← Язык

Язык · id 36322

أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجا

عبد الرازق بن حمودة القادوسي

Полный текст (333 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بمعنى واحدٍ؛ لأنّه تعالى قال: ﴿وَقَالُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرَآنِ﴾، وقُرِئَ: "لا يَسْمَعُونَ" مُخَفّفاً". وقول الزبيدي إن (تَسَمَّعَ) و (سَمِعَ) يستويان في المعنى لا يسلم له؛ لأن التسمع مبالغة في طلب السماع، ومجيء القراءة في الموضع الواحد بالفعلين ليس دليلا على تساويهما في المعنى، وهذا هو الواضح من كلام اللغويين والمفسرين (١). فأبو زرعة يحتج للقراءتين فيقول:" قرأ حمزة والكسائي وحفص "لا يَسَّمَّعُونَ" بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، وحجتهم ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: "لا يَسْمَعُونَ" وقال: هم يَسَّمَّعُونَ ولكن لا يَسْمَعُونَ، والدليل على صحة قول ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٢) وقوله بعدها: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٣)، فعلم بذلك أنهم يقصدون للاستماع. ومن حجتهم أيضا إجماع الجميع على قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٤)، وهو مصدر سمع، والقصة واحدة، وتأويل الكلام وحفظا من كل شيطان مارد لئلا يسمعوا بمعنى أنهم ممنوعون بالحفظ عن السمع، فَكَفَتْ (لا) مِنْ (أَنَّ) ... فإن قال قائل: فلو كان هذا هو الوجه لم يكن في الكلام (إلى) ولكان الوجه أن يقال: لا يسمعون الملأ الأعلى، قلت: العرب تقول: سمعت زيدا، وسمعت إلى زيد، فكذلك قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾، وقد قال جل وعز: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٦) فيعدي الفعل مرة بـ "إلى" ومرة باللام. ومن قرأ: "يَسَّمَّعُونَ" الأصل (يَتَسَمَّعُونَ) فأدغم التاء في السين لقرب المخرجين وحجتهم في أنهم مُنِعُوا من التَّسَمُّعِ، الأخبارُ التي وردت عن أهل التأويل بأنهم كانوا يَتَسَمَّعُونَ الوحي فلما بُعِثَ رسول الله ﷺ رُمُوا بالشُّهُبِ ومُنِعُوا، فإذا كانوا عن التَّسَمُّعِ ممنوعين كانوا عن السَّمْعِ أَشَدّ منعًا وأبعد منه؛

стр. 177

لأن المُتَسَمِّعَ يجوز أن يكون غيرَ سامعِ، والسَّامعُ قد حصل له الفعل. قالوا فكان هذا الوجه أبلغ في زجرهم لأن الإنسان قد يَتَسَمَّعُ ولا يَسْمَعُ فإذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ عنه فقد نَفَى سَمْعَهُمْ من جهة التَّسَمُّعِ ومن جهة غيرِهِ فهو أَبْلَغُ " (١). وقد رجح الطبري قراءة التخفيف اعتمادا على الأثر فقال: "وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف؛ لأن الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، أن الشياطين قد تَتَسَمَّعُ الوحي، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تَسْمَع ... فإن ظن ظان أنه لما كان في الكلام "إلى"، كان التَّسَمُّعُ أولى بالكلام من السَّمْعِ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن العرب تقول: سَمِعْتُ فلانا يقول كذا، وسَمِعْتُ إلى فلان يقول كذا، وسَمِعْتُ من فلان" (٢). أما أبو عبيد فيختار قراءة التشديد: "لاَّ يَسَّمَّعُونَ" ويقول: لو كان مخففاً لم يتعَدَّ بـ "إلى". وأُجيب عنه: بأنَّ معنى الكلامِ: لا يُصْغُون إلى الملأ. وقال مكي: "لأنه جرى مَجْرى مُطاوِعِه وهو يتَسَمَّعُون، فكما كان تَسَمَّع يتعدَّى بـ "إلى" تَعَدَّى سَمِع بـ "إلى" وفَعِلْتُ وافتعلْتُ في التعدِّي سواءٌ، فَتَسَمَّع مطاوع سمعَ، واستمع أيضاً مطاوع سَمِع فتعدَّى سَمِعَ تعدِّيَ مطاوعِه" (٣). • (يَطَّهَّرْنَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ (٤). [التاج: طهر]. ساق الزبيدي القراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ﴾؛ ليدلل على أن (طَهُرَتْ) الثلاثي يعني انقطع عنها دم الحيض، وأَنَّ (تَطَهَّرَتْ) الخماسي يعني اغتسلت بالماء وأنه يجوز استخدام (طَهُرَتْ) في المعنيين، على خلاف واقع بين العلماء (٥) في ذلك، إلا أن الزبيدي يستخدم القراءة كدليل ترجيح على تساوي المعنى فيقول: وقُرِئَ: "حَتَّى يَطَّهَّرْنَ" (٦) قال أبو العباس: والقراءة "حتى يَطَّهَّرْنَ"؛ لأنّ من قَرَأ "يَطَْهُرْنَ" (٧)

стр. 178

أراد انقطاع الدم "فإذا تَطَهَّرْنَ" اغْتَسَلْنَ فصيَّر معناهما مختلفاً والوَجْهُ أنْ تكونَ الكَلِمَتَانِ بمعنىً واحدٍ يريدُ بهما جميعاً الغُسْلَ ولا يَحلّ المَسِيسُ إلاّ بالاغْتِسَالِ. ويُصَدِّق ذلك قراءَةُ عبد الله بنِ مَسْعُود: "حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ" (١). قال السمين الحلبي:" قراءةُ التشديد معناها يَغْتَسِلْنِ. وقراءةُ التخفيف معناها يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ. ورجَّح الطبري قراءة التشديدِ وقال: "هي بمعنى يَغْتَسِلْنَ لإِجماع الجميع على تحريمِ قُرْبان الرجلِ امرأتَه بعد انقطاع الدم حتى تَطْهُرَ، وإنما الخلافُ في الطُهْر ما هو؟ هل هو الغُسْلُ أو الوضوءُ أو غَسْل الفرجِ فقط؟ " (٢). ... قال ابنُ عطية: " كُلُّ واحدة من القراءتين تَحْتِمَل أن يُرادَ بها الاغتسالُ بالماءِ، وأن يُرادَ بها انقطاع الدمِ" (٣)، وقراءةُ التخفيف مُضَمَّنُها انقطاعُ الدم أمرٌ غيرُ لازم، وكذلك ادعاؤه الإِجماع، وفي رَدَّ ابنِ عطية عليه نظرٌ؛ إذ لو حَمَلْنَا القراءتين على معنىً واحدٍ لَزِم التكرارُ. ورجَّح الفارسي قراءةَ التخفيف؛ لأنها من الثلاثي المضادِّ لطمِثَ وهو ثلاثي" (٤). (ب) زيادة (فَعَلَ) بالهمزة والتاء: (افْتَعَلَ). • (يَخَدِّعُون): قراءة في قوله تعالى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٥). [التاج: خدع] في معرض حديثه عن المخادعة ذكر الزبيدي جملة من القراءات منها: قِرَاءِةُ مُوَرِّقٍ العِجْلِيّ: ﴿وما يَخَدِّعُون إِلاَّ أَنْفُسَهم﴾ (٦) بفَتْحِ الياءِ، والخاءِ وكَسْرِ الدَّالِ المُشَدَّدَةِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، عَلَى إِرادَةِ (يَخْتَدِعُونَ) أُدْغِمَت التَّاءُ في الدَّال، ونُقِلَتْ فَتْحَتُها إِلَى الخاءِ (٧). • (يَخِصِّفَانِ): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٨). [التاج: خصف].

стр. 179

وعند شرحه للاختصاف قال: " اخْتَصَفَ بكذا (افتعل). وقَرَأَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ والزُّهْرِيُّ والأَعْرَجُ وعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، وقرئ: ﴿وَطَفِقَا يَخِصِّفَانِ﴾ (١) بكَسْرِ الخاءِ والصَّادِ وتَشْدِيدِهَا علَى معنَى (يخْتَصِفان) ثم تُدْغَمُ التَّاءُ في الصَّادِ وتُحَرَّكُ الخاءُ بحَرَكةِ الصَّادِ، وبعضُهُمْ حَوَّلَ حَرَكَةَ التَّاءِ ففَتَحَهَا". (ج) زيادة (فَعَلَ) بالتاء والألف: (تَفَاعَل). • (يَصَّاعَدُ): قراءة في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (٢). [التاج: صعد] دلل الزبيدي على أن الأفعال: صَعِدَ، واصَّعَّدَ، واصَّاعَدَ، بمعنًى واحد. بالقراءات الواردة في قوله تعالى: "كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء". وما ذكره الزبيدي هنا هو ما قرره أبو زرعة في حجته حيث قال:"قرأ ابن كثير:"كَأَنَّمَا يَصْعَدُ" خفيفا من صَعِدَ يَصْعَدُ، وحجته قوله: "إليه يَصْعَدُ الكلم الطيب". وقرأ أبو بكر:"يَصَّاعَدُ"، الأصل (يتصاعد) فأدغم التاء في الصاد لقربها من الصاد. وقرأ الباقون:"يَصَّعَّدُ" الأصل (يتصعد) فأدغموا التاء في الصاد. ومعنى يَصَّعَّدُ ويَصَّاعَدُ ويَصْعَدُ كله واحد" (٣). • (يَحُضُّونَ): قراءة في قوله تعالى: ﴿ولا تَحَاضُّونَ عَلى طَعَامِ المِسْكِينِ﴾ (٤). [التاج: حضض] في هذه المادة ذكر الزبيدي قَرَاءة أَهْل المَدِينَةِ: "ولا يَحُضُّونَ"، وقَرَاءة الحَسَن: "ولا تَحُضُّونَ"، وكلاهما من الفعل الثلاثي (حضَّ)، والفرق بينهما في ضمير المخاطب والغائب. ثم ذكر قَرَاءة الأَعْمَش، وعاصِم، ويَزِيد بن القَعْقَاع "ولا تَحَاضُّون" (٥) بفَتْح التاء، على زنة (تفاعلون) والأصل تتحاضون، حذفت إحدى التاءين (٦). قال الفَرَّاءُ (٧): وكُلٌّ صَوَابٌ، فمَنْ قرأَ: "تُحَاضُّون" فمعْنَاه

стр. 180

تُحَافِظُون، ومَنْ قرأَ: "تَحَاضُّونَ" فمَعْناه يَحُضُّ بَعْضُكُم بَعْضاً، ومَنْ قَرَأَ "تَحُضُّون" فمَعْنَاهُ تَأْمُرُونَ بإِطْعامِه". فالمفاعلة على بابها من المشاركة (١). ثالثا: التبادل بين: (فَعَّلَ) و (فَاعَلَ): صيغة (فَعَّلَ) تفيد التكثير ما لم يصرفها صارف عنه، بينما صيغة (فَاعَلَ) تفيد المشاركة، أي أن الفاعل فيها لا يكون واحدا. ولكن أحيانا تفقد هاتان الصيغتان هذا المعنى، بل قد تأتيان بمعنى واحد هو معنى (فَعَّلَ) أو معنى (فَعَلَ). وقد استدل الزبيدي على ذلك بمجيء القراءة مترددة بين (فَعَّلَ) و (فَاعَلَ) في العديد من المواضع من ذلك: • (فَزَايَلْنَا) (٢) قراءة في قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُم﴾ (٣). [التاج: زيل]. وقد جعل الزبيدي هذه القرءاة من قبيل قولك: لا تُصَعِّرْ ولا تُصَاعِرْ. والقراءتان، معناهما واحد: فَرَّقَ ومَيَّزَ. • (وُرِّيَ) (٤) قراءة في قوله تعالى: "مَا وُورِيَ عَنْهُمَا" (٥) [التاج: وري] والقراءتان عند الزبيدي بمعنى واحد: ستر وخفي. • (يُضَعَّفْ) (٦) قراءة في قوله تعالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفِيْنِ﴾ (٧). [التاج: ضعف] وهي قراءة أَبي عَمرٍو، والمعنى واحد: وهو التكثير. • (تُشَطِّطْ) (٨) قراءة في قوله تعالى: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ (٩). [التاج: شطط].

