← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذكر نبوة ذي النون والخضر وشيث وهناك أنبياء مذكورون في السنة ولم يذكروا في القرآن الكريم، ومنهم: ذو النون، وهو يونس ﵇، وهو مذكور في القرآن الكريم، وفي الحديث: (لا يقولن أحدكم: أنا خير من يونس بن متى)، وهذا حديث صحيح. والخضر ما نص النبي ﷺ على نبوته، وإلا لما اختلف العلماء هل كان نبياً أم لا؟ والراجح وهو جمهور أهل السنة: أنه كان نبياً، ولكن لم ينص النبي ﷺ صراحة على ذلك. وشيث ابن سيدنا آدم، أنزل الله عليه خمسين صحيفة، كما رواه الإمام ابن كثير في البداية والنهاية، وقال: وكان نبياً بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعاً: (أنه أنزل عليه خمسون صحيفة).

стр. 352

ذكر نبوة يوشع بن نون وبيان الفضيلة التي اختصه الله بها وسيدنا يوشع بن نون فتى موسى كان نبياً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف:٦٠]، ولا يوجد نص على نبوته في القرآن الكريم. وقد خصه الله بفضيلة عظيمة، حيث إن الله ما حبس الشمس إلا له، يقول المصطفى ﷺ فيما رواه الإمام أحمد والإمام مسلم: (غدا نبي من الأنبياء -وهو سيدنا يوشع بن نون - فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يلم بها ولما يلم بها)، يعني: رجل عقد على امرأة ولم يدخل بها؛ لأنه سيبقى مشغولاً بها. قال: (ولا رجل قد بنى بنياناً ولم يرفع سقفه)، أي: لأنه يريد أن يأتي بالحديد والإسمنت فهو مشغول عن الجهاد. قال: (ولا رجل قد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر أولادها، فغدا فدنا من القرية -بيت المقدس- حين صلى العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئاً، فحبست له الشمس). قال ﷺ في الحديث الذي انفرد بروايته الإمام أحمد -وهو حديث صحيح على شرط البخاري -: (إن الشمس لم تحبس إلا لـ يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس).

стр. 353

بيان من اختلف في نبوتهم

стр. 354

ذو القرنين وهناك صالحون مشكوك في نبوتهم، منهم: ذو القرنين وتبع. يقول الله : ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦]، فهل قال الله هذا القول لـ ذي القرنين مباشرة أو عن طريق نبي؟ يميل سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص إلى الجزم بنبوة ذي القرنين، وجزم بهذا أيضاً الحافظ ابن حجر وقال: وظاهر القرآن يؤيد ذلك، أي: وظاهر القرآن يؤيد نبوة ذي القرنين. وسيدنا علي بن أبي طالب نفى ذلك بإسناد صحيح عنه، فهذا نتوقف في الحكم له بالنبوة أو عدمها.

стр. 355

تبع وأما تبع فكان ملك اليمن وكان مسلماً؛ لأنه ثبت أنه قال أحاديث حينما أتى إلى المدينة وقال: لو عشت إلى أن يصل أحمد لكنت وزيراً له وابن عمه. وكان ممن آمن برسول الله ﷺ قبل بعثته، ولكن هل كان نبياً أم لا؟ الأولى أن نتوقف؛ لأن رسول الله ﷺ توقف، فلم يقطع بالنبوة ولم ينفها عن ذي القرنين أو عن تبع. ويقول المصطفى ﷺ في الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي وصححه الألباني: (ما أدري أتبع نبي أم لا، وما أدري أذو القرنين نبي أم لا)، فإن كان الرسول ﷺ لا يدري فغيره أولى. فالرسول ﷺ توقف في الحكم بالرسالة لـ ذي القرنين ولـ تبع، ولم يثبت النبوة لهما ولم ينفها عنهما.

стр. 356

الخضر ﵇ وبالنسبة للخضر، فهناك رسالة طيبة للحافظ ابن حجر اسمها: النبأ الزهر في شأن الخضر، وهي من ضمن الفتاوى المنيرية، وأظنها في المجلد الثاني ضمن مجموع الفتاوى المنيرية. والخضر يستدل به الصوفية على أن الولي يجوز له أن يخرج عن ظاهر الشريعة؛ بدليل أن الخضر قتل الغلام، وأن الولي خير من النبي؛ بدليل أن سيدنا موسى قال: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، والحقب ثمانون سنة، وذلك حتى يذهب إلى الخضر ثم يجلس بين يديه مجلس الطالب المتعلم الذليل المتواضع له، فيقولون: الولي أفضل من النبي، حتى قالوا: مقام الرسالة في برزخ فويق النبي ودون الولي وقال قائلهم أيضاً: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله. وعبد الحق بن سبعين يقول: لقد حجر ابن آمنة واسعاً إذ زعم أن لا نبي بعده. وأولى الأقوال -وهو ما ندين به لله وعليه أهل السنة والجماعة- أن الخضر كان نبياً.

