← Язык

Язык · id 36322

أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجا

عبد الرازق بن حمودة القادوسي

Полный текст (333 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الباب الأول: القراءات والأصوات يتناول هذا الباب ما حدث للقراءات القرآنية من تغير في الأصوات، وما ترتب على هذا التغيير من تعدد المعنى، أو بقي المعنى كما هو، وقد قسمت هذا الباب إلى فصلين: تناولت في أولهما القراءات والحركات الصوتية القصيرة (الفتحة، الكسرة، الضمة) ثم السكون، وتناولت في الفصل الآخر: القراءات والصوامت (التماثل التام، والتماثل الناقص، والهمز، والسكون).

стр. 37

الفصل الأول: القراءات والحركات - المبحث الأول: التماثل الصوتى فى الفتح - المبحث الثانى: التماثل الصوتى فى الكسر - المبحث الثالث: التماثل الصوتى فى الضم - المبحث الرابع: التماثل الصوتى فى السكون

стр. 38

الفصل الأول: القراءات والحركات يتناول هذا الفصل ما حدث من تغير في الحركات الصوتية القصيرة للقراءات القرآنية، وقد قسمته إلى أربعة مباحث: تناولت في المبحث الأول التماثل الصوتي في الفتح، وتناولت في المبحث الثاني التماثل الصوتي في الكسر، وتناولت في المبحث الثالث التماثل الصوتي في الضم، وتناولت في المبحث الرابع والأخير التماثل في السكون. مظاهر اختلاف اللهجات في المجال الصوتي: تعد الاختلافات الصوتية أوسع ظاهرة يمكن أن تصنف القراءات القرآنية تحتها. والمعروف أن الأصوات العربية نوعان: الأول: حركات (= صوائت): ١ - قصيرة: الفتحة، والكسرة، والضمة. ٢ - طويلة: الألف، والياء، والواو (عندما تكون أصوات مد). الثاني: سواكن (= صوامت): وتتمثل في بقية أصوات اللغة الأخرى (١). وتأخذ بعض القراءات صورا متعددة في هذا الإطار الصوتي بنوعيه كما يلي (٢): ١ - قراءة تفضل حركة معينة: فتحة، أو كسرة، أو ضمة. ٢ - قراءة تثبت حركة أو تحذف. ٣ - قراءة تبدل حرفا من آخر. ٤ - قراءة تقرب صوتا من آخر بما يحقق الانسجام والتماثل.

стр. 39

ويقصد بالتماثل (١) تأثير الأصوات المجاورة بعضها في بعض تأثراً يؤدي إلى التقارب في الصفة والمخرج، تحقيقاً للانسجام الصوتي، وتيسيراً لعملية النطق، واقتصاداً في الجهد العضلي. والمماثلة شائعة في اللغات كلها بصفة عامة، غير أن اللغات تختلف في نسبة هذا التأثر ونوعه. وللقدماء من أهل اللغة إشارات جلية توضح إدراكهم لهذه الظاهرة وذلك مضمن في ثنايا حديثهم عن الإدغام، وإن لم يطلقوا عليها هذا الاسم. فقد أطلق عليها سيبويه اسم (المضارعة) ويقصد بذلك تقريب الأصوات المجاورة بعضها مع بعض فضارعوا بها أشبه الحروف (٢). وأطلق عليها ابن جني اسم (التقريب) أثناء كلامه على الإدغام الأصغر إذ يقول: "والإدغام المألوف المعتاد إنما هو تقريب صوت من صوت" (٣). ويطلق عليها ابن يعيش اسم التجنيس أو تقريب الصوت من الصوت (٤). ولم يبتعد المحدثون من أهل اللغة عن تقريرات القدماء لهذه الظاهرة الصوتية وأدرجوها تحت اسم (المماثلة)، وذكروا أن الأصوات اللغوية تتأثر ببعضها في المتصل من الكلام، وهي في هذا التأثر تهدف إلى تحقيق نوع من المماثلة بينها ليزداد مع مجاورتها قربها في الصفات والمخارج. غير أن لهذا المصطلح تسمية أخرى هي (التحييد) كما يطلقها عليه لغوي معاصر ويعرفه بأنه "تداخل أو ذوبان فونيم في فونيم آخر حتى يصير فونيماً واحداً في سياق صوتي معين. أو بعبارة أخرى: إلغاء أو محو فونيم معين نتيجة لتفاعله مع فونيم آخر يختلف معه في ملمح صوتي واحد على الأقل. ويكون الفونيم الجديد الناتج من عملية (التحييد) صورة جديدة أو وسطاً بين الفونيمين المحوَّل عنه والمحوَّل إليه نتيجة عملية المماثلة" (٥).

стр. 40

من أنماط المماثلة: ١ - المماثلة التقدمية المقبلة: وفيها يكون اتجاه التأثير من الأصوات السابقة على الأصوات التي تليها، نحو: (غُرُفَات) حيث أثرت ضمة الغين (وهي فاء الكلمة) على حركة الراء (وهي عين الكلمة) فأدت إلى ضمها. ٢ - المماثلة التراجعية المدبرة: وفيها يكون اتجاه التأثير للأصوات اللاحقة على الأصوات السابقة نحو: تتغير حركة الراء في "امْرُؤٌ، امْرَأً، امْرِئٍ " بحسب حركة الهمزة. ويمكن ترتيب الأصوات الصائتة القصيرة في اللغة العربية الفصحى من الخفيف إلى الثقيل كما يلي: الفتحة، فالكسرة، فالضمة، وهي أثقلها. واختلفت اللهجات العربية في هذه الأصوات فَتَسْتَعْمِلُ لهجةٌ ما الفتحةَ مكان الكسرة أو الضمة، في حين أن الكسرة أو الضمة مستخدمتين في نفس الموضع في لهجة أخرى. وقد درس أحد الباحثين (١) هذه الظاهرة، وانتهى إلى أن القبائل التي سكنت الحواضر كانت تميل إلى الأخف فتستعمل الفتح في موضع الكسر أو الضم نحو القبائل التي سكنت الحجاز. أما القبائل التي سكنت البادية، نحو: قَيْسٍ وتميمٍ، وأَسَدٍ فكانت تميل إلى الكسر وتستخدمه في موضع الفتح عند الحضريين (٢).

стр. 41

المبحث الأول: التماثل الصوتي في الفتح تحقق التماثل الصوتي في الفتح في عدد من القراءات القرآنية التي وردت في "التاج "، وهي على الوجه التالي: • (مَكُثَ) (١): قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غيرَ بَعِيد﴾ (٢). [التاج: مكث]. قرئ بفتح الكاف وضمها، فمن فتحها جعله من باب (نَصَرَ يَنْصُرُ)، ومن ضمها جعله من باب (كَرُمَ يَكْرُمُ). قال أَبو منصور: "اللُّغَة العَالِيَة "مَكُثَ" وهو نادرٌ، و"مَكَثَ" جائِزَةٌ وهو القياسُ. ولغة الضم هي الأصل؛ وهي قراءة الجمهور، وجعلها أبو منصور اللغة العالية، ولغة الفتح جاءت من باب التماثل الصوتي طلبا لخفة النطق؛ لأن الكاف وقعت بين صوتين مفتوحين فالتأثير فيها تقدمي ورجعي في نفس الوقت. فَثِقَلُ النطق في "مَكُثَ" هو الذي جعلها نادرة الاستخدام على الرغم من أصالتها، وخفة النطق في "مَكَثَ" هو الذي أدى إلى فشوها وإن لم تكن هي الأصل. ويعطي ابن زنجلة تبريرا آخر لشيوع لغة الفتح فيقول:" والاختيار مَكَثَ بالفتح لأن (فَعُلَ) بالضم أكثر ما يأتي الاسم منه على (فَعِيل) نحو: ظرف وكرم فهو ظريف وكريم، ومن (فَعَلَ) بالفتح يأتي الاسم على (فَاعِل) تقول: مَكَثَ فهو مَاكِثٌ، قال الله :"مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدَاً" (٣) ولا يكون من (فَعُلَ) بالضم (فَاعِل) إلا حرف واحد قالوا فَرُهَ فهو فَارِهٌ " (٤). ولكن هذه الحجة وَهَّنَهَا السَّمِينُ فقال:" واعْتُذِر عنه بأنَّ (فاعِلاً) قد جاء لفَعُل بالضمِّ نحو: حَمُض فهو حامِض، وخَثُرَ فهو خاثِرٌ، وفَرُهَ فهو فارِهٌ " (٥).