стр. 181

قرأ قتادة: ﴿ولا تُشَطِّطْ﴾، وقرأ زر بن حبيش ﴿ولا تُشاطِطْ﴾ (١)، ومَعْنَى الكُلِّ واحد: أَي لا تُبْعِدْ عن الحَقِّ. وجاءت القراءة مترددة بين (فَعَّلَ) و (فَاعَلَ) وبينهما فارق في المعنى، نحو: • (عَاقَدَت) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). [التاج: عقد] حيث قرئ ﴿عَاقَدَت أَيمانُكُم﴾ بالنظر إلى وقوع الفعل من طرفين، وقرئ أيضا: "عَقَّدَتْ" بالتشديد، معناه التَّوكِيدُ والتَّغلِيظُ. قال القرطبي: "روى علي بن كبشة عن حمزة "عَقَّدَتْ" بتشديد القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة "عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ" مخففة القاف، وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة بعيدة؛ لأن المعاقدة لا تكون إلا من اثنين فصاعدا، فبابها (فاعل). قال أبو جعفر النحاس (٤): وقراءة حمزة تجوز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عَقَّدَتْهُمْ أَيْمَانُكُمُ الحَلِفَ، وتعدى إلى مفعولين، وتقديره: عقدت لهم أيمانكم الحلف، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى: ﴿وإذا كالوهم﴾ (٥) أي كالوا لهم. وحذف المفعول الثاني، كما يقال: كلتك أي كلت لك برا. وحذف المفعول الأول؛ لأنه متصل في الصلة " (٦). رابعا: التبادل بين:) أفعل) و (فَعَّلَ): • (سَيُصَلَّوْنَ، سَيُصْلَوْنَ) (٧): قراءتان في قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٨). [التاج: صلي] يتعدى الثلاثي إلى مفعوله الأول، أو الثاني، أو الثالث، بدخول الهمزة على أوله: (أَفْعَلَ)، أو تضعيف عينه (فَعَّلَ). وإذا تعاقب (أَفْعَلَ) و (فَعَّلَ) على الموضع الواحد يكون معناهما واحد إذا كانا بغرض التعدية، وقد استدل الزبيدي على هذا

стр. 182

المعنى بالقراءات التي تعاقب فيها (أَفْعَلَ) و (فَعَّلَ) وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (١)، حيث قرئ "نُصَلِّيهِ" (٢). قال الفراء: "وتقرأ: "نُصَلِّيهِ"، وهما لغتان، وقد قرئتا، من صَلَّيْتُ وأَصْلَيْتُ. وكأنّ صَلَّيْتُ: تصليه على النار، وكأنّ أَصْلَيْتُ: جعلته يصلاها" (٣). ومنه قوله تعالى ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٤) حيث قرئ ﴿وَسَيُصَلَّوْنَ﴾ (٥)، وقرئ أيضا ﴿وسَيُصْلَوْنَ﴾ (٦)، والمعنى واحد: يبتلى بحرها (٧). قال السمين: قرأ الجمهور "سَيَصْلَوْنَ"بفتحِ الياء واللام، وابن عامر وأبو بكر "سَيُصْلَوْنَ" بضمِّ الياء مبنياً للمفعول من الثلاثي. ويَحْتمل أن يكونَ من أَصْلى، فلمَّا بُني للمعفولِ قام الأولُ مقامَ الفاعلِ. وابن أبي عبلة بضمِّها مبنياً للفاعلِ من الرباعي، والأصلُ على هذه القراءة: سيُصْلِيُون من أصْلى مثل يُكْرِمون من أكرم، فاستثقِلَت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفت فالتقى ساكنان، فحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وضُمَّ ما قبل الواو لتصِحَّ. و"أَصْلَى": يُحتمل أَن ْ تكونَ الهمزةُ فيه للدخول في الشيء، فيتعدَّى لواحد وهو "سعيراً" وأن تكونَ للتعديةِ فالمفعولُ محذوفٌ، أي: يُصْلُون أنفسَهم سعيراً. وأبو حيوة "سَيُصَلَّوْنَ" بضمِّ الياءِ وفتحِ الصاد، واللام مشددة، مبنياً للمفعول من "صَلَّى" مضعفاً. قال أبو البقاء: "التضعيف للتكثيرِ" ... وقال الخليل: "صَلِي الكافرُ النارَ" قاسَى حَرَّها. وصلاة النارَ وأَصْلاه غيرُه، هكذا قال الراغب، وظاهرُ هذه العبارةِ أنَّ فَعِل وأَفْعَل بمعنىً، يتعدَّيان إلى اثنين ثاينهما بحرفِ الجر، وقد يُحْذَف. وقال غيرُه: "صَلِيَ بالنارِ أي: تَسَخَّن بقربها، فـ "سعيراً" على هذا منصوبٌ على إسقاط الخافض" (٨).

стр. 183

نتائج هذا الفصل: ١ - أدى التغيير في حركة البناء الصرفي إلى تغيير في المعاني، في نحو اسمي الفاعل والمفعول من غير الثلاثي، حيث إن الفرق بينهما فتح أو كسر ما قبل الآخر. وقد جاءت قراءات عدة قرئ في الموضع الواحد بالشكلين معا مما يسمح للدارس أن يقول إن هذه الظاهرة قد أسهمت في إثراء المعجم العربي بتعدد المباني والمعاني. فمثلا "يُطَوَّقُونَهُ" يجوز أن يكون من الطوق، أو من الطاقة. ٢ - ومن أمثلة تعدد المعنى مع توحد البناء "يُغَلَّ"، حيث يجوز أن يكون من (أَغْلَلْتُهُ) أي نسبته إلى الغلول. ويجوز أن يكون من (أَغْلَلْتُهُ) أي وجدته غالا. ويجوز أن يكون من (غَلَّ) مبنيا للمفعول، بمعنى: ما كان لنبي أن يَغُلُّهُ غيرُهُ. ٣ - وكان لهذا التعدد في المعنى أثره في اختلاف الأحكام الفقيهة في نحو: "يُورَثُ كَلَالَةً" و"يُوَرِّثُ"، فإن مفهوم الكلالة يختلف باختلاف بناء الفعل كما مر. وكذلك "فَإِذَا أُحْصِنَّ" و"أَحْصَنَّ"، فقد اختلف في حد الأمة بناء على قراءة الفعل. ٤ - في الغالب الأعم تميل اللغة للحصول على معان جديدة من ذات اللفظ عن طريق إضافة بعض حروف الزيادة إليه، وإن لم تكن اللغة في ذلك مطردة الاطراد الكامل، إلا أن ذلك هو الظاهر من القراءات وتحليل اللغويين والمفسرين لها، فزيادة الفعل بتضعيف عينه (فَعَّلَ) تفيد المبالغة في معنى الفعل في نحو: "يُذَبِّحُونَ"، و" خَرَّقُوا"، و"نَقَّبُوا"، و"وَدَّعَكَ". وفي "أَمَّرْنَا" تفيد الكثرة في العدد أو جعلهم أمراء. وفي "فَرَّقْنَاهُ" تفيد تكثير أغراض القرآن أو كثرة تنجيمه. أما في "يُمّيِّزَ"، و"عَقَّدَتْ" فإنها لا تفيد معنى زائدا على معنى (فَعَلَ). وقد عمدت اللغة لذلك؛ لأن الألفاظ محدودة، والمعاني غير محدودة، ومعنى ذلك أن في حروف الزيادة بابا واسعا لثراء اللغة في المفردات. ٥ - زيادة الهمزة في (أَفْعَلَ) تدل على التعدي في نحو: "نُنْسِهَا"، و"تُزِغْ"، و"يُخْصِفَانِ" كما أفادت الوجود في "نُنْسِخْ". وأفادت مجرد الدخول في الشيء في "تُصْعِدُونَ". ولم تفد معنى زائدا عن (فَعَلَ) في نحو: "تَشْطُطْ" و"تُشْطِطْ"، وفي نحو: "أَزَرَهُ" و"آزَرَهُ". كما غيرت المعنى في نحو: "تُهْجِرُونَ" من الفحش، و"تَهْجُرُونَ" من الصد.

стр. 184

٦ - كما أن زيادة الألف في (فَاعَلَ) دلت غالبا على معنى المشاركة في نحو: ﴿عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، و ﴿لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، و"دَارَسْتَ". وقد افتقدت هذا المعنى بدلالة السياق في نحو: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾، و ﴿وَاعَدْنَا مُوسَى﴾. ٧ - وجاءت زيادة الثلاثي بالتاء والتضعيف (تفعل) لتفيد المبالغة والتكثير في "يَطَّهَّرْنَ"، بينما لم تفد معنى زائدا عن (فعل) في "يَسَّمَّعُونَ". ٨ - كما أفادت (افتعل) معنى المبالغة في:"يَخَدِّعُونَ"، و"يَخِصِّفَانِ". ٨ - أما (تفاعل) فقد أفادت المشاركة في "تَحَاضُّونَ"، ولم تفد معنى زائدا على (فعل) في "يَصَّاعَدُ". ٩ - جاءت (فَعَّلَ) مساوية لـ (فَاعَلَ) في:"زَيَّلْنَا" و"زَايَلْنَا"، و"وُورِيَ" و"وُرِّيَ"، و"يُضَاعَفْ" و"يُضَعَّفْ"، فالمعنى في كل ذلك للمبالغة والتكثير. بينما اختلفت الدلالة في تعاقب "عَاقَدَتْ" و"عَقَّدَتْ"؛ لأن الأولى أفادت المشاركة، والثانية أفادت المبالغة. ١٠ - وجاء التعاقب بين (أَفْعَلَ) و (فَعَّلَ) مفيدا للتعدي في نحو: "نُصْلِيهِ" و"نُصَلِّيهِ"، وفي نحو: "سَيُصْلَوْنَ" و"سَيُصَلَّوْنَ".

