← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الرد على مصطفى محمود - تاريخ إنكار السنة لقد أراد الله الشر كوناً ولم يرده شرعاً، وقدر الله أن يتصارع الخير والشر لحكمة ارتضاها ! وإن من أعظم الشرور في هذا العصر شر القرآنيين الذين أنكروا سنة المصطفى ﷺ ، وفسروا القرآن بأهوائهم، وحكموا العقل وأعملوه في النصوص، فأقروا ما شاءوا وأنكروا ما شاءوا، فضلوا وأضلوا.

стр. 387

الرد على ما ورد من إنكار الدكتور مصطفى محمود للسنة في جريدة الأهرام

стр. 388

كتب رسول الله ﷺ التي حفظتها المصادر الشيخ محمد عجاج الخطيب في رسالة الدكتوراه المسماة: (السنة قبل التدوين الفعلي في عهد عمر بن عبد العزيز) قال: حفظت لنا المصادر أمر رسول الله ﷺ بالوثيقة التي كتبت بينه وبين اليهود وبين مسلمي الأوس والخزرج، قال: وهذه موجودة. الكتاب الثاني الذي نقله العلماء كتاب أبي بكر لـ أنس بن مالك، حيث كتب له كتاباً فيه الصدقات التي فرضها رسول الله ﷺ . الكتاب الثالث: صحيفة كانت في قائم سيف عمر بن الخطاب فيها صدقة السوائم نقلها عنه عبد الله بن عمر، ثم أخذها سالم بن عبد الله بن عمر فأعطاها لـ عمر بن عبد العزيز. ثم صحيفة لسيدنا علي بن أبي طالب كان يعلقها في سيفه، كتب فيها أسنان الإبل، وحرم المدينة، وأشياء من الجراحات. ثم صحيفة عن عبد الله بن مسعود نقلها عنه ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وكان يحلف بالله أن هذا خط أبيه. ثم صحيفة كتب فيها قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن أبي أوفى حديث الاستفتاح في الصلاة، دفعها إلى أبي بكر الصديق. ثم أيضاً كتاب لـ مصعب بن عمير. وكتاب لـ محمد بن مسلمة الأنصاري وجد في ذؤابة سيفه، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. سمعت النبي ﷺ يقول: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات؛ فتعرضوا لها). وكتاب لـ سبيعة الأسلمية تروي فيه: أن النبي ﷺ أمرها بالنكاح بعد وفاة زوجها بقليل لما وضعت، ونقله الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية. وكتاب النبي ﷺ لـ عمرو بن حزم في الصدقات وفي الأسنان، وفي الديات. وكتاب سمرة بن جندب نقله عنه ابنه سليمان، قال محمد بن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير. رواه الإمام البخاري. وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري نقلها عنه سيدنا قتادة. وصحيفة صادقة لـ همام بن منبه موجودة في متحف برلين، ونقلها الدكتور محمد حميد الله فيها مائة وثلاثون حديثاً مروية بسند واحد. فأين يذهب مصطفى محمود من هذه الكتب؟ وهذه فقط الكتب التي كتبت في عهد النبوة.

стр. 389

احتجاج مصطفى محمود بأن السنة إنما جمعها بشر مثلنا والرد عليه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. ثم أما بعد: ففي جريدة الأهرام في يوم السبت الماضي كتب الدكتور مصطفى محمود تحت عنوان: ليس إنكاراً للسنة، قال: أما السنة القولية التي جمعها رواة الأحاديث عن الرسول الكريم فقد جمعها ودونها بشر مثلنا. فنقول: نعم. هم بشر؛ لكن ليسوا مثلنا، لأن النبي ﷺ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم)، وسيدنا الإمام أبو حنيفة يقول: ما جاءنا عن رسول الله فعلى الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا من أقوالهم، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال؛ لأن العلماء يعدوه من صغار التابعين. فيقول الدكتور: فهم بشر مثلنا غير معصومين في سلسلة من العنعنات عبر عشرات العصور، لم تدون الأحاديث إلا بعد زمن الخلفاء الراشدين وعلى عهد أيام سلاطين القصور. وهذا كذب، فقوله: إن السنة لم تدون إلا على عهد سلاطين القصور فيه طعن في عمر بن عبد العزيز فقد كان يلقب خامس الخلفاء الراشدين، وأيامه كانت أيام سنة، ولقد أمر عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدعة، فأيام سلاطين القصور هذه فيها غمز في عمر بن عبد العزيز.

