Полный текст (947 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من خصائص أمة الإسلام دخول سبعين ألفاً منها الجنة بغير حساب
ومن خصائص هذه الأمة أن سبعين ألفاً منها يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وفي رواية: (أو سبعمائة) أي: سبعمائة ألف، والنبي ﷺ يقول (فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً).
أي: سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومع كل ألف من هؤلاء سبعون ألفاً أيضاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
قال: (وثلاث حثيات) فسيدنا أبو بكر قال: إذاً يدخلهم كلهم الجنة، فقال سيدنا عمر: وما عليك أن يدخلهم كلهم الجنة يا أبا بكر! فزاد الله ﵎ نبيه يقول: (مع كل واحد منهم سبعين ألفاً).
وقد فرحت فرحاً شديداً لما عرفت أنه صححه الشيخ الألباني في المجلد الثالث عن أبي بكر الصديق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ، مع كل واحد سبعين ألفاً).
وهذا رواه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنده وصححه الإمام البوصيري والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم (١٤٨٤).
فهؤلاء سبعون ألفاً مع كل واحد سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فيكون عددهم: أربعة آلاف مليون وتسعمائة مليون شخص، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 107
الخوف من الله
الخوف من الله تعالى ضرورة يحتاج إليها المسلم، ولا يخلو منه قلب إلا قلب خرب، وهو صفة الصالحين، ودليل تعظيم رب العالمين.
ويوقظه في القلب جملة من الأسباب، ومنها خوف فوات التوبة قبل الموت أو نقضها، وزوال رقة القلب، والميل عن الاستقامة، وسابقة علم الله بمآل العبد، وسكرات الموت، وأهوال يوم القيامة، وغير ذلك من الأسباب الداعية إلى الخوف من رب العزة ﷻ .
стр. 108
فضل الخوف من الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله؛ نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: فإن الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه، وهو سراج في القلب به يبصر الخير والشر، وإذا دخل الخوف القلوب أحرق مواضع الشبهات منها، وطرد الدنيا عنها.
قال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلباً إلا وخرب هذا القلب.
ولكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف من الله كما قال حاتم الأصم.
ولا تغتر برؤية الصالحين، فلا أصلح من رسول الله ﷺ ، ولم ينتفع برؤيته المنافقون ولا الكافرون، ولا تغتر بطيب المكان، فذلك لا ينجيك من الله إن لم تكن صالحاً، فلا مكان أطيب من الجنة، وفيها لقي آدم ما لقي، فآدم ﵇ لم يسامح في لقمة، وهو صفي الله وكليمه، ودخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان ونيل فوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم وتنشط فيما سوف تكره جده كذلك في الدنيا تعيش البهائم
стр. 109
نصوص تبعث على الخوف من الله
стр. 110
نصوص قرآنية باعثة على الخوف من الله
قال الله ﵎: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١].
فرار السعداء إلى الله ، وفرار الأشقياء من الله ، وكل إنسان إذا خفته تهرب منه، أما الله فإنك إذا خفته تهرب إليه.
قال الله ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] قال أبو عيسى الترمذي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه لشهواته.
وقال رسول الله ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).
وقال الله ﵎: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] أي: اطلاع الله عليه، ورؤية الله له ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
عجباً لك يا ابن آدم! تحرك الريح أستار بيتك وأنت مستلق في بيتك، فيضطرب فؤادك لنظر الناس إلى عورتك، والاطلاع على ما خفي من أمرك، وأنت عالم أن الله ناظر إليك من فوق سبع سماوات، يراك مصراً على المعصية، فلا ينخلع فؤادك لنظر الله إليك من فوق سبع سماوات.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥].
وقال الله عن عباده الصالحين: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠].
وقال : ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
وقال : ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١].
فاتقوا الله ؛ فإن أخذ الله أليم شديد.
стр. 111
نصوص نبوية باعثة على الخوف من الله
كان عبد الله بن المبارك إذا نام في مضجعه يتقلب ويقول: ومن يقدر على أخذ الله، إن أخذه أليم شديد.
ويقول النبي ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين، أي: بكاء.
يقول النبي ﷺ : (عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر) وقال: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، ولا رأيت مثل النار نام هاربها).
وفي حديث عدي بن حاتم الطائي قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
فهذه جملة من أحاديث النبي ﷺ تبعث على الخوف والخشية والوجل والإجلال والهيبة من الله .
وقال رسول الله ﷺ : (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل) قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فوالله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكحل به الجفون؟! وذكر النبي ﷺ أن الناس يعرقون يوم القيامة، فيذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ثم يلجمهم حتى يبلغ آذانهم.
وقال النبي ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) والإدلاج: السير آخر الليل.
يقول ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
стр. 112
أثر مبارزة الله بالمعاصي على المجتمعات
دخل النبي ﷺ على السيدة زينب بنت جحش فزعاً مرعوباً فقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بأصبعيه- قالت زينب بنت جحش: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا كثر الخبث).
وقال النبي ﷺ : (إذا ظهر الربا والزنا في قرية فقد حلوا بأنفسهم عذاب الله .
وما زلزال تركيا ببعيد، فالحكومة التركية أعطت -كما نشر في جريدة الأهرام- وسام الجمهورية من الطبقة الأولى لصاحبة أكبر مؤسسات الدعارة، قالوا: لأنها جلبت المال الوفير للاقتصاد القومي التركي، فأعطوها أعظم جائزة في الجمهورية التركية.
وقال رسول الله ﷺ : (سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر).
وأظن أن المعازف والقينات أصبحت كثيرة جداً، والله ﵎ يقول: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟! وما لكم لا ترعون لله حقاً؟! وما لكم لا تقدرون الله حق قدره؟! أأمنتم عذاب الله ؟! وقال رسول الله ﷺ : (إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم الصالحون).
فإذا كان فيهم قوم صالحون يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله وإلى مغفرته.
فهذا الزلزال الذي أصاب تركيا من غضب الله ، وكيف لا يغضب الله على دولة كانت دولة الخلافة في يوم من الأيام؟! فتركيا فتحت بودابست عاصمة المجر، وبلاد البوسنة والهرسك، وفتحت بلغاريا، وهزمت فرنسا في قعر دارها، فهذه الدولة نشرت أعلام الإسلام، ثم يأتيها أتاتورك الرجل الصنم الذي أذهب القرآن، وحول مسجد آياصوفيا إلى مطعم آياصوفيا، وألغى لغة القرآن في تركيا، وأراد أن يعتدي على أخت زوجته، وأطلق عليها الرصاص لما رفضت، وحال بينه وبين ذلك خادمه، وأقام سد أتاتورك على منبع الفرات ومنبع دجلة حتى لا يصل الماء إلى سوريا أو العراق، وأغلق المدارس الدينية، ومنع المحجبات من النزول في الشوارع، فكيف لا يغضب الله ؟! فهذا الزلزال أخذ في لحظة واحدة أربعين ألفاً ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
فلا بد من وقفة للحساب.