стр. 185

الفصل الثاني تغيير بنية الأسماء - المبحث الأول: تغيير المشتق - المبحث الثانى: التغيير فى صيغة الجمع

стр. 186

الفصل الثاني تغيير بنية الأسماء يتناول هذا الفصل تغيير بنية الأسماء، وقد قسمته إلى مبحثين تناولت في المبحث الأول: تغيير المشتق من اسم فاعل إلى اسم مفعول، ومن اسم فاعل إلى صفة مشبهة. وتناولت في المبحث الثاني: التغيير في صيغة الجمع، سيما كان الجمع سالما: مذكرا ومؤنثا، أو جمع تكسير، أو التحويل من جمع إلى جمع آخر.

стр. 187

المبحث الأول تغيير المشتق أولا: من اسم فاعل إلى اسم مفعول يقرر الصرفيون أن اللغة العربية تشتق من الأفعال أسماء تدل على الفاعل، أو المفعول أو المبالغة، أو الصفة المشبهة ... وتخضع في هذا الاشتقاق إلى قواعد صارمة، وصيغ محددة. وهذا المطلب يتناول نوعين من المشتقات: اسم الفاعل، واسم المفعول، وهما يشتقان من الأفعال غير الثلاثية على زنة المضارع مع إبدال حرف المضارعة ميما مضمومة مع مراعاة كسر ما قبل الآخر في حالة اسم الفاعل، وفتحه في حالة اسم المفعول. ومعنى ذلك أن التشابه في الرسم الإملائي كبير بين هذين الاسمين، حيث لا فرق بينهما في عدد الحروف، ولا في ترتيبها، ولا في ضبطها إلا في حركة حرف واحد وهو كسر أو فتح ما قبل الآخر. وتترك اللغة للسياق الحق في تحديد نوع المشتق حسب المعنى المراد من الكلام. وعلى الرغم من أن اسم الفاعل واسم المفعول ضدان في المعنى فإن السياق يحتملهما أحيانا. وقد جاءت القراءات القرآنية شاهدة على هذا في بعض المواضع في القرآن الكريم، وقد ورد من ذلك في التاج ما يلي: • (مُوَلَّاهَا) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٢). [التاج: ولي] يذكر الزبيدي أن التولية من الألفاظ المتضادة، ويستدل على معنى الانصراف فيها بقوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ (٣) أي ما عدلهم وصرفهم. وعلى معنى الإقبال بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال الفراء (٤): هو مستقبلها والتولية في هذا الموضع استقبال، وقد قرئ: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ أي: الله تعالى يولى أهل كل مِلَّةٍ القبلة التي تريد.

стр. 188

قال ابن زنجلة: " قرأ ابن عامر:"هُوَ مُوَلَّاهَا" بفتح اللام أي هو موجهها وحجته أنه قَدَّرَ لَهُ أن يَتَوَلَّاهَا، ولم يُسْنَدْ إلى فاعل بعينه، فيجوز أن يكون (هو) كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه (كل) وهو الفاعل، ويجوز أن يكون فاعل التولية الله و (هو) كناية عنه، والتقدير: ولكل ذي ملة قبلة الله موليها وجهه، ثم رد ذلك إلى ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون: "هُوَ مُوَلِّيهَا" أي متبعها وراضيها، وحجتهم ما قد جاء في التفسير عن مجاهد: (ولكل وجهة هو موليها) أي لكل صاحب ملة وجهة: أي قبلة هو موليها، هو مستقبلها، قوله: هو موليها، (هو) كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه كل في المعنى؛ لأنها وإن كانت منونة، فلا بد من أن تسند إلى اسم" (١). وقال أبو إسحاق الزجاج: "في (هو) وجهان، أحدهما: أن يكون ضمير (كل)، أي لكل أهل وجهة وجهة هم الذين يتولونها ويستقبلونها عن أمر نبيهم عن مجاهد، والثاني: الله تعالى هو الذي يوليهم إليها، وأمرهم باستقبالها عن الأخفش (٢)، وقد قرئ "هو مُوَلَّاهَا" وهذا حسن يدل على الثاني من القولين" (٣). ويرى الألوسي أن عود الضمير على الله تعالى يفسد المعنى فيقول: "وروي عن ابن عباس ﵄: "هُوَ مُوَلَّاهَا" على صيغة اسم المفعول أي هو قد ولى تلك الجهة فالضمير المرفوع حينئذٍ عائد إلى "كل" الْبَتَّة ولا يجوز رجوعه إلى الله تعالى لفساد المعنى" (٤). وعبارة الطبري: "هُوَ مُوَلِّيهَا"، فإنه يعني هو مولٍّ وجهه إليها ومستقبلها ... وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرؤوها: "هُوَ مُوَلَّاهَا" بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوها. ويكون الـ" كل" حينئذ غير مسمًّى فاعله، ولو سُمي فاعله، لكان الكلام: ولكلّ ذي ملة وجهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها بمعنى: موجِّهه إليها" (٥).

стр. 189

• (مُسَوَّمِينَ) (١): قراءة في قوله تعالى ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلآفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٢). قال الزبيدي: " وسَوَّم الخَيْل: أَرْسَلَها إلى المَرْعَى تَرْعَى حيث شَاءَت. وبه فَسَّرَ الأخفشُ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ قال: وإِنَّما جاء باليَاءِ والنُّون؛ لأَنَّ الخيلَ سُوِّمَت وعَلَيها رُكْبانُها". واستدلال الزبيدي هنا بقراءة الفتح، أي باسم المفعول؛ لأنها اختيار الأخفش، وعبارته في (معاني القرآن) تقول: "مُسَوِّمِينَ" لأنهم سَوَّمُوا الخيلَ. وقال بعضهم: "مُسَوَّمِينَ" مُعَلَّمِينَ؛ لأنهم هم سُوِّمُوا وبها نقرأ" (٣). [التاج: سوم]. قال السمين:" فأما القراءة الأولى - مُسَوِّمِينَ - فتحتمل أن تكون من السَّوْم وهو تَرْكُ الماشية ترعى، والمعنى أنهم سَوَّموا خيلَهم أي: أعطَوها سَوْمَها من الجري والجوَلان وتركوها، كذلك يَفْعل مَنْ يَسِيمُ ماشِيتَه في المَرْعى، ويحتمل أن يكون من السَّوْمَة وهي العلامة، على معنى أنهم سَوَّموا أنفسهم أو خيلهم، ففي التفسير أنهم كانوا بعمائَم بيضٍ إلا جبريلَ فبعمامةٍ صفراء (٤) ... وأما القراءة الثانية فواضحةٌ بالمعنيين المذكورين فمعنى السَّوْم فيها: أنَّ الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مُرْسَلين مِنْ عندِ الله لنصرةِ نبيِّه والمؤمنين ... قال أبو الحسن الأخفش: "معنى مُسَوَّمين: مُرْسَلين". ومعنى السَّومةِ فيها أنَّ الله تعالى سَوَّمَهم، أي: جَعَل عليهم علامَةً وهي العمائم، أو الملائكةُ جَعَلوا خيلَهم نوعاً خاصاً وهي البُلْق، فقد سَوَّموا خيلَهم" (٥).

стр. 190

• (مُرْدَفِينَ) (١) قراءة في قوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِن الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِين﴾ (٢). [التاج: ردف]. ساق الزبيدي هذه القراءة وهو بصدد الاستدلال على أن رَدِفَ وأَرْدَفَ يأتيان بمعنى واحد، فـ"مُرْدِفِينَ" اسم الفاعل من (أَرْدَفَ) الرباعي، قال الزَّجَّاجُ (٣): يَأْتُونَ فِرْقَةً بَعْدَ فِرْقَةٍ وقال الفَرَّاءُ (٤): أَي: مُتَتَابِعِينَ: رَدِفَه وأَرْدَفَهُ بمَعْنًى واحدٍ، وقَرَأَ أَبو جعفرٍ ونافِعٌ ويعقوبُ وسَهْلٌ: "مُرْدَفِينَ" بفَتْحِ الدَّالِ، أَي: فُعِلَ ذلك بهم أَي: أَرْدَفَهُمْ اللهُ بغَيْرِهِم. ويفرق أبو جعفر النحاس بين قراءة فتح الدال وكسرها فيقول:" "مُرْدَفِينَ" بفتح الدال فيها تقديران: يكون في موضع نصب على الحال من (كم) في (ممدكم) أي: أردف بهم المؤمنين، وهذا مذهب مجاهد قال مجاهد: أي مُمَدِّينَ. قال أبو جعفر: ويجوز أن يكون "مُرْدَفِينَ" في موضع خفض نعتا للأَلْفِ. و"مُرْدِفِينَ" بكسر الدال، قال أبو عمرو فيه: أي أردف بعضَهم بعضَا، وَرَدَّ أُبُو عُبَيْدٍ على أَبي عَمْرٍو هذا القول، وأنكر كسر الدال، واحتج أن معنى أَرْدَفَ فلانٌ فلاناً جَعَلَهُ خَلْفَهُ، قال: ولا نَعْلَمُ هذا في صفة الملائكة يومَ بَدْرٍ، وأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ (أَرْدَفَ) بمعنى (رَدِفَ) قال: لقول الله : ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ولم يَقُلْ المُرْدِفَةُ. قال أبو جعفر: لا يلزم أبا عمرو هذا الرد، ولا يتأول قوله على ما تأوله أبو عبيد، ولكن المعنى في "مُرْدِفِينَ" قد تقدم بعضُهم بعضًا، يقال: رَدِفْتُهُ وأَرْدَفْتُهُ بمعنى تَبِعْتُهُ وأَتْبَعْتُهُ، ولو كان كما قال أبو عبيد لكان معنى "مُرْدَفِينَ" بفتح الدال مُرْدَفِينَ خلفكم، وإنما معنى مُرْدَفِينَ في آثاركم أي اتبع بعضهم بعضا، وهذا أقوى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مُرْدَفٌ بهم أَرْدَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا " (٥).