стр. 357

الأدلة على نبوة الخضر ويدل على ذلك سياق القصة، فالله ﵎ يقول: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، قال العلماء: هذه رحمة النبوة، والعلم هو علم الوحي الذي اختص الله به نبيه الخضر. وهذا الدليل ليس واضحاً قوياً. والدليل الثاني وهو أوضح: أن سيدنا موسى نبي ورسول من أولي العزم، وهو معصوم في تحمل الرسالة وفي أدائها وفي تبليغها، وقد أجمع علماء المسلمين أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فلا يجوز للنبي أن يزيد في الوحي، أو أن ينقص منه، أو أن يشك فيه، أو أن ينسى شيئاً منه، هذا في جانب التبليغ؛ قالوا: فكيف يجوز لنبي معصوم من أولي العزم مثل موسى ﵇ أن يتلقى العلم من رجل غير معصوم. يعني: لو كان الخضر ولياً فيمكن أن يخطئ في العلم ويمكن أن يصيب، فكيف يتلقى المعصوم علمه من رجل غير معصوم في تبليغ العلوم الشرعية، بل ويحرص على لقياه ولو أن يمضي ثمانين سنة، وعندما يقابله يتواضع له ويجله ويجلس منه مجلس المتعلم الذليل، قالوا: وهذا يحق في شأن الخضر؛ لأنه نبي يعلم موسى أن الله قد خصه بأسرار من علمه ﵎ لم يخص بها موسى. ولذلك جاء في القصة التي يروونها: أن العصفور أتى ونقر نقرة من ماء البحر فوضعها على فخذ الخضر، فقال: أتدري ما يقول العصفور يا موسى؟! قال: علم ذلك عند ربي، قال: يقول العصفور: أنت يا خضر! على علم علمكه الله لا أعلمه أنا ولا موسى، وموسى على علم علمه الله إياه لا أعلمه أنا ولا أنت، وأنا على علم علمني الله إياه لا تعلمه أنت ولا موسى، وما علمي وعلمك وعلم موسى بجانب علم الله إلا كهذه القطرة إلى جانب الماء. أي: اختص الله نبيه الخضر بشيء من الوحي لم يخص به موسى ﵇، فاحتاج موسى إلى معرفته؛ حتى يستزيد من هذا العلم. وأيضاً الخضر أقدم على قتل الغلام وخرق السفينة، ولو كان هذا مجرد خاطر فقد أجمع العلماء على أن الأولياء خواطرهم غير معصومة، ولا يجوز للولي أن يخرق ظاهر الشريعة، ويقول بسقوط التكليف، ولا يقول: أنا ولي ويفعل الفاحشة؛ فضلاً عن أن الخضر يقول: أوحي إلي بالقتل، وزيادة على ذلك يقول: إنه أمر بقتل الغلام، وأنه لو امتد به العمر لكان سبباً في كفر والديه، فكيف يعلم هذا؟ والدليل الرابع: قول الله ﵎: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، ففصل الخضر لموسى أن هذا وحي من الله ﵎، قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]، ويقول المولى : ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]. وهذا يدل على أن الخضر كان نبياً ولم يكن ولياً.

стр. 358

الاختلاف في كون الخضر حياً أم قد مات وهل الخضر حي الآن أو قد مات؟ اختلف في ذلك أقوال العلماء، حتى اضطرب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، فهو يقول عنه في مجموع الفتاوى في صفحة: إنه حي، وفي الصفحة التي بعدها يقول: إنه ميت، وهذه فتوى صريحة لا تحتمل تأويلاً، وهي بحاجة إلى مراجعة في مجموع الفتاوى، وهذا مما اضطرب فيه قول شيخ الإسلام ابن تيمية. وذهب جمع كثير من العلماء إلى: أن الخضر حي لم يمت، وأن إلياس حي لم يمت، ووردت في ذلك أخبار كثيرة؛ وهي ضعيفة وباطلة لدرجة أن الإمام النووي قال: إن الرجل الذي يخرج من المدينة ويقتله المسيح الدجال ثم يحييه مرة ثانية هو الخضر. قال هذا في شرح مسلم، وهذا القول قول مرجوح. وذهب كبار المحدثين ومنهم الإمام البخاري وابن دحية وابن كثير وابن حجر العسقلاني إلى أن الخضر قد ميت. والدليل على أن الخضر قد مات: ما قاله الإمام أحمد بن حنبل لما سأله إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وإلياس وأنهما باقيان يشاهدان ويروى عنهما؟ فقال: من أحال على غائب لم ينصف. ثم قال الإمام أحمد: وما ألقى هذا إلا الشيطان. والدليل الثاني: قول النبي ﷺ لما كان جالساً في حلقة من أصحابه كما رواه الإمام البخاري: (لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد). والدليل الثالث: أنه لو كان الخضر حياً لكان قاتل في معركة بدر وفي أحد وبعد موت رسول الله ﷺ ، ولكان فك الخلاف في سقيفة بني ساعدة ولاستشاره المسلمون، فليس من المعقول أن يذهب إلى البراري والفيافي والقفار والجبال ويترك رسول الله ﷺ يحارب وحده حتى يشج رأسه في أحد، وكيف والرسول ﷺ يقول: (والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). وكيف وقد أخذ الله الميثاق على النبيين والخضر منهم؛ يقول المولى : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. فكيف يترك الخضر نصرة الرسول ﷺ إن كان حياً؟! هذا لا يعقل ولا يجوز.

стр. 359

بيان أن الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل، لا كما يقول أصحاب الأفكار القذرة الذين اخترعوا ديناً اسمه الوحدة الوطنية، وترى الواحد منهم يصعب عليه أن يقول: إن النصارى كفرة، وهذا جاء في آية من آيات القرآن لا من عند أهل السنة ولا أتى به أهل السنة، بل هذا جاء في كتاب الله إن كانت لكم عقول وإن كنتم مسلمين، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]. وإذا أتيت بواحد منهم وقلت: أنت تعترف بالرسول ﷺ ؟ يقول لك: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهذه الشهادة لو قالها نصراني دخل في الإسلام. ولو أن أحداً ارتد عن الإسلام فإنه لا يرجع إليه إلا بالنطق بالشهادتين وبنقض ما ارتد به وخرج به من الإسلام، يعني: إن كان قال: الصلاة في الإسلام ليست واجبة، فنقول له: أنت مرتد، ارجع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين، ثم بالإقرار بأن الصلاة واجبة، أي: يعترف بما جحده. وإذا قال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولكن رسول الله ﷺ رسول للعرب وليس للناس جميعاً، أي: أنه معترف بالرسول لكن للعرب فقط وليس لجميع الناس؛ فإن علم ذلك من حاله فنطقه بالشهادتين لا يكفي لدخوله في الإسلام، بل لا بد من الإقرار بأن محمداً رسول الله إلى الناس كافة، وأن رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع. فهؤلاء كفرة بنص القرآن الكريم.

