← Язык

Язык · id 36322

أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجا

عبد الرازق بن حمودة القادوسي

Полный текст (333 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفصل الأول المُعَرَّب اللغات تؤثر وتتأثر بغيرها، هذه حقيقة لا جدال فيها، ولكن تتعدد صور التأثير والتأثر حسب طبيعة اللغة. واللغة العربية واحدة من هذه اللغات أثرت وتأثرت، وكان من صور تأثرها بغيرها من اللغات أن اقترضت ألفاظا كثيرة على مدار رحلتها مع الزمن قبل نزول القرآن الكريم، وقد استعملها العرب وجعلوها موافقة في بنيتها لكلام العرب، وجاء القرآن الكريم فاستعمل هذه الألفاظ التي صارت بالاستعمال عربية. وحتى لا يختلط اللفظ الفصيح بالأجنبي وُجِدَ أن اللغة العربية تسم هذه الألفاظ بما يميزها، كأن تمنعه من الصرف، أو يظل على بناء ليس من أبنيتها، أو تتصرف فيه بما لا تتصرف في غيره من فصيحها فتحذف أو تزيد في بنائه، أو تتعدد لغاتهم فيه. وتعدد اللغات فيما عربته العرب هي السمة التي أكدتها القراءات القرآنية، وهذا ما سوف يوضحه الدارس في هذا الفصل من خلال الشواهد الآتية: • (فَصِرْهُنَّ): كلمة سريانية دخلت العربية، ومعناها: قطعهن أو شققهن أو أَمِلْهُنَّ، وردت في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وقد تعددت فيها القراءات، حيث قرئت: فَصِرْهُنَّ، فَصُرَّهُنَّ، فَصِرَّهُنَّ (٢). والذي دعا إلى تعدد اللغات فيها أنها لفظة معربة عن السريانية أو النبطية، وقد اشتهر ذلك في كتب التفسير والغريب، حيث نص على ذلك الطبري (٣)،

стр. 247

والقرطبي (١)، وأبو حيان (٢) وغيرهم، كما ذكرها صاحب الإتقان (٣) في لغة غير العرب في القرآن، ونص في الدر المنثور على أنها رومية (٤). قال السمين: "واختُلف في هذه اللفظةِ: هل هي عربيةٌ أو مُعَرَّبة؟ فعن ابنِ عباس أنها مُعَرَّبةٌ من النبطية، وعن أبي الأسود أنها من السريانية والجمهورُ على أنها عربيةٌ لا معرَّبةٌ" (٥). وأما الزبيدي فقد قال: صَارَ وَجْهَهُ، يَصُورُه: ويَصِيرُه: أَقْبَلَ بهِ، وقال الأَخْفَشُ: صُرْ إِلَيَّ، وصُرْ وَجْهَكَ إِليَّ أَي أَقْبِلْ عليّ. وفي التنزيل العزيز: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أَي وَجِّهْهُنّ، وهي قراءَةُ عليّ وابن عبّاس، وأَكثرِ الناسِ، وذَكَرَه ابن سيدَه في الياءِ أَيضاً؛ لأَنّ صُرْتُ وصِرْتُ لغتان. وصارَ الشَّيْءَ يَصُورُه صَوْراً: قَطَعَه وفَصَّلَه صُورَةً صُورَةً، ومنه: صارَ الحاكِمُ الحُكْمَ، إِذا قَطَعَه وحَكَم بهِ. قلْت: وبه فَسَّر بعضٌ هذِه الآيةَ، قال الجَوْهرِيّ: فَمَن قال هذا جَعَلَ في الآية تَقْدِيماً وتأْخيراً، كأَنه قال خُذْ إِليكَ أَربعةً فصُرْهُنَّ. قال اللِّحْيَانيُّ: قال بعضُهم: معنَى صُرْهُنَّ: وَجِّهْهُنَّ ومعنَى صِرْهُنَّ: قَطِّعْهُنَّ وشَقِّقْهُنَّ. والمعروف أَنّهما لُغَتَان بمعنًى واحدٍ، وكلُّهم فسَّرُوا: فصُرْهُنَّ: أَمِلْهُنَّ، والكَسْرُ فُسِّر بمعنَى قَطِّعْهُنَّ. قال الزَّجّاجُ: ومَنْ قرأَ: (فَصِرْهُنَّ إِليكَ) بالكسر، ففيه قولان: أَحدُهما: أَنه بمعنَى صُرْهُنَّ يقال: صارَه يَصُورُه ويَصِيرُه، إِذا أَمالَه لُغتان. وقال المصنّف في البصائر: وقال بعضُهم: "صُرَّهُنَّ" بضمّ الصّادِ، وتشديد الراءِ وفتحها من الصَّرّ، أَي الشَّدّ، قال: وقُرِئ: "فَصِرَّهُنَّ"، بكسر الصاد وفتح الراءِ المشددة، من الصَّرِيرِ، أَي الصوت، أَي صِحْ بِهِنَّ". [التاج: صرر]. وعلى الرغم مما قاله العلماء في هذه الكلمة من حيث إنها معربة فإن الزبيدي لم يمس هذا الجانب، واكتفى بتعليل تعدد القراءات بتعدد اللغات فيها.

стр. 248

• (هِئْتُ لَكَ) (١): لفظة قبطية، معناها: هَلُمَّ لَك، وردت في قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). قال السمين: "اختلف أهلُ النحوِ في هذه اللفظة: هل هي عربيةٌ أم معرَّبةٌ، فقيل: معربةٌ من القبطية بمعنى هلمَّ لك، قاله السدي. وقيل: من السريانية، قاله ابن عباس والحسن. وقيل: هي من العبرانية وأصلها هَيْتَلَخ أي: تعالَه فأعربه القرآن، قاله أبو زيد الأنصاري. وقيل: هل لغة حَوْرانية وقعت إلى أهل الحجاز فتكلَّموا بها ومعناها تعال، قاله الكسائي والفراء، وهو منقولٌ عن عكرمة. والجمهور على أنها عربية، قال مجاهد: هي كلمة حَثٍّ وإقبال، ثم هي في بعض اللغات تَتَعَيَّن فعليَّتُها، وفي بعضها اسميتُها، وفي بعضها يجوز الأمران" (٣). وقال أبو البقاء الكفومي:" "هَيْت لَك" عن ابن عباس: هلم لك بالقبطية، وقال الحسن: بالسريانية، وقال عكرمة: بالحورانية، وقال أبو زيد الأنصاري: بالعبرانية، وأصلها (هيتلج) أي تعال، وقال بعضهم: تهيأت لك وكان ابن عباس يقرؤها مهموزة " (٤). وذكر السيوطي في الإتقان والمهذب أنها غير عربية، ونص الإتقان: "أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هيت لك: هلم لك بالقبطية. وقال الحسن: هي بالسريانية كذلك، أخرجه ابن جرير. وقال عكرمة: هي بالحورانية، كذلك أخرجه أبو الشيخ. وقال أبو زيد الأنصاري: هي بالعبرانية وأصله هينلج: أي تعال وراء، قيل معناه أمام بالنبطية، حكاه شيدلة وأبو القاسم. وذكر الجواليقي أنها غير عربية" (٥). قال الزبيدي: هَيْتَ: تعَجُّبٌ، تقولُ العربُ: هَيْتَ لِلْحِلْمِ: وهَيْتَ لَكَ، وهِيتَ لك أَي أَقْبِلْ، وقال الله حكايةً عن زَلِيخَا، أَنها قالَتْ لما راوَدَت

стр. 249

يُوسُفَ ﵇ عن نفْسه: "وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ" مُثلَّثَةَ الآخر، قال الزّجّاج: وأَكثَرُها هَيْتَ لَكَ، بفتح الهاءِ والتّاءِ، وقد يُكْسَر أَوّلُه، رُوى ذلك عن عليّ ﵁، أَي هَلُمَّ، ورويت عن ابنِ عباس ﵄ "هِئْتُ لك" بالهَمْزِ وكسرِ الهاءِ من الهيْئة، كأَنّها قالت: تَهَيّأْت لكَ، قال: فأَمّا الفتحُ من هَيْتَ؛ فلأَنّها بمنزلةِ الأَصْواتِ، ليس لها فِعْلٌ يَتصرّفُ منها، وفُتِحتِ التَّاءُ لسكونِهَا وسكون الياء، واختِيرَ الفتْحُ لأَنّ قبلَها ياء، كما فَعلُوا في (أَيْنَ)، ومن كسر التَّاءَ فلأَنَّ أَصلَ التقاءِ السّاكِنيْنِ حركة الكَسْرِ، ومن قال: هَيْتُ، ضمَّها؛ لأَنَّهَا في مَعْنَى الغايَات، كأَنها قالت: دُعائِي لك، فلما حُذِفَت الإِضافةُ، وتضَمَّنَت هَيْتُ معناها بُنِيَتْ على الضَّمِّ، كما بُنِيتْ حَيثُ، وقراءَةُ عليّ ﵁ "هِيتُ لَكَ" بمنزلة هَيْتُ لك، والحُجّة فيهما واحدة. وقال الفرّاءُ (١) في "هيْتَ لكَ" يقال: إِنهَا لغةُ حَوْرانَ، سَقطَتْ إِلى مَكَّةَ، فتَكلَّموا بِهَا، قال: وأَهلُ المدينةِ يَقرَؤُون: "هِيتَ لَك"، يكسرون الهَاءَ ولا يَهْمزون قال: وذُكِرَ عن علي وابنِ عبّاسٍ أَنهما قرآ: "هِئْتُ لكَ:، يرادُ به في المَعْنَى تَهيَّأْتُ لك ... وروى الأَزهَرِيّ عن أَبي زيد قال: "هَيْتَ لَكَ" بالعِبْرَانية "هَيْتَا لَجْ" أَي: تعال أَعرَبَه القرآنُ ... وقد أَوْضح البَيضاويّ (٢) قراءَاتِ الكلمةِ ومَن قرَأَ بها، وحقّق ذلك العَلاّمة ابنُ الجَزَريّ في نَشْرِ (٣)، وأَشار إِلى بعضِهَا أَبو عليّ الفارِسِيّ في الحُجَّة (٤)، وغلَّطَ بعضَها، وأَوَّلَ البعضَ، وأَوْصَلوا القراءَاتِ إِلى سَبْعٍ، وصَرّحوا بأَنّها كُلَّها لُغاتٌ. واختَلفَ أَهلُ الغريبِ في هذه الكِلمَة: هل هي عرِبِيَّةٌ أَو مُعرَّبة؟ وهل مَعْناها تَعالَ كما جَزَم به الفرّاءُ والكِسَائِيّ وغيرهما؟ وقالوا: هي لغةُ الحجازِ ولذلك قال مُجاهِدٌ: هي كلمَةُ حَثٍّ وإِقبَالٍ أَو غير ذلك؟ وهلْ هي اسمٌ أَو فِعْلٌ؟ أَو هي علَى أَنْحاءٍ كثيرة: منها ما هو في السَّبْعَةِ ومنها مَالاً وأَشار أَبو حيّان - في بَحْرِه (٥) - إِلى أَنه لا يَبْعُد أَن تكون مُشْتَقَّةً من اسم". [التاج: هيت]. وكلام الزبيدي فيه دلالة واضحة على تعدد صور هذه الكلمة، وتعدد مذاهب اللغويين في نطقها، مما يقوم حجة قوية على عدم عربيتها؛ لأنه غالبا ما تقترن