стр. 191

• (الْمُخْلِصِينَ) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). جاء الزبيدي بالقراءة شاهدا على استخدام كل من اسم الفاعل، واسم المفعول، من الفعل الرباعي (أخلص) حيث يقول: "وأَخْلَصَ للهِ الدِّينَ: أَمْحَضَهُ وتَرَكَ الرِّياءَ فِيهِ فهُوَ عَبْدٌ مُخْلِصٌ ومُخْلَصٌ وهو مَجَازٌ ... وقُرِئَ: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَِصِينَ﴾ بِكَسْرِ الَّلامِ وفتْحِها، قال الزَّجّاجُ: المُخْلَص: الَّذِي جَعَلَه اللهُ مُخْتاراً خَالِصاً من الدَّنَسِ، والمُخْلِصُ: الَّذِي وَحَّدَ الله تعالى خَالِصاً". [التاج: خلص] وقال أبو زرعة: " "الْمُخْلِصِينَ" بكسر اللام في جميع القرآن أي أخلصوا دِينَهُمْ وأَعْمَالَهُمْ مِنَ الرِّيَاءِ، وحجتهم قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿مُخْلِصَاً لَهُ دِينِي﴾ (٤)، فإذا أَخْلَصُوا فهم مُخْلِصُونَ، تقول: رجل مُخْلِصٌ مُؤْمِنٌ، فترى الفعل في اللفظ له. وقرأ أهل المدينة والكوفة "الْمُخْلَصِينَ" بفتح اللام أي الله أخلصهم من الأسواء والفواحش فصاروا مُخْلَصِينَ، وحجتهم قوله تعالى: "إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ" (٥) فصاروا مُخْلَصِينَ بإخلاص الله إِيَّاهُمْ" (٦). • (مُبَيَّنَاتٍ) (٧): قراءة في: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ (٨). [التاج: بين]

стр. 192

في هذه المادة يذكر الزبيدي خمسة صيغ للفعل (بان) وهي: بَانَ وبَيَّنَ وتَبَيَّنَ وأَبَانَ واسْتَبَانَ وكلها لازمة ومتعدية. وجاءت القراءة في قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ شاهدا على تعدي الفعل (بَيَّنَ) ولزومه، حيث وردت القراءة بكسر الياء وتشديدها، بمعنى مُتَبَيِّنَات، فهي اسم فاعل، والفعل على هذا المعنى لازم، ومن قرأ بفتح الياء "مُبَيَّنَاتٍ"، فالمعنى: أن الله بَيَّنَهَا، فهي اسم مفعول، والفعل على هذا المعنى متعد. قال الفراء: " قرأ يحيى بن وثّاب (مُبَيِّنَاتٍ) بالكسر. والناس بعد (مُبَيَّنَاتٍ) بفتح الياء ... فمن قال (مُبَيَّنَاتٍ) جعل الفعل واقعا عليهنّ، وقد بيّنهن الله وأوضحهنّ (ومُبَيِّنَاتٍ): هاديات واضحات" (١). وقال أبو زرعة: " قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر "آياتٍ مُبَيَّنَاتٍ" بفتح الياء أي لا لبس فيها، وحجتهم قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ (٢) والفعل مسند إلى الله، فهي الآن مُبَيَّنَاتٍ بدلالة ما في التنزيل على صحة وجه إخراجهن مفعولات. وقرأ أهل الشام والكوفة غير أبي بكر:"مُبَيِّنَاتٍ" بالكسر المعنى: بَيَّنَّ لكم الحلالَ من الحرامِ فهن الفاعلات، وحجتهم قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) فأسند التبيين إلى السورة، فكذلك قوله: ﴿آيات مُبَيِّنَاتٍ﴾ فأسندوا التبيين إلى الآيات " (٤). ومن هذا القبيل استشهد الزبيدي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥) أي ظاهرة مُتَبَيِّنَةٌ، فهي اسم فاعل من (بَيَّنَ) المشدد، وقد قرئت "مُبَيَّنَةٍ" (٦) بالفتح، على أنها اسم مفعول. قال ابن عطية: "وهذه القراءات كلها لغات فصيحة يقال بَيَّنَ الشيء وأَبَانَ إذا ظهر وبَانَ الشيء وبَيَّنْتُهُ" (٧). وقال الزمخشري:" "مُبَيَّناتٍ" هي الآيات التي بُيِّنَتْ في هذه السورة وأُوضِحَتْ في معاني الأحكام والحدود. ويجوز أن يكون الأصل مُبَيَّنَاً فيها فاتسع

стр. 193

في الظرف. وقرئ بالكسر، أى: بَيَّنَتْ هي الأحكامَ والحدودَ، جعلَ الفعلَ لها على المجاز. أو من «بَيَّنَ» بمعنى تَبَيَّنَ " (١). • (المُحْتَظَر) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِر﴾ (٣). قال الزبيدي: احتَظَرَ به أَي احْتَمَى، وأن هذا اللفظ قد استخدمه القرآن الكريم بصيغتي اسم الفاعل واسم المكان، ويستشهد على هذا بالقراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِر﴾، فالمحتظِر، بكسر الظاء، اسم فاعل من احتظر، والمعنى: كالْهَشِيم الّذي جَمَعَه صاحِبُ الحَظِيرَة. وقرِئ: "المُحْتَظَر" بالفَتْح، على أنه اسم مفعول. [التاج: حظر]. قال ابن عطية:" قرأ جمهور الناس (كهشيم المحتظِر) بكسر الظاء، ومعناه الذي يصنع حظيرة من الرعاء ونحوهم ... وقال قوم (المحتظَر) بالفتح، الهشيم نفسه، وهو (مفتعل) وهو كمسجد الجامع وشبهه" (٤). وقال السمين: "العامَّةُ على كسر الظاء اسم فَاعلٍ وهو الذي يَتَّخِذُ حَظيرةً مِنْ حَطَب وغيرِه. وقرأ أبو السَّمَّال وأبو حيوة وأبو رجاء وعمرو بن عبيد بفتحها ... قيل هو اسمُ مفعولٍ وهو الهَشيمُ نفسهُ، ويكون من بابِ إضافةِ الموصوفِ لصفتِه كمسجدِ الجامع" (٥). وقال الألوسي: " و"المُحْتَظِر" الذي يعمل الحظيرة، فإنه يتفتت منه حالة العمل، ويتساقط أجزاء مما يعمل به، أو يكون الهشيم ما يبس من الحظيرة بطول الزمان، تطؤه البهائم فيتهشم، وتعقب هذا بأن الأظهر عليه كهشيم الحظيرة ... وقرأ الحسن، وأبو حَيْوَةَ، وأبو السَّمَّال وأبو رجاء، وعمرو بن عَبِيد: "المُحْتَظَر" بفتح الظاء، على أنه ... اسم مفعول (٦)، قيل: ويقدر له موصوف أي "كَهَشِيمِ" الحائط "المُحْتَظَر" (٧).

стр. 194

• (مُسْتَنْفَرَةٌ) (١): قراءة في ﴿كأنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة﴾ (٢). [التاج: نفر]. جاء قوله تعالى: ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة فَرَّتْ﴾ شاهدا على أن: نَفَرَ، ونَفَّرَ وأَنْفَرَ، واسْتَنْفَرَ تأتي بمعنى واحد، وأن اسم الفاعل من السداسي (مُسْتَنْفِر) يأتي بمعنى اسم الفاعل من الثلاثي (نَافِر). وقراءة الفتح "مُسْتَنْفَرَةٌ" على اسم المفعول، أي: مُنَفَّرَة مَذْعُورة. وسياق الآية يحتمل القراءتين؛ وهما قراءتان سبعيتان (٣). وَجَّهَ لهما الزمخشري قائلا: "والـ «مُسْتَنْفِرَة» الشديدة النِّفَار، كأنها تطلب النِّفَارَ من نُفُوسِهَا في جَمْعِهَا له وحَمْلِهَا عَلَيْهِ. وقرئ بالفتح: وهي الْمُنَفَّرَةُ الْمَحْمُولَةُ على النِّفَارِ" (٤). فالزمخشري هنا قد أبقى السين على بابها، من حيث إنها تفيد معنى الطلب، ومعنى ذلك أنه يُبْقِي لاسم الفاعل من السداسي خُصُوصِيَّتَهُ في المعنى الذي يميزه عن غيره، وهو الطلب. قال ابن عاشور:" "مُسْتَنْفَرِة" بفتح الفاء، أي استنفرها مستنفر، أي أنفرها، فهو من استنفره المتعدي بمعنى أنفره. وبناء الفعل للنائب يفيد الإِجمال ثم التفصيل بقوله: ﴿فَرَّت من قَسْوَرة﴾. وقرأها الجمهور بكسر الفاء، أي اسْتَنْفَرَتْ هي مثل: استجاب، فيكون جملة "فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ " بياناً لسبب نفورها. قال محمد بن سَلَّامٍ: سَأَلْتُ أَبَا سَوَّارٍ الغَنَوِيِّ، وكان أعرابياً فصيحاً فقلت: كأنهم حُمُرٌ مَاذا؟، فقال: مُسْتَنْفَرَة: بفتح الفاء، فقلت له: إنما هو "فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ". فقال: أَفرَّتْ؟ قلت: نعم، قال: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إِذَنْ، فكسَرَ الفاء" (٥). قال السمين:" يعني أنها مع قولِه "طَرَدَهَا" تُناسِبُ الفتحَ؛ لأنها اسمُ مفعولٍ فلما أُخْبر بأنَّ التلاوةَ "فَرَّتْ مِن قسْوَرَةٍ"، رَجَعَ إلى الكسرِ للتناسُبِ، إلاَّ أنَ بمثلِ هذه الحكاية لا تُرَدُّ القراءةُ المتواترةُ " (٦).

стр. 195

• (مُفْرِطُونَ) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿وأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٢). [التاج: فرط]. حمل الزبيدي قراءة فتح الراء على معنى: أَفْرَطَ الأَمْرَ، إِذا نَسِيَه، فهو مُفْرَطٌ، أَي مَنْسِيٌّ وبه فَسَّرَ مُجاهِدٌ قوله تعالَى: ﴿وأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أَي مَنْسِيُّون. وقال الفرَّاءُ: مَنْسِيُّونَ في النَّارِ. قال الطبري: "قرأته عامة قرّاء المِصرَينِ الكوفة والبصرة (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) بتخفيف الراء وفتحها، على معنى ما لم يُسَمّ فاعله من أُفرِط فهو مُفْرَط ... وقرأ نافع بن أبي نعيم: "وأنَّهُم مُفْرِطُونَ" بكسر الراء وتخفيفها ... بتأويل: أنهم مُفْرِطُونَ في الذنوب والمعاصي، مُسْرِفون على أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أَفْرط فلان في القول: إذا تجاوز حَدَّه، وأسرف فيه" (٣). • (الْمُنْشِآتُ) (٤): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأْعْلَامِ﴾ (٥). [التاج: نشأ]. قال الزجاج: "الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ"، هي السُّفُنُ المَرْفوعَةُ الشُّرُعِ والقُلُوعِ، وإِذا لم يُرْفَع قِلْعُها فَلَيْسَتْ بِمُنْشَآتٍ، وقرِئ "المُنْشِئآتُ"، أَي الرَّافِعَاتُ الشُّرُع (٦). وقال الفرّاءُ: من قَرَأَ: "المُنْشِئاتُ" فهن اللاتي يُقْبِلْنَ ويُدْبِرْن، ويقال: المُنْشِئآتُ: المُبْتَدِئَاتُ في الجَرْيِ، قال: والمُنْشَآتُ: أُقْبِلَ بِهنَّ وأُدْبِرَ (٧). قال أبو زرعة:" "المنشِآت" بكسر الشين، أي المبتدئات في السير ... وقال بعض أهل النحو: المعنى: المنشئات السير فحذف المفعول للعمل به، ونسب الفعل إليها على الاتساع، كما يقال: مات زيد، ومرض عمرو، ونحو ذلك مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه، وهو في الحقيقة بهبوب الريح ودفع الرجال. وقرأ الباقون: "المنشَآت" بفتح الشين. قال أبو عبيدة: "المنشَآت": المُجْرَيَاتُ