стр. 360

نفي وجود رسل بين عيسى ومحمد ﵉ والنبوة لا تثبت إلا بدليل صحيح إما من القرآن وإما من السنة. وأما من قال: إن قرقيس وخالد بن سنان والرسل الذين أرسلهم الله إلى آل ياسين في سورة يس رسل؛ فنسأله: هل هناك رسل بعد سيدنا عيسى ﵇، والرسول ﷺ قال: (لا نبي بيني وبينه)؟ فليس هناك أنبياء بين الرسول ﷺ وبين سيدنا عيسى. فلو قال: إن هؤلاء الأنبياء بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد ﷺ فهذا لا يجوز، فإن كانوا قبل عيسى فخير وبركة كما ذهب إليه الشيخ عمر الأشقر. وقول من قال: إن خالد بن سنان -وهو عربي- كان نبياً من الأنبياء بين عيسى والمصطفى ﷺ ، وأن الرسول ﷺ لما دخلت عليه بنت خالد بن سنان قال: (أهلاً بابنة أخي، أهلاً ببنت نبي ضيعه قومه) فهذا الحديث لا يصح. والأنبياء من العرب أربعة: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر!

стр. 361

موقف العقلانيين اليوم تجاه الأنبياء والوحي والعقل والرد عليهم والعقلانية تقول: إن الأنبياء الخمسة والعشرين كانت لزمان العيش في الجبال، وأما في القرن العشرين ونحن نركب الصواريخ ونطلق الأقمار فإن الناس غير محتاجة للرسل، وإن العقل بمفرده كاف لهداية البشرية؛ بدليل أنهم يردون الوحي الذي هو حق المولى من القرآن ومن السنة ويقدمون عليه العقل، فيجعلون العقل حاكماً على الكتاب والسنة.

стр. 362

العقل يقود البراهمة إلى عبادة الحيوان والبراهمة وهم قوم من المجوس يزعمون أن إرسال الرسل عبث، وأن العقل يغني عن الرسل. وهؤلاء البراهمة الذين يقولون: إن العقل يغني عن الرسل، كان أحدهم قائداً كبيراً جداً في القرن العشرين ولم يغنه عقله حتى عبد البقرة، فـ غاندي كان يقول للناس: عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيواناً؛ لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع. ثم يقول: وأمي البقرة تفضل على أمي الحقيقية من عدة وجوه: فالأم الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين وتتطلب منا خدمات طوال العمر نظير هذا، ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائماً ولا تطلب منا شيئاً مقابل ذلك سوى الطعام العادي. ثم يقول: إن ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعد نفسي واحداً من هؤلاء الملايين. فهذا زعيم ورجل كبير يعبد البقرة. وأكبر من هذا ما نقلته مجلة العربي الكويتية عن معبد أنفق عليه ملايين الملايين من الدولارات، وهو مكسو بالرخام الأبيض، وهذا المعبد ينفق عليه آلاف النذور والهدايا، والإله الذي يقدمون إليه هذه النذور هو الفئران، فهم يعبدون الفئران، فانظر كيف قاد العقل البشرية إلى الدمار!

стр. 363

عجز العقل عن معرفة قضايا الغيب والأوامر الشرعية وصفات الله تعالى وأفعاله بدون الوحي وبالنسبة لموقف العقل من الوحي، فهناك أشياء يقف العقل عاجزاً عنها تماماً، كالغيب والجنة والنار والقيامة وصفة النار، ولو أتيت بأي عاقل بدون وحي فإنه لا يستطيع أن يتكلم فيها كلمة واحدة. والأوامر الشرعية والنواهي والمباحات، وأن هذا واجب، وهذا مستحب، وهذا مندوب، وهذا جائز، لا يستطيع العقل أن يخبرنا عنها شيئاً بدون الشرع، وصفات الله ﵎ وأسماؤه وأفعاله بالأمم الغابرة لا يستطيع العقل أن يتكلم عنها. وهناك مجالات يقف العقل أمامها عاجزاً، حتى قال القائل: من أنت يا أرسطو ومن أفلاط قبلك يا مبلد ومن ابن سينا حين قرر ما بنيت له وشيد هل أنتمو إلا الفراش وقد رأى ناراً توهج فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد فلتخسأ الحكماء عن رب له الأفلاك تسجد والعاقل ينهى عن أن يقحم العقل في غير مجاله.

стр. 364

عجز العقل عن معرفة حسن وقبح الأفعال تفصيلاً العقل أيضاً يعلم حسن الحسن وقبح القبيح على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فلا يستطيع العقل وحده أن يحدد أن هذا الفعل حسن أو قبيح، نعم يعلم قبيح القبيح وحسن الحسن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل. أيضاً: إن كان الفعل فيه مصلحة وفيه مفسدة فكيف يحدد العقل أن المصلحة تربو على المفسدة أو أن المفسدة تربو على المصلحة؟

стр. 365

بيان عدم التعارض بين العقل الصريح والوحي الصحيح يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الوحي يخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول. والعقل السليم النظيف لا يصطدم بالوحي الصريح الصحيح، فالوحي يخبر بمحارات العقول، أي: عن الحاجات التي يحتار فيها العقل، فالوحي يفسرها له ويوضحها، فهو يخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول، يعني: لو كان العقل نظيفاً وسليماً مائة في المائة فلا تأتي سنة صحيحة بمخالفته كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: درء تعارض المنقول مع صريح المعقول، أو: درء تعارض العقل والنقل.