стр. 390

احتجاج مصطفى محمود بأحاديث النهي عن تدوين السنة والرد عليه يقول الدكتور: ولقد أجمع رواة الأحاديث على أن النبي ﷺ قد نهى عن تدوين الأحاديث، وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لـ أبي هريرة. وهذا أيضاً كذب منه، فالإجماع الذي حكاه الشيخ أحمد محمد شاكر محدث الديار المصرية، والإجماع الذي نقله حافظ الدنيا الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري على عكس ذلك. يقول الدكتور: وقد نهى عن تدوين الأحاديث وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لـ أبي هريرة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود في كلمات قطعية لا تقبل اللبس! أقول: أولاً نحسن الظن بكل المسلمين بداية، ونقول: إن الرجل يستفاد منه في مجال عجائب المخلوقات؛ فهذا مجاله، وأما فوق هذا فلا وألف لا، فقد ادعى الإجماع على أن النبي ﷺ أمر بأخذ الكتب وإحراقها، فمن أين أتت لنا السنة القولية والفعلية؟ والحمد لله أنه قد رد على أمثاله؛ لأن هذا أصل قول المستشرقين، حيث قالوا: إن السنة تأخر تدوينها إلى عهد عمر بن عبد العزيز أو أيام محمد بن شهاب الزهري، فهو أول من دون السنة، وهو رد على ذلك، واستشهد بحديث عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم. وقد أجاب العلماء على هذا الحديث بأنه حديث منسوخ بأحاديث أتت من بعده تجوز الكتابة، وحكى ذلك الإمام ابن قتيبة، والإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن، والشيخ أحمد محمد شاكر شيخ الديار المصرية، وذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح، والأحاديث التي فيها أمر بالكتابة وأتت متأخرة عن حديث أبي سعيد الخدري تبين هذا، منها: حديث رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة: (أن رجلاً من أهل اليمن قال: اكتب لي يا رسول الله! فقال: اكتبوا لأبي فلان). وفي رواية الإمام مسلم: (اكتبوا لـ أبي شاه) رواه الإمام البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم، ورواه الإمام مسلم في كتاب تحريم مكة وصيدها. الحديث الثاني: ما رواه همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: (ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو -يعني عبد الله بن عمرو بن العاص - فإنه كان يكتب ولا أكتب). وسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص له صحيفة تسمى: الصحيفة الصادقة، نقلها علماء الحديث بتمامها، فليس معقولاً أن النبي ﷺ يأمر بحرق الأحاديث فيقوم سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص بإخفاء الأحاديث عنه ثم إخراجها بعد وفاته ﷺ ، وهل يعقل هذا؟ كذلك من الأحاديث في الرد عليه: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ؛ فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) رواه الإمام أبو داود والدارمي وأحمد والحاكم في المستدرك والخطيب البغدادي في تقييد العلم، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة. وقال أبو جحيفة: قلت لـ علي ﵁: (هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء من العلم؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما هذه الصحيفة؟ قال: فيها العقل -الديات- وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر) رواه الإمام البخاري ومسلم. ثم قالوا أيضاً في الرد عليهم: وأين أنتم من كتب النبي ﷺ إلى هرقل والمقوقس وغيرها؟! فأورد العلماء عدة أقوال في ذلك، منها: أن أحاديث النهي عن الكتابة كانت متقدمة، ثم نسخت بأحاديث إذن النبي ﷺ للصحابة أن يكتبوا عنه بعد ذلك. القول الثاني: أن النهي كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط الحديث بالقرآن، كما قال ذلك الإمام أبو سليمان الخطابي والقاضي عياض. القول الثالث: أن النهي كان خاصاً بوقت نزول القرآن، نقل ذلك الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني. قال الشيخ شاكر ﵀: أجمعت الأمة إجماعاً قطعياً على الأمر بتقييد العلم، والأمر بتقييد أحاديث النبي ﷺ . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٢٠٤): الأمر استقر، والإجماع -إجماع الصحابة- انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان. بهذا يكون الكلام الذي قاله الدكتور كذباً حيث يقول: انعقد الإجماع على حرق كل الأحاديث. ثم يأتي الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي هو أعلم الناس في علم الحديث فينقل الإجماع على استحباب تقييد العلم بل على وجوبه ولله الحمد.

