← Язык

Язык · id 36322

أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجا

عبد الرازق بن حمودة القادوسي

Полный текст (333 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإذا التقى ساكنان في غير هاتين الحالتين لم يمكن ذلك " مِنْ قِبَلِ أن الحرف الساكن كالموقوف عليه، وما بعده كالمبدوء به، ومحال الابتداء بساكن فلذلك امتنع التقاؤهما في الدَّرَجِ " (١). فإذا التقيا ففي الأول منهما الحذف إن كان حرف مد نحو: لم يَقُلْ، ولم يَبِعْ. أو تحريكه بالكسر إن كان حرفاً صحيحاً نحو: واذْهَبِ اذهب، ومَنِ ابْنَك. وقد يُحَرَّكُ بغيرها عند وجود مُسَوِّغٍ له (٢). وقد وردت قراءات سَبْعِيَّةٌ وغير سَبْعِيَّةٍ جَمَعَ فيها قُرَّاؤُهَا بين السَّاكِنَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ فَوَقَفَ منها البصريون ومَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مَوْقِفَ الإنكار، فَخَطَّؤُهَا ونَسَبُوهَا إلى اللََّحْنِ. وأما الكوفيون فإنهم يُجِيزُونَ اجتماع السَّاكِنَيْنِ في مِثْلِ المواضع التي جَمَعَ فيها القُرَّاءُ، متمسكين في ذلك برواية القُرَّاءِ وبالسَّمَاعِ مِنَ العَرَبِ (٣). وقد توقف الزبيدي عند الكثير من المواضع التي قرئ فيها بالجمع بين الساكنين منها: • (يَخْصِّفَانِ) (٤): من قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٥). [التاج: خصف]. • (مُرْدِّفِينَ) (٦): من قوله تعالى: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٧). [التاج: ردف] • (يَهْدِّي) (٨): من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى﴾ (٩). [التاج: هدي]

стр. 72

• (يَخْصِّمُونَ) (١): من قوله تعالى: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ (٢). ومنها أيضا: [التاج: خصم] • (فَنِعْمَّا) (٣): من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٤). [التاج: نعم]. • (اسْطَّاعُوا) (٥): من قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (٦). [التاج: طوع]. وقد تبين من الشواهد السابقة أن الجمع بين الساكنين في الغالب يحدث عند إدغام حرفين قبلهما ساكن، مثلما يحدث في صيغة (افتعل) بأن تدغم تاء الافتعال في عين الفعل فيلتقي سكون فاء الكلمة مع السكون الناتج من الإدغام. والذين لا يجيزون الجمع بين الساكنين حجتهم أن السكون وقف، ولا يمكن الانتقال من وقف إلى وقف؛ لذلك حركوا الحرف السابق على الإدغام، وإن اختلفوا في هذه الحركة إلا أنهم أوجبوها. ومما قرئ بالجمع بين الساكنين قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (٧) قرأ حمزة الزيات " فَمَا اسْطَّاعُوا" بالجمع بين الساكنين، وعلى الرغم من أن هذه القراءة سَبْعِيَّةٌ (٨) فإنها قد أثارتْ جَدَلاً علمياً كبيراً خاصة عند النحويين الذين

стр. 73

حَكَّمُوا فيها قَوَاعِدَهُم ومَقَايِيسَهُم فما كان منهم إلا أن رفضوها وجعلوها لَحْنًا وخَطَأً وعلى صعيد القُرَّاءِ أخذوا يُدَافِعُونَ عنها مُلْتَمِسِينَ لها أَسْبَابَ القُوَّةِ مِنَ السَّنَدِ، وكلام العرب. فهذا ابن خالويه يحتج لقراءة حمزة فيقول:" وقد عيب بذلك؛ لجمعه بين الساكنين ليس فيهما حرف مد ولين، وليس في سورة الكهف ذلك عليه عيب؛ لأن القراء قد قرأوا بالتشديد قوله: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾، و ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾، و ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، فإن قيل: فإن الأصل في الحرف الأول الذي ذكرته الحركة، وإنما السكون عارض، فقل: إن العرب تشبه الساكن بالساكن لاتفاقهما في اللفظ والدليل على ذلك، أن الأمر للمواجهة مبني على الوقف، والنهي مجزوم بلا، واللفظ بهما سِيَّان، فالسين في "اسْتَطَاعُوا" ساكنة كلام التعريف، ومن العرب الفصحاء من يحركها فيقول: اللبكة والاحمر، فجاوز تشبيه السين بهذه اللام، وأيضا فإنهم يتوهمون الحركة في الساكن والسكون في المتحرك، كقول عبد القيس: اسل، فيدخلون ألف الوصل على متحرك توهما لسكونه" (١). أما الزَّجّاجُ فيرد هذه القراءة قائلا: "مَن قرأَ هذه القراءَةَ فهو لاحِنٌ مُخطِئٌ زعَمَ ذلكَ الخليلُ، ويونُسُ، وسيبويهِ وجَميعُ مَن يَقولُ بقولِهِم، وحُجَّتُهُم في ذلكَ أَنَّ السِّينَ ساكِنَةٌ وإذا أُدغِمَتِ التَاءُ في الطّاءِ صارَت طاءً ساكِنَةً، ولا يُجمَعُ بينَ ساكِنَينِ (٢). ويؤيد الفارسي الزجاج قائلا:"إنما هو على إدغام التاء في الطاء، ولم يلق حركتها على السين فيحرك ما لا يتحرك، ولكن أدغم، مع أن الساكن الذي قبل المدغم ليس حرف مد " (٣). ولكن ابن الجزري يقول: "والجَمعُ بينَهما في مثلِ ذلكَ جائزٌ مَسموعٌ. قال الحافظُ أَبو عَمروٍ: ومِمّا يُقَوِّي ذلكَ ويَسَوِّغُه أَنَّ السَّاكِنَ الثاني لمّا كان اللسان

стр. 74

عندَهُ يَرتفِعُ عنه وعن المُدْغَمِ ارتِفاعَةً واحِدَةً، صار بمنزلَةِ حَرْفٍ مُتَحرِّكٍ، فكأنَّ السّاكِنَ الأَوَّلَ قد وَلِيَ مُتَحَرِّكاً فلا يَجوزُ إنكارُه) (١). ويؤيده الدمياطي فيقول: "وطَعْنُ الزَّجَّاجِ، وأَبي عليٍّ في هذه القراءة من حيثُ الجمعُ بين السَّاكِنينِ مَردودٌ بأَنَّها مُتواتِرَةٌ والجَمْعُ بينَهُما في مثلِ ذلكَ سائغٌ جائزٌ مَسموعٌ في مثلِه" (٢). وأما الذين لا يرون الجمع بين الساكنين فيتأولونها بـ" الرَّومِ "، وقد بسط الزبيدي هذه الرؤية متمثلة في قوله الذي أنكر فيه على القراء الذين جمعوا بين الساكنين، ورأى أن شواهدهم التي جاءت في الشعر محمولة على "الرَّوْمُ" أو "الاخْتِلاس"، بحيث يظن السامع أن المتحدث قد جمع بين الساكنين؛ لعدم ظهور الحركة؛ لذهاب الناطق بها مذهب "الرَّوْم" أو "الإِشْمَام" فقال: "قال الجوهري (٣): و" الرَّوْمُ" الذي ذكره سيبويه: حَرَكَةٌ مُخْتَلَسَةٌ مُخَْفاةٌ بِضَرْبٍ مِنَ التَّخْفِيفِ، وهي أكثر من "الإشمام"؛ لأنها تُسْمَعُ وهي بِزِنَةِ الحركة وإن كانت مُخْتَلَسَةً مثل همزة بَيْنَ بَيْنَ كما قال (٤): أَأَنْ زُمَّ أَجْمَالٌ وَفَارَقَ جِيرَةٌ وَصَاحَ غُرَابُ الْبَيْنِ أَنْتَ حَزِينُ قوله: " أأن زم" تقطيعه: فَعُولُن، ولا يجوز تسكين العين، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٥) فيمن أخفى، إنما هو بحركة مختلسة، ولا يجوز أن تكون الراء الأولى ساكنة؛ لأن الهاء قبلها ساكن، فيؤدي إلى الجمع بين الساكنين في الوصل من غير أن يكون قبلها حرف لين، قال: وهذا غير موجود في شيء

стр. 75

من لغات العرب، قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (١) و ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ (٢) و ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (٣) وأشباه ذلك قال: ولا يُعْتَبَرُ بقول القراء: إِنَّ هذا ونحوه مُدْغَمٌ؛ لأنهم لا يحصلون هذا الباب، ومن جمع بين ساكنين في موضع لا يصح فيه "اختلاس" الحركة فهو مخطئ كقراءة حمزة في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ (٤)؛ لأن سين الاستفعال لا يجوز تحريكها بوجه من الوجوه ". [التاج: روم]. وفي حديث الزبيدي السابق تعرض لثلاثة مصطلحات صوتية هي: (١) الاختلاس. (٢) الروم. (٣) الإشمام. • أما "الاخْتِلاسُ" فهو الإسراع بالحركة حال النطق بها فيختطفها اختطافا، فلا يحقق النطق بها كاملا، وعكسه "الإِشْبَاعُ"، وقد تناول سيبويه هاذين المصطلحين في أحد أبواب كتابه وعنون له بـ "هذا باب الإشباع في الجر والرفع وغير الإشباع والحركة كما هي "ثم قال ما نصه: "فأما الذين يشبعون فيمططون، وعلامتها واو وياء، وهذا تحكمه لك المشافهة وذلك كقولك: يضربها، ومن مأمنك. وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا" (٥). وعنه أن أبا عمرو كان يختلس الحركة في ﴿بَارِئكُم﴾ (٦) و ﴿يَأْمُركُم﴾ (٧) وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه الحركات، فيرى من سمعه أنه قد أسكن ولم يسكن (٨). • وأما "الرَّوْمُ" فهو "أن" تأتي بالحركة مع إضعاف صوتها، أي إخفائها؛ لأنك تروم الحركة مختلسا لها، ولا تتمها " (٩)، وقال السيوطي: "هو ضعف