стр. 366

نسبة أهل الكتاب القبائح إلى الأنبياء وأما موقف الأدعياء من عصمة الأنبياء فهناك قبائح نسبها إليهم اليهود عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم القيامة، وقبائح نسبها إليهم النصارى عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم القيامة.

стр. 367

أولاً نسبة اليهود القبائح إلى الأنبياء فمن هذه القبائح: قال اليهود في الإصحاح (٣٢) عدد (١) من سفر الخروج: نبي الله هارون ﵇ صنع عجلاً وعبده مع بني إسرائيل. وقالوا عن سيدنا إبراهيم ﵇ في الإصحاح (١٢) عدد (١٤) من سفر التكوين: إن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قدم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها. وهذه قبيحة نسبوها إلى سارة، وهي بريئة منها. وقالوا أيضاً كما ورد في سفر التكوين إصحاح (١٩) عدد (٣٠): إن لوطاً ﵇ شرب خمراً حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنا بهما الواحدة بعد الأخرى! وقالوا: إن يعقوب ﵇ سرق مواشي حميه وخرج بأهله خلسة دون أن يعلمه! وهذا موجود في سفر التكوين إصحاح (٣١) عدد (١٧). وقالوا: إن روابين ابن سيدنا يعقوب زنى بزوجة أبيه يعقوب، وإن يعقوب ﵇ علم بهذا الفعل القبيح وسكت! وهذا موجود في سفر التكوين إصحاح (٣٥) عدد (٣٢). وسبحان الله! حتى الغيرة برءوا منها الأنبياء، وأحد الناس شكته امرأته في محكمة شرعية وكانت منتقبة وادعت أنه ضربها على وجهها، فأمرها القاضي أن ترفع النقاب، فقال له زوجها: ما حصل هذا الكلام ولكن الذي تقوله حق، لكن لا ترفع عنها النقاب، ثم نظر إلى امرأته وقال: أغار عليكِ من نفسي ومني ومنكِ ومن مكانكِ والزمان ولو أني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كفاني فقال القاضي: اكتبوا هذا في ديوان الأدب. وهم يقولون: إن سيدنا يعقوب علم أن ابنه زنى بامرأته ثم سكت. وقالوا: إن داود ﵇ زنى بزوجة رجل من قواد جيشه، ثم دبر حيلة لقتل ذلك الرجل فقتل، وبعدئذ أخذ داود هذه الزوجة وضمها إلى نسائه، فولدت له سليمان. وقالا: إن سليمان ﵇ ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى لها الهياكل والتماثيل! هؤلاء هم اليهود.

стр. 368

ثانياً نسبة النصارى القبائح إلى الأنبياء أما بالنسبة للنصارى فليسوا بأفضل من اليهود في هذا، فقد نسبوا إلى الأنبياء والرسل القبائح، منها: ما ورد في إنجيل متى: أن عيسى ﵇ من نسل سليمان بن داود ﵉، وإن جده فارض هو من نسل الزنا. وهذا أوردوه في إصحاح متى الأول عدد (١٠). وفي إنجيل يوحنا إصحاح (٢) عدد (٤): أن يسوع أهان أمه في وسط جمع من الناس، أي: شتم أمه في وسط جمع من الناس. فأين هذا من قول الله ﵎: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٢]؟ وأيضاً في إنجيل يوحنا إصحاح (١٠) عدد (٨): أن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سراق ولصوص. يعني: أن سيدنا المسيح ﵇ قال: إن كل الأنبياء سراق، وهذا طبعاً لا يجوز.

стр. 369

موقف الفرق من عصمة الأنبياء

стр. 370

موقف الشيعة من عصمة الأنبياء وأما موقف العلماء من عصمة الأنبياء، فالشيعة قالوا بعصمة الأنبياء من الصغائر ومن الكبائر، سهواً أو عمداً أو نسياناً، قبل الرسالة وبعدها، من يوم أن يخلقوا حتى يبعثوا، ووافقهم القاضي عياض على دعوى العصمة قبل النبوة وبعدها من الصغائر ولو سهواً.

стр. 371

موقف أهل الكلام من عصمة الأنبياء وأما المتكلمون ومنهم الآمدي والباقلاني من الأشاعرة فقالوا: إنه لا يمتنع عليهم الكبائر قبل النبوة، وقالوا: ممكن أن الأنبياء قبل النبوة يفعلون الكبائر والصغائر، بل قالوا: لا يمتنع عقلاً أن يرسل الله من أسلم وآمن بعد كفره، يعني: زاد الباقلاني جواز الكفر على الأنبياء قبل الرسالة. أما بعد النبوة فقالوا: إن الأنبياء لا يجوز عليهم تعمد الكبائر أو فعلها، ويجوز عليهم الصغائر.

стр. 372

موقف أهل الحديث وغيرهم من عصمة الأنبياء ومذهب أهل الحديث ومذهب السلف، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر، إلا صغار الخسة فهم معصومون أيضاً منها، أما باقي الصغائر فغير معصومين منها، وهذا هو قول علماء الإسلام وقول أكثر أهل الكلام وعلماء التفسير وعلماء الحديث وأكثر الأشعرية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. يعني: أن الأنبياء معصومون من الكبائر ومن صغائر الخسة، وأما بقية الصغائر فيجوز عليهم أن يفعلوها، ولكنهم إذا فعلوها تابوا منها وأقلعوا عنها في الحال، وكان حالهم بعد التوبة أكمل من حالهم قبل التوبة. وهذا القول الفصل، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. والدليل على ذلك: قول الله ﵎: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، هذا عن آدم ﵇. وأما عن نوح ﵇ فإنه لما فقد قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]، قال له الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]، فقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]. وسيدنا داود ﵇ قال الله عنه: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] وذلك لما حكم لخصم دون أن يسمع من الآخر. ورسول الله ﷺ قال له الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]. وقال الله : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢].

