إما على جمع الضَّيْقَةِ، كما قال أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة:
فَلَئِنْ رَبُّكَ مِنْ رَحْمَتِهِ ... كَشَفَ الضَّيْقَةَ عَنَّا وَفَسَحْ (١)
والآخر على تخفيف الشيء الضَّيِّق، كما يخفف الهيِّن اللَّيِّن، فيقال: هو هَيْن لَيْن" (٢). ومعنى هذا أن الطبري يضيف وجهين آخرين هما: أن الضَّيْقَ بالفتح جمع "الضَّيْقَةَ". أو أنه مخفف من "الضَّيِّق".
أما القرطبي فقد فسر الآية على التخفيف، ثم ذكر عن أهل اللغة أقوالا تتضمن الوجوه السابقة فيقول: " قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر. وقال الأخفش: الضَّيْقُ والضِّيقُ مصدرُ ضَاقَ يَضِيقُ. والمعنى: لا يضيق صدرك من كفرهم. وقال الفراء: الضَّيْقُ ما ضاق عنه صدرك، والضِّيقُ ما يكون في الذي يتسع ويضيق، مثل الدار والثوب. وقال ابن السكيت: هما سواء، يقال: في صدره ضَيْقٌ وضِيقٌ. والقتبي: ضَيْقٌ مُخَفَّفُ ضَيِّقٍ، أي لا تكن في أمر ضَيْقٍ فَخَفَّفَ، مثل هَيِّن وهَيْن. وقال ابن عرفة: يقال ضاق الرجل إذا بخل، وأضاق إذا افتقر" (٣).
وينسب أبو حيان قول التخفيف السابق إلى أبي عبيدة، ثم يتبعه برد أبي علي الفارسي له فيقول: "وهما مصدران كالقيل والقول عند بعض اللغويين. وقال أبو عبيدة: بفتح الضاد مخفف من ضَيِّقٍ أي: ولا تك في أمرٍ ضَيِّقٍ، كلَيْنٍ في لَيِّنٍ. وقال أبو علي: الصواب أن يكون الضِّيقُ لغةً في المصدر؛ لأنه إنْ كان مخففاً من ضَيِّق لزم أن تُقَامَ الصفةُ مقامَ الموصوفِ إذا تَخَصَّصَ الموصوفُ، وليس هذا موضع ذلك، والصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة كما تقول: رأيت ضاحكاً، فإنما تخصص الإنسان. ولو قلت: رأيت بارداً لم يحسن، وبِبَارِدٍ مَثَّلَ سيبويهُ، وضَيْقٌ لا يخصص الموصوف" (٤).
стр. 282
ومما جاء على (مَفْعَل) و (مَفْعِل) بفتح العين وكسرها:
• (مَنْسِكًا) (١): قراءة في: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٢). [التاج: نسك].
يتعرض الزبيدي لـ"المَنْسَك" فيعرض مبناه ومعناه من خلال القراءة فيقول: "والمَنْسَكُ كمَجْلِسٍ ومَقْعَدٍ: شِرعَةُ النّسكِ وقُرِئَ بهِمَا قَولُه تَعالَى: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قَرَأَ الكُوفِيونَ غير عاصِمٍ "مَنْسِكًا" بكَسر السّينِ. والباقُونَ بفَتْحِها، وقَوْلُه تَعالَى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٣) أي: عَرفْنا مُتَعَبَّداتِنَا.
وقالَ الفَرّاءُ: أَصْلُ المَنْسِكِ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعتادُ الذي تَعْتادُه (٤). ويُقال: إِن لِفُلانٍ مَنْسِكًا يَعْتادُه في خَيرٍ كانَ أَو غَيرِه ثم سُمِّيَت أُمُورُ الحَجِّ مَناسِكَ قال ذُو الرُّمَّةِ (٥):
وَرَبِ القِلاصِ الخوُصِ تَدْمَى أُنُوفُهَا .. بنَخْلَةَ والسَّاعِينَ حَوْلَ المَناسِكِ
وقِيلَ: المَنْسَكُ كمَقْعَدٍ: نَفْسُ النُّسُكِ وكمَجْلِس: مَوْضِعٌ تذْبَحُ فيه النَّسِيكَةُ، ومنه قَوْلُهُم: مِنًى مَنْسِكُ الحاجِّ. وقالَ الزَّجّاجُ في تَفْسِير قولهِ تَعالَى: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكا﴾ النَّسكُ في هذَا المَوْضِعِ يَدُلُّ على مَعْنَى النَّحْرِ كَأَنه قالَ: جَعَلْنا لكُلِّ أُمَّةٍ أَن تَتَقَرَّبَ بأَنْ تَذْبَحَ الذَّبائِحَ لله فمَنْ قالَ "مَنْسِك" فمَعْناهُ مكانُ نَسك مثل مَجْلِسٍ مكان جُلُوس، ومن قال "مَنْسَك" فمَعْناهُ المَصْدَرُ نحو النُّسُكِ والنّسُوكِ. وقال ابنُ الأَثِيرِ: قد تَكَرَّرَ ذِكْرُ المَناسِكِ والنُّسُكِ والنَّسِيكَةِ في الحَدِيثِ فالمَناسِكُ: جمعُ مَنْسَكٍ بفَتْحِ السِّينِ وكَسرِها وهو المُتَعَبَّدُ، ويَقَعُ على المَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، ثم سُمِّيَتُ أمُورُ الحَجِّ كلُّها مَناسِكَ". [التاج: نسك].
وحاصل كلامه أن في "المَنْسَك" وجوها:
الأول: بفتح السين وكسرها مصدر، معناه: شِرعَةُ النُّسُكِ.
الثاني: المَنْسَكُ بفتح السين كمَقْعَدٍ: نَفْسُ النُّسُكِ.
والثالث: بكسر السين كمَجْلِس: اسم مكان، أي مَوْضِعٌ تذْبَحُ فيه النَّسِيكَةُ.
стр. 283
قال الطبري:" وأصل المَنْسِك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ ; يقال: إن لفلان مَنْسِكَاً يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة. وفيه لغتان: "مَنْسِك" بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و"مَنْسَك" بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد. وقد قرئ باللغتين جميعا" (١).
قال أبو حيان:"والمنسك (مَفْعَل) من نَسَكَ واحتمل أن يكون موضعاً للنسك أي مكان نُسُكٍ، واحتمل أن يكون مصدراً واحتمل أن يراد به مكان العبادة مطلقاً أو العبادة ... وحمله الزمخشري على الذبح، يقال: شرع الله لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على وجه التقرب، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على المناسك انتهى. وقياس بناء (مَفْعَل) مما مضارعه (يَفْعُلُ) بضم العين (مَفْعَل) بفتحها في المصدر، والزمان، والمكان، وبالفتح قرأ الجمهور" (٢).
وقال السمين:" هما بمعنىً واحد. والمرادُ بالمَنْسَك مكانُ النُّسُكِ أو المصدرُ. وقيل: المكسورُ مكانٌ، والمفتوحُ مصدرٌ. قال ابن عطية: "الكسرُ في هذا من الشاذِّ، ولا يَسُوغُ فيه القياس. ويُشْبِهُ أَنْ يكونَ الكسائيُّ سمعه من العرب" (٣). قلت: وهذا الكلامُ منه غير مَرْضِيّ: كيف يقول: ويُشْبه أَنْ يكنَ الكسائيُ سَمِعه. الكسائي يقول: قرأتُ به فكيف يحتاج إلى سماعٍ مع تمسُّكِه بأقوى السَّماعات، وهو روايتُه لذلك قرآناً متواتراً؟ وقوله: "من الشاذِّ" يعني قياساً لا استعمالاً فإنه فيصحٌ في الاستعمال؛ وذلك أنَّ فَعَل يَفْعُل بضم العين في المضارع قياسُ المَفْعَل منه: أن تُفتَحَ عينُه مطلقاً أي: سواءٌ أُريد به الزمانُ أم المكانُ أم المصدرُ. وقد شَذَّتْ ألفاظُ ضَبَطها النحاةُ في كتبهم" (٤).
• (مَطْلِعِ) (٥): قراءة في: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٦). [التاج: طلع].
стр. 284
قال الزبيدي: طَلَعَ الكَوْكَبُ والشمسُ والقمَرُ طُلوعاً ومَطْلَعاً بفتحِ اللامِ على القياسِ ومَطْلِعاً بكسرِها، وهو الأشهر، وهو أحد ما جاءَ من مصادرِ (فَعَلَ يَفْعُلُ) على (مَفْعِلٍ). قرأ الجمهور "مَطْلَعِ" بفتح اللام على القياس، وقرأ الكسائي "مَطْلِعِ" بكسر اللام. [التاج: طلع].
وقال الفرّاء:" وهو أقوى في القياس؛ لأنّ المَطْلَع بالفَتْح: الطُّلُوع وبالكَسْر: الموضعُ الذي تَطْلُعُ منه، إلاّ أن العربَ تقول: طَلَعَتْ الشمسُ مَطْلِعا فيَكسِرونَ وهم يريدون المصدرَ، وكذلك: المَسجِد والمَشرِق والمَغرِب والمَسقِط والمَرفِق والمَنسِك والمَنبِت" (١).
وقال بعضُ البَصْريِّين: مَن قرأَ "مَطْلِع الفَجرِ" بكسرِ اللامِ، فهو اسمٌ لوَقتِ الطُّلوع قال ذلك الزَّجَّاج ... وهما أي المَطْلَع والمَطْلِع: اسمانِ للمَوضِع أيضاً ومنه قَوْله تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ (٢). [التاج: طلع].
ويتحصل من كلام الزبيدي أن في "مطلع" وجوها (٣):
الأول: أنه بفتح اللام وكسرها لغتان في المصدر.