стр. 76

الصوت بالحركة من غير سكون فتكون حالة متوسطة بين الحركة والسكون وتكون في الحركات كلها" (١). يقول الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين: "ومعنى ذلك أن "الرَّوْمُ" يأتي بمعنى الاختلاس عند النحاة، ولكنهم وصفوه بضعف الصوت أو خفائه ومعنى ذلك أن الحركة في "الرَّوْمُ" و"الاخْتِلاسِ" تكون أقصر زمنا، كما تفقد عنصر الجهر بسبب إضعاف الصوت بها، مثلما يحدث في حالة "الإسرار" أو "الوشوشة"، ويبقى لها وضع اللسان وشكل الشفتين، واندفاع الهواء في مجرى الصوت مع قصر نسبي في المُدَّةِ التي يستغرقها النطق بها" (٢). • وأما "الإشمام": فهو تصوير الضمة باستدارة الشفتين، قال سيبويه: "وإشمامك في الرفع للرؤية، وليس بصوت الأذن، ألا ترى أنك لو قلت: هذا مَعْنْ، فأشممت كانت عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشمم" (٣). ويقول السيوطي: "وهو الإشارة إلى الحركة دون صوت فهو لا يدرك إلا بالرؤية وليس للسمع فيه حظ ولذلك لا يدركه الأعمى ويدركه بالتعلم بأن يضم شفتيه إذا وقف على الحرف" (٤). ومعنى هذا أن "الإشمام" خاص بالضمة دون الفتحة والكسرة؛ لأن الشفتين لا تستطيعان تصويرهما. وأما "الاختلاس" و"الروم" فيكونان في الحركات الثلاث. وإذا كان النحاة قد شرحوا هذه المصطلحات فإن القراء لم يغفلوها؛ لأنها من مظاهر ضبط النطق في قراءة القرآن الكريم. فابن الجزري يقول:" اعلم أنه ورد النص عن أبي عمرو من رواية أصحاب اليزيدي عنه وعن شجاع: أنه كان إذا أدغم الحرف الأول في مثله أو مقاربه، وسواء أَسَكَنَ ما قبل الأول أو تَحَرَّكَ، إذا كان مرفوعا أو مجرورا أشار إلى حركته " (٥). ثم حكى خلاف الأئمة في تفسير هذه الإشارة، ففريق يذهب إلى أنها "الرَّوْمُ"، وآخر إلى أنها "الإشْمَامُ"، ثم قال: "وهذا هو الأصل المقروء به والمأخوذ عن عامة أهل الأداء من كل ما

стр. 77

نعلمه من الأمصار وأهل التحقيق من أئمة الأداء" (١) ويستطرد ابن الجزري في ذكر جمهور الأئمة والطرق التي جاءت برواية الإسكان الخالص إلى أن قال:" فهو الذي وصل إلينا أداء، لا نعلم بين أحد ممن أخذنا عنه من أهل الأداء خلافا في جواز ذلك" (٢). وقد أضاف القراء المتأخرون تفصيلا في المسألة حيث فرقوا بين "الروم" و"الاختلاس" وهما أمر واحد عند النحاة كما مر، فقالوا: "إن "الروم" لا يكون في فتح ولا نصب، ويكون في الوقف فقط، والثابت فيه من الحركة أقل من الذاهب، وأما "الاختلاس" فيكون في كل الحركات، كما في " أَرِنَا" (٣) و" أَمَّنْ لَا يَهِدِّي" (٤) و"يَأْمُركُم" (٥)، ولا يختص بالوقف، والثابت فيه من الحركة أكثر من الذاهب، وقدره الأهوازي بثلثي الحركة، ولا يضبطه إلا المشافهة " (٦). وعلى هذا لا يصح تفسير "الروم" بـ"الاختلاس" إذ هما مختلفان من كل وجه، ويصبح ترتيب المصطلحات الثلاثة في هذا الباب على أساس أن "الإشمام" في المرفوع فقط، وأن "الروم" في المرفوع والمجرور، وأن "الاختلاس" في المرفوع والمجرور والمنصوب. ونخلص مما سبق إلى أنه: ١ - كان للصائت القصير أثره في تعدد اللغات التي شكلت ظاهرة لا يمكن إنكارها في المعجم العربي، وقد جاءت القراءة شاهدا على ذلك في نحو: (بَهَُِتَ) مثلثة الهاء. وفي نحو: هِيتَ، وهِيتُ، وهِيتِ، وهَيْتَ، وهِئْتُ. وهذا كله من قبيل تعدد طرائق النطق، وتوحد المعنى. ومن حسنات ذلك التوسعة على ناطق العربية، وتضييق مساحة الخطأ. ٢ - ولكن هذا التعدد في النطق قد يصحبه أحيانا تغير في المعنى، كما في (بَهُتَ) مضمومة الهاء، فإنها تؤدي معنى المبالغة. وكما في (ضَحَِكَتْ) بفتح

стр. 78

وكسر الحاء، قيل المعنى واحد، وهو الضحك المعروف، وقيل بالفتح الحيض وقيل هو مشترك لفظي للمعنيين بكلا الضبطين. ٣ - إن مجيء (حرص) من بابي: سَمِعَ، وضَرَبَ. ومكث من بابي: نَصَرَ، وكَرُمَ. وحبط من بابي: سَمِعَ، وضَرَبَ. وهلك من أبواب: ضَرَبَ، ومَنَعَ، وعَلِمَ. وقنط من أبواب: نَصَرَ، وضَرَبَ، وحَسِبَ، وكَرُمَ. إن مجيء هذه الأفعال وغيرها من أكثر من باب لفيه إثراء للغة، وتيسير على متعلميها ومستخدميها، خاصة وأن ضبط هذا الباب يصعب على المتخصصين فضلا عن غيرهم. ٤ - كما انتبه واضعو المعاجم إلى ملحظ مهم وهو مجيء لغة مركبة من لغتين، كما حدث في (قَنَطَ يَقْنَطُ) بالفتح في ماضيه ومضارعه، حيث قيل بأنها مركبة من: قَنَطَ (بالفتح) يَقْنِطُ (بالكسر)، وقَنِطَ (بالكسر) يَقْنَطُ (بالفتح). ٥ - إن مجيء الفعل المضارع مكسور العين في بعض القراءات، نحو: (تِرْكَنُوا، وتِمَسَّكُمُ، إِضَلُّ، وتِئْمَنَّا، ويِيأَسُ) وغيرها، فسر لنا كسر المضارع في العامية المصرية، فإنه يقال: يِضْرَب يِشْرَب، يِسَايِر، يِعَامِل يِحَارِب، يِسْمَع، يِكْتِب ... فهذا يدل على أن هذه الظاهرة لم تأت من فراغ وإنما استمدته من لهجة عربية أصيلة. وفي ذلك تضييق للهوة التي بين اللغتين. ٦ - هناك بعض اللغات لم ترد إلا عن طريق القراءات فقط، ولولا القراءة لم تحفظ هذه اللغات، ومن أمثلة ذلك (حَبِطَ) بكسر الباء، و (ضَحَكَ) بفتح الحاء. ٧ - اللغة دائما تميل إلى السهولة في النطق وتوفير الجهد، وقد بدا ذلك واضحا في جنوحها إلى المماثلة في الصوائت القصيرة. وقد تبيّن للدارس - من خلال هذا الفصل - أن الانسجام الصوتي لغة ثانية عرفتها القبائل العربية واستعملتها بهدف التخفيف، ولم تستأثر به قبيلة دون أخرى. وهذا يؤكد أن القرآن لم ينزل بلهجة قريش الخاصة، وإنما بلغة أدبية راقية، احتضنتها

стр. 79

قريش بعد اكتسابها بعض سماتها من القبائل الأخرى، من هذه السمات الانسجام الصوتي. ٨ - تَبَيَّنَ من خلال هذا الفصل أن اللغة تميل إلى قاعدة عامة تنظم عن طريقها حركة عين الفعل في ماضيه ومضارعه وهي المغايرة، بمعنى إذا كان الماضي مفتوح العين فإن عين مضارعه تأتي مكسورة والعكس صحيح، إلا إذا كان الفعل عينه أو لامه من أحرف الحلق، فالقاعدة هنا المماثلة، وشذ عن هذه القاعدة الخاصة أفعال سبق ذكرها حيث خضعت للقاعدة العامة وهي المغايرة. وأن قاعدة المغايرة هذه تسير في اتجاه مضاد للمماثلة طلبا للحفاظ على الملامح الفارقة، والمميزة للمعاني. إن تأصيل هذه القاعدة وتعميمها لفيه تيسير على أبناء اللغة الذين يعانون من الخلط فيها على مستوى مثقفيها فضلا عن غير المتخصصين. ٩ - وإذا كانت العربية تَجِدُّ في التخلص من مظاهر الصعوبة في النطق، فإننا نجد قراءة سبعية تأتي بالجمع بين الساكنين في أكثر من موضع من القرآن الكريم، وهو مذهب عسير عند البعض، ومستحيل عند البعض الآخر، وفي ذلك إشارة إلى عدم صرامة قوانين اللغة، وأنها تسمح بورود القليل النادر الذي يمثل استثناء القاعدة.

стр. 80

الفصل الثاني القراءات والصوامت - المبحث الأول: التماثل الصوتى التام (الإدغام) - المبحث الثانى: التماثل الصوتى الناقص (الإبدال) - المبحث الثالث: الهمز بين التحقيق والتخفيف - المبحث الرابع: هاء السكت

стр. 81

الفصل الثاني القراءات والصوامت تناول هذا الفصل ما حدث للقراءات القرآنية من تغيير في بعض أصواتها في إطار أربعة مباحث، تناولت في المبحث الأول: التماثل الصوتي التام، وهو ما عرف عند القدامى بالإدغام، وتناولت في المبحث الثاني: التماثل الصوتي الناقص، وهو ما درسه القدامى تحت مسمى الإبدال، وتناولت في المبحث الثالث: الهمز في القراءات القرآنية وتراوحه بين التحقيق والتخفيف، أو بين بين، أما المبحث الرابع والأخير فقد خصصته لهَاء السَّكْتِ وتفسير اللغويين لها قديما وحديثا.

