← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

استلام عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عمرو بن العاص داهية العرب وذكي الصحابة إلى أرطبون ملك الروم، وأراد عمرو بن العاص أن يتحسس بنفسه مواقع جيش الروم، فذهب على أنه رسول من عمرو بن العاص إلى أرطبون قائد جيوش الروم، فلما وصل إلى أرطبون، قال لما رأى من ذكاء هذا الرجل إما أن يكون مستشاراً لـ عمرو بن العاص وإما أن يكون هو بذاته عمرو، فلأقتلنه بعد أن يمضي إلى الصحراء، وحدث بذلك قائداً من قواده، وشعر عمرو بن العاص بالخطر، فقال له: أيها الملك! إن سيدي عمرو له عشرة من المستشارين غيري أنا أقلهم أو كلهم على شاكلتي، فأشار الملك إلى الرجل الذي أمره بقتل عمرو بأن لا تفعل؛ فربما كان هذا أحد مستشاري عمرو، فلما وصل عمرو إلى مأمنه أرسل إلى أرطبون أن الذي كان يحدثك هو عمرو بن العاص. وعسكرت الجيوش الإسلامية الوضيئة -وكان عددهم خمسة عشر ألف مقاتل- أربعة أشهر على آثار القدس، خمسة آلاف تحت قيادة أبي عبيدة، وخمسة آلاف تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان، وخمسة آلاف تحت قيادة شرحبيل بن حسنة، فأرسل بطاريك القدس: والله لا نسلم المفتاح إلا لـ عمر، وأتى عمر ليتسلم المفتاح، فجاء سيدنا عمر إلى الشام بنفسه ولم يلبس قميص صوف، ولم يضع على رأسه عمامة، تلوح صلعته للشمس، راكباً على جمله، فلما وصل إلى الشام ترجل عمر وترجل أبو عبيدة وهمّ أبو عبيدة أن يقبل يد عمر، فهم عمر أن يقبل رجل أبي عبيدة، فامتنع أبو عبيدة وامتنع عمر، فقال له أبو عبيدة لما رأى قميصه مرقعاً قد اتسخ: يا أمير المؤمنين! إنك تأتي إلى قوم ذوي شأن فلا يصلح أن تأتيهم بهذه الهيئة، ثم أعطاه برذوناً، فلما ركب عمر فوق البرذون تاه به البرذون وتبختر في مشيته، فنزل عنه وقال: والله! ما كنت أظن أن الشياطين تركب قبل اليوم، علي بقميصي، ووجدوا بين كتفيه وبين منكبيه ثلاث عشرة رقعة. فلما مضى إلى القدس ليدخلها خاض في الوحل، فنزع نعليه ووضعهما في يد، وهو يخطم الجمل باليد الأخرى، وخاض في الوحل، فقال أبو عبيدة: ما رأيت مثل اليوم منظراً، فضربه عمر في صدره، وقال: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! لقد كنا أحقر وأذل الناس، فأعزنا الله بالإسلام، فلو طلبنا العزة في غيره لأذلنا الله. ثم سار إلى الصخرة، فقال لـ كعب: أرني موقع الصخرة، وكانت المرأة إذا حاضت حيضاً أرسلت بخرقة الحيض إلى مكان الصخرة، وهي قبلة اليهود التي يزعمون، حتى قال لـ هرقل: والله! لأنتم أحرى بالقتل على ما فعلتم بهذا المسجد من اليهود على قتل يحيى وعلى بني يحيى، فكان عمر يضع القمامات في جلبابه وفي قميصه ويخرجها خارج المسجد، ومن خلفه المسلمون. ومن الشروط التي اشترطها النصارى على أنفسهم قولهم لـ عمر: أن تدق الأجراس في جوف الكنائس دقاً خفيفاً بحيث لا يسمعه المسلمون، وأن نقوم للمسلمين من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، وألا نتشبه بالمسلمين في فرق شعر ولا في لباس نعل، وألا نضع السرج على الخيل، وأن نركب الخيل من شق واحد، وأن نلزم زنارنا حيث كنا. أيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجندك في حطين صلوا وكبروا وتبكيك من شوق المآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر وليمون يافا يابس في حقوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر وقال الآخر: وكأنني وابن الوليد وجنده وبكل كف لامع الأنصال نشروا على أرض الخليل لواءهم فغدا يظلل أطهر الأطلال وعن اليمين أبو عبيدة قد أتى وأتى صلاح الدين صوب شمال يسعى بجند قد شَرَوْا أرواحهم لله يوم تسابق لقتال فهم الأعزة في كتاب خالد ما بعد قول الله من أقوال ولما تولى معاوية الخلافة، أخذ العهد بالخلافة في بيت المقدس، ثم جعل دمشق عاصمة لخلافته، وفي عهد عبد الملك بن مروان أخذ البيعة بالخلافة في بيت المقدس، وأوقف عبد الملك بن مروان خراج مصر سبع سنوات على تجديد المسجدين، وعمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة طلب من الجميع أن يذهبوا إلى بيت المقدس ويقسموا هناك بين ربوعه يمين الولاء والطاعة والعدل بين الرعية.

стр. 142

سقوط القدس ثم استرجاعها على يد صلاح الدين لم تسقط القدس إلا في سنة ٤٨٢هـ في عهد الفاطميين غلاة الشيعة، أحفاد عبد الله بن سبأ اليهودي المؤسس الحقيقي لدين الشيعة، وقد سقطت القدس في عهد الخليفة المستعلي بالله لا أعلاه الله، وقد حاصروا القدس أربعين يوماً، وذلك عندما أتى إلى القدس سامعان الثاني وبطرس الناسك وبابا روما، فقاد الجيوش الصليبية، ومنهم ملوك أوروبا الوسطى وأوروبا الغربية، وفرضوا حصاراً حول القدس أربعين يوماً، حتى سلم قائد الجيش الفاطمي مستشار الدولة القدس، ورابط ألف ألف مقاتل صليبي، وقتل في المعارك حول القدس آلاف المسلمين، وامتلأت أرضية المسجد بدماء ستين ألف مقاتل مسلم، حتى خاض قائد الجيوش الصليبية في جثث المسلمين إلى ركبتيه، إذ لم يروا حرمة لهذه المدينة الطيبة ولا حرمة لمسلم، فقد قتلوا من قتلوا، وذبحوا من ذبحوا، ورفعوا الصليب على مسجد الصخرة. وكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه نصب الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوف وتحريق المصاحف فيه طيب وظلت القدس أسيرة إحدى وتسعين سنة، وجعلوا من قبة الصخرة مرتعاً لكلابهم، وربطوا الخيل والخنازير في أرجاء المسجد، حتى عسكر صلاح الدين الأيوبي في الخامس عشر من رجب، وفرض حصاراً حول القدس، ولما صارحوه على أن تفتح القدس بطريقة اشترطوها، قال: والله! لا تفتح إلا عنوة كما أخذت عنوة، فقال له مقدم النصارى الذي في القدس: إذاً نقتل من بأيدينا من أسرى المسلمين -وهم أربعة آلاف أسير مسلم- ونقتل أولادنا ونساءنا وجوارينا، ثم نهدم القدس وقبة الصخرة، ثم نخرج إلى العراء نقاتلكم قتال الموت، وهنا استجاب صلاح الدين إلى مطالبهم على أن يخرج كل رجل ويدفع عشرة دنانير، وكل امرأة خمسة دنانير، وعن كل صبي أو صبية ديناران، ومن يمكث أربعين يوماً ولا يخرج يقع أسيراً في أيدي المسلمين، وتم أسر ستة عشر ألف رجل وامرأة وولد، ودخلت جيوش المسلمين القدس بعد طول غيبة، في يوم الجمعة ٢٧ من شهر رجب سنة ٥٩٣هـ، دخل صلاح الدين الأيوبي، واهتموا بإزالة ما فيه من الصلبان والقساوسة والرهبان والخنازير، ثم غسلوا المسجد بالماء الطاهر، ثم بعد ذلك غسلوه مرة ثانية وقبة الصخرة بماء الورد والمسك الفاخر، وصدر المرسوم الصلاحي بأن يكون خطيب الجمعة في يوم الجمعة ٤ شعبان هو القاضي القرشي ابن الزكي. ما أجمل عودة الأرض إلى أهلها! وما أجمل عودة الأرض إلى الذين جادوا بأنفسهم لله ﵎! يقول رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود، وحتى يختبئ اليهودي خلف الحجر والشجر، وينطق الحجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجرهم) أو كما قال رسول الله ﷺ . وبعد الفتح بثمان، أي: في اليوم الرابع من شعبان علا صوت الأذان، وخسئ القسيسون والرهبان، وصمتت النواقيس والرهبان، وقرئ القرآن، وعلقت القناديل، وتلي التنزيل، وتنوعت العبادات، وكثرت الدعوات، وكبر الله ﵎ الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ كبره كل قائم وقاعد، وكل راكع وساجد، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع. كما قال العلامة ابن كثير: وصعد القاضي المنبر، فكان أول ما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، ثم أتى بجميع المحامد أي: آيات الحمد التي في القرآن الكريم. فما أحلاها من عظة! ما تمسك المسلمون بدينهم إلا وأعزهم الله ﵎، وما فرطوا فيه إلا وأذلهم الله ﵎.