стр. 113
نماذج من حياة الخائفين
كان سيدنا مالك بن دينار يقول: لو أن لي أعواناً لفرقتهم في منارات الدنيا يصيحون بالناس: النار، النار! علهم يفيقون من غفلتهم.
ويقول: والله لقد هممت أن آمر إذا أنا مت أن يطرحوني على مزبلة، وأن يضعوا الرماد على وجهي، ويقال: هذا جزاء من عصى الله.
فمن رآني لم يعص ربه.
وهذا خوف الصادقين.
وانظر إلى هدي النبي ﷺ ، فقد كان ربما بكى في الصلاة حتى يسمع لصوت صدره أزيز كأزيز المرجل، وكان إذا تغير الجو دخل وخرج، وعرف ذلك في وجهه، فتقول له السيدة عائشة: إن الناس إذا رأوا المطر استبشروا، فقال: (وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب من الله ؟).
يقول سيدنا أنس بن مالك: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله من الموبقات.
أي: من المهلكات.
وروي أن أحد العباد كان بمكانٍ فغشي عليه، فلما أفاق سألوه: فقال: هذا مكان عصيت الله فيه يوماً من الأيام.
وسيدنا خليل الرحمن إبراهيم ﵇ يقول المولى فيه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥] كان إذا ذكر ذنبه تأوه، كما كان يفعل سيدنا داود، يقول: أواه من عذاب الله، قبل أن لا تنفع أواه.
ويقول: يا رب! إني لا أستطيع حر شمسك، فكيف أستطيع حر نارك؟! يا رب! إني لا أستطيع سماع صوت رحمتك وهو الرعد، فكيف أستطيع سماع صوت غضبك؟! فيا عباد الله! ابكوا قبل أن لا ينفع البكاء، وقبل أن تكون الدموع دماً، وقبل أن يؤمر بنا ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
يقول الرسول ﷺ : (مررت ليلة أسري بي بجبريل كالحلس البالي من خشية الله).
وقال النبي ﷺ لجبريل: (ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً؟! فقال: لم يضحك ميكائيل منذ خلقت النار).
стр. 114
أسباب الخوف من الله تعالى
стр. 115
الخوف من الموت قبل التوبة أو من نقضها
والخوف -يا إخوتاه- له أسباب عديدة، منها خوف الموت قبل التوبة، فتخاف أن تموت قبل أن يتوب الله عليك، وربما ران الذنب على القلب فمنعك من التوبة، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦].
فقد يعجل لك الموت قبل التوبة، والنفس قد يخرج ولا يعود، وإن العين قد تطرف ولا تطرف الأخرى إلا بين يدي الله .
وهناك الخوف من نقض التوبة: أي أن تتوب إلى الله ، ثم تعود في توبتك مرة أخرى، أو أن تكون التوبة توبة علة.
стр. 116
الخوف من عدم قبول العمل وعدم الوفاء بأمر الله
إن الرجل الصالح قد يفعل العمل الصالح ويخاف عدم القبول، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
ويخاف من الرياء، ومن أن يكون فعله لغير وجه الله ، ويخاف أن لا يبقى على هذا العمل إلى موته، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأنعام:١٦٠] يعني: أتى بها، وصبر على فعلها إلى الموت، فهو يخشى ألا يوفق للطاعة، فهذا خوفهم وهم يعملون الصالحات، فكيف بخوف من يصرون على الموبقات والسيئات؟! وهناك الخوف من عدم الوفاء بأمر الله ، حيث لم تقدر الله حق قدره، ولم تف بأوامر الله ، وكان بإمكانك أن تفي بها.
стр. 117
الخوف من زوال رقة القلب
وهناك الخوف من زوال رقة القلب، فتقسو القلوب، كما قال الله : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
أتى وفد اليمن سيدنا أبا بكر في زمن الخلافة، فلما سمعوا القرآن بكوا، فقال سيدنا أبو بكر: هكذا كنا حتى قست القلوب.
ويقول أبو بكر: يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل، يا ليتني كنت شعرة في صدر امرئ مسلم، أو في جنب امرئ مسلم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
وما كان بين إسلامهم وعتاب الله لهم بهذه الآية إلا أربعة سنين، وكأن الله استبطأ الصحابة فعاجلهم بهذه الآية بعد أربعة سنين فقط.
فحذار -يا أخي- من قسوة القلب، فإن القلب إذا قسا لا تنفع فيه المواعظ أبداً، وإذا حضر قلبك فأقل شيء تراه يذكرك بالله ، وإن غاب قلبك فإن مائة ألف نبي لا يوصلون إليك موعظة.
стр. 118
الخوف من الميل عن الاستقامة
وهناك خوف من الميل عن الاستقامة على الأمر والنهي، والاستقامة على مذهب أهل السنة والجماعة، والاستقامة على التوحيد، فتخشى من البدعة، وتخشى أن تكون من الذين ظلموا.
وهناك الخوف من استيلاء العادة في اتباع الشهوات، فتطل على شهواتك متبعاً لها حتى تصبح عادة لك لا تستطيع أن تفارقها، ثم بعد ذلك يكلك الله إلى حسناتك، وإن أعظم الخذلان أن يكلك الله إلى أعمالك فيصيبك الغرور والعجب، وهو صنو الكفر.
فاقطع كل ما يقطعك عن الله، فإذا ابتليت بصاحب يقطعك عن الله فاتركه؛ لأنه قاطع طريق إلى الله ، وقاطع طريق الآخرة أشد من اللص، فاللص يسرق جيبك، أما هذا فيسرق رأس مالك، ويسرق وقتك مع الله .
стр. 119
الخوف من تبعات الذنوب
وهناك بعد ذلك خوف تبعات الذنوب، فتخاف من اغتيابك للناس، ومن خيانتك للناس، ومن غشك للناس، ومن إضمار السوء للناس، فحاسب نفسك لنفسك، فإن غيرك من الأنفس عليها حسيب غيرك.
يقول النبي ﷺ وقد قال له أبو بكر: قد شبت يا رسول الله قبل المشيب! فيقول: (شيبتني هود وأخواتها).
стр. 120
الخوف من الاغترار بالدنيا والركون إليها
ومن أسباب الخوف الخوف من الاغترار بالدنيا والركون إلى الدنيا.
والاغترار بزخرف الدنيا أن تميل إلى فتنة الدنيا، واعلم أن الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وقد قال النبي ﷺ : (ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها).
стр. 121
الخوف من الفتن
وهناك الخوف من فتن الدنيا: فالإنسان يخشى على نفسه من الدجال، فالنبي ﷺ ذكر للقلوب الحية -قلوب الصحابة- أمر الدجال فخافوا، حتى قال لهم النبي ﷺ : (إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه).
فالصحابة خافوا على أنفسهم من هذه الفتنة، وهي أعظم فتنة من يوم أن خلق الله السماوات والأرض إلى قيام الساعة.
стр. 122
الخوف من اطلاع الله على السرائر
وهناك الخوف من اطلاع الله على سريرتك حال الغفلة عنه.
قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣] فهو يعلم السر وأخفى من السر.
فخف من الوقوف بين يدي الله يوم تبدو السمات فوق الجباه، ويظهر المخفي.