стр. 250

الكلمة الأجنبية بتعدد اللغات فيها. قال ابن خالويه: " إن العرب إذا أعربت اسما من غير لغتها أو بنته اتسعت في لفظه لجهل الاشتقاق فيه" (١). • (مُتْكًا) (٢): لفظة قبطية أو حبشية، معناها: الأترج. وقد وردت في قوله تَعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). وقد قرئت بأكثر من وجه، وذكر القرطبي أنها من الألفاظ المعربة فقال: "مُتْكَاً" مخففا غير مهموز، والْمُتْكُ هو الأُتْرُجُّ بلغة القِبْطِ، وكذلك فسره مجاهد" (٤). وكذلك ذكره السيوطي (٥) على أنه الأُتْرُجُّ بلغة الحَبَشَةِ. ويذكر ابن حسنون أنها من موافقات العربية للقِبْطِيَّةِ (٦). وأما الزبيدي فقال: " سُمِّيت الأَتْرُجَّةُ مُتْكَةً لأَنَّها تُقْطَعُ. وقال الجَوّهَرِيُّ: قال الفَرّاءُ: حَدَّثَني شَيخٌ من ثِقاتِ أَهْلِ البَصْرَةِ أَنّه الزُّماوَرْدُ وبكُل مِنْهُما فُسِّر قولُه تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتْكًا﴾ بضَم فسُكُون، وهي قِراءةُ ابنِ عَبّاس ... وأَما الزُّهْرِيّ وأَبو جَعْفَرٍ وشَيبَةُ فإِنهم قَرَءُوا: "مُتَّكًا" مُشَدَّدَةً من غَيرِ هَمْزٍ، وقرأَ الحَسَنُ "مُتَّكاءً"، بزيادَةِ الأَلفِ، وزنه مُفْتَعال، وقراءةُ النّاس "مُتَّكأ"، وَزْنه مَفْتَعَلٌ، وقد وَجَّهَ لكُل من ذلك ابنُ جِني في كِتابِه". [التاج: وكأ]. • (غَسَاقٌ) (٧): لفظة تركية، معناها بلسانهم: البارد المنتن. وردت في قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (٨). وقد تعددت فيها القراءة، وذكرها كثير من العلماء فيما عربته العرب.

стр. 251

يقول أبو منصور الجواليقي:" "الغَسَّاقُ" البارد المنتن بلسان الترك" (١). وكذلك يذكر الألوسي عن الواسطي أن الغَسَّاقَ هو البَارِدُ الْمُنْتَنُ بلسانِ التُّرْكِ أي أن الكلمة غير عربية، ولكنه يعلق على هذا القول فيقول: "والحق أنه عربي" (٢). ويذكر أبو منصور الأزهري في معانيه أن هذا اللفظ:" أصله فارسي تكلمت به العرب فأعربته" (٣). ويذكر السيوطي في "الإتقان" وفي "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" الغَسَّاقَ فيقول: "غَسَّاقُ: قال الْجَوَالِيقِيُّ، وغيرُهُ .. هو البَارِدُ الْمُنْتَنُ بلسان التُّرْكِ. ونقله الكَرْمَانِيُّ عن النَّقَّاشِ. وقال ابن جَرِيرٍ ... الغَسَّاقُ: الْمُنْتَنُ. وهو بالطَّحَاوِيَّةِ " (٤). يتناول الزبيدي معنى الغَسَّاق من خلال القراءة الواردة في الآية السابقة فيقول:" الغَسَاقُ كسَحَاب وشَدَّاد: ما يغسَقُ من جُلودِ أهلِ النارِ من الصَّديد والقَيْح أي: يَسيل ويَقْطُر. وقيل: من غُسالَتِهم. وقيلَ: من دُموعِهم. وفي التّنزيل: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قرأَه أبو عَمْرو بالتّخْفيف، وقرأَه الكِسائيُّ بالتّشْديد. ثقّلها يَحْيَى بن وَثّاب وعامّة أصحاب عبد الله، وخفّفَها النّاسُ بعد. واخْتار أبو حاتمٍ التّخفيفَ. وقرأَ حفْصٌ، وحَمْزَة، والكِسائي: "وَغَسَّاقٌ" بالتّشديد، ومِثلُه في (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) - ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (٥). وقرأ الباقون: "غَسَاقاً" خَفيفاً في السّورَتيْن. ورُوِي عن ابنِ عبّاس، وابنِ مسْعودٍ أنّهما قرآ بالتّشديدِ وفسّراه بالزمْهَريرِ. وقيل: إذا شدّدتَ السّينَ فالمُراد به ما يقْطُرُ من الصّديدِ، وإذا خفّفْتَ فهو البارِدُ الشّديدُ البَرْدِ الذي يُحرِقُ من بَرْدِه كإحْراقِ الحَميم. وقال اللّيثُ: الغَساقُ: المُنْتِنُ ودَلّ على ذلك قولُ النّبي ﷺ : "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا" (٦) ". [التاج: غسق] ويُسْتَخْلَصُ من كلام الزبيدي أن في معنى "الغَسَّاق" وجهين:

стр. 252

الأول: أنه مشتق من غَسَقَ الجرح يَغْسِقُ أي يسيل ويقطر، ومعناه: ما استقذر من عصارة أهل النار. الثاني: أنه بالتخفيف اسم موضوع للزمهرير، أو لِلْمُنْتَنِ. وهذا الوجه يتطابق مع من قال بأنها تركية تعني بلسانهم البارد المنتن. ولكن الزبيدي لم يشر إلى كونها معربة مع اشتهارها في كتب الغريب. • (اسْتَبْرَقَ) (١): لفظة فارسية تعني: غيظ الديباج، وردت في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (٢). وقرئ بقطع الهمزة ووصلها، وهو عند من قطع الهمزة معرب، وعند من وصلها عربي مشتق من البرق على زنة استفعل. ذكره أبو البقاء الكفومي فقال: " (إستبرق) من ديباج غليظ بلغة العجم أصله (استبرك) " (٣). وقال الجواليقي:" الإستبرق: غليظ الديباج، فارسي معرب، وأصله (استفره)، وقال ابن دريد: (استروه)، ونقل من الأعجمية إلى العربية " (٤). ويذكر الزبيدي أيضا أن "الإِستبرَق": هو الدِّيباجُ الغَلِيظُ، ويصرح من البداية أنه مُعَرَّبٌ، فيقول: " مُعَرَّب اسْتَرْوَه، وقيل: اسْتَفْرَه، وقيل: اسْتَبْرَه، واختلف في أصله فقيل: فَارِسِيٌّ، وقيل: سُرْيَانِيٌّ". وعلى الرغم من أنه نَقَلَ الإجماعَ في عُجْمَتِهِ إِلَّا أَنَّ بعضَ الآراءِ قَالتْ بِعَرَبِيَّتِهِ، قيل: (اسْتَفْعَلَ) مِنْ بَرَقَ، ومَنْ قال بهذا جعلَ همزتَهُ للوصلِ، وقرأ ابنُ مُحَيْصِنٍ "اسْتَبْرَقَ" بوصل الهمزة. [التاج: برق]. قال القرطبي: "وقرئ "اسْتَبْرَق" بوصل الهمزة والفتح على أنه سُمِّيَ بـ (اسْتَفْعَل) من البريق، وليس بصحيح أيضا؛ لأنه مُعَرَّبٌ مَشْهُورٌ تَعْرِيبُهُ، وأن أصله "إستبرك"" (٥).

стр. 253

ولكن ابن جني يسوغ قراءة ابن محيصن ويُوَجِّهُها قائلا: "هذه صورة الفعل البَتَّةَ، بمنزلة اسْتَخْرَجَ، وكأنه سُمِّيَ بالفعل وفيه ضمير الفاعل، فَحُكِيَ كأنه جُمْلَةٌ، وهذا بابٌ طريقُهُ في الأَعْلامِ، كَتَأَبَّطَ شَرَّاً، وذَرَّى حَبَّاً، وشَابَ قَرْنَاهَا. وليس الإِسْتَبْرَقُ عَلَمَاً يُسَمَّى بِالْجُمْلَةِ، وإنما هو كقولك: بِزْبَوْن. وعلى أنه إنما اسْتَبْرَقَ: إذا بَلَغَ فَدَعَا البصرَ إلى البَرَقِ ... ولستُ أَدْفَعُ أَنْ تكون قراءةُ ابن محيصن بهذا؛ لأنَّهُ تَوَهَّمَ فِعْلَاً، إِذْ كانَ عَلَى وَزْنِهِ، فَتَرَكَهُ مَفْتُوحَاً على حَالِهِ" (١). ويتفق الزبيدي مع غيره في أن الإستبرق غير عربي فهذا السيوطي يقول: "الإستبرق: الديباج الغليظ، وهو بلغة العجم (استبره). وقال الجواليقي: الإستبرق: غليظ الديباج، فارسي مُعَرَّب، وممن صرح بأنه بالفارسية أبو عبيد، وأبو حاتم، وآخرون " (٢). • جِبْرَائِيلَ ومِيكَائِيلَ (٣): كلمتان سريانيتان معناهما: عبد الله وعبد الرحمن، حيث إن: جبر، وميك تعنيان: عبد، وئيل تعني: الله. وقد ورد الاسمان في أكثر من موضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤). وقد تعددت فيهما القراءات حسب لغات العرب فيهما، قال الطبري: "وأما "جبريل" فإن للعرب فيه لغات. فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون "جِبْرِيل، ومِيكَال" بغير همز، بكسر الجيم والراء من "جِبْرِيل" وبالتخفيف. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة. أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: "جَبْرَئِيل ومِيكَائِيل" على مثال "جَبْرَعِيل ومِيكَاعِيل"، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة، وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة. وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: "جَبْرِيل" بفتح الجيم. وترك الهمز. وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها؛ لأن "فَعْلِيل" في كلام العرب غير موجود.

стр. 254

وقد اختار ذلك بعضهم وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: "سَمْوِيل" ... وأما بنو أسد فإنها تقول: "جِِبْرِين" بالنون. وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في "جِبْرِيل" "ألفا" فتقول: "جِبْرَايِيل ومِيكَايِيل". وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: "جَبْرَئِلّ" بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام. فأما "جِبْر" و"مِيك"، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: "عبد"، والآخر بمعنى: "عبيد" " (١). وقال البغوي: " قال عكرمة: (جِبْر) و (مِيكَ) و (إِسْرَاف) هي العبد بالسريانية، وإيل هو الله تعالى ومعناهما عبد الله وعبد الرحمن" (٢). وقال ابن عطية:" وفي "جبريل" لغات "جِبرِيل" بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، و"جَبرِيل" بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير وروي عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقرأ "جَبْرِيلَ ومِيكَالَ" فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك، و"جَبْرَئِل" بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام، وبها قرأ عاصم، و"جَبْرَئِيل" بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء وياء بين الهمزة واللام، وبها قرأ حمزة والكسائي وحكاها الكسائي عن عاصم، و"جَبْرَائِل" بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة، و"جبرائيل" بزيادة ياء بعد الهمزة، و"جِبْرَايِيل" بياءين وبها قرأ الأعمش و"جَبْرَئِلَّ" بفتح الجيم والراء وهمزة ولام مشددة وبها قرأ يحيى بن يعمر، و"جِبْرَال" لغة فيه، و"جِبْرِينَ" بكسر الجيم والراء وياء ونون. قال الطبري هي لغة بني أسد، ولم يقرأ بها و"جبريل" اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات فبعضها هي موجودة في أبنية العرب وتلك أدخل في التعريب كجبريل الذي هو كقنديل وبعضها خارجة عن أبنية العرب فذلك كمثل ما عربته العرب ولم تدخله في بناء كإبريسم وفرند وآجر ونحوه. وذكر ابن عباس ﵁ وغيره أن جبر وميك وسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك وإيل اسم الله تعالى" (٣). وقال ابن خالويه: "قوله تعالى: ﴿وجبريل وميكال﴾ فيهما أربع قراءات: "جَبْرَئِيل" بفتح الجيم والراء وبالهمز، و"جِبْرِيل" بكسر الجيم والراء وترك الهمز، و"جَبْرِيل" بفتح الجيم وكسر الراء وترك الهمز، و"جَبْرَئِيل" بفتح الجيم والراء واختلاس الهمز. و"مِيكَالَ" يقرأ "مِيكَائِيل" بالمد والهمز، و"مِيكَالَ" بالألف من غير مد ولا همز، و"مِيكَئِل" بالهمز من غير ألف، و"مِيكَائِل" بالقصر والهمز. والحجة