стр. 143

نكبة اغتصاب اليهود لفلسطين مرة أخرى بعد سنوات عديدة سقط المسجد مرة ثانية في أيدي اليهود المشردين المشتتين، هؤلاء اليهود إخوان القردة والخنازير يحتلون أرض بيت المقدس، وكان احتلالهم لبيت المقدس لوعد بلفور عام ١٩١٧م. تقول كاتبة مذكرات بلفور: إن بلفور كان يؤمن بالتوراة إيماناً عميقاً، ويؤمن بها إيماناً حرفياً، ولإيمانه بالتوراة أعطى اليهود فلسطين على أساس أنها ستكون لهم، كما جاء في التوراة المحرفة، فما أعطاها نظام تولي فقط، وإنما أعطاها لإيمانه العميق بالتوراة المحرفة، وقبلها لينين زعيم الشيوعية وكلبهم الأحمر، إذ أعطى فلسطين عام ١٩١٧م لرفاقه اليهود الذين شاركوه في الثورة، وأصدر منشوراً بإعطاء موطناً لليهود في فلسطين. وقبل سنة ١٧٩٨م قال نابليون بونابرت في الحملة الفرنسية على مصر أمام يهود العالم: أيها الإسرائيليون! أيها الشعب المختار! يا ورثة فلسطين الحقيقيين! هذه اللحظة قد لا تعود لآلاف السنين، فانتهزوا هذه اللحظة لإقامة وطن قومي لكم في فلسطين. فـ نابليون بونابرت وعد اليهود قبل أن يعدهم لينين. واجتمعت جحافل الصليبيين والشيوعيين على الغدر بفلسطين وأقيمت الدولة اليهودية، وما استطاع أهلها أن يقاتلوا إذ لم يكن لهم من يقودهم ويأمرهم، فقائد القوات الأردنية لم يكن أردنياً، وإنما كان إنجليزياً، وحين لاقى الجيش المصري العدو في الفالوجة أشار عليهم القائد الإنجليزي أن يلبسوا ملابس النساء إذا أرادوا أن يخرجوا من الفالوجة، فامتنعوا من ذلك. وأول سيارة دخلت إلى سينا نزل منها الجنود والضباط الإسرائيليون، وقبلوا الأرض الذي تسلم فيها موسى التوراة من ربه، أو التي كلم موسى فيها ربه. إن ما بيننا وبين هؤلاء اليهود حرب دينية بحتة، ففي عام ١٩٥٦م كانت أول سيارة جيب تخترق أرض سينا محملة بنسخة كبيرة من التوراة، ووراء هذا الكتاب حاخام يهودي يتلو على الجنود الإسرائيليين: يا أبناء إسرائيل! إنكم الآن تدخلون الأرض المقدسة، إنكم الآن أتيتم إلى الأرض التي تسلم موسى فيها رسالة من ربه، فقاتلوا أعداء موسى. وفي سنة ١٩٦٧م ألفت بنت موشي ديان كتاباً يسمى كتاب (جندي من إسرائيل) -وكانت ممن اشترك في الحرب- تقول فيه: وكان ينتابني الرعب، ويعتصر قلوبنا الخوف من لقاء الجبهة الجنوبية لجيش مصر، فكان إذا أتانا الحاخام وتلا علينا نصوصاً من التوراة، استحال الخوف أمناً، بينما كانت إذاعة العدو تردد للجنود المصريين: قاتلوا من أجل الربيع، قاتلوا من أجل عشاق الحياة، قاتلوا من أجل صناع الحياة، وأم كلثوم معهم في المعركة، يا خيبة الأمل! وبعد المعركة تساقطت سبعمائة وخمسون طائرة، حتى إن جمال عبد الناصر أرسل إلى الملك حسين وقال له: أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب، اطمئن يا جلالة الملك! التوقيع سلمي. أنقل هذا الكلام سخرية من رجالات العرب. كوكب الشرق لا تذوبي غراماً ودلالاً وحرقة وهياما ففلسطين لا تحب السكارى وربى القدس لا تريد النياما كوكب الشرق ضاع قومي لما تاه في حبك القطيع وهاما ولو أن الخيام يبعث حياً هوت الكأس من يديه حطاما

стр. 144

العداء الديني بين المسلمين واليهود ما بيننا وبين هؤلاء اليهود حرب دينية بحتة، يقول الله ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فهذه آية لا يستطيع أي كذاب أن ينكرها. فاليهود قتلة الأنبياء قتلوا يحيى وقتلوا قبله أباه زكريا، وأرادوا أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، إذ دست امرأة زعيم من زعماء اليهود السم في ذراع الشاة، حتى قال النبي ﷺ : (إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة). ومات من أكل هذه الأكلة بشر بن البراء الصحابي الجليل، بل قال كثير من العلماء: إن رسول الله ﷺ مات من أثر السم، لأنه قال لأخت بشر بن البراء في مرض الموت: (هذا أوان انقطاع أبهري من أثر الأكلة). ومن اليهود عليهم اللعنة من الله، منهم كعب بن الأشرف الذي سب أمهات المؤمنين، ومنهم عبد الله بن سبأ مؤسس دين الشيعة الأكبر، ومنهم مدحت باشا مثير النعرات القومية، والذي كان سبباً في إسقاط دولة الخلافة على يد اليهودي الأصل مصطفى كمال أتاتورك؛ لأنه كان من يهود الدونمة. ومنهم كارل ماركس زعيم الشيوعية، ومن اليهود أيضاً جامبل كرتر، وقبائحهم لا تنقضي ولا تعد، فما بيننا وبين اليهود حرب دينية بحتة، ودولة إسرائيل دولة دينية، وشعارها شعار ديني، وتسمى بإسرائيل وهو نبي الله يعقوب، وحدودها كما جاء في الإصحاح الخامس عشر من التوراة المحرفة: (ما بين النيل إلى الفرات لنسلك هذه الأرض)، من نهر النيل إلى النهر الكبير؛ نهر الفرات، وعلمهم أيضاً فيه شعار ديني: خطان أزرقان يشيران إلى النيل والفرات وبينهما مسجد داود إشارة إلى ملك إسرائيل لهذه الأرض.

стр. 145

العمالة الهابطة ودورها في سقوط الأرض وعلى الطرف الآخر تجد الجميع يتساقطون، وأول من يتساقط أصحاب الأرض؛ منظمة فتح التي عقدت كامب غزة وأريحا، هذه المنظمة العلمانية التي لا دين لها، عند كل عملية فدائية كلمة السر سب دين الله ﵎ أو سب الرسول، كان يقول القائل منهم إن تسل عن نسبي أنا ماركسي لينيني أمي. وهذا ياسر عرفات حينما اشتكى لـ ديفيد كاسترو قال له: وأنت مرشدنا وزعيمنا الروحي، وجعل محمود درويش مستشاراً له، وحينما نزل إلى مطار القاهرة الدولي إذا بآلاف مؤلفة يستمعون إلى محمود درويش الشيوعي المرتد، وقد كان مستشاراً ولكن عرفات أقاله من منصبه، وقد نظم محمود درويش قصيدة بعنوان: للحقيقة وجهان ولون الثلج أسود، يقول فيها: لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة لكن نعشك عرشك تحمل العرش إن أردت العرش يا ملك الانتظار لم يترك لنا هذا السلام إلا حفنة من غبار ويقول محمود درويش: أنا من قرية عزلاء منفية كل رجالها في الحقل والمعمل يحبون الشيوعية وقال في ياسر عرفات: أنا يا أخي! آمنت بالشعب المقلد والمكبل وحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل شعار الشيوعية وقال أيضاً: نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير ويقول في قصيدته مديح الظل العالي: يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلّى -يعني: ظهر وبان-. فلعل لي رباً لأعبده لعلَّ أما رشاد حسين شاعر من شعراء منظمة فتح يقول: الله أصبح غائباً يا سيدي صابر إذاً حتى بساط المسجد أما سميح القاسم عضو الكنيست الإسرائيلي وشاعر من شعراء الثورة الفلسطينية: يقول في قصيدته: (التعاويذ المضادة للطائرات): والله نحن نشاؤه بغرورنا شيئاً له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا ويقول محمود توفيق زياد في قصيدته (عيوني إليك المراكشية) يقول: وكان الله جندياً يحمل الحجارة ويعزل الإسمنت بيديه ويصطاد السمك لأطفال فلسطين ويقول محمود بسيسو المرتد الملحد في قصيدة له (إلى سائحة): وآخر ديك قد ذبحناه بقي الله هؤلاء هم أصحاب الردة، وشعراء الإباحية والزندقة، كلهم مستشارو عرفات، فالعلمانية لا دين لها، وهي التي احتفلت بـ لينين الذي أعطى أول وعد لليهود في فلسطين. يقول محمود توفيق زياد: أمامه وقفت خاشع الجبين ضريحك المنصوب في القيود يا لينين يكفيك أن عدانا أهدروا دمانا ونحن من دمنا نحسو ونحتلب

стр. 146

أمريكا وإسرائيل إن ما بين أمريكا وبين إسرائيل حبل سري لا ينقطع أبداً إلا إذا ماتت إحدى الدولتين كما يقولون. فأمريكا يغلب عليها مذهب البروتستانت الذي يؤمن بالتوراة إيماناً حرفياً، ويؤمن بالعهد القديم وبالتوراة المحرفة، وفي التوراة المحرفة: أن الله ﵎ يورث أرض كنعان -يعني: أرض العرب- لأولاد سام ويافث، ويعطي لإسرائيل ولنسله الأرض، يقول: لتسجد لك شعوب، لتسجد لك قبائل، ليكن كنعان وأولاد كنعان لك. فهم يؤمنون بالتوراة. فسبعة من رؤساء أمريكا كلهم يؤمنون بالصهيونية الإنجيلية، أو المذهب عند البروتستانت يؤمن به ريجن، ويؤمن به نيكسون، ويؤمن به بوش، وكان يؤمن به قبل ذلك جونسون من أربعة قرون، ويؤمنون أن اليهود لهم الحق في إقامة وطن ديني لهم في فلسطين، بل ويؤمنون أيضاً بخرافة ينسبونها إلى التوراة المحرفة، تقول: إن معركة سيقودها المسيح تسمى معركة هرمجدون في سهل مجيدو في فلسطين. ويقولون: إن رؤساء العالم ويهوده يجتمع منهم حوالي أربعمائة مليون يقاتلون الوثنيين أو العرب المسلمين، وهناك ينصرهم دين المسيح حتى يرفع عرايا شيكاغو وعرايا باريس. ويقولون: إن المسيح سينزل بعد ألف سنة فيحكم الأرض ألف سنة، وفيها تقع معركة هرمجدون، فلما تأخر نزوله عن الألف الأولى قالوا: تأخر نزوله إلى الألف الثانية، وهناك كتاباً اسمه: ١٩٩٩مسلم بلا حرب، وستسيطر أمريكا سيطرة كاملة على العالم ويبقى ما بقى على السيد المسيح. أما ريجن فيقول: أظن أن السوفيت سيتورطون في معركة هرمجدون، ويعلن أمام التلفاز والبيت الأبيض وأمام مجلس الشيوخ إحدى عشرة ألف مرة إيمانه بهذه المعركة. ويقول جونسون رئيس أمريكا أثناء الحرب العالمية الأولى: إنه يتوجب على ابن راعي الكنيسة كما قال في التوراة أن ينشئ وطناً دينياً لليهود في فلسطين. وأما كارتر فيقول في خطابه في تاريخ ٥/ ١/١٩٧٣: إن إنشاء دولة إسرائيل وقيامها أولاً وقبل كل شيء تحقيق للنبوءة التوراتية، وتحقيق للوطن التوراتي لليهود في فلسطين، وقيام دولة إسرائيل هو منشأ النبوءة التوراتية وجوهرها فهؤلاء يعتقدون اعتقاداً دينياً أنه لا بد من تسليم القدس لليهود، تمهيداً لعودة المسيح إلى الأرض، ونحن نقول هذا الكلام حتى يفيق الناس من سباتهم، وحتى يعودوا إلى الله ﵎، وعليكم أن تعلموا أولادكم أن بين أمريكا وإسرائيل وفاقاً دينياً كبيراً شديد الصلة كالحبل السري، كما قال أحد ساساتهم أمام مجلس الشيوخ الأمريكي. فاتقوا الله ﵎ فينا وفي أولاد المسلمين، واتقوا الله ﵎ في كل مسجد ذبيح، وفي كل أذان صابر، وفي كل شبر من الأرض. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك توابين منيبين، تقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، واسلل سخائم صدورنا، اللهم إن علمت الصدق منا فارزقنا شهادة في سبيلك، اللهم احشرنا إليك من حواصل الطيور وبطون السباع، اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك وموتاً في بلد رسولك. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 147

بكاء الأفئدة من نار الله الموقدة إن النار مخلوق من مخلوقات الله ، لا تفنى ولا تبيد، وقد أعدها الله لمن عصاه، وخالف أمره، وكذب رسله وأنبياءه، فمن خافها في الدنيا، وتجنب كل عمل يقربه منها أمنه الله منها يوم القيامة. ومن لم يخف منها، واقترف ما يقربه منها خوفه الله منها يوم القيامة.