стр. 82

المبحث الأول التماثل الصوتي التام (الإدغام) Assimilation الإدغام عند اللغويين: "إدخال حرف في حرف" (١). وعند النحويين: "أن تصل حرفاً ساكناً بحرف مثله متحرك من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف فيصيران لِشِدَّةِ اتصالهما كحرف واحد يرتفع اللسان عنهما رَفْعَةً واحدةً شديدةً فيصير الحرف الأول كالمستهلك على حقيقة التداخل والإدغام " (٢). وهو عند ابن جني نوعان: أكبر، وأصغر. فأما الأكبر فهو ما كان الأول من الحرفين متحركاً أو ساكناً. وأما الأصغر فهو " تقريب الحرف من الحرف، وإدناؤه منه من غير إدغام يكون هناك " (٣)، وجعل منه الإمالة، وكل ما يؤدي إلى تقريب الأصوات. ويذكر ابن جني الدافع للإدغام فيقول: "والمعنى الجامع لهذا كله تقريب الصوت من الصوت، ألا ترى أنك في " قَطَّعَ " ونحوه قد أخفيت السَّاكنَ الأولَّ في الثاني حتى نَبَا اللسان عنهما نَبْوَةً واحدةً وزالتِ الوقفةُ التي تكون في الأولِّ لو أَدْغَمْتَهُ في الآخر، أَلا ترى أَنَّكَ لو تكلفتَ ترك إدغام الطاء الأولى لَتَجَشَّمْتَ لها وقفةً عليها تمتاز من شدة ممازجتها للثانية بها كقولك: قَطْطَعَ، سَكْكَرَ، وهذا إنما تحكمه المشافهة به، فإن أنت أزلت تلك الوقيفة والفترة على الأول خلطته بالثاني فكان قربه منه، وإدغامه فيه أشد لجذبه إليه، وإلحاقه به" (٤). وعند القراء: "اللَّفْظُ بحرفين حرفاً كالثاني مشدداً" (٥)، وتعريف القراء يشتمل على عمليات: الحذف، والقلب، والإدغام، فاللفظ بحرفين كالثاني يقتضي ضرورة حذف الحركة عند وجودها، ثم قلب الأول من مثل الثاني، وإلا فلن يكون الصوت مشدداً.

стр. 83

والإدغام عندهم نوعان: كبير، وصغير. أما الكبير فهو ما كان الأول من الحرفين فيه متحركاً. وأما الصغير فهو ما كان الحرف الأول فيه ساكناً (١). ويذكر القراء للإدغام سبباً، وشرطاً، ومانعاً. أما السبب فينحصر في: ١ - تماثل الحرفين: أي اتحادهما في المخرج والصفة، مثل (التاءين) و (الراءين). ٢ - أو تجانسهما: أي اتفاقهما في المخرج واختلافهما في الصفة، مثل: (التاء والطاء). ٣ - أو تقاربهما: في المخرج أو الصفة أو فيهما معاً، مثل (الدال والسين) أو (الذال والشين). وأما الشرط فَأَلَّا يَفْصِل بين المُدْغَمَيْنِ ما يجعل النطق بهما من موضع واحد متعذراً، كالفصل بينهما بصائت طويل نحو: ﴿أَنَا النَّذِيرُ﴾ (٢). كما اشترطوا أن يكون المدغم فيه أكثر من حرف إن كان الإدغام في كلمة واحدة، نحو: ﴿خَلَقَكُم﴾ (٣)، وأما ﴿خَلَقَكَ﴾ (٤) فلا إدغام فيه؛ لأن المدغم فيه حرف واحد (٥). وأما موانع الإدغام المتفق عليها بين القراء، فهي ثلاثة: ١) كون الحرف الأول تاء ضمير للمتكلم، أو المخاطب، نحو:" كُنْتُ تُرَابَاً" (٦) و ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ﴾ (٧). ٢) كون الحرف الأول مشدداً، نحو: "رَبَّ بِمَا" (٨) و ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ (٩) ذلك لما يظهر من أن الحرف المشدد يُنْطَقُ صَوْتَيْنِ من موضعٍ واحدٍ، فكيف إذا أُضِيفَ لهما ثالثٌ بالإدغام ... ؟.

стр. 84

٣) كون الحرف الأول منوناً، نحو: ﴿سَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (١). وأما المُخْتَلَفُ فيه: فالْجَزْمُ، قيل: وقلة الحروف، وتوالي الإعلال، ومصيره إلى حرف مَدٍّ. واختص بعض المتقاربين بخفة الفتحة، أو بسكون ما قبله، أو بهما كليهما أو بفقد المجاور، أو عدم التكرار (٢). وقد عولجت ظاهرة الإدغام في الدرس الصوتي الحديث في ضوء مصطلح Assimilation والذي يعني (المماثلة) وهي:" ضَرْبٌ من التأثير الذي يقع في الأصوات المتجاورة إذا كانت متماثلة، أو متجانسة، أو متقاربة. ومما يجب إيضاحه أن هناك وجه اتفاق ووجه اختلاف بين الإدغام والمماثلة الصوتية، فالقدماء لما تناولوا المماثلة بإيضاح أشكالها دون أن ينصوا على مسماه الحديث كانوا يدورون في فلك التعريف بمصطلح (الإدغام) مثلما رأينا عند ابن جني، وابن يعيش. ويرى الأستاذ الدكتور: أحمد مختار عمر أن "المماثلة تعني إزالة الحدود بين الصوتين المدغمين وصهرهما معاً" (٣). فالصلة قوية بين المماثلة والإدغام لاجتماعهما في حالة التماثل الكلي أو التام. غير أنه يجب القول بأن الإدغام أحد أشكال المماثلة، بل إنه أقيس أشكالها في العربية. ويوضح (برجشتراسر) علاقة المماثلة الصوتية بالإدغام بقوله: "إن حروف الكلمة مع توالي الأزمان كثيراً ما تتقارب بعضها من بعض في النطق وتتشابه، وهذا التشابه نظير لما سماه قدماء العرب إدغاماً، غير أن التشابه والإدغام وإن اشتركا في بعض المعاني اختلفا في بعضها، وذلك أن معنى الإدغام: اتحاد الحرفين في حرف واحد مشدد، تماثلا أو اختلفا، نحو: "آمنا" و"ادعى". أما "آمنا" فالنون المشددة نشأت عن نونين، أولاهما لام الفعل، والثانية الضمير، فاتحادهما إدغام وليس بتشابه، وأما "ادعى" فأصل الدال المشددة: دال وتاء، الدال فاء الفعل، والتاء تاء الافتعال، قلبت دالا فهذا إدغام وهو تشابه أيضا. والتشابه في هذا المثال كلي إذ تطابق الحرفان تماما. وأما إذا تشابه الحرفان، ولم يتطابقا،

стр. 85

كان التشابه جزئيا نحو: "اضطجع" و"ازدجر" الطاء والدال أصلهما تاء، وقلبت طاء لتشابه الضاد ودالا لتشابه الزاي. فهذا تشابه، وليس بإدغام؛ إذ الحرفان لم يتحدا إلى حرف واحد مشدد " (١). والشرط الأساسي للتأثر بين أي صوتين أن يكون الصوت متبوعاً بحركة غير قابلة للسقوط والإهمال، إما لكون هذه الحركة طويلة، وإما لكونها سبقت بحركة سقطت من قبل إسقاط الأخرى لأنها تزداد تشبثاً بموقعها، وتمنح الصوت قبلها قوة دلالية في موقعها وتمارس تأثيراً ما على الصوت السابق عليها. ويُقَسِّمُ الْمُحْدَثُونَ تَأَثُّرَ الأصواتِ إلى أنواع (٢): ١) تَأَثُّرٍ رَجْعِيٍّ: Regressive وفيه يتأثر الصوت الأول بالثاني. ٢) وتَأَثُّرٍ تَقَدُّمِيٍّ: Progressive وفيه يتأثر الصوت الثاني بالأول (٣). ٣) وتَأَثُّرٍ مُتَبَادَل: Coalescent وفيه يؤثر كل من الصوتين في الآخر. لعل هذا التقديم يتناسب ومدى تفشي ظاهرة الإدغام في القراءة القرآنية، حيث يقرر الأستاذ الدكتور عبده الراجحي "أن القراءة بالإدغام، كانت مشهورة وفاشية بين القراء حتى لا نكاد نجد واحداً، إلا وقد شارك فيه بقدر قليل. ومعنى ذلك أن الإدغام لم يكن يقل شيوعاً في اللغة العربية عن الإظهار إن لم يزد عليه، حتى إن أبا عمرو بن العلاء يقول: الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره. أما عن لهجات القبائل في الإدغام فتتفق كتبهم على أن الإظهار لهجة الحجازيين، وأن الإدغام لهجة تميم، وهي القاعدة الكبيرة التي كانت تُتَّخَذُ مثلاً لقبائل وسط شبه الجزيرة وشرقيها" (٤). ويواصل كلامه فيقول:"فنحن نستطيع إذن أن ننسب الإدغام إلى تلك القبائل التي كانت تسكن وسط شبه الجزيرة وشرقيها، ومعظمها قبائل بادية تميل إلى

стр. 86

التخفف والسرعة في الكلام. كما نستطيع أن ننسب الإظهار إلى بيئة الحجاز المتحضرة، وهي تميل إلى التأني في الأداء بحيث تظهر كل صوت فيه" (١). وأما على صعيد معجم التاج فقد تناول الزبيدي الإدغام فذكر تعريفه (٢) وحَدَّدَ بيئته (٣)، وذكر علله وأسبابه ولم يبتعد فيما ذكر عما تقدم (٤). وتَوَقَّفَ عند الكثير من القراءات التي حدثت فيها هذه الظاهرة، موضحاً ما حدث في الكلمة من إدغام، أو إبدال، أو نَقْلٍ ... ولا ريب في أنه قد أفاد معجمه من هذه القراءات. وسوف يتضح ذلك عند عرض طائفة من مفردات هذه الظاهرة فيما يلي. تميل اللغة العربية إلى الإدغام حين يتوالى صوتان متماثلان سواء في كلمة واحدة أو كلمتين، إذا كان الصوت الأول مُشَكَّلا بالسكون، والثاني محركا، وذلك لتحقيق حد أدنى من الجهد عن طريق تجنب الحركات النطقية التي يمكن الاستغناء عنها. وهناك حالتان أخريان يقع فيهما الإدغام أحيانا، هما: ١) تتابع صوتين متماثلين في كلمتين اثنتين حين يكون الصوت الأول محركا. ٢) تتابع صوتين مختلفين – لكن متقاربين – سواء في كلمة واحدة أو في كلمتين. ولكي يتم الإدغام (المماثلة الكاملة) في هاتين الحالتين لابد من اتخاذ الخطوات الآتية: (أ) تحقيق المماثلة بين الصوتين المراد إدغامهما إن لم يكونا متماثلين فعلا. (ب) تسكين الصوت الأول إن لم يكن كذلك. (ج) سبق الصوتين المدغمين، وإتباعهما بحركة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة. فإذا تم هذا يمكن إدغام الصوتين أو تداخلهما، والنطق بهما دفعة واحدة. وعلى هذا فإن الإدغام يمكن أن يفهم على أنه إذالة الحدود بين الصوتين

