابنُ عبّاسٍ ﵄ بقوله: "قَرَأْتَ على اليَهُودِ وقَرَؤُوا عَلَيْكَ" يعني أن المفاعلة على بابها من المشاركة، والثانية قراءة الحَسَن البَصْريّ: "دَارَسَتْ" (٣) بفتح السين وسكونِ التاءِ، وفيه وَجْهَانِ، أَحدُهما: دَارَسَتِ اليَهُودُ محمَّداً ﷺ . والثاني: دَارَسَتِ الآيَاتُ سَائِرَ الكُتُبِ، أَيْ ما فيها، وطَاوَلَتْهَا المُدَّةَ، حتَّى دَرَسَ كُلُّ وَاحِدٍ منها، أَي مُحِيَ وَذَهَبَ أَكْثَرُه. والثالثة قراءة الأَعْمَش: "دَارَسَ" (٤) أَي دَارَسَ النبيُّ ﷺ اليَهُودَ. وكلها ترجع إلى معنى المشاركة السابق (٥). ثانيا: الثلاثي المزيد بحرفين: (أ) زيادة (فَعَلَ) بالتاء والتضعيف: (تَفَعَّلَ). • (يَسْمَعُونَ) (٦): قراءة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ (٧). [التاج: سمع] يدلل الزبيدي على أن: تَسَمَّعَ مثل سَمِعَ في المعنى والتعدي، على الرغم من أن الأول خماسي (تَفَعَّلَ)، والثاني ثلاثي (فَعَلَ) فيقول: "وَتَسَمَّعَ الصوتَ: مثلُ سَمِعَ، قال لَبيدٌ ﵁ يصفُ مَهاةً: وَتَسَمَّعَتْ رِزَّ الأَنيسِ فَرَاعَهَا ... عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ وَالأَنِيسُ سَقَامُهَا إذا أَدْغَمتَ قلت: اسَّمَّعَ، وقرأ الكوفيُّون، غيرِ أبي بكرٍ: "لا يَسَّمَّعُونَ"، بتشديد السينِ والميم، وفي الصحاح: يقال: تَسَمَّعْت إليه، وسَمِعْتُ إليه، وسَمِعْتُ له، كلُّه

стр. 176

بمعنى واحدٍ؛ لأنّه تعالى قال: ﴿وَقَالُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرَآنِ﴾، وقُرِئَ: "لا يَسْمَعُونَ" مُخَفّفاً". وقول الزبيدي إن (تَسَمَّعَ) و (سَمِعَ) يستويان في المعنى لا يسلم له؛ لأن التسمع مبالغة في طلب السماع، ومجيء القراءة في الموضع الواحد بالفعلين ليس دليلا على تساويهما في المعنى، وهذا هو الواضح من كلام اللغويين والمفسرين (١). فأبو زرعة يحتج للقراءتين فيقول:" قرأ حمزة والكسائي وحفص "لا يَسَّمَّعُونَ" بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، وحجتهم ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: "لا يَسْمَعُونَ" وقال: هم يَسَّمَّعُونَ ولكن لا يَسْمَعُونَ، والدليل على صحة قول ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٢) وقوله بعدها: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٣)، فعلم بذلك أنهم يقصدون للاستماع. ومن حجتهم أيضا إجماع الجميع على قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٤)، وهو مصدر سمع، والقصة واحدة، وتأويل الكلام وحفظا من كل شيطان مارد لئلا يسمعوا بمعنى أنهم ممنوعون بالحفظ عن السمع، فَكَفَتْ (لا) مِنْ (أَنَّ) ... فإن قال قائل: فلو كان هذا هو الوجه لم يكن في الكلام (إلى) ولكان الوجه أن يقال: لا يسمعون الملأ الأعلى، قلت: العرب تقول: سمعت زيدا، وسمعت إلى زيد، فكذلك قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾، وقد قال جل وعز: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٦) فيعدي الفعل مرة بـ "إلى" ومرة باللام. ومن قرأ: "يَسَّمَّعُونَ" الأصل (يَتَسَمَّعُونَ) فأدغم التاء في السين لقرب المخرجين وحجتهم في أنهم مُنِعُوا من التَّسَمُّعِ، الأخبارُ التي وردت عن أهل التأويل بأنهم كانوا يَتَسَمَّعُونَ الوحي فلما بُعِثَ رسول الله ﷺ رُمُوا بالشُّهُبِ ومُنِعُوا، فإذا كانوا عن التَّسَمُّعِ ممنوعين كانوا عن السَّمْعِ أَشَدّ منعًا وأبعد منه؛