стр. 148

من أخبار البكائين من النار إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: فإن عنوان هذا الموضوع هو: بكاء الأفئدة من نار الله الموقدة. ما ظنك أيها المفرط في عمره، المقصر في دهره بسكان هذه الدار الضيقة الأرجاء، المظلمة المسالك، دار يخلد فيها الأشقياء، ويوقد فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، هذه والله دار الذل والهوان، والعذاب والخذلان، دار الشهيق والزفرات، والأنين والعبرات، دار أهلها أهل الندامة والشقاء، والتعاسة والبكاء. أحدثك عن دار غم قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها، سلاسل وأغلال، ومقامع وأنكال، والله لم ينذر العباد بشيء أدهى منها، كما قال الحسن البصري ﵀: بكى من ذكرها الصالحون، بل ومات من ذكرها الصالحون، هذا علي بن الفضيل بن عياض يقوم في تهجده فيقرأ قول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧] فظل يرددها حتى خرجت روحه، فيأتيه والده الفضيل فيقول: أي ابناه! واقتيل النار! واقتيل القرآن! واقتيل جهنماه! والله ما قتل ابني إلا الخوف من عذاب الله. ويبكي يزيد الرقاشي، ثم يعاتب في كثرة البكاء ويقال له: لو لم تخلق النار إلا لك لما كان في بكائك مزيد، فيقول: وهل خلقت النار إلا لي ولإخواني من الجن والإنس، أما تسمع قول الله : ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]، ثم ظل يقرأ من سورة الرحمن حتى وصل إلى قول الله : ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٣ - ٤٤]، فظل يجول في الدار ويصيح ويبكي. يقول مالك بن دينار ﵀: لو وليت من أمر الناس شيئاً لأقمت رجالاً على منارات الدنيا يصيحون في الناس: النار النار. رأى مالك بن دينار ﵀ جويرية متعبدة تطوف بالكعبة وتقول: يا رب! أما كان لك عذاب تعذب به من عصاك إلا النار؟! وظل هذا دأبها وقولها من الصباح، فوضع مالك يده على رأسه وقال: يا ثكلاه! ثكلت أم مالك مالكاً، ثكلت أم مالك مالكاً، إذا كان هذا قول الجويرية فما ظنك بـ مالك. ولما بكى يزيد بن مرثد قال يزيد بن جابر: لم البكاء؟ قال: وما مسألتك عن هذا؟ قال: عسى الله أن ينفعني به، قال: إن هذا الأمر ليعرض لي حين أدخل إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، إن هذا الأمر ليعرض لي حين يقدم إلي الطعام فأبكي وتبكي صبيتي، وتبكي الزوجة، حتى تقول: ويحي وما اختصصت به من طول الحزن معك، لا تقر لي معك عين في دار الدنيا.

стр. 149

صفة النار وأهلها انظر يا أخي إلى صفة جر النار، وإلى صفة الإتيان بها، سيدنا عمر بن الخطاب قال لـ كعب الأحبار فيما رواه ابن القيم بسند حسن: إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها بذكر النار، قال: يا أمير المؤمنين! يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا زفرت زفرة فما من دمعة في العيون إلا وبدت، وإذا زفرت الأخرى فما من نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا وجثا على ركبتيه، وقال: نفسي نفسي، حتى لو كان لك يا أمير المؤمنين عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أنك لا تنجو. وفي الصحيح الذي أشار إلى صحته الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) قال رسول الله ﷺ : (يخرج عنق من النار له لسان فصيح، وعينان تبصران، وأذنان تسمعان، يقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، فيلتقطهم من الموقف لقط الطير حب السمسم، ثم يخرج مرة ثانية فيقول: إني وكلت بكل من دعا مع الله إلهاً آخر، فيلتقطهم من الموقف لقط الطير حب السمسم، ثم يخرج مرة ثالثة، فيقول: إني وكلت بالمصورين، فإذا حبس هؤلاء في النار أتي بالصحف وجيء بالموازين، واستعد الناس للحساب) صححه الألباني. وكما أن هناك سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، ومع كل ألف سبعون ألفاً فهناك آخرون يجرون إلى النار بغير حساب، ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]، والحديث يدل على هذا. قال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢]. وقال الله ﵎: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]. وقال الله ﵎: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]. وقال رسول الله ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر على صورة الناس، يغشاهم الذل من كل مكان، تعلوهم نار الأنوار، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى: بولس، يسقون من عصارة أهل النار (طينة الخبال)) والحديث صحيح. يقول الله ﵎ عن النار: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، يخلق الله للنار إدراكاً وإحساساً، فهي نار تتكلم، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]. والنار قد أعدها الله ﵎ للكافرين، وهيئت وجهزت، وهذا الإعداد إعداد حقيقي خلافاً لقول المعتزلة أن الإعداد هنا بمعنى التقدير، فجهنم موجودة الآن، وهو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً لقول المعتزلة الذين أنكروا وجود النار الآن. وأما عن كيفية مجيء النار ففي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) معنى ذلك أن الملائكة المكلفين بجر النار أربعة آلاف مليون وتسعمائة مليون ملك، مع أن خزنة النار تسعة عشر. وأما ما في النار أجارنا الله وأعاذنا الله منها ففي (المطالب العالية) فيما أشار إلى حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني قال: (لو أن في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم واحد من أهل النار فتنفس لاحترق المسجد بمن فيه).

стр. 150

طعام أهل النار طعام أهل النار أربعة أصناف: الطعام الأول من الشجرة المعلونة الزقوم، قال الله ﵎: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٦]. هذه الشجرة الملعونة جعلها الله فتنة للظالمين، وعهد أبناء الدنيا أن النار تأكل الشجر، فما بالك بهذه الشجرة التي لا تترعرع إلا في النار، ويكون مستقرها في قعر الجحيم، ومع هذا لا يزيدها ذلك إلا ترعرعاً في قعرها ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]. وقال الله ﵎: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦]. قال رسول الله ﷺ : (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم) فكيف بمن يكون الزقوم طعامه وشرابه؟!! وأما الصنف الثاني فهو الضريع، والضريع نبات تعرفه العرب، فإذا كان أخضر تعافه الماشية، فإذا كان يابساً صار سماً خالصاً، سبحان الله! فمعنى هذا أن طعام أهل النار الثاني وهو الضريع طعام تعافه الماشية في دار الدنيا. أما الطعام الثالث فلقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣]، فهو الطعام بالغصة، قال سعيد بن جبير: إنها حجارة من كبريت، وقال ابن عباس: شكوك يلتقمه أهل النار فيأخذ بعروق الحلوق، لا يدخل ولا يخرج. فتصور لو أن إنساناً أكل لقمة فوقفت عند لسان المزمار لا تدخل ولا تخرج، إذا دخلت في الجهاز التنفسي مات بسببها الرجل، أو تتردد عند لسان المزمار فيكون في حالة ما بين الموت والحياة، هذا بلقمة، فما ظنك بشوك يأخذ بعروق الحلوق لا يدخل ولا يخرج. من غص داوى بشرب الماء غصته فكيف يفعل من قد غص بالماء والطعام الذي بعد ذلك: هو الغسلين، قال محمد بن كعب القرظي ﵀: لو دلي من غسلين دلو في مشرق الشمس لغلت منه جماجم قوم في مغربها. والغسلين هذا يسيل من قروح وقيح وصديد أهل النار. أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

стр. 151

شراب أهل النار أما عن شراب أهل النار فقد قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، فهو ماء أسود كعكر الزيت المغلي، جهنم سوداء وماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود مقبوحون ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس:٢٧]. قال الله ﵎: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧]. وهناك الزمهرير، وهو الشراب البارد الذي يحرق من شدة البرد، وهناك الحميم، وهو الذي بلغ أقصى درجات الغليان، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٣ - ٤٤]، وشراب أهل النار طينة الخبال. فهذا طعامهم وهذا شرابهم.

стр. 152

ثياب أهل النار أما عن ثيابهم فقد قطعت لهم ثياب من نار، كما قال الله : ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠]، قال سعيد بن جبير: قطران الإبل، وقال ابن عباس: إنه الرصاص المذاب. وهو الذي يذوب من شدة الغليان. وقال الله ﵎: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف:٤١] أي: الأسرة من نار، ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] واللحف أيضاً من نار، وحذيت لهم نعال من نار، وسرابيل من قطران، وأطبقت عليهم الأبواب، وغضب عليهم المولى . ألبسوا النضيج من النحاس، ومنعوا خروج الأنفاس، فالأنفاس في أجوافهم تتردد، والنيران على أبدانهم تتوقد، يا نار كلي، يا نار أنضجي، كلي ولا تقتلي.

стр. 153

بكاء أهل النار قال رسول الله ﷺ عن بكاء أهل النار: (إن أهل النار يبكون الدمع، ثم يبكون الدم حتى لو سيرت فيه السفن لجرت). وكان من دعاء داود: يا رب! إني لا أستطيع حر شمسك فكيف أستطيع حر نارك؟! يا رب! إني لا أستطيع سماع صوت رحمتك -وهو الرعد- فكيف أستطيع سماع صوت غضبك؟! قال رسول الله ﷺ : (نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها ونارها). أما حديث: (إن جهنم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، وألف سنة حتى احمرت، وألف سنة حتى اسودت). فهذا حديث ضعفه الشيخ الألباني، كما ضعفه أهل العلم.