стр. 87

المدغمين، وصهرهما معا، أو على أنه إحلال صوت ساكن طويل محل الصوتين الساكنين القصيرين (١). وتحدث دواعي الإدغام بكثرة على مستوى المفردة الواحدة في بعض الصيغ العربية نحو: اِفْتَعَلَ، وتَفَعَّلَ، وتَفَاعَلَ، وأكثر ما يقع في (اِفْتَعَلَ)، حيث تدغم تاء الافتعال في فاء الفعل فيكون التماثل تقدميا، أو تدغم في عين الفعل فيكون التماثل تراجعيا. والإدغام هو عبارة عن فناء أحد الصوتين في الآخر فناء تاما بحيث يصيران صوتا يرتفع عنه اللسان ارتفاعة واحدة، ولكي يحدث هذا الانصهار كان لابد من أن ينقلب الصوت الضعيف إلى صوت مجانس للصوت القوي، وهذه خطوة افتراضية متصورة، وإن لم يدركها المتحدث باللغة. وأما القراءات التي وردت في التاج وتحققت فيها ظاهرة المماثلة التامة (الإدغام) فهى: • (فَاطَّلَعَ) (٢): من قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ ِفي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (٣). [التاج: طلع] طَلَعَ – افْتَعَلَ – اطْتَلَعَ – (اطْطَلَعَ) = اطَّلَعَ. قلبت تاء الافتعال طاء ثم أدغمت في الطاء الأولى التي هي فاء الفعل، وهذا يعني أن الإدغام في هذا الموضع تقدمي؛ لأن فاء الفعل مَثَّلَتْ الصوت الأقوى، فالطاء صوت مفخم، والتاء صوت مرقق، ولا شك في أن المفخم أقوى من المرقق؛ لذلك قلبت التاء إلى طاء لتجانس الفاء (الطاء الأولى) وهي الصوت الأقوى. ويعلل الشيخ خالد الأزهري سبب التماثل فيما يحدث في صيغة الافتعال بقوله: "إنما أبدلت تاء الافتعال إثر المطبق لاستثقال اجتماع التاء مع الحرف المطبق لما بينهما من اتفاق المخرج وتباين الصفة، إذ التاء من حروف الهمس،

стр. 88

والمطبق من حروف الاستعلاء فأبدلت من التاء حرف استعلاء من مخرج المطبق، واختيرت الطاء لكونها من مخرج التاء" (١). ويرى كريم حسام الدين أن " التاء تشترك مع هذه الفونيمات في الخصائص النطقية كالهمس واللثوية (ما عدا الضاد فهي مجهورة) ولكنها تختلف معها في شيء أساسي وهو الإطباق وعدم الإطباق، وقد اكتسبت التاء هذه الخاصية بالمماثلة أي بالمماثلة في الصفات؛ لأن تقريب الحرف من الحرف أدى إلى المماثلة في الصفات" (٢). وهذا التأويل لقلب تاء الافتعال طاء هو ما تعاوره أهل اللغة في تفسير ما حدث من تغير صوتي أو مماثلة في: "اصْطَفَى"، وَ"اصْطَبِرْ"، و" فَاطَّلَعَ" من الآيات السابقة. والكثير من الآيات على هذا النهج. فقد رأوا في هذا التغيير فراراً من الثقل ونزوعاً إلى التخفيف بتحقيق الانسجام الصوتي في الصيغة الجديدة من صيغة الافتعال. • (تَدَّخِرُونَ) (٣): من قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (٤). [التاج: ذخر]. • (مُدَّكِرٍ): من قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ (٥). [التاج: دكر]. تناول الزبيدي الإدغام في الحرفين السابقين فَبَيَّنَ أن أصلهما: ذَخَرَ وذَكَرَ وأنهما مرا بمراحل افتراضية حتى وصلا إلى شكلهما الحالي كما يلي: • يَذْخَرُ – يَفْتَعِلُ – يَذْتَخِرُ – (يَذْدَخِرُ - يَدْدَخِرُ) = يَدَّخَرَ. • يَذْكُرُ – يَفْتَعِلُ – يَذْتَكِرُ – (يَذْدَكِرُ - يَدْدَكِرُ) = يَدَّكِرُ - مُدَّكِر. ومعنى ذلك أن الفعل (يذخر) عندما جاء على زنة (يَفْتَعِلُ) صار (تَذْتَخِرون) فالتقت تاء الافتعال مع الذال (فاء الفعل)، قال أبو البقاء: "إلاَّ أنَّ

стр. 89

الذالَ مهجورةٌ والتاءَ مهموسةٌ فلم يجتمعا، فأُبدلت التاءُ دالاً؛ لأنها من مَخْرَجها لتقربَ من الذالِ ثم أُبدلت الذالُ – دالا - وأُدْغِمَتْ " (١). والداعي إلى قلب التاء دالا صعبوبة الانتقال من نطق (الذال) المجهورة إلى نطق (التاء) المهموسة، فقلبت التاء إلى أقرب نظير مجهور وهو الدال، فصارت الكلمة (يَذْدَخِرُ)، وكان هذا التقارب داعيا إلى قلب آخر؛ ليحدث التماثل التام المسوغ لوقوع الإدغام، وهو إما أن تنقلب الذال إلى دال فتصير الكلمة (يَدْدَخِرُ) ثم يحدث الإدغام فتصير الكلمة (يَدَّخِرُ)، وهذا هو التماثل الرجعي. وإما أن تنقلب الدال ذالا وتدغم فتصير الكلمة (يَذَّخِرُ)، وهذا هو التماثل التقدمي. وقد وردت اللغتان عن العرب وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ (٢) فِي بُيُوتِكُمْ". ومنه حَدِيث الضَّحِيَّة: " كُلُوا واذَّخِرُوا" (٣). وما قيل في (تَدَّخِرُونَ) يقال في (مُدَّكِرٍ) من قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾. قال الفَرَّاءَ: "حَدَّثَني الكِسَائيّ عن إِسْرَائِيلَ، عن أَبِي إِسحَاقَ، عن أَبِي الأَسْوَدِ قال: قلْت لعَبْدِ الله: "فهَلْ مِن مُذَّكِر" أو "مُدَّكِر"، فقال: أَقرَأَنِي رسُولُ الله ﷺ : "مُدَّكِر"، بالدال. ومُدَّكِر في الأَصْل مُذْتَكِر على مُفْتَعِل فصُيِّرت الذَّالُ وتَاءُ الافْتِعَالِ دَالاً مُشَدَّدَةً، قال: وبعَضُ بني أَسد يقول: مُذَّكِر فيقلبون الدالَ فتَصِير ذَالاً مُشدَّدَةً " (٤). وقال مكي بن أبي طالب: "الذال حرف مجهور قوي، والتاء مهموسة ضعيفة فأبدلوا من التاء حرفا من مخرجها، مما يوافق الذال في الجهر، وهو الدال ثم أدغمت الذال في الدال. ويجوز "مُذَّكِر" بالذال على إدغام الثاني في الأول وبذلك قرأ قتادة" (٥). وعلى ما سبق يُفَسَّرُ

стр. 90

• (الْمُعَذِّرُونَ) (١): من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ (٢). [التاج: عذر] • يَعْذِرُون – يَفْتَعِلُ – يَعْتَذِرُون – مُعْتَذِرون – (مُعْدذِرُون - مُعْذذِرُون) = مُعَذِّرون. قال الزبيدي:"المُعَذِّرُونَ أَصلُه المُعْتَذِرُون، فأُلْقِيَتْ فتحةُ التاءِ على العَيْنِ وأُبدِلَ منها ذالٌ، وأُدْغِمَتْ في الذّال التي بعدها" (٣). ومما وقع فيه الإدغام بين التاء والدال: • (يَهِدِّي) (٤): من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٥). [التاج: هدي] • (مُرَدِّفِينَ) (٦): من قوله تعالى: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٧). [التاج: ردف] هاتان الكلمتان (يَهِدِّي ومُرَدِّفِينَ) تعودان في أصلهما إلى صيغة (افتعل)، وتمر الصيغة بعدة مراحل حتى تصل إلى الشكل النهائي المدغم كما يلي: • يَهْدِي – يَفْتَعِلُ – يَهْتَدِي – (يَهْدَدِي) = يَهِدِّى. • أرْدَفَ – يَفْتَعِلُ – يَرْتَدِفُونَ – مُرْتَدِفُونَ - (مُرَدْدِفُونَ) = مُرَدِّفُونَ. فتاء الافتعال صوت مهموس ضعيف، والدال صوت مجهور قوي، ولكي يحدث الإدغام كان لابد من أن تنقلب التاء دالا في الكلمتين. وحتى لا يلتقي ساكنان، يحرك الصوت السابق على الإدغام، إما بحركة التاء الذاهبة، أو بالكسر