стр. 42

ويرى الدارس أن التفسير الذي يعتمد على التماثل الصوتي هو الصواب اعتمادا على معطيات الدرس الصوتي الحديث. • " سَنَفْرَغُ " (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿سنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ (٢). [التاج: فرغ]. يذكر الزبيدي للفعل (فرغ) ثلاث لغات: الأولى: فَرَغَ يَفْرُغُ، والثانية: فَرَغَ يَفْرَغُ والثالثة: فَرِغَ يَفْرَغُ. وينص على أن اللغة الأولى هي الأصل، وأن الثانية والثالثة لغتان في الأولى، وقد قرئ (سَنَفْرَُغُ) بضم الراء وفتحها، فالضم قراءة الجمهور وأما الفتح فقراءة قَتَادَة، وسَعِيد بنُ جُبَيْرٍ على فَرِغَ يَفْرَغُ، وفَرَغَ يَفْرَغُ. ويفسر ابن جني فتح المضارع، على أنه نوع من الإتباع الكامل، وهو الإتباع الناتج عن قلب حركتي (الضمة أو الكسرة) إلى (الفتحة)؛ لتلائم نطق الحرف الحلقي وتناسبه، فهو إتباع الحركة للحرف. يقول ابن جني: " ومن ذلك قولهم: (فَعَلَ يَفْعَلُ) مما عينه أو لامه حرف حلقي نحو: (سَأَلَ يَسْأَلُ، وقَرَأَ يَقْرَأُ، وسَعَرَ يَسْعَرُ، وقَرَعَ يَقْرَعُ وسَحَلَ يَسْحَلُ، وسَبَحَ يَسْبَحُ). وذلك أنهم ضارعوا بفتحة العين في المضارع، جنس الحرف الحلقي، لما كان موضعاً منه مخرج الألف التي منها الفتحة " (٣). والمضارعة التي يعنيها ابن جني تتمثل في أن نطق حروف الحلق يصحبه انفتاح في الفم، يسهل عملية انقباض الحلق، والحركة الوحيدة التي تتصف بالانفتاح هي الفتحة، ولذا يتم الإتباع هنا. • "حَبَطَ" (٤): قراءة في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٥). [التاج: حبط]. يذكر الزبيدي أن المشهور (حَبِطَ يَحْبَطُ) من باب (سَمِعَ)، ولكن وردت فيه القراءة بلغة أخرى من باب (ضَرَبَ) فيقول: "وحكي عن أَعْرابِيٍّ أَنَّهُ قرأَ ﴿فَقَدْ حَبَطَ عَمَلُه﴾ بفَتْحِ الباءِ. قالَ الأّزْهَرِيّ: ولم أَسمع هذا لغيرِهِ والقِراءةُ ﴿فَقَدْ حَبِطَ

стр. 43

عَمَلُهُ﴾ بكَسْرِ الباءِ". وقد راعت اللغتان مبدأ المخالفة، فالباء مفتوحة في الماضي مكسورة في المضارع أوالعكس. ولغة فتح الباء في الماضي يرويها أبو زيد الأنصاري عن أحد الأعراب، وهذا يتفق مع الرأي القائل بأن سكان البادية يميلون إلى السهولة في النطق، وتوفير المجهود المبذول، وأن سكان الحواضر يميلون إلى التأني والهدوء في النطق يقول باحِثٌ مُحْدَثٌ:" الانسجام الصوتي ـ أو المماثلة الصوتية ـ مظهر من مظاهر التخفيف والتسهيل في الكلام، اتسمت به بعض القبائل العربية؛ ربما كان معظمها من قبائل شرق الجزيرة، تلك القبائل البدوية؛ لأن البدوي بطبعه يميل إلى الاقتصاد في المجهود العضلي عند النطق، أما القبائل المتحضرة المتمثلة في قبائل غرب الجزيرة فقد حافظت على الأصل في النطق؛ لأنها تميل إلى التأني والهدوء في النطق" (١)، والدليل على ذلك كسر هاء ضمير الغائب بعد ياء أو كسرة، فقد قيل: إن الضم الأصل، والكسر جاء اتباعا (٢). • "رَغْبَاً وَرَهْبَاً" (٣): قراءة في قوله تعالى: "يَدْعُونَنَا رَغَبَاً وَرَهَبَاً" (٤). [التاج: رغب]. يستدل الزبيدي على تعدد اللغات في (الرغب والرهب) بالقراءة فيذكر أن قوله تعالى: "يَدْعُونَنَا رَغَبَاً وَرَهَبَاً" قرئ بفتح الأول وسكون الثاني منهما، وقرئ بضم الأول وسكون الثاني (٥)، وقرئ بضمهما معا (٦)، وبفتحهما معا (٧) فيتحصل

стр. 44

من ذلك أربع قراءات. قال ابن خالويه: "هن لغات ومعناهن الفزع" (١). وعلى ضوء الدرس الصوتي الحديث أرى أن القراءة بفتح فاء الكلمتين وتسكين عينهما إنما هي لغة مخففة من "رَغَبَاً وَرَهَبَاً" بالفتح فيهما. • "شَنْآن" (٢): قراءة في قوله تعالى:"ولا يجرمنكم شَنَآنُ قَوْمٍ" (٣). [التاج: شنأ]. يذكر الزبيدي – وهو بصدد تعديد مصادر الفعل (شنأ) – أنه قرئ بـ (شَنْآن) بالتسكين وَ (شَنَآن) بالتحريك (٤)، فمن حرك فهو مصدر، ومن سَكَّنَ فقد يكون مصدراً، ويكون صفةً كسَكْرَان، أَي مُبْغِضُ قوم. والأجمع للقراءة أن يقال إن (شَنَآن) مصدر، و (شَنْآن) لغة فيه على التخفيف. والذي يرجح ذلك قول السمين: "وجَوَّزوا في كل منهما أن يكونَ مصدراً وأن يكون وصفاً، حتى يُحْكى عن أبي عليّ أنه قال: "مَنْ زَعَم أن "فَعَلان" إذا سَكَنت عينه لم يكن مصدراً فقد أخطأ، إلا أن (فَعْلان) بسكون العين قليلٌ في المصادر نحو: "لَوَيْتُه دَيْتُه لَيَّاناً" بل هو كثير في الصفات نحو سَكْران وبِابِه و (فَعَلان) بالفتح قليلٌ في الصفات، قالوا: حمارٌ قَطَوان أي عَسِر السير، وتيس عَدَوان" (٥). وقوله:"ولو قال قائل: إن الأصل "الشنآن" بفتح النون، وخفف الهمزة بحذفها رأساً، كما قرئ "إِنِّهَا لَاحْدى الْكُبَر" بحذفِ همزة "إحدى" لكان قولاً يسقط به الدليل لاحتماله" (٦). • "فَضَحَكَتْ" (٧): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ (٨).

стр. 45

قرأ الجمهور بكسر الحاء من (ضحك)، ولكن الزبيدي يروي قراءة الفتح فيقول: "قُرِئَ بفَتْحِ الحاءِ فقِيلَ هو مُخْتَصٌّ بمَعْنى حاضَ، وقِيلَ: إِنَّها لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ في ضَحِكَ بكسرِها". [التاج: ضحك] ولم تذكر المعاجم قبل الزبيدي (ضَحَكَ) بفتح الحاء كلغة ثانية في الفعل، وإذا كان ابن جني ذكر قراءة الفتح هذه إلا أنه أنكرها فقال: "وليس في اللغة (ضَحَكَتْ) وإنما هو (ضَحِكَتْ) أي حاضت" (١). ويعد الزبيدي أول من أدخل هذه القراءة في المعجم العربي، وقد استفادها من قراءة محمد بن يزيد الأعرابي، والتي ذكرها كل من الزمخشري (٢)، وأبي حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤). وإهمال المعاجم لها يدل على ندرتها وشذوذها، ومجيؤها عن أعرابي يطرد والرأي القائل بميول الأعراب إلى السهولة في النطق، فَتَخَلَّصَ من كسر الحاء إلى فتحها لتماثل ما قبلها وما بعدها. • " يَقْنِطُ " (٥): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (٦). [التاج: قنط]. قرئت الآية بفتح النون وبكسرها. يقول السمين: "وفي الماضي لغتان: (قَنِطَ) بكسر النون (يَقْنَظ) بفتحها، و (قَنَطَ) بفتحِها (يَقْنِط) بكسرِها، ولولا أنَّ القراءةِ سُنَّةٌ متبعةٌ لكان قياسُ مَنْ قرأ "يَقْنَطُ" بالفتح أن يقرأَ ماضيَه "قَنِطَ" بالكسر، لكنهم أَجْمعوا على فتحِه في قولِه تعالى في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ والفتحُ في

стр. 46

الماضي هو الأكثر ولذلك أُجْمِعَ عليه. ويُرَجِّح قراءَة "يَقْنَطُ" بالفتح قراءةُ أبي عمروٍ في بعض الروايات "فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ" كفَرِح يَفْرَحُ فهو فَرِح" (١). يقول لغوي معاصر: "صِيغَتَا (فَعَلَ) بالفتح (وفَعِلَ) بالكسر، هما أكثر الصيغ الماضية شيوعا في القرآن، فصيغة (فَعَلَ) بالفتح ورد عليها حوالي مائة وسبعة أفعال من الأفعال الصحيحة، في مقابل أربعة وعشرين فعلا من صيغة (فَعِلَ) بالكسر والقاعدة التي خضعت لها القراءة المشهورة في اشتقاق المضارع من هذه الأفعال هي المغايرة فصيغة (فَعَلَ) بالفتح يقابلها (يَفْعُِلُ) بالكسر أو بالضم، أما صيغة (فَعِلَ) بالكسر فيقابلها (يَفْعَلُ) بالفتح" (٢). ومما جاء منسجما مع هذه القاعدة، وقرئت عين ماضيه ومضارعه بالكسر والفتح على المخالفة، على أنه من بابي: سَمِعَ وضَرَبَ قوله تعالى: • ﴿مَا يَلْفَِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. • ﴿هََلْ تَنْقَِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ﴾. أما الأفعال التي وردت في القرآن مفتوحة العين في الماضي والمضارع فلامُها أو عينُها من أحرف الحلق التي تؤثر الفتحة على غيرها من الحركات، وقد اطردت هذه القاعدة في الأفعال القرآنية فيما عدا: نكح، نزع، رجع، بلغ، قعد، زعم ونفخ (٣). ومن الأفعال التي جاء فيها الماضي على (فَعَلَ) مفتوح العين، وخالفت عين مضارعه إلى الكسر والضم، وقرئ بالوجهين قوله تعالى: • ﴿يَهْبُِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٤). [التاج: هبط] • ﴿يَلْمُِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٥). [التاج: لمز] • ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرُِشُونَ﴾ (٦). [التاج: عرش] • ﴿أَهُِشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٧). [التاج: هشش]