стр. 177

لأن المُتَسَمِّعَ يجوز أن يكون غيرَ سامعِ، والسَّامعُ قد حصل له الفعل. قالوا فكان هذا الوجه أبلغ في زجرهم لأن الإنسان قد يَتَسَمَّعُ ولا يَسْمَعُ فإذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ عنه فقد نَفَى سَمْعَهُمْ من جهة التَّسَمُّعِ ومن جهة غيرِهِ فهو أَبْلَغُ " (١). وقد رجح الطبري قراءة التخفيف اعتمادا على الأثر فقال: "وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف؛ لأن الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، أن الشياطين قد تَتَسَمَّعُ الوحي، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تَسْمَع ... فإن ظن ظان أنه لما كان في الكلام "إلى"، كان التَّسَمُّعُ أولى بالكلام من السَّمْعِ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن العرب تقول: سَمِعْتُ فلانا يقول كذا، وسَمِعْتُ إلى فلان يقول كذا، وسَمِعْتُ من فلان" (٢). أما أبو عبيد فيختار قراءة التشديد: "لاَّ يَسَّمَّعُونَ" ويقول: لو كان مخففاً لم يتعَدَّ بـ "إلى". وأُجيب عنه: بأنَّ معنى الكلامِ: لا يُصْغُون إلى الملأ. وقال مكي: "لأنه جرى مَجْرى مُطاوِعِه وهو يتَسَمَّعُون، فكما كان تَسَمَّع يتعدَّى بـ "إلى" تَعَدَّى سَمِع بـ "إلى" وفَعِلْتُ وافتعلْتُ في التعدِّي سواءٌ، فَتَسَمَّع مطاوع سمعَ، واستمع أيضاً مطاوع سَمِع فتعدَّى سَمِعَ تعدِّيَ مطاوعِه" (٣). • (يَطَّهَّرْنَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ (٤). [التاج: طهر]. ساق الزبيدي القراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ﴾؛ ليدلل على أن (طَهُرَتْ) الثلاثي يعني انقطع عنها دم الحيض، وأَنَّ (تَطَهَّرَتْ) الخماسي يعني اغتسلت بالماء وأنه يجوز استخدام (طَهُرَتْ) في المعنيين، على خلاف واقع بين العلماء (٥) في ذلك، إلا أن الزبيدي يستخدم القراءة كدليل ترجيح على تساوي المعنى فيقول: وقُرِئَ: "حَتَّى يَطَّهَّرْنَ" (٦) قال أبو العباس: والقراءة "حتى يَطَّهَّرْنَ"؛ لأنّ من قَرَأ "يَطَْهُرْنَ" (٧)

стр. 178

أراد انقطاع الدم "فإذا تَطَهَّرْنَ" اغْتَسَلْنَ فصيَّر معناهما مختلفاً والوَجْهُ أنْ تكونَ الكَلِمَتَانِ بمعنىً واحدٍ يريدُ بهما جميعاً الغُسْلَ ولا يَحلّ المَسِيسُ إلاّ بالاغْتِسَالِ. ويُصَدِّق ذلك قراءَةُ عبد الله بنِ مَسْعُود: "حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ" (١). قال السمين الحلبي:" قراءةُ التشديد معناها يَغْتَسِلْنِ. وقراءةُ التخفيف معناها يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ. ورجَّح الطبري قراءة التشديدِ وقال: "هي بمعنى يَغْتَسِلْنَ لإِجماع الجميع على تحريمِ قُرْبان الرجلِ امرأتَه بعد انقطاع الدم حتى تَطْهُرَ، وإنما الخلافُ في الطُهْر ما هو؟ هل هو الغُسْلُ أو الوضوءُ أو غَسْل الفرجِ فقط؟ " (٢). ... قال ابنُ عطية: " كُلُّ واحدة من القراءتين تَحْتِمَل أن يُرادَ بها الاغتسالُ بالماءِ، وأن يُرادَ بها انقطاع الدمِ" (٣)، وقراءةُ التخفيف مُضَمَّنُها انقطاعُ الدم أمرٌ غيرُ لازم، وكذلك ادعاؤه الإِجماع، وفي رَدَّ ابنِ عطية عليه نظرٌ؛ إذ لو حَمَلْنَا القراءتين على معنىً واحدٍ لَزِم التكرارُ. ورجَّح الفارسي قراءةَ التخفيف؛ لأنها من الثلاثي المضادِّ لطمِثَ وهو ثلاثي" (٤). (ب) زيادة (فَعَلَ) بالهمزة والتاء: (افْتَعَلَ). • (يَخَدِّعُون): قراءة في قوله تعالى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٥). [التاج: خدع] في معرض حديثه عن المخادعة ذكر الزبيدي جملة من القراءات منها: قِرَاءِةُ مُوَرِّقٍ العِجْلِيّ: ﴿وما يَخَدِّعُون إِلاَّ أَنْفُسَهم﴾ (٦) بفَتْحِ الياءِ، والخاءِ وكَسْرِ الدَّالِ المُشَدَّدَةِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، عَلَى إِرادَةِ (يَخْتَدِعُونَ) أُدْغِمَت التَّاءُ في الدَّال، ونُقِلَتْ فَتْحَتُها إِلَى الخاءِ (٧). • (يَخِصِّفَانِ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٨). [التاج: خصف].