стр. 255

في ذلك أن العرب إذا أعربت اسما من غير لغتها أو بنته اتسعت في لفظه لجهل الاشتقاق فيه" (١). وقد تناول الزبيدي الاسمين الكريمين تحت مادة (ميكل)، وهي مادة صنعت خصيصا لمعالجة الاسم الكريم (مِيكَالَ)، قال فيها: مِيكائِيلُ أَهْمَلَه الجَوْهَرِيّ والصَّاغانِيّ، وقال يعقوبُ: هو و (ميكائِينُ) على البدَلِ بكسرِهما: اسمُ ملَكٍ من الملائكةِ م معروفٌ، مُوَكَّلٌ بالأرزاقِ، وبهذا الوزنِ (ميكايينُ) من غيرِ هَمْزٍ بياءَيْنِ عن الأعمَش، وقرأ: "مِيكئِلَ" على وزنِ (مِيكَعِل) ابنُ هُرْمُزَ الأعرجُ وابنُ مُحَيْصِن، فأمّا "جِبْرايِيل ومِيكايِيل" بياءَيْن بعد الألِفِ والمَدِّ فَيَقْوى في نفسي أنّها همزةٌ مُخَفّفةٌ، وهي مَكْسُورةٌ، فَخَفِيَتْ وقَرُبَتْ من الياءِ فعبَّرَ القُرّاءُ عنها بالياءِ كما قالوا في قولِه سُبحانَه: "آلاء" عندَ تخفيفِ الهمزةِ "آلاي" بالياء، انتهى. وقد يقال: إنْ كانتْ الكلمةُ سُرْيانِيّةً فَمَحَلُّ ذِكرِها آخِرُ هذا الحرف، كما فَعَلَه صاحبُ اللِّسان وغيرُه، فإنّ الحروفَ كلَّها أصليّة، وإنْ كانتْ مُرَكّبةً من (مِيكا) و (إيل) كتركيبِ (جِبْرائِيلَ) وغيرِهما من أسماءِ الملائكةِ فالأنسَبُ حينَئِذٍ ذِكرُها في (ميك) كما فَعَلَه المُصَنِّف في جِبْرائيلَ فإنّه ذَكَرَه في (جبر)، وتركيب (ميك) ساقطٌ عند المُصَنِّف وغيرِه ". [التاج: ميكل]. • (إِبْرَاهَام) (٢): كلمة سريانية، تعني: الأب الرحيم، وهي اسم علم على أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وقد تكرر ذكرها في القرآن الكريم كثيرا من هذه المواضع قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٣). وقد تعددت فيها القراءات القرآنية حتى وصلت إلى عشرة أوجه. ذكره أبو منصور الجواليقي وقرر أنه أعجمي فقال:" فأما إبراهيم ففيه لغات. قرأت عن أبي زكرياء عن أبي العلاء قال: "إبراهيم" اسم قديم، ليس بعربي. وقد تكلمت به

стр. 256

العرب على وجوه، فقالوا: "إبراهيم" وهو المشهور، و"إبراهام" وقرئ به، و"إبراهم" على حذف الياء، و"إبرهم" " (١). وقال أبو البقاء الكفومي:" إبراهيم: اسم سرياني، معناه أب رحيم. وقال في القاموس: اسم أعجمي، وعلى هذا لا يكون معربا. وقال بعض المحققين إن إجماع أهل العربية على أن منع الصرف في "إبراهيم" ونحوه للعجمة والعلمية، فتبين منه وقوع المعرب في القرآن" (٢). وقال أبو حيان:" قرأ الجمهور: "إِبْرَاهِيم" بالألف والياء. وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة " إِبْرَاهَام" بألفين ... وقرأ المفضل: "إِبْرَاهَام" بألفين، إلا في الموؤدة والأعلى. وقرأ ابن الزبير: "إِبْرَاهَام"، وقرأ أبو بكرة: "إِبْرِاهِم" بألف وحذف الياء وكسر الهاء" (٣). وقال السمين:" "إبراهيم" علَمٌ أَعْجَمي، قيل: معناه قبل النقلِ: أبٌ رحيمٌ وفيه لغاتٌ تسعٌ، أشهرُها: "إِبْرَاهِيم" بألف وياء، و"إِبْرَاهَام" بألِفَيْن، وبها قرأ هشام وابنُ ذكوان في أحدِ وَجْهَيْهِ في البقرةِ. الثالثة: "إِبْرَاهِم" بألفٍ بعد الراء وكسرِ الهاءِ دون ياءٍ، وبها قرأ أبو بكر. الرابعة: "إِبْرَاهَم" كذلك، إلا أنه بفتحِ الهاءِ. الخامسة: "إِبْرَاهُم" كذلك إلا أنه بضمِّها. السادسة: "إبْرَهَم" بفتح الهاء من غير ألفٍ وياء. السابعة: "إِبْرَاهُوم" بالواو" (٤). وقد وضعت المعاجم العربية مادة (برهم) لتعالج فيها الاسم الكريم (إبراهيم)، ومنهم الزبيدي حيث قال: "إِبْرَاهِيم، وإِبْرَاهَام، وإِبْرَاهُوم، وإِبْرِاهَُِم مثلثة الهاء أيضا وإِبْرَهَم بفتح الهاء بلا ألف فهي عشر لغات، اقتصر الجوهري منها على أربعة الأولى والثانية وإِبْرَاهَِم بفتح الهاء وكسرها ... قال الصاغاني وروى الوصل في همزته ... ثم هذه اللغات كلها بكسر أولهن وإنما ترك الضبط اعتمادا على الشهرة ... وهو اسم أعجمي أي سرياني، ومعناه عندهم كما نقله الماوردي وغيره: أب رحيم. والمراد منه هو إبراهيم النبي ﷺ . [التاج: برهم].

стр. 257

• (زَكَرِيَّاء) (١): اسم أعجمي لم يذكر أحد لأي لغة ينتمي، ولم يذكروا له معنى، وهو علم على نبي الله ذكريا كافل مريم، ورد ذكره في القرآن الكريم في أكثر من موضع منها قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). تعددت فيه القراءات، قال الفراء: "وفى (زكريا) ثلاث لغات: القصر في ألِفه، فلا يستبِين فيها رفع ولا نصب ولا خفض، وتمدّ ألفه فتنصب وترفع بلا نون؛ لأنه لا يُجْرَى، وكثير من كلام العرب أن تحذف المدّة والياء الساكنة فيقال: هذا (زكريّ) قد جاء فيُجْرَى؛ لأنه يشبه المنسوب من أسماء العرب" (٣). وقال أبو منصور الجوالقي:" قال ابن دريد: زكرياء: اسم أعجمي، يقال: (زكريّ) و (زكريَّا) مقصور، و (زكرياء) ممدود، وقال غيره: زكري، بتخفيف الياء" (٤). وقال الزبيدي: وفيه أَربعُ لُغَات: "زَكَرِيَّاء" مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ، وبه قَرَأَ ابنُ كَثِير ونافِعٌ وأَبو عَمْرو وابنُ عَامِر ويَعْقُوبُ، ويُقْصَرُ "زَكَرِيَّا"، وبه قَرَأَ حَمْزَةُ والكِسَائِيّ وحَفْص، و"زَكَرِيُّ"، كعرَبِيّ، بحذْفِ الأَلف غَيْر مُنَوَّن أَيضاً، ويُخَفَّفُ "زَكَرِي" وهي اللُّغَةُ الرَّابِعَة ... وقال بعضُ النَّحْوِيِّين: لم يَنْصرف لأَنَّه أعجميّ". [التاج: زكر] • (آزَرُ) (٥): لفظة معربة، علم على والد إبراهيم ﵇، أو بمعنى: ضال في كلامهم وقيل هي اسم لصنم (٦). لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٧). وذكره أبو منصور الجواليقي في المعرب (٨).

стр. 258

وقال الطبري:" "آزَرَ" بالفتح على إتباعه "الأب" في الخفض، ولكنه لما كان اسمًا أعجميًّا فتحوه، إذ لم يجروه، وإن كان في موضع خفض" (١). وقال البغوي:" القراءة المعروفة بالنصب، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينتصب في موضع الخفض" (٢). وقال القرطبي: "آزر اسم أعجمي" (٣). وقال أبو حيان: "آزر اسم أعجمي علم ممنوع الصرف للعلمية والعجمة الشخصية" (٤). وقال الفراء: "آزر: في موضع خفض ولا يُجْرى؛ لأنه أعجمي" (٥). وقال ابن سيده: "آزر امتنع من الصرف للعلمية والعجمة" (٦). وقال العكبري: "آزر يقرأ بالمد ووزنه أفعل ولم ينصرف للعجمة والتعريف على قول من لم يشتقه من الأزر أو الوزر ومن اشتقه من واحد منهما قال هو عربي ولم يصرفه للتعريف ووزن الفعل ويقرأ بفتح الراء على أنه بدل من أبيه وبالضم على النداء" (٧). وقال السمين: وآزر ممنوع الصرف واختلف في علةِ مَنْعِه فقال الزمخشري: والأقربُ أن يكون آزر فاعَل كعابَر وشالخَ وفالغَ، فعلى هذا هو ممنوع للعلمية والعجمة" (٨). وتناوله الزبيدي بالتفصيل فذكر أصل (آزر) ومعناه وإعرابه فقال: "صَنَمٌ كان تارَحُ أَبُو إِبراهِيمَ ﵇ سادِناً له، كذا قالَهُ بعضُ المُفَسِّرِين. ورُوِيَ عن مُجَاهِدٍ في قوله تعالَى: ﴿ءازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً﴾ قال: لم يَكُن بأَبِيه، ولكنّ آزرَ اسمُ صَنَمٍ فموضِعُه نَصْبٌ على إِضمارِ الفِعْل في التِّلاوة، كأَنّه قال: وإِذ قال إِبراهيمُ لأَبية أَتَتَّخِذُ آزَرَ إِلاهاً، أَي أَتَّتَّخذُ أَصناماً آلهةً ... ". [التاج: أزر].

стр. 259

نخلص من هذا الفصل إلى أن الألفاظ المعربة التي وردت في القرآن الكريم لم يجتمع العرب على نطقها بطريقة واحدة، وإنما تعددت قراءاتها بحسب كل قبيلة أو جماعة، كما في (إبراهيم) التي وردت عند العرب في عشر لغات. كما تأكد من خلال هذا الفصل أن للقراءة القرآنية دورها الواضح في المعجم العربي في مجال المعرب، حيث حفظت لنا هذه القراءات العديد من لغات العرب وتصرفهم في الكثير من الألفاظ المعربة، نحو: هيت، وصرهن، ومتكا، وغساق، وإستبرق، وجبريل، وميكال، إبراهيم، وزكريا، وآزر. وقد تبين من خلال دراسة الكلمات السابقة أن العرب توسعوا في طرق نطقها مما أثرى المعجم العربي بكثير من المفردات التي تفتح لمستخدم اللغة باب اختيار اللفظ الذي يسهل عليه نطقه واستخدامه.