فاتق الله ﵎، أما تخاف من اطلاع الله على قلبك وأنت تزخرف ظاهرك للناس؟! فإياك أن تكون ولياً لله في العلانية، عدواً له في السر، وأن تكون ولياً لله في العلانية، ولياً للشيطان في السر.
стр. 123
الخوف من سوء الخاتمة
ثم بعد ذلك الخوف من أن يختم لك بخاتمة السوء.
يقول سيدنا سفيان الثوري: بكينا على الذنوب زماناً، ونحن الآن نبكي على الإسلام.
ولما نزل به الموت بكى، فقالوا: لم هذا الجزع؟! قال: والله ما خوفي من الذنوب ولو بلغت ذنوبي أمثال الجبال، وإنما أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت.
وأشد من هذا خوف السابقة، فماذا سبق في علم الله لك في اللوح المحفوظ؟! وماذا كتب الله لك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؟! كان أحد الصالحين يأتي إلى أخيه ويقول: تعال لنبكي لعلم الله فينا؟ أي: ماذا قدر علينا ربنا في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض.
стр. 124
الخوف من سكرات الموت
ثم بعد ذلك الخوف من سكرات الموت، ومن شدة الموت، ولقد قال النبي ﷺ : (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات).
стр. 125
الخوف من رؤية ملائكة الموت
والخوف من رؤية ملك الموت، ومعاينة الرسل.
ويروى أن رجلاً وعظ سفيان الثوري، فذكر الله حتى رق، فقال سفيان: والله إني لأحب الموت الآن.
فقال: ولكني والله لا أحب الموت، فقال: لمَ؟ قال: لمعاينة الرسل.
ثم قام يبكي يخط الأرض برجله.
يعني بذلك رؤية ملك الموت ولم يره من قبل، ورؤية ملائكة العذاب، أو ملائكة الرحمة.
فالسكرات شيء، ورؤية ملائكة العذاب شيء، وضرب ملائكة العذاب شيء آخر، ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧].
стр. 126
الخوف من أهوال القبور
ثم بعد ذلك الخوف من القبر: ويروى (أن النبي ﷺ رأى جمعاً من أصحابه قد اجتمعوا، فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ فقالوا: يا رسول الله! على قبر يحفرونه.
فانطلق رسول الله ﷺ من بين يدي إخوانه، ثم توجه إلى القبر وبكى حتى بل الثرى من دموعه، وقال: أي إخواني! لمثل هذا اليوم فأعدوا).
وقال النبي ﷺ : (ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه).
فخف هذا اليوم ولا تتغافل عنه، وأعد لرؤية ملك الموت، ونزولك بدار البلاء بين أقوام لا يتكلمون، وأحباء لا يتزاورون، صار عليهم الجديدان سرمداً إلى يوم يبعثون.
فيا خبر! ما أثكلك، وتحتك الدواهي، مر بعسكرهم إن كنت ماراً، وادعهم إن كنت داعياً، وانظر إلى تقارب منازلهم، وسلهم عن الأعين النظرة التي كانوا بها إلى اللذات ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة وعن الأجساد الناعمة.
سلهم عما فعلت الديدان باللحمان تحت الأكفان، سالت الأحداق عن الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وقيحاً وصديداً، واتخذت هوام الأرض وحشراتها في أبدانهم مقيلاً.
يا مغسل الوالد والولد، ويا تاركه في التراب وحده، قل لي: بأي خديك بدأ الثرى؟! وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟! وأين ثمارك اليانعة؟! إني سألت التراب ما فعلت بوجوه فيك مبعثره فقال لي صيرت ريحهمو يؤذيك بعد مناظرٍ عطره وأكلت أجساداً منعمة كان النعيم يهزها نظره لم تبق غير جماجم عريت بيض تلوح أو أعظم نخرة ففي يوم من الأيام سيخرج كل منا في رحلة لا يرجع منها أبداً، وسيركب كل منا مركباً لا يركب مثله أبداً، وسنوضع على شفير القبر، فماذا أعددت من النور لهذه الظلمة، وماذا أعددت من الغنى لهذا الفقر، غم الضريح، وردم الصفيح، أفلا يبكيك هذا؟!
стр. 127
الخوف من سؤال الملكين
ثم بعد ذلك الخوف من سؤال الملكين: يقول النبي ﷺ : (إنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة المسيح الدجال) يعني: سؤال الملكين عن ربك ودينك ورسولك، فهي فتنة تساوي في هولها فتنة المسيح الدجال.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فإياك أن تقول: هاه هاه لا أدري! فإن كنت لا تدري في دار الدنيا فلن تدري غداً، فيقال لك: لا دريت ولا تليت، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، فحذار من ليلة تتمخض بنا عن يوم القيامة.
стр. 128
الخوف من عذاب القبر
ثم بعد ذلك الخوف من عذاب القبر: كان الوسيم بن جميل الثقفي عم قتيبة بن سعيد الشيخ الإمام إذا ذكر القبر بكى ويقول: أواه من القبر وظلمته، أواه من القبر وشدته، أواه من القبر وضيقه! وكانت إحدى العابدات إذا أطفأت السراج يبكي زوجها، وعندما تسأله عن ذلك يقول: يذكرني هذا بظلمة القبر.
ففي القبر يفرش لك -إذا هلكت- فراش من نار، ومهاد من نار، وتنظر من طاقة إلى النار، وتعيش كهيئة المنهوش، ويضيق عليك القبر حتى تختلف أضلاعك، فنعوذ بالله من ليلة صباحها يؤدي بنا إلى عرصات القيامة.
ثم بعد ذلك الخوف من القيامة وأهوالها، وهذا أمر سنفرده مع ذكر الخائفين.
стр. 129
الخوف من كشف الستر يوم القيامة
ثم الخوف من كشف الستر أمام الناس: أي: كشف ما ستر من أمرك على الناس في دار الدنيا من القبائح التي لو ظهرت لكانت الذلة والهوان، فستبدو علانية أمام الناس يوم أن يقال: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، فيصيح بك الأشهاد على مرأى من الناس: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨].
ثم بعد ذلك الخوف من المقام بين يدي الله .
كان أحد الصالحين يقول: والله ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها موقفاً بين يدي الله .
стр. 130
الخوف من المرور على الصراط
ثم بعد ذلك الخوف من المرور على الصراط: فيد تعلق، ورجل تطيش، وإنما الصراط دحض مزلة، فكيف تقوى على المرور عليه؟! قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] فنحن من الورود على يقين، ومن النجاة على حذر.
ولما نزلت هذه الآية بكى سيدنا عمر، فلما سئل عن ذلك قال: إن ربي أنزل على رسوله في كتابه آية ينبئني فيها أني وارد النار، فأنا من الورود على يقين ومن النجاة على حذر.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢]
стр. 131
الخوف من السؤال يوم القيامة ومن عذاب النار
ثم الخوف من السؤال عن النقير والفتيل والقطمير، وعن الحلال، وعن الشبهات، وعن المال الذي فيه شبهة، والمال الحرام، ثم تسأل عن الحلال من أين اكتسبته، وفيم أنفقته، ولو لم يكن إلا هذا لكفى.