الثاني: أنه بالفتح مصدر، وبالكسر اسم لوقت الطلوع.
الثالث: أنه بالكسر اسم للمكان، ولكن المعنى في الآية يأباه.
الرابع: أنه بالكسر اسم لوقت الطلوع على رأي الزجاج.
وسبب هذا الاشتراك ناتج من أن صيغة (مَفْعَل) بفتح العين من الفعل (فَعَلَ يَفْعُلُ) تكون: مصدرا، أو اسما للزمان، أو اسما للمكان قياسا مطردا، إلا أنه قد جاء فيه السماع بكسر العين في نحو: المَسجِد والمَشرِق والمَغرِب والمَسقِط والمَرفِق والمَنسِك والمَنبِت. وقراءة الفتح على القياس، وتعد أيضا سماعا في الفتح؛ لذلك رجحها علماء اللغة والمفسرون.
وقال أبو جعفر النحاس:" أحسن ما قيل في هذا - يقصد كسر لام مَطْلِع - قول سيبويه: وقد كسروا المصدر قالوا: أتيتك عند مطلِع الشمس، أي عند طلوع الشمس، هذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز فيقولون: مطلَع، والمطلَع المكان. قال أبو جعفر: شرح هذا أنه ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ فالباب فيه أن يكون المصدر منه واسم المكان مَفْعَلا بالفتح وكان يجب أن يكون اسم المكان منه بالضم إلا أنه
стр. 285
ليس في كلام العرب مَفْعُل، فلم يكن بد من تحويله إلى الفتحة أو الكسرة، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف، والدليل على ما قلناه أنه ما كان على فَعَلَ يَفْعِلُ فالمصدر منه مَفْعَلُ بالفتح، واسم المكان والزمان بالكسر، قالوا: جَلَسَ مَجْلَسَاً وهو في مَجْلَسِكَ، وفي الزمان: أتت الناقة على مَضْرِبِهَا، بالكسر فهذا يبين لك أن الأصل مَطْلِعٌ في المكان ثم حول إلى الفتح، ثم سمع من العرب أشياء تؤخذ سماعا بغير قياس. قالوا: مطلِع للمكان الذي تطلع فيه الشمس، وقال بعضهم مطلِع للمصدر والفتح أولى؛ لأن الفتح في المصدر قد كان لفَعَلَ يَفْعِلُ فكيف يكون في فَعَلَ يَفْعُلُ، وأيضا فإن قراءة الجماعة الذين تقوم بهم الحجة "حتى مطلَع" هذا في قوته في العربية وشذوذ الكسر وخروجه من القياس" (١).
ويقول الطبري:" والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية وذلك أن المطْلَعَ بالفتح هو الطلوع، والمَطْلِعَ بالكسر: هو الموضع الذي تطلع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع" (٢).
وقال أبو حيان:" هما مصدران في لغة بني تميم. وقيل: المصدر بالفتح وموضع الطلوع بالكسر عند أهل الحجاز" (٣).
وقال السمين:" الفتح هو القِياسُ والكسرُ سماعٌ، وله أخوات يُحْفَظُ فيها الكسرُ ممَّا ضُمَّ مضارعُه أو فُتح نحو: المَشْرِق والمَجْزِر. وهل هما مصدران أو المفتوحُ مصدرٌ والمكسور مكانٌ؟ خِلافٌ. وعلى كلِّ تقديرٍ فالقياسُ في المَفْعَل مطلقاً مِمَّا ضُمَّتْ عينُ مضارعِه أو فُتِحَتْ فَتْحُ العينِ، وإنما يقعُ الفرقُ في المكسور العين الصحيح نحو: يَضْرِب" (٤).
ومما جاء على (فُعْل) و (فِعْل) بضم الفاء وكسرها:
• (الذِّلِّ) (٥): قراءة في: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٦). [التاج: ذلل].
стр. 286
يذكر الزبيدي أن الذل بضم الذال وكسرها لغتان في المصدر، حيث قرأ الجمهور بالضم، وقرأ عصم مع آخرين بالكسر. ولكن هناك من فرق بين البنائين قال الرَّاغِبُ: الذُّلُّ ما كانَ عن قَهْرٍ، والذِّلُّ ما كانَ بعدَ تَصَعُّبٍ وشِماسٍ (١). ومعنَى الآية: أي لِنْ كالمَقْهُورِ لهما وعَلى قراءَةِ الكسرِ: لِنْ وانْقَدْ لهما ". [التاج: ذلل]
ومن كلامه يتضح أن في الفرق بينهما وجوها:
الأول: أنهما لغتان في المصدر، والمعنى واحد هو: الرِّفْقُ والرَّحْمَةُ.
الثاني: أن الكسرَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ الذَّلُولِ.
الثالث: أن الذُّلَّ ما كانَ عن قَهْرٍ، والذِّلَّ ما كانَ بعدَ تَصَعُّبٍ وشِماسٍ.
وقد عرض الطبري لهذا الفرق فقال: "والذُّلُّ بضم الذال والذِّلَّة مصدران من الذليل، وذلك أن يتذلل، وليس بذليل في الخلقة من قول القائل: قد ذَلَلت لك أذلّ ذلة وذلا، وذلك نظير القُلّ والقِلَّة، إذا أسقطت الهاء ضمت الذال من الذُّلّ والقاف من القُلّ، وإذا أثبتت الهاء كُسِرت الذال من الذِّلة، والقاف من القِلَّة ... وأما الذِّل بكسر الذال وإسقاط الهاء فإنه مصدر من الذَّلول من قولهم: دابة ذَلول: بَيِّنَةَ الذِّلِّ، وذلك إذا كانت لينة غير صعبة" (٢).
وقد عبر كل من أبي حيان (٣) والألوسي عن هذا المعنى بعبارة متقاربة فقال الألوسي: "وقرأ سعيد بن جبير "الذِّلِ" بكسر الذال وهو الانقياد وأصله في الدواب، والنعت منه ذَلُول، وأما الذُّلُّ بالضم فأصله في الإنسان، وهو ضد العز والنعت منه ذليلاً" (٤).
وقال ابن عاشور: "وفي بعض التّفاسير: الذُّلُّ بضم الذال ضد العزّ، وبكسر الذِّالُّ ضِدُّ الصُّعُوبَةِ (٥)، ولا يعرف لهذه التفرقة سند في اللغة" (٦).
ومما ورد من (فَعَال) و (فُعَال) بفتح الفاء وضمها:
• (فُوَاقٍ) (٧): قراءة في قوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (٨). [التاج: فوق].
стр. 287
يذكر الزبيدي معنى الفُوَاقِ بالضم وأنه من المجاز: "ما بَين الحَلْبَتَيْن من الوقْت لأنّها تُحْلَب ثم تُترَك سُوَيْعَة يرضَعُها الفَصيلُ لتَدِرّ ثم تُحلَب. يقال: ما أقامَ عنده إلا فُوَاقاً ويُفْتَحُ". وأن الكوفيّين غيرَ عاصِم قرؤوا: ﴿مَا لَهَا مِنْ فُوَاقٍ﴾ بالضّم. والباقون: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ بالفَتْح. [التاج: فوق]
وقد اختلف اللغويون في القراءتين من حيث المعنى على وجهين:
الأول: أن بين البناءين فرقاً في المعنى، وهو قول أبي عبيدة: "مَنْ قرأ بالفَتْحِ أرادَ مالَها من إفاقَةٍ ولا راحَة، ذهَب بها إلى إفاقَةِ المَريض، ومن ضمَّها جعَلَها من فُواقِ الناقَة يريدُ ما لَها من انتِظار" (١).
الثاني: أنه لا فرق بين البناءين في المعنى؛ لأنهما لغتان في لفظ واحد، وهو قول: "ثعْلبٌ: أي ما لَها من فَتْرة. ويقال: فُواق النّاقة وفَواقُها: رجوعُ اللّبَن في ضرْعِها بعد حَلْبِها. يُقال: لا تنْتَظِرْه فُواقَ ناقَة، وأقام فُواقَ ناقة جعلُوه ظَرْفاً على السّعةِ وهو مجازٌ".
قال الطبري:" والصواب من القول في ذلك أنهما لغتان، وذلك أنا لم نجد أحدا من المتقدمين على اختلافهم في قراءته يفرّقون بين معنى الضمّ فيه والفتح، ولو كان مختلف المعنى باختلاف الفتح فيه والضم، لقد كانوا فرقوا بين ذلك في المعنى. فإذا كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب ; وأصل ذلك من قولهم: أفاقت الناقة، فهي تفيق إفاقة وذلك إذا ردت ما بين الرضعتين ولدها إلى الرضعة الأخرى، وذلك أن ترضع البهيمة أمها ثم تتركها حتى ينزل شيء من اللبن، فتلك الإفاقة ; يقال إذا اجتمع ذلك في الضرع فيقة" (٢).
وحكى النحاس عن الكسائي والفراء ترجيح القول بأنهما لغتان بمعنى واحد (٣).
وقال الراغب:" والفواق: ما بين الحلبتين. وقوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ أي: من راحة ترجع إليها، وقيل: ما لها من رجوع إلى الدنيا. قال أبو عبيدة: (من
стр. 288
قرأ: "من فُوَاق "بالضم فهو من فواق الناقة. أي: ما بين الحلبتين، وقيل: هما واحد نحو: جَمَام وجُمَام" (١).
وقال البغوي: "وهما لغتان، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم" (٢).
وقال ابن عاشور: "الفواق، بفتح الفاء وضمها: اسم لما بين حلبتي حالب الناقة ورضعتي فَصيلها، فإن الحالب يحلب الناقة ثم يتركها ساعة ليرضعها فصيلها ليَدر اللبن في الضرع ثم يعودون فيحلبونها، فالمدة التي بين الحلبتين تسمى فَواقاً. وهي ساعة قليلة وهم قبل ابتداء الحلب يتركون الفصيل يرضعها لتدرّ باللبن.