стр. 391

الأدلة الواردة في وجوب اتباع السنة

стр. 392

حرص الصحابة على اتباع السنة وحضهم الناس على ذلك وزجر من خالفها خير هذه الأمة الذي يعدل إيمانه بإيمان هذه الأمة بأسرها هو سيدنا أبو بكر الصديق ﵁، وقد قال: ما كنت تاركاً شيئاً كان يعمل به رسول الله ﷺ إلا عملت به؛ إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ. أو أن أضل. وسيدنا عمر بن الخطاب يقول: أيها الناس! اتهموا العقل على الدين، إن الرأي إنما كان مصيباً من رسول الله؛ لأن الله كان يريه ذلك، وإنما هو منا الظن والتكلف. وقال سيدنا عمر: إياكم وأصحاب الرأي! فإنهم أعداء السنن، أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا. وقال: أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل وما آلو عن الحق في يوم صلح الحديبية عندما يجيء سهيل بن عمرو إلى النبي ﷺ ، فيقول لـ علي بن أبي طالب: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فيقول سهيل: ما نعرف اسم الرحمن ولكن اكتب مثل ما نكتب: باسمك اللهم) إلى آخر الصلح، فيعترض سيدنا عمر فيقول النبي ﷺ : (أتراني أرضى وتأبى يا عمر؟!) فسيدنا عمر رأى أن الشروط فيها ضرر على المسلمين فقال: (يا رسول الله! أولسنا بالمؤمنين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالكافرين؟ قال: بلى، قال: أولست برسول الله؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) فيقول سيدنا أبو بكر لـ عمر: (الزم غرزه). وهذا سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهره). وهذا سيدنا عبد الله بن عباس يقول للصحابة: أيها الناس! يوشك أن تعذبوا وأن يخسف بكم؛ أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وقال عمر. وقال: أيها الناس! يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وقال عمر. ولما حدث أبو الدرداء معاوية: (أن رسول الله نهى بيع الورق والذهب إلا مثلاً بمثل. فقال: ولكني لا أرى بهذا بأساً؛ فقال أبو الدرداء: أيها الناس! من يعذرني من معاوية؟! أخبره عن قول رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك ببلدة أنت فيها). وعمران بن حصين ﵁ يحدث عن النبي ﷺ : (الحياء خير كله)، فيقول بشير بن كعب وكان يهودياً فأسلم: ولكنا نجد أن فيه رقة وضعفاً، وأن فيه خيراً، فقال: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن معاريضك! لا آتيك بحديث أبداً، فجعل الصحابة يقولون له: يا أبا نجيد إنه طيب! فما زالوا به حتى سكن عنه غضبه. وهذا سيدنا عبد الله بن عمر قال عنه سيدنا نافع: لو أن رجلاً رأى عبد الله بن عمر في اتباعه لآثار النبي ﷺ لقال: جن عبد الله بن عمر، كان يرخي عنان ناقته ويقول لـ نافع: لعل خفاً يقع على خف، أي: لعل خف ناقتي يجيء على خف الناقة التي كان يركب عليها النبي ﷺ . وكان يأتي إلى مكان بين مكة والمدينة فيحيد عن الطريق، وعندما يسأل عن ذلك؟ يقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك، ويأتي إلى شجرة بعينها يقيل تحتها، لأن النبي ﷺ كان يقيل تحتها. وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