стр. 47

• ﴿فَيَحُِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (١). [التاج: حلل] • ﴿نَكُِصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (٢). [التاج: نكص] • ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُِدُّونَ﴾ (٣). [التاج: صدد] • ﴿يَوْمَ نَبْطُِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ (٤). [التاج: بطش] • ﴿لَمْ يَطْمُِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَكُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (٥). [التاج: طمث] يخلص الدارس من هذا إلى أن القاعدة العامة هي المغايرة إلا إذا كان الفعل عينه أو لامه من أحرف الحلق، فالقاعدة هنا المماثلة، وشذ عن هذه القاعدة الخاصة الأفعال السابقة حيث خضعت للقاعدة العامة وهي المغايرة. ويماثل هذه الأفعال من حيث الشذوذ الفعل (قَنَطَ يَقْنَطُ) بالفتح في الماضي والمضارع، إذ آثر المماثلة والأصل فيه المغايرة، وهذا الشذوذ استوقف اللغويين، ومن ثم أخذ من تحليلاتهم نصيبا موفورا، منها: أن المضارع المفتوح العين ماضيه مكسور العين كـ (عَلِمَ يَعْلَمُ) والمضارع المكسور العين ماضيه مفتوح العين كـ (ضَرَبَ يَضْرِبُ) فكلاهما خاضع لقاعدة المغايرة، وقد أجمع القراء على الفتح في قوله تعالى: "مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا" (٦) فهذا يؤكد أن الأصل فتح عين الماضي وكسر عين المضارع، ولعل هذا مما دفع ابن خالويه لأن يرجح الكسر في المضارع (٧). أما ابن جني فقد كان بارعا في تعليله لفتح العين في الماضي والمضارع؛ حيث ذكر أنه لغة ثالثة نتجت من تركب لغتين: قَنَطَ (بالفتح) يَقْنِطُ (بالكسر) وقَنِطَ (بالكسر) يَقْنَطُ (بالفتح) (٨).

стр. 48

• ﴿المِخَاضُ﴾ (١):من قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ﴾ (٢). [التاج: مخض]. يذكر الزبيدي أن الجمهور قرؤوا بفتح الميم، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ في الشواذ: ﴿المِخَاضُ﴾ بكسر الميم، وأَنَّ كَسْرَ ما قَبْلَ حروفِ الحَلْقِ لغةُ لعامةِ: قَيْسٍ، وتميمٍ وأَسَدٍ، يقولون: مِخِضَت، بكَسْرِ الميم، ويفعلون ذلك في كلِّ حرفٍ كانَ قبل أَحد حُروف الحَلْقِ ... ويقولون: بِعِيرٌ، وزِئيرٌ، ونِهِيقٌ، وشِهيقٌ، ونِهِلَتِ الإِبلُ، وسِخِرْتُ مِنْهُ. والجمهور على فتحِ الميم من "المَخَاض" (٣). وقيل: المفتوح اسمُ مصدرٍ كالعَطاء والسَّلام والمكسورُ مصدرٌ كالقتال واللِّقاء، والفِعال قد جاء مِنْ واحد كالعِقاب والطِّراق (٤). فالفتح هو الأصل، وهو قراءة الجمهور، وهذا يتفق مع ما تقدم من أن الفتح لغة الحِجَازِ والكسرَ لغةُ نَجْدٍ. ولكنه لا يطرد مع السهولة التي ينشدها أهل نجد والتي عرفوا بها؛ لأن فتح الميم لتماثل فتح الحاء يجعل النطق بها أسهل منها في حالة كسر الميم. • ﴿يَهَدِّي﴾ (٥) من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٦). [التاج: هدي]. قرأ أبَو عَمْرٍو: ﴿أَمَّنْ لا يَهَدِّي﴾ بَفَتْحَ الهاءِ. والمعروف أن أبا عمرو يتخير قراءته وهو هنا اختار القراءة الأسهل في النطق؛ ومصدر السهولة جاء من كون الحركة فتحة وكونها مماثلة لحركة الياء قبلها. ومثل هذه القراءة وُجِدَتْ في حروف مشابهة هي:

стр. 49

• ﴿يَخَصِّفَانِ﴾ (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٢). [التاج: خصف]. مُرَدَّفِينَ" (٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٤). [التاج: ردف]. • ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ (٥): من قوله تعالى: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ (٦). [التاج: خصم] ﴿ظَعَنِكُمْ﴾ (٧): قراءة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ (٨). [التاج: ظعن]. قُرِئَ بفتْحِ العين وسكونها. قال العكبري: "هما لغتان مثل النَّهْرِ والنَّهَر" (٩). وقال ابن خالويه: "الحجة لمن حرك العين فلأنها من حروف الحلق والحجة لمن أسكن أنه أراد المصدر" (١٠). وقال السَّمِينُ الحلبي: "وزعم بعضُهم أن الأصلَ الفتحُ، والسكونُ تخفيفٌ لأجلِ حرفِ الحلق كالشَّعْر في الشَّعَر" (١١). • ﴿زَهَرَة﴾ (١٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا﴾ (١٣). [التاج: زهر]

стр. 50

قرئ بسكون الهاء وفتحها، قال أَبو حاتم: الفتح قِراءَة العَامّة بالبَصْرة، وتسكين الهاء: (زَهْرَة) قِرَاءَة أَهْل الحَرَمَين، وأَكثرُ الآثارِ على ذلِك (١). وقال السمين: "العامَّةُ على تسكينِ الهاء. وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حيوةَ بفتحِها، فقيل: بمعنىً، كـ (جَهْرَة وجَهَرَة) (٢). وأجاز الزمخشري أَنْ يكونَ جمعَ زاهر، كفاجِر وفَجَرَة، وبارّ وبَرَرَة" (٣). يقرر الصرفيون أن حركة (عين) جمع المؤنث السالم تماثل حركة (فاء) مفرده، إذا كان المفرد هذا اسماً ثلاثياً صحيح العين مفتوح الفاء، فعندئذ يجب الإتباع. ومما تناوله الزبيدي من هذا الباب: • ﴿حَسَرَاتٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (٤). [التاج: بخع]. • ﴿صَدَقَاتِكُم﴾ من قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ (٥). [التاج: منن]. • وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات" (٦). [التاج: رفع]. فمثلاً كلمة (حَسَرَاتٍ) التي وردت في الآية الأولى، هي جمع مؤنث سالم، جاء بفتح العين (السين)؛ لأن مفرده (حَسْرَة)، اسم ثلاثي مفتوح الفاء، والعين فيه صحيحة ساكنة، ففتح عين الجمع جاء متابعة ومماثلة لفتح فاء المفرد. وعلي هذا يتم تأويل الإتباع الحركي في كلمتي (صَدَقَاتِكُم)، و (دَرَجَاتٍ) في الآيتين التاليتين.

стр. 51

المبحث الثاني التماثل الصوتي في الكسر يرصد هذا المبحث القراءات القرآنية التي حدث فيها توالي الكسر، ليسير الباب عندهم على وتيرة واحدة، ويتحقق قانون المماثلة الصوتية، وقد لوحظ أنه عندما تأتي الكلمة على صيغة (افتعل) فقد تدغم تاء الافتعال في عين الفعل إن كان بينهما تماثل أو تجانس، ولما كان الحرف المدغم مكونا من صوتين أولهما ساكن، وفاء الفعل في الصيغة السابقة ساكنة، فقد أدى ذلك إلى الجمع بين الساكنين، مما حدا بمستخدم اللغة إلى تحريكه، وتَعَدَّدَتْ مَشَارِبُهُمْ في هذه الحركة، ويقتصر الحديث في هذا الموضع على تحريك فاء الكلمة بالكسر. وقد عالج الزبيدي هذه الظاهرة في عدة مواضع منها: • ﴿يَخِصِّفَانِ (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٢). [التاج: خصف]. • ﴿مُرِدِّفِينَ﴾ (٣): من قوله تعالى: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٤). [التاج: ردف]. • ﴿يَهِدِّي﴾ (٥): من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى﴾ (٦). [التاج: هدي]. • ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (٧): من قوله تعالى: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ (٨). [التاج: خصم].

стр. 52

فأصل: (يَخِصِّفَانِ، ويَخِصِّمُونَ) هو يختصفان ويختصمون، أدغمت تاء الافتعال في الصاد، وأصل: (مُرِدِّفِينَ، ويَهِدِّي) هو مرتدفين ويهتدي، أدغمت تاء الافتعال في الدال. ويتفق تحليل الزبيدي مع تحليل العلماء لهذه القراءات صرفيا حيث ذكر سيبويه أن "يَهِدِّي" و"يَخِصِّمُونَ" أصلهما: يَهْتَدِي ويَخْتَصِمُونَ وقد حدث إدغام، وهو أقوى؛ لأن التاء والدال من مخرج واحد، وتقارب المخرجين بين التاء والصاد، والبيان عربي حسن (١)، وذكر ابن خالويه في تحليل "يَهِدِّي" ـ وكذلك مكي ـ أنه حذف الحركة وأسكن التاء، فالتقي ساكنان؛ سكون الهاء وسكون الدال المشددة بعد قلب التاء دالا؛ فكسرت الهاء لالتقائهما (٢)، وذكر الطبري أن كسر الهاء؛ استثقالا للفتحة بعدها كسرة في حرف واحد (٣)، وأضاف أبو شامة أن الكسر أنسب للياء قبلها، والكسر لغة سفلى مضر (٤). وقال السمين الحلبي في قراءة "مُرِدِّفين" بكسرِ الراء وتشديدِ الدالِ مكسورةً وكسرُ الراء يَحْتمل وجهين: إمَّا لالتقاء الساكنين وإمَّا للإِتباع. قال ابن عطية: ويجوز على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للراء، ولا أحفظه قراءة " ... وقُرِئ "مِرْدِفين" بكسر الميم إتباعاً لكسرة الراء" (٥). كذلك الأمر بالنسبة لـ "يَخِصِّمُونَ" فقد ذكر النحاس أن الأصل (يختصمون) وأدغمت التاء في الصاد، فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين (٦)، وقال القرطبي: كسر الخاء إتباعا مثل "يَهِدِّي" (٧)، والكسر أجود وأكثر (٨). ومثل ذلك يقال في (يخصفان).