وجمهور أهل اللغة على أن الفتح والضم فيه سواء، وذهب أبو عبيدة والفراء إلى أن بين المفتوح والمضموم فَرقاً فقالا: المفتوح بمعنى الراحة مثل الجَواب من الإِجابة، والمضمومُ اسم للمدة. واللبن المجتمع في تلك الحصة يسمى: الفِيقَة بكسر الفاء، وجمعُها أفاويق. ومعنى "ما لَها من فَواقٍ" ليس بعدها إمهال بقدر الفواق" (٣).
ومما جاء على (فَعِلَ) و (فَعَل):
• (بَرَقَ) (٤): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ (٥). [التاج: برق].
قال الزبيدي: بَرَقَ بَصَرُهُ: تَلألأ ... وإِذا كَسَرْتَ الراءَ فبمَعْنَى الحَيْرَةِ. وبَرِقَ البَصَرُ كفَرِحَ وعليه اقتَصَر الجَوْهريُّ وقال: يعني بَرِيقَهُ إذا شَخَصَ. قال الفراء (٦): قرأها نافع وحده من البريق أي: شَخَصَ، وقال غيره: أي: فتح عَيْنَهُ من الفَزَعِ، قلت: وقرأها أيضاً أبو جعفر هكذا. [التاج: برق]
عرض الزبيدي هنا لفعلين مختلفين في المعنى متشابهين في المبنى، هما:
стр. 289
أحدهما: بَرَقَ يَبْرُقُ بَرَقَاً وبُرُوقَاً وبَرِيقَاً: لَمَعَ وجاء بِبَرْقٍ، وتكون للسماء حقيقة، وللسيف ونحوه مجازا.
والآخر: بَرِقَ بَصَرُهُ يَبْرَقُ بَرَقَاً وبُرُوقَاً: تَحَيَّرَ حتى لا يَطْرِف، أو دَهشَ فلم يُبْصِرْ. وبَرِقَ الرجلُ إذا رأى البرق فتحير، كما تقول: أَسَدَ الرجلُ إذا رأى الأسد فتحير. إذن بَرَقَ بالفتح تدل على اللِّمْعَانِ حقيقة أو مجازا. وبَرِقَ بالكسر تدل على الحيرة والدهشة.
قال الطبرى: "بَرَقَ" بفتح الراء، بمعنى شخص، وفُتِح عند الموت ... و"بَرِقَ" بكسر الراء، بمعنى: فزع وشقّ ... وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب كسر الراء "فَإِذَا بَرِقَ" بمعنى: فزع فشُقّ وفُتِح من هول القيامة وفزع الموت" (١).
وقال الزمخشري: "بَرِقَ الْبَصَرُ تَحَيَّرَ فَزَعًا، وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره. وقرئ: "بَرَقَ" من البريق، أي لمع من شدة شُخُوصِهِ" (٢).
قال البغوي:" هما لغتان. وقال قتادة ومقاتل: شخص البصر فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا. قيل: ذلك عند الموت. وقال الكلبي: عند رؤية جهنم برق أبصار الكفار. وقال الفراء والخليل: "بَرِقَ" - بالكسر – أي: فزع وتحير لما يرى من العجائب، و"بَرَقَ" بالفتح، أي: شق عينه وفتحها، من البريق، وهو التلألؤ" (٣).
وقد حمل القرطبي القراءة على تعدد اللغة في الفعل لا تعدد البناء فيه (٤).
وقال أبو عبيدة: ﴿فَإِذَا بَرَقَ البَصَرُ﴾ إذا شُقَّ البَصَرُ (٥).
وقال الرَّاغِبُ:" "بَرَقَ" يقال في كل ما يَلْمَعُ، نحو: سيف بَارِقٌ. وبَرِقَ يُقَالُ في العينِ إذا اضْطَرَبَتْ وَجَالَتْ مِنْ خَوْفِ" (٦).
وقال النحاس:" معنى الكسر بَيِّنٌ أي حَارَ وفَزعَ من الموت، ومن أَمْرِ القيامة، وبَرَقَ: لَمَعَ" (٧).
стр. 290
وقال ابن خالويه:" بَرَقَ: بفتح الراء أي: شَخَصَ، إذا فتح عينيه عند الموت كذا قال الفراء. وقال آخرون: بَرَقَ: لَمَعَ بَصَرُهُ. وقرأ الباقون " بَرِقَ" بالكسر أي: تَحَيَّرَ" (١).
وقال السمين أنهما:" لغتان في التحيُّرِ والدَّهْشة. وقيل: بَرِقَ بالكسر تَحَيَّر فَزِعاً. قال الزمخشري: وأصلُه مِنْ بَرِقَ الرجلُ: إذا نَظَر إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُه". قال غيرُه: كما يقال: أَسِدَ وبَقِرَ، إذا رأى أُسْداً وبَقَراً كثيرةً فتحيَّز من ذلك" (٢).
الأمثلة السابقة كانت تحتمل في الغالب وجهين: أحدهما: أنهما لغتان في اللفظ، والمعنى واحد. والآخر: أنهما صيغتان مختلفتان؛ لذا اختلف المعنى، ولكن مع هذا الاختلاف في الصيغة تعود الكلمتان إلى أصل واحد.
أما في المُثُلِ الآتية فإن القراءتين المتعاقبتين على الموضع الواحد مقطوع فيهما باختلاف الأصل الاشتقاقي، وإن تقاربا في الفظ والمعنى. من ذلك:
• (لَتَخِذْتَ) (٣) قراءة في قوله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٤).
[التاج: أخذ وتخذ].
تناول الزبيدي القراءات الواردة في الآية السابقة ذاكرا اختلاف العلماء في: هل هو من أَخَذَ يَأْخُذُ أَخْذَاً، أو من تَخِذَ يَتْخَذُ تَخَذاً وتَخْذاً وهما أصلان والمعنى واحد. فقال: اتَّخَذَ مِن تَخِذَ يَتْخَذُ اجتمع فيه التاءُ الأَصليُّ وتاءُ الافتعال فأُدْغِمَا وهذا قولٌ حَسَنٌ. لكنِ الأَكْثَرُون على أَنّ أَصله من الأَخْذِ، وأَن الكلمةَ مهموزَةٌ.
ولا يَخْلُو هذا من خَلَلٍ؛ لأَنه لو كان كذلك لقالوا في ماضيه: ائْتَخَذَ بهمزتين على قياسِ ائْتَمَر وائْتَمَنَ. ومَعْنَى الأَخْذِ والتَّخْذِ واحدٌ وهو حَوْزُ الشيْءِ وتَحْصِيلُه.
قال الفَرَّاءُ (٥):" قَرَأَ مُجَاهِدٌ "لَتَخِذْتَ". قال أَبو منصور (٦): وصَحَّت هذه القراءَةُ عن ابنِ عبَّاسٍ، وبها قَرأَ أَبو عمرِو بنُ العلاءِ. واتَّخَذَ افْتَعَلَ مِنْ تَخِذَ فاُدْغِم إِحدَى التاءَيْنِ في الأُخْرَى، وهما التاءُ الأَصْلِيُّ وتاءُ الافتِعَالِ. وقال الليثُ:
стр. 291
مَن قَرَأَ "لاتَّخَذْتَ" فقد أَدْغَمَ التاءَ في اليَاءِ فاجتمَعَ هَمْزَتَانِ فصُيِّرَتْ إِحداهُمَا ياءً وأُدْغِمَت كراهَةَ التقائِهما". [التاج: أخذ وتخذ].
قال ابن خالويه:" قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "لَتَخِذْتَ" بتخفيف التاء وكسر الخاء، وحجتهما أن أصل هذا الفعل من تَخِذَ يَتْخَذُ تَخْذَاً، فالتاء فاء الفعل مثل تَبِعَ يَتْبَعُ، وأنشد أبو عمرو: (وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا) (١)، فقرأ أبو عمرو على أصل بِنْيَةِ الفعل من غير زيادة، وقرأ الباقون "لَاتَّخَذْتَ" بفتح الخاء على (افتعلت). في هذه القراءة قولان: أحدهما: أن تكون التاء الأولى أصلية والتاء الثانية تاء زائدة في (افتعل) والأصل تَخِذَ يَتْخَذُ فلا نظر فيه أنه (افتعل) منه.
والقول الثاني: أن يكون اتخذ مأخوذ من أَخَذَ، والفاء همزة فإذا بني منه (افتعل) شابه (افتعل) من (وعد) فيصير ائْتَخَذَ يَأْتَخِذُ ائْتِخَاذَاً كما تقول: ايتَعَدَ يَاتَعِدُ ايتِعَادَاً فهو مُوتَعِدٌ ثم تقول: اتَّعَدَ يَتَّعِدُ اتِّعَادَاً، كذلك اتَّخَذَ يَتَّخِذُ اتِّخَاذَاً، فأبدلوا من مكان الهمزة تاء، كما جرت مجرى الواو في التثقيل، والأصل إِأْتَخَذَ فاجتمع همزتان فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت إِيتَخَذَ، ثم أبدلوا من الياء تاء، ثم أدغموا في التاء التي بعدها فقالوا اتَّخَذَ يَتَّخِذُ فهو مُتَّخِذٌ" (٢).
• "فَصِرْهُنَّ" (٣)، و"فَصُرَّهُنَّ" (٤)، و"فَصِرَّهُنَّ" (٥): قراءات في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ (٦). [التاج: صرر].