стр. 154

قبح وبشاعة أهل النار أما عن قبح وبشاعة أهل النار -أجارنا الله منها- فإن الفضيل بن عياض في موعظته للرشيد كان يقول: يا مليح الوجه حذار من نار الله ، حذار من نار الله . قال رسول الله ﷺ : (ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد، وبعد ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام). ونحن أطباء أمراض الدنيا نقول: عندنا في الطب أن الجلد هو مركز الإحساس الأول في الجسم، وتنتهي فيه كل أطراف الأعصاب، فإذا زادت درجة الحرارة على أطراف الأعصاب تتلف هذه الأعصاب، فلا يحس الإنسان لا بحرارة ولا ببرودة، ولذا يقول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، وكلما سمك الجلد أحس الإنسان بألم العذاب أكثر، ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]. وفي حديث صحيح صححه الشيخ الألباني قال ﷺ : (مقعد الكافر من النار ما بين مكة والمدينة، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل الورقاء) وهي جبال في الجزيرة العربية. قال ابن عباس: ما بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه مسيرة أربعين خريفاً، وأودية قيح ودم قيل: أنهار؟ قال: لا، بل أودية. وقال عمرو بن ميمون الأودي يسمع لصوت الدود ما بين جلد الكافر وما بين عظمه جلبة كجلبة الوحش. قال أبو هريرة: شفاههم على صدورهم، مقبوحون مرذولون، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ككلوح الرأس النضيج.

стр. 155

سلاسل أهل النار أما عن السلاسل التي أعدت لهم فكما قال الله : ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]. هذه الأغلال والقيود ما سمع بها البشر. وقال الله ﵎: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]، قال أهل العلم بالتأويل: يجمع ما بين ناصية الرجل -أعلى الرأس- وما بين قدمه بسلسلة، ومعلوم أنه لا يستطيع أحد حتى الذين يلعبون الجنباز أو غيرهم أن يؤتى برأسه إلى جنب قدمه، ولكن هذه السلسلة تجمع ما بين الناصية وما بين القدم من الخلف، بحيث لا تتكسر الفقار. جمع النواصي مع الأقدام صيرهم كالقوس محنية من شدة الوتر قال الله ﵎: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل:١٢]، والأنكال هي القيود والسلاسل التي توضع بالرجل. إن أسير الدنيا يوماً من الأيام تفك قيوده، وتفصم غلوله، أما أسير الآخرة فلا تفك قيوده أبداً، ولا تفصم غلوله أبداً، فهو الأسير حقاً، والله ما سلسلهم الله خوفاً من انفلاتهم، ولا خوفاً من هربهم، وإنما سلسلهم زيادة في ذلهم، قال الله : ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر:٧٠ - ٧١]، فتجمع اليد إلى العنق بالأغلال. ولكل رجل منهم مقمع من حديد يضرب به، ولكل رجل غل مكتوب عليه اسمه كما قال علماء السلف. فهي أغلال توضع بالعنق، وأنكال توضع بالرجل، وسلسلة تجمع ما بين النواصي والأقدام، وهذا عذاب ما سمع به البشر. ونعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري قيدوه وسلسلوه في محنة خلق القرآن ثم ألقوه في حفرة، فقال: إني امرئ مخاصم أمضي إلى الله بسلاسلي وقيودي، فقالوا: فوالله ما غسلوه، وإنما ألقوه في حفرة بسلاسله. وأما ما عند الله من قيود وسلاسل فلا يعرفها البشر، قال الله : ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢]، قال وهب بن منبه: الذراع سبعون باعاً، والباع أبعد مما بين مكة والكوفة، فطول السلسلة أربعة آلاف وتسعمائة باع، قال أهل العلم: لا يقوم لها حديد الدنيا. قال الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] أي: ضعوا الأغلال في عنقه، فيبتدره مائة ألف ملك أو يزيدون كلهم يريد أن يضع الغل في عنقه، فيقول: ألا ترحموني؟! فيقولون: كيف ولم يرحمك أرحم الراحمين! تخيل لو أن واحداً يجري خلفه مائة ألف معهم سلاسل وقيود يريدون أن يضعوا الأغلال في عنقه!! فهذا صنف من العذاب. ثم أتى بـ (ثُم) وهي هنا للتأخر والترتيب، فقال: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١]، والتصلية بالنار هي الغمس الكامل في النار. ثم تأتي منزلة أعلى في العذاب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] يعني: سلك السلسلة فيه أشد من التصلية بالنار، فالسلك في اللغة أن تدخل قطراً صغيراً في داخل قطر أكبر، فإن كانت هذه السلسلة لا يقوم لها حديد الدنيا فكيف تدخل من استه وتخرج من فمه أو من منخريه، وهذا ما عرفه أهل الدنيا، وإنما أعد خصيصاً لأهل النار ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢].

стр. 156

كفر التابعين بالمتبوعين في النار هؤلاء الذين كان يملي بعضهم لبعض في الضلال يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]، ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]. شعارهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [ص:٥٩]. قال الله : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] أي: تفرقوا اليوم أيها المجرمون، فكل منهم في تابوت من نار لا يرى ولا يُرى، قال الله : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] يعني: أهل المصائب حين تجمع بينهم المصيبة الواحدة هذا يهون البلاء عليهم كما قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي والمعنى: أنهم يبكون لكن لا يبكون مثل أخي، والذي مات ليس كأخي، لكن نحن في مصيبة واحدة. وأما أهل النار فقد انقطع التواصل بينهم، ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠]. والكذاب كذاب إلى يوم القيامة، يقول الله لسيدنا نوح: يا نوح! هل بلغت؟ يقول: بلى، فيقول الله ﵎ لأمة نوح: هل بلغكم نوح؟ يقولون: ما جاءنا من نذير، فيكذبون وهم أمام الله ؟!! وهناك مثل في مصر يقول: (نهيتك وما انتهيت، والطبع فيك غالب، وذيل الكلب ما ينعدل ولو علقوا فيه مائة قالب).

стр. 157

نداء أهل النار مالكاً قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ومالك ملَك كريه المرءى كأكره ما أنت راءٍ من الرجال، وإذا غضب على النار أكل بعضها بعضاً، وأخذت تجري منه إلى الأبواب، يطول صمت مالك مئات السنين، فإذا أجابهم قال: إنكم ماكثون، بعد هذه المدة يكون هذا الجواب، ما أطول المدة وما أمر الجواب!

стр. 158

خطيب جهنم ونداءات أهل النار خطيب أهل الجنة سيدنا داود، وإذا تلى القرآن في الجنة أنسى أهل الجنة نعيم الجنان، وهؤلاء في جهنم خطيبهم الشيطان، ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] بعد أن أوردهم المهالك؟! وإذا سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، فينادون: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، فينادون ربهم: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم:٤٤] فيجيبهم الله : ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٤ - ٤٥]. يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، فيجيبهم الله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]، فيجيبهم الله : ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. فلا يبقى لهم بعد ذلك إلا أنين الرجل المدنف، وهم يصطرخون فيها، وأول أمرهم زفير، ونهاية أمرهم شهيق كصوت الحمار. هذه منزلة أهل النار عياذاً بالله أن نكون منهم.

стр. 159

متفرقات من عذاب النار قال الله ﵎: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧] أي: يكلفون بصعود جبل من نار، فإذا وصلوا إلى نهايته ردوا بمقامع من حديد إلى قعر النار. قال الله عن ناره: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٨] أي: لا تبقي لحماً، ولا تبقي مخاً، ولا تبقي عظماً، قال: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٩] أي: حراقة للجلد، أو تلفح وجوههم فتدعها أشد سواداً من الليل البهيم. قال الله ﵎: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] هذا الظل الذي من يحموم لا بارد ولا كريم، ظل أسود حار يأخذ بالأنفاس، يكاد يزهق أرواحهم، وعهد الناس بالظل في دار الدنيا أنهم يستريحون فيه ويتفيئون نعيمه، فما بال هذا الظل؟! وعلى الطرف الآخر شجرة طوبى، يقول النبي ﷺ : (إن في الجنة شجرة تسمى شجرة طوبى يسير الراكب بالجواد المسرع في ظلها مائة عام ولا ينتهي ظلها)، فانظر إلى هذا الظل من ذياك الظل!! أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي يقول الله : ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] فشرر النار يشبه القصور العظيمة. وهذه النار لا تفنى أبداً، كما قال العلامة ابن القيم: دار جمعت الطيب وأهله الطيبين، ودار جمعت الخبث وأهله، لا تستويان أبداً، ولا تبيدان أبداً. قال مجاهد: يلقى الجرب على أهل النار فيحتكون حتى تبدوا عظامهم، فيقال: لماذا هذا؟ يقال: لأذاكم للمؤمنين.

стр. 160

صفة الجنة وعلى الطرف الآخر دار غرس غراسها الرحمن بيده. إن جنة عدن كما قال سيدنا عبد الله بن عمر في الصحيح الموقوف عليه وله حكم الرفع: (رحم الله أقواماً علموا أن الرحمن غرس الجنة بيده، فقدروا قطع الغرس، إنما خلقنا لنحيا مع الخالق، دار غرس غراسها الرحمن بيده، حصباؤها المسك، وترابها الزعفران، ولبناتها الفضة والذهب، وجيرانها أنبياء الله، وزوارها ملائكة الرحمن، الطوافون عليهم فيها الولدان المخلدون، سقفها نور عرش الرحمن). فنعيم الجنة نعيم يتكلم، وأما عن أرض الجنة فتصور لو أن رجلاً فرش بيته بالحصير، ثم أراد أن يفرشه بالموكيت أو بالسجاجيد ربما يوهم عائلته أنه قد غير الحصير بالسجاد، فما ظنك بدار أرضها كما قال النبي ﷺ : (أرض الجنة مسك خالص) فبالله عليك خبرني كيف يمشي الإنسان على المسك! وقال النبي ﷺ : (تربتها الزعفران). وقال ابن عباس: أرض الجنة من مرمرة بيضاء من فضة كأنها المرآة، فضة ليست مصمتة كفضة الدنيا، وإنما فضة هي في صفاء الزجاج. وأرض الجنة مسك خالص، هذه الأرض التي يمشي ويسير عليها أولياء الله .