стр. 53

والدارس يرجح رأي القرطبي ـ ومن ماثله الرأي ـ حيث إن الدرس الصوتي الحديث يؤكد سلامة رأيه، فكسر الهاء والخاء جاء نتيجة التماثل الرجعي؛ حيث أثرت حركة الدال والصاد على حركة الهاء والخاء؛ فتماثلت كسرة مثلها. وتحمل بقية الآيات على نفس التفسير. • (عُتِيًّا) (١): قراءة في قوله تعالى: "وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ "عِتِيَّاً" (٢)، وقوْلُه تعالى: ﴿أَيُّهم أَشدُّ على الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ (٣). [التاج: عتو]. قُرِئ بكسر العَيْنِ وضمها. ويحلل الجَوْهري (٤) هذه القراءة صرفيا فيقول: الأَصْلُ عُتُوٌّ، ثم أَبْدلُوا مِن إحْدى الضَّمَّتَيْن كَسْرةً فانْقَلَبتِ الواوُ ياءً فقالوا عُتِيًّا ثم أَتْبَعُوا الكَسْرةَ الكَسْرَة وقالوا (عِتِيًّا) ليُؤَكِّدوا البَدَلَ. • (بِكِيَّاً) من قوله تعالى: " إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا" (٥). قال الزبيدي: (وبُكِيٌّ)، بالضَّمِّ وكَسْرِ الكافِ وتَشْديدِ الياءِ، وأَصْلُه (بُكُويٌ) على فُعُول، كسَاجدٍ وسُجُودٍ، قُلِبَ الواوُ ياءً فأُدغم؛ قالَهُ الرَّاغِبُ. قالَ شيْخُنا: وهو مَسْموعٌ في الصَّحيحِ ولا يُعْرَفُ في المُعْتلِّ وقد خَرَّجُوا عليه قَوْلُه تعالى: ﴿خروا سجداً وَبُكيّاً﴾. [التاج: بكي]. • (صِلِيَّاً) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ (٦). قال الزبيدي: (صُلِيّاً وصِلِيّاً)، بالضمِّ والكسْر مع تَشْديدِ الياءِ فيهما. [التاج: صلي]. • (جِثِيَّاً) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٧).

стр. 54

ذكر الزبيدي أن (جاثٍ) جمعه (جُثِيٌّ) بالضَّمِّ؛ مِثْل: جَلَسَ جُلوساً وقَوْم جُلُوس؛ والكَسْر لمَا بَعْده مِن الكسْرِ، يعني للمماثلة. [التاج: جثو]. وقد بين ابن خالويه سبب الكسر والضم في هذه المواضع وما شاكلها - وكأنه في تفسيره هذا ينطلق من قوانين الدرس الصوتي الحديث - فقال في قوله تعالى ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِياً﴾: "يقرأ بالكسر والضم وما شاكله من قوله: فالحجة لمن قرأ بالكسر أنه نحا ذلك لمجاورة الياء، وجذبها ما قبلها إلى الكسر؛ ليكون اللفظ به من وجه واحد؛ لأنه يثقل عليهم الخروج من ضم إلى كسر. والحجة لمن ضم أن الأصل عنده في هذه الأسماء الضم؛ لأنها في الأصل على وزن (فعول) فانقلبت الواو فيهن ياء لسكونها، وكون الياء بعدها فصارتا ياء مشددة " (١). إن الكلمات (عِتِيَّاً، وصِلِيَّاً، وجِثِيَّاً) قد خالف شكلها بنيتها نتيجة الانسجام أو التماثل الصوتي، حيث قرئت هذه الكلمات بكسر الأول وضمه. والكسر لغة (٢) والضم هو الأصل، والكسر جاء اتباعا (٣)؛ ليكون عمل اللسان من وجه واحد؛ لأن اسم الفاعل من "عِتِيَّاً وجِثِيَّاً" عَاتِو وجَاثِو ـ بكسر العين ـ إذ إنه من يَعْتُو ويَجْثُو، ثم انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، كما قالوا: غَازٍ والأصل: غَازِو؛ لأنه من (يَغْزُو)، فأصبح اسم الفاعل الواحد "عَاتٍ، وجَاثٍ، وصَالٍ" فجاء الجمع على وزن (فُعُول) تاليا للواحد، فصار "جِثِيّ وعِتِيّ، وصِلِيّ" فكسرت عين (فعول) لكسرة الياء، ثم كسر الأول إتباعا له (٤)، وذكر القرطبي أن الأصل الضم؛ لأن المصدر "عتو" من ذوات الواو، من: (عتا يعتو عتوا)، فأبدلوا الواو ياء؛ لأنها أختها وأخف. وقيل: الضم والكسر لغتان (٥). وقال السمين:"الأصل: عُتُوْوٌ بواوين فاسْتُثْقِل واوان بعد ضمتين، فَكُسِرَتِ التاءُ تخفيفاً فانقلبت الواوُ الأولى ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وسَبَقَتْ إحداهما

стр. 55

بالسكون، فَقُلبت الواوُ ياءً وأُدْغِما فيها الياءُ الأُولى ... وقرأ الأخَوان "عِتِيَّا" و"صِلِيَّا" و"بِكِيَّا" و"جِثِيَّا" بكسر الفاء للإتباع، والباقون بالضمِّ على الأصل" (١). ولا خلاف بين آراء العلماء، فالأصل الضم؛ لأنه (فُعُول)، وقلبت الواو ياء؛ لثقل الواو وخفة الياء؛ ولتناسب الكسرة قبلها، ثم قلبت ضمة الفاء كسرة؛ تماثلا مع الياء بعدها. ولم يكن هذا قانونا عاما في كل القبائل العربية، وإنما كان خاصا ببعض القبائل دون بعض، فثمة قبائل تستعمل الأصل، وأخرى تميل للانسجام تخفيفا، فأصبح الانسجام لغة ثانية، ومن ثم فالانسجام مظهر من مظاهر التطور اللغوي نحو التخفيف (٢). • "فَنَعِمَّا" (٣) قراءة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٤). [التاج: نعم]. حيث قرئ "فَنِعِمَّا" (٥) بكسر النون والعين، و"فَنَعِمَّا" بفتح النون وكسر العين، و"فَنِعْمَّا" بكسر النون وإسكان العين، وقد احتج العلماء للقراءات السابقة، فذكر سيبويه أن كسر العين لغة هذيل، وهى على لغة كسر العين لا إسكانها (٦)، وقد تبعه الرأي مكي وأبو حيان (٧)، وكسر النون اتباعا لحركة العين (٨)، وذكر ابن خالويه أن الأصل (نِعْمَ) بكسر النون وإسكان العين؛ لتوافق (بِئْسَ) (٩)، وماثله الرأى القرطبى، وذكر أنها اللغة الجيدة؛ وكسرت العين لالتقاء الساكنين (١٠).

стр. 56

وفي ضوء الدرس الصوتي الحديث يرجح الدارس أن الأصل فتح النون وكسر العين، وإنما كسرت النون نتيجة مماثلة رجعية، وكسر النون أفصح اللغات؛ لأنها مكسورة في قوله تعالى: "نِعْمَ الْعَبْدُ (١) " (٢). نلمح ذلك في بعض الأمثلة القرآنية والتي تناول الزبيدي فيها كيفية ضبط ضمير هاء الغيبة ولغات العرب فيها من خلال: • (يُؤدِّهِ) من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٣). • (نُؤْتِهِ) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ (٤). • (نُوَلِّهِ ونُصْلِهِ) من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٥). • (لِرَبِّهِ) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودُ﴾ (٦). [التاج: ها]. فأصل حركة الضمير (هُمْ) الضم كما يلي: (ـهُ) للمفرد المذكر، و (هُما) للمثنى، و (هُم) لجمع الذكور، و (هُنَّ) لجمع الإناث. وهذا ما جعل ابن يعيش (٧) يتصور أن ضمير جمع الذكور أصله (هُمو) بإشباع الهاء المضمومة، وأنها تطورت في الاستخدام حتى آل إلى ما هو عليه الآن. لكن هذه الضمة الأصلية على (الهاء) لا تثبت بل تتغير إتباعاً لما قبلها من حركات مثل (الكسرة الطويلة أو القصيرة) أو (الياء) فتقلب إلى تلك الكسرة. وردت القراءة في هذا الضمير بأكثر من وجه، حيث جاء ساكنا، ومبنيا على الكسر، وفي بعض المواضع مبنيا على أصله وهو الضم. وذكر ابن