تناول الزبيدي القراءات السابقة فقال: "صَارَ وَجْهَهُ يَصُورُه ويَصِيرُه: أقْبلَ به. وقال الأخْفَشُ: صُرْ إليَّ وصُرْ وَجْهَكَ إليَّ أي: أقْبِلْ علىَّ. وفي التنزيل
стр. 292
العزيز "فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ" أي وَجِّهْهُنّ، وهي قراءَةُ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأكثرِ الناسِ. وذَكَرَهُ ابن سيده في الياءِ أيضاً؛ لأنّ صُرْتُ وصِرْتُ لغتان.
وصارَ الشَّيْءَ يَصُورُه صَوْراً: قَطَعَه وفَصَّلَه صُورَةً صُورَةً ومنه: صارَ الحاكِمُ الحُكْمَ، إذا قَطَعَه وحَكَم به ... قلْت: وبه فَسَّر بعضٌ هذه الآيةَ. قال الجَوْهَرِيّ: فَمَن قال هذا جَعَلَ في الآية تَقْدِيماً وتأْخيراً كأَنه قال: خُذْ إليكَ أربعةً فصُرْهُنّ. قال اللِّحْيَانيّ: قال بعضُهم: معنَى صُرْهُنّ: وَجِّهْهُنَّ ومعنَى صِرْهُنّ: قَطِّعْهُنّ وشَقِّقْهُنّ. والمعروف أنّهما لُغَتَان بمعنىً واحدٍ وكلُّهم فسَّرُوا فصُرْهُنّ.
أمِلْهُنّ والكسْرُ فُسِّر بمعنىَ قَطِّعْهُنّ. قال الزَّجّاجُ: ومن قرأ: "فصِرْهُنَّ" إليكَ بالكسر ففيه قولان: أحدُهما أنه بمعنَى صُرْهُنّ يقال: صارَه يَصُورُه ويَصيرُه إذا أماله لُغتان. وقال المصنّف في البصائر: وقال بعضُهم: "صُرَّهُنَّ" بضمّ الصّادِ وتشديد الراءِ وفتحها من الصَّرّ أي الشَّدّ قال: وقُرِئَ "فَصِرَّهُنَّ" بكسر الصاد وفتح الراءِ المشددة من الصَّريرِ أي الصوت أي صِحْ بِهِنَّ. [التاج: صرر].
ويتحصل من كلامه أن في معنى "صرهن" وجوها هي (١):
الأول: أنها بضم الصاد وكسرها لغتان "صُِرْهُنَّ"، وهي من صار يصور ويصير، والمعنى: وَجِّهْهُنّ.
الثاني: أنها بالضم "صُرْهُنَّ" من يصور، بمعنى: وَجِّهْهُنّ، وبالكسر من يصير، بمعنى: قَطِّعْهُنّ وشَقِّقْهُنّ.
الثالث: أنها في قراءة "صُرَّهُنّ" من صَرَّ يَصُرُّ صَرَّاً: ربط وشد، بمعنى: شدهن واربطهن.
الرابع: أنها في قراءة "فصِرَّهُنّ" من صَرَّ يَصِرُّ صَرِيرَاً، بمعنى: صِحْ بِهِنَّ.
ويزيد القرطبي وجها خامسا على قراءة لم يذكرها الزبيدي فيقول: " "صَرِّهِنَّ" (٢) بفتح الصاد وشد الراء مكسورة، حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة بمعنى فاحْبِسْهُنَّ، من قولهم: صَرَى يَصْرَى إذا حبس، ومنه الشاة المصراة" (٣).
стр. 293
وقد أفاض الطبري في شرح القراءتين السبعيتين عارضا أقوال البصريين والكوفيين ومرجحا لرأي البصريين وتخريجهم على الكوفيين فقال: " سواءٌ قرأ القارئ ذلك بضم "الصاد": "فصُرْهن" إليك أو كسرها "فصِرْهن" إذ كانت لغتين معروفتين بمعنى واحد. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبّهما إليّ أن أقرأ به "فصُرْهن إليك" بضم "الصاد"؛ لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما في أحياء العرب" (١).
وقال السمين:" اختُلِف في ذلك فقيل: القراءتان يُحتمل أَنْ تكونا بمعنىً واحدٍ وذلك أنه يقال: صارَه يَصُوره ويَصِيره، بمعنى قَطَعه أو أماله فاللغتان لفظٌ مشتركٌ بين هذين المعنيين، والقراءتان تَحْتَمِلهما معاً، وهذا مذهبُ أبي عليّ. وقال الفراء: "الضمُّ مشتركٌ بين المعنيين، وأمَّا الكسرُ فمعناه القطعُ فقط". وقال غيرُه: "الكسرُ بمعنى القَطْعِ والضمُّ بمعنى الإِمالةِ". ونُقِل عن الفراء أيضاً أنه قال: "صَارَه" مقلوبُ من قولهم: "صَراه عن كذا" أي: قَطَعه عنه" (٢).
• (تَلُوا) (٣): قراءة في قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ (٤). [التاج: لوي].
وجه الزبيدي قراءة الجمهور: "تَلْوُوا" على أنها من اللَّيِّ، وقراءة ابن عامر: "تَلُوا" على أنها من الولاية فقال: "لَوَى الرجلُ رأسَهُ، وأَلْوَى برأسه أَمَالَ وأَعْرَضَ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ بواوين، قال ابن عباس: "هُوَ الْقَاضِي يَكُونُ لَيُّهُ وَإِعْرَاضُهُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الآخَر" (٥). وقد قُرِئَ بواو واحدة مضمومة اللام من وَلَيْتُ، قال ابن سيده (٦): الأولى قراءة عاصم، وأبي عمرو، وفي قراءة "تَلُوا" بواو واحدة وجهان:
стр. 294
أحدهما: أن أصله "تَلْوُوا" أبدل من الواو الهمزة فصارت "تَلْؤُوا" بسكون اللام ثم طرحت الهمزة وطرحت حركتها على اللام فصارت "تَلُوا".
الثاني: أن يكون من الْوِلَايَةِ لا مِنَ اللَّيِّ. [التاج: لوي].
ويتحامل الأخفش على قراءة التخفيف فيقول:" ﴿وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾؛ لأنها من "لَوى" "يَلْوِي". وقال بعضهم "وإِنْ تَلُوا" فإن كانت لغة فهو لاجتماع الواوين، ولا أراها إِلاّ لحناً إلاّ على معنى "الوِلاية"، وليس لـ "الوِلايَة" معنى ها هنا إلا على قوله "وإِنْ تَلُوا عَلَيْهِم" فطرح "عَلَيْهِم" فهو جائز" (١).
ولكن أبا حيان يدافع عن هذه القراءة فيقول:" قرأ جماعة في الشَّاذِّ، وابن عامر وحمزة: "وإن تَلُوا" بضم اللام بواو واحدة، ولَحَّنَ بعضُ النَّحْوِيَّينَ قارئَ هذه القراءة قال: لا معنى للولاية هنا، وهذا لا يجوز؛ لأنها قراءة متواترة في السَّبْعِ، ولها معنىً صحيحٌ وتخريجُ حسنٌ. فنقول: اخْتُلِفَ في قوله: "وإن تَلُوا" فقيل: هي من الوِلَايَةِ أي: وإن وُلِّيتُمْ إقامَةَ الشهادةِ وأَعْرَضْتُمْ عن إقامتها والوِلَايَةُ على الشيء هو الإقبالُ عليه. وقيل: هو من اللَّيِّ واصله: تَلْوُوا وأبدلت الواو المضمومة همزة - تَلْؤوا -، ثم نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إلى اللام وحُذِفَتْ - تَلُوا - قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣)، وأبو علي (٤) والنحاس (٥)، ونقل عن النحاس أيضاً أنه اسْتُثْقِلَتِ الحَرَكَةُ على الواو فَأُلْقِيَتْ على اللام، وحُذِفَتْ إحدى الواوين لالتقاء الساكنين" (٦).
ويزيد ابن خالويه المسألة وضوحا فيقول:" قرأ حمزة وابن عامر "وَإِنْ تَلُوا" بضم اللام، وقرأ الباقون "وَإِنْ تَلْوُوا" بواوين من: لويت فلانا حقه ليا أي: دافعته وماطلته يقال لوى فلانا غريمه. قال أبو عبيدة يقال: رَجُلٌ لَيَّانٌ وامرأةٌ لَيَّانَةٌ أي: مماطلة، فمعنى تَلْوُوا: تُدَافِعُوا وتَمْطُلُوا، وحجتهم في ذلك ما جاء في التفسير: إن لوى الحاكم في قضيته فإن الله كان بما تعملون خبيرا. وأخرى روى ابن جريج عن مجاهد (٧): "وَإِنْ تَلْوُوا" أي تبدلوا الشهادة "أَوْ تُعْرِضُوا" أي تكتموها، فذهب مجاهد أن هذا خطاب من الله للشهداء لا للحكام، وأصل الكلمة (تلويوا)
стр. 295
فاستثقلوا الضمة على الياء فحذفوها، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم ضموا الواو لمجاورتها الثانية. ومن قرأ بواو واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون أصله (تلووا) فأبدل من الواو المضمومة همزة فصار (تلؤوا) بإسكان اللام ثم طرحت الهمزة وطرحت حركتها على اللام، فصار (تلوا). والآخر: أن يكون من الولاية من قولك: وليت الحكم والقضاء بين الرجلين أي: إن قمتم بالأمر أو أعرضتم فإن الله كان بما تعملون خبيرا. والأصل (توليوا) فحذفت الواو كما حذفنا من (يعد) فصار (تليوا) ثم حذفنا الياء ونقلنا الضمة إلى اللام فصار (تلوا) " (١).
وبناء على التحليل الصرفي السابق نخلص إلى أن في القراءة وجهين:
الأول: أن تكون "تلوا" مضارع مسند لواو الجمع من لَوَى يَلْوِي لَيَّاً.