ثم بعد ذلك الخوف من النار وأغلالها وأهوالها، وأنت ترى ملائكة النار ومعهم الكلاليب والخطاطيف والأغلال، والله يقول: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]، فإذا لم يرحمك أرحم الراحمين فمن سيرحمك؟! قال الشاعر: أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الخطايا أن يتوبا أنا العبد الذي أضحى حزيناً على زلاته قلقاً كئيبا أنا العبد الذي سطرت عليه صحائف لم يخف فيها الرقيبا أنا العبد المسيء عصيت سراً فما لي الآن لا أبدي النحيبا أنا الغدار كم عاهدت عهداً وكنت على الوفاء به كذوبا أنا العبد المخلف عن أناسٍ حووا من كل معروف نصيبا أنا العبد الغريق بلج بحرٍ أصيح لربما ألقى مجيبا أنا العبد السقيم من الخطايا وجئت الآن التمس الطبيبا أنا العبد الشريد ظلمت نفسي وقد وافيت بابكمو منيبا أنا العبد الفقير مددت كفي إليكم فادفعوا عني الخطوبا أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا فواأسفا على عمرٍ تقضى ولم أكسب به إلا الذنوبا وأحذر أن يعاجلني مماتٌ يحير هول مطلعه اللبيبا ويا ذلاه من حشري ونشري بيومٍ يجعل الولدان شيبا ويا خوفاه من قبح اكتسابي إذا ما أبدت الصحف العيوبا وذلة موقفٍ وحساب عدلٍ أكون به على نفسي حسيبا ويا خوفاه من نارٍ تلظى إذا دخلت وأقلقت القلوبا فكادوا إذا بدت تنشق غيظاً على من كان ذماماً مريبا فوامن مد في كسب الخطايا أما آن الأوان لأن تتوبا وقال ثان: إذا ما قال لي ربي أما أستتحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني وقال ثالث: يا من تمتع بالدنيا وزينتها ولا تنام عن اللذات عيناه أفنيت عمرك فيما لست تدركه تقول لله ماذا حين تلقاه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 132
الطريق إلى بيت المقدس
لقد قامت دولة لليهود على أنقاض أمة تهاوى عزها، وسقط لواؤها، وتهدم بنيانها، وانتقضت عراها، وتشتت شملها، وتفرق جمعها، قامت على أنقاض قوم نسوا أو تناسوا عزة قومهم، وإباء أجدادهم، نسوا الفاروق الذي أرعب الصليبيين ونعله في يده، وفي ثوبه ثلاث عشرة رقعة، نسوا صلاح الدين وصوت الأذان وهو يصدح من منائر القدس: حي على الفلاح، نسوا الجهاد والكفاح والنضال والنفاح.
وقد نصت كثير من الآيات البينات، والعديد من الأحاديث الواضحات على فضل بيت المقدس وشرفه، فلابد من إرجاعه إلى حوزة المسلمين.
стр. 133
أحكام شهر رجب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
стр. 134
أسماء شهر رجب
شهر رجب من الأشهر الحرم، وهو بين جمادى وشعبان، والأشهر الحرم سميت بذلك، لأن أهل الجاهلية كانوا يحرمون القتال فيها، ولحرمة وقوع الذنب فيها أكثر من غيرها من الشهور.
ولشهر رجب أسماء منها: رجب من الترجيب، أي: التعظيم؛ لأنه كان يعظم.
ومن أسمائه أيضاً: رجم بالميم، يقولون: إنه كانت ترجم فيه الشياطين.
وسمي أيضاً: شهر رجب الأصم، لأنه لم تكن تسمع فيه قعقعة بسلاح.
وسمي شهر رجب الأصب، قالوا: لأن الرحمة تصب فيه صباً.
وسمي المعكعك، وسمي المعلى، وسمي المقيم؛ لأن حرمته ثابتة مقيمة.
وأما التسمية الشرعية فهي شهر رجب.
стр. 135
حكم الاحتفال بشهر رجب
وأما عن حكم الاحتفال به فقد كره ابن عباس الاحتفال برجب واتخاذه عيداً، وسيدنا عمر بن الخطاب كان يضرب أكف الرجال الصائمين في رجب؛ حتى يضعوها في الطعام، ويقول: ما رجب؟! إن رجباً كان تعظمه الجاهلية فلما كان الإسلام ترك، وكره عمر بن الخطاب أن يتخذ صيامه سنة.
وهناك من علماء السلف من كان يصوم الأربعة الأشهر الحرم، ولا يفطر إلا في يوم عيد الأضحى وأيام التشريق، منهم الحسن البصري وأبو إسحاق السبيعي، ومنهم من كان يكثر الصيام في الأشهر الحرم كـ سفيان الثوري، وكره الإمام أحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وأنس رضوان الله عليه، وابن عمر أن يتم الرجل صيام رجب، وكان أبو بكرة مولى رسول الله ﷺ إذا رأى أهله قد جمعوا السلال والكيزان لمجيء شهر رجب، يقلب السلال، ويكسر الكيزان، ويقول: ماذا؟! أجعلتم رجب كرمضان؟!، ونص الإمام أحمد أنه لا يصوم رجب كرمضان بتمامه إلا من صام الدهر بأكمله.
وورد حديث ضعيف: (أن في الجنة نهر يقال له: رجب، ماؤه أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، من صام يوماً في رجب سقاه الله من ذلك النهر) وقد ضعفه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه: (تبيين العجب في ما ورد في فضل رجب) وقال: لا يصح في فضل رجب حديث صحيح.
стр. 136
حكم تخصيص صلاة معينة في رجب وذكر من قال إن الإسراء في رجب
ما ترك المبتدعة شهراً إلا وألحقوا به صلاة، وصلاة رجب تسمى صلاة الرغائب، وقد وضع الوضاعون حديثاً نسبوه إلى رسول الله ﷺ ، وأساسه من علي بن جهضم الذي كان يضع الحديث، وفي هذا الحديث: (أن من صام أول خميس من رجب، وقام في ليلة الجمعة التي تسميها الملائكة الرغائب، وفيها يجتمع الملائكة من أقطار السماوات والأرض حول الكعبة ويسألون الله ﵎ أن يغفر لصوام رجب)، وقد روى في هذا الموضوع قولاً قال: (إن من صام هذه الليلة وقام ليلها ما بين المغرب والعشاء، كان له ثلاثة: أماناً من الفزع الأكبر، وأن يغفر الله ما تقدم من ذنبه، وأن يعصم في ما بقي).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني: والله! إني لأعجب، وإني لأغار لرمضان ولصلاة التراويح من هذه الصلاة، ليس جحداً بهذه الصلاة، بل إن العوام يجتمعون على هذه الصلاة أكثر مما يجتمعون في شهر رمضان، وكثير من الوعاظ يقولون: قال رسول الله ﷺ : رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، وهذا الحديث فيه أبو بكر بن القاسم، وهو ضعيف لا يصح.