стр. 196

المَرْفُوعَاتُ الشُرُع، وهي مفعولة؛ لأنها أنشئت، وأجريت، ولم تفعل ذلك بأنفسها أي فُعِلَ بها الإنشاء، فهذا بين لا إشكال فيه" (١). • (والمُحْصِنَاتُ) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِن النِّسَاءِ﴾ (٣). [التاج: حصن]. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَ القُرَّاء على نَصْبِ الصَّاد في الحَرْفِ الأَوَّل مِن النِّساء (٤)، فلم يَخْتلِفوا في فتْحِ هذه؛ لأَنَّ تأَوِيلَها ذَوَات الأَزْواجِ يُسْبَيْنَ فيُحِلُّهنَّ السِّباءُ لمَنْ وَطِئها مِن المالِكِين لها، وتَنْقطِع العِصْمةُ بينهنَّ وبينَ أَزْواجهنَّ بأَنْ يَحِضْنَ حَيْضَة ويَطْهُرْنَ منها، فأَمَّا سِوَى الحَرْف الأَوَّل فالقُرَّاء مُخْتَلِفونَ: فمنهم مَنْ يَكْسِر الصَّاد، ومنهم مَنْ يَفْتَحها فمَنْ نَصَبَ ذَهَبَ إِلى ذَواتِ الأَزْواجِ اللاَّتي قد أَحْصَنَهُنَّ أَزْواجُهنَّ، ومَنْ كَسَر ذهَبَ إِلى أَنَّهنَّ أَسْلَمْنَ فأَحْصَنَّ أَنْفسهنَّ فهُنَّ مُحْصِنات (٥). قالَ الفرَّاءُ: "والمُحْصَنَاتُ مِن النِّساءِ"، بنَصْبِ الصَّاد أَكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ (٦). وقال السمين:" "الْمُحْصَنَاتُ" قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة بـ "أل" أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في الجميع، إلا قوله "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ" (٧) في رأس الجزء، فإنه وافق الجمهور. فأمَّا الفتحُ ففيه وجهان:

стр. 197

أشهرهما: أنه أَسْند الإِحصان إلى غيرهن، وهو إمَّا الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِنُ امرأته أي: يُعِفُّها، والوليَّ يُحصِنُها بالتزويجِ أيضاً والله يُحْصِنُها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوحَ الصادِ بمنزلة المكسور، يعني أنه اسمُ فاعل، وإنما شَذَّ فتحُ عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظَ: أَحْصَنَ فهو مُحْصَن وأَلْقح فهو مُلْقَح، وأَسْهَب فهو مُسْهَب. وأمَّا الكسر فإنه أسند الإِحصان إليهن؛ لأنهن يُحْصِنَّ أنفسهن بعفافهن، أو يُحْصِنَّ فروجهن بالحفظ، أو يُحْصِنَّ أزواجهن. وأما استثناء الكسائي التي في رأس الجزء قال: "لأن المراد بهن المُزَوَّجات فالمعنى: أن أوزاجَهُنَّ أحصنوهن، فهن مفعولاتٌ"، وهذا على أحدِ الأقوال في المحصنات هنا مَنْ هن؟ على أنه قد قرئ ـ شاذاً ـ التي في رأس الجزء بالكسر أيضاً، وإنْ أُريد بهن المزوِّجات؛ لأنَّ المراد أحصنَّ أزواجهنّ أو فروجهنّ، وهو ظاهر" (١). ثانيا: من اسم الفاعل إلى الصفة المشبهة الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد، وهي الصفة المصوغة لغير تفضيل، لإفادة نِسْبَةِ الحَدَثِ إلى مَوْصُوفِهَا دونَ إِفَادَةِ الحُدُوثِ، مثال ذلك "حَسَن" في قولك: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَـ"حَسَنُ" صفة؛ لأن الصفة ما دل على حَدَثٍ وَصَاحِبِهِ، وهذه كذلك وهي مصوغة لغير تفضيل قطعا؛ لأن الصفات الدالة على التفضيل هي الدالة على مشاركة وزيادة، كَأَفْضَل، وأَعْلَم وأَكْثَر، وهذه ليست كذلك، وإنما صيغت لنسبة الحدث إلى موصوفها، وهو الحُسْنُ، وليست مصوغة لإفادة معنى الحدوث، وأعني بذلك أنها تفيد أن الحُسْنَ في المثال المذكور ثابت لوجه الرجل، وليس بحادث متجدد وهذا بخلاف اسمي الفاعل والمفعول، فإنهما يفيدان الحدوث والتجدد ألا ترى أنك تقول: مررت برجل ضارب عمرا، فتجد ضاربا مفيدا لحدوث الضرب وتجدده، وكذلك مررت برجل مضروب. وإنما سميت هذه الصفة مشبهة؛ لأنها كان أصلها أنها لا تنصب لكونها مأخوذة من فعل قاصر؛ لكونها لم يقصد بها الحدوث، فهي مباينة للفعل تؤنث وتثنى وتجمع، فتقول: حَسَنٌ، وحَسَنَةٌ، وحَسَنَانِ وحَسَنَتَانِ، وحَسَنُونَ، وحَسَنَات، كما تقول في اسم الفاعل: ضارب وضاربة، وضاربان، وضاربتان، وضاربون، وضاربات. وهذا بخلاف اسم التفضيل كأعلم وأكثر، فإنه لا يثنى

стр. 198

ولا يجمع ولا يؤنث أي في غالب أحواله، فلهذا لا يجوز أن يشبه باسم الفاعل (١). والصفة المشبهة لا تنصب إلا اسما واحدا. ولم تشبه باسم المفعول؛ لأنه لا يدل على حدث وصاحبه، كاسم الفاعل؛ ولأن مرفوعها فاعل كاسم الفاعل، ومرفوعه نائب فاعل (٢). وكل صيغة لاسم الفاعل هي صيغة للصفة المشبهة ما دلت على ثبوت الصفة. وقد وردت القراءة في مواضع عدة من التاج مترددة بين اسم الفاعل والصفة المشبهة منها: • (حامِئَةٍ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (٤). قال الزبيدي: "حَمِئت البئرُ حَمَأً فهي حَمِئَةٌ إذا صارت فيها الحَمْأَة، وهو الطين الذي تغير لونه ورائحته. وفي التنزيل ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقرأَ ابنُ مسعود وابنُ الزُّبَيْر ﴿في عَيْنٍ حامِئَةٍ﴾. [التاج: حمأ]. وقراءة ابن مسعود كما روتها كتب التفسير (٥) والقراءات (٦) "حَامِيَة" بالياء وليس بالهمزة وقد جوز بعض المفسرين أن يكون أصلها الهمزة ثم خففت، وعليه تلتقي القراءتان في معنى واحد، ويجوز أن تكون من (حمي) والمعنى: شديدة الحر. ويجوز أن تجمع أيضا العين بين الوصفين فتصير حمئة وحامية. غير أن العكبري قال: "ويقرأ بالألف من غير همز - حامية - وهو مخفف من المهموز- حامئة - أيضا، ويجوز أن يكون من حمي الماء، إذا اشتد حره،

стр. 199

كقوله تعالى: ﴿نَارَاً حَامِيَةً﴾ (١) " (٢)، فحامية على القول بالتخفيف من حامئة تتصل بالمادة لاشك. وفي مادة (خ ل ب) يذكر الزبيدي الآية مرة أخري مستدلا بها على أن الخُلُبَ هو الحمأ فيقول: "وفي حديث ابنِ عباسٍ وقد حَاجَّهُ عُمَرُ في قولِه تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ فقال عُمَرُ: "حَامِيَة"، فأَنشَدَ ابنُ عباس بَيْتَ تُبَّعٍ (٣): فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا ... فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثَأطٍ حَرْمَدِ الخُلُب: الطِّينُ والحَمْأَةُ " ولكن الطحاوي قد عقد بابا في (شرح مشكل الآثار) سماه: "باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ فيما تغرب فيه الشمس " ذكر فيه سبعة أحاديث ليس فيها محاجة بين ابن عباس وعمر بن الخطاب، ولكنها كانت بين ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵄، في بعض الأحاديث، وبين ابن عباس وعمرو بن العاص في أحاديث أخرى، ويبدو أن الزبيدي أو من نقل عنه قد التبس عليه الاسم الصحيح. ونص الحديث: عن ابن عباس قال: «خالفني عمرو بن العاص ونحن عند معاوية فقال ابن عباس: "عَيْنٍ حَمِئَةٍ" وقال عمرو: "حَامِيَةٍ " قال: فسألنا كعبا فقال: إنها في كتاب الله المنزل لتغرب في طينة سوداء» (٤). ويذكر الدمياطي في الإتحاف أن من قرأ "حمئة" فهي صفة مشبهة من (حمأ)، ومن قرأ "حامية" فهي اسم فاعل من (حمي) (٥). والمعروف أن دلالة الصفة المشبهة أقوى من اسم الفاعل لإفادتها معنى الثبوت في الصفة. قال القرطبي: "قرأ ابن عاصم وعامر وحمزة والكسائي "حامية" أي حارة. الباقون "حمئة" أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء، تقول: حمأت البئر حمأ (بالتسكين) إذا نزعت حمأتها. وحمئت البئر حمأ (بالتحريك) كثرت حمأتها. ويجوز أن تكون "حامية" من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء. وقد يجمع بين القراءتين فيقال: كانت حارة وذات حمأة " (٦).

стр. 200

قال أبو حيان: "ولا تنافي بين الحامية والحمئة إذ تكون العين جامعة للوصفين. وقال أبو حاتم: وقد تمكن أن تكون حامية مهموزة بمعنى ذات حمأة فتكون القراءتان بمعنى واحد يعني إنه سهلت الهمزة بإبدالها ياء لكسرة ما قبلها، وفي التوراة تغرب في ماء وطين" (١). • (حَذِرُونَ) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٣). يذكر الزبيدي القراءتين: "حاذِرُونَ"، و"حَذِرُونَ"، ويفرق بين الصياغتين في المعنى دون أن يلفت الانتباه إلى أن الأولى اسم فاعل، والثانية صفة مشبهة فيقول: "وفي الكتاب العزيز: ﴿وإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وقُرِئ: "حَذِرُونَ" ... ومعنَى: حاذِرُون: مُتَأَهِّبُون، ومعنَى: حَذِرُون: خائِفُون، وقيل: مُعِدُّونَ. ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ أَنه قال: مُؤْدُونَ: ذو أَداة من السِّلاح. وقال الزَّجّاج: الحاذِرُ: المُسْتَعِدُّ. والحَذْرُ: المُتَيَقِّظُ. وقال شَمِرٌ: الحاذِرُ: المُؤْدِي الشَّاكُّ في السِّلاح". [التاج: حذر]. قال الطبري: "قرأته عامة قرّاء الكوفة: (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) بمعنى: أنهم معدون مؤدون ذوو أداة وقوّة وسلاح. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة: "وأنا لجميع حذرون" بغير ألف. وكان الفرّاء يقول (٤): كأن الحاذر الذي يحذرك الآن، وكأن الحذر المخلوق حذرا لا تلقاه إلا حذرا ... والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار متقاربتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ، فمصيب الصواب فيه" (٥). وقال البغوي: هما لغتان (٦). وقال الرازي: "واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث، وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة أفادت الثبوت، فمن قرأ "حَذِرُونَ" ذهب إلى إنا قوم من عادتنا