стр. 373

جواز الخطأ على الأنبياء في الاجتهاد دون التبليغ ويجوز على الأنبياء أن يخطئوا في الاجتهاد كما مال إلى ذلك صاحب كتاب الموافقات الإمام الشاطبي؛ لقول الله ﵎: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]. وأما في تبليغ الرسالة للأنبياء فإن إجماع العلماء على عصمة الأنبياء في تبليغ الرسالة، فلا يجوز للنبي أن يزيد في الوحي ولا أن ينقص منه ولا أن يشك فيه، ولا أن ينسى شيئاً منه، إلا شيئاً ينسيه الله إياه. قال الله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]. وقال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]. والأفعال البلاغية للأنبياء التي علموها القوم على سبيل التعليم، كأن يصلوا أمام الناس حتى يتعلموا الصلاة، هذا لا يجوز عليهم فيه الخطأ ولا السهو ولا النسيان. فإذا استقر الأمر واستقر هذا الفعل وعلمته الأمة ثم فعله النبي عبادة جاز عليه النسيان، كما نسي النبي ﷺ في الصلاة.

стр. 374

بيان جواز وقوع النسيان والغضب من الأنبياء والأنبياء يجوز عليهم ما يجوز على البشرية من غضب أو نسيان، كما صح في الحديث: (إن المولى حين خلق ذرية آدم نثرهم بين يديه، وجعل بين عيني كل منهم وبيصاً من نور، ثم قال آدم: يا رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: من هذا يا رب؟! قال: نبي من آخر أمتك من ذريتك، قال: ما اسمه؟ قال: اسمه داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: فزده من عمري أربعين، فلما جاءه ملك الموت قال: أوليس قد بقي من عمري أربعين سنة؟ قال: أوليس قد أعطيت ابنك داود، فأخطأ آدم، يقول الرسول ﷺ : فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وأخطأ آدم فأخطأت ذريته)، فإذاً: يجوز عليهم النسيان، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني. وأيضاً يجوز عليهم الغضب، فإن نبياً من الأنبياء لدغته نملة، فأمر بمتاعه فأخرج من تحت الشجرة، ثم حرق قرية النمل، فعاتبه الله فقال: (فهلا نملة واحدة)، ومن هنا جاء النهي وتحريم قتل النمل.

стр. 375

ضلال الخوارج في عصمة الأنبياء والرد عليهم وبعض الفرق الضالة، مثل العجاردة أتباع عبد الكريم بن عجرد من الخوارج قالوا: إن النبي قد يزيد أشياء في الوحي؛ لأن سورة يوسف ليست من القرآن الكريم ففيها العشق والعاشق والمعشوقة، وهذا لا يكون من كلام الله، ليس من عند الله. والأزارقة جوزوا الكفر على الأنبياء قبل البعثة وبعد البعثة، فقالوا: ممكن للنبي أن يبعثه ربه بالرسالة ويبلغها ثم يكفر. وهذا قالت به الأزارقة من الخوارج الذين هم جماعة نافع بن الأزرق. وأما الفضلية من الخوارج فجوزوا الذنب على الأنبياء بعد البعثة، وكل ذنب عندهم كفر، فكفروا الأنبياء، وجوزوا كفر الأنبياء بعد البعثة. والأزارقة الذين قالوا بجواز الكفر على الأنبياء قبل البعثة وبعدها استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]. والإمام أحمد قال: من قال بكفر النبي قبل البعثة يعزر ويؤدب، وهذا القول قول سوء، فلم يكن النبي ﷺ على دين قومه قط. وأما قول الله : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] فإن الضلال في اللغة يطلق ويراد به أشياء، فيأتي الضلال بمعنى: الاضمحلال، يعني: الذهاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة:١٠]، أي: إذا غبنا في الأرض، تقول: ضل اللبن في السمن، وضل السمن في اللبن، يعني: غاب السمن في اللبن. فالضلال يأتي بمعنى الذهاب والاضمحلال. ويأتي الضلال أيضاً بمعنى: الكفر، ويأتي أيضاً بمعنى: الذهاب عن حقيقة الشيء، كما في قول الله : ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، يعني: لا يذهب عن حقيقة الشيء بل يعلم حقيقة كل شيء، وكما في قوله : ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]. إذاً: يكون معنى قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧]، أي: ووجدك غافلاً عن أحكام الشرائع، لا تعرف الظهر كم ركعة، والعصر كم ركعة، والمغرب كم ركعة، والعشاء كم ركعة. وفي تفسير ثان وإن لم يختره الشيخ الشنقيطي ولكن اختاره قوم كثيرون من علماء التفسير، قالوا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧]، أي: محباً، أي: ووجدك محباً للهدى فهداك. وقد جاء القرآن بذلك، فقال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥]، يعني: في حبك القديم ليوسف. وهناك قول أصرح وهو قول كثير عزة لـ عزة: هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققا يعني: حبك أشاب مني المفرقا. عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا يعني: بعد هذه السنين كلها وبعد شيبي في حبها. فيكون معنى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧] أي: وجدك محباً للهدى فهداك. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 376

الأسئلة

стр. 377

حكم قول (سيدنا) لآحاد الناس السؤال هل يجوز أن نقول للمرء: سيدنا؟ الجواب عمر بن الخطاب ﵁ قال: أبو بكر سيدنا وأعتق بلالاً سيدنا. وهذا ثابت عن عمر، فإن كان قاله عمر رضوان الله عليه فأحرى بنا أن نقوله، ولكن لم يستدل به العلماء، ففيما قرأته للحافظ ابن حجر لم يستدل به. والله أعلم.