стр. 260

الفصل الثاني التغير الدلالى - المبحث الأول: تغير الدلالة لتغير الصوت. - المبحث الثانى: تغير الدلالة لتغير البنية.

стр. 261

الفصل الثاني التغير الدلالي يتناول هذا الفصل جانب التغير الدلالي في القراءات القرآنية محل الدراسة وقد قسمته إلى مبحثين جعلت المبحث الأول لتغير الدلالة لتغير الصوت، وجعلت المبحث الثاني لتغير الدلالة لتغير البنية الصرفية.

стр. 262

المبحث الأول تغير الدلالة لتغير الصوت يتناول هذا المبحث القراءات القرآنية التي وردت فيها اللفظة القرآنية بصوتين مبدلين، وترتب على هذا تغير في المعنى، كما في قوله تعالى: "فجاسوا" بالجيم، و"فحاسوا" بالحاء. ومن خلال تتبع أقوال المفسرين واللغويين سوف يتبين لنا الفارق في الدلالة بينهما، وإن لم يكن هناك فرق سأرصده أيضا، وذلك على النحو التالي: • (شَعَفَهَا) (١): قراءة في: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّاً﴾ (٢) [التاج: شعف وشغف]. قراءة الجمهور "شَغَفَهَا" بالغين المعجمة المفتوحة، ورجح الطبري هذه القراءة على غيرها (٣). وذهب النحاس إلى أنه المعروف من كلام العرب (٤). والشَّغَفُ شدةُ الحبِّ، سمي بذلك لأنه يخترق شَغَافَ القلبِ - أي غشاءه المحيط به - حتى يستقرَّ في سُوَيْدَائِهِ. كما قرئت "شَعَفَهَا" بالعين المهملة المفتوحة. والمعنى على هذه القراءة أن حبه قد بلغ في قلبها أعلاه. قال الزجاج: ومعنى شَعَفَهَا: ذهب بها كل مذهب، مشتق من شَعَفَاتِ الجبال، أي رؤوس الجبال، فإذا قلت: فلان مشعوف بكذا، فمعناه أنه قد ذهب به الحب أقصى المذاهب" (٥). والفرق بين القراءتين يكمن في التبادل بين صوتي الغين والعين، ومع اختلاف المادة إلا أن المعنى متقارب؛ لأنه يؤول في النهاية إلى عظيم أثر حب يوسف في قلب امرأة العزيز.

стр. 263

• (فَحَاسُوا) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ (٢). [التاج: جوس وحوس]. قراءة الجمهور "فَجَاسُوا" بالجيم المعجمة، والجَوْسُ: التَّرَدُّدُ خِلالَ الدُّورِ والبُيوتِ في الغارَةِ. وقرئ "فَحَاسُوا" بالحاء المهملة، والقراءتان سواء في المعنى. قال الفرَّاءُ: قَتَلُوكُمْ بينَ بيوتِكُم، قال: وجَاسُوا وحَاسُوا بمعنىً واحِدٍ: يَذهبونَ ويَجيئون (٣). ولا فرق بين القراءتين إلا في التخالف بين صوتي: الجيم والحاء. مما دفع عالما كالزركشي أن يجعل القراءة من باب البدل فقال:" من كلامهم إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض يقولون مدحه ومدهه، وهو كثير ألف فيه المصنفون وجعل منه ابن فارس قوله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٤) فقال فالراء واللام متعاقبان كما تقول العرب: فلق الصبح وفرقه. قال: وذكر عن الخليل ولم أسمعه سماعا، أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ إنما أراد "فَحَاسُوا" فقامت الجيم مقام الحاء. قال ابن فارس: وما أحسب الخليل قال هذا ولا أحقه عنه. قلت ذكر ابن جني في المحتسب أنها قراءة أبي السَّمَّال، وقال: "قال أبو زيد أو غيره قلت له: إنما هو "فَجَاسُوا" فقال: حَاسُوا وجَاسُوا واحد. وهذا يدل على أن بعض القراء يتخير بلا رواية ولذلك نظائر" (٥). وهذا الذي قاله ابن جني غير مستقيم، ولا يحل لأحد أن يقرأ إلا بالرواية وقوله إنهما بمعنى واحد، لا يوجب القراءة بغير الرواية كما ظنه أبو الفتح، وقائل ذلك والقارئ به هو أبو السوار الغنوي لا أبو السَّمَّال فاعلم ذلك، كذلك أسنده الحافظ أبو عمرو الداني فقال: حدثنا المازني قال سألت أبا السوار الغنوي فقرأ "فحاسوا" بالحاء غير الجيم، فقلت إنما هو "فجاسوا" قال: حاسوا وجاسوا

стр. 264

واحد، يعنى أن اللفظين بمعنى واحد، وإن كان أراد أن القراءة بذلك تجوز في الصلاة والغرض كما جازت بالأولى، فقد غلط في ذلك وأساء" (١). والذي ذكره الزركشي من البدل في القراءة السابقة لم يقل به أحد، والمعاجم العربية كلها على أنهما من مادتين مختلفتين، وإن كان معناهما واحد فالعلاقة بينهما ترادف وليس بدل (٢). • (صَلَلْنَا) (٣): قراءة في قوله تعال: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا في الأَرْضِ﴾ (٤). [التاج: صلل، وضلل]. قراءة الجمهور: "ضَلَلْنَا" بالضاد المعجمة، ومعناها: مِتْنَا وصِرْنَا تُراباً وعِظاماً فَضَلَلْنَا في الأَرْضِ فلم يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِنا. وقالَ الرَّاغِبُ: هو كِنايةٌ عن المَوْتِ واسْتِحَالَةِ البَدَنِ. وضَلَّ الشَّيْءُ: إِذا خَفِيَ وغَابَ، ومنهُ ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ، وهو مَجازٌ ويُقالُ: ضَلَّ الكافِرُ، إِذا غَابَ عن الحُجَّةِ وضَلَّ النَّاسِي إذا غابَ عنهُ حِفْظُهُ (٥). وقرئ "صَلَلْنَا" بالصاد المهملة، وفي معناها وجهان: أَحَدُهما: أَنْتَنَّا وتَغَيَّرْنا وتَغَيَّرَتْ صُوَرُنا، مِنْ صَلَّ اللَّحْمُ إِذا أَنْتَنَ. والآخر: صَلَلْنا: يَبِسْنَا مِنَ الصَّلَّةِ، وهي الأَرْضُ اليابِسَةُ (٦). والفرق بين القراءتين يتمثل في تخالف صوتي الضاد والصاد، هذا التخالف نجم عنه اختلاف في المعنى كما تقدم، ويمكن التقريب بين المعاني السابقة؛ لأن الإنسان إذا مات مر بمراحل: أولها: أنه يَنْتَنُ. وثانيها: أن تبقى عظامه يابسة قدرا من الزمان.

стр. 265

وثالثها: أنه بعد فترة يغيب كل شيء منه في التراب فلا يَتَبَيَّنُ منه شيء. وقد راعت كل قراءة معنى من هذه المعاني، وطورا من هذه الأطوار، وكلها تَدُلُّ على المعنى المراد من الآية، وهو إنكار الكافر للبعث بعد الموت والبلى. • (يَنْقاصَ (١)، ويَنْقَاضَ (٢)) قراءتان في قوله تعالى: ﴿جِدَارَاً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٣). [التاج: قيص، وقيض]. فأما قراءة: "يَنْقاصَ" بقاف بعدها الألف وصاد فوجهه: التقيص وهو التهدم، أو الانشقاق طولا، قال صاحب التاج: قاصَ الضِّرْسُ وانْقَاصَ وتَقَيَّصَ إِذا انْشَقَّ طُولاً فسَقَطَ. وتَقَيَّصَتِ البِئْر إِذا مَالَتْ وتَهَدَّمَتْ وكذا الحائطُ. قال الأَصْمَعِيّ: المُنْقاصُ: المُنْقَعِرُ من أَصْلِه". [التاج: قيص] وأما قراءة: "يَنْقاضَ" فوجهها أنها من التقيض وهو التهدم قال صاحب التاج: "وتَقَيَّضَ الجِدارُ: تَهَدَّمَ وانْهالَ كانْقَاضَ. قالَ أَبو زيدٍ: انْقَاضَ الجدارُ انْقِياضاً: تصَدَّعَ من غيرِ أَن يسقُطَ فإنْ سَقَط قيلَ: تَقَيَّضَ. قُلْتُ: وانْقَاضَ ذو وجهَيْنِ يُذْكَرُ في الواوِ وفي الياءِ. وروى المُنْذِرِيُّ عن أَبي عَمْرٍو: انْقَاضَ وانْقَاصَ بمعنًى واحدٍ أَي انْشَقَّ طولاً. وقال الأَصْمَعِيّ: المُنْقاضُ: المُنْقَعِرُ من أَصلِهِ. والمُنْقاصُ: المُنْشَقُّ طُولاً ... وقال اللَّيْثُ: انْقَاضَ الحائِط إِذا انْهَدَمَ من مكانِهِ من غيرِ هَدْمٍ فأَمَّا إِذا هَوَى وسَقَطَ فلا يُقَالُ إلاَّ انْقَضَّ". [التاج: قيض] وقال السمين: " قرأ الزُّهْري "أنْ يَنْقَاضَ" بألفٍ بعد القاف. قال الفارسيُّ: "هو مِنْ قولهم قِضْتُه فانقاضَ" أي: هَدَمْتُه فانهدم". قلت: فعلى هذا يكونُ وزنُه (يَنْفَعِل). والأصل انْقَيَض فَأُبْدِلَت الياءُ ألفاً. ولمَّا نَقَل أبو البقاء هذه القراءةَ قال: "مثل: يَحْمارّ"، ومقتضى هذا التشبيه أن يكونَ وزنُه (يَفْعالَّ). ونقل أبو البقاء أنه قُرِئ كذلك بتخفيف ِالضاد قال: "وهو مِنْ قولِك: انقاضَ البناءُ إذا تهدَّم" (٤).

стр. 266

والفرق بين "انقاص" و"انقاض" ينحصر في تخالف صوتي الصاد والضاد، أما من حيث المعنى فواحد عند البعض، ومتقارب عند البعض الآخر كما سلف (١). • (نُنْشِرُها) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَاً﴾ (٣). قال الزبيدي: "أَنْشَزَ عِظامَ المَيِّت إنْشازاً: رَفَعَها إلى مَواضِعها، ورَكَّبَ بَعْضَها على بعضٍ، وبه فُسِّرَ قَوْله تَعالى: ﴿وانظُر إلى العِظامِ كيفَ نُنْشِزُها ثمّ نَكْسُوها لَحْمَاً﴾. قال الفَرّاء: قرأ زيدُ بنُ ثابت "نُنْشِزُها" بالزاي، والكُوفيُّون بالراء". [التاج: نشز]. وقال الطبري: وقرأ ذلك آخرون: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾ بضم النون. قالوا: من قول القائل، "أنشرَ الله الموتى فهو يُنشِرهم إنشارًا"، وذلك قراءة عامة قرأة أهل المدينة، بمعنى: وانظر إلى العظام كيف نحييها، ثم نكسوها لحمًا. واحتج بعض قرَأة ذلك بالراء وضم نون أوله، بقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٤)، فرأى أنّ من الصواب إلحاق قوله: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشرها﴾ به. والقول في ذلك عندي أنّ معنى "الإنشاز" ومعنى "الإنشار" متقاربان؛ لأن معنى "الإنشاز": التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام، ومعنى "الإنشار" إعادة الحياة إلى العظام. وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما وإن اختلفا في اللفظ، فمتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئًا يقطعُ العذر ويوجب الحجة، فبأيِّهما قرأ القارئ فمصيب، لانقياد معنييهما. ولا حجة توجب لإحداهما القضاءَ بالصواب على الأخرى" (٥).