стр. 57

الجزري أن هذا الضمير يكسر إذا سبق بكسر أو ياء، ويضم إذا سبق بفتح أو ضم أو ساكن غير الياء (١). وقال ابن خالويه:" هذا أصل لكل فعل مجزوم اتصلت به هاء فإن كان قبل الهاء كسرة فاكسره، واختلس، وأسكن، وإن كان قبل الهاء فتحة فاضمم الهاء، وألحق الواو، واختلس أو أسكن " (٢). وقال الكِسائي هي لُغاتٌ يقالُ: فيهِ، وفِيهِي، وفيهُ، وفِيهُو، بتمامٍ وغيرِ تمامٍ، وقال: لا يكونُ الجَزْم في الهاءِ إذا كانَ ما قَبْلَها ساكِناً (٣). وقد علل أبو زرعة لهذه الوجوه عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ (٤) فقال: " قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ و ﴿لا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ بسكون الهاء، وحجتهم أن من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها، فيقول: ضَرَبْتُهْ ضَرْبَاً شَدِيدَاً، فينزلون الهاء إذ سَكَّنُوهَا وأصلها الرفع بمنزلة (أَنْتُمْ ورَأَيْتُهُمْ) إذ سَكَّنُوا الميم فيها وأصلها الرفع ولم يصلوها بواو؛ فلذلك أجريت الهاء مجرى الميم في أَنْتُمْ ... وقرأ الباقون (يُؤَدِّهِي إِلَيْكَ) و (لا يُؤَدِّهِي إِلَيْكَ) يصلون بياء في اللفظ، وحجتهم أن الياء بدل من الواو، وأصلها (يُؤَدِّهُو إِلَيْكَ) لكن قلب الواو ياء لانكسار ما قبلها، فلا سبيل إلى حذف الياء وهي بدل من الواو، قال سيبويه: الواو زيدت على الهاء في المذكر، كما زيدت الألف في المؤنث في قولك: ضربتها ومررت بها، وضربتهو؛ ليستوي ضربته المذكر والمؤنث في باب الزيادة. وقرأ نافع في رواية الحلواني (يُؤَدِّه) بالاختلاس وحجته أن الكسرة تدل عل الياء وتنوب عنها" (٥). ونخلص مما سبق إلى أن الأصل في هذا الضمير البناء على الضم إلا أنه يخرج عن هذا الأصل فيكسر لمماثلة ما قبله، أي أن التأثير تقدمي حيث أثرت الكسرة التي قبل الضمير فيه فأدت إلى كسره، وقد تم هذا الإتباع مجانسة لهذه

стр. 58

الياء وللمناسبة الصوتية. وهذا الإتباع تحقق به التخلص من الثقل، والمناسبة للذوق، والتيسير للأداء الصوتي. والذي يدل على أن أصل بنائه الضم مجيء القراءة بضمه على الأصل مع أن ما قبله ياء وذلك في قراء حفص لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾، وقوله تعالى: "عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ" (١). قال ابن خالويه:" "وما أنسانيه" يقرأ بضم الهاء وكسرها مختلستين، فالحجة لمن ضم أنه أتى بلفظ الهاء على أصل ما وجب لها، والحجة لمن قرأه بالكسر فلمجاورة الياء، ومثله "ومن أوفى بما عاهد عليه الله" (٢). ويعلل أبو زرعة قراءة الضم فيذهب مذهبا غريبا إذ يقول: "وإنما عدل عن كسر الهاء إلى الضم لما رأى الكسرات من أنسانيه وكانت الهاء أصلها الضم رأى العدول إلى الضم ليكون أخف على اللسان من الاستمرار على الكسرات ومن كسر فلمجاورة الياء " (٣). فهو يزعم أن قراءة الضم أخف من قراءة الكسر، وهذا لا يتفق مع معطيات الدرس الصوتي الحديث، والذي يصرح بأن الكسر أخف من الضم، وأن الحركات المتماثلة أخف في النطق إذا تجاورت. أما السمين فيرى أن الضم في ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ﴾؛ سببه أنَّ الياءَ أصلُها الفتح والهاءُ بعد الفتحةِ مضمومةٌ فنظر هنا إلى الأصل. وأمَّا في "عَلَيْهُ اللَّهَ"؛ فلأنَّ الياءَ عارضةٌ إذ أصلُها الألفُ، والهاءُ بعد الألف مضمومةٌ فنظر إلى الأصلِ أيضاً (٤).

стр. 59

المبحث الثالث التماثل الصوتي في الضم يتناول هذا المبحث أيضا ما حدث للقراءة القرآنية من تماثل في الضم، وسوف يسرد هذه القراءات الواردة في التاج مدعومة بأقوال المفسرين واللغويين وذلك على النحو التالي: • (مُرُدِّفِينَ) (١): قراءة في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). [التاج: ردف]. قال الزبيدي: " قال الخليلُ: سَمِعْتُ رجلاً بمكَّةَ يَزْعُم أَنَّهُ مِن القُرَّاءِ، وهو يَقْرَأُ: مُرُدِّفِينَ، بضَمِّ المِيمِ والرًّاءِ وكَسْرِ الدَّالِ وتَشْدِيدِها ... أَصْلُهَا: مُرْتَدِفِينَ، لكنْ بعدَ الإِدْغَامِ حُرِّكتِ الرَّاءُ بحَرَكةِ المِيمِ ". وهذا معناه أن في هذه القراءة تأثيرًا مقبلاً (تقدميًا) حيث تأثرت الراء الساكنة بحركة الميم قبلها فماثلتها في الضم (٣). • (يُخُصِّفانِ) (٤): قراءة في قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ﴾ (٥) [التاج: خصف]. وهي قراءة عبد الله بن يزيد، بضم الياء والخاء وكسر الصاد مشددة، وهي مِنْ (خَصَّفَ، يُخَصِّفُ) بالتشديد، فالفعل رباعي مضموم الياء في المضارع، والأصل أن تكون حركة الخاء الفتح، إلا أننا نجد أن الخاء تابعت الياء قبلها في الضم، وهي قراءة عَسِرةُ النطق، ويدل على أن أصلها مِنْ (خَصَّف) بالتشديد قراءةُ بعضهم "يُخَصِّفَانِ" كذلك إلا أنه بفتح الخاء على أصلها (٦). ويعد التأثير هنا تقدميا حيث تأثرت حركة الخاء بحركة الياء قبلها.

стр. 60

إن الجموع التي وردت في القرآن الكريم على زنة (فُعُول) قرئت بضم فائها على الأصل، والكسر فيها لغة ثانية، وذلك نحو: • (شُيُوخ) (١): من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ (٢). [التاج: شيخ]. • (بُيُوت) (٣): من قوله تعالى: ﴿ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٤) [التاج: بيت]. قال الزبيدي:" (شُيُوخٌ)، بالضمّ على القياس، (وشِيُوخٌ)، بالكسر لمناسَبَة التّحتيّة، كما في بيوتٍ وبابه". • (جُيُوبٌ) (٥): من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٦). ذكر الزبيدي أن الجيوب بضم الجيم وكسرها. [التاج: جيب]. • (عُيُون) (٧): من قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٨). [التاج: عين]. والضم قراءة الجمهور، وهو الأصل (٩)، بل قال الزجاج: وأكثر النحاة لا يعرفون الكسر، وهو رديء عند البصريين؛ لأنه ليس في كلام العرب "فِعُول" بكسر الفاء (١٠). والدارس لا يؤيد رأي البصريين في وصفهم لغة الكسر بالرداءة؛ لأنها لغة فصيحة أكد القرآن على فصاحتها؛ والقراءة سنة متبعة.

стр. 61

ويحتج ابن خالويه لمن كسر بانيا حجته على التأثيرات الصوتية المتبادلة بين الحروف فيقول: "الحجة لمن ضم أنه أتى بالكلام على أصل ما وجب للجمع ... والحجة لمن كسر أنه لما كان ثاني الكلمة ياء، كرهوا الخروج من ضم إلى ياء، فكسروا أول الاسم لمجاورة الياء، ولم يجمعوا بين ضمتين إحداهما على ياء. فإن قيل فما حجة من ضم العين من (العيون) والجيم من (الجيوب) وكسر الباء من (البيوت)، فقل العين حرف مستعل مانع من الإمالة فاستثقل الكسر فيه، فأبقاه على أصله، والجيم حرف شديد متفش فثقل عليه أن يخرج به من كسر إلى ضم فأجراه على أصله، والحجة لمن كسر الباء كثرة استعمال العرب لذلك، وهم يخففون ما يكثرون استعماله، إما بحذف وإما بإمالة وإما بتخفيف، ودليل ذلك إمالتهم (النار) لكثرة الاستعمال، وتفخيم (الجار) لقلة الاستعمال" (١). ويزيد أبو زرعة المسألة وضوحا فيقول: " إنهم استثقلوا الضمة في الباء وبعدها ياء مضمومة، فيجتمع في الكلمة ضمتان بعدها واو ساكنة، فتصير بمنزلة ثلاثة ضمات، وهذا من أثقل الكلام، فكسروا الباء لثقل الضمات، ولقرب الكسر من الياء " (٢). • (نُصُوحَاً) (٣): من قوله تعالى: ﴿تَوْبَةً نَصُوحَاً﴾ (٤). قال الزبيدي: " قال الفرّاءُ (٥): قرأَ أَهل المدينة " نَّصُوحاً " بفتح النُّون، وذُكِرَ عن عاصِمٍ بضمّ النّون. فالذين قَرَءُوا بالفتح جعلوه من صفة التَّوبَة، والذين قرءُوا بالضّمّ أَرادوا المصدر مثل القُعود. وقال المفضّل: بات عَزُوباً وعُزُوباً، وعَرُوساً وعُرُوساً ". [التاج: نصح].