الثاني: أن يكون "تلوا" أيضا مضارع مسند لواو الجمع، ولكن من وَلِيَ يَلِي وِلَايَةً. والملاحظ أن الصيغتين متماثلتان في الشكل، ولكنهما مختلفتان في المعنى، حيث يمكن اعتبارهما من المشترك اللفظي.
• (الصُّوَرِ) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ (٣).
ذكر الزبيدي أن "الصُّور بالضم: القَرْنُ يُنْفَخُ فيه، وقَرَأَ الحسنُ "يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّوَرِ" على أنه جمْعُ صُورَةٍ مثل بُسْرٍ وبُسْرَةٍ، أي: يُنْفَخُ في صُوَرِ المَوْتَى للأرواح ورُوِيَ ذلك عن أبي عُبَيْدَة وقد خطّأَه أَبو الهَيْثَمِ ونَسبه إلى قِلّة المعرفة".
[التاج: صور].
فالكلمة على قراءة الجمهور تعني القرن الذي ينفخ فيه، وعلى قراءة الحسن الشاذة من التصوير. وقد رد القرطبي هذه القراءة قائلا: "وليس جمع صورة كما زعم بعضهم، أي ينفخ في صُوَرِ الموتى" (٤). أما أبو حيان فيقرها قائلا: "قرأ الحسن "في الصُّوَرِ" وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض ويؤيد تأويل من تأوله أن "الصُّوَرَ" جمعُ صُورَةٍ كثُومَةٍ وثُوَمٍ" (٥).
стр. 296
وقال مكي:" والصُّوَر جمع صُورَةٍ، وأصل الواو الحركة، ولكن أسكنت تخفيفا، فأصله الصُّوَر أي صُوَر بني آدم. وقيل: هو القَرْنُ الذي يَنْفُخُ فيه الملكُ فهو واحدٌ وهذا القول أَشْهَرُ" (١).
وقال السمين:" الصُّور: الجمهورُ على قراءته ساكنَ العين، وقرأه الحسن البصري بفتحها، فأمَّا قراءة الجمهور فاختلفوا في معنى الصُّور فيها، فقال جماعة: الصُّور جمع صُورة كالصُّوف جمع صُوفة، والثُّوم جمع ثومة، وهذا ليس جمعاً صناعياً، وإنا هو اسم جنس، إذ يُفَرَّق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، وأيَّدوا هذا القولَ بقراءة الحسنِ المتقدمة. وقال جماعةٌ: إن الصُّور هو القَرْن، قال بعضهم: هي لغة اليمنِ ... وأنحى أبو الهيثم على مَنْ ادَّعى أن الصُّور جمع صُوره فقال: "وقد اعترض قومٌ فأنكروا أن يكون الصُّور قرناً كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادَّعَوا أن الصور جمع الصورة كالصوف جمع الصوفة، ورَوَوْا ذلك عن أبي عبيدة، وهذا خطأٌ فاحشٌ وتحريفٌ لكلام الله عن مواضعه؛ لأن الله قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فَمَنْ قرأها: ﴿ونُفِخ في الصُّوَرِ﴾ أي بالفتح، وقرأ ﴿فَأَحْسَنَ صُوْرَكم﴾ أي بالسكون فقد افترى الكذبَ على الله، وكان أبو عبيد صاحبَ أخبار وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو". قال الأزهري: "قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غيرُ ما ذهب إليه وهو قول أهل السنة والجماعة" (٢).
• (تَهْوَى) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤). [التاج: هوي].
حيث قرئ: "تَهْوَى إليهم". فمن قرأه: "تَهْوِي إِلَيْهِمْ" جعله من: هَوَى يَهْوِي هَُوِيَّاً بالفتح والضم: سقط من عُلُوٍّ إلى سَفَلٍ. قيل المعنى: ترتفع إليهم. والأصل في "تَهْوِي إِلَيْهِمْ" تَنْزِلُ؛ لأنَّ آلَ إبراهيم ﵈ كانوا في وَادٍ تُحِيطُ به الجبالُ، فكان على الذي يأتيهم أن يصعد هذه الجبال أولا، ثم ينزل ثانية ولابد له من ذلك، من أجل هذا قيل: إن "تَهْوِي إِلَيْهِمْ" هنا بمعنى ترتفع؛ لأنَّ الذي يريد أن
стр. 297
ينزل إليهم لابد وأن يرتفع لا محالة. وأما من قرأ: "تَهْوَى إِلَيْهِمْ" فقد جعله من: هَوِيَ يَهْوَى هَوَىً: أَحَبَّ. والمعنى تهواهم وتميل إليهم، وعدي بـ "إلى"؛ لأنَّ فيه معنى الميل. [التاج: هوي].
قال الفراء:" وقوله "تَهْوِي إِلَيْهِمْ" يقول: اجعل أفئدة من الناس تريدهم كقولك: رأيت فلانا يهوى نحوك أي يريدك. وقرأ بعض القرّاء: "تَهْوَى إِلَيْهِمْ" بنصب الواو، بمعنى تهواهم كما قال (رَدِفَ لَكُمْ) يريد ردفكم، وكما قالوا: نقدت لها مائة أي نقدتها" (١).
وقال أبو حيان:" قرأ الجمهور: "تَهْوِي إِلَيْهِمْ" أي تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً، ولما ضَمَّنَ (تَهْوِي) معنى (تَمِيل) عداه بـ (إلى) وأصله أن يتعدى باللام" (٢).
• (فَيَحُلَّ، يَحْلُلْ) (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيكُم غَضَبِي ومَنْ يَحْلِلْ﴾ (٤). [التاج: حلل].
ذكر الزبيدي العديد من المواضع التي قرئ فيها الفعل "يَحُلَّ" بضم الحاء وكسرها، على أن معناه بالضم يَنْزِلُ، ومعناه بالكسر يَجِبُ، وإن كان هذا القول هو المشهور، إلا أنه لم يسلم من النقد، فقيل بأنهما لغتان لفعل واحد. يقول: "حَلَّ أمرُ اللَّهِ عليه يَحِل حُلُولاً: وَجَبَ هو مِن حَدِّ ضَرَبَ. وقِيل: إذا قلتَ: حَلَّ بهم العذابُ كانت يَحُلُّ لا غير، وإذا قلت: عَلَيَّ أو: يَحِلُّ لك، فهو بالكسر. ومَن قرأ: ﴿يَحُلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ (٥) فمعناه: يَنْزِلُ. وفي العُباب: حَلَّ العَذابُ يَحِلُّ بالكسر: أي وَجَبَ ويَحُل بالضم أي: نَزَلَ. وقرأ الكِسائيُّ قولَه تعالى: ﴿فَيَحُلَّ عَلَيكُم غَضَبِي ومَنْ يَحْلُلْ﴾ بضم الحاء واللام. والباقون بكسرها. وأمّا قولُه تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِم﴾ (٦) فبالضَّمِّ أي: تَنْزِل". [التاج: حلل].
стр. 298
قال الفراء:" الكسر فيه أحبُّ إلىَّ من الضم؛ لأن الحلول ما وقع من يَحُلُّ ويَحِلُّ: يَجِبُ، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع" (١).
وقال الطبري:" قرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: "فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ" بكسر الحاء "وَمَنْ يَحْلِلْ" بكسر اللام، ووجهوا معناه إلى: فيجب عليكم غضبي، وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة:"فَيَحُلَّ عَلَيْكُم" بضم الحاء، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قَتادة من أنه فيقع وينزل عليكم غضبي. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وقد حذّر الله الذين قيل لهم هذا القول من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوّفهم وجوبه لهم، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب؛ لأنهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما" (٢).
وقال البغوي:" قرأ الأعمش، والكسائي: "فَيَحُلَّ" بضم الحاء "وَمَنْ يَحْلُلْ" بضم اللام، أي: ينزل، وقرأ الآخرون بكسرها أي: يجب" (٣).
وقال القرطبي:" هما لغتان. وحكى أبو عبيدة وغيره: أنه يقال حَلَّ يَحِلُّ إذا وجب، وحَلَّ يَحُلُّ إذا نزل ... والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى؛ لأنهم قد أجمعوا على قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٤) " (٥).
وقال السمين: " قرأ العامة "فَيَحِلُّ" بكسر الحاء، واللام من "يَحْلِلْ". والكسائيُّ في آخرين بضمِّهما ... فقراءةُ العامَّةِ مِنْ حَلَّ عليه كذا أي: وَجَبَ، مِنْ حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ أي: وَجَبَ قضاؤُه ... وقراءةُ الكسائي مِنْ حَلَّ يَحُلُّ أي: نَزَل" (٦).
• (تَأْلِقُونَهُ (٧) وتَلِقُونَهُ (٨)): قراءة في: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٩).
стр. 299
[التاج: ألق، وولق].
قراءة الجمهور "تَلَقَّوْنَهُ" من التَّلَقِّي، أي يأخذه بَعْضُهُمْ عن بَعْضٍ. قال الزبيدي: "قرأ أبو جعفر: "تَأْلِقُونَهُ" والأَلْقُ بالفتح: الكَذِبُ، تقول: أَلَقَ يَأْلِقُ أَلْقَاً. وقرئ "تَلِقُونَهُ" من "وَلَقَ في السّيرِ أو في الكذِبِ يَلِقُ وَلْقَاً: إذا استمرّ فيهما ... ونقل الفَرّاءُ هذه القِراءة، وقال: هذه حكاية أهلِ اللّغة جاؤوا بالمُتَعدّي شاهِداً على غير المتعدّي (١). قال ابنُ سيدَه: وعندي أنّه أراد إذ تَلِقُونَ فِيهِ فحذَفَ وأوصَل. قال الفرّاءُ: وهو الوَلْق في الكذِب بمنزلِة إذا استمرَّ في السَّير والكذِب".