стр. 267

وقال ابن خالويه: "فمن قرأ بالزاي فالحجة له أن العظام إذا كانت بحالها لم تبل فالزاي أولى بها؛ لأنها ترفع ثم تكسى اللحم، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإليه النشور﴾ أي الرجوع بعد البلى. والحجة لمن قرأ بالراء أن الإعادة في البلى وغيره سواء عليه "فإنما يقول له كن فيكون" ودليله قوله تعالى: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ (١). وقال السمين: " وأمَّا قراءةُ الزاي فَمِنْ "النَّشْز" وهو الارتفاعُ، ومنه: "نَشْزُ الأرضِ" وهو المرتفعُ، ونشوزُ المرأةِ وهو ارتفاعُها عن حالِها إلى حالةٍ أخرى، فالمعنى: يُحَرِّك العظامَ ويرفعُ بعضَها إلى بعضٍ للإحياء. قال ابنُ عطية: "وَيَقْلَقُ عندي أن يكونَ النشوزُ رَفْعَ العظامِ بعضِها إلى بعضٍ، وإنما النشوزُ الارتفاعُ قليلاً قليلاً"، قال: "وانظُر استعمالَ العربِ تجدْه كذلك، ومنه: "نَشَزَ نابُ البعير" و"أَنْشَزُوا فَأَنْشَزوا" (٢) " (٣)، فالمعنى هنا على التدرُّجِ في الفعلِ فَجَعَل ابنُ عطية النشوزُ ارتفاعاً خاصاً" (٤). ونخلص مما سبق إلى أن القراءتين سبعيتان، والفرق بينهما هو "فونيم" الزاي والراء، هذا من ناحية الصوت، أما من ناحية المعنى فالكلمة بالراء تدل على الإحياء، وبالزاي تدل على رفع العظام وتركيبها، وإن كان بينهما فرق في المعنى إلا أن الدلالة في النهاية تلتقي لتحقق الهدف من الآية، وهذا ما قرره الطبري في كلامه السابق. • (حَطَبُ) (٥): قراءة في قوله تعالى:"إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ حَصَبُ جَهَنَّمَ" (٦). قال الزبيدي: "الحَصَبُ: الحَطَبُ عَامَّةً، وقَال الفَرَّاءُ: هي لُغَةُ اليَمَنِ، وكُلُّ مَا يُرْمَى به في النَّارِ من حَطَبٍ وغَيْرِه فهو حَصَبٌ، وهو لُغَةُ أَهْلِ نَجْدٍ (٧)، أَوْ لاَ يَكُونُ الحَطَبُ حَصَباً حَتَّى يُسْجَرَ به، وفي التنزيل:" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ حَصَبُ

стр. 268

جَهَنَّمَ". ورُوِيَ عنْ عَليَ ﵁ أَنه قرأَه: "حَطَبُ جَهَنَّمَ". وقال عِكْرِمَةُ: حَصَبُ جَهَنَّمَ هو حَطَبُ جَهَنَّمَ بالحَبَشِيَّةِ ". [التاج: حصب] قال الطبري: قرأته قراء الأمصار "حَصَبُ جَهَنَّمَ" بالصاد، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة عليه. ورُوي عن عليّ وعائشة أنهما كانا يقرآن ذلك ﴿حَطَبُ جَهَنَّمَ﴾ بالطاء. ورُوي عن ابن عباس أنه قرأه "حَضَبُ" بالضاد ... أراد أنهم الذين تسجر بهم جهنم، ويوقد بهم فيها النار، وذلك أن كل ما هيجت به النار وأوقدت به، فهو عند العرب حضب لها. فإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا، وكان المعروف من معنى الحصب عند العرب: الرمي، من قولهم: حصبت الرجل: إذا رميته، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ (١) كان الأولى بتأويل ذلك قول من قال: معناه أنهم تقذف جهنم بهم ويرمى بهم فيها. وقد ذكر أن الحصب في لغة أهل اليمين: الحطب، فإن يكن ذلك كذلك فهو أيضا وجه صحيح، وأما ما قلنا من أن معناه الرمي فإنه في لغة أهل نجد" (٢). وقال ابن عطية: الحصب ما توقد به النار إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما أن تكون لغة في الحطب إذا رمي، وأما قبل أن يرمى به فلا يسمى حصبا إلا بتجوز. وقرأ الجمهور: "حَصَبُ" بالصاد مفتوحة ... وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعائشة وابن الزبير: "حَطَبُ" جهنم بالطاء" (٣). قال السمين:"قرأ العامَّةُ "حَصَبُ" بالمهملتين والصادُ مفتوحةٌ، وهو ما يُحْصَبُ أي: يُرْمَى في النارِ، ولا يقالُ له حَصَب إلاَّ وهو في النارِ. فأمَّا ما قبل ذلك فَحَطَبٌ وشجرٌ وغير ذلك وقيل: هي لغةٌ حبشية. وقيل: يُقال له حَصَبٌ قبل الإِلقاء في النار ... وقرأ ابن عباس بالضاد معجمةً مفتوحة أو ساكنةً، وهو أيضاً ما يُرمَى به في النار، ومنه المِحْضَبُ: عُوْدٌ تُحَرَّك به النارُ لِتُوقَدَ ... وقرأ أميرُ المؤمنين وأُبَيٌّ وعائشة وابن الزبير "حَطَبُ" بالطاء ولا أظنُّها إلاَّ تفسيراً لا تلاوةً" (٤). والفرق بين هذه القراءات: حصب وحطب وحضب هو "فونيم" الصاد والطاء والضاد، ويلاحظ أن كل هذه المفردات تستخدم في إشعال النار، وهذا

стр. 269

هو القاسم المشترك بين معانيها، وإن استقل كل لفظ بما يميزه عن الآخر. فالحطب ما يوقد به النار، ألقي فيها أو لم يلق. أما الحصب فهو وقود النار شرط أن تسجر به النار، فإذا لم تسجر به فلا يسمى حصبا. وأما الحضب فهو أداة تشعل بها النار، أو هو وقود النار أيضا. • (ثُومِهَا) (١): قراءة في قَوْلِه : ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا﴾ (٢). قال الزبيدي: الفُومُ بالضَّمِّ: الثُّومُ لُغَةٌ فيه، قال ابنُ سِيدَه (٣): أَرَاهُ عَلَى البَدَلِ، قَالَ ابنُ جِنِّي: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِه : "وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا" إلى أَنَّه أَرادَ الثُّومَ، فالفَاءُ على هذا عِنْدَه بَدَلٌ من الثّاء قال: والصَّوابُ عِنْدَنَا: أَنَّ الفُومَ "الحِنْطَةُ"، ولَيْسَتِ الفَاءُ علَى هَذَا بَدَلاً مِن الثَّاءِ (٤) ... وقَالَ بَعْضُهم: الفُوْمُ الحِمِّصُ، لُغَةٌ شَامِيَّةٌ، قال الفَرَّاءُ في قَوْلِه تَعالَى: ﴿وَفُومِهَا﴾ مَا نَصُّه: الفُومُ مِمَّا يَذْكُرونَ لُغَةٌ قَدِيمَةٌ وهِيَ: الحِنْطَةُ والخُبْزُ جَمِيعًا. وقَالَ الزَّجَّاجُ: لا اخْتِلافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أن الفُومَ الحِنْطَةُ، وسائِرُ الحُبوبِ التِي تُخْبَزُ يَلْحَقُها اسْمُ الفُومِ (٥). وكُلُّ عُقْدَةٍ من بَصَلَةٍ أَوْ ثُومَةٍ أَوْ لُقْمَةٍ عَظِيمَةٍ: فُومَةٌ. [التاج: فوم]. قال الفراء: فإن الفوم فيما ذكر لغة قديمة وهى الحنطة والخبز جميعا قد ذكرا. قال بعضهم: سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون: فَوِّمُوا لنا، بالتشديد لا غير، يريدون اختبزوا، وهي في قراءة عبد الله "وَثُومِهَا" بالثاء، فكأنّه أشبه المعنيين بالصّواب؛ لأنّه مع ما يشاكله: من العدس والبصل وشبهه. والعرب تبدل الفاء بالثّاء فيقولون: جدث وجدف، ووقعوا في عاثور شرّ وعافور شرّ، والأثاثيّ والأثافيّ. وسمعت كثيرا من بني أسد يسمّي المغافير المغاثير" (٦). وقال القرطبي: اختلف في "الفوم" فقيل هو الثوم؛ لأنه المشاكل للبصل. والثاء تبدل من الفاء كما قالوا مغافير ومغاثير. وجدث وجدف للقبر. وقرأ ابن مسعود "ثومها" بالثاء المثلثة وروي ذلك عن ابن عباس. وقيل: الفوم الحنطة

стр. 270

روى عن ابن عباس أيضا وأكثر المفسرين واختاره النحاس قال: وهو أولى ومن قال به أعلى وأسانيده صحاح، وإن كان الكسائي والفراء قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء والإبدال لا يقاس عليه وليس ذلك بكثير في كلام العرب" (١). والفرق بين قراءة الجمهور "فوم" وقراءة ابن مسعود "ثوم" هو فونيم الفاء والثاء هذا من ناحية الجانب الصوتي، أما من ناحية المعنى فقد قيل باتحادهما حيث إن الفوم هو الثوم؛ لأن الثاء مبدلة من الفاء، ولكن ابن جني ينكر وقوع البدل هنا، ويرجح أن يكون الفوم هو الحنطة. أما الثوم فهو الثمرة المعروفة. نخلص من هذا المبحث إلى إن أصغر وحدة صوتية تؤدي إلى تغاير الكلمات تسمى عند علماء اللغة "فونيم"، وقد يكون الفونيم صوتا أساسيا في الكلمة، نحو: جَاسَ وحَاسَ، وصَلَّ وضَلَّ، وشَغَفَ وشَعَفَ، فالفرق بين (جاس وحاس) فونيم الجيم، وفونيم الحاء. ومثل ذلك: الصاد والضاد في (صل وضل)، والغين والعين في (شغف وشعف)، وهذا التغاير تَعْمَدُ إليه اللغة لتمايز بين الألفاظ؛ لأن الأصل أن يكون لكل لفظ مختلف معنى مختلف، كما هو الحال في (صل وضل) و (شغف وشعف)، إلا أنه مع هذا الاختلاف قد يحدث الترادف بين الكلمتين أحيانا كما في (جاس وحاس)، وليس هناك من شك في أن المعجم قد استفاد من هذا التمايز حيث جعل أساس ترتيب مواده قائما على تمايز أصوات الكلمات.