стр. 393

الأدلة القرآنية على وجوب اتباع السنة والنهي عن مخالفتها قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]. الدعوة إلى السنة فيها حياة للقلوب والأرواح: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]. وقال الله ﵎ في محكم آياته وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:١ - ٢]. وقال الله ﵎ في محكم آياته وهو أصدق القائلين: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].

стр. 394

الأدلة من السنة على وجوب اتباع السنة وتحريم مخالفتها ويقول رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). ويقول رسول الله ﷺ : (إن بين أيديكم أيام الصبر، للمتمسك منهم بما أنتم عليه أجر خمسين شهيداً، قالوا: منهم يا رسول الله؟! قال: بل منكم). وقال رسول الله ﷺ في حديث العرباض بن سارية: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور). وقال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: ما عندنا من كتاب الله أحللنا حلاله وحرمنا حرامه، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله). وهذا رسول الله ﷺ يقول له عمر بن الخطاب: إنا نجد بعض صحف اليهود فتعجبنا؛ فقال النبي ﷺ : (أمتهوكون أنتم بعدي -أي: أمتحيرون أنتم بعدي- وقد جئتكم بها بيضاء نقية؟! والذي نفسي بيده لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). وفي رواية: (أن عمر كانت عنده نسخة من التوراة، فجعل يقرأ فيها بين يدي رسول الله ﷺ ، ورسول الله يتغير وجهه ويغضب، فقال أبو بكر الصديق لـ عمر: ثكلتك الثواكل إن أغضبت رسول الله ﷺ ! فقال عمر: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله! رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، فقال النبي ﷺ : أمتهوكون أنتم بعدي؟ والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). وفي رواية: (والله لو بعث موسى فيكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم). وقال النبي ﷺ : (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وقال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). فهذه أحاديث وآيات تدل على فضل الاتباع؛ قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وشأن عظيم أن تحِب وأعظم منه أن تحَب، ولن يحبك الله حتى تتبع هدي رسوله ﷺ ، يقول الله ﵎: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] ويقول الله ﵎: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] فجعل طاعة النبي ﷺ هي عين طاعة لله ، وقال الله ﵎: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فهذه طاعة مستقلة لله فيما أمر به من قرآن، ثم طاعة مستقلة لرسول الله فيما حرمه ولم يحرمه الكتاب، ثم لم يفرد طاعة مستقلة لأولي الأمر، وإنما عطف طاعتهم على طاعتهم لله ورسوله كما قال أهل العلم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].