стр. 91

مطلقا. قال الزبيدي: قال الخليلُ: "سَمِعْتُ رجلاً بمكَّةَ يَزْعُم أَنَّهُ مِن القُرَّاءِ، وهو يَقْرَأُ: "مُرُدِّفِينَ" (١) بضَمِّ المِيمِ والرَّاءِ وكَسْرِ الدَّالِ وتَشْدِيدِها. وعنه في هذا الوَجْهِ كَسْرُ الرَّاءِ: "مُرِدِّفِينَ" (٢)، فالأُولَى أَصْلُهَا: مُرْتَدِفِينَ لكنْ بعدَ الإِدْغَامِ حُرِّكتِ الرَّاءُ بحَرَكةِ المِيمِ، وفي الثَّانِيَةِ حَرَّكَ الرَّاءَ السَّاكِنَةَ بالكَسْرِ. وعنه في هذا الوجْهِ وعن غيرِه بفَتْحِ الرَّاءِ، "مُرَدِّفِينَ" (٣) كأَنَّ حَرَكَةَ التَّاءِ أُلْقِيَتْ عليها. وعن الجَحْدَرِىِّ بسُكُونِ الراءِ وتَشْدِيدِ الدَّالِ جَمْعاً بيْن السَّاكنَيْن: "مُرْدِّفِينَ". [التاج: ردف]. • (يَخِصِّمُونَ) (٤): من قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَِخِصِّمُونَ﴾ (٥). [التاج: خصم] • (يَخِصِّفَانِ) (٦): من قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٧). [التاج: خصف] • يَخْصِمُون – يَفْتَعِلُ – يَخْتَصِمُونَ – (يَخْصَصِمُونَ) = يَخِصِّمُونَ. • يَخْصِفُ – يَفْتَعِلُ – يَخْتَصِفُ – (يَخْصَصِفُ) = يَخِصِّفُ. هاتان القراءتان: (يَخِصِّمُونَ، يَخِصِّفَانِ) على إدغام عين الفعل (الصاد) في تاء الافتعال؛ حيث إن الأصل: خصم وخصف، فلما أن جاءتا على زنة (افتعل) التقت الصاد بتاء الافتعال، والصاد صوت مفخم قوي، والتاء حرف مرقق ضعيف؛ لذلك قلبت التاء صادا لتماثل عين الفعل، ثم أدغمت فيه (٨). قال الزبيدي: "وأما مَنْ قَرَأ قَولَه تَعالَى: ﴿وهم يخصمون﴾ بفتح الخَاءِ، فإنه أراد يَخْتَصِمُون، فَقَلَب التِّاء صادًا فَأَدغَم ونَقَل حرَكَتُه إلى الخاء. ومنهم مَنْ لا يَنْقُل وَيَكْسِر الخَاءَ لاجْتِماع السَّاكِنَيْن؛ لأَنّ السّاكِنَ إذا حُرِّك حُرِّكَ بالكَسْر".

стр. 92

وقال السمين: "أبو عمرٍو وقالون بإخفاءِ فتحةِ الخاء وتشديدِ الصاد. ونافعٌ وابن كثير وهشام كذلك، إلاَّ أنَّهم بإخلاصِ فتحةِ الخاءِ. والباقون بكسرِ الخاء وتشديدِ الصادِ. والأصلُ في القراءاتِ الثلاثِ: يَخْتَصِمون فأُدْغِمت التاءُ في الصاد، فنافعٌ وابن كثير وهشام نَقَلوا فتحَها إلى الساكنِ قبلَها نَقْلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتَها تنبيهاً على أنَّ الخاءَ أصلُها السكونُ، والباقون حَذَفُوا حركتَها فالتقى ساكنان لذلك، فكسروا أوَّلَهما، فهذه أربعُ قراءاتٍ، قُرِئ بها في المشهور" (١). ويضم إلى هذا القسم من المماثلة ما يحدث من تغير في مضارع صيغتي (تَفَعَّلَ) و (تَفَاعَلَ) وذلك إذا كانت فاء الفعل صوتاً صفيرياً أو أسنانياً. يقول الأستاذ الدكتور: رمضان عبد التواب: "تتأثر التاء بعد تسكينها للتخفيف بفاء الفعل" (٢). ومن ذلك: • (اثَّاقَلْتُمْ) (٣): من قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ (٤). [التاج: ثقل] • (فَادَّارَأْتُم) (٥): من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُم فِيهَا﴾ (٦). [التاج: درأ]. • (يَذَّكَّرُ) (٧): من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ (٨). [التاج: ذكر] • (تَزَّاوَرُ) (٩): من قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِم﴾ (١٠). [التاج: زور] • (تَسَّاقَطُ) (١١): من قوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ (١٢). [التاج: سقط] فكلمة (اثَّاقلتُم) من المضارع يتثاقل على وزن (يتفاعل)، وعند الإتيان بصيغة الماضي منه (تثَاقَلَ) على وزن (تَفَاعَلَ)، ثم يتم تسكين التاء للتخفيف فتصير الكلمة (تْثَاقَل)؛ ولأنه لا يصح الابتداء بالساكن جلبت الألف الموصولة للابتداء بها مع بقاء حركة التاء (السكون التخفيفي) كما هي، ثم قلبت التاء الساكنة إلى مماثل فاء الكلمة (حرف الثاء) تبعاً لقانون المماثلة الرجعية حيث أثر الصوت الثاني (الثاء) في الصوت الأول (التاء)، فأصبح لدينا مماثلان جاز إدغامهما في صوت واحد، فوصلت الكلمة إلى صيغتها النهائية وهي (اثَّاقَلْتُم) كما تم توظيفها في الآية القرآنية. وبالتفسير السابق فسر الزبيدي التغيرات التي حدثت لـ (ادَّارَأْتُمْ) فقال: "و (ادَّارَأْتُمْ) أَصْلُه (تَدَارَأْتُمْ) أُدغِمت التاء في الدَّال لاتحاد المخرج، واجتُلِبت الهمزةُ للابتداء بها ". [التاج: درأ] كلمة (يذَّكّر) فعل مضارع على وزن (يتفعَّل) حدث فيه مماثلة رجعية حيث تم تسكين تاء التفعّل للتخفيف فأصبح الفعل على صورة (يَتْفَعَّل)، ثم حدثت المماثلة الرجعية عندما أثر الصوت الثاني (الذال) في الأول (التاء) فقلب إلى مماثل للثاني، فوُجِدَ لدينا عندئذ متماثلان فلزم إدغامهما. أما (تَزَّاوَرُ، وتَسَّاقَطُ) فهما على زنة (تتفاعل)، وصورتهما قبل الإدغام: (تتزاور، تتساقط)، تأثرت تاء التفاعل بصوتي الزاي والسين بعدها، وأدي بها هذا التأثر إلى أن انقلبت زايا في (تززاور) وسينا في (تسساقط)، ثم حدث إدغام المثلين فصارتا: (تَزَّاوَرُ، وتَسَّاقَطُ). • (حَيِيَ) (١٣): قراءة في قوله تعالى: ﴿ويَحْيَ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١٤). [التاج: حيي].

стр. 93

قال الجوهري: والإدغام أكثر في "حَيَّ"؛ لأن الحركة لازمة، فإذا لم تكن الحركة لازمة لم تدغم، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ (١) ويقرأ: ﴿ويَحْيَ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. وقال الفراء: "كتابتها على الإدغام بياء واحدة، وهي أكثر قراءة القراء، وقرأ بعضهم: ﴿ويَحْيَ مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بإظهارها. قال وإنما أدغموا الياء مع الياء وكان ينبغي أن لا يفعلوا؛ لأن الياء الأخيرة لزمها النصب في (فَعَلَ) فَأَدْغَموا لَمَّا التقى حرفان متحركان من جنس واحد. قال ويجوز الإدغام في الاثنين للحركة اللازمة للياء الأخيرة فتقول (للرجلين قد) (٢): حَيَّا وحَيِيَا، وينبغي للجمع أن لا يدغم إلا بياء؛ لأن ياءها نصيبها الرفع وما قبلها مكسور فينبغي لها أن تسكن فيسقط بواو الجماع، وربما أظهرت العرب الإدغام في الجمع إرادة تأليف الأفعال وأن يكون كلها مشددة فقالوا في حَيِيتُ: حَيُّوا، وفى عَيِيتُ: عَيُّوا. قال وأجمعت العرب على إدغام التحتية بحركة الياء الأخيرة كما استحبوا إدغام حَيَّ وعَيَّ للحركة اللازمة فيها فأما إذا سكنت الياء الأخيرة فلا يجوز الإدغام من يَحْيَى ويَعْيَى وقد جاء في الشعر الإدغام وليس بالوجه وأنكر البصريون الإدغام في هذا الموضع" (٣). وللسمين الحلبى تحليل للإدغام في هذه الآية، وضح فيه بواعث الإدغام وشروطه فقال: "الإِظهارُ والإِدغام في هذا النوع لغتان مشهورتان: وهو كلُّ ما آخرُه ياءان من الماضي أولاهما مكسورة نحو: حَيِي وعَيِيَ. ومن الإِدغام قولُ المتلمس: (فهذا أَوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبابُه) (٤).

стр. 94

وقال آخر (١): عَيُّوا بأمْرِهُمُ كَمَا ... عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمَامَهْ فأدغم "عيُّوا"، ويُنْشَدُ: عَيَّتْ وعَيِيَتْ بالإِظهار والإِدغام. فَمَنْ أظهر فلأنه الأصلُ ولأن الإِدغامَ يؤدِّ إلى تضعيفِ حرفِ العلةِ وهو ثقيلٌ في ذاته؛ ولأن الياءَ الأولى يتعيَّن فيها الإظهارُ في بعضِ الصور، وذلك في مضارع هذا الفعلِ لانقلاب الثانية ألفاً في يَحْيَا ويَعْيَا، فَحُمِل الماضي عليه طَرْداً للبابِ؛ ولأن الحركة في الثاني عارضةٌ لزوالها في نحو: حَييت وبابه؛ ولأنَّ الحركتين مختلفتان، واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين قالوا: ولذلك قالوا: لَحِِحَتْ عينُهُ، وضَبِبَ المكانُ، وأَلِلَ السِّقاءُ، ومَشِئَتْ الدابة. قال سيبويه (٢): "أخبرَنا بهذه اللغة يونس" يعني بلغة الإِظهار. قال: "وسمعت بعض العرب يقول: أَحْيِياء وأَحْيِيَة فيُظْهر" وإذا لم يُدْغم مع لزومِ الحركةِ فمع عُروضها أَوْلى. ومَنْ أدغم فلاستثقالِ ظهورِ الكسرة في حرفٍ يُجانسه؛ ولأنَّ حركةَ الثانية لازمةٌ؛ لأنها حركةُ بناء، ولا يَضُرُّ زوالُها في نحو حَيِيْتُ، كما لا يضرُّ ذلك فيما يجب إدغامُه من الصحيح نحو: حَلَلْتُ وظَلَلْتُ وهذا كلُّه فيما كانت حركتُه حركةَ بناءٍ؛ ولذلك قُيِّد به بالماضي، أمَّا إذا كانت حركةَ إعراب فالإِظهارُ فقط له: يُحْيِِيَ ولن يُعْيِِيَ" (٣). نخلص من هذا المبحث إلى أن الإدغام والإظهار لغتان عرفتهما العربية، والإظهار هو الأصل وهو لغة الحضر، والإدغام فرع عنه، وهو لغة البدو الذين سكنوا قلب الجزيرة وشرقها. وقد قطعت الدراسة الصوتية الحديثة بأن السبب الداعي للإدغام هو طلب الخفة في النطق، أي الميول إلى توفير الجهد. كما تبين أن حدوث الإدغام تنحصر في قوة الصوت، فالصوت القوي هو الذي يفرض على الصوت الضعيف أن يماثله ثم ينصهر فيه. وهذه القوة تنحصر في:

стр. 95

١) قوة ذاتية في الصوت المؤثر ناشئة عن اشتماله عناصر صوتية أكثر من الصوت المتأثر. ٢) قوة موقعية حين يكون الصوت المؤثر بداية مقطع في حين يحتل الصوت المتأثر نهاية المقطع السابق. مع مراعاة العامل الأساسي في الإدغام وهو التقارب والتجانس بين الصوتين.