стр. 271

المبحث الثاني تغير الدلالة لتغير البنية يتناول هذا المبحث القراءات القرآنية التي وردت فيها اللفظة الواحدة ببنيتين صرفيتين مختلفتين، وترتب على ذلك تغير في المعنى، كما في: "قَرْح" على زنة (فَعْل)، و"قُرْح" على زنة (فُعْل)، وذلك من خلال رصد أقوال المفسرين واللغويين الواردة في "التاج" على النحو التالي: • (كَرْهٌ) (١): قراءة في: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢). [التاج: كره]. عرض الزبيدي هذه الظاهرة في كل مواضعها من القرآن الكريم فقال: "الكَُرْهُ بالفتح ويضم لغتان جيدتان بمعنى: الإباء ... وقيل هو المشقة عن الفراء (٣). قال ثعلب: قرأ نافع، وأهل المدينة في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٤) بالضم في هذا الحرف خاصة، وسائر القرآن بالفتح. وكان عاصم يضم هذا الحرف، والذي في ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (٥) ويقرأ سائرهن بالفتح. وكان الأعمش، وحمزة، والكسائي يضمون هذه الحروف الثلاثة والذي في النساء ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٦) ثم قرؤوا كل شيء سواها بالفتح. [تهذيب اللغة للأزهري: كره]. وقال الأزهري:" ونختار ما عليه أهل الحجاز، أَنَّ جميعَ ما في القرآن بالفتح إلا الذي في البقرة خاصة، فإن القراء أجمعوا عليه. قال ثعلب: ولا أعلم بين الأحرف التي ضمها هؤلاء، وبين التي فتحوها فرقا في العربية ولا في سنة تتبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، إلا أنه اسم، وبقية القرآن مصادر. أو"كُرْهٌ" بالضم ما أكرهت نفسك عليه، و"كَرْهٌ" بالفتح ما أكرهك غيرك عليه، تقول: جئتك كَرْهَاً، وأدخلتني كَرْهَاً، هذا قول الفراء.

стр. 272

وقال الأزهري:" وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَرْهَ والكُرْهَ لغتان فبأي لغة وقع فجائز، إلا الفراء فإنه فرق بينهما بما تقدم". [التهذيب: كره]. وقال ابن سيده:" الكَرْهُ: الإباء والمشقة، تُكَلَّفُهَا فَتَحْتَمِلهَا، والكُرْهُ بالضم المشقةُ تَحْتَمِلُهَا من غيرِ أَنْ تُكَلَّفَهَا، يُقَالُ: فَعَلَ ذَلِكَ كَرْهَاً وعلى كُرْهٍ". [المحكم والمحيط الأعظم: ٢/ ١٣٦]. وقال ابن بَرِّيٍّ: "ويدل لصحة قول الفراء قول الله : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (١) ولم يقرأ أحد بضم الكاف، وقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ولم يقرأ أحد بفتح الكاف فيصير الكَرْهُ بالفتح فِعْلَ المضطر، والكُرْهُ بالضم فِعْلَ المختار". [التاج: كره]. وقال الراغب:" المشقة التي تنال الإنسان من خَارِجٍ مما يَحْتَمِلُ عليه بإكراهٍ وبالضم ما يَنَالُهُ من ذَاتِهِ وهو ما يَعَافُهُ، وذلك إما من حيث العقل أو الشَّرْعِ ولهذا يقول الإنسان في شيء واحد أُرِيدُهُ وأَكْرَهُهُ، بمعنى أُرِيدُهُ من حيث الطَّبْعِ وأَكْرَهُهُ من حيث العقل أو الشَّرْعِ" (٢). [التاج: كره]. وقال الطبري: "والكُرْهُ" بالضم: هو ما حَمَلَ الرجلُ نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه، و"الكَرْهُ" بفتح "الكاف"، هو ما حَمَّلَهُ غيرُهُ، فأدخله عليه كرهًا. وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم. وقد كان بعض أهل العربية يقول: "الكُره والكَره" لغتان بمعنى واحد، مثل: "الغُسْل والغَسْل" و"الضُّعف والضَّعف"، و"الرُّهبْ والرَّهبْ". وقال بعضهم: "الكُرْهُ" بضم "الكاف" اسم و"الكَرْهُ" بفتحها مصدر" (٣). وقال الألوسي:" الكُرْهُ بالضم كالكَرْهِ بالفتح وبهما قرئ. وقيل: المفتوح المشقة التي تنال الإنسان من خارج، والمضموم ما يناله من ذاته. وقيل: المفتوح اسم بمعنى الإكراه، والمضموم بمعنى الكراهة. وعلى كل حال فإن كان مصدرا فمؤول أو محمول على المبالغة، أو هو صفة كخبز مخبوز. وإن كان بمعنى الإكراه وحمل الكره عليه فهو على التشبيه البليغ، كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته" (٤).

стр. 273

• (قُرْحٌ) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ (٢). [التاج: قرح]. يذكر الزبيدي معنى القرح فيقول: "القَرْحَ بالفتحِ ويُضَمُّ لغتان: عَضُّ السِّلاحِ ونَحوِه مما يَجْرَحُ البَدَنَ وممّا يَخْرُجُ بالبَدَن". ولكنه يذكر عن بعض اللغويين أن بين فتح القاف وضمها اختلافا في المعنى فيقول: "القَرْح بالفَتْح: الآثَارُ، وبالضَّمِّ الأَلَمُ، يقال: به قُرْحٌ من قَرْحٍ أَي أَلَمٌ من جِراحَةٍ. وقالَ يعقوب: كأَنَّ القَرْحَ الجِرَاحَاتُ بأَعْيَانها وكأَنَّ القُرْحَ أَلَمُها ... قال الفرَّاءُ: أكثَرُ القرّاءِ على فَتْح القافِ، وهو مِثْل الجَهْد والجُهْد، والوَجْد والوُجْد (٣). وفي حديثِ أُحُدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (٤) وهو بالفَتْح والضَّم: الجُرْحُ. وقيل: هو بالضمّ الاسمُ، وبالفَتْح المصدَر. أَرادَ ما نَالهُم من القَتْل والهَزيمةِ يومئذٍ". [التاج: قرح]. قال الطبري:" قرأته عامة قرأة أهل الحجاز والمدينة والبصرة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، كلاهما بفتح "القاف"، بمعنى: إن يمسسكم القتل والجراح، يا معشر أصحاب محمد، فقد مس القوم من أعدائكم من المشركين قرح = قتلٌ وجراح = مثله. وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾. كلاهما بضم القاف. وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: ﴿إن يمسسكم قَرْحٌ فقد مس القوم قَرْحٌ مثله﴾، بفتح "القاف" في الحرفين لإجماع أهل التأويل على أن معناه: القتل والجراح، فذلك يدل على أن القراءة هي الفتح. وكان بعض أهل العربية يزعُمُ أن "القَرح" و"القُرح" لغتان بمعنى واحد. والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" (٥). وقال أبو زرعة:" قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ بضم القاف فيهما. وقرأ الباقون بالفتح فيهما. قال الفراء:

стр. 274

كأن القُرْحَ بالضم ألم الجراحات، وكأن القَرْحَ الجراح بأعيانها (١). وقال الكسائي: هما لغتان مثل الضَّعْفِ والضُّعْفِ والفَقْرِ والفُقْرِ. وأولى القولين بالصواب قول الفراء لتصييرهما لمعنيين، والدليل على ذلك قول الله حين أساهم بهم في موضع آخر بما دل على أنه أراد الألم فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ (٢) فدل ذلك على أنه أراد إن يمسسكم ألم من أيدي القوم فإن بهم من ذلك مثل ما بكم" (٣). ويتحصل من كلامه أن في القرح ثلاثة وجوه: الأول: أنهما لغتان في المصدر، والمعنى واحد. الثاني: أن المعنى مختلف، فالقَرْح بالفَتْح: الآثَارُ وبالضّم الأَلَمُ. الثالث: أن القرح بالضمّ الاسمُ، وبالفَتْح المصدَر (٤). • (جَهْدَهُم) (٥): قراءة في: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ (٦). [التاج: جهد]. ذكر الزبيدي على ضوء القراءة السابقة أن الجَهْدَ بالفتح: الطَّاقَةُ والوُسْعُ ويُضَمُّ. والجَهْد بالفتح فقط: المَشَقَّة. ثم يقول: قال الفراءُ: الجُهْد في هذه الآيةِ الطاقَةُ، تقولُ: هذَا جُهْدي أَي طَاقَتي. وقُرِئ ﴿جُهْدَهُمْ﴾ و"جَهْدَهُمْ" بالضَّمِّ والفَتْحِ، الجُهْد بالضَّمِّ: الطَّاقَة، والجَهْد بالفتح من قولك اجهَدْ جَهْدَك في هذا الأَمْرِ، أَي ابلغْ غايَتَك". [التاج: جهد]. ويضيف الإمام البغوي قائلا إن: "الجُهْدَ: الطاقةُ، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأ الأعرج بالفتح. قال القُتَيْبِيُّ: الجُهْدُ بالضَّمِّ الطاقةُ، وبالفَتْحِ

стр. 275

الْمَشَقَّةُ" (١). وما قاله البغوي ذكره كثير من العلماء نحو: الفراء (٢)، والزمخشري (٣)، والنحاس (٤)، والقرطبي (٥)، والسمين الحلبي (٦)، وغيرهم. أما الألوسي فيقول: "وقيل: المضموم شيء قليل يعاش به، والمفتوح العمل" (٧). • (ضُعْف) (٨): قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ (٩). [التاج: ضعف]. قراءة الجمهور بضم الضاد، وقرئ بفتحها. وذكر الزبيدي أن الفعل (ضَعُفَ) يأتي مصدره على ضَعْفٍ وضُعْفٍ بالفتح والضمِّ، مستدلا بالقراءة النبيُّ ﷺ لعبدَ اللهِ بن عمر: "من ضُعْفٍ" بالضمِّ (١٠). وقد توقف كثير من اللغويين عند هاتين القراءتين وذكروا فيهما وجهين (١١): الأول: أنهما لغتان والمعنى واحد. والثاني: يقول بالفرق بينهما فيجعل الضُّعْفَ بالضم للجسد خاصة، بينما الضَّعْفَ بالفتح يكون للجسد والرأي والعقل. ويذكر معجم الفروق اللغوية الفرق بينهما قائلا: "الفرق بين الضُّعْفِ والضَّعْفِ: أن الضُّعْفَ بالضم يكون في الجسد

стр. 276

خاصة، وهو من قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾، والضَّعْف بالفتح يكون في الجسد والرأي والعقل، يقال: في رأيه ضَعْفٌ ولا يقال: فيه ضُعْفٌ كما يقال: في جسمه ضُعْفٌ وضَعْفٌ" (١). ويقول الألوسي: " الضم والفتح لغتان في ذلك كما في الفَقْر والفُقْر. الفتح لغة تميم، والضم لغة قريش؛ ولذا أختار النبي ﷺ قراءة الضم ... لأنها لغة قومه ﷺ ، ولم يقصد ﷺ بذلك رد القراءة الأخرى؛ لأنها ثابتة بالوحي أيضا كالقراءة التي أختارها ... وحكي عن كثير من اللغويين أن الضُّعْفَ بالضم ما كان في البدن، والضَّعْفَ بالفتح ما كان في العقل، والظاهر أنه لا فرق بين المضموم والمفتوح" (٢). • (السُّدَّيْنِ) (٣): قراءة في: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ﴾ (٤). [التاج: سدد]. يذكر الزبيدي معنى السَّد بالفتح، والفرق بينه وبين السُّد بالضم، على هدي من القراءة فيقول: "السَّدُّ بالفتح: الجبلُ والسّدُّ: الحاجزُ كذا في التهذيب ويُضَمُّ فيهما صَرَّحَ به الفَيُّوميُّ وغيره. وقال ابن السّكّيت: يقال لكل جَبَل سَّدٌّ وصَدٌّ وصُدٌّ. أَو بالضم: ما كان مخَْلُوقاً لله وبالفَتْح مِنْ عَمَلِنَا حكاه الزَّجّاجُ (٥). وعلى ذلك وَجْهُ قِراءَةِ من قَرَأَ ﴿بَيْنَ السَّدَّين﴾ و"السُّدَّيْن" ورواه أَبو عبيدة (٦)، ونحو ذلك قال الأَخفش. وقَرَأَ ابن كَثير وأًَبو عمرو ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ﴾، و ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٧) بفتح السين. وقرآ في يس ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (٨). وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب

стр. 277

بِضَمِّ السِّينِ في الأربعةِ المواضعِ، وقرأ حمزةُ والكسائي: ﴿بَيْنَ السُّدَّيْنِ﴾ بضم السين". [التاج: سدد] ويبدو من خلال معالجة كُتُبِ اللغةِ والتفسير لهاتين القراءتين أَنَّ فيهما اختلافا بَيِّنَاً، فالإمام الطبري رغم أنه يذكر فروقا أخرى بين البناءين، لكنه ينتهي إلى أنه لا فرق بينهما في المعنى إذ لم يرد عن العرب بالطريق الذي لا شك فيه، أن بينهما فرقا بدليل عدم ورود ذلك الفرق في تأويل القراءتين فيقول: واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين: ﴿حتَّى إذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ﴾ بضمّ السين، وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين. وكان بعض قرّاء المكيين يقرؤونه بفتح ذلك كله. وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة، ويضمّ السين في "يس"، ويقول: السَّدُّ بالفتح: هو الحاجز بينك وبين الشيء؛ والسُّدُّ بالضم: ما كان من غشاوة في العين. وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة. عن عكرمة قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السَّدُّ، يعني بالفتح، وما كان من صنع الله فهو السُّدّ. وكان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء وعكرمة بين السُّد والسَّد؛ لأنا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرق ما بين ذلك على ما حكي عنهما" (١). وإذا كان الطبري قد أضاف وجها ثالثا في الفرق بين البناءين وهو أن: السَّدَّ بالفتح: هو الحاجز بينك وبين الشيء؛ والسُّدَّ بالضم: ما كان من غشاوة في العين، فإن ابن عطية يزيد وجها رابعا وهو أن "السَّد": بالفتح مصدر، وبالضم اسم، فيقول: "قال الخليل (٢) وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى واحد، وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة (٣): ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم وما كان من صنع البشر فهو بالفتح. قال القاضي أبو محمد ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ:"بين السُّدَّيْنِ" بالضم وبعد ذلك سدا بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي

стр. 278

وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سُد بالضم، وما لا يرى فهو سَد بالفتح" (١). وأما الألوسي فإنه يخرج الفرق الذي ذكروه بين البناءين فيقول: "ووجه دلالة المضموم على ذلك أنه بمعنى مفعول، ولكونه لم يذكر فاعله فيه دلالة على تعين وعدم ذهاب الوهم إلى غيره فيقتضي أنه هو الله تعالى. وأما دلالة المفتوح على أنه من عمل العباد فللاعتبار بدلاله الحدوث وتصوير أنه ها هو ذا يفعله فليشاهد، وهذا يناسب ما فيه مدخل العباد على أنه يكفي فيه فوات ذلك التفخيم، وأنت تعلم أن القراءة بهما ظاهرة في توافقهما، وعدم ذكر الفاعل والحدوث أمران مشتركان، وعكس بعضهم فقال: المفتوح ما كان من خلقه تعالى إذ المصدر لم يذكر فاعله، والمضموم ما كان بعمل العباد؛ لأنه بمعنى مفعول والمتبادر منه ما فعله العباد وضعفه ظاهر" (٢). ومما جاء على (فِعْل) و (فَعْل) بكسر الفاء وفتحها، واختلف في معناه: • (بِشَقِّ) (٣): قراءة في: ﴿لَمْ تَكونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ (٤). [التاج: شق] قراءة الجمهور بكسر الشين، وقرئ بفتحها. والشَّقَّ: المَشَقةُ والجَهْدُ والعَناءُ. وفي كسر الشين وفتحها عند اللغويون والمفسرون وجوه (٥): الأول: يرى أنهما لغتان في المصدر والمعنى واحد. الثاني: يرى أنه بالكَسْرِ اسمٌ من المشقة، وبالفَتْح مَصْدر بالمعنى نفسه. الثالث: يرى أنه بالفتح مصدر شَقَّ يَشُقُّ شَقَّاً أي جعله نصفين، وذلك على معنى المجاز؛ كأن متاعب السفر تنقص من نفس المسافر الشق أي النصف. قال الفراء: " أكثر القُرّاء على كسر الشين ومعناها: إلا بجَهْدِ الأنفس. وكأنه اسْم وكأن الشَّقَّ فِعْل؛ كمَا تُوهِّم أن الكُرْهَ الاسم وأن الكَرْهَ الفعل. وقد قرأ به

стр. 279

بعضهم (إلاَّ بِشَقِّ الأَنْفُسِ) وقد يجوز في قوله: "بِشِقِّ الأَنفُسِ" أن تذهب إلى أن الجَهْدَ يُنْقِصُ من قوَّةِ الرجُل ونَفْسِهِ حتى يجعله قد ذَهَبَ بالنصف من قوَّتِهِ فتكون الكسرة على أنه كالنصف والعرب تقول: خذ هذا الشِّقّ لشقّة الشاة ويقال: المال بيني وبينك شَقّ الشعرة وشِقّ الشَعَرة وهما متقاربان، فإذا قالوا شققت عَليك شَقّا نصبوا ولم نسمع غيره" (١). قال الطبري: "واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار بكسر الشين "إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ" سوى أبي جعفر ... قارئ المدينة، أنه كان يقرأ "لم تكونوا بالغيه إلا بِشَقِّ الأنفس" بفتح الشين، وكان يقول: إنما الشَقُّ: شَقُّ النَّفْسِ. وقال ابن أبي حماد: وكان معاذ الهرّاء يقول: هي لغة، تقول العرب بشَقِّ وبشِقِّ، وبرَق وبرِق. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه" (٢). وقال الزمخشري:" قرئ: "بِشِقِّ الأَنْفُسِ"، بكسر الشين وفتحها. وقيل: هما لغتان في معنى المشقة، وبينهما فرق: وهو أن المفتوح مصدر شَقَّ الأمرُ عليه شَقَّاً، وحقيقته راجعة إلى الشَّقِّ الذي هو الصَّدْع، وأما الشِّقُّ فالنِّصْفُ، كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد" (٣). وقال السَّمِينُ:" والعامَّةُ على كسر الشين. وقرأ أبو جعفر ... بفتحها. فقيل: هما مصدران بمعنىً واحدٍ، أي: المَشَقَّة، فمِنَ الكسر قولُه: رَأَى إِبِلاً تَسْعَى، وَيَحْسِبُها لَهُ ... أَخِي نَصَبٍ مِنْ شِقِّهَا وَدُؤُوبِ (٤) أي: مِنْ مَشَقَّتها. وقيل: المفتوحُ المصدرُ، والمكسورُ الاسمُ. وقيل: بالكسرِ نصفُ الشيء. وفي التفسير: إلا بنصفِ أنفسكم، كما تقول: "لم تَنَلْه إلا بقطعةٍ من كَبِدك" على المجاز" (٥). • (ضِيْقٍ) (٦): قراءة في: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٧). [التاج: ضيق].

стр. 280

جاءت قراءة الكسر: "ضِيقٍ" شاهدا على أن مصدر ضاق يَضيقُ هو: ضَِيْقاً بالكَسْرِ والفَتْح. وأن الضَّيْقَ: الشّكُّ في القَلْب وهو مَجاز وبه فُسِّرت الآية. ويختلف علماء اللغة في: هل هما لغتان في المصدر والمعنى واحد أم بينهما اختلاف؟ على وجوه (١): الأول: قال أبو عَمْرو: الضَّيَقُ بالتّحْريك: الشَّكُّ، وهو بالفَتْحِ بهذا المعنى أكثَر فحينَئِذ الصّوابُ ويُحَرَّك. وقال الفَرّاء: الضَّيْقُ بالفَتْح: ما ضاقَ عنْه صدْرُك فهو فيما لا يتّسِعُ (أي في المعاني)، وهو يُثنّى ويُجْمَع ويؤنّث. الثاني: قال الفراء: الضِّيقُ بالكَسْر يكون فيما يتّسِعُ ويَضيقُ كالدّارِ، والثّوْبِ (أي في الماديات)، وهولا يُثنّى ولا يُجْمَع ولا يؤنّث. الثالث: أنهما سَواءٌ (أي هما لغتان في المصدر)، قاله الفراء أيضا. ... [التاج: ضيق]. ويبدو أن الفرق بين البناءين في المعنى قد استوقف كثيرا من اللغويين والمفسرين وأصحاب المعاني. فقد جاء في "معجم الفروق اللغوية" وجه رابع وهو عكس ما ذكره الفراء فيقول: الفرق بين الضَّيْقِ والضِّيقِ: قال المفضل: الضَّيْقُ بالفتح في الصَّدْرِ والمكان، والضِّيقُ بالكسر في البُخْلِ وعسر الخلق ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٢). ويذكر المعجم نفسه فرقا خامسا بين البناءين فيقول:" وقال غيره: الضَّيْقُ مصدر، والضَّيِّقُ اسمٌ: ضَاقَ الشيءُ ضَيْقَاً، وهو الضَّيِّقُ، والضَّيِّقُ ما يلزمه الضَّيْقُ وهذا المثال يكون لما تلزمه الصفة مثل سَيْدٍ ومَيْتٍ، والضَّائِقُ ما يكون فيه الضَّيْقُ عارضا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (٣) " (٤). أما الإمام الطبري فيذكر تعليلا طويلا ينصر فيه قراءة الفتح، ثم يقول: "ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى (ضيق الصدر) تقول العرب: في صدري من هذا الأمر ضَيْقٌ، وإنما تكسر الضاد في الشيء المُعَاشِ، وضِيقِ المَسْكَنِ، ونحو ذلك؛ فإن وقع الضَّيْقُ بفتح الضاد، في موضع الضِّيق بالكسر. كان على - الذي يتسع أحيانا، ويضيق من قلة - أحد وجهين:

стр. 281

إما على جمع الضَّيْقَةِ، كما قال أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة: فَلَئِنْ رَبُّكَ مِنْ رَحْمَتِهِ ... كَشَفَ الضَّيْقَةَ عَنَّا وَفَسَحْ (١) والآخر على تخفيف الشيء الضَّيِّق، كما يخفف الهيِّن اللَّيِّن، فيقال: هو هَيْن لَيْن" (٢). ومعنى هذا أن الطبري يضيف وجهين آخرين هما: أن الضَّيْقَ بالفتح جمع "الضَّيْقَةَ". أو أنه مخفف من "الضَّيِّق". أما القرطبي فقد فسر الآية على التخفيف، ثم ذكر عن أهل اللغة أقوالا تتضمن الوجوه السابقة فيقول: " قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر. وقال الأخفش: الضَّيْقُ والضِّيقُ مصدرُ ضَاقَ يَضِيقُ. والمعنى: لا يضيق صدرك من كفرهم. وقال الفراء: الضَّيْقُ ما ضاق عنه صدرك، والضِّيقُ ما يكون في الذي يتسع ويضيق، مثل الدار والثوب. وقال ابن السكيت: هما سواء، يقال: في صدره ضَيْقٌ وضِيقٌ. والقتبي: ضَيْقٌ مُخَفَّفُ ضَيِّقٍ، أي لا تكن في أمر ضَيْقٍ فَخَفَّفَ، مثل هَيِّن وهَيْن. وقال ابن عرفة: يقال ضاق الرجل إذا بخل، وأضاق إذا افتقر" (٣). وينسب أبو حيان قول التخفيف السابق إلى أبي عبيدة، ثم يتبعه برد أبي علي الفارسي له فيقول: "وهما مصدران كالقيل والقول عند بعض اللغويين. وقال أبو عبيدة: بفتح الضاد مخفف من ضَيِّقٍ أي: ولا تك في أمرٍ ضَيِّقٍ، كلَيْنٍ في لَيِّنٍ. وقال أبو علي: الصواب أن يكون الضِّيقُ لغةً في المصدر؛ لأنه إنْ كان مخففاً من ضَيِّق لزم أن تُقَامَ الصفةُ مقامَ الموصوفِ إذا تَخَصَّصَ الموصوفُ، وليس هذا موضع ذلك، والصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة كما تقول: رأيت ضاحكاً، فإنما تخصص الإنسان. ولو قلت: رأيت بارداً لم يحسن، وبِبَارِدٍ مَثَّلَ سيبويهُ، وضَيْقٌ لا يخصص الموصوف" (٤).