أما حديث صلاة الرغائب، فقد قال الإمام الحافظ عبد الوهاب شيخ الإمام ابن حجر العسقلاني: فتشت عن رجاله في جميع الكتب فلم أجدهم.
يعني: أن أسانيده أسانيد ملفقة، يضعها الوضاعون في فضل صلاة هذا الشهر، وصلاة الرغائب ضعفها شيخ الإسلام الإمام العربي الأنصاري، وضعفها ابن الصنعاني، وابن الزيدي، وابن رجب الحنبلي ولم يصححها إلا ابن الصلاح وهذه سقطة، وسقطات العلماء في بحر جودهم وفي بحر علمهم مغفورة.
يقول الحافظ ابن حجر: وأما ما يقوله القصاص والمفسرون من أن الإسراء والمعراج كان في رجب، فذلك كذب.
ضعفه ابن حجر العسقلاني، وكذلك الإمام الحافظ إبراهيم الحربي، وابن رجب الحنبلي، وقالوا: إن الإسناد إلى القاسم بن محمد لا يصح.
وهناك فريق من العلماء منهم الإمام النووي قالوا: إن الإسراء كان في شهر رجب، وهناك جمع من العلماء قالوا: إن الإسراء كان في شهر رمضان، ومنهم ابن سعد، وهناك جمع من العلماء قالوا: إن الإسراء كان في ربيع الآخر، ومنهم إبراهيم الحربي، فهذا قول العلماء أن الإسراء والمعراج لم يكن في رجب.
وعلى قول من قال: إن الإسراء كان في رجب، أما اختصاصه في السابع والعشرين من رجب فهذا ما قاله إلا العماد ونقل عنه العلامة ابن كثير.
стр. 137
حكم القتال والذبيحة في رجب
تذهب السيدة عائشة إلى أن القتال في رجب منسوخ لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ [المائدة:٢]، ومذهب الجمهور على خلاف مذهب عائشة لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فحكم القتال في رجب غير جائز.
أما بالنسبة للذبيحة في رجب، فهناك حديث للنووي وغيره ورواه الإمام البخاري يقول الرسول ﷺ : (لا فرعة، ولا عتيرة)، وورد عند النسائي أن الرسول ﷺ قال: (من شاء منكم أن يفرع فرع، ومن شاء أن يعتر عتر)، فجمع العلماء بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة فقالوا: إن النفي هنا هو نفي الوجوب، أي: أن الذبيحة ليست واجبة، والرأي الأقوى الذي ذهب إليه ابن رجب الحنبلي قال: والعمل على حديث أبي هريرة بكراهية الذبيحة التي كانوا يذبحونها في رجب العتيرة، والنهي أولى، ويقدم حديث أبي هريرة في هذا الباب فحديثه أصح.
стр. 138
ذكر ما وقع من حوادث تاريخية في رجب
في هذا الشهر العظيم وقعت حادثتان عظيمتان: فتح بيت المقدس في رجب في السنة السادسة عشر للهجرة، وتحرير صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس في يوم الجمعة الموافق ٢٧ رجب سنة ٥٨٣ هجرية.
القدس تحتل مكان القلب من قلب كل امرئ مسلم قديسة التاريخ والآباء والذكر الحسن يا عطر كل الأنبياء المخلصين يا زهر كل الأولياء المتقين من قال اسمك يمتهن يا قدسنا يا عشقنا يا صهرنا قاتلت فيك ولم يزل يحلو السفر.
стр. 139
ذكر ما ورد من فضائل بيت القدس من الكتاب والسنة
القدس بنت السماء التي ضمت النور بالساعدين، ومسجدها وأذانها يحتل مكان القلب، ويقعان في قلب كل مسلم، هذه الأرض التي باركها وقدسها الله ﵎، وألقى على ظلالها الطهر، هذه الأرض التي جاءت آيات كثيرة في بركتها، يقول الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
وجبريل حاد لمشرودة تقاصر عنها خيال الزمان ونور ينادي ونور يلبي ونور يضاء به المشرقان وفاض الذي لا تراه العيون يراه محمد رؤيا عيان ويقول الله ﵎ في كتابه على لسان موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١].
ويقول الله ﵎ عن بيت المقدس: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧].
ويقول الله ﵎ عن الشام وبيت المقدس: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨].
ويقول الله ﵎ عن الشام وبيت المقدس فيما جاء عن إبراهيم: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١].
ويقول الله ﵎: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨١].
ويقول الله ﵎ عن عيسى وعن أمه ﵉: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠].
قال قتادة والسدي: إنها بيت المقدس.
ويقول الله ﵎: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
قال عكرمة: هي المساجد الأربعة: الكعبة، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء.
ويقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤].
نزلت هذه بقول علماء التفسير في بيت المقدس.
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل ربه ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يأتي إلا للصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، يقول الرسول ﷺ : أما اثنتين فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة) هذا الحديث رواه الإمام ابن ماجه في سننه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه وفي صحيح الجامع الصغير.
فقوله: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس) أي: من تجديد بناء البيت؛ لأن الذي بناه يعقوب، وكان بين بناء المسجد الأقصى وبين بناء أول بيت وضع للناس أربعون سنة كما جاء في الصحيحين.
وقوله: (سأل ربه ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه) أي: حكماً يوافق حكم الله ﵎، كما قال الله ﵎: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وقوله: (وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده) أي: وملكاً لا يكون لأحد من بعده، والمعجزة التي أعطيها سيدنا سليمان كانت في الملك والنعم التي أعطاها الله ﵎ لسليمان، فما أعطى الله ﵎ ملك سليمان لأحد من قبله ولا لأحد من بعده.
وقوله: (وألا يأتي هذا المسجد) أي: بيت المقدس، (أحد لا يأتي إلا للصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
وروى الإمام البخاري والإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا لثلاث: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).
وروى الإمام النسائي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس، ثم ربطته في الحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد)، لو لم يكن لبيت المقدس إلا هذه الفضيلة لكفى.
وعن جنادة الأزدي عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يذكر حديث النبي ﷺ في الدجال ويقول في الدجال: (فيمكث في الأرض أربعين صباحاً، يبلغ ملكه كل منهل، لا يأتي أربعة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد الطور، ومسجد الرسول ﷺ .
وعن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ قالت: (قلت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس، قال: أرض المحشر والمنشر).
أي: يحشر الناس إليها ومنها ينشرون.
قال رسول الله ﷺ : (ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه، قال: فاهدوا له زيتاً يسرج فيه، فمن فعل فهو كمن أتاه).
ويقول الله ﵎: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق:٤١]، قالوا: ينادي -وهو إسرافيل- يقف على صخرة المقدس، وينادي الناس للنشر وللوقوف أمام الله ﵎ في عرفات القيامة.
الجراحات تستغيث وتشكو مل سمع الوجود أين صلاح مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروان تغير المسجد المحزون واختلفت على المنابر أحرار وعبدان فلا الأذان أذان في منائره من حيث يتلى ولا الآذان آذان يقول رسول الله ﷺ فيما رواه الإمام أحمد من رواية أبي الدرداء: (بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب قد احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام) قال ابن حجر: سنده صحيح.