стр. 395

مناقشة أقوال من حكموا العقل على النقل والرد عليهم

стр. 396

أول معصية سببها تحكيم العقل الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: فإن أول من عارض الله بعقله هو أبو مرة إبليس اللعين، فهو أول من عارض الشارع الحكيم، فقد حكم عقله حين أمره الله بالسجود لآدم: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] فأول معصية كانت في هذا الكون سببها تقديم العقل وتحكيمه. يا إخوتاه! العقول بعد مجيء الشرع لا تستقل بتحسين ولا بتقبيح، وإلا فلماذا يزوج الواحد منا ابنته برجل غريب بعدما يجلس طوال عمره يؤكلها ويشربها ويلبسها أحسن الثياب؟! وهناك بعض العقول تقول لك: (جحا أولى بلحم ثوره)؛ لأن النبي ﷺ حرم الحمار الأهلي ولم يحرم الحمار الوحشي، أليس هذا حماراً وهذا حماراً، فلماذا يأتي التحريم في هذا والحل في هذا؟ وأكل لحم الخيل حلال، فلماذا يحرم أكل لحم البغال العقول لا تستقل بتحسين أو بتقبيح بعد مجيء الشرع، لكن الشرع هو الحاكم والعقل محكوم عليه، والشرع يأتي بمحارات العقول لا بمحالاتها، أي يأتي بالأشياء التي تحتار العقول فيها من علم الغيب، فيأتي الشرع ليبينها للناس، وسيدنا رسول الله ﷺ كان همزة الوصل ما بين السماء والأرض. ونقول للناس: أي عقل نحتكم إليه؟ ألعقل الأوروبي الجاهلي الذي يبيح نكاح المحارم، وزواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ويحل اللواط؟ أنحتكم إلى العقل الأوروبي لأجل أن نخترع القنبلة الذرية؟ أم نحتكم إلى عقل الهندوس الذي أباح لهم عبادة البقر والفئران؟ أم إلى عقل اليابانيين الذين يعبدون بوذا؟ أم إلى عقل عوام المسلمين من بائعي الترمس وبائعي الفول؟ بأي عقل نأخذ؟ عقل الرجل العامي أم الرجل المفكر؟! وفي الفلسفة هل نأخذ بعقل الفلاسفة الإلهيين أم الفلاسفة الماديين؟ وهل نأتي بأقوال لـ أرسطو وهي ما نفعت أمة اليونان ثم نضيع هدينا؟!

стр. 397

تاريخ أعداء السنة يقول الإمام الشافعي: إنما فسد العرب لما اتبعوا لسان أرسطو طاليس. المعتزلة أتت بالمنطق وحكمته، وأتت بعلم الكلام وتركت لسان الفطرة والهدي القرآني الجميل.

стр. 398

تاريخ ظهور المبتدعة الذين ردوا السنة قديماً وكان أول شيء أنه بدأ تغييب السنة من أيام الخوارج، حيث كفروا سيدنا علياً وحزبه، وسيدنا معاوية وحزبه، وأصحاب الجمل، ومن حضروا موقعة صفين، وقالوا: كل هؤلاء كفرة فكيف يؤخذ منهم حديث النبي ﷺ ؟! فأنكروا حد الرجم؛ لأنه أتى من شيعة علي وهم أناس كفار، وأنكروا حدوداً كثيرة لأنها أتت بالسنة عن طريق الصحابة الذين كفروهم. كذلك الشيعة كفروا الصحابة كلهم، وحكموا بالإسلام لخمسة عشر صحابياً من شيعة علي؛ ولذلك لم يقبلوا الأحاديث المروية عن كل الصحابة الذين كفروهم. ثم جاء المعتزلة وقالوا: العقل فوق النقل، العقل فوق السنة، وأي حديث يعارض العقل فلا نقبله؛ فقالوا: أحاديث الآحاد لا نأخذ بها في العقيدة، نريد الأحاديث المتواترة، ولذا ردوا حديث رؤية المؤمنين لربهم في الجنة وقد رواه ثلاثون صحابياً، بل إنهم كانوا قليلي أدب، فهذا عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة روى له الأعمش حديثاً فقال: لو قابلت الأعمش لقلت له: أنت كذاب، ولو سمعته من رسول الله ﷺ لرددته عليه، ولو لقيت الله لقلت له: ما على هذا أخذت الميثاق منا! ويقول النظام: من سمرة بن جندب؟ قبح الله سمرة! ويقول عن عبد الله بن مسعود في حديث انشقاق القمر أنه رآه بعينيه قال: كذب. ويقول: من علي بن أبي طالب قد أفتى برأيه فضل! ويقول: إن عمر بن الخطاب شك في إيمانه يوم صلح الحديبية. ويقول: لو شهد عندي علي بن أبي طالب وطلحة والزبير على رابطة بقل ما أخذت بشهادتهم. إذاً قالوا: إن أحاديث الآحاد كلها لا نأخذ بها؛ وقد حكى الإمام الشافعي في كتابه أنه قابل رجلاً من المبتدعة فقال له الرجل: لو أن رجلاً أخذ بركعتين فقط من الصلاة وأتى بأقل شيء من الصلاة ثبت له حكم الصلاة.