[التاج: ألق، وولق].
إذن فالكلمة الواحدة قد قرئت بثلاث قراءات كل منها يعود إلى أصل بعيد عن الآخر تماما وإن تقاربت الصيغة، كما يلي:
الأولى: "تَلَقَّوْنَهُ" وهي من التلقي أي الأخذ والتلقف، وفيها إشعار بسرعة النقل. والثانية: "تَلِقُونَهُ" من الوَلْقِ وهو السرعة، والمعنى: تسرعون في نقل الإفك، وقد حافظت القراءة على رسم المصحف الإمام، كما تضمنت معنى وجيها. والثالثة: "تَأْلِقُونَهُ" من أَلَقَ: استمر في الكذب، وهي إن ناسبت معنى فقد خالفت رسم المصحف.
قال الطبرى:" القراءة التي لا أستجيز غيرها: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ" على ما ذكرت من قراءة الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليها" (٢). ومعناها عنده: تَرْوُونه بعضكم عن بعض.
وقال السمين:" "تَلِقُوْنَهُ" بفتحِ التاءِ وكسرِ اللامِ وضَمِّ القافِ مِنْ وَلَقَ الرجلُ إذا كَذِبَ. قال ابن سيده: جاؤوا بالمعتدي شاهداً على غير المتعدي. وعندى أنه أراد (تَلِقُوْن فيه) فحذف الحرف ووصل الفعلُ للضمير. يعني أنهم جاؤوا بـ "تَلِقُوْنه" وهو متعدٍ مُفَسَّراً بـ "تُكذِّبون" وهو غيرُ متعد ثم حَمَّله ما ذكر. وقال الطبري وغيره: "إن هذه اللفظةَ مأخوذةٌ من الوَلْقِ وهو الإِسراعُ بالشيءِ بعد الشيءِ كعَدْوٍ في إثْرِ عَدْوٍ وكلامٍ في إثرِ كلامٍ يُقال: وَلَقَ في سَيْرِه أي: أسرع" (٣).
стр. 300
• (يَتَأَلَّ) (١): قراءة في: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ (٢).
[التاج: ألو].
قراءة الجمهور: "يَأْتَلِ"، وقد ذكر لها الزبيدي معنيين:
الأول: لا يقصر، وذلك من: "أَلَا يَأْلُو أَلْوَاً بفتح وأُلُوَّاً كَعُلُوٍّ وإِلِيَّاً كعِتِيٍّ: قَصَّرَ وأَبْطَأَ. والثاني: لا يحلف، وذلك من: "آلى يُولي إيلاء، وائتلى يأتلي ائتلاء، وتَأَلَّى يَتَأَلَّى تَأَلِّيَاً: أقسم وحلف يقال: آلَيْتُ على الشَّيْءِ وآلَيْتُهُ. وقال الفراء (٣): الائْتِلاء الحلف، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ أي لا يحلف؛ لأنها نزلت في حلف أبي بكر أن لا ينفق على مِسْطَح. وقرأ بعض أهل المدينة: "وَلَا يَتَأَلَّ أُولُو الْفَضْلِ" بمعناه وهي شاذة". [التاج: ألو].
قال ابن الجزري:" قرأ أبو جعفر (يَتَأَلَّ) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة ... وهي من الآلية على وزن (فعيلة) من الأَُِلوة بفتح الهمزة وضمها وكسرها، وهو الحلف أي: ولا يتكلف الحلف، أو لا يحلف أولو الفضل أن لا يؤتوا، دل على حذف (لا) خلو الفعل من النون الثقيلة؛ فإنها تلزم في الإيجاب. وقرأ الباقون بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة (يَأْتَلِ)، إما من (أَلَوْتُ) أي قصرت أي: ولا تقصر أو من (آلَيْتُ) أي: حَلَفْتُ يقال: آلَي واأْتَلَى وتَأَلَّى بمعنى فتكون القراءتان بمعنىً. وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القرَّاب في كتابة "علل القراءات" أنه كُتِبَ في المصاحف (يتل) قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين انتهى. وَهِمَ في تخفيف الهمزة على أصولهم" (٤).
والذي أدى إلى جواز هذين الاحتمالين هو أن صيغة (يفتعل) من الفعلين: (أَلَا) بمعنى: قصر، و (أَلَا) بمعنى: حلف هو: يَأْتَلِي، وبالتالي أصبح اللفظ مشتركا بين المعنيين. وحينئذ يُفْزَعُ للسياق؛ لأنه وحده هو الذي يحدد المعنى المراد، أما حين يَحْتَمِلُ السياقُ المعنيين جميعا فإن العلماء يقبلونهما ما لم يكن هناك مرجح من قرينة لفظية أو حالية، كما فعل الفراء في ترجيح أن يكون المعنى من الحلف
стр. 301
مستعينا بسياق الحال وسبب النزول، وبقرينة قراءة أهل المدينة التي لا تقبل إلا هذا المعنى.
• (تَكْلِمُهُمْ) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٢). [التاج: كلم].
وجه الزبيدي القراءة السابقة على أنها من كَلَمَ يَكْلِمُ بمعنى جَرَحَ، أي: تَجْرَحُهُمْ وتَسِمُهُمْ في وُجُوهِهِمْ. وقيل: "تُكَلِّمُهُمْ" و"تَكْلِمُهُمْ" سواء كما تقول: تَجْرَحُهُمْ وتُجَرِّحُهُمْ ". [التاج: كلم]. ومعنى هذا أن في "تُكَلِّمُهُمْ" وجهين (٣):
الأول: أنها من الكَلام أي تحدثهم وتخبرهم، وهذا هو الظاهر وما عليه الجمهور. الثانى: أنها من الكَلْمِ أي من الجَرْحِ، والتشديد للمبالغة، وسيما قرئت "تُكَلِّمُهُمْ" أو "تَكْلِمُهُمْ" فإنه يمكن حملها على معنى الجَرْحِ.
يقول أبو حيان في تفسيره: "والظاهر أن قوله: "تُكَلِّمُهُمْ" بالتشديد وهي قراءة الجمهور، من الكلام؛ ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: "تُنْبِئُهُمْ"، وفي بعض القراءات: "تُحَدِّثُهُمْ"، وهي قراءة يحيى بن سلام ... قال السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهُمْ بِبُطْلَانِ سَائِر الأديان سوى الإسلام. وقيل: تُخَاطِبُهُمْ، فتقول للمؤمن: هذا مؤمن وللكافر: هذا كافر. وقيل معنى "تُكَلِّمُهُمْ": تُجَرِّحُهُمْ من الكَلْمِ، والتشديد للتكثير؛ ويؤيده قراءة ابن عباس ... "تَكْلِمُهُمْ"، بفتح التاء وسكون الكاف مخفف اللام، وقراءة من قرأ: "تَجْرَحُهُمْ" مكان "تُكَلِّمُهُمْ". وسأل أبو الحوراء ابن عباس: تُكَلِّمُ أو تَكْلِمُ؟ فقال: كل ذلك تفعل، تُكَلِّمُ المؤمن وتَكْلِمُ الكافر" (٤).
ويأخذ النحاس بتفسير ابن عباس الذي يقول بإفادة الكلمة للمعنيين معا فيقول:" "تُكَلِّمُهُمْ" قال عكرمة أي تَسِمُهُمْ. وفي معنى "تُكَلِّمُهُمْ" قولان: فأحسن ما قيل فيه ما روي عن ابن عباس قال: هي والله تُكَلِّمُهُمْ وتِكْلِمُهُمْ، تُكَلِّمُ المؤمنَ،
стр. 302
وتَكْلِمُ الكافرَ أو الفاجرَ تَجْرَحُهُ". وقال أبو حاتم "تُكَلِّمُهُمْ" كما تقول تُجَرِّحُهُمْ يذهب إلى أنه تكثير من تكلمهم" (١).
ومعنى ذلك أن "تُكَلِّمُهُمْ" مشترك لفظي بين أصلين مختلفين هما: الكَلْمِ والكَلَامِ، وأن المعنى يحتمل التأويلين لذلك قيل بهما جميعا، وهذه ميزة في النص القرآني أن الكلمة الواحدة قد تعطي أكثر من معنى في النص الواحد.
• (أَفَتَمْرُونَهُ) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٣).
[التاج: مري].
وجه الزبيدي القراءة السابقة على معنى: "مَرَاهُ حَقَّهُ: جَحَدَهُ، أي أَفَتَجْحَدُونَهُ أو تَدْفَعُونَهُ عما يرى، أو أَفَتَغْلِبُونَهُ في المماراة مع ما يرى من الآيات، أو أَفَتَطْمَعُونَ في غَلَبَتِهِ أو تَدَّعُونَهَا مع ما يرى، وهو إنكارٌ لِتَأَتِّي الغَلَبَةُ وهو مجاز".
وأما قراءة الجمهور: "أَفَتُمَارُونَهُ" فقد جعله من: ماراه مماراة ومراء: جَادَلَهُ ولاحَهُ، والمعنى على ذلك عنده: أَفَتُلاحُونَهُ مع ما يرى من الآيات المُثْبِتَةِ لِنُبُوَّتِهِ وهو مجاز". [التاج: مري]
إذن القراءتان تنتميان إلى أصلين مختلفين في اللفظ والمعنى هما:
الأول: قراءة "أَفَتُمَارُونَهُ" أي: (تُفاعلونه) من مَارَى يُمَارِي مِرَاءً: جادل.
والثاني: قرأءة "أَفَتَمْرُونَهُ" أي: تجحدونه، من قولهم: مَرَيْتُ حَقَّهُ أَمْرِيهِ مَرْيَاً، أي: جَحَدْتُهُ.