وذلك لأن ملك النبوة في آخر الزمان سيكون في الشام، بل الخلافة الإسلامية سيكون مركزها في القدس، لما رواه الإمام أحمد والإمام أبو داود والحاكم في مستدركه عن ابن حوالة الأزدي قال: (وضع رسول الله صلى الله وسلم يده على رأسي -أو على هامتي- وقال: يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة -أي: فلسطين- فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، وللساعة يومئذ أقرب للناس من يدي هذه من رأسك) وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني.
стр. 140
اهتمام النبي ﷺ والمسلمين ببيت المقدس
المسجد الأقصى بيت المقدس وجه إليها الرسول ﷺ ناظره، وفي غزوة مؤتة ندب رسول الله ﷺ ثلاثة آلاف مقاتل ليذهبوا إلى مؤتة حيث يعسكر جحافل الروم، وكانوا قد أخذوا الشام ومنها بيت المقدس، وفي مؤتة من أرض الشام سالت دماء زكية لأطهر الصحابة، سالت دماء زيد بن حارثة، وسالت دماء جعفر الطيار الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (أشبهت خلقي وخلقي)، وسالت دماء عبد الله بن رواحة.
يقول الشاعر: وفيها دماء الطهر لابن رواحة وفيها قضى زيد العوالي وجعفر وفي السنة التاسعة من الهجرة قاد النبي ﷺ جيش العسرة ثلاثين ألف مقاتل، حتى وصل إلى تبوك وفرت جحافل الروم، وبعد أن طهر البيت الحرام مما فيه من الأصنام والأوثان، يمم الرسول الله ﷺ وجهته إلى المسجد الأقصى، فعقد اللواء بيديه لـ أسامة، ليؤدب عساكر الروم وجحافلها، فمنعه مرض الموت من ذلك، وعسكر أسامة هناك، ومات الرسول ﷺ ، فأراد بعض الناس من أبي بكر أن يستعيد هذا الجيش لقتال المرتدين، فقال: والله! لا أفكن لواءً عقده بيده رسول الله ﷺ .
وفي عهد أبي بكر الصديق استطاع المسلمون أن يستنفذوا من براثن الصليبية بعض مدن فلسطين، وأرسل إليهم خالد بن الوليد الذي قال فيه الصديق: والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد، ولما وصل إلى قنسرين والتقى بالروم قال خالد بن الوليد سيف الله لجحافل الروم: والله! لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم، أو لأنزلكم إلينا حتى نقاتلكم.
ولما سمع عمر هذه الكلمة فيما بعد قال: يرحم الله أبا بكر، لقد كان أعلم بالرجال مني.
стр. 141
استلام عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس
أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عمرو بن العاص داهية العرب وذكي الصحابة إلى أرطبون ملك الروم، وأراد عمرو بن العاص أن يتحسس بنفسه مواقع جيش الروم، فذهب على أنه رسول من عمرو بن العاص إلى أرطبون قائد جيوش الروم، فلما وصل إلى أرطبون، قال لما رأى من ذكاء هذا الرجل إما أن يكون مستشاراً لـ عمرو بن العاص وإما أن يكون هو بذاته عمرو، فلأقتلنه بعد أن يمضي إلى الصحراء، وحدث بذلك قائداً من قواده، وشعر عمرو بن العاص بالخطر، فقال له: أيها الملك! إن سيدي عمرو له عشرة من المستشارين غيري أنا أقلهم أو كلهم على شاكلتي، فأشار الملك إلى الرجل الذي أمره بقتل عمرو بأن لا تفعل؛ فربما كان هذا أحد مستشاري عمرو، فلما وصل عمرو إلى مأمنه أرسل إلى أرطبون أن الذي كان يحدثك هو عمرو بن العاص.
وعسكرت الجيوش الإسلامية الوضيئة -وكان عددهم خمسة عشر ألف مقاتل- أربعة أشهر على آثار القدس، خمسة آلاف تحت قيادة أبي عبيدة، وخمسة آلاف تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان، وخمسة آلاف تحت قيادة شرحبيل بن حسنة، فأرسل بطاريك القدس: والله لا نسلم المفتاح إلا لـ عمر، وأتى عمر ليتسلم المفتاح، فجاء سيدنا عمر إلى الشام بنفسه ولم يلبس قميص صوف، ولم يضع على رأسه عمامة، تلوح صلعته للشمس، راكباً على جمله، فلما وصل إلى الشام ترجل عمر وترجل أبو عبيدة وهمّ أبو عبيدة أن يقبل يد عمر، فهم عمر أن يقبل رجل أبي عبيدة، فامتنع أبو عبيدة وامتنع عمر، فقال له أبو عبيدة لما رأى قميصه مرقعاً قد اتسخ: يا أمير المؤمنين! إنك تأتي إلى قوم ذوي شأن فلا يصلح أن تأتيهم بهذه الهيئة، ثم أعطاه برذوناً، فلما ركب عمر فوق البرذون تاه به البرذون وتبختر في مشيته، فنزل عنه وقال: والله! ما كنت أظن أن الشياطين تركب قبل اليوم، علي بقميصي، ووجدوا بين كتفيه وبين منكبيه ثلاث عشرة رقعة.
فلما مضى إلى القدس ليدخلها خاض في الوحل، فنزع نعليه ووضعهما في يد، وهو يخطم الجمل باليد الأخرى، وخاض في الوحل، فقال أبو عبيدة: ما رأيت مثل اليوم منظراً، فضربه عمر في صدره، وقال: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! لقد كنا أحقر وأذل الناس، فأعزنا الله بالإسلام، فلو طلبنا العزة في غيره لأذلنا الله.
ثم سار إلى الصخرة، فقال لـ كعب: أرني موقع الصخرة، وكانت المرأة إذا حاضت حيضاً أرسلت بخرقة الحيض إلى مكان الصخرة، وهي قبلة اليهود التي يزعمون، حتى قال لـ هرقل: والله! لأنتم أحرى بالقتل على ما فعلتم بهذا المسجد من اليهود على قتل يحيى وعلى بني يحيى، فكان عمر يضع القمامات في جلبابه وفي قميصه ويخرجها خارج المسجد، ومن خلفه المسلمون.
ومن الشروط التي اشترطها النصارى على أنفسهم قولهم لـ عمر: أن تدق الأجراس في جوف الكنائس دقاً خفيفاً بحيث لا يسمعه المسلمون، وأن نقوم للمسلمين من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، وألا نتشبه بالمسلمين في فرق شعر ولا في لباس نعل، وألا نضع السرج على الخيل، وأن نركب الخيل من شق واحد، وأن نلزم زنارنا حيث كنا.
أيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجندك في حطين صلوا وكبروا وتبكيك من شوق المآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر وليمون يافا يابس في حقوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر وقال الآخر: وكأنني وابن الوليد وجنده وبكل كف لامع الأنصال نشروا على أرض الخليل لواءهم فغدا يظلل أطهر الأطلال وعن اليمين أبو عبيدة قد أتى وأتى صلاح الدين صوب شمال يسعى بجند قد شَرَوْا أرواحهم لله يوم تسابق لقتال فهم الأعزة في كتاب خالد ما بعد قول الله من أقوال ولما تولى معاوية الخلافة، أخذ العهد بالخلافة في بيت المقدس، ثم جعل دمشق عاصمة لخلافته، وفي عهد عبد الملك بن مروان أخذ البيعة بالخلافة في بيت المقدس، وأوقف عبد الملك بن مروان خراج مصر سبع سنوات على تجديد المسجدين، وعمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة طلب من الجميع أن يذهبوا إلى بيت المقدس ويقسموا هناك بين ربوعه يمين الولاء والطاعة والعدل بين الرعية.
стр. 142
سقوط القدس ثم استرجاعها على يد صلاح الدين
لم تسقط القدس إلا في سنة ٤٨٢هـ في عهد الفاطميين غلاة الشيعة، أحفاد عبد الله بن سبأ اليهودي المؤسس الحقيقي لدين الشيعة، وقد سقطت القدس في عهد الخليفة المستعلي بالله لا أعلاه الله، وقد حاصروا القدس أربعين يوماً، وذلك عندما أتى إلى القدس سامعان الثاني وبطرس الناسك وبابا روما، فقاد الجيوش الصليبية، ومنهم ملوك أوروبا الوسطى وأوروبا الغربية، وفرضوا حصاراً حول القدس أربعين يوماً، حتى سلم قائد الجيش الفاطمي مستشار الدولة القدس، ورابط ألف ألف مقاتل صليبي، وقتل في المعارك حول القدس آلاف المسلمين، وامتلأت أرضية المسجد بدماء ستين ألف مقاتل مسلم، حتى خاض قائد الجيوش الصليبية في جثث المسلمين إلى ركبتيه، إذ لم يروا حرمة لهذه المدينة الطيبة ولا حرمة لمسلم، فقد قتلوا من قتلوا، وذبحوا من ذبحوا، ورفعوا الصليب على مسجد الصخرة.
وكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه نصب الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوف وتحريق المصاحف فيه طيب وظلت القدس أسيرة إحدى وتسعين سنة، وجعلوا من قبة الصخرة مرتعاً لكلابهم، وربطوا الخيل والخنازير في أرجاء المسجد، حتى عسكر صلاح الدين الأيوبي في الخامس عشر من رجب، وفرض حصاراً حول القدس، ولما صارحوه على أن تفتح القدس بطريقة اشترطوها، قال: والله! لا تفتح إلا عنوة كما أخذت عنوة، فقال له مقدم النصارى الذي في القدس: إذاً نقتل من بأيدينا من أسرى المسلمين -وهم أربعة آلاف أسير مسلم- ونقتل أولادنا ونساءنا وجوارينا، ثم نهدم القدس وقبة الصخرة، ثم نخرج إلى العراء نقاتلكم قتال الموت، وهنا استجاب صلاح الدين إلى مطالبهم على أن يخرج كل رجل ويدفع عشرة دنانير، وكل امرأة خمسة دنانير، وعن كل صبي أو صبية ديناران، ومن يمكث أربعين يوماً ولا يخرج يقع أسيراً في أيدي المسلمين، وتم أسر ستة عشر ألف رجل وامرأة وولد، ودخلت جيوش المسلمين القدس بعد طول غيبة، في يوم الجمعة ٢٧ من شهر رجب سنة ٥٩٣هـ، دخل صلاح الدين الأيوبي، واهتموا بإزالة ما فيه من الصلبان والقساوسة والرهبان والخنازير، ثم غسلوا المسجد بالماء الطاهر، ثم بعد ذلك غسلوه مرة ثانية وقبة الصخرة بماء الورد والمسك الفاخر، وصدر المرسوم الصلاحي بأن يكون خطيب الجمعة في يوم الجمعة ٤ شعبان هو القاضي القرشي ابن الزكي.
ما أجمل عودة الأرض إلى أهلها! وما أجمل عودة الأرض إلى الذين جادوا بأنفسهم لله ﵎! يقول رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود، وحتى يختبئ اليهودي خلف الحجر والشجر، وينطق الحجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجرهم) أو كما قال رسول الله ﷺ .
وبعد الفتح بثمان، أي: في اليوم الرابع من شعبان علا صوت الأذان، وخسئ القسيسون والرهبان، وصمتت النواقيس والرهبان، وقرئ القرآن، وعلقت القناديل، وتلي التنزيل، وتنوعت العبادات، وكثرت الدعوات، وكبر الله ﵎ الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ كبره كل قائم وقاعد، وكل راكع وساجد، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع.
كما قال العلامة ابن كثير: وصعد القاضي المنبر، فكان أول ما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، ثم أتى بجميع المحامد أي: آيات الحمد التي في القرآن الكريم.
فما أحلاها من عظة! ما تمسك المسلمون بدينهم إلا وأعزهم الله ﵎، وما فرطوا فيه إلا وأذلهم الله ﵎.
стр. 143
نكبة اغتصاب اليهود لفلسطين مرة أخرى
بعد سنوات عديدة سقط المسجد مرة ثانية في أيدي اليهود المشردين المشتتين، هؤلاء اليهود إخوان القردة والخنازير يحتلون أرض بيت المقدس، وكان احتلالهم لبيت المقدس لوعد بلفور عام ١٩١٧م.
تقول كاتبة مذكرات بلفور: إن بلفور كان يؤمن بالتوراة إيماناً عميقاً، ويؤمن بها إيماناً حرفياً، ولإيمانه بالتوراة أعطى اليهود فلسطين على أساس أنها ستكون لهم، كما جاء في التوراة المحرفة، فما أعطاها نظام تولي فقط، وإنما أعطاها لإيمانه العميق بالتوراة المحرفة، وقبلها لينين زعيم الشيوعية وكلبهم الأحمر، إذ أعطى فلسطين عام ١٩١٧م لرفاقه اليهود الذين شاركوه في الثورة، وأصدر منشوراً بإعطاء موطناً لليهود في فلسطين.
وقبل سنة ١٧٩٨م قال نابليون بونابرت في الحملة الفرنسية على مصر أمام يهود العالم: أيها الإسرائيليون! أيها الشعب المختار! يا ورثة فلسطين الحقيقيين! هذه اللحظة قد لا تعود لآلاف السنين، فانتهزوا هذه اللحظة لإقامة وطن قومي لكم في فلسطين.
فـ نابليون بونابرت وعد اليهود قبل أن يعدهم لينين.
واجتمعت جحافل الصليبيين والشيوعيين على الغدر بفلسطين وأقيمت الدولة اليهودية، وما استطاع أهلها أن يقاتلوا إذ لم يكن لهم من يقودهم ويأمرهم، فقائد القوات الأردنية لم يكن أردنياً، وإنما كان إنجليزياً، وحين لاقى الجيش المصري العدو في الفالوجة أشار عليهم القائد الإنجليزي أن يلبسوا ملابس النساء إذا أرادوا أن يخرجوا من الفالوجة، فامتنعوا من ذلك.