стр. 96

المبحث الثاني التماثل الصوتي الناقص (الإبدال) الإبدال عند اللغويين " إِقَامَةُ حَرْفٍ مَكَانَ حَرْفٍ مَعَ الإِبْقَاءِ على سَائِرِ حُرُوفِ الكلمةِ" (١). والإبدال الذي يتناوله هذا المبحث، هو الإبدال الذي يشترط لكي تعد الكلمتان من بابه أن تكون بين الصوتين علاقة تدعو إلى إحلال أحدهما محل الآخر. قال أبو سعيد السيرافي: " إنما يُعْلَمُ ما تَنَاسَبَ من الحروف باللغة أن يُبْدَلَ حرفٌ من أخيه ويكون معه في قافية واحدة، مثل: مَدَحَ ومَدَهَ، والنون والميم في قافية والعين والهمزة، مثل: استأديت واستعديت، وهذا كثير، يُبْدَلُ الحرف من أخيه فَيُدْغَمُ فيه إذا قَرُبَ ذلك القُرْبِ" (٢). ويقول الأستاذ الدكتور: عبد الصبور شاهين كأنه يشرح مقولة الفراء: "الصوتان المُبْدَلُ أحدُهما من الآخر لا يمكن إلا أن يكونا على علاقة مخرجية ووصفية وفي ضوء هذه العلاقة نستطيع أن نضع تعليلا لما لدينا من أمثلة حدث فيها إبدال فإذا انتفت فَثَمَّةَ مجالٌ للقول بالإبدال بل يكون كل منهما أصل لغوي بذاته فمثال ما كانت بين الصوتين فيه علاقة مخرجية ما روته المعاجم من أن: "كل جريء سَبَنْدَى وسَبَنْتَى"، فبين الدال والتاء وَحْدَةٌ في المخرج، واتفاق في صفة الشِّدَةِ واختلاف بالجَهْرِ والهَمْسِ، وهذه العلاقة تسمح بانتقال أحد الصوتين إلى الآخر على ألسنة الناطقين باللغة. كما ينبغي الإشارة إلى ضرورة اتحاد المعنى بين اللفظين المُبْدَلَيْنِ اتحاداً كاملاً؛ لأن اختلافه يدل على انعدام الصلة بينهما غالبا، وعلى استقلال كل منهما بوضعه" (٣). وعندما تحدث ابن جني عن الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه اشترط أن يؤول أحد اللفظين على الآخر عند التصرف، نحو: فلان

стр. 97

خَامِلُ الذكر وخَامِنُهُ، فالفعل منهما: خمل يخمل خمولا، أما إذا استقل كل منهما بتصريف خاص، لم يَسُغْ أَنْ يُقُالَ بَالْبَدَلِ بينهما" (١). ويقرر الأستاذ الدكتور: إبراهيم أنيس أن لفظة "إبدال" تدل على " أن التطور واقع على لفظ الكلمة، أي في أصواتها، لا في معناها، ومعلوم أن تطور الأصوات إنما يتجه بها إلى أن تماثل نظائرها أو أن تخالفها، ولكل من المماثلة والمخالفة حدود فالمماثلة يشترط فيها وجود علاقة بين الصوتين من تجانس أو تقارب، والمخالفة إنما تحدث دائما في اتجاه أصوات اللين وما أشبهها وبخاصة النون واللام " (٢). ويتم المعنى السابق بقول الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين:" فما خرج عن ذلك لم يكن بوسعنا تفسيره إلا على أساس استقلاله في أصل وضعه اللغوي. والغالب فيما جاء على قاعدة المماثلة أو المخالفة أن ينتسب إلى لهجتين مختلفتين، أما غيرهما فيمكن أن يجتمع الأصلان في لهجة واحدة " (٣).

стр. 98

وقد جمع أحد اللغويين المعاصرين (١) عينة من الكلمات التي وقع فيها إبدال على أساس من التقارب أو التجانس بين الصوتين البدل والمبدل منه، وقد خرج بالنتائج الآتية: م ... صوتا الإبدال ... عدد الروايات ١ س مع ص ... ٤٨ ٢ س مع ش ... ٢٥ ٣ ك مع ق ... ٢٣ ٤ م مع ب ... ١٨ ٥ ح مع خ ... ١٧ ٦ ع مع غ ... ١٦ ٧ ص مع ض ... ٩ ٨ ث مع س ... ٩ ٩ ت مع ط ... ٨ ١٠ د مع ط ... ٨ ١١ ز مع س ... ٨ ١٢ ء مع و ... ٨ وهكذا ... إلى أن تبلغ حالات التبادل رواية واحدة في قليل من المتقارب، كالميم مع الفاء والحاء مع الهاء، وكثير من المتباعد، كالباء مع الدال، والقاف مع الفاء (٢). والواضح أن كثرة أمثلة الأزواج الثلاثة الأولى – في الجدول السابق - هي التي دعت القدماء من علماء اللغة إلى أن يعتبروا الإبدال بين كل زوجين منها

стр. 99

قياسا وأن يفسروا ما ورد فيها من الروايات على أنه من الإبدال الجائز قياسا، لا على اللغات المنتسبة إلى بيئات مختلفة (١). ويروي صاحب اللسان عن قطرب: " أن قوما من بني تميم يُقَالُ لهم "بَلْعَنْبَرِ" يَقْلِبُونَ السين صاداً عند أربعة أحرف: الطاء، والقاف، والغين، والخاء، إذا كُنَّ بعد السين، ولا يبالون أثانية كانت أم رابعة بعد أن يَكُنَّ بعدها يقولون: سراط وصراط، وبسطة وبصطة، وسيقل وصيقل، وسرقت وصرقت، ومسبغة ومصبغة، ومسدغة ومصدغة، وسَخَّرَ لكم وصَخَّرَ لكم، والسَّخَبُ والصَّخَبُ" (٢). ومن أمثلة الإبدال بين الصاد والزاي قول الجوهري: العلوز لغة في العلوص (٣) ... والقَنْز لغة في القَنْص وحكى يعقوب أنه بَدَل (٤). ويروي ابن سيده: الحَزْد لغة في الحَصْد مُضَارَعَةً، ومثلها: الزَّقْرُ والصَّقْرُ، مُضَارَعَةً (٥). وقد حفلت المعاجم العربية المطولة بالحديث عن الإبدال وأنواعه، وخير من يمثل هذا التوجه (المخصص) لابن سيده؛ لأنه عقد بابا للبدل، تناول فيه الحروف التي يقع فيها البدل، والعلة من البدل فأرجعه إلى ثلاثة أسباب هي: طلب الخفة وكثرة الاستخدام ومناسبة الأصوات بعضها البعض. ثم تناول مراتب حروف البدل في القوة والضعف، ثم تناول اللغات التي تبدل فيها السين صادا، ثم عقد بابا لم يجيء مقولا بحرفين وليس بدلا، ثم ختم الباب بما يجري مجرى البدل (٦) وفي خضم تناول المعجميين لهذا الباب كان للقراءات القرآنية دورها البارز في الحفاظ على صور عدة من باب الإبدال الصوتي لم يغفلها المعجميون، بل اتخذواً منها شواهد في معاجمهم على وقوع هذه الظاهرة في اللغة؛ ولأنها صارت قرآناً يتعبد بتلاوته نالت اهتماماً كبيراً من اللغويين والنحويين والقراء على السواء.

стр. 100

وأفاد الزبيدي في تاجه من القراءات التي ورد فيها الإبدال إفادة جمة فهو لا يترك مادةً وردت فيها قراءة بالإبدال إلا نَبَّهَ عليها. وليس له في دراسة هذه الظاهرة منهج واضح؛ لأن طبيعة المعجم تدرس مفردات اللغة بشكل منفصل، مما يفوت على الدارس تكوين صورة واضحة المعالم. والزبيدي عندما يتناول مفردات هذه الظاهرة كان أحيانا ينسبها إلى بيئتها وأحيانا أخرى لا ينسبها، وأحيانا يعلل لها، وفي الكثير من الأحيان لا يعلل لها وسوف تتضح طريقة تناوله لها من خلال دراسة شواهد الظاهرة في الأسطر القادمة. أمثلة الإبدال التي تناولها التاج: م ... الآية ... القراءة ... القارئ ... موضعها ... المبدل والبدل ... الصفة ... المادة ١ الصِّرَاطَ ... السِّرَاطَ ... يعقوب الحضرمي ... الفاتحة:٦ ... ص- س ... تجانس ... سرط ٢ الزِّرَاطَ ... أبوعمرو، وحمزة ... ص - ز ... تقارب ... زرط ٣ بَسْطَةً ... بَصْطَةً ... (حمزة وأبو عمرو) ... البقرة:٢٤٧ ... س- ص ... تجانس ... بصط ٤ حَتَّى ... عَتَّى ... ابن مسعود. ... المؤمنون:٤٥ ... ح - ع ... تجانس ... حتت ٥ الْمُصَيْطِر ... الْمُسَيْطِر ... (ابن محيصن) ... الطور:٣٧ ... س- ص ... تجانس ... سطر ٦ كُشِطَتْ ... قُشِطَتْ ... ابن مسعود. ... التكوير:١١ ... ك - ق ... تقارب ... قشط ٧ بِضَنِين ... بِظَنِين ... (ابن كثير) ... التكوير:٢٤ ... ض- ظ ... تقارب ... ضنن ...