стр. 179

وعند شرحه للاختصاف قال: " اخْتَصَفَ بكذا (افتعل). وقَرَأَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ والزُّهْرِيُّ والأَعْرَجُ وعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، وقرئ: ﴿وَطَفِقَا يَخِصِّفَانِ﴾ (١) بكَسْرِ الخاءِ والصَّادِ وتَشْدِيدِهَا علَى معنَى (يخْتَصِفان) ثم تُدْغَمُ التَّاءُ في الصَّادِ وتُحَرَّكُ الخاءُ بحَرَكةِ الصَّادِ، وبعضُهُمْ حَوَّلَ حَرَكَةَ التَّاءِ ففَتَحَهَا". (ج) زيادة (فَعَلَ) بالتاء والألف: (تَفَاعَل). • (يَصَّاعَدُ): قراءة في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (٢). [التاج: صعد] دلل الزبيدي على أن الأفعال: صَعِدَ، واصَّعَّدَ، واصَّاعَدَ، بمعنًى واحد. بالقراءات الواردة في قوله تعالى: "كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء". وما ذكره الزبيدي هنا هو ما قرره أبو زرعة في حجته حيث قال:"قرأ ابن كثير:"كَأَنَّمَا يَصْعَدُ" خفيفا من صَعِدَ يَصْعَدُ، وحجته قوله: "إليه يَصْعَدُ الكلم الطيب". وقرأ أبو بكر:"يَصَّاعَدُ"، الأصل (يتصاعد) فأدغم التاء في الصاد لقربها من الصاد. وقرأ الباقون:"يَصَّعَّدُ" الأصل (يتصعد) فأدغموا التاء في الصاد. ومعنى يَصَّعَّدُ ويَصَّاعَدُ ويَصْعَدُ كله واحد" (٣). • (يَحُضُّونَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿ولا تَحَاضُّونَ عَلى طَعَامِ المِسْكِينِ﴾ (٤). [التاج: حضض] في هذه المادة ذكر الزبيدي قَرَاءة أَهْل المَدِينَةِ: "ولا يَحُضُّونَ"، وقَرَاءة الحَسَن: "ولا تَحُضُّونَ"، وكلاهما من الفعل الثلاثي (حضَّ)، والفرق بينهما في ضمير المخاطب والغائب. ثم ذكر قَرَاءة الأَعْمَش، وعاصِم، ويَزِيد بن القَعْقَاع "ولا تَحَاضُّون" (٥) بفَتْح التاء، على زنة (تفاعلون) والأصل تتحاضون، حذفت إحدى التاءين (٦). قال الفَرَّاءُ (٧): وكُلٌّ صَوَابٌ، فمَنْ قرأَ: "تُحَاضُّون" فمعْنَاه

стр. 180

تُحَافِظُون، ومَنْ قرأَ: "تَحَاضُّونَ" فمَعْناه يَحُضُّ بَعْضُكُم بَعْضاً، ومَنْ قَرَأَ "تَحُضُّون" فمَعْنَاهُ تَأْمُرُونَ بإِطْعامِه". فالمفاعلة على بابها من المشاركة (١). ثالثا: التبادل بين: (فَعَّلَ) و (فَاعَلَ): صيغة (فَعَّلَ) تفيد التكثير ما لم يصرفها صارف عنه، بينما صيغة (فَاعَلَ) تفيد المشاركة، أي أن الفاعل فيها لا يكون واحدا. ولكن أحيانا تفقد هاتان الصيغتان هذا المعنى، بل قد تأتيان بمعنى واحد هو معنى (فَعَّلَ) أو معنى (فَعَلَ). وقد استدل الزبيدي على ذلك بمجيء القراءة مترددة بين (فَعَّلَ) و (فَاعَلَ) في العديد من المواضع من ذلك: • (فَزَايَلْنَا) (٢) قراءة في قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُم﴾ (٣). [التاج: زيل]. وقد جعل الزبيدي هذه القرءاة من قبيل قولك: لا تُصَعِّرْ ولا تُصَاعِرْ. والقراءتان، معناهما واحد: فَرَّقَ ومَيَّزَ. • (وُرِّيَ) (٤) قراءة في قوله تعالى: "مَا وُورِيَ عَنْهُمَا" (٥) [التاج: وري] والقراءتان عند الزبيدي بمعنى واحد: ستر وخفي. • (يُضَعَّفْ) (٦) قراءة في قوله تعالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفِيْنِ﴾ (٧). [التاج: ضعف] وهي قراءة أَبي عَمرٍو، والمعنى واحد: وهو التكثير. • (تُشَطِّطْ) (٨) قراءة في قوله تعالى: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ (٩). [التاج: شطط].
следующие страницы →