ويصحح الطبري المعنى على القراءتين فيقول: والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، وذلك أن المشركين قد جحدوا أن يكون رسول الله ﷺ رأى ما أراه الله ليلة أُسري به، وجادلوا في ذلك، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: أفتجادلون أيها المشركون محمدا ﷺ على ما يرى مما أراه الله من آياته" (٤).
стр. 303
نخلص من هذا المبحث إلى النتائج الآتية:
١ - يكون الفونيم أحيانا صويتا (حركة) مصاحبا للصوت الصامت، فيؤدي تغيره إلى تغير المعنى، وهذا هو الأصل، وأحيانا لا يغير المعنى ويُحْمَلُ على تعدد اللغات، وهذا له أثره الواضح في المعجم كما يلي:
• إذا كان الضبط لم يُحْدِثْ اختلافا في المعنى، وحُمِلَ على تعدد اللغات في الكلمة الواحدة، صار ضربا من ضروب التيسير على أهل اللغة من حيث هو توسعة في النطق وعدم اقتصاره على شكل معين.
• وإذا أدى إلى تغير في المعنى صار ثراء للمعجم من حيث اللفظ والمعنى، ويجسد هذا الجانب العديد من القراءات القرآنية، نحو: كُرْهٍ وكَرْهٍ، وقُرْحٍ وقَرْحٍ، وجُهْدٍ وجَهْدً، وضُعْفٍ وضَعْفٍ، وسُدٍّ وسَدٍّ، حيث وردت هذه الألفاظ بضم أولها وفتحه.
٢ - أما الكلمتان اللتان تعودان إلى أصلين مختلفين فإن اتحدا في المعنى صارا من قبيل الترادف، وفي ذلك ثراء لفظي للمعجم، نحو: أَخَذَ وتَخِذَ. وإن تغاير البناء والمعنى معا صار الثراء في اللفظ والمعنى على السواء، نحو: صِرْهُنَّ صُرْهُنَّ صِرَّهُنَّ صُرَّهُنَّ، وكما في: تَأْلِقُونَهُ وتَلِقُونَهُ وتَلَقَّوْنَهُ.
стр. 304
الخاتمة
стр. 305
الخاتمة
أولا: النتائج العامة للدراسة (١):
١ - احتوت العربية الفصحى العديد من اللغات (اللهجات)، وقد تبين من خلال الدراسة أن القراءات قد حافظت على الكثير من هذه اللغات.
كما تبين أن الفرق بين كثير من هذه اللهجات يكمن في الصائت القصير، فبينما تؤثر بعض القبائل الفتح في صوت معين من الكلمة تؤثر أخرى الضم أو الكسر فيه. وقد انتبه المعجميون إلى هذه الظاهرة، وسجلوها في معاجمهم، بل نبهوا أيضا إلى أنه قد تركب لغة من لغتين.
ولا شك في أن تعدد اللغات قد أثرى المعجم العربي صوتيا - إذا جاز التعبير -؛ لأن هذه الظاهرة أثمرت كلمات تعدد نطقها ومعناها واحد، وفي تعدد النطق تيسير على مستخدم اللغة.
٢ - إن مجيء الفعل المضارع مكسور العين في بعض القراءات، يفسر لنا كسر المضارع في العامية المصرية، ويدل على أن هذه الظاهرة لم تأت من فراغ وإنما استمدته من لهجة عربية أصيلة. وفي ذلك تضييق للهوة التي بين اللغتين.
٣ - تبيّن للدارس - من خلال هذه الدراسة - أن الانسجام الصوتي لغة ثانية عرفتها القبائل العربية واستعملتها بهدف التخفيف، ولم تستأثر به قبيلة دون أخرى. وهذا يؤكد أن القرآن لم ينزل بلهجة قريش الخاصة، وإنما بلغة أدبية راقية، احتضنتها قريش بعد اكتسابها بعض سماتها من القبائل الأخرى، من هذه السمات الانسجام الصوتي.
стр. 306
٤ - تَبَيَّنَ من خلال هذه الدراسة أن اللغة تميل إلى المخالفة بين ماضي الفعل ومضارعه من حيث حركة عينه، فإذا كانت مفتوحة في الماضي كسرت في المضارع والعكس صحيح، إلا إذا كان الفعل عينه أو لامه من أحرف الحلق، فالقاعدة هنا المماثلة، وشذ عن هذه القاعدة الخاصة أفعال سبق ذكرها حيث خضعت للقاعدة العامة وهي المغايرة. إن قاعدة المغايرة هذه تسير في اتجاه مضاد للمماثلة طلبا للحفاظ على الملامح الفارقة، والمميزة للمعاني.
٥ - إن الإظهار والإدغام لغتان عرفتهما العربية، والإظهار الأصل وهو لغة الحضر، والإدغام فرع عنه، وهو لغة البدو. وسبب الإدغام هو طلب الخفة في النطق. فالصوت القوي يفرض على الصوت الضعيف أن يماثله ثم ينصهر فيه.
٦ - كما استخدمت اللغة الصوائت القصيرة في تعدد اللهجات استخدمت أيضا إبدال الصوامت بعضها من بعض كوسيلة لتعدد اللغات في الكلمة الواحدة، نحو: "الصراط" و"الزراط"، وهما لغتان في "السراط".
كما أفاد درس الإبدال المعجم في معرفة أصول بعض الكلمات المشكلة. وقد بينت الدراسة أن بعض المواد في المعجم العربي يعود الفضل في وجودها للقراءة القرآنية القائمة على الإبدال.
٧ - إن تحقيق الهمز فيه شيء من الصعوبة؛ لذلك جنح العرب إلى تخفيفه بحذف، أو إبدال، أو بين بين. وقد أمدت القراءة القرآنية المعجم العربي بكثير من الشواهد الموثقة التي تمثل كل أشكال التخفيف السابقة.
وقد تلجأ اللغة إلى همز ما لا يهمز حفاظا على قوانينها وثوابتها، كأن تتحاشى الجمع بين الساكنين مثلا.
٨ - إن اللغة العربية من اللغات التي تعتمد على الإعراب في تحديد المعنى؛ لذلك حافظت على الحركة الإعرابية بطرق عدة. وقد اجتلبت هاء السكت
стр. 307
للوقف على حركة البناء؛ لتظل حركة الحرف الأخير ظاهرة بَيِّنَة. وجعلها النحاة خاصة بحركة البناء، اعتمادا على أن للإعراب طرقا في الوقف كفيلة بالحفاظ على حركته.
٩ - الأصل في اللغة أن لكل بناء من أبنيتها معنى يخصه، وأحيانا يتمثل الفرق بين البناءين في تغيير الحركات فقط، كما هو الشأن في اسمي الفاعل والمفعول من غير الثلاثي. وكذا الفرق بين الفعل المبني للمعلوم والمبني للمجهول، وهذا التغيير في بنية الكلمة يؤدي إلى تغيير في معناها، مما قد يترتب على ذلك من اختلاف في الأحكام الفقهية وغيرها.
١٠ - زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، هذه المقولة صادقة، وإن لم تكن اللغة في ذلك مطردة تمام الاطراد، فغالب الشأن مع زيادة الفعل بتضعيف عينه (فَعَّلَ) تفيد المبالغة في معنى الفعل، أو التعدية، وزيادته بالهمزة (أفعل) تدل على تعديه، وزيادته بالألف (فاعل) تدل على المشاركة ... وقد عمدت اللغة لذلك؛ لأن الألفاظ محدودة، والمعاني غير محدودة، ومعنى ذلك أن في حروف الزيادة بابا واسعا لثراء اللغة في المفردات.
١١ - المقرر في كتب النحو أن صيغ المبالغة صور لاسم الفاعل، والفرق بين هذه الصيغ يكمن في مقدار الصفة التي تدل عليها، وقد أفاد المعجم من تردد القراءة بين اسم الفاعل وصيغ المبالغة في ثراء المفردات والمعاني معا؛ لأن تعدد القراءة جاء بصيغة جديدة ومعنى زائد.
١٢ - الفرق بين (صيغ اسم الفاعل) والصفة المشبهة يكمن في المعنى وليس في اللفظ؛ لأن كل صيغ الفاعل تصلح للصفة المشبهة، والفيصل بينهما في دلالة الصفة المشبهة على ثبوت الصفة في صاحبها، بينما لا يدل اسم الفاعل على ذلك. ومن هنا استفاد المعجم العربي برصيد جديد من المعاني أضيف إلى ألفاظه المحدودة.
стр. 308
١٣ - كما أفادت دراسة صيغ الجموع المعجم في مجالي الثراء اللفظي والمعنوي على السواء، وإن كان الجانب الأبرز هو الثراء اللفظي، ويتضح هذا بشدة عند الحديث عن جموع التكسير، حيث وردت القراءة في هذا الجانب - على الحد الأدنى- بقراءتين، نحو: غُلُف وغُلَّف، وظِلَال وظُلَل، ورِهَان ورُهُن، وإِنَاث وأُنُث، وزُلُف زُلْف، ونُجُم ونُجْم، وثَمَر وثُمُر، وعَمَد وعُمُد. وقد تأتي القراءة بأكثر من ذلك في نحو: رِجَال ورُجَال ورُجَّال ورُجَّل ورَجْل، وكلها جمع لـ (راجل) أي الماشي على رجليه. ومن ذلك: وُلُد ووُلْد ووَلَد ووَلْد ووِلْد، على ما في ذلك من خلاف. ونحو: لُبَد ولُبْد ولُبَّد ولِبَد. وكما تعددت صيغة الجمع المكسر، تعددت أيضا بعض صيغ جمع المؤنث السالم في نحو: صَدَقَات وصُدْقَات، ونَحِسَات ونَحْسَات.