стр. 62

فضم الحاء هو الأصل في المصدر: نَصَحَ يَنْصَحُ نُصُوحَاً، والفتح على المبالغة في الصفة (فَعُول) (١). • (السُّحُت) (٢): من قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣). [التاج: سحت]. استهل الزبيدي هذه المادة بقوله: السُّحْتُ، والسُّحُتُ (بالضَّمِّ وبضَمَّتَيْنِ)، وقُرِئِ بهما قولُه تعالَى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ مُثَقَّلاً ومُخَفَّفاً. مخففا أي بسكون الحاء، ومثقلا أي بضمها، وضم الحاء هو الأصل، وسكونها لغة فيها قامت على التخفيف بالانتقال من الضم إلى السكون (٤). • (سُخْرِيَّاً) (٥): من قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيَّاً﴾ (٦). قال الزبيدي:" الاسمُ السُّخْرِيَةُ والسُّخْرِيُّ، بالضَّمّ ويُكْسَرُ ... وقُرِئ بالضَّمّ والكَسْر قوله تعالى: ﴿لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ (٧) ... وهو سُخْرَةٌ لِي وسُخْرِيٌّ وسِخْرِيٌّ بالضَّمّ والكَسْر. وقيل: السُّخْرِيّ بالضَّمّ: من التَّسْخِير: والسِّخْرِيّ، بالكَسْر، من الهُزْءِ. وقد يقال في الهُزْءِ سُخْرِيّ وسِخْرِيّ، وأَمّا من السُّخْرَة فواحِده مَضْمُوم. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ بِالْوَجْهَيْن، والضَّمّ أَجْوَدُ. [التاج: سخر]. والضم على أن أصل المصدر ضم السين والخاء (سُخُر) وتسكين الخاء لغة فيه راعت التخفيف. وفي (سِخْرِيَّاً) كسرت الراء لتماثل الياء، فكان ذلك مسوغا لكسر السين لتماثل الراء، فقرئ (سِخْرِيَّاً)، أما من قرأ (سُخْرِيَّاً) فعلى الأصل. وقيل بالرفع من التسخير، وبالكسر من الهزء (٨).

стр. 63

• (كُفُؤَاً) (١): من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوَاً أَحَدٌ﴾ (٢). [التاج: كفأ]. • (هُزُؤَاً) (٣): من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوَاً﴾ (٤). [التاج: هزأ]. يذكر الزبيدي أن في "كُفْوَاً" ثلاثُ قراءات، الأولى قراءة الجمهور: (كُفُؤَاً) بضمتين مع الهمز، والثانية قراءة حمزة: (كُفْأً، كُفْوَاً) بسكونِ العين مع الهمز وَصْلاً، وإبدالَ الهمز واواً وَقَفاً، والثالثة قراءة حفص: "كُفُوَاً" بضمتين مع الواوِ وَصْلاً وَوَقْفاً (٥). وقراءة الجمهور على الأصل، والفرق بينها وبين قراءة حفص أن حفص راعى التخفيف فأبدل الهمزة واوا؛ لثقل توالي ضمتين وهمزة، أما حمزة فقد سكن الزاي تخفيفا في الوصل، وجمع بين تسكين الزاي وإبدال الهمزة واوا في الوقف، أي جمع بين وجهين من التخفيف (٦). ويقرر أبو زرعة أن التخفيف لغة تميم والتثقيل لغة أهل الحجاز. ويروي عن عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه نحو: اليُسُر واليُسْر، والعُسُر والعُسْر، فمن سَكَّنَ طلب التخفيف؛ لأنه استثقل ضمتين في كلمة واحدة (٧). وحكمُ "هُزُؤَاً" في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوَاً﴾ حكمُ "كُفُؤَاً" في جميع ما تقدم. • (غُلُفٌ) (٨): قراءة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ (٩).

стр. 64

ذكر الزبيدي لهذا الحرف قراءات منها: "غُلُف" بضم الأول والثاني، و"غُلْف" (١) بتسكين الثاني، وعلى القول بأن ضم اللام أصل، وتسكينها تخفيف فالكلمة جمع لغلاف، أما إذا قلنا إن التسكين أصل لذاته، ولم ينتج عن تخفيف كان جمعا لـ (أَغْلَفٍ). قال الزبيدي: "ولا يَكُونُ الغُلُفُ بضمتين جمعَ أَغْلَفَ؛ لأَنّ فُعُلاً لا يَكُونُ جَمْعَ أَفْعَل عند سِيبوَيْهِ، وقال الكسائيُّ: ما كانَ جمعُ فِعالٍ وفَعُولٍ وفَعِيلٍ على فُعُلٍ مُثَقَّلٍ ". [التاج: غلف]. • (خُشْب) (٢): قراءة في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (٣) [التاج: خشب]. ذكر الزبيدي أن هذا الحرف قد قرئ بضمتين "خُشُب" (٤)، وبضمة وسكون "خُشْب"، وبفتحتين "خَشَب" (٥). وكلها جمع لخَشَبَةٍ، والقراءة الأولى على الأصل والثانية والثالثة على التخفيف. وقيل: خَشَبَةٌ وخُشُبٌ مثلُ ثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، وخَشَبَة وخُشْب مثل بَدَنَةٍ وبُدْنٍ، وخَشَبَة وخَشَب مثل شَجَرَةٍ وشَجَر (٦). قال السمين الحلبي:" فأمَّا القراءةُ بضمتَيْن فقيل: يجوزُ أَنْ تكونَ جمع خشَبَة نحو: ثَمَرَة وثُمُر، قاله الزمشخريُّ، وفيه نظرٌ؛ لأن هذه الصيغةَ محفوظةٌ في (فَعَلَة) لا تَنْقاس نحو: ثَمَرَة وثُمُر. ونقل الفاسيُّ عن اليزيدي أنه جمعُ خَشْباء، وأَحْسَبُه غَلِطَ عليه؛ لأنه قد يكون قال "خُشْب" بالسكون جمع خَشْباء نحو: حَمْراء وحُمْر؛ لأنَّ (فَعْلاء) الصفةَ لا تُجْمع على (فُعُل) بضمتين بل بضمةٍ وسكونٍ ... وقال أبو البقاء: "وخُشْب بالضمِّ والإِسكان جمعُ خَشَب مثل: أَسَد وأُسْد". فهذا يُوهم أنه يقال: أُسُد بضمتين وليس كذلك " (٧).

стр. 65

• (نُصُب): من قوله تعالى: "كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" (١). [التاج: نصب]. ذكر الزبيدي أنه قرئ: "نُصُب" (٢)، و"نُصْب" (٣)، و"نَصَب" (٤)، و"نَصْب" (٥) وكلها بمعان متقاربة وهو الشيء المنصوب الذي يقصد لعبادة أو غيرها. وقد جمع السمين ما تفرق في تفسير هذه القراءات فقال: "العامَّةُ على "نَصْبٍ" بالفتح والإِسكان، وابنُ عامر وحفصٌ "نُصُب"بضمتين، وأبو عمران الجوني ومجاهد "نَصَب" بفتحتَيْن، والحسنُ وقتادةُ "نُصْب"بضمةٍ وسكون. فالأُولى: هو اسمٌ مفردٌ بمعنى العَلَم المنصوبِ الذي يُسْرِع إليها عند وقوعِ الصيدِ فيها مخافةَ انفلاتِه. وأمَّا الثانيةُ فتحتمل ثلاثَة أوجهٍ: أحدها: أنه اسمٌ مفردٌ بمعنى الصَّنَمِ المنصوبِ للعبادة، وأنشد للأعشى: وذا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَعْبُدَنَّه ... لعاقبةٍ واللَّهَ ربَّك فاعْبُدَا (٦) الثاني: أنه جمعُ (نِصَابٍ) ككُتُب في كِتَاب. الثالث: أنه جمعُ (نَصْبٍ) نحو: رَهْن في رُهُن، وسَقْف في سُقُف، وهذا قولُ أبي الحسن. وجَمْعُ الجمعِ (أَنْصاب). وأمَّا الثالثةُ: فَـ (فَعَل) بمعنى مَفْعُول، أي: نَصَب بمعنى مَنْصُوب كالقَبَضِ والنَّقَضِ. والرابعةُ: تخفيفٌ من الثانية" (٧). والسمين ينص هنا على أن "نُصُب" بضمتين أصل، و"نُصْب" ساكنة الصاد فرع عنة نتيجة تخفيف الضم إلى سكون. والدارس يرى أن قراءة "نُصُب" بضمتين هي الأصل وباقي القراءات صور لتخفيفها، حيث خُفِّفَتِ الضمتان بشكلين: أحدهما تخفيفها إلى فتحتين فكانت قراءة "نَصَب"، والثانيها بتسكين

стр. 66

الصاد فكانت قراءة "نُصْب"، ثم إن قراءة "نَصَب" خففت هي الأخرى بتسكين الصاد فكانت قراءة "نَصْب"، وهذا التحليل يتمشى مع طبيعة اللغة وقوانين التطور فيها، ومن المنطقي أن نحكم بوجود اللغة الأصعب أولا، ثم يلجأ مستخدم اللغة إلى التخفيف فتكون اللغات الأخرى. ومما يقوي هذا التحليل كلام السمين السابق، وأيضا قول أبي زرعة بن زنجلة أن: النَّصْبَ والنُّصْبَ لغتان كالضَّعْفِ والضُّعْفِ (١). وقول الزبيدي أن النَّصْبَ والنَّصَبَ لغتان (٢)، والجمع بين هذه الأقوال يجعلنا نطمئن إلى ما خلصنا من أن "نُصُب" هي الأصل وباقي القراءات صور مخففة منها. ومما يقوي هذا الرأي توجه المفسرين الذي يتلخص في حرصهم على التقريب بين القراءات في الحرف الواحد في اللفظ والمعنى إلا إذا دعا داع إلى غير ذلك (٣). • (سُحُقَاً) (٤): قراءة في قوله تعالى:" فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ" (٥). [التاج: سحق]. يذكر الزبيدي أن السُّحْقَ، بالضَّمِّ، وبِضَمَّتَيْن مثال خُلْقٍ وخُلُقٍ، وأنه قد قرئ بهما "فَسُحْقَاً"، حيث أسكن الجمهور الحاء (٦)، وضمها الكسائي مع لآخرين في رواية عنه. ويقرر السمين أنهما لغتان، والأحسنُ أَنْ يكونَ المثقَّلُ أصلاً للخفيفِ (٧). • (عُقُبَاً) (٨): من قوله تعالى:"هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا" (٩). [التاج: عقب].