وأول سيارة دخلت إلى سينا نزل منها الجنود والضباط الإسرائيليون، وقبلوا الأرض الذي تسلم فيها موسى التوراة من ربه، أو التي كلم موسى فيها ربه.
إن ما بيننا وبين هؤلاء اليهود حرب دينية بحتة، ففي عام ١٩٥٦م كانت أول سيارة جيب تخترق أرض سينا محملة بنسخة كبيرة من التوراة، ووراء هذا الكتاب حاخام يهودي يتلو على الجنود الإسرائيليين: يا أبناء إسرائيل! إنكم الآن تدخلون الأرض المقدسة، إنكم الآن أتيتم إلى الأرض التي تسلم موسى فيها رسالة من ربه، فقاتلوا أعداء موسى.
وفي سنة ١٩٦٧م ألفت بنت موشي ديان كتاباً يسمى كتاب (جندي من إسرائيل) -وكانت ممن اشترك في الحرب- تقول فيه: وكان ينتابني الرعب، ويعتصر قلوبنا الخوف من لقاء الجبهة الجنوبية لجيش مصر، فكان إذا أتانا الحاخام وتلا علينا نصوصاً من التوراة، استحال الخوف أمناً، بينما كانت إذاعة العدو تردد للجنود المصريين: قاتلوا من أجل الربيع، قاتلوا من أجل عشاق الحياة، قاتلوا من أجل صناع الحياة، وأم كلثوم معهم في المعركة، يا خيبة الأمل! وبعد المعركة تساقطت سبعمائة وخمسون طائرة، حتى إن جمال عبد الناصر أرسل إلى الملك حسين وقال له: أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب، اطمئن يا جلالة الملك! التوقيع سلمي.
أنقل هذا الكلام سخرية من رجالات العرب.
كوكب الشرق لا تذوبي غراماً ودلالاً وحرقة وهياما ففلسطين لا تحب السكارى وربى القدس لا تريد النياما كوكب الشرق ضاع قومي لما تاه في حبك القطيع وهاما ولو أن الخيام يبعث حياً هوت الكأس من يديه حطاما
стр. 144
العداء الديني بين المسلمين واليهود
ما بيننا وبين هؤلاء اليهود حرب دينية بحتة، يقول الله ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فهذه آية لا يستطيع أي كذاب أن ينكرها.
فاليهود قتلة الأنبياء قتلوا يحيى وقتلوا قبله أباه زكريا، وأرادوا أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، إذ دست امرأة زعيم من زعماء اليهود السم في ذراع الشاة، حتى قال النبي ﷺ : (إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة).
ومات من أكل هذه الأكلة بشر بن البراء الصحابي الجليل، بل قال كثير من العلماء: إن رسول الله ﷺ مات من أثر السم، لأنه قال لأخت بشر بن البراء في مرض الموت: (هذا أوان انقطاع أبهري من أثر الأكلة).
ومن اليهود عليهم اللعنة من الله، منهم كعب بن الأشرف الذي سب أمهات المؤمنين، ومنهم عبد الله بن سبأ مؤسس دين الشيعة الأكبر، ومنهم مدحت باشا مثير النعرات القومية، والذي كان سبباً في إسقاط دولة الخلافة على يد اليهودي الأصل مصطفى كمال أتاتورك؛ لأنه كان من يهود الدونمة.
ومنهم كارل ماركس زعيم الشيوعية، ومن اليهود أيضاً جامبل كرتر، وقبائحهم لا تنقضي ولا تعد، فما بيننا وبين اليهود حرب دينية بحتة، ودولة إسرائيل دولة دينية، وشعارها شعار ديني، وتسمى بإسرائيل وهو نبي الله يعقوب، وحدودها كما جاء في الإصحاح الخامس عشر من التوراة المحرفة: (ما بين النيل إلى الفرات لنسلك هذه الأرض)، من نهر النيل إلى النهر الكبير؛ نهر الفرات، وعلمهم أيضاً فيه شعار ديني: خطان أزرقان يشيران إلى النيل والفرات وبينهما مسجد داود إشارة إلى ملك إسرائيل لهذه الأرض.
стр. 145
العمالة الهابطة ودورها في سقوط الأرض
وعلى الطرف الآخر تجد الجميع يتساقطون، وأول من يتساقط أصحاب الأرض؛ منظمة فتح التي عقدت كامب غزة وأريحا، هذه المنظمة العلمانية التي لا دين لها، عند كل عملية فدائية كلمة السر سب دين الله ﵎ أو سب الرسول، كان يقول القائل منهم إن تسل عن نسبي أنا ماركسي لينيني أمي.
وهذا ياسر عرفات حينما اشتكى لـ ديفيد كاسترو قال له: وأنت مرشدنا وزعيمنا الروحي، وجعل محمود درويش مستشاراً له، وحينما نزل إلى مطار القاهرة الدولي إذا بآلاف مؤلفة يستمعون إلى محمود درويش الشيوعي المرتد، وقد كان مستشاراً ولكن عرفات أقاله من منصبه، وقد نظم محمود درويش قصيدة بعنوان: للحقيقة وجهان ولون الثلج أسود، يقول فيها: لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة لكن نعشك عرشك تحمل العرش إن أردت العرش يا ملك الانتظار لم يترك لنا هذا السلام إلا حفنة من غبار ويقول محمود درويش: أنا من قرية عزلاء منفية كل رجالها في الحقل والمعمل يحبون الشيوعية وقال في ياسر عرفات: أنا يا أخي! آمنت بالشعب المقلد والمكبل وحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل شعار الشيوعية وقال أيضاً: نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير ويقول في قصيدته مديح الظل العالي: يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلّى -يعني: ظهر وبان-.
فلعل لي رباً لأعبده لعلَّ أما رشاد حسين شاعر من شعراء منظمة فتح يقول: الله أصبح غائباً يا سيدي صابر إذاً حتى بساط المسجد أما سميح القاسم عضو الكنيست الإسرائيلي وشاعر من شعراء الثورة الفلسطينية: يقول في قصيدته: (التعاويذ المضادة للطائرات): والله نحن نشاؤه بغرورنا شيئاً له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا ويقول محمود توفيق زياد في قصيدته (عيوني إليك المراكشية) يقول: وكان الله جندياً يحمل الحجارة ويعزل الإسمنت بيديه ويصطاد السمك لأطفال فلسطين ويقول محمود بسيسو المرتد الملحد في قصيدة له (إلى سائحة): وآخر ديك قد ذبحناه بقي الله هؤلاء هم أصحاب الردة، وشعراء الإباحية والزندقة، كلهم مستشارو عرفات، فالعلمانية لا دين لها، وهي التي احتفلت بـ لينين الذي أعطى أول وعد لليهود في فلسطين.
يقول محمود توفيق زياد: أمامه وقفت خاشع الجبين ضريحك المنصوب في القيود يا لينين يكفيك أن عدانا أهدروا دمانا ونحن من دمنا نحسو ونحتلب
следующие страницы →