стр. 101

٨ بِمُصَيْطِر ... بِمُسَيْطِر ... (الكسائي وأبي عمرو وقنبل) ... الغاشية:٢٢ ... س- ص ... تجانس ... سطر ... بصط ٩ تَقْهَرْ ... تَكْهَر ... ابن مسعود. ... الضحى:٩ ... ق - ك ... تقارب ... كهر ١٠ يَصْدُرُ ... يَزْدُرُ ... (لم يذكروا قارئها) ... الزلزلة:٦ ... ص - ز ... تجانس ... زدر ١١ بُعْثِرَ ... بُحْثِرَ ... (ابن مسعود) ... العاديات:٩ ... ع - ح ... تجانس ... بحثر يشير الجدول السابق إلى ما يلي: ١ - كل الأصوات التي وقع فيها الإبدال هي من قبيل المتجانس أو المتقارب. ٢ - أغلب حالات الإبدال بين السين والصاد. ٣ - المعنى واحد قبل الإبدال وبعده، وكذلك في التصريف. وهذا يؤكد أن الصور السابقة كلها من باب الإبدال الصوتي الذي يتناول لفظ الكلمة فقط دون معناها. حينما يلتقي صوتان مجهوران أو مهموسان فإن أحدهما يُقْلَبُ إلى الآخر فيصيران مهموسين أو مجهورين (١)، والسين والصاد صوتان مهموسان والزاي مضارعهما المجهور؛ لذلك فإن أحد هذه الأحرف يُبْدَلُ من الآخر. وقد تحدث الزبيدي عن هذه الظاهرة في أكثر من موضع، كما ذكر بعضا من البيئات التي يحدث فيها هذا القلب وعلل أيضا لحدوث هذه الظاهرة. وقد كان للقراءة القرآنية أثرها الواضح في تناول الزبيدي لهذه الظاهرة، حيث كانت بالنسبة له الشاهد التطبيقي الذي عَوَّلَ عليه، كما استفاد استفادة كبيرة من تلك الثروة اللغوية التي نتجت عن تناول اللغويين والنحاة والقراء لهذه الظاهرة فكانت مقتبساته من كلامهم مادة شارحه لمداخل معجمه. ومن هذه المواضع تناوله لما يلي: • (الصِّرَاط): من قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيم﴾ (٢). [التاج: زرط، وصرط].

стр. 102

• (يَصْدُرُ): من قوله تعالى: ﴿يَوْمَئذ يَصْدُر النَّاسُ أشْتَاتاً﴾ (١) حيث قرئ: "يَزْدُر" (٢). [التاج: زدر]. • (بَصْطَةً): من قوله تعالى: ﴿وزَادَه بَصْطَةً﴾ (٣)، حيث قرئ "بَسْطَةً". [التاج: بسط، بصط]. • (مُسَيْطِر): من قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهم بِمُسَيْطِر﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُم المُصَيْطِرُونَ﴾ (٥)، حيث قرئ بالسين. [التاج: سطر]. في الحروف السابقة حدث التبادل بين الأصوات الآتية: الصاد، والسين والزاي. والعلة في ذلك حسب معطيات الدرس الصوتي الحديث تكمن في مخارج وصفات هذه الأصوات؛ وذلك كما يلى: • صوت الزاي: أسناني لثوي، رخو، مجهور، مرقق. • صوت الصاد: أسناني لثوي، رخو، مهموس، مفخم. • صوت السين: أسناني لثوي، رخو، مهموس، مرقق. وبمقارنة هذه الأصوات نلاحظ أنها جميعا من مخرج واحد (أسناني لثوي)، وأنها اتفقت في بعض الصفات، فالسين والصاد صوتان متجانسان؛ لأنه لا فرق بينهما إلا أن السين مرققة، والصاد هو نظيرها المفخم. وأن الزاي أقرب إلى السين من الصاد؛ لأنهما لم يختلفا إلا في صفة واحدة من ثلاثة وهي أن الزاي

стр. 103

مجهورة والسين مهموسة. ولكن يحكم بتجانس هذه الأصوات الثلاثة لتوحد المخرج، وبعض الصفات (١). وعلى ضوء مفهوم التماثل الصوتي، يصح أن نقول إن تجانس هذه الأصوات هو السبب الرئيس الذي يقف وراء قراءة قوله تعالى: (الصِّرَاط) بالصاد، و (السِّرَاط) بالسين، و (الزِّرَاط) بالزاي الخالصة. فالأصل في (السراط) السين وهو صوت مرقق، ولكن لما جاور الطاء، وهو صوت شديد مفخم، كان من الأسهل في النطق أن يبدل من السين نظيرها المفخم وهو الصاد. يقول الأستاذ الدكتور: عبد الصبور شاهين: "والتأمل في هذه الأمثلة التي قلبت فيها الصاد زايا يجد أنها جميعا تخضع لقانون المماثلة، الأمر الذي جوز أن يجري مثله على لسان فرد واحد، كما يمكن أن يجري على لسان أفراد ينتمون إلى بطون مختلفة في قبيلة واحدة، أو في قبائل مختلفة أيضا" (٢). فالسِّرَاط: الطريق، "والصَّادُ والزَّاي لُغَتانِ فيه، والصَّادُ أَعْلى، للمُضارَعَة وإِنْ كانت السِّينُ هي الأَصلُ، قالَ الفَرَّاءُ: والصَّادُ لغةُ قريشٍ الأَوَّلين الَّتِي جاء بها الكتابُ وعامَّةُ العَرَبِ يَجْعَلُها سيناً، وبه قَرأَ يَعْقوبُ الحَضْرَميُّ، ورُوَيْس. وقولُ من قالَ: الزِّراط، بالزَّاي المُخَلَّصَةِ، وبه قَرأَ بعضُهم (٣) " (٤). [التاج: صرط]. قال السمين: "وأصلُه السينُ، وقد قَرَأ به قنبل حيث وَرَدَ، وإنما أُبْدِلَتْ صاداً لأجل حرف الاستعلاء وإبدالُها صاداً مطردٌ عنده نحو: صَقَر في سَقَر، وصُلْح في سُلْح، وإصْبَع في اسبَع، ومُصَيْطِر في مُسَيْطر، لما بينهما من التقارب ... وقد تُقْرَأ زاياً مَحْضَةً ولم تُرْسم في المصحف إلا بالصادِ مع اختلافِ قراءاتِهم فيها كما تقدم" (٥).

стр. 104

ويذكر الزبيدي - عند تناوله لقوله تعالى: ﴿وزَادَه بَصْطَةً﴾ (١) - أن "البَسْطُ في جَميع مَا ذُكر من مَعانيه في السِّين يَجوز فيه الصَّاد. وأَصْلُ صادِهِ سِينٌ قُلِبت مع الطَّاءِ صاداً لقُرْبِ مَخَارِجِهَا" (٢). ويكرر قريبا من هذا المعنى في مادة (س ط ر) فيقول: "وفي التَّنْزِيلِ العَزِيز ﴿لَسْتَ عَلَيْهم بِمُسَيْطِر﴾ (٣) أَي بمُسَلَّط وقد تُقْلبُ السِّينُ صاداّ لأَجْلِ الطَّاءِ. وقال الفَرَّاءُ: في قوله تعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُم المُصَيْطِرُونَ﴾ (٤) قال المُصَيْطِرُونَ كِتَابَتُها بالصاد وقراءَتُها بالسين. يقال: قد تَسَيْطَرَ عَلَيْنَا وتَصَيْطَرَ بالسَّيْن والصّاد والأَصلُ السّين، وكُلُّ سينٍ بعدَهَا طاءٌ يَجُوزُ أن تقلب صاداً، يقال: سطر وصطر وسطا عليه وصطا" (٥). • (يَزْدُر) قراءة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ (٦). في (ز د ر) يتناول إبدال الصاد زايا فيقول: " قال ابنُ سِيدَه: وعِنْدِي أَنَّ الزَّايَ مُضَارعة وإِنما أَصلُها الصَّاد ... وقُرِئ: ﴿يَوْمَئذ يَزْدُر النَّاسُ أشْتَاتاً﴾ (٧) وسائِر القُرَّاءِ قَرَؤُوا " يَصْدُر" وهو الحَقّ. قال شيخُنَا: أَما إشْمام صادِه زاياً فهي قراءَة حَمْزَةَ والكِسَائِيّ (٨). وأمّا قِرَاءَةُ الزَّاي الخالِصَة فلا أَعْرِفُهَا وإن ثَبَتَتْ فهي شاذَّةٌ " (٩).