стр. 378

ضابط صغائر الخسة السؤال ما هي صغائر الخسة؟ الجواب صغائر الخسة مثل لها الشيخ محمد بن سليمان الأشقر بسرقة الأشياء الصغيرة التافهة. والله أعلم.

стр. 379

الفرق بين الهم والعزم السؤال ما هو الفرق بين الهم والعزم؟ الجواب العلماء فرقوا بين الهم والعزم، فقالوا: الهم: بدء الإرادة، والعزم: منتهاها، وقالوا: الهم هو الميل الغريزي أو الميل الطبعي، وقالوا: إن صرفه عنه وازع التقوى كتب له به حسنة؛ لقول الرسول ﷺ : (إذا هم أحدكم بالسيئة فلم يفعلها كتبت لها بها حسنة). وأما العزم فاختلف العلماء هل يعاقب عليه الرجل أم لا يعاقب؟ ومال الشيخ الشنقيطي إلى أن الرجل يعاقب بالعزم على المعصية؛ لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، ولقول رسول الله ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: قد عرفنا القاتل فما بال القتيل؟ قال: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه). والله أعلم.

стр. 380

تعريف الولي السؤال من هو الولي؟ الجواب قال الشافعي: إن لم يكن العلماء أولياء لله ﵎ فليس على ظهر الأرض لله ولي. والولاية العامة يدخل فيها صالحو المؤمنين، ولكن الصوفية حينما يتكلمون عن الأولياء يقصدون العابد الذي يجري عليه الله الكرامات أو خوارق العادات أو المشهور بالتعبد. فهم يقولون -وخاصة الذين يميلون إلى الفلسفة منهم كـ العفيف التلمساني وعبد الحق بن سبعين وابن إسرائيل ومحيي الدين بن عربي وعبد الكريم الجيلي -: بأن الأولياء أعلى رتبة من الأنبياء ومن الرسل، وقال أبو يزيد البسطامي: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله. وثبت هذا القول عنهم: مقام الرسالة في برزخ فويق النبي ودون الولي والولي يطلق في الاصطلاح على طائفة من العباد من خواص عباد الله ﵎ الذين هم دون الأنبياء منزلة. والله أعلم.

стр. 381

الفرق بين النبي والرسول السؤال ما الفرق بين النبي والرسول؟ الجواب ما يميل إليه الشيخ عمر سليمان الأشقر: أن الرسول يأتي برسالة جديدة، وأما النبي فلا يأتي برسالة جديدة وإنما يرسله الله بشريعة من كان قبله يقررها ويعمل بها ويدعو إليها. فمثلاً: سيدنا موسى كان رسولاً إلى بني إسرائيل وأتى بشريعة التوراة، والأنبياء ممن أتوا بعده دعوا قومهم إلى الله ﵎ وبلغوهم وحيه وهو التوراة.

стр. 382

مذهب أهل السنة في العمل بأحاديث الآحاد وأدلتهم على ذلك السؤال ما حكم العمل بحديث الآحاد؟ الجواب بالنسبة لحديث الآحاد فالقول الراجح وهو قول الشافعي والبخاري: أنه يعمل به في مجال العقائد. وهناك رسالة طيبة للشيخ الألباني في حجية خبر الآحاد، والله تعالى يرسل الواحد إلى قومه بالتوحيد، وبعث رسول الله معاذ بن جبل إلى اليمن بالتوحيد، فقال له: (فادعهم إلى عبادة الله ﵎، فإن هم أجابوك لذلك) والتوحيد لا يحتمل الشك ولا الظن. وأيضاً يقول المولى في سورة التوبة: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، والفقه في الدين يشمل الفقه الأكبر وهو التوحيد، والطائفة تطلق على الواحد فما فوقه. ويقول المولى : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، يقول الإمام البخاري: إن الطائفة تطلق على الواحد فأكثر. والله أعلم. فمذهب أهل السنة والجماعة حجية خبر الآحاد في مجال العقائد، وأن الأمة مطالبة شرعاً بالتعبد والعمل بخبر الآحاد. وبالنسبة لأحاديث عذاب القبر فقال العلماء: هي أحاديث آحاد، ولكن لا يكفر من ينكرها. والله أعلم.

стр. 383

حكم الانتفاع بمال الأب إن كان من حرام السؤال ما حكم أكل المرأة وشربها من مال أبيها الذي تعلم أن مصدره حرام؟ الجواب إن كانت تقيم مع أبويها وينفق عليها والدها، وكان ماله مختلطاً من حلال وحرام، فيجوز لها أن تتورع عنه، وإن كان الغالب على مال أبيها الحلال فيجوز لها من باب الدعوة له أن تأخذ منه، ولكن إن كانت قادرة على الإنفاق على نفسها أو على أهلها من مالها فلا يجوز لها أن تأكل أو تشرب منه. والله أعلم.

стр. 384

حكم مجالسة النصرانية من أجل دعوتها السؤال ما حكم مجالسة النصرانية ومحادثتها والأكل من طعامها بقصد دعوتها إلى الإسلام؟ الجواب يجوز الأكل من مال النصرانية من أجل دعوتها، ويجوز الكلام معها، وإن جاز الأكل جاز الكلام من قبيل الدعوة، ولكن لا تواليها. والله أعلم.