стр. 201

الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: "حَاذِرُونَ" فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا" (١). وقال القرطبي: قال النحاس: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى "حذرون" و"حاذرون" واحد. وهو قول سيبويه، وأجاز: هو حذر زيدا، كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد: حَذِرٌ أُمُورَاً لا تَضِيْرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيَهِ مِنَ الأَقْدَارِ (٢) وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز: هو حذر زيدا، على حذف من. فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر، منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد، فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر، أي متيقظ متنبه، فإذا كان هكذا لم يتعد، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدمين" (٣). • (فَرِهِينَ) (٤): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٥). قال الزبيدي: "فَرِهَ كفَرِحَ: أَشِرَ وبَطَر. قال الفراء: أقيمت الهاء هنا مقام الحاء في فَرِحَ والفَرَحُ في كلام العرب: الأَشَرُ والبَطَرُ، يقال: لا تَفْرَحْ أي لا تَأْشَرْ، وفى الصحاح قوله تعالى: ﴿بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ فمن قرأه كذلك فهو من هذا، ومن قرأه: ﴿فَارِهِينَ﴾ فهو من فَرُهَ بالضم. فعلى الأولى أي: أشرين بطرين، وعلى الثانية: حاذقين قاله الفراء (٦) ". [التاج: فره]. والواضح من كلامه اختلاف معنى القراءتين لاختلاف أصلهما. وللألوسي إسهام في هذه الآية حيث يرى أن الأصل واحد والاختلاف في الصيغة فقط؛ يقول: "وقراءة الجمهور أبلغ لما ذكروا في حاذر وحذر" (٧)، أي أن "فَارِهَاً" اسم

стр. 202

فاعل و"فَرِهَاً" صفة مشبهة (١)، فهي أقوى في الدلالة؛ لأنها تدل على ثبوت الصفة في موصوفها، وما ذكره الألوسي أقرب إلى الصواب؛ لأن جمهور القراء على التقريب بين القراءتين ما أمكن ذلك. قال البغوي: معناهما واحد (٢). وقيل: "فارهين" أي: حاذقين بنحتها، من قولهم فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن قرأ "فرهين" قال ابن عباس: أَشِرين بطِرِين (٣). وقال عكرمة: ناعمين. وقال مجاهد: شرهين. قال قتادة: معجبين بصنيعكم، قال السدي: متجبرين. وقال أبو عبيدة: مرحين. وقال الأخفش فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل: مدحته ومدهته. قال الضحاك: كَيِّسِينَ (٤) " (٥). • (فَكِهُونَ) (٦): قراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ (٧). [التاج: فكه]. يذكر الزبيدي قراءة ﴿فَكِهُونَ﴾ وأن معناها متعجبون. وهي جمع فَكِهٍ كحذر وحذرون، وهي صفة مشبهة تدل على المبالغة والثبوت ... وقرىء ﴿فَاكُهُونَ﴾ (٨) بفتح الفاء وضم الكاف، و"فَعُل" بضم العين من أوزان الصفة المشبهة، كنَطُسٍ وهو الحاذق الدقيق النظر الصادق الفراسة" (٩).

стр. 203

قال القرطبي: وهما لغتان كالفاره والفره، والحاذر والحذر، قاله الفراء (١). وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة، مثل شاحم، ولاحم وتامر، ولابن، والفكه المتفكه والمتنعم. و"فكهون" بغير ألف في قول قتادة معجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا" (٢). • (لَبِثِينَ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٤). [التاج: لبث]. يشرح الزبيدي معنى لابِثٍ ولَبِثٍ على ضوء الآية وقراءتها، فيقول: "وهو لابِثٌ ولَبِثٌ أَيضاً قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال الفراءُ (٥) النّاس يقرؤونَ: "لابِثِينَ" ورُوِي عن علقَمَةَ أَنه قَرَأَ: "لَبِثينَ"، قال: وأَجودُ الوَجْهيْن "لابِثِينَ" قال: واللَّبِثُ: البَطِيء وهو جائزٌ كما يُقَال: طَامِعٌ وطَمِعٌ بمعنىً واحدٍ، ولو قلت: هو طَمِعٌ فيما قِبَلَكَ كان جائزاً". ويذكر البغوي أنهما لغتان (٦). ومع ذلك يؤكد غير واحد من اللغويين والمفسرين على أن هناك فرقا في المعنى بين القراءتين، قال الزمخشري: " قرئ: "لابثين" و"لبثين"، واللبث أقوى؛ لأنّ اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال «لبث» إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه" (٧). وقال الألوسي (٨): وفي "لَبِثِينَ" من المبالغة ما ليس في "لابثين"". ويقول أبو حيان (٩): إن فَاعِلاً يدل على من وجد منه الفعل وفَعِلاً يدل على من شأنه ذلك كحاذر وحذر. ويقول الأزهري (١٠): هو لَبِثٌ إذا صار البث من شأنه.

стр. 204

قال السمين: "وضَعَّفَ مكيٌّ قراءةَ حمزةَ، قال: "ومَنْ قرأ "لبِثين"، شَبَّهه بما هو خِلْقَةٌ في الإِنسان نحو: حَذِر وفَرِق، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ اللُّبْثَ ليس مِمَّا يكونُ خِلْقَةً في الإِنسان، وبابُ فَعِل إنما هو لِما يكونُ خِلْقَةً في الإِنسانِ، وليس اللُّبْثُ بخِلْقةٍ" ... وقولُ مكيّ: الُّلبْثُ ليس خِلْقَةً مُسَلَّمٌ؛ لكنه بُولِغَ في ذلك فجُعِلَ بمنزلةِ الأشياءِ الخِلْقيَّة" (١). أما الإمام الطبري (رحمه الله تعالى) فقد فاضل بين القراءتين على أساس من العامل النحوي فقال:"واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (لابِثِينَ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة (لابِثِينَ) بالألف. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "لَبِثِينَ" بغير ألف، وأفصح القراءتين وأصحهما مخرجا في العربية، قراءة من قرأ ذلك بالألف، وذلك أن العرب لا تكاد توقع الصفة إذا جاءت على (فَعِل) فتعملها في شيء، وتنصبه بها، لا يكادون أن يقولوا: هذا رجل بَخِل بماله، ولا عَسِر علينا، ولا هو خَصِم لنا؛ لأن (فَعِل) لا يأتي صفة إلا مدحا أو ذما، فلا يعمل المدح والذمّ في غيره، وإذا أرادوا إعمال ذلك في الاسم أو غيره جعلوه (فاعلا) فقالوا: هو باخل بماله، وهو طامع فيما عندنا، فلذلك قلت: إن (لابِثِينَ) أصح مخرجا في العربية وأفصح، ولم أُحِلّ قراءة من قرأ (لَبِثِينَ) وإن كان غيرها أفصح؛ لأن العرب ربما أعملت المدح في الأسماء، وقد يُنشد بيت لبيد (٢): أوْ مِسْحَلٌ عَمِلٌ عِضَادَةَ سَمْحَجٍ ... بِسَرَاتِهَا نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ فأعمل (عَمِل) في (عِضادة)، ولو كانت (عاملا) كانت أفصح" (٣). ولكن أبا جعفر النحاس لا يرد قراءة "لَبِثِينَ" على أساس نحوي كما رأى الطبري؛ لأنه يرى أن المعمول ظرف، والظرف يتعدى إليه ما لا يتعدى لغيره ولكنه يردها على أساس من السند فيقول: " قرأ علقمة، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة: "لَبِثِينَ" بغير ألف. وقد اعترض في هذه القراءة فقيل: هي لحن لا يجوز: هو حذر زيدا، وإن كان سيبويه قد أجازه وأنشد (٤):

стр. 205

حذِرٌ أموراً لا تَضِير وآمِنٌ ... ما لَيْسَ مُنجِيَهُ مِنَ الأقدارِ وأنشد الفراء: (بيت لبيد السابق) إلا أن سيبويه أنشده (أو مِسْحَلٌ شَنْجٌ). وقال قوم: هو لحن؛ لأنه إنما يقال: حذر، وكذا باب (فَعِل) لمن كان في خلقته الحذر، فأما اللابث فليس من ذلك في شيء. قال أبو جعفر: أما القول الأول فغلط، ولا يشبه هذا قولك: حذر زيدا؛ لأن أحقابا ظرف، وما لا يتعدى يتعدى إلى الظرف، وأما الثاني فهو يلزم إلا أنه يجوز على بعد، والقراءة بـ"لابثين" بينة حسنة، فأما حجة من احتج بـ"لبثين" بما رواه شعبة عن أبي إسحاق، قال في قراءة عبد الله "لبثين"، فلا حجة فيه؛ لأن أبا إسحاق لم يلق عبد الله، ولو كان إسناده متصلا كانت فيه حجة" (١). • (مَلِكِ) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). ذكر الزبيدي القراءتين السابقتين، ثم عرض حجة الفريقين فقال: " قرأَ عاصِمٌ والكِسائي ويَعقُوبُ "مالِكِ" بأَلِفٍ. وقرأَ باقِي السَّبعَةِ وهم ابنُ كَثِيرٍ ونافِع وأَبُو عَمرو وابنُ عامِرٍ وحَمزَةُ: ﴿مَلِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ بغيرِ أَلِفٍ ... وما ذُكِرَ من تَخالُف مَعْنَى "مالكٍ" و"مَلِك" هو المَشْهُورُ (٤)، وقَوْلَ الجُمْهُورِ، وقال قومٌ: هُما بمَعْنًى واحد كفارِه وفَرِهِ، وفاكِهٍ وفَكِه، وعلى الأَوّل قيلَ: مالِكُ أَمْدَحُ؛ لأَنه أَوْسَعُ وأَجْمَعُ، وفيه زيادَةُ حَرف يتَضَمَّن عشرَ حَسَناتٍ، والمالكِيَّة تثبت لإِطْلاقِ التَّصَرّف دونَ المَلَكيَّة، وأَيْضًا المَلِكُ مَلِكُ الرَّعِيَّة، والمَالِكُ مالِكُ العبد، وهو أَدْوَنُ حالاً من الرَّعِيَّة، فيَكُونُ القَهْرُ والاسْتيلاءُ في المالكيَّةِ أَكْثَر؛ ولأَنَّ الرَّعِيَّةَ يمكِنُهم إِخْراجُ أَنْفُسهِم عن كَوْنِهم رَعيَّةً، والمَمْلوكُ لا يُمْكِنُه إِخراجُ نفسِه عن كَوْنِه