стр. 105

ويُخْلَصُ مما سبق إلى أن كثرة تبادل كل من: السين، والصاد، والزاي هي التي دعت القدماء من علماء اللغة إلى أن يعتبروا الإبدال بين كل زوجين منها قياساً وأن يفسروا ما ورد فيها من الروايات على أنه من الإبدال الجائز قياساً، لا على اللغات المنتسبة إلى بيئات مختلفة (١). • (كُشِطَتْ): من قوله تعالى: ﴿وَإِِذََا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (٢)، حيث قرئ "قُشِطَتْ". • (تَقْهَرْ): من قوله تعالى: ﴿فَأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (٣)، حيث قرئ "تَكْهَرْ". ذكر الزبيدي في مواضع عدة أن الكاف يُبْدَلُ منها القاف والعكس، من هذه المواضع مادتي (ق ش ط) و (ك ش ط) حيث دار شرح المادتين حول قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ لقوله تعالى: ﴿وَإِِذََا السَّمَاءُ قُشِطَتْ﴾ (٤) بالقاف، وقد شكلت القراءة حيزاً كبيراً من شرح المادتين، ذكر خلال هذا الحيز أن تَمِيماً وأَسَداً يقولون: قَشَطْتُ بالقَاف. وأَنَّ قريشاً وقيساً يقولون: كَشَطْتُ بالكاف، والمعنى واحد وأن هذا البدل وقع في كثير من الكلمات، نحو: القَحْطِ والكَحْطِ، والقَافُور والكافُور ... ويروي عن يعقوب قوله: "ولَيْسَتِ الكافُ في هذا بَدَلاً من القَافِ لأَنَّهُمَا لُغَتَانِ لأَقْوامٍ مُخْتَلِفينَ" (٥). وكونهما لأقوام مختلفين لا ينفي عنهما البَدَلَ، ولكنه بَدَلٌ معروفٌ في بيئة محددةٍ والذي يؤكد البدل فيه أنه واقعٌ في كل تصاريف المادة مع تَوَحُّدِ المعنى، مما دعا الجوهري إلى إهماله على أن (قَشَطَ) لغةٌ في (كَشَطَ) على طريق البدل، وأن هذا البدل مُطَّرِدٌ في كثير من الكلمات كما مرَّ. وفي (ك هـ ر) يستهل الزبيدي المادة بقوله: " الكَهْرُ: القَهْر، وقرأَ ابنُ مَسْعُود: ﴿فَأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَكْهَرْ﴾ (٦)

стр. 106

وَزَعَم يعقوبُ أنَّ كافَه بدلٌ من قافِ القهر، كَهَرَه وقَهَرَه بمعنىً" (١). فهو يستدل بالقراءة على أن (الكَهْرُ) قد يأتي ويقصد به (القَهْر) على سبيل إبدال القاف كافا. وبمقارنة الصوتين من حيث المخرج والصفات يتضح أن صوت: • القاف: لهوي، شديد، مهموس، مفخم. • الكاف: طبقي، شديد، مهموس، مرقق. وبذلك يتبين التقارب الشديد بين الصوتين، وهذا التقارب هو الذي دعا إلى وقوع البدل بينهما. • (حَتَّى): من قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِين﴾ (٢) حيث قرئ بالحاء والعين في (حتى). • (بُعْثِرَ): من قوله تعالى: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ﴾ (٣)، حيث قرئ "بُحْثِرَ" بالحاء. تناول الزبيدي قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِين﴾ في مادتي: (ح ت ت) (٤)، و (ع ت ت) (٥) ونص فيهما على أن (عَتَّى) لُغَةُ هُذَيْلٍ وثَقِيفٍ في (حَتَّى)، واستدل بقراءة ابن مسعود فقال: "وفي الحديث أن عمر بن الخطاب ﵁ بَلَغَهُ أَنَّ عبدَ الله بن مسعود يُقْرِئُ الناسَ: ﴿عَتَّى حِين﴾ (٦) يريد ﴿حَتَّى حِين﴾، فقال: إِنَّ القُرْآنَ لم يَنْزِلْ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ فأقْرِئِ الناسَ بلغةِ قُرَيْشٍ (٧). فالعين في هذه القراءة قد أبدلت من الحاء، والذي سوغ هذا الإبدال أن العين هو النظير المجهور للحاء، يتضح ذلك من عرض صفاتهما ومخرجهما كما يلي: • الحاء: حلقي، رخو، مهموس، مرقق.

стр. 107

• العين: حلقي، رخو، مجهور، مرقق. فالصوتان اتفقا في المخرج، وصفتي الرخاوة، والترقيق. إلا أن الحاء مهموس والعين مجهور. وهذا التوحد في المخرج، والتقارب في الصفات هو الداعي للإبدال. وعلى هذا التحليل يحمل قوله تعالى: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ﴾ (١)، حيث قرئ "بحثر" (٢). ويعلل الأستاذ الدكتور: عبد الصبور شاهين لحدوث هذه الصور من البدل فيقول: "السبب في حدوث مثل هذه الألفاظ على ألسنة العرب إنما هو انقسام المجتمع آنذاك إلى حضري أو متأثر بحضارة مجاورة، وإلى بدوي أو متأثر ببداوة مجاورة، وقد لاحظ أيضا أن الحضر يمتازون بهمس المجهورات، وإرخاء الشديد من الأصوات وترقيق المفخم منها غالبا في حين يغلب على البدوي أن يجهر بالمهموس، أو ينطق الرخو شديدا، وأن يفخم الأصوات المرققة" (٣). ويُخْلَصُ مما سبق إلى أن الإبدال مبحث من المباحث الصوتية التي يُطَالَبُ بها المعجميُّ عند صناعته لمعجمه؛ لأنه ضروري في تحديد العلاقة بين بعض المفردات التي اختلفت في صوت واحد نحو: "حَتَّى وعَتَّى"، و" بَعْثَرَ وبَحْثَرَ" و"السِّرَاط والصِّرَاط " ... هل هذه المفردات تختلف في المعنى أم تتفق؟. ومطالع المعجم لاشك أنه في حاجة إلى ذلك، ومن هذا المنطلق قد اهتم الزبيدي في معجمه بهذه الظاهرة متخذاً من القراءات القرآنية وما دار حولها من نقاشات لغوية زاداً له في معجمه. ويمكن إجمال مردود هذا المبحث على الصناعة المعجمية في النقاط الآتية: ١ - أفاد المعجم من درس الإبدال طرائق عدة لنطق بعض الكلمات، مما يفتح بابا من أبواب اليسر لمستخدم العربية من ناحية، ويفسر اختلاف النطق للكلمة الواحدة في بعض اللهجات من ناحية أخرى. وذلك نحو: "الصراط" و"السراط" و"الزراط" بالصاد والسين والزاي، والمعنى واحد، من قبيل الإبدال الاختياري أو تعدد اللغات. ونحو: يصدر ويزدر، وقشطت وكشطت، وبعثر وبحثر، وتقهر وتكقهر. ٢ - كما أن هذا الدرس أفاد المعجم في معرفة أصل الكلمة، وما حدث لها من تغيير في الأصوات، وبالتالي أسهم ذلك في فهم المعنى، نحو: "مدكر" بالدال وأن أصلها بالذال من (ذكر)، وأن ما حدث فيها هو من باب الإبدال والإدغام. ٣ - ومن أهم نتائج هذا المبحث أن الدراسة كشفت عن مواد في المعجم العربي كان الفضل في وجودها للقراءة القرآنية القائمة على الإبدال، منها: ١) مادة (زدر): بنيت على قراءة "يَزْدُرُ" (٤) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ (٥). ٢) مادة (زرط): بنيت على قراءة "الزِّرَاط" (٦) في قوله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٧). حيث إنها لغة فيه. ٣) مادة (دكر): قال عنها الخليل: إنها ليست من كلام العرب (٨). وأول ظهورها كمادة كان في التهذيب (٩)، وقد بناها على قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٠). ثم توسع فيها كل من اللسان والتاج في ضوء الآية نفسها.

стр. 108

٤) مادة (قشط): أول ظهورها كمادة كان لدى الأزهري في التهذيب (١)، وبناها على قراءة "قُشِطَتْ" (٢) في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ كُُشِطَتْ﴾ (٣). ٥) مادة (كهر): ذكرها الخليل في العين (٤)، وبناها على قراءة "تَكْهَر" (٥) في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر﴾ (٦). ٦) مادة (بحثر): أول ظهورها كان في التهذيب (٧)، وكانت تشكل ما بين السطر إلى الثلاثة، استمر هذا الحال في المعاجم حتى القاموس المحيط، ثم إن اللسان والتاج توسعا فيها بناء على قراءة "بُحْثِرَ" في قوله تعالى: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ (٨). ٧) مادة (صطر): بنيت على قراءة "بِمُصَيْطِرٍ" في قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٩) حيث قرئ بالسين والصاد (١٠). ٨) مادة (بصط): وردت في المقاييس (١١)، والمحيط في اللغة لابن عباد (١٢) وشُرِحَتْ على ضوء قراءة "بَصْطَةً" في قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١٣).

стр. 109

٩) مادة (تخذ): ظهرت في المحكم (١)، وبنيت على قراءة "لتخذت" في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٢)، وقد قرر المعجميون أنها من (تخذ) وليس من (أخذ) (٣). ١٠) مادة (دخر): بنيت في التهذيب على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ يَتَفَيَّؤُ ظِلاَلُهُ عِنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ (٤).

стр. 110

المبحث الثالث الهمز بين التحقيق والتخفيف الهمزة عند القدماء حرف مجهور من أقصى الحلق (١). أو هي "حرف مجهور سَفَلَ في الحلق، وحَصَلَ طَرَفَاً" (٢). أو هي "حَرْفٌ شَدِيدٌ مُسْتَثْقَلٌ مِنْ أَقْصَى الحَلْقِ". (٣) وهي عند المُحْدَثِينَ "صوت صامت حنجري انفجاري، وهو يحدث بأن تُسَدَّ الفتحة الموجودة بين الوترين الصوتيين، وذلك بانطباق الوترين انطباقا تاما، فلا يُسْمَحُ للهواء بالنفاذِ من الحنجرة. يضغط الهواء فيما دون الحنجرة ثم ينفرج الوتران، فينفذ الهواء من بينهما فجأة محدثا صوتا انفجاريا" (٤). ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن الهمزة "صوت شديد لا هو بالمجهور ولا بالمهموس؛ لأن فتحة المزمار معها مغلقة إغلاقا تاما، فلا يُسْمَعُ لهذا ذبذبة الوترين الصوتيين، ولا يُسْمَحُ للهواء بالمرور إلى الحلق إلا حين تنفرج فتحة المزمار ذلك الانفراج الفجائي الذي يُنْتِجُ الهمزة" (٥). وقد اهتم علماء القراءات اهتماما كبيرا بالهمزة، فعقدوا لها فصولا مطولة تحدثوا فيها عن أحكامها محققة، أو مبدلة، أو محذوفة، أو مخففة. وحصروا أحوال الهمزة المفردة، والهمزتين المجتمعتين، في كلمة واحدة أو في كلمتين (٦). وتجمع كتب العربية على أن تحقيق الهمزة لغة لتميم، وقيس، وبني أسد ومن جاورها أي قبائل وسط شبه الجزيرة وشرقيها، وأن تسهيلها لهجة أهل الحجاز (٧).
следующие страницы →