стр. 385

ما ينبغي لطالب العلم من العبادة وطلب العلم السؤال ما هي الخصال التي تنصح طلاب العلم بالتحلي بها؟ الجواب السلفيون المفروض أن يكونوا أرق الناس أفئدة، فالرجل المتحلي بالعلم لا بد أن يكون من أرق الناس، وطالب العلم منوط به حفظ العلوم الشرعية مثل البخاري ومسلم نقول له: طلب العلم أولى، ولكن لو لم تكن كـ البخاري ولا الألباني ولا ابن باز ولا ابن عثيمين، ولا حتى تخطب جمعة، ولا تدرس درساً فعليك أن تحرص على العبادة والطاعات، وعليك الأخذ بقسط وافر من قيام الليل وخاصة في الشتاء، وقد صح عن عمر بن الخطاب أنه قال: الشتاء غنيمة العابدين. وقال أبو هريرة كما وصح عنه: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، فالتعب بالصوم والبرد ينسيك ألم الجوع، ثم تذهب إلى الله بيوم قد حكم لك فيه بالصيام. ويقول الحسن البصري: إن الملائكة لتفرح بالشتاء للمؤمن. ويقول يحيى بن معاذ: ليل الشتاء طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك. فعلى الإنسان أن يكثر من قيام الليل، وعليه أن يكثر من الصيام فيأخذ نفسه ويجربها في صيام الإثنين والخميس، فإن استقامت يجربها في صيام يوم وإفطار يوم، وهذا أفضل الصيام. وعمر بن الخطاب ﵁ ما مات حتى سرد الصوم، وكذلك عائشة ومالك بن أنس، لكن لا تأتي اليوم وتقول: أصلي من العشاء إلى الفجر وأصوم يوماً وأفطر يوماً، وبعد أسبوع تبغض نفسك العبادة، فلا تصلي حتى الصلوات الخمس. فالإنسان يأخذ نفسه بالتدرج حتى يستقيم على حال، فيأخذها بقيام الليل، ثم بالصيام، ثم بكثرة الأذكار، ثم بكثرة ذكر الموت وزيارة المقابر. ونقول للإخوة: عليكم بصلاة الفجر ولو عرفتم وغلب على ظنكم أنكم لا تصلون الفجر فناموا في المسجد لو كنتم عزاباً، ولو كنتم متزوجين فناموا عند أهاليكم ثم تعالوا إلى المسجد حتى لا تفوتكم صلاة الفجر، يقول ﷺ : (لو علم الناس ما في ركعتي الفجر لأتوهما ولو حبواً). وإذا أراد الرجل أن يرطب قلبه فليرطبه عند ثلاث: عند قراءة القرآن، وعند صلاة الفجر، وعند الذكر، فإن وجده وإلا فليعلم أن الباب مغلق، وليسأل الله أن يمن عليه بالقلب فليس له قلب. وبالنسبة للورد القرآني فاجعل لك ورداً تختمه كل أسبوع، تبتدئ من ليلة السبت ثم تختم يوم الخميس، وقد ورد أن الصحابة كانوا يختمون في الأسبوع. وإن ترقى بك الحال وعظم بك المقام فاختم في كل ثلاثة أيام، ولكن عليك بالوسط، فاختم في الأسبوع، ولا يفوتنك ولو ركعتين من القيام، وعليك بالصيام وكثرة الذكر والصمت وزيارة المقابر وصلاة الجماعة والحرص عليها، والمواظبة على الصف الأول وعلى صلاة الفجر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 386

الرد على مصطفى محمود - تاريخ إنكار السنة لقد أراد الله الشر كوناً ولم يرده شرعاً، وقدر الله أن يتصارع الخير والشر لحكمة ارتضاها ! وإن من أعظم الشرور في هذا العصر شر القرآنيين الذين أنكروا سنة المصطفى ﷺ ، وفسروا القرآن بأهوائهم، وحكموا العقل وأعملوه في النصوص، فأقروا ما شاءوا وأنكروا ما شاءوا، فضلوا وأضلوا.

стр. 387

الرد على ما ورد من إنكار الدكتور مصطفى محمود للسنة في جريدة الأهرام

стр. 388

كتب رسول الله ﷺ التي حفظتها المصادر الشيخ محمد عجاج الخطيب في رسالة الدكتوراه المسماة: (السنة قبل التدوين الفعلي في عهد عمر بن عبد العزيز) قال: حفظت لنا المصادر أمر رسول الله ﷺ بالوثيقة التي كتبت بينه وبين اليهود وبين مسلمي الأوس والخزرج، قال: وهذه موجودة. الكتاب الثاني الذي نقله العلماء كتاب أبي بكر لـ أنس بن مالك، حيث كتب له كتاباً فيه الصدقات التي فرضها رسول الله ﷺ . الكتاب الثالث: صحيفة كانت في قائم سيف عمر بن الخطاب فيها صدقة السوائم نقلها عنه عبد الله بن عمر، ثم أخذها سالم بن عبد الله بن عمر فأعطاها لـ عمر بن عبد العزيز. ثم صحيفة لسيدنا علي بن أبي طالب كان يعلقها في سيفه، كتب فيها أسنان الإبل، وحرم المدينة، وأشياء من الجراحات. ثم صحيفة عن عبد الله بن مسعود نقلها عنه ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وكان يحلف بالله أن هذا خط أبيه. ثم صحيفة كتب فيها قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن أبي أوفى حديث الاستفتاح في الصلاة، دفعها إلى أبي بكر الصديق. ثم أيضاً كتاب لـ مصعب بن عمير. وكتاب لـ محمد بن مسلمة الأنصاري وجد في ذؤابة سيفه، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. سمعت النبي ﷺ يقول: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات؛ فتعرضوا لها). وكتاب لـ سبيعة الأسلمية تروي فيه: أن النبي ﷺ أمرها بالنكاح بعد وفاة زوجها بقليل لما وضعت، ونقله الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية. وكتاب النبي ﷺ لـ عمرو بن حزم في الصدقات وفي الأسنان، وفي الديات. وكتاب سمرة بن جندب نقله عنه ابنه سليمان، قال محمد بن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير. رواه الإمام البخاري. وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري نقلها عنه سيدنا قتادة. وصحيفة صادقة لـ همام بن منبه موجودة في متحف برلين، ونقلها الدكتور محمد حميد الله فيها مائة وثلاثون حديثاً مروية بسند واحد. فأين يذهب مصطفى محمود من هذه الكتب؟ وهذه فقط الكتب التي كتبت في عهد النبوة.