стр. 67

يذكر الزبدي أن (العُقْبَ) بسكون القاف، وضمِّها (العُقُب) لغتان، مثل: عُسْر وعُسُر: بمعنى: العاقِبَة. وقد قرئ بهما قوله تعالى: "هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا". وقراءة الجمهور "عُقُبَاً"، وقرأ عاصم وحمزة "وَخَيْرٌ عُقْبَاً" ساكنة القاف (١). وللسمين عبارة قالها في سياق حديثه حول هذه الآية تدل على دقة ملاحظة علمائنا لطبيعة التطور اللغوي الذي يسير باللغة من الصب إلى السهل، فيقرر أنهما لغتان كالقُدُس والقُدْس. وأن الأصل الضمُّ، والسكونُ تخفيفٌ. ثم يقول: وقيل بالعكس كالعُسْر واليُسْر، وهو عكسُ معهودِ اللغةِ (٢). ويقصد بمعهود اللغة أن طبيعة التطور اللغوي تتطلب أن يكون الأصل الصعب وهو "عُقُب" بضمتين، والفرع هو التخفيف. • (رُحُمَاً) (٣): من قوله تعالى:" وَأَقْرَبَ رُحْمَاً" (٤). [التاج: رحم]. يذكر الزبيدي أن (الرُّحْمَ) بالضَّمِ، و (الرُّحُمَ) بِضَمَّتَين، ويستدل على اللغة الأخرى بقراءة أبي عَمْرو بن العلاء: "وأَقْرَبَ رُحُمًا" بالتَّثْقِيل، واحتَجَّ أبو عمرو بِقَوْلِ زُهَيْر يَمْدح هَرِمَ بنَ سِنان (٥): وَمِنْ ضَرِيبَتِهِ التَّقْوَى وَيَعْصِمُهُ ... مِنْ سَيِّئِِ العَثَرَاتِ اللهُ وَالرُّحُمُ وهو مثل: عُسْر، وعُسُر. وقراءة أبي عمرو هي الأصل، والتخفيف لغة فيه (٦). إذا كان الاسم الثلاثي صحيح العين ساكنها مكسور الفاء أو مضمومها، فيجوز فيه ثلاث حالات هي:

стр. 68

١ - إتباع حركة عين الجمع لحركة فاء المفرد. ٢ - الفتح للعين مطلقاً. ٣ - التسكين للعين مطلقاً. ويمكن بيان ذلك من خلال النص القرآني في قوله تعالى: "وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ" (١) [التاج: زبر] فكلمة الغرفات مفردها ثلاثي صحيح العين ساكنها، غير أن فاء الكلمة مضمومة (غُرْفَة)، ولذا يجوز في كلمة (الغرفات) ثلاث حالات صوتية، وفقاً لقانون الإتباع كما يلي: ١ - الإتباع: (الغُرُفَات) بإتباع حركة العين (الضم) لحركة فاء المفرد المضمومة. ٢ - الفتح: (الغُرَفَات) بفتح حركة عين الكلمة مخالفة لحركة فاء المفرد المضمومة أي بلا إتباع. ٣ - السكون: (الغُرْفَات) بإسكان عين الكلمة بلا إتباع حركي. وتعليل ذلك أنه "إذا كان الإتباع فيه شيء من التخفيف؛ لأن اللسان يعمل من جهة واحدة، فإن التسكين أخف من الإتباع، ولهذا جاز كلاهما. أما الفتح فإنه يجوز لخفته" (٢). ومما ورد في التاج وتعددت فيه القراءات ويُحْمَلُ على هذا التفسير: • (خُطُوَاتِ) من قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٣). [التاج: خطو]. • (ظُلُمَاتٍ) من قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ (٤). [التاج: ترك]. نجد في الآيات القرآنية كلمات على صيغة جمع الإناث، لكنها معتلة العين، ولذا لا يحدث فيها الإتباع مثل قوله تعالى: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٥) [التاج: عور] فكلمة (عَوْرَات) جمع مؤنث سالم مفرده (عَوْرَة)، ولم يتم فيه الإتباع لحركة العين مماثلة لحركة الفاء في المفرد، إذ بقيت حركة العين على (السكون) في

стр. 69

حين أن حركة الفاء هي (الفتحة). وتعليل ذلك: أنه لو حدث الإتباع هنا للزم لمناسبة فتح العين قلب حرف العلة ألفاً مما يؤدي إلى التباس الصيغ. يقول ابن يعيش عن هذا الإتباع أنه لو تم: "لالتبس (فَعْلَة) ساكنة العين بـ (فَعَلَة) مفتوحة العين نحو: دارة ودارات، وقامة وقامات" (١). ويقول أبو زرعة:" إلا أن عامة العرب كرهوا تحريك العين فيما كان عينه واوا أو ياء لما كان يلزم من الانقلاب إلى الألف فأسكنوا وقالوا عَوْرَات وبَيْضَات" (٢). وعلى الرغم من أن العامَّةُ على "عَوْرَات" بسكون الواوِ، وهي لغةُ عامَّةِ العربِ، سَكَّنوها تخفيفاً لحرفِ العلة، فإننا نجد قراءة تخترق هذا الإجماع وتفتح عين الجمع لتحدث المماثلة، يقول السمين: " وقرأ ابنُ عامر في روايةٍ "عَوَرَات" بفتح العين. ونقل ابن خالويه أنها قراءةُ ابن أبي إسحاق والأعمش. وهي لغةُ هُذَيْلِ بن مُدْرِكَة ... وجعلها ابن مجاهد لحناً وخطأ، يعني من طريق الرواية، وإلاَّ فهي لغة ثابتة " (٣). وبعد .. فقد تبيّن للدارس بعد هذا العرض أن الانسجام الصوتي لغة ثانية عرفتها القبائل العربية واستعملتها بهدف التخفيف، ولم تستأثر به قبيلة دون أخرى ومن ثم يخالف الدارس من ذهب إلى أن الانسجام سمة من سمات لغة القبائل البدوية فحسب (٤)؛ لأن قراءات حجازية حفظت لنا هذه اللغة في مواضع غير قليلة، فهذا يؤكد أن لغة الحجاز (قبائل غرب الجزيرة) اتسمت بهذه السمة، وقد اكتسبتها من لغة البدو (شرق الجزيرة) وبخاصة تميم. وهذا يؤكد لنا من ناحية أخرى أن القرآن لم ينزل بلهجة قريش الخاصة، وإنما بلغة أدبية راقية، احتضنتها قريش بعد اكتسابها بعض سماتها من القبائل الأخرى، من هذه السمات الانسجام الصوتي.

стр. 70

المبحث الرابع التماثل في السكون يقف وراء حدوث هذه الظاهرة الأصل المقرر عند أهل العربية وهو أن الكلمة عندهم لا تبدأ بساكن، ولا يُجْمَعُ بين ساكنين وسطها، وقد انتبه لهذا القانون الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وأَصَّلَهُ سيبويه في الكتاب، فصار أصلا للمدرسة البصرية أن التقاء الساكنين في دَرَجِ الكلام ما كان يكون في النطق العربي (١). قال سيبويه: " وإذا كان قبل الحرف المتحرك الذي بعده حرف مثله سواء "حرف" ساكن لم يجز أن يسكن، ولكن إن شئت أخفيت، وكان بزنته متحركا" (٢). ومعنى ذلك أنه إذا سُبِقَ الصوتُ المُدْغَمُ بساكن صحيح لم يَجُزْ أن يُسَكَّنَ المدغم - يعني أنه لا يصلح أن يكون محل إدغام - وإنما يجوز أن يَخْفِيَ المتكلمُ الحركةَ على الاخْتِلاس. وهذا الأصل الذي قرره سيبويه هو الذي صار عليه نَحْوِيُّو البَصْرَةِ، والكثير من غيرهم، في مناقشتهم للقراءات التي يجتمع فيها ساكنان، منطوقان على مذهب القراء (٣). ولم يُجِزْ سيبويه (٤) أن يجتمع ساكنان ويُنْطَق بهما كما هما إلا في حالتين: ١ - حالة الوقف، نحو: بَكْرْ، وعَمْرْو. وهي في أواخر الكلمات لا محالة. ٢ - وحين يكون الساكن الثاني مدغماً مسبوقاً بحرف مَدٍّ، نحو: دَابَّةٍ وشَابَّةٍ. وظَاهِرُهُ أن هذه الحالة تقع في حَشْوِ الكلام. وحجتهم في اسْتِسَاغَةِ الجمع بين الساكنين آخر الكلمة يتمثل في أن "الوقف سَدَّ مَسَدَّ الحركة؛ لأن الوقف على الحرف يُمَكِّنُ جَرْسَ ذلك الحرف ويُوَفِّرُ الصوتَ عليه فيصير توفير الصوت بمنزلة الحركة له" (٥).