стр. 206

مَمْلُوكًا، وأَيْضًا المَمْلُوكُ يجبُ عليه خِدْمَةُ المالِكِ بخِلافِ الرَّعِيَّةِ مِع المَلِكِ، فلهذه الوُجوه كانَ مالِكُ أكْمَلَ من ملِكِ ومِمَّن قالَ به الأَخْفشُ، وأَبو عُبَيدَةَ. وقِيل: مَلِك أَمْدَحُ؛ لأَنَّ كُلَّ أَحَد من أَهْلِ البَلَدِ مالِكٌ، والمَلِكُ لا يَكُونُ إِلاّ واحِداً من أَعْظَمِ النّاسِ وأَعْلاهُم، ولأَنَّ سِياسَةَ المُلُوكِ أَقْوَى من سياسَةِ المالِكِينَ، لأَنَّه لو اجْتَمَع عالَمٌ من المُلاّكِ لا يُقاوِمُونَ مَلِكاً واحِداً، قالوا: ولأَنِّه أَقْصَرُ، والظاهِرُ أَنَّ القارِئَ يُدْرِكُ من الزَّمانِ ما يُدْرِكُ فيه الكَلِمَةَ بتمامِها بخِلافِ مالِكِ فإِنَّهَا أَطْوَل، فيَحْتَمِلُ أَن لا يَجِدَ من الزَّمانِ ما يُتمُّها فيه، فهو أَوْلَى وأَعْلَى، ورُوِي ذلك عن عُمَر، واخْتَارَه أَبو عُبَيدٍ". [التاج: ملك]. والواضح من كلام الزبيدي أن العلماء قد انقسموا في توجيه هذا الحرف إلى قسمين: الأول: يذهب إلى أنهما لغتان والمعنى واحد (١)، قال أبو علي قال السري: "والحجة في ذلك أن المِلْكَ والمُلْكَ يجمعهما معنى واحد، ويرجعان إلى أصل وهو الربط والشد، كما قال الشاعر: مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ دُونَهَا مَا ورَاءَهَا (٢) يصف طعنة، يقول شددت بها كفي" (٣). والقسم الثاني: يرى أنهما لمعنيين مختلفين، وقد فصلوا في اختلاف المعنى بين الصيغتين إلا أنهما جميعا ينطلقون من فكرة العموم والخصوص. وقد اشتد الخلاف بين العلماء في هذا الموضع إلى حد تكاد تسقط معه كل قراءة القراءة الأخرى، وهذا يتناقض مع ثبوت سند القراءتين ووجهيهما، وعدم اتصاف الرب بالصفتين اللتين يتبين له وجه الكمال فيهما؛ وقد رفض السمين الحلبي هذا الخلاف فقال: وهذا غير مرضي؛ لأن كلتيهما متواترة، ويدل على ذلك ما روي عن ثعلب أنه قال: " إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى" (٤).

стр. 207

• (قَسِيَّةً) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (٢). [التاج: قسو] ذكر الزبيدي القراءة السابقة وهو بصدد التفريق في المعنى بين: قاسي وقَسِيٍّ (٣) فقال: "قرئ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً﴾ وهي التي ليست بخالصة الإيمان". وقد تناول الطبري القراءتين وذكر الحجة فيهما فقال: "قرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: "وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً". ثم اختلف الذين قرؤوا ذلك كذلك في تأويله. فقال بعضهم: معنى ذلك معنى "القسوة"؛ لأن "فَعِيلَة" في الذم أبلغ من "فَاعِلَة"، فاخترنا قراءتها "قَسِيِّة" على "قَاسِيَة" لذلك. وقال آخرون منهم: بل معنى "قَسِيَّة" غير معنى "القسوة"، وإنما "القَسِيَّة" في هذا الموضع: القلوبُ التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كُفْر، كالدراهم "القَسِيَّة"، وهي التي يخالط فضّتها غشٌّ من نحاس أو رَصاص وغير ذلك، كما قال أبو زُبَيْد الطائي: لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ (٤) يصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي "السِّلام". قال أبو جعفر: "وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: "وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً" على "فعيلة"؛ لأنها أبلغ في ذم القوم من "قاسية". وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: "فعيلة" من "القسوة"، كما قيل: "نفس زكيّة" و"زاكية"، و"امرأة شاهدة" و"شهيدة"؛ لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم

стр. 208

ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ" (١). ويؤخذ مما سبق أن في "قاسي" و"قسي" قولين: أحدهما: أنهما لغتان يتواردان على الموضع الواحد ولا خلاف بينهما إلا في درجة الصفة. والآخر: أن المعنى مختلف؛ لأن "قاسية" من القسوة، أما "قسية" فمن الرداءة قال الألوسي: ﴿قَسِيَّةً﴾، إما مبالغة "قاسية" لكونه على وزن (فعيل)، أو بمعنى رَدِيَّة من قولهم: درهم قَسِيٌّ إذا كان مغشوشاً (٢). • (الْقَنِطِينَ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ (٤). [التاج: قنط]. ساق الزبيدي القراءة السابقة في معرض حديثه عن صيغة المبالغة من الفعل (قنط) على زنة (فَعِل): قَنِط، كفَرِحٍ. وقراءة الجمهور جاءت على صيغة اسم الفاعل (القانطين). قال الطبري: "قرأه عامَّة قراء الأمصار (الْقَانِطِينَ) بالألف. وذكر عن يحيى بن وثاب أنه كان يقرأ ذلك (القَنِطِينَ) " (٥). • (فَرِغَاً) (٦): قراءة في قوله تعالى: ﴿وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فارِغاً﴾ (٧). [التاج: فرغ]. استشهد الزبيدي بقراءة الجمهور السابقة على أن فَارِغاً وفَرِغاً بمعنى واحد - مع أن فارغا اسم فاعل، وفرغا صيغة مبالغة أو صفة مشبهة - فقال: "ورَجُلٌ فَرِغٌ أي: فارِغٌ كفَكِه وفاكِهٍ وفَرِهٍ وفارِهٍ، ومنه قِرَاءَةُ أبي الهُذَيْلِ: ﴿وأصْبحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِغَاً﴾.

стр. 209

قال ابن عطية: "وقرأ بعض الصحابة ﵃ "فِرْغَاً" بالفاء المكسورة والراء الساكنة والغين المنقوطة، ومعناها ذاهبا هدرا تالفا من الهم والحزن، ومنه قول طليحة بن خويلد الأسدي في حِبَالٍ أخيه "من الطويل" (١): فَإِنْ تَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ ... فَلَنْ يَذْهَبُوا فَرْغَاً بِقَتْلِ حِبَالِ" (٢). • (أَنِفَاً) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ (٤). [التاج: أنف]. ذكر الزبيدي أن (آنِفَاً) و (أَنِفَاً) على زنة (فَاعِل) و (فَعِل)، معناهما واحد، فقال: " قَالَ آنِفاً وسَالِفاً، كصاحِب، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، أَنِفاً، مِثْل كَتِف، وهذه عن ابن الأَعْرَابِيِّ، وقُرِئ بهما قولُه تعالى: "مَاذَا قَالَ آنِفاً" و"أَنِفاً"، قال ابنُ الأعْرَابِيِّ: أَي مُذْ ساعَةٍ، وقال الزَّجَاجُ: أَي ماذا قالَ السَّاعَةَ أَي: في أَولِ وَقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا". وقال السمين: " قرأ البزيُّ عنه "أَنِفاً" بالقصرِ. والباقون بالمدِّ، وهما لغتان بمعنىً واحدٍ، وهما اسما فاعِل كـ حاذِر وحَذِر، وآسِن وأَسِن، إلاَّ أنَّه لم يُسْتعمل لهما فِعْلٌ مجردٌ، بل المستعملُ ائْتَنَفَ يَأْتَنِفُ، واسْتَأْنف يَسْتأنف. والائْتِنافُ والاسْتِئْناف: الابتداء. قال الزجَّاج: "هو مِنْ اسْتَأْنَفْتُ الشيءَ إذا ابتدَأْتَه أي: ماذا قال في أولِ وقتٍ يَقْرُب مِنَّا" (٥). • (نَاخِرَةٌ) (٦): قراءة في قوله تعالى: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ (٧). قال الزبيدي: "النَّخِرُ ككَتِف والناخِر: البالي المُتَفَتِّت. يقال: عَظْمٌ نَخِرٌ وناخِرٌ، وقد نَخِرَ كفَرِح، وكذلك الخَشَبة، وقد نَخِرَت إذا بَلِيَتْ واسْتَرْخَت تَتَفَتَّت إذا مُسَّتْ. أو النَّخِرَةُ من العِظام: البالِيَة والناخِرةُ: التي فيها بَقِيَّة. وقيل: هي المُجَوَّفة التي فيها ثُقْبَةٌ يجيءُ منها عندَ هُبوب الرِّيح صوتٌ كالنَّخير. وقولُه

стр. 210

تعالى: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾، وقُرئ: "نَاخِرَةٌ". قال الفَرَّاء (١): و"نَاخِرَةٌ" أَجْوَدُ الوَجْهَيْن؛ لأنّ الآيات بالألف ألا ترى أنّ ﴿ناخِرة﴾، مع ﴿الحافِرة﴾ (٢)، و ﴿السَّاهِرة﴾ (٣) أشبه بمَجيءِ التَّأْويل قال: و ﴿النَّاخِرة﴾، و ﴿النَّخِرَة﴾ سَواءٌ في المعنى بمنزلِةِ الطامِعِ والطَّمِع. [التاج: نخر]. وقال الطبري: " قرأته عامة قرّاء المدينة والحجاز والبصرة (نَخِرَةً) بمعنى: بالية. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة (ناخِرَةً) بألف، بمعنى: أنها مجوّفة تنخَر الرياح في جوفها إذا مرّت بها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الناخرة والنخرة سواء في المعنى، بمنزلة الطامع والطمِع، والباخل والبَخِل؛ وأفصح اللغتين عندنا وأشهرهما عندنا (نَخِرَةً)، بغير ألف، بمعنى: بالية، غير أن رءوس الآي قبلها وبعدها جاءت بالألف، فأعجب إليّ لذلك أن تُلْحق ناخرة بها ليتفق هو وسائر رءوس الآيات، لولا ذلك كان أعجب القراءتين إليّ حذف الألف" (٤). وقال أبو زرعة: " "نَاخِرَة" أي بالية، كذا قال ابن عباس، وقيل: فارغة وقال آخرون: الناخرة العظم المجوف الذي تمر فيه الريح فتنخر، وقالوا النَّخِرَةُ: البالية، وحجتهم في ذلك أن رؤوس الآيات بالألف نحو: "الحَافِرَة" و "الرَّادِفَة" و"الرَّاجِفَة" و"السَّاحِرَة" فالألف أشبه بمجيء التنزيل وبرؤوس الآيات. وقرأ الباقون: "نَخِرَةً" بغير ألف، وحجتهم في ذلك أن ما كان صفة منتظر لم يكن فهو بالألف، وما كان وقع فهو بغير ألف، قال اليزيدي: يقال عظم نَخِرٌ ونَاخِرٌ غدا، فدل على أنهم قالوا إذ كنا بعد موتنا عظاما نخرة قد نخرت، وقال أبو عمرو: نخرة وناخرة واحد " (٥). قال السمين: " هما كحاذِر وحَذِر، (فاعِل) لمَنْ صَدرَ منه الفِعْلُ، و (فَعِل) لِمَنْ كان فيه غَريزةً، أو كالغَريزة. وقيل: ناخِرة ونَخِرة بمعنى بالية. وقيل: ناخِرَة، أي: صارَتِ الريحُ تَنْخِرُ فيها، أي: تُصَوِّتُ، ونَخِرَة، أي: تَنْخِرُ فيها دائماً. وقيل: ناخِرَة: باليِية، ونَخِرَة: متآكلة. وعن أبي عمروٍ: الناخِرة: التي لم تَنْخَرْ بعدُ، والنَّخِرَةُ: البالية. وقيل: الناخِرَةُ: المُصَوِّتَهُ فيها الريحُ، والنَّخِرةُ: الباليةُ

стр. 211

التي تَعَفَّنَتْ. قال الزمخشري: "يُقال: نَخِر العظمُ، فهو نَخِرٌ وناخِرٌ، كقولِك: طَمعَ فهو طَمعٌ وطامعٌ، وفَعِل أَبْلَغُ مِنْ فاعِل، وقد قُرِىء بها، وهو البالي الأجوفُ الذي تُمُرُّ فيه الرِّيحُ فيُسْمَعُ له نَخِير" (١). ويمكن إجمال ما سبق في ثلاثة وجوه: أحدهما: أنهما اسما فاعل بمعنى واحد، والثاني: مثله إلا أن في "نخرة" معنى المبالغة، والثالث: أن "ناخرة"، اسم فاعل، و"نخرة" صفة مشبهة تفيد ثبات الصفة في موصوفها.