стр. 389

احتجاج مصطفى محمود بأن السنة إنما جمعها بشر مثلنا والرد عليه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. ثم أما بعد: ففي جريدة الأهرام في يوم السبت الماضي كتب الدكتور مصطفى محمود تحت عنوان: ليس إنكاراً للسنة، قال: أما السنة القولية التي جمعها رواة الأحاديث عن الرسول الكريم فقد جمعها ودونها بشر مثلنا. فنقول: نعم. هم بشر؛ لكن ليسوا مثلنا، لأن النبي ﷺ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم)، وسيدنا الإمام أبو حنيفة يقول: ما جاءنا عن رسول الله فعلى الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا من أقوالهم، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال؛ لأن العلماء يعدوه من صغار التابعين. فيقول الدكتور: فهم بشر مثلنا غير معصومين في سلسلة من العنعنات عبر عشرات العصور، لم تدون الأحاديث إلا بعد زمن الخلفاء الراشدين وعلى عهد أيام سلاطين القصور. وهذا كذب، فقوله: إن السنة لم تدون إلا على عهد سلاطين القصور فيه طعن في عمر بن عبد العزيز فقد كان يلقب خامس الخلفاء الراشدين، وأيامه كانت أيام سنة، ولقد أمر عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدعة، فأيام سلاطين القصور هذه فيها غمز في عمر بن عبد العزيز.

стр. 390

احتجاج مصطفى محمود بأحاديث النهي عن تدوين السنة والرد عليه يقول الدكتور: ولقد أجمع رواة الأحاديث على أن النبي ﷺ قد نهى عن تدوين الأحاديث، وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لـ أبي هريرة. وهذا أيضاً كذب منه، فالإجماع الذي حكاه الشيخ أحمد محمد شاكر محدث الديار المصرية، والإجماع الذي نقله حافظ الدنيا الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري على عكس ذلك. يقول الدكتور: وقد نهى عن تدوين الأحاديث وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لـ أبي هريرة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود في كلمات قطعية لا تقبل اللبس! أقول: أولاً نحسن الظن بكل المسلمين بداية، ونقول: إن الرجل يستفاد منه في مجال عجائب المخلوقات؛ فهذا مجاله، وأما فوق هذا فلا وألف لا، فقد ادعى الإجماع على أن النبي ﷺ أمر بأخذ الكتب وإحراقها، فمن أين أتت لنا السنة القولية والفعلية؟ والحمد لله أنه قد رد على أمثاله؛ لأن هذا أصل قول المستشرقين، حيث قالوا: إن السنة تأخر تدوينها إلى عهد عمر بن عبد العزيز أو أيام محمد بن شهاب الزهري، فهو أول من دون السنة، وهو رد على ذلك، واستشهد بحديث عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم. وقد أجاب العلماء على هذا الحديث بأنه حديث منسوخ بأحاديث أتت من بعده تجوز الكتابة، وحكى ذلك الإمام ابن قتيبة، والإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن، والشيخ أحمد محمد شاكر شيخ الديار المصرية، وذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح، والأحاديث التي فيها أمر بالكتابة وأتت متأخرة عن حديث أبي سعيد الخدري تبين هذا، منها: حديث رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة: (أن رجلاً من أهل اليمن قال: اكتب لي يا رسول الله! فقال: اكتبوا لأبي فلان). وفي رواية الإمام مسلم: (اكتبوا لـ أبي شاه) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم، ورواه الإمام مسلم في كتاب تحريم مكة وصيدها. الحديث الثاني: ما رواه همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: (ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو -يعني عبد الله بن عمرو بن العاص - فإنه كان يكتب ولا أكتب). وسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص له صحيفة تسمى: الصحيفة الصادقة، نقلها علماء الحديث بتمامها، فليس معقولاً أن النبي ﷺ يأمر بحرق الأحاديث فيقوم سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص بإخفاء الأحاديث عنه ثم إخراجها بعد وفاته ﷺ ، وهل يعقل هذا؟ كذلك من الأحاديث في الرد عليه: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ؛ فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) رواه الإمام أبو داود والدارمي وأحمد والحاكم في المستدرك والخطيب البغدادي في تقييد العلم، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة. وقال أبو جحيفة: قلت لـ علي ﵁: (هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء من العلم؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما هذه الصحيفة؟ قال: فيها العقل -الديات- وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر) رواه الإمام البخاري ومسلم. ثم قالوا أيضاً في الرد عليهم: وأين أنتم من كتب النبي ﷺ إلى هرقل والمقوقس وغيرها؟! فأورد العلماء عدة أقوال في ذلك، منها: أن أحاديث النهي عن الكتابة كانت متقدمة، ثم نسخت بأحاديث إذن النبي ﷺ للصحابة أن يكتبوا عنه بعد ذلك. القول الثاني: أن النهي كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط الحديث بالقرآن، كما قال ذلك الإمام أبو سليمان الخطابي والقاضي عياض. القول الثالث: أن النهي كان خاصاً بوقت نزول القرآن، نقل ذلك الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني. قال الشيخ شاكر ﵀: أجمعت الأمة إجماعاً قطعياً على الأمر بتقييد العلم، والأمر بتقييد أحاديث النبي ﷺ . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٢٠٤): الأمر استقر، والإجماع -إجماع الصحابة- انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان. بهذا يكون الكلام الذي قاله الدكتور كذباً حيث يقول: انعقد الإجماع على حرق كل الأحاديث. ثم يأتي الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي هو أعلم الناس في علم الحديث فينقل الإجماع على استحباب تقييد العلم بل على وجوبه ولله الحمد.
следующие страницы →