стр. 161

آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة آخر من يدخل الجنة وآخر من يخرج من النار -ولا يخرج منها إلا حبواً كما جاء في الحديث الصحيح- هذا الرجل الذي ينسيه الخوف من النار أن يسأل المولى الجنة، يقول: يا رب! -كما جاء في الحديث الصحيح- اصرف وجهي عن النار لا أسألك شيئاً غير ذلك. فيأخذ الله ﵎ عليه العهد والميثاق ألا يسأله شيئاً غير أن يصرف وجهه عن النار، ثم يمثل له شجرة ذات ظل، فيقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة أكن في ظلها، يقول: ما أغدرك يا ابن آدم، ألم آخذ عليك العهد والميثاق ألا تسألني شيئاً غير ذلك؟! يقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك. ثم يمثل له شجرة ذات ظل وثمر، يقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة أكن في ظلها وآكل من ثمرها، فيقربه، ثم يمثل له شجرة ذات ظل وثمر وماء -يعني: تحتها نبع ماء- فيقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة أكن في ظلها وآكل من ثمرها، ثم يرى باب الجنة ويشم رائحتها، وإن رائحة الجنة لتشم من على مسيرة خمسمائة عام، كما جاء في الحديث الصحيح. فإذا دخل الجنة يقول: هذا لي وهذا لي، وهذا لي، وهذا لي، ثم تنقطع به الأماني؛ لأنه رآى ما لا قبل لعينه به، ورأى أشياء لا يعرفها، فتنقطع به الأماني، فيقول له المولى : تمن من كذا، وتمن من كذا، وتمن من كذا، ثم يقول المولى : ولك عشرة أمثال الدنيا من يوم خلقتها حتى أفنيها، هذا آخر من يدخل الجنة! وفي الحديث الصحيح الذي صححه الحافظ ابن حجر والإمام المنذري وغيرهما من أهل العلم في كتاب السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد قال: (ثم يمثل له قصر من در أبيض فيسجد، فيقال: مه، ارفع رأسك، يقول: كأنما رأيت ربي، أو كأنما تراءى لي ربي، فيقال: إنما هذا قصر من قصورك، ثم يمشي فيرى رجلاً من أهل الجنة فيهم بالسجود، فيقال: مه، ارفع رأسك، يقول: كأنك ملك، يقول: إنا كهرمانك -يعني: خادمك- وتحت يدي ألف كهرمان على مثل ما أنا عليه) هذا آخر من يدخل الجنة! وينظر إلى وجه زوجته ثم يعرض عنها ويلتفت إليها مرة أخرى فتزيد في عينيه سبعين ضعفاً، ويزيد في عينيها سبعين ضعفاً، ويرى صفحة خده في خدها، وترى صفحة خدها في خده، هذا آخر من يدخل الجنة! هذا نعيم حسي، فما ظنك بالنعيم الروحي: إن داود ﵇ إذا تلى القرآن في الجنة أنسى أهل الجنة نعيم الجنان، فما ظنك برؤية الملك العلام! إن من النعيم في الجنة أن تمر السحابة من المسك بأهل الجنة فتقول: ماذا أمطركم؟ قال يحيى بن أبي كثير: أشهد الله أن لو أراني هذا الموقف لأمرت السحابة أن تمطر علينا حوراً مزينات. ومن أنهار الجنة كما قال مجاهد كما روى أبو نعيم في صفة الجنة قال: يخرج أولياء الله إلى شواطئ أنهار الجنة، ثم تخرج الحور العين، فإذا أعجب الرجل منهن بواحدة لمسها فتتبعه وتمشي خلفه. فهذه أنهار تنبت الأبكار لا تنبت الحشائش، لبن لا يحلب من الأبقار، وعسل لا يجنى من الأزهار، وخمر لا يعصر بيد الخمار، كل هذا يجري كالأنهار برحمة العزيز الغفار، قال الله ﵎: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١]، ماء يجري في غير أخدود، سبحان مثبت العقول!! وأنهار تجري في غير أخدود، أمسك الله حافتيها بقباب اللؤلؤ المجوف. نسأل الله ﵎ أن يدنينا من الجنة، وأن يبغض إلينا كل عمل يقربنا من النار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 162

حسن الخلق لقد دعا الإسلام إلى التخلق بمكارم الأخلاق، والابتعاد عن الأخلاق السيئة، ولقد كان النبي ﵊ القدوة العظمى للأمة في حسن الخلق، واقتدى به أصحابه الكرام وأتباعه وأتباعهم إلى يوم الدين. وقصص الصحابة والسلف الصالح في تمسكهم بمكارم الأخلاق والابتعاد عن سيئها شيء عظيم عجيب.

стр. 163

التزكية وحسن الخلق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. موضوعنا عن التزكية وحسن الخلق، ولله در من قال: يا من تنهش في أحشائي. يا من مني. يا من جزءاً من أجزائي. يا من تبدو للجهال كأنك دائي. إني أعلم أنك حتماً فيك شفائي. قل لي هل يأتيك ندائي؟ إنك مني. أنت كأني لست أرائي. أنت كأني حين شقائي. حين جهلت طريق إلهي من عند الألف إلى الياء. حين تصورت الدنيا حسي وغذائي وكسائي. إنك مني. إنك مسلم تشهد أن إلهك واحد. إنك فيها من شركائي. لكنك دوماً تطعنني من خلفي وفي كعب حذائي. حين أراك تقوم بهذا يغرقني خجلي وحيائي. ووشاة القوم إذا بانوا تسري الطعنة في أحشائي. قل لي هل يأتيك ندائي؟ أبغ العزة عند إلهك. ليس العز دمي وبكائي. وغداً من قواك يميتك، إن أنت أهملت ندائي. الكلام عن حسن الخلق في هذه الأيام كما يقول جمال الدين القاسمي علامة الشام: هذا وقت تسكب فيه العبرات، فهذا موضع تسكب فيه العبرات، والله أقسم أحد عشر قسماً متتالية في سورة واحدة من كتابه، أن المطلوب صلاح النفوس بالتزكية، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ٩]. وتزكية النفوس: تحليتها بالفضائل وبالأخلاق الجميلة؛ بالعفو مع الكتمان وبالصفح وبالحلم وبالتغافل وبقبول ظاهر الناس وترك سرائرهم إلى الله ، فهذه أخلاق طيبة قامت عليها ربع الرسالة المحمدية، كما قال الله ﵎: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٥١]. ولقد قال رسول الله ﷺ : (اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)، فمطلب عظيم بعد التوحيد تحلية النفس بالأخلاق الحسنة، كما أمر الله ﵎ كليمه موسى أن يذهب إلى فرعون، يقول الله ﵎ له: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٨ - ١٩]، ففي البداية يكون الوعظ الحسن. ثم يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٥ - ٧٦] فجعل الله الجنات العلى لمن تزكى. وأخبر النبي ﷺ أن تزكية النفس إحدى موجبات ذوق حلاوة الإيمان، قال ﷺ : (لا يجد العبد طعم الإيمان إلا بثلاث: أن يشهد أن الله وحده لا شريك له، وأن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولا يعطي الدرنة ولا الهرمة ولا المريضة ولكن من أوسط أموالكم، وأن يزكي نفسه، قيل: وما تزكية النفس يا رسول الله؟! قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان). فجعل رسول الله ﷺ تزكية النفس إحدى ثلاث لذوق طعم الإيمان، وأعلى درجات الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وتزكية النفوس وسلامة القلوب أمر مسلم إلى الرسل وإلى الأنبياء لا يخضع إلى مجرد المجاهدة، ولا إلى مجرد الرياضة بدون علم نبوي وتزكية نبوية، فلا يستطيع الإنسان أن يعالج نفسه بدون وجود طبيب، أو يخضع جسده لمجرد التجارب بدون علم وبدون طب، وإلا فإن الشريعة قد ضمنت الطبيب الجاهل الذي ليس عنده علم، ومن يتلف عضواً فعليه دفع الدية لذلك العضو الذي أتلفه، فكيف بطب القلوب؟! فلا يسلم إلى الناس ولا إلى الصوفية ولا إلى أصحاب المواجيد، وإنما يسلم إلى رسول الله ﷺ ، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]. والعنصر الأخلاقي عنصر متين في شرع الله ، فقد أثنى الله على نبيه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، قال ابن عباس: وإنك على دين عظيم لا دين أحب إلي وأكرم عندي مما أنت عليه. وقد سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خلق الرسول ﷺ ، فقالت: (كان خلقه القرآن). وأصالة هذا الدين ثبتت في أخلاق رسول الله ﷺ ، وهذا الثناء العلوي، وهذا التكريم العظيم من الكبير المتعال لشخص رسول الله ﷺ ، هذا عظمة العظمات أن يتلقى رسولنا ﷺ هذا الثناء العلوي، وهذا التكريم العظيم، وهو يعلم من عظم ربه ما لا يحيط به أحد من البشر سواه، ويعلم قائل هذه الآيات، ومتى قيلت، في أعظم كتاب من كتب الله ، تتجاوب فيه أصداء الوجود، يبقى ما بقت الأيام، ثم لا يفخر رسول الله ﷺ تحت وطأة هذه الكلمات العظيمة، بل لا تزيد رسول الله ﷺ إلا نوراً على نور، وتواضعاً ورحمة. قال سيد قطب: هذه عظمة العظمات في حياة رسول الله ﷺ . يعني: سيدنا رسول الله وهو بشر، وسيد البشر كان يثني على أحد من أصحابه فمن هذا من رسول الله ﷺ وهو بشر لا يستطيع الصحابي إلا أن يفتخر على الصحابة بهذا الثناء. سيدنا سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، قال له سيدنا الرسول ﷺ : (ارم سعد فداك أبي وأمي) فقال سيدنا سعد مفتخراً على الصحابة: لقد جمع لي رسول الله ﷺ بين أبويه. فبهذا الثناء كان يفتخر به على الصحابة، فإذا كان من مناقب سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال له: (ارم سعد فداك أبي وأمي) فما ظنك برسول الله وهو يسمع هذا الكلام العطر ينزل به جبريل في سجل الله الخالد، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].

стр. 164

أحاديث تبين فضيلة حسن الخلق وقد قال رسول الله ﷺ حاثاً على حسن الخلق مع العوام والخواص: (عليك بحسن الخلق، وبطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما تجملت الخلائق بمثلهما). وقال رسول الله ﷺ : (أثقل شيء في الميزان: الخلق الحسن). وقال رسول الله ﷺ : (ما أعطي الناس شيئاً خيراً من الخلق الحسن). وقال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء -أي: لجدال- وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه). فترك المراء من حسن الخلق، وترك الكذب مازحاً من حسن الخلق، ثم ينص رسول الله ﷺ فيقول: (وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه). ويقول رسول الله ﷺ : (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك به الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس) وهذا حديث النواس بن سمعان. وقال رسول الله ﷺ : (أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً). وقال رسول الله ﷺ : (أفضل المؤمنين أحسنهم خلقاً). وقال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً). وقال رسول الله ﷺ : (أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون، قيل: ما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون). وقال رسول الله ﷺ : (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم). وقال رسول الله ﷺ : (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل الظامئ بالهواجر). وقال رسول الله ﷺ : (إن المؤمن المسدد ليدرك بحسن خلقه، وكرم ضريبته ما يبلغه درجة قائم الليل، وصائم النهار). وقال رسول الله ﷺ : (إن الله كريم يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها). وقال رسول الله ﷺ : (إن لله تعالى آنية في الأرض، وآنية الله قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها). وقال رسول الله ﷺ : (من كان سهلاً هيناً ليناً حرمه الله على النار). وقال رسول الله ﷺ : (المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف، إذا انقيد انقاد، وإذا استنيخ على صخرة أناخ). وقال رسول الله ﷺ : (خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره). فهذه أحاديث عطرة في حسن الخلق.