стр. 212

المبحث الثاني التغيير في صيغة الجمع يتناول هذا المبحث التغيير في صيغة الجمع، وقد قسمته إلى أقسام ثلاثة جعلت القسم الأول للتغيير في الجمع السالم مذكرا ومؤنثا. وجعلت القسم الثاني للتغيير في جمع التكسير. وجعلت القسم الثالث للتغيير من جمع إلى جمع. أولا: التغيير في الجمع السالم: (أ) جمع المذكر. عرفت العربية نوعين من الجموع: أحدهما: سالم (مذكر ومؤنث). والآخر: هو جمع التكسير، ويدل أيضا على النوعين: المذكر والمؤنث، ولكل صيغته. كما أجمعت كتب اللغة على أن الجمع السالم قياسي، والمكسر سماعي. ويشترط في الجمع المذكر السالم أن يدل مفرده على مذكر، وأن نحصل على صيغة الجمع من مفرده بإضافة واو ونون في حالة الرفع، أو ياء ونون في حالتي النصب والجر، فإذا اختل شرط من هذه الشروط حكم على الكلمة بأنها ليست من الجمع المذكر السالم، حتى ولو شابهته في الصيغة، نحو: (قوانين)، فهي صيغة جمع، ودلت على مذكر، وانتهت بياء ونون، إلا أننا لو جردناها من علامة الجمع (الياء والنون) لا نحصل على المفرد (قانون)، بل نحصل على (قوان)، وهي ليست بشيء. وقد وردت القراءة القرآنية بصيغة الجمع السالم المذكر في التاج وهي: • (رَبِّيُّونَ) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (٢). [التاج: ربب]. يذكر الزبيدي الاختلاف في "ربيين" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ وهل هو منسوب إلى "الرُّبَّةِ": عَشَرَة آلافٍ، أو منسوب إلى الرَّبِّ.

стр. 213

وقد استطاع الزبيدي أن يجمل ما تفرق في كتب التفسير (١) والقراءات (٢) حول هذه المسألة فقال: "والرِّبِّيُّ بالكسر واحدُ الرِّبِّيِّين وهم الأُلوف من الناسِ قاله الفراءُ. وقال أَبو العباس أَحمدُ بن يحيى (ثعلب): قال الأَخْفَش: الرِّبِّيُّونَ منسوبونَ إلى الرَّبِّ قال أَبو العبَّاس: يَنْبَغِي أَن تُفْتَحَ الراءُ على قوله، قال: وهو على قول الفَرّاءِ من الرِّبَّةِ، وهي الجَمَاعَة، وقال الزجّاج: "رُبِّيُّونَ" بكَسْرِ الرَّاءِ وضمها، وهم الجَمَاعَة الكثيرَة، وقيلَ: الرِّبِّيُّونَ: العُلماءُ الأَتْقِيَاءُ الصُّبُر، وكِلاَ القولينِ حَسَنٌ جِمِيلٌ، وقال أَبو العباسِ: الرِّبَّانِيُّونَ: الأُلوف، والرَّبَّانِيُّونَ: العُلَمَاءُ وقد تقدَّم. وقرأَ الحَسَن: "رُبِّيُّونَ" (٣) بضَمِّ الراءِ. وقَرَأَ ابن عباس "رَبِّيُّونَ" بفَتْحِ الرَّاءِ كذا في اللسان. قلت: ونَقَلَهُ ابن الأَنباريِّ أَيضاً وقال: وعَلَى قِرَاءَة الحَسَنِ نُسِبُوا إلى الرُّبَّةِ والرُّبَّةُ: عَشَرَة آلافٍ). قال الطبري: وأما "الربيون"، فإن أهل العربية اختلفوا في معناه. فقال بعض نحويي البصرة: هم الذين يعبدون الرَّبَّ، واحدهم "رِبِّي". وقال بعض نحويي الكوفة: لو كانوا منسوبين إلى عبادة الربّ لكانوا "رَبِّيون" بفتح "الراء"، ولكنه: العلماء، والألوف و"الربيون" عندنا، الجماعات الكثيرة، واحدهم "رِبِّي"، وهم الجماعة" (٤). وقال السمين:"والربيُّون: جمعُ "رِبِّي" وهو العالمُ منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وإنما كُسرت راؤه تغييراً في النسب نحو: "إِمْسِيّ" بالكسرِ منسوبٌ إلى "أَمْس". وقيل: كُسِر للإِتباع، وقيل: لا تغييرَ فيه وهو منسوبٌ إلى الرُّبَّة وهي الجماعةُ. وهذه القراءةُ بكسرِ الراء قراءة الجمهور. وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس والحسن: "رُبِّيُّون" بضمِّ الراء، وهو من تغيير النسب إنْ قلنا هو منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وقيل: لا تغييرَ وهو منسوب إلى الرُّبَّة وهي الجماعةُ، وفيها لغتانِ: الكسر والضم. وقرأ ابن عباس في رواية قتادة: "رَبَّيُّون" بفتحِها على الأصل، إنْ قلنا: منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وإلاَّ فَمِنْ تغييرِ النسب إنْ قلنا: إنَّه منسوبٌ إلى الرُّبَّة. قال ابن جني: "والفتحُ لغة تميم" (٥).

стр. 214

ويخلص مما سبق إلى أن "رِبِّيُّونَ" جمع مذكر سالم، وفي مفرده وجهان: أحدهما: أنه "رِبِّيّ" وهو منسوب إلى "رُِبَّةٍ"، وفيه لغتان: كسر الراء وضمها، ويقصد بها الجماعة من الناس. والآخر: أنه "رَبِّيَ"، وهو منسوب إلى "رَبٍّ" بفتح الراء على القياس، ويقصد به العلماء. وذهب بعض المفسرين إلى أن اللغتين اللتين في الوجه الأول تعودان إلى الوجه الثاني، وكسر الراء وضمها جاء على تغيير النسب (١). قال ابن عطية: "وروي عن ابن عباس وعن الحسن بن أبي الحسن وغيرهما أنهم قالوا "ربيون" معناه علماء، وقال الحسن: فقهاء علماء، قال أيضا: علماء صبر، وهذا القول هو على النسبة إلى الرب، إما لأنهم مطيعون له أو من حيث هم علماء بما شرع، ويقوي هذا القول في قراءة من قرأ "ربيون" بفتح الراء، وأما في ضم الراء وكسرها فيجيء على تغيير النسب، كما قالوا في النسبة إلى الحرم حِرْمِيّ بكسر الحاء، وإلى البصرة بِصْرِيّ بكسر الباء، وفي هذا نظر وقال ابن زيد: الربانيون الولاة والربيون الرعية الأتباع للولاة" (٢). • (المُعْذِرُونَ) (٣) قراءة في قوله تعالى: ﴿وجَاءَ المُعَذِّرُونَ منَ الأَعْرَابِ ليُؤْذَنَ لَهُم﴾ (٤). اختلفت القراءة في "المُعَذِّرُونَ" من الآية السابقة من حيث أصل الكلمة وصياغتها وقد عرض الزبيدي هذا الاختلاف كما يلي: ١ - أن يكون أصل (المُعَذِّرُونَ) "المُعْتَذِرُونَ: الذينَ لَهُم عُذْرٌ، به قرأَ سائِرُ قراءِ الأَمْصَارِ والمُعَذِّرُونَ في الأَصْلِ المُعْتَذِرُونَ فأَدْغِمَت التاءُ في الذّال لقُرْبِ المَخْرجَيْنِ. ٢ - ويجوزُ أَن يكون "المُعَذِّرُونَ" الذين يُعَذِّرُون: يوُهِمُون أَن لهم عُذْراً ولا عُذْرَ لهم. فهو اسم فاعل من (عَذَّرَ) مضعف العين، والمَعْنى: المُقَصِّرُونَ بغير عُذْرٍ فهو على جِهَة المُفَعِّل؛ لأَنّه المُمَرِّضُ والمُقَصِّرُ يَعْتَذِرُ بغير عَذْرٍ.

стр. 215

٣ - وقَرَأَها ابنُ عَبّاسٍ ﵄: "المُعْذِرُونَ" بالتَّخْفيف، قال الأَزْهَريّ: وقَرأَهَا كذلك يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ وحْدَه مِنْ أَعْذَرَ يُعْذِرُ إِعْذَاراً، وكان يَقُولُ: واللهِ لهكذَا أُنْزِلَتْ. وكان يقول: لَعَنَ اللهُ "المُعَذِّرِينَ" بالتَّشْدِيد، كأَنَّ المُعَذِّر عندَه إِنما هو غَيْرُ المُحِقِّ ... وبالتَّخْفِيفِ مَنْ له عُذْرٌ. [التاج: عذر]. قال الطبري: "فإن الذي عليه من القراءة قرأة الأمصار، التشديد في "الذال"، أعني من قوله: (المُعَذِّرُونَ)، ففي ذلك دليلٌ على صحة تأويل من تأوله بمعنى الاعتذار؛ لأن القوم الذين وُصفوا بذلك لم يكلفوا أمرًا عَذَّرُوا فيه وإنما كانوا فرقتين: إما مجتهد طائع وإما منافق فاسقٌ، لأمر الله مخالف. فليس في الفريقين موصوفٌ بالتعذير في الشخوص مع رسول الله ﷺ ، وإنما هو مُعَذِّرٌ مبالغٌ، أو معتَذِر. فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرأة مجمعة على تشديد "الذال" من "المعذرين"، عُلم أن معناه ما وصفناه من التأويل" (١). • ﴿إِنَّ المُصَدِّقينَ والمُصَدِّقاتِ﴾ (٢) قراءة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣). [التاج: صدق]. ذكر الزبيدي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾؛ ولأن المعنى في الآية يحتمل أن يكون من التَّصَدُّقِ ومن التَّصْدِيقِ فقد تعددت القراءات فيها على وجوه ثلاثة فقراءة الجمهور: ﴿إنّ المُصَّدِّقينَ والمُصَّدِّقات﴾ (٤) فأصله المُتَصَدّقين والمُتَصَدِّقات قُلِبَت التّاءُ صاداً وأُدغِمَت في مثلِها ... وهم الذين يُعطون الصَّداقات. وعلى الأصل قرأ أبيّ بن كعب: "الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ" (٥) ... وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، والمفضل، وأَبَّان، وأبو عمرو في رواية هارون: ﴿إِنَّ
следующие страницы →