стр. 282

ومما جاء على (مَفْعَل) و (مَفْعِل) بفتح العين وكسرها: • (مَنْسِكًا) (١): قراءة في: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٢). [التاج: نسك]. يتعرض الزبيدي لـ"المَنْسَك" فيعرض مبناه ومعناه من خلال القراءة فيقول: "والمَنْسَكُ كمَجْلِسٍ ومَقْعَدٍ: شِرعَةُ النّسكِ وقُرِئَ بهِمَا قَولُه تَعالَى: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قَرَأَ الكُوفِيونَ غير عاصِمٍ "مَنْسِكًا" بكَسر السّينِ. والباقُونَ بفَتْحِها، وقَوْلُه تَعالَى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٣) أي: عَرفْنا مُتَعَبَّداتِنَا. وقالَ الفَرّاءُ: أَصْلُ المَنْسِكِ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعتادُ الذي تَعْتادُه (٤). ويُقال: إِن لِفُلانٍ مَنْسِكًا يَعْتادُه في خَيرٍ كانَ أَو غَيرِه ثم سُمِّيَت أُمُورُ الحَجِّ مَناسِكَ قال ذُو الرُّمَّةِ (٥): وَرَبِ القِلاصِ الخوُصِ تَدْمَى أُنُوفُهَا .. بنَخْلَةَ والسَّاعِينَ حَوْلَ المَناسِكِ وقِيلَ: المَنْسَكُ كمَقْعَدٍ: نَفْسُ النُّسُكِ وكمَجْلِس: مَوْضِعٌ تذْبَحُ فيه النَّسِيكَةُ، ومنه قَوْلُهُم: مِنًى مَنْسِكُ الحاجِّ. وقالَ الزَّجّاجُ في تَفْسِير قولهِ تَعالَى: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكا﴾ النَّسكُ في هذَا المَوْضِعِ يَدُلُّ على مَعْنَى النَّحْرِ كَأَنه قالَ: جَعَلْنا لكُلِّ أُمَّةٍ أَن تَتَقَرَّبَ بأَنْ تَذْبَحَ الذَّبائِحَ لله فمَنْ قالَ "مَنْسِك" فمَعْناهُ مكانُ نَسك مثل مَجْلِسٍ مكان جُلُوس، ومن قال "مَنْسَك" فمَعْناهُ المَصْدَرُ نحو النُّسُكِ والنّسُوكِ. وقال ابنُ الأَثِيرِ: قد تَكَرَّرَ ذِكْرُ المَناسِكِ والنُّسُكِ والنَّسِيكَةِ في الحَدِيثِ فالمَناسِكُ: جمعُ مَنْسَكٍ بفَتْحِ السِّينِ وكَسرِها وهو المُتَعَبَّدُ، ويَقَعُ على المَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، ثم سُمِّيَتُ أمُورُ الحَجِّ كلُّها مَناسِكَ". [التاج: نسك]. وحاصل كلامه أن في "المَنْسَك" وجوها: الأول: بفتح السين وكسرها مصدر، معناه: شِرعَةُ النُّسُكِ. الثاني: المَنْسَكُ بفتح السين كمَقْعَدٍ: نَفْسُ النُّسُكِ. والثالث: بكسر السين كمَجْلِس: اسم مكان، أي مَوْضِعٌ تذْبَحُ فيه النَّسِيكَةُ.

стр. 283

قال الطبري:" وأصل المَنْسِك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ ; يقال: إن لفلان مَنْسِكَاً يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة. وفيه لغتان: "مَنْسِك" بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و"مَنْسَك" بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد. وقد قرئ باللغتين جميعا" (١). قال أبو حيان:"والمنسك (مَفْعَل) من نَسَكَ واحتمل أن يكون موضعاً للنسك أي مكان نُسُكٍ، واحتمل أن يكون مصدراً واحتمل أن يراد به مكان العبادة مطلقاً أو العبادة ... وحمله الزمخشري على الذبح، يقال: شرع الله لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على وجه التقرب، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على المناسك انتهى. وقياس بناء (مَفْعَل) مما مضارعه (يَفْعُلُ) بضم العين (مَفْعَل) بفتحها في المصدر، والزمان، والمكان، وبالفتح قرأ الجمهور" (٢). وقال السمين:" هما بمعنىً واحد. والمرادُ بالمَنْسَك مكانُ النُّسُكِ أو المصدرُ. وقيل: المكسورُ مكانٌ، والمفتوحُ مصدرٌ. قال ابن عطية: "الكسرُ في هذا من الشاذِّ، ولا يَسُوغُ فيه القياس. ويُشْبِهُ أَنْ يكونَ الكسائيُّ سمعه من العرب" (٣). قلت: وهذا الكلامُ منه غير مَرْضِيّ: كيف يقول: ويُشْبه أَنْ يكنَ الكسائيُ سَمِعه. الكسائي يقول: قرأتُ به فكيف يحتاج إلى سماعٍ مع تمسُّكِه بأقوى السَّماعات، وهو روايتُه لذلك قرآناً متواتراً؟ وقوله: "من الشاذِّ" يعني قياساً لا استعمالاً فإنه فيصحٌ في الاستعمال؛ وذلك أنَّ فَعَل يَفْعُل بضم العين في المضارع قياسُ المَفْعَل منه: أن تُفتَحَ عينُه مطلقاً أي: سواءٌ أُريد به الزمانُ أم المكانُ أم المصدرُ. وقد شَذَّتْ ألفاظُ ضَبَطها النحاةُ في كتبهم" (٤). • (مَطْلِعِ) (٥): قراءة في: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٦). [التاج: طلع].

стр. 284

قال الزبيدي: طَلَعَ الكَوْكَبُ والشمسُ والقمَرُ طُلوعاً ومَطْلَعاً بفتحِ اللامِ على القياسِ ومَطْلِعاً بكسرِها، وهو الأشهر، وهو أحد ما جاءَ من مصادرِ (فَعَلَ يَفْعُلُ) على (مَفْعِلٍ). قرأ الجمهور "مَطْلَعِ" بفتح اللام على القياس، وقرأ الكسائي "مَطْلِعِ" بكسر اللام. [التاج: طلع]. وقال الفرّاء:" وهو أقوى في القياس؛ لأنّ المَطْلَع بالفَتْح: الطُّلُوع وبالكَسْر: الموضعُ الذي تَطْلُعُ منه، إلاّ أن العربَ تقول: طَلَعَتْ الشمسُ مَطْلِعا فيَكسِرونَ وهم يريدون المصدرَ، وكذلك: المَسجِد والمَشرِق والمَغرِب والمَسقِط والمَرفِق والمَنسِك والمَنبِت" (١). وقال بعضُ البَصْريِّين: مَن قرأَ "مَطْلِع الفَجرِ" بكسرِ اللامِ، فهو اسمٌ لوَقتِ الطُّلوع قال ذلك الزَّجَّاج ... وهما أي المَطْلَع والمَطْلِع: اسمانِ للمَوضِع أيضاً ومنه قَوْله تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ (٢). [التاج: طلع]. ويتحصل من كلام الزبيدي أن في "مطلع" وجوها (٣): الأول: أنه بفتح اللام وكسرها لغتان في المصدر. الثاني: أنه بالفتح مصدر، وبالكسر اسم لوقت الطلوع. الثالث: أنه بالكسر اسم للمكان، ولكن المعنى في الآية يأباه. الرابع: أنه بالكسر اسم لوقت الطلوع على رأي الزجاج. وسبب هذا الاشتراك ناتج من أن صيغة (مَفْعَل) بفتح العين من الفعل (فَعَلَ يَفْعُلُ) تكون: مصدرا، أو اسما للزمان، أو اسما للمكان قياسا مطردا، إلا أنه قد جاء فيه السماع بكسر العين في نحو: المَسجِد والمَشرِق والمَغرِب والمَسقِط والمَرفِق والمَنسِك والمَنبِت. وقراءة الفتح على القياس، وتعد أيضا سماعا في الفتح؛ لذلك رجحها علماء اللغة والمفسرون. وقال أبو جعفر النحاس:" أحسن ما قيل في هذا - يقصد كسر لام مَطْلِع - قول سيبويه: وقد كسروا المصدر قالوا: أتيتك عند مطلِع الشمس، أي عند طلوع الشمس، هذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز فيقولون: مطلَع، والمطلَع المكان. قال أبو جعفر: شرح هذا أنه ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ فالباب فيه أن يكون المصدر منه واسم المكان مَفْعَلا بالفتح وكان يجب أن يكون اسم المكان منه بالضم إلا أنه

стр. 285

ليس في كلام العرب مَفْعُل، فلم يكن بد من تحويله إلى الفتحة أو الكسرة، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف، والدليل على ما قلناه أنه ما كان على فَعَلَ يَفْعِلُ فالمصدر منه مَفْعَلُ بالفتح، واسم المكان والزمان بالكسر، قالوا: جَلَسَ مَجْلَسَاً وهو في مَجْلَسِكَ، وفي الزمان: أتت الناقة على مَضْرِبِهَا، بالكسر فهذا يبين لك أن الأصل مَطْلِعٌ في المكان ثم حول إلى الفتح، ثم سمع من العرب أشياء تؤخذ سماعا بغير قياس. قالوا: مطلِع للمكان الذي تطلع فيه الشمس، وقال بعضهم مطلِع للمصدر والفتح أولى؛ لأن الفتح في المصدر قد كان لفَعَلَ يَفْعِلُ فكيف يكون في فَعَلَ يَفْعُلُ، وأيضا فإن قراءة الجماعة الذين تقوم بهم الحجة "حتى مطلَع" هذا في قوته في العربية وشذوذ الكسر وخروجه من القياس" (١). ويقول الطبري:" والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية وذلك أن المطْلَعَ بالفتح هو الطلوع، والمَطْلِعَ بالكسر: هو الموضع الذي تطلع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع" (٢). وقال أبو حيان:" هما مصدران في لغة بني تميم. وقيل: المصدر بالفتح وموضع الطلوع بالكسر عند أهل الحجاز" (٣). وقال السمين:" الفتح هو القِياسُ والكسرُ سماعٌ، وله أخوات يُحْفَظُ فيها الكسرُ ممَّا ضُمَّ مضارعُه أو فُتح نحو: المَشْرِق والمَجْزِر. وهل هما مصدران أو المفتوحُ مصدرٌ والمكسور مكانٌ؟ خِلافٌ. وعلى كلِّ تقديرٍ فالقياسُ في المَفْعَل مطلقاً مِمَّا ضُمَّتْ عينُ مضارعِه أو فُتِحَتْ فَتْحُ العينِ، وإنما يقعُ الفرقُ في المكسور العين الصحيح نحو: يَضْرِب" (٤). ومما جاء على (فُعْل) و (فِعْل) بضم الفاء وكسرها: • (الذِّلِّ) (٥): قراءة في: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٦). [التاج: ذلل].
следующие страницы →