١٤ - تأكد من خلال هذا الفصل أن للقراءة القرآنية دورها الواضح في المعجم العربي في مجال المُعَرَّب، حيث حفظت لنا هذه القراءات العديد من لغات العرب وتصرفهم في الكثير من الألفاظ المعربة، نحو: هيت، وصرهن، ومتكا، وغساق، وإستبرق، وجبريل، وميكال، إبراهيم، وزكريا، وآزر. وقد تبين من خلال دراسة الكلمات السابقة أن العرب توسعوا في طرق نطقها مما أثرى المعجم العربي بكثير من المترادفات التي تفتح لمستخدم اللغة باب اختيار اللفظ الذي يسهل عليه نطقه واستخدامه.
١٥ - إن أصغر وحدة صوتية تؤدي إلى تغاير الكلمات تسمى عند علماء اللغة "فونيم"، وقد يكون الفونيم صوتا أساسيا في الكلمة، نحو: جَاسَ وحَاسَ، فالفرق بينهما فونيم الجيم، وفونيم الحاء. وهذا التغاير تعمد إليه اللغة لتمايز بين الألفاظ؛ لأن الأصل أن يكون لكل لفظ مختلف معنى مختلف، إلا أنه مع هذا الاختلاف قد يحدث الترادف بين الكلمتين كما في (جاس
стр. 309
وحاس)، وليس هناك من شك في أن المعجم قد استفاد من هذا التمايز حيث جعل أساس ترتيب مواده قائما على تمايز أصوات الكلمات.
١٦ - يكون الفونيم أحيانا صويتا (حركة) مصاحبا للصوت الصامت، فيؤدي تغيره إلى تغير المعنى، وهذا هو الأصل، وأحيانا لا يغير المعنى ويُحْمَلُ على تعدد اللغات في المفردة الواحدة، وحينئذ يكون الثراء المعجمي حاصلا في جانب الألفاظ لا في جانب المعاني.
ثانيا: توصيات الدراسة:
من خلال الدراسة يرى الدارس طرح التوصيات الآتية:
١ - الاستفادة من الدراسات اللغوية للقراءات القرآنية في تقريب الهوة بين شعوب الأمة العربية التي كادت ألا يَفْهَم بعضُها بعضاً نتيجة اختلاف اللهجات. فدراسة الكثير من اللهجات المعاصرة وردها إلى أصولها، وتقديمها للطلاب في معاهدهم الدراسية من خلال القراءات وتناول المعاجم لها تؤدي إلى فهم الكثير من اللهجات المنتشرة في مصر والدول العربية الشقيقة، وحينئذ يكون لها دور اجتماعي هام حيث تؤدي إلى الترابط الاجتماعي، كما تزيل الوحشة عن كثير من اللهجات المنتشرة في الوطن العربي، مما يزيل كثيرا من الفوارق والخلافات التي قد تنشب عن اختلاف اللهجات؛ فشأن هذه الدراسات أن يَعْلَمَ الجميع أن ظاهرة تعدد اللهجات أمر طبيعي، وأن لها أصولا متوارثة ترجع إليها، وقد نزل القرآن الكريم بالكثير منها، وإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن يستعلي أحد على أحد، ولا يسخر أحد من أحد، ظنا منه أن لهجته هي الأفضل.
٢ - إن تعدد اللغات في الأفعال فيه توسعة على الناطقين بالعربية بعيدا عن جفاف قوانين الصرف وصرامتها مما يفتح بابا من أبواب اليسر أمام الجيل
стр. 310
الصاعد، فمثلا: من الممكن ضم القراءات القرآنية المتواترة والشاذَّة، وإعادة الدراسة لبعض الأبواب الصرفية المضطربة، مثل: أبواب الفعل الثلاثي المجرد. فمن المعروف أن أبواب هذا الفعل تتوزع بين الكسر والفتح والضم في كل من الماضي والمضارع دون ضابط صارم. وأكثر الأبواب شيوعًا في اللغة العربية ما كان بفتح العين في الماضي وضمها أو كسرها في المضارع (طبقًا لقاعدة المخالفة). ولكن المتحدث يقف حائرًا- إن لم يرجع إلى المعجم- في كثير من الأحيان، هل يخالف إلى الكسر؟ أو الضم؟.
ومن أمثلة القراءات القرآنية ما يسمح بفتح باب الاختيار في حركة المخالفة، فنكسر أو نضم حسب ما شاع على ألسنة المثقفين، وقَبِلَهُ العُرْفُ اللُّغَوِيُّ الحديث. وقد وردت الأفعال الآتية - وغيرها كثير - بالكسر والضم:
- • ﴿ثُمَّ لَنَنْسُِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (١).
- • ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكُِصُونَ﴾ (٢).
- • ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُِدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣).
- • ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُِرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٤).
- • ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطُِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ (٥).
- • ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُِبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (٦).
وقد مر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (٧)، ورأى القارئ كيف تعددت اللغات في " قنط" ماضيا ومضارعا، وفتح هذا الباب أمام الدارسين فيه توسعة لهم.
٣ - يمكن اتخاذ القراءات القرآنية مرتكزًا لتحقيق التيسير، ودليلاً لتصحيح كثير من العبارات والاستعمالات الشائعة الآن، والتي يتحرج المتشددون من استعمالها. ومن ذلك على سبيل المثال:
أالقراءات القرآنية قد اشتملت على شواهد لغوية سكتت المعاجم عن ذكرها. وربما كان أظهر مثال لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٨)، من الفعل الثلاثي المخفف، فإن معجم التاج قد ذكرها في (ق د ر) أربع مرات مستشهدا على أن "قَدَرَ" بمعنى عَظَّمَ واحْتَرَمَ. ولكن يشيع في لغة العصر الحديث استخدام كلمة: "التَقْدِير" من الفعل المضعف" قَدَّرَ"، بمعنى عظَّم أو احْتَرَمَ. ولكنها لا توجد في المعاجم القديمة بهذا الاستعمال، وعلى الرغم من أن القراءات القرآنية تفيد هذا المعنى وتقوم دليلا عليه، وهي قراءة الحَسَنِ، وعيسى الثَّقَفِيِّ وأبو نوفل وأبو حيوة: ﴿وَمَا قَدَّرُوا اللهَ﴾ بتشديد الدال (٩)، قال الزمخشري: "وقرئ بالتشديد على معنى: وَمَا عَظَّمُوهُ كُنْهَ تَعْظِيمِهِ" (١٠).
ب ضبط الفعل "تَوَفَّى" بالبناء للمعلوم. على الرغم من أن الاستعمال الفصيح هو بناؤه للمجهول فقد جاءت القراءة القرآنية مصححة للنطق الحديث. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى
стр. 311
أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ (١)، فقد قرأها الأعمش وغيره: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يَتَوَفَّى﴾، قال النحاس (٢)، وأبو حيان (٣): أي يستوفي أجله.
ج تخفيف كلمات مثل "أُمْسِيَة"، و"أُضْحِيَة"، و"أُمْنِيَة". وقد ورد التخفيف في بعض القراءات (٤)، مثل: ﴿تِلْكَ أَمَانِِيهِمْ﴾ (٥)، و ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٦)، و ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَتِه﴾ (٧).
د يمثل باب العدد مشكلة كبيرة للمتعلم العربي، فتارة يخالف (تذكيرًا وتأنيثًا)، وتارة يوافق، وغير ذلك. وتزداد المشكلة بالنسبة للعدد من ثلاثة إلى عشرة؛ لأن تمييزه جمع، ولا بد من رد الجمع إلى مفرده للحكم بالتذكير أو التأنيث. ويحل المشكلة أن يُنصح المتكلم بأن يقدم المعدود ويؤخر العدد، وحينئذٍ تجوز له المطابقة لأنه نعت، والمخالفة لأنه عدد. وقد جاء بالوجهين قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ (٨)، حيث قرئ كذلك ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثلاثًا﴾ (٩).
هـ يشيع في العصر الحديث استعمال "كِلا" مع المثنى المؤنث المجازي التأنيث، مثل: "كلا الدولتين"، و"كلا الصحيفتين" ... وقد جاءت القراءة القرآنية لتصحح هذا الاستعمال، وذلك في قوله تعالى: " كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ
стр. 312
آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (١)، فقد قرأها ابن مسعود: ﴿كِلا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، قال أبوحيان: "أتى بصيغة التذكير؛ لأن تأنيث الجنتين مجازي" (٢).
وتذكر كتب النحو أن من مواضع كسرة همزة "إنّ" وقوعها مفعولا للقول ولكن كثيرًا من المتحدثين يفتحونها الآن. وقد جاء الفتح في بعض القراءات مثل قراءة المُطَوَّعِيِّ (٣): ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ أَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ (٤). بفتح الهمزة. قال أبو حيان: "لأن قلت في معنى: ذكرت" (٥). ويجوز أن يكون على تقدير حرف الجر. وحذف حرف الجر قياسي مع "أن".
٤ - كما توصي الدراسة بالانتباه إلى الأفكار الداعية إلى التقليل من شأن القرآن في بقاء العربية وخلودها، ودراسة اللغة العربية بعيدا عن القرآن؛ لأن في ذلك خطورة عظيمة، فلا حياة للغة بعيدا عن القرآن. وقد تبين من خلال الدراسة جهد علماء العربية في هذه العلوم القرآنية، وأنهم عنوا بها خدمة للقرآن؛ لذلك يجب عند دراسة العربية التلازم بين هذه العلوم، وتآخيها، بحيث يعز على مريد الفصل أن يفصل بينهما. كما يجب الحرص على إعادة الترابط بين علوم القرآن والعربية، من خلال البرامج التربوية والتعليمية.