стр. 71

فإذا التقى ساكنان في غير هاتين الحالتين لم يمكن ذلك " مِنْ قِبَلِ أن الحرف الساكن كالموقوف عليه، وما بعده كالمبدوء به، ومحال الابتداء بساكن فلذلك امتنع التقاؤهما في الدَّرَجِ " (١). فإذا التقيا ففي الأول منهما الحذف إن كان حرف مد نحو: لم يَقُلْ، ولم يَبِعْ. أو تحريكه بالكسر إن كان حرفاً صحيحاً نحو: واذْهَبِ اذهب، ومَنِ ابْنَك. وقد يُحَرَّكُ بغيرها عند وجود مُسَوِّغٍ له (٢). وقد وردت قراءات سَبْعِيَّةٌ وغير سَبْعِيَّةٍ جَمَعَ فيها قُرَّاؤُهَا بين السَّاكِنَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ فَوَقَفَ منها البصريون ومَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مَوْقِفَ الإنكار، فَخَطَّؤُهَا ونَسَبُوهَا إلى اللََّحْنِ. وأما الكوفيون فإنهم يُجِيزُونَ اجتماع السَّاكِنَيْنِ في مِثْلِ المواضع التي جَمَعَ فيها القُرَّاءُ، متمسكين في ذلك برواية القُرَّاءِ وبالسَّمَاعِ مِنَ العَرَبِ (٣). وقد توقف الزبيدي عند الكثير من المواضع التي قرئ فيها بالجمع بين الساكنين منها: • (يَخْصِّفَانِ) (٤): من قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٥). [التاج: خصف]. • (مُرْدِّفِينَ) (٦): من قوله تعالى: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٧). [التاج: ردف] • (يَهْدِّي) (٨): من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى﴾ (٩). [التاج: هدي]

стр. 72

• (يَخْصِّمُونَ) (١): من قوله تعالى: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ (٢). ومنها أيضا: [التاج: خصم] • (فَنِعْمَّا) (٣): من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٤). [التاج: نعم]. • (اسْطَّاعُوا) (٥): من قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (٦). [التاج: طوع]. وقد تبين من الشواهد السابقة أن الجمع بين الساكنين في الغالب يحدث عند إدغام حرفين قبلهما ساكن، مثلما يحدث في صيغة (افتعل) بأن تدغم تاء الافتعال في عين الفعل فيلتقي سكون فاء الكلمة مع السكون الناتج من الإدغام. والذين لا يجيزون الجمع بين الساكنين حجتهم أن السكون وقف، ولا يمكن الانتقال من وقف إلى وقف؛ لذلك حركوا الحرف السابق على الإدغام، وإن اختلفوا في هذه الحركة إلا أنهم أوجبوها. ومما قرئ بالجمع بين الساكنين قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (٧) قرأ حمزة الزيات " فَمَا اسْطَّاعُوا" بالجمع بين الساكنين، وعلى الرغم من أن هذه القراءة سَبْعِيَّةٌ (٨) فإنها قد أثارتْ جَدَلاً علمياً كبيراً خاصة عند النحويين الذين

стр. 73

حَكَّمُوا فيها قَوَاعِدَهُم ومَقَايِيسَهُم فما كان منهم إلا أن رفضوها وجعلوها لَحْنًا وخَطَأً وعلى صعيد القُرَّاءِ أخذوا يُدَافِعُونَ عنها مُلْتَمِسِينَ لها أَسْبَابَ القُوَّةِ مِنَ السَّنَدِ، وكلام العرب. فهذا ابن خالويه يحتج لقراءة حمزة فيقول:" وقد عيب بذلك؛ لجمعه بين الساكنين ليس فيهما حرف مد ولين، وليس في سورة الكهف ذلك عليه عيب؛ لأن القراء قد قرأوا بالتشديد قوله: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾، و ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾، و ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، فإن قيل: فإن الأصل في الحرف الأول الذي ذكرته الحركة، وإنما السكون عارض، فقل: إن العرب تشبه الساكن بالساكن لاتفاقهما في اللفظ والدليل على ذلك، أن الأمر للمواجهة مبني على الوقف، والنهي مجزوم بلا، واللفظ بهما سِيَّان، فالسين في "اسْتَطَاعُوا" ساكنة كلام التعريف، ومن العرب الفصحاء من يحركها فيقول: اللبكة والاحمر، فجاوز تشبيه السين بهذه اللام، وأيضا فإنهم يتوهمون الحركة في الساكن والسكون في المتحرك، كقول عبد القيس: اسل، فيدخلون ألف الوصل على متحرك توهما لسكونه" (١). أما الزَّجّاجُ فيرد هذه القراءة قائلا: "مَن قرأَ هذه القراءَةَ فهو لاحِنٌ مُخطِئٌ زعَمَ ذلكَ الخليلُ، ويونُسُ، وسيبويهِ وجَميعُ مَن يَقولُ بقولِهِم، وحُجَّتُهُم في ذلكَ أَنَّ السِّينَ ساكِنَةٌ وإذا أُدغِمَتِ التَاءُ في الطّاءِ صارَت طاءً ساكِنَةً، ولا يُجمَعُ بينَ ساكِنَينِ (٢). ويؤيد الفارسي الزجاج قائلا:"إنما هو على إدغام التاء في الطاء، ولم يلق حركتها على السين فيحرك ما لا يتحرك، ولكن أدغم، مع أن الساكن الذي قبل المدغم ليس حرف مد " (٣). ولكن ابن الجزري يقول: "والجَمعُ بينَهما في مثلِ ذلكَ جائزٌ مَسموعٌ. قال الحافظُ أَبو عَمروٍ: ومِمّا يُقَوِّي ذلكَ ويَسَوِّغُه أَنَّ السَّاكِنَ الثاني لمّا كان اللسان

стр. 74

عندَهُ يَرتفِعُ عنه وعن المُدْغَمِ ارتِفاعَةً واحِدَةً، صار بمنزلَةِ حَرْفٍ مُتَحرِّكٍ، فكأنَّ السّاكِنَ الأَوَّلَ قد وَلِيَ مُتَحَرِّكاً فلا يَجوزُ إنكارُه) (١). ويؤيده الدمياطي فيقول: "وطَعْنُ الزَّجَّاجِ، وأَبي عليٍّ في هذه القراءة من حيثُ الجمعُ بين السَّاكِنينِ مَردودٌ بأَنَّها مُتواتِرَةٌ والجَمْعُ بينَهُما في مثلِ ذلكَ سائغٌ جائزٌ مَسموعٌ في مثلِه" (٢). وأما الذين لا يرون الجمع بين الساكنين فيتأولونها بـ" الرَّومِ "، وقد بسط الزبيدي هذه الرؤية متمثلة في قوله الذي أنكر فيه على القراء الذين جمعوا بين الساكنين، ورأى أن شواهدهم التي جاءت في الشعر محمولة على "الرَّوْمُ" أو "الاخْتِلاس"، بحيث يظن السامع أن المتحدث قد جمع بين الساكنين؛ لعدم ظهور الحركة؛ لذهاب الناطق بها مذهب "الرَّوْم" أو "الإِشْمَام" فقال: "قال الجوهري (٣): و" الرَّوْمُ" الذي ذكره سيبويه: حَرَكَةٌ مُخْتَلَسَةٌ مُخَْفاةٌ بِضَرْبٍ مِنَ التَّخْفِيفِ، وهي أكثر من "الإشمام"؛ لأنها تُسْمَعُ وهي بِزِنَةِ الحركة وإن كانت مُخْتَلَسَةً مثل همزة بَيْنَ بَيْنَ كما قال (٤): أَأَنْ زُمَّ أَجْمَالٌ وَفَارَقَ جِيرَةٌ وَصَاحَ غُرَابُ الْبَيْنِ أَنْتَ حَزِينُ قوله: " أأن زم" تقطيعه: فَعُولُن، ولا يجوز تسكين العين، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٥) فيمن أخفى، إنما هو بحركة مختلسة، ولا يجوز أن تكون الراء الأولى ساكنة؛ لأن الهاء قبلها ساكن، فيؤدي إلى الجمع بين الساكنين في الوصل من غير أن يكون قبلها حرف لين، قال: وهذا غير موجود في شيء

стр. 75

من لغات العرب، قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (١) و ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ (٢) و ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (٣) وأشباه ذلك قال: ولا يُعْتَبَرُ بقول القراء: إِنَّ هذا ونحوه مُدْغَمٌ؛ لأنهم لا يحصلون هذا الباب، ومن جمع بين ساكنين في موضع لا يصح فيه "اختلاس" الحركة فهو مخطئ كقراءة حمزة في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ (٤)؛ لأن سين الاستفعال لا يجوز تحريكها بوجه من الوجوه ". [التاج: روم]. وفي حديث الزبيدي السابق تعرض لثلاثة مصطلحات صوتية هي: (١) الاختلاس. (٢) الروم. (٣) الإشمام. • أما "الاخْتِلاسُ" فهو الإسراع بالحركة حال النطق بها فيختطفها اختطافا، فلا يحقق النطق بها كاملا، وعكسه "الإِشْبَاعُ"، وقد تناول سيبويه هاذين المصطلحين في أحد أبواب كتابه وعنون له بـ "هذا باب الإشباع في الجر والرفع وغير الإشباع والحركة كما هي "ثم قال ما نصه: "فأما الذين يشبعون فيمططون، وعلامتها واو وياء، وهذا تحكمه لك المشافهة وذلك كقولك: يضربها، ومن مأمنك. وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا" (٥). وعنه أن أبا عمرو كان يختلس الحركة في ﴿بَارِئكُم﴾ (٦) و ﴿يَأْمُركُم﴾ (٧) وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه الحركات، فيرى من سمعه أنه قد أسكن ولم يسكن (٨). • وأما "الرَّوْمُ" فهو "أن" تأتي بالحركة مع إضعاف صوتها، أي إخفائها؛ لأنك تروم الحركة مختلسا لها، ولا تتمها " (٩)، وقال السيوطي: "هو ضعف
следующие страницы →