стр. 165

مرجع مكارم الأخلاق والإمام ابن القيم أرجع مكارم الأخلاق كلها إلى أربعة: الصبر، والشجاعة، والعفة، والعدل. فالصبر: أن الإنسان يصبر على أذى الغير، ويكظم غيظه، ولا يظلم غيره، ولا يتعجل. والعفة تدعوه إلى الحياء، وهو رأس كل خير. والشجاعة تدعوه إلى مكارم الأخلاق. والعدل يكون وسطاً بين حدي الأمر. فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، فهي وسط في الأمور. والإمام الهروي قال: مرجع مكارم الأخلاق كلها إلى العلم، فإن الرجل إذا لم يكن عالماً بمكارم الأخلاق: بحسنها من سيئها، وضع السيف في موضع الندى، فالعلم يبين مكارم الأخلاق من سيئها. وإذا كان الرجل شريفاً فإنه يسامح ويتغاضى عن حقوقه، ويصبر على أذى الناس. والخلق الحسن يمكن اكتسابه كما قال النبي ﷺ : (اللهم آت نفسي تقواها)، وقال: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت). وقد قال النبي ﷺ : (إنما الحلم بالتحلم، وإنما العلم بالتعلم).

стр. 166

مشاهد حسن الخلق مع المخلوقين حسن الخلق يكون مع الخلق ومع الحق، أما حسن الخلق مع الخلق: فلك فيهم أحد عشر مشهداً مما يصيبك من أذى الخلق: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي الأول: إذا اعتدى عليه رجل، أو سبه، أو ظلمه، أو شتمه يشهد مشهد القدر، يعني: ينظر إلى ظلم غيره له كما ينظر إلى وقوع المطر ووقوع البرد ووقوع ألم الجراح عليه، فيقول: هذا من قضاء الله علي وعليه، ومن قدر الله في وفيه، فينظر إلى القدر في حق نفسه لا في حق ربه. والدليل على ذلك: أن سيدنا رسول الله ﷺ أعلم الناس بربه، قالت السيدة عائشة ﵂: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً بيده: خادماً ولا أمة ولا دابة إلا أن يجاهد في سبيل الله). وقالت السيدة عائشة: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط إلا في حق من حقوق الله ، فلا يقوم لغضبه شيء حتى ينتقم لربه)، أما في حق نفسه فيسامح. وكما قال سيدنا أنس ﵁: (والله ما لمست ديباجاً ألين من كف رسول الله ﷺ ، وما شممت عطراً أطيب من طيب رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنوات فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ وكان إذا عاتبني بعض أهله قال: دعوه، فلو قضي شيء لكان). إذاً: تفنى عن حق نفسك، وتنظر إلى مشهد القدر في حق غيرك. المشهد الثاني: مشهد الصبر، وأنت تعلم جزاء وثواب الصابرين، وقد قال فيه ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وقد قال النبي ﷺ : (من كضم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه أتى الله به على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، فيزوجه منها ما يشاء). وحديث آخر قال فيه الرسول ﷺ : (من كضم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة). وسيدنا سلمان الفارس أتى إليه رجل فشتمه فقال: يا هذا! إن ثقلت موازيني فأنا خير مما تقول، وإن خفت موازيني فأنا شر مما تقول. وشتم رجل الربيع بن خثيم تلميذ سيدنا عبد الله بن مسعود، الذي قال فيه سيدنا عبد الله بن مسعود: أما والله لو رآك محمد ﷺ يا ربيع لفرح بك. وكان إذا رآه يقول: وبشر المخبتين، جلس خمس عشرة سنة في بيت سيدنا عبد الله بن مسعود والجارية التي على الباب لا تعرف أنه صحيح البصر، وكانت تقول: يا سيدي! صاحبك الأعمى الربيع بن خثيم أتى، فكانت تظن أنه أعمى من كثرة غض بصره إلى الأرض. والربيع بن خثيم أتى إليه رجل فشتمه فقال له: يا هذا! إن دون الجنة عقبة إن جزتها فأنا خير مما تقول، وإن لم أجتزها فأنا شر مما تقول. وأتى رجل إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فشتمه فأنصفه وصبر سيدنا عمر بن عبد العزيز، ثم قال له: أردت اليوم أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، هذا والله لن يكون. وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، وثواب الصبر كالماء المنهمر كما قال ميمون بن مهران: لا حد له. المشهد الثالث: مشهد العفو والحلم والصفح، وقد قال ﷺ : (ما ازداد عبد بعفو إلا عزاً). ليس أحد يعفو إلا ويزيده الله رفعة في الدنيا والآخرة، والأمثلة على ذلك ما يلي: السيدة أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب أتت مولاة لها إلى سيدنا عمر وقالت له: إن صفية تفضل السبت على الجمعة، وتصل قوماً من اليهود، فسيدنا عمر أرسل إلى السيدة صفية يسألها فقالت: والله ما أحب السبت بعد أن أبدلني الله خيراً منه الجمعة، أما صلتي لليهود: فإن لي فيهم رحماً، ثم أتت إلى مولاتها فقالت: يا بنيتي! ما حملك على أن تقولي ما قلت؟ اذهبي فأنت حرة لوجه الله. وسيدنا عبد الله بن عون كان له جمل يحمل عليه ويحج عليه وكان به معجباً، فأتى مولى من مواليه فلطم الجمل فأسال عينه، فقال الناس: إن كان ثأر من عبد الله بن عون فسيكون اليوم، فلما أتى إليه قال: يا بني! ألا غير الوجه يرحمك الله؟ اذهب فأنت حر لوجه الله. وسيدنا الأحنف بن قيس يضرب به المثل في الحلم، سيد أهل المشرق كما قال فيه سيدنا عمر بن الخطاب، أتى إليه رجل فقال: علمني الحلم، قال: أن تصبر على الذل يا بني! وأتى إليه رجل فشتمه، ثم شتمه مرة ثانية وهو ساكت، ثم شتمه للمرة الثالثة وهو ساكت، فبكى الرجل الذي كان يشتم وقال: والله ما يمنعك من الرد علي إلا هواني عليك، يعني: أنت تستخف بي. وأتى إليه رجل فشتمه في الطريق، حتى أوصله إلى خيام أهله فقال: يا هذا! إن كان عندك شيء فأت به، فقد أتيت إلى مضارب قومي ولا آمن عليك سفهاء الحي أن يؤذوك. وقالوا للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (هذا سيد أهل الوبر). وقد بلغ من حلمه بينما هو جالس مع رضيع له يداعبه إذ أتت مولاة له بلحم مشوي على حديد محمى فوقع على الولد فقتله، فارتاعت الجارية فقال: لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله. وبينما هو في حبوته - يعني: جامع يديه إلى ركبتيه- إذ أتوا بابن أخ له قد قادوه مكتوف الأيدي وقد قتل ابنه، قالوا: فوالله ما حل حبوته ولا تغير وجهه، وإنما قال: أذعرتم الفتى، ثم قال: يا ابن أخي! أنقصت عددك، وأثمت بربك، وأسأت إلى قومك، وقتلت نفسك بيدك، ثم قال: حلوه، ثم قال: اذهبوا إلى أم ولدي فادفعوا الدية لها فإنها غريبة. يقول مثل ما قال سيدنا يوسف: ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢]. وهذا نبي الله يوسف ﵇ حتى مجرد تذكيرهم بالإساءة وما عملوه فيه لما جمع الله بينه وبين إخوته وبين أبيه، قال يوسف: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠] ولم يقل: إذ أخرجني من الجب؛ لأن إخوته كانوا جالسين، فلم يذكرهم بغدراتهم به. المشهد الرابع: مشهد الرضا، كما يقول الشاعر: من أجلك جعلت خدي أرضا للشامت والحسود حتى ترضى وهو أن ترضى بقضاء الله عليك، فالرضا بعذابه فيك عذب. سيدنا عمر بن عبد العزيز علم من سمه من مواليه في اليوم الذي سمه، ثم قال ﵁: والله لو أعلم أن شفائي في مد أصبعي ما مددتها، أحبه إلى الله أحبه إلي. عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني لما تحب أحب المشهد الخامس: مشهد الإحسان، وهو أعلى درجة من مشهد الرضا، وهو أن الرجل إذا أساء إليك تحسن إليه، فكما قال العلماء: اقتضاء الثواب الهبة، فالرجل إذا وهبك شيئاً فأنت تجازيه وتحسن إليه، إذاً: من ظلمك تحسن إليه. وهناك أمثلة: فسيدنا أبو بكر الصديق كان ينفق على مسطح بن أثاثة، فلما قال في عائشة ما قال وتكلم في عرضها وهي زوج رسول الله، حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه، فلما نزلت قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] عاد أبو بكر إلى النفقة على مسطح. وإبراهيم بن أدهم كان في المقابر فمر عليه جندي وقال له: يا رجل! أين العمران؟ فأشار إلى المقابر، فعلاه بالسوط فشق رأسه، ثم أراد أن يدخله المدينة من أجل أن يراه الناس، لأنه يقول له: أين العمران؟ فيشير إلى المقابر، فتلقاه أهل المدينة بالبشاشة والاحترام؛ لأنهم يعلمون مكانة إبراهيم بن أدهم وجعلوا يقبلون رأسه، فلما نظر الجندي إلى الناس وهم يقبلونه أراد أن يقبل يده ورجله، فقال: لا يا بني، والله ما علوتني بالسوط حتى دعوت الله لك بالجنة؛ لأني أعلم أن ثواب صبري الجنة، فما أردت أن يكون نصيبي منك الجنة ونصيبك مني الأذى. وقال الفضيل بن عياض: من أفضل من قابلتهم رجل كان في الحج، وبين هو في الطواف إذ سرق ماله فظل يبكي إلى قبيل الغروب، فقلت له: أمن أجل المال تبكي؟ قال: لا والله، وإنما تذكرت هذا الذي سرقني وضعف حجته بين يدي الله ، فبكيت رحمة له. والربيع بن خثيم اشترى فرساً بثلاثين ألف درهم وأراد أن يغزو عليها، وعندما انصرف الغلام قام الربيع ليصلي، فأتى السارق فسرق فرس الربيع، فلما أتى الغلام قال: يا ربيع! أين الفرس؟ قال: سرقت، قال: سرقت وأنت تنظر إليها؟ قال: ما كان شغل يشغلني عن الصلاة، ثم رفع يده إلى السماء، وقال: اللهم إنه سرقني ولم أكن لأسرقه، اللهم إن كان غنياً فاهده وإن كان فقيراً فاغنه. فهذه الأخلاق موجودة في عوام المسلمين، وفي أعضاء الحركات الإسلامية غير موجودة، وأقسم بالله على هذا إلا النادر، وبهم يرفع البلاء عن أهل الأرض. فمشهد الإحسان: أن تحسن إلى من أساء إليك وهو في موقف ذلة، وجاء يعتذر إليك، فالجزاء من جنس العمل، وستكون يوم القيامة في موقف ذلة وتحتاج إلى ربك ليحسن إليك، والجزاء من جنس العمل، ومن لا يرحم لا يرحم. المشهد السادس: مشهد سلامة القلب وبرد القلب، وهو أن تنام وليس في قلبك غل لأحد من المسلمين، فتنام س

стр. 167

علو الهمة ندب الله عباده إلى المسابقة في الخيرات، والتنافس فيما يقربهم إليها، وما وصل السابقون إلى ما وصلوا إليه إلا بعلو هممهم وقوة عزائمهم، ولذلك فإننا بحاجة إلى أن نشد العزم فهي بداية الطريق الصحيح، وإن مما يساعد على ذلك مطالعة سير السلف وما كانوا عليه، وأخذ النفس بها حتى تستقيم على ذلك.