стр. 399

ظهور أعداء السنة من القرآنيين في الهند وقد قتل سنة ألف وتسعمائة واثنين في الهند في قرية تسمى البنجاب رجل مخبول اسمه غلام نبي أو عبد الله الجكرالوي وكان المفروض أن يدخلوه مستشفى المجانين وقد أنشأ جماعة اسمها: جماعة القرآن وقال: لا نأخذ إلا بالقرآن ونرد السنة كلها. وجاء بعده أحمد برويز جردبوري وأحمد الدين الأمرتسري كل هؤلاء من مبتدعة الهند، وهم موجودون الآن في الهند، ينكرون السنة مطلقاً، فإذا قيل لهم: كيف تصلون؟ قالوا: الصلاة إما فرضان وإما ثلاثة فروض وإما خمسة فروض، المتقدمون منهم قالوا: نصلي خمسة فروض؛ لقول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤] فهذه هي الخمسة الفروض. ثم جاء المتأخرون منهم وقالوا: صلاة الظهر والعصر والمغرب هذه كلها بدعة، فنحن نصلي ثلاث ركعات فقط. وجاء أناس بعدهم وقالوا: نصلي فرضين فقط، وهما: الصبح والعشاء، والأذان ثابت في السنة لكنهم قالوا: لا يوجد شيء اسمه أذان. فإن قيل لهم: كيف تصلون؟ يقولون: إن الله كان علياً كبيراً، بدلاً من أن يقول: الله أكبر يقول: إن الله كان علياً كبيراً، ويقرأ الفاتحة ثم يقرأ عدة آيات. قلنا: فالركوع ستقول فيه: سبحان ربي العظيم وبحمده، يقول لك: بل أركع ثم أقرأ قرآناً بصوت عالٍ. ستقول له: أذكار الركوع جاءت بها السنة، يقول لك: لا، أنا عندي قرآن. وفي السجود ستقول: سبحان ربي الأعلى كما جاءت به السنة؟ يقول: لا، أقرأ خمس آيات من كتاب الله، وسجدة واحدة تكفي. فهذه هي صلاتهم! نأتي إلى الزكاة فنقول: من أين تأخذون نصاب الزكاة؟ قالوا: نكتشفه من القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] فالمال يستوي مع النفس، ثم قال في نصاب البدن: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فيكون نصاب الأبدان العشر، فكل واحد يشتغل ويأتي فجر اليوم الثاني فيدفع لإمام المسجد عشر ما اكتسبه. فهذه الزكاة عندهم يومياً. نأتي إلى الصيام فالمتقدمون منهم قالوا: نصوم شهر رمضان مثل المسلمين، والمتأخرون قالوا: ولماذا شهر رمضان بالذات؟! ثم قالوا: ولماذا نحسب بالحساب القمري؟ فالحساب القمري إنما هو حساب أهل الجاهلية، فنحن نحسب بالحساب الشمسي، ونحدد من واحد وعشرين أكتوبر إلى واحد وعشرين نوفمبر كل سنة فنصومها. ثم قالوا: ولماذا نصوم الشهر كله؟! (أياماً معدودات) وأياماً هذه جمع قلة، وهي من العدد ثلاثة إلى العدد تسعة، فنصوم من واحد وعشرين رمضان إلى صبيحة يوم العيد، فهذا هو الصوم عند القرآنيين الذين ينكرون السنة! نأتي إلى الشرك فنقول لهم: ما هو الشرك عندكم؟ قالوا: الشرك اتباع السنة، أقسم بالله إنه هذا اعتقادهم، وأما الموت والبرزخ وما بعده فقولون: هذه القبور ما هي إلا مكان لحفظ الأجساد من التعفن، لكن وجد سؤال ملكين، ولا عذاب قبر ولا أي شيء من هذه الأشياء! وعندما قلنا لهم: ما الجنة والنار؟ انقسموا في هذا إلى فريقين: فريق قال: الجنة والنار موجودتان لكن لم يخلقا بعد وسوف يخلقهما الله يوم القيامة. والفريق الآخر قالوا: الجنة والنار غير موجودتين ولا يوجد بعث، وهذه الحياة ستنقضي، والناس كانوا من قبل يركبون على الحمار والبعير، ونحن الآن في الرقي والتطور، فهذه هي جنة الفردوس بالنسبة للناس. ولك أن تقول عن هؤلاء ما تريد! اللهم إنا بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا! إلهي! عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبك نصيباً. إلهي! ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله فكن دليلنا. إلهي! ما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه فكن أنيسنا. إلهي! أتينا أطباء عبادك ليداووا لنا خطايانا فكلهم عليك يدلنا، اللهم عرفنا وجه نبينا في رضوانك والجنة، واحشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مرتابين. اللهم اجعل نبينا خير النبيين عندك مكانة، وأعظمهم عندك وسيلة، اللهم اجزه خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله! ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك عليه، اللهم ثبتنا على القرآن والسنة حتى نلقاك عليهما، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. إخواني! تبرعات اليوم للفقراء والمساكين وأعمال الدعوة في المركز، ومجلة التوحيد مع فتاوى للشيخ ابن باز هدية، وكتاب الحضارة الإسلامية للدكتور اللواء أحمد عبد الوهاب.