стр. 168

الحث على المسارعة إلى الخيرات والتنافس فيها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: قال الله تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨]، أي: انقطع إليه انقطاعاً. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]. وقال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]. وقال تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. ويقول رسول الله ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ). ويقول ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير). ويقول ﷺ : (بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا). وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). ويقول ﷺ : (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها). ويقول ﷺ في الحديث الذي حسنه الألباني: (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده). ويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي حسنه الأرنؤوط وضعفه غيره من العلماء: (لست من دد وليس الدد مني)، والدد: هو اللعب. ويقول الشاعر: إن لم تكن للحق أنت فمن يكون والناس في محراب لذات الدنايا عاكفون والموت غاب عن العيون والحور والجنات أضحت كالظنون فاهتف بكل النائمين أتصدقون؟ أتصدقون؟ فإلى متى يا قلب تغشاك الظنون؟ ويقول الشاعر: لإسلامي أعيش أنا لتوحيدي وذا ديني نقشت حروفه تعلو على كل العناوين بخط بارز يسمو على كل الميادين لإسلامي ولو حتى إلى الجدران شدوني لإسلامي ولو حتى إلى النيران زفوني لإسلامي لإسلامي ولو في السوق باعوني وثارات لإسلامي تعايشني تغذيني تبث النور في روحي وتنبض في شراييني وإسلامي له عرق له نبضي وتكويني أنا ماذا أكون أنا بلا رب بلا دين أنا ماذا أكون أنا أجيبوني أجيبوني وتقول حفصة بنت سيرين: يا معشر الشباب! اعملوا فإني رأيت العمل في الشباب. ويحيى بن زكريا المذكور في قول الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] جاء في تفسيرها: أنه لما قيل له: اذهب بنا نلعب قال: أوللعب خلقنا؟ وجاء من هذه الأمة من يترجمون ما قاله يحيى بن زكريا ﵇. فـ الربيع بن خثيم تلميذ عبد الله بن مسعود الذي كان يقول له: أما والله لو رآك محمد ﷺ يا ربيع لفرح بك، تقول له ابنته: يا أبت ألعب؟ فيقول لها: اذهبي فاصنعي خيراً، فيقولون له: أو ما تقول لها: اذهبي فالعبي، فيقول: والله لا تكتب في صحائف أعمالي أني قلت لها: اذهبي فالعبي. فكان يحترز من كلمة اللعب. وكان أحد السلف يسف خبزه سفاً ويقول: بين السف والمضغ خمسون تسبيحة. وكان يحيى بن معاذ الواعظ يقول: لا يزال العبد مقيماً على حب الأماني؛ وما جعل أحد الأماني تقوده إلا كان أثقل الناس خطوة وعدم الماء وقت العطش، ووجد السراب الخادع. ومن كان متسلحاً بالدعاء وجدته على خير دائماً، وعلى ري دائماً، وسباق إلى الخير دائماً، فإن كان ذا قوة استقى لنفسه أو استسقى، فيمده الله بقوة من السماء، وإن كان مستضعفاً وجد وريثاً لموسى ﵇ يسقي له ويزاحم الرعاء. وكان الجيلاني -أحد أئمة الحنابلة وأحد أئمة السلفيين وعدو المتصوفة-؛ قالوا له: هل كان هناك ولي لله على غير اعتقاد ابن حنبل؟ أي: على غير عقيدة السلف، فقال: ما كان هذا -أي: ما كان هذا في الماضي- ولا يكون. وكان يقول: سيروا مع الهمم العالية. ويقول ابن القيم: قيمة كل امرئ ما يحسن.

стр. 169

أنواع الهمم والهمة همتان: همة تدور حول الأنتان والحش، وهمة ترتبط بمن فوق العرش. فالهمة التي تدور حول الأنتان والحش ينادى صاحبها إلى الدار الآخرة وإلى الله من مكان قريب فلا يجيب النداء، فالدنيا تصمه عما سوى الباطل وتعميه، وذكر الله حبسه وموته، وذكر الناس فاكهته وقوته، ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان قريب فلا يجيب النداء، فمصاحبة هذا الرجل هلاك، والقرب منه سم ناقع كما قال العلماء، فإن ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحل عنه بقلبك، كما يقول القائل: وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان عنك فإنه شغلي وأديم نحو محدثي وجهي ليرى أن قد عقلت وعندكم عقلي. والأخرى ارتبطت بمن فوق العرش إرادة وطلباً وإخباتاً وشوقاً.

стр. 170

علو الهمة في اغتنام الأوقات أنفاس الدعاة وقف على الله ، ودقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالغفلة، ولو قال لك الكسالى والبطالون: لو تفرغت لنا! فقل لهم: وأين الفراغ، قد ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله . أو قل لهم مقالة إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل حيث يقول: يا بني! لقد أعطيت المجهود من نفسي. الراحة للرجال غفلة، وأنفاس الدعاة وقف على الله ، وهمم الأحرار تحيي الرمم، ونفحة الأبرار تحيي الأمم.

стр. 171

علو الهمة في التوبة والرجوع إلى الله إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور، بل بالرجعة إلى الله ، وبالتوبة إليه ، فما لنا وكأن قد احتجب عنا من في السماء؛ لأننا نادينا من وراء الحجرات، وزأرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا نصراً بإجلال، نبيعه ولا نرى علينا حقاً عادلاً في الثمن، ودون أن نقدم بين يديه دمعاً مدراراً في جوف الأسحار، ولا مناجاة في جوف الليل. وانظروا إلى أبي مسلم الخولاني ﵀ -وقد كان سيداً من سادات التابعين- لما ألقاه الأسود العنسي في النار فخرج منها سالماً، ثم أتى إلى المدينة ودخل مسجد النبي ﷺ فصلى خلف سارية، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: بالله عليك أنت صاحب الكذاب الذي خرج من النار سالماً، فقال: أنا هو، فقال: الحمد لله الذي لم يمت عمر حتى أراه الله من أمة محمد من صنع الله به صنيع خليله إبراهيم.

стр. 172

علو الهمة في المسارعة إلى الخيرات وكان لـ أبي مسلم الخولاني ثوب يعلقه في المسجد، وكان إذا تعبت قدمه من القيام يضربها بالسوط، ويقول لها: قومي يا مأوى كل سوء! أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه؟ والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً! لا تقرنن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل ويقول الإمام العلامة ابن رجب الحنبلي: لما سمع القوم قول الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] فهموا أن المراد أن يكون كل واحد منهم هو السابق لأخيه إلى بلوغ المنازل العليا من الجنة، فكان تنافسهم في الآخرة حين كان تنافس الناس في الدنيا. ولذا يقول الحسن البصري: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره. ويقول بعضهم: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل. ويقول أحد العباد: لو أن رجلاً سمع برجل هو أسرع لله منه فمات ذلك الرجل غماً ما كان ذلك بكثير على من يريد أن يرث الفردوس. قال رجل لـ مالك بن دينار: رأيت فيما يرى النائم أن رجلاً وقف على حلقة مثل حلقاتنا هذه فقال: أيها الناس! الرحيل الرحيل -يعني: إلى الجنة-، فلم يقم إلا محمد بن واسع، فغشي على مالك بن دينار. وأما عمر بن عبد العزيز ﵀ فكان يقول: إن لي نفساً تواقة، ما نالت شيئاً من الدنيا إلا واشتاقت إلى ما هو أعلى منه، فلما نالت ما نالت -أي: الخلافة، وهي أجل منصب في الدنيا- اشتاقت إلى ما عند الله . وأتته مولاة له تقول له: يا أمير المؤمنين! رأيت فيما يرى النائم وكأن الصراط قد نصب على جهنم، ورأيت أناساً يتساقطون فيها، ورأيتك يا أمير المؤمنين وقد جيء بك، فلم تتم كلمتها حتى غشي عليه، فجعلت تصيح في أذنه: رأيتك والله قد نجوت، رأيتك والله قد نجوت.

стр. 173

علو الهمة في التشمير للآخرة ولما علم الصالحون قصر العمر وحث الحادي سارعوا وطووا مراحل الليل مع النهار؛ اغتناماً للأوقات، فأصغ يا أخي! سمعك لنداء ربك، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، وبادر قبل طي صحيفتك، واحسر عن رأسك قناع الغافلين، وشمر للسباق غداً، فإن الدنيا ميدان المتسابقين، واعلم أننا خلقنا لنحيا في دار غرس غراسها الرحمن بيده، وفي الصحيح الموقوف: (إن الله غرس جنة عدن بيده)، فرحم الله قوماً علموا أن الرحمن غرس جنة عدن بيده، فاشتاقوا إلى الغارس واشتاقوا إلى المغروس. فيا إخواتاه سيروا إلى ربكم سيراً جميلاً. أيا صاح! هذا الركب قد سار مسرعاً ونحن قعود ما الذي أنت صانع أترضى بأن كنت المخلف بعده رهين الأماني والغرام ينازع على نفسه فليبك من كان باكياً أيذهب وقت وهو في اللهو ضائع فحيهلاً إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق يطوي المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا قال صاحب كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: إن أهل الجنة رفع لهم علم فشمروا إليه، ووضع لهم صراطها المستقيم فاستقاموا عليه، ورأوا أن من أعظم الغدر بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفذ، بعيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيف زار في المنام، مشوب بالكدر وممزوج بالغصص، إن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن سر يوماً أحزن شهوراً، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف أضعاف مسراته، أوله مخاوف وآخره مهالك، أتبيع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات؟ أتبيع مساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، بمساكن ضيقة آخرها الخراب والبوار؟ أتبيع الحور اللاتي خلقن أبكاراً ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧] كأنهن الياقوت والمرجان، بسيئات الأخلاق المشاقات أو المتخذات أخداناً. وذكر العلامة ابن القيم: أن نساء الجنة خلقن من الزعفران. دع المفرغات من ماء وطين واشغل هواك بحور عين وغفل أبو سليمان الداراني يوماً عن قيام الليل، فرأى فيما يرى النائم أن امرأة من أهل الجنة حوراء تقول له: أتنام والملك يقظان؟ بؤساً لعين آثرت لذة نوم على مناجاة الملك العلام، أتنام وأنا أربى في الخدور منذ آلاف الأعوام؟ ثم أنشدته شعراً حفظ منه: أتطلب مثلي وعني تنام ونوم المحبين عنا حرام لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة كثير القيام

стр. 174

بيان حقارة الدنيا ومن ركن إليها وإلى المتكالبين على الدنيا نقول لهم: ما الدنيا إلا مأكول أو مشروب أو ملبوس أو منكوح. فأما المأكول فأفضله العسل، وهو بزقة ذبابة، وأما الملبوس فأفضله الحرير وهو صنع دودة، وأما المشموم فأفضله المسك وهو دم فأرة؛ لأنه يتخذ من عنق الغزال، وأما المنكوح فهن النساء، فإن أعرضت عن طريق الله فهي مبال في مبال، تتزين بأجمل الثياب ويراد منها أقبح الأماكن. إن الذي يعتز بشيء من حطام الدنيا نقول له: جدك البعيد تراب رميم، وأبوك القريب ماء مهين، وأنت خرجت من مجرى البول مرتين؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وذاك تحمل العذرة. أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرفضة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غداً أقصر فإنك مأكول ومشروب إن أعرضت عن طريق الله وكنت عند الناس من كنت فإنك لا تساوي شيئاً من ملك الله، وأنت تعلم ما يخرج من بطنك، والنحلة أعلم بما يخرج من بطنها، فيا ليت قومي يعلمون.

стр. 175

همة السلف ﵃ تلمح القوم الوجود وفهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وصاحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أما تسمعون قول الصحابي الجليل أنس بن النضر يقول لـ سعد بن معاذ: والله يا سعد! إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد. وهذا شم حسي! يا ابن النظر طهرت أنوفكم فاشتاقت إلى ما عند الله ، ونحن زكمت أنوفنا بالدنيا وبعطر الكاسيات العاريات، فلم يبق فيها مكان لشم رائحة الجنة. خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباته وأبوس مقبض بابه خذني إلى وطن أموت مشرداً إن لم أكحل ناظري بترابه هؤلاء علت هممهم في كل شيء: في الدعوة إلى الله على بصيرة، وفي طلب العلوم الشرعية، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، وفي الصلاة، وفي الصدقات، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 176

همة السلف في طلب العلم أما في تعلم العلوم الشرعية فتجد السلفي يتابع المكتبات ويشتري الكتب، ويستلف ويستدين، وتلقاه ماشياً واضعاً الكتاب تحت إبطه، والبعض يسخر ويقول: انظروا إلى هذا، إن لحيته تسع أربعة آلاف حديث ويسأل عن مسألة فلا يجيب! فهؤلاء علت همتهم في طلب العلوم الشرعية؛ حتى يعبدوا الله على بصيرة، وكما بوب الإمام البخاري: (باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، وقول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨]، أي: على علم). فتعالوا لننظر إلى مدى بلوغ همتهم في طلب العلوم الشرعية، فهذا الإمام الزهري كانت تقول زوجه عنه: والله لمطالعة الزهري لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر، يعني: يا ليته تزوج ثلاث نساء ولم يطالع الليل والنهار في هذه الكتب. الإمام ابن الباغندي الحافظ رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال له: يا رسول الله! منصور أحفظ أم شعبة؟ فيقول: منصور، منصور. الإمام ابن الباغندي كان ربما دخل الصلاة وهو يقول: الله أكبر، وبعد أن يكبر يقول: حدثنا فلان عن فلان حتى يذكر أنه في صلاة. وابن أبي حاتم الرازي الإمام الجليل يقول: اشتهينا سمكة فاشتريناها، ولم يكن عندنا وقت لنطبخها، كنا في النهار نطوف على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل، فمكثت عندنا ثلاثة أيام فأكلناها نيئة. وشعبة بن الحجاج الضخم الذي كان يحدث عن الضخام كانت ثيابه بلون التراب، واليوم أحدنا إذا اغبرت ثيابه قال: لا بد أن تكون الغترة مكوية، والجلابية مكوية، وكذا وكذا والإمام أحمد بن حنبل كان يقول: مع المحبرة إلى المقبرة. وكان الإمام أبو داود السجستاني ﵀ وهو يخيط قميصه يصنع كماً ضيقاً وكماً واسعاً، أما الكم الواسع فكان يضع فيه الكتب حتى يقرأها وهو في الطريق. ومصعب الزبيري أعطاه يحيى بن زكريا كتب محدث آخر فأكلتها الفأرة وبالت عليها، فجعل يقرأ ما بقي من أكل الفأرة. وأبو بكر الأنباري كان يقرأ في الأسبوع ١٠. ٠٠٠ صفحة. وابن تيمية الجد كان يدخل إلى الخلاء ثم يقول لابنه: اقرأ علي بصوت عال حتى أسمعك وأنا بالداخل. هذه هي همة السلف في تعلم العلوم الشرعية.

стр. 177

بيان أدب السلف مع مشايخهم وأما همتهم في تأدبهم مع مشايخهم: فالإمام الشافعي كان يقول: كنت أقلب الصفحة بين يدي مالك تقليباً خفيفاً؛ حتى لا يحس بها مالك. فكان جزاؤه من جنس عمله، فـ الربيع بن سليمان كان يقول: والله ما استطعت أن أشرب الماء في حضرة الشافعي. طهرتم فطهرنا بفاضل طهوركم وطبتم فمن أنفاس طيبكم طبنا والربيع بن سليمان كان تلميذ الإمام الشافعي.

стр. 178

همة السلف في الدعوة وأما همتهم في الدعوة إلى الله فحدث عنها ولا حرج، فالتربة التي يرقد فيها الآن أبو أيوب الأنصاري هي بالقرب من أسوار القسطنطينية، وأم حرام مدفونة في جزيرة قبرص، وبلال الحبشي مؤذن رسول الله ﷺ مدفون تحت أسوار دمشق، وعقبة بن نافع في إفريقيا. وهم حجة علينا. هؤلاء هم الذين حملوا الإسلام غضاً طرياً، فقد حملوه في عيونهم، وأما نحن فنستحيي من ديننا، ونستحيي من هذه البضاعة التي نحملها ونعرضها على الناس، وأما هم فعاشوا للإسلام. يقول أبو حازم الأعرج: قد رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، لا تقل: دينك لحمك، دينك دمك، إن الرجل منا إذا اتسخ ثوبه قام يغسله. فما بال دينك ترضى أن تمزقه وثوبك الدهر محمي من الدنس؟ نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع أصبح دين أحدنا لعقة على لسانه، يقول: أؤمن بيوم القيامة، وكذب ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ! يقول الشاعر: أدمت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها وباسوا كف من ضربا وهذا من شعر نزار قباني، وشعره عفن لكن البيت الوحيد الذي صدق فيه على العرب هو هذا. وعندما قاتل العرب ضد جنود أمريكا وفرنسا وغيرهم قال فيهم نزار فصدق وهو كذوب: متى تفهم؟ متى تفهم؟ متى يا أيها المتخم أيا جملاً من الصحراء لم يلجم ويا من يأكل الجدري منك الوجه والمعصم متى تفهم؟ أيا من تخجل الصحراء حتى من نداءاتك نسيت الوشم فوق يديك نسيت ثقوب خيماتك وبعت الله بعت القدس بعت رماد أمواتك وانظروا في المعارك الإسلامية في اليرموك وفي القادسية وفي سقوط المدائن.

стр. 179

نماذج من علو الهمة

стр. 180

علو الهمة في الغزو والجهاد الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فقد أشار علي شيخنا وقرة العين الشيخ محمد بن إسماعيل بأن أكتب رسالة تسمى: صلاح الأمة في علو الهمة، وهذه من بركات مولانا الشيخ محمد بن إسماعيل، حفظه الله لدعوته. وإن شاء الله سآتي بمقتطفات من كل مبحث. فمثلاً في باب الغزو والجهاد: تجد نور الدين محمود زنكي القسيم بن القسيم، قاهر الصليبيين والذي فعل بجحافلهم ما فعل كان يتمنى الشهادة في سبيل الله، فقال له قطب الدين النيسابوري شيخ علماء الحنفية: بالله عليك يا مولانا السلطان! لا تخاطر؛ فأنت سور الإسلام، فإنك إن قتلت أخذت الديار، فيقول له: اسكت يا قطب الدين! فهذه إساءة أدب مع الله ، فمن كان يحفظ البلاد والعباد قبل نور الدين محمود زنكي. ومن منا لم يسمع بـ أبي ثور عمرو بن معد كرب الزبيدي وفعله في معركة القادسية سنة (١٠٠هـ) أو سنة (١٠٦هـ)، ومن منا لم يسمع بـ طليحة بن خويلد الأسدي الذي ادعى النبوة، ثم ختم الله له بالشهادة؛ لبطولته. وكذلك القعقاع بن عمرو التميمي الذي سمل أعين الفيلة في معركة القادسية، وقتل القائد الذي كان يتولى قيادة القلب في جيش الفرس. فلا القعقاع يهتف بالسرايا فتخشى ساحة الهيجا نزاله ولا حطين يبعثها صلاح طوى الجبناء في خور هلاله فلا صوت المؤذن في حمانا وقد سقطت مآذننا بلاله وهم الشعب صك أو رغيف وجل مناه أن يرضي جماله وألفاظ يتيه بها قرود وليس لها معان أو دلاله سيادته هوان في هوان وقد رفعت معانيه السفاله سعادته شقاء في شقاء سماحته يعيش مع الضلاله فخامته هزيل ليس يدري بأن الناس قد صدحوا هزاله ودولته يعيش على الأماني ويخشى أن تفاجئه الإقاله
следующие страницы →