стр. 400

مقولات أصحاب حركة التغريب وخطرها على الأمة الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: فإن حركة التغريب انتقلت من الهند إلى مصر، والأشاعرة يسميهم العلماء مخانيث المعتزلة؛ لأنهم يقدمون العقل على النقل، ويقولون: أحاديث الآحاد لا نأخذ بها في مجال العقيدة؛ ولذلك فالمدرسة العقلية الحديثة والقديمة ردت أحاديث كثيرة من هذه الأحاديث، كأحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم في آخر الزمان، فقد ردها الشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا ومحمود شلتوت ومصطفى المراغي ومحمد بخيت المطيعي مع أنهم كانوا مدافعين عن الإسلام في مجالات أخرى، مثل مجال الإصلاح الاجتماعي، لكن في مجال السنة تخبطوا كثيراً، فما أخذوا بأحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم في آخر الزمان، ولا بأحاديث الدجال، فلم يعترفوا بها، ولا بأحاديث انشقاق القمر للنبي ﷺ ، ولا استخراج حظ الشيطان من قلب نبينا ﷺ ، ولا حديث لطم موسى لملك الموت وهو في صحيح البخاري ومسلم. كذلك ردوا حديث الذبابة، وحكموا العقل حتى في صحيح البخاري ومسلم، وردوا أحاديث كثيرة من السنن وغيرها. وهذا معمر القذافي بعثت له رابطة العالم الإسلامي رسالة تخاطبه هل هو قال: لابد أن نحذف (قل) من سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين لأن لفظ (قل) كان خطاباً للنبي ﷺ ، فأنكر أنه قال هذا الكلام، ولكنه قال أمام الوفد كما هو مسجل: أما السنة القولية فآخذ منها ما يوافق عقلي. وقد بعث الله الشيخ ابن باز بكتاب يسأله فيه عن حقيقة ما نسب إليه على لسان صحفية إيطالية كتبت عنه كتاباً أسمته: (القذافي نبي الصحراء) وهذه الصحفية قالت له في ضمن ما قالته: كما ينقله الشيخ ابن باز يا نبي الله! هل رعيت الغنم؟ قال: بلى ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم. والآن قد تجد رجلاً مثلاً صاحب (مخدرات) يقول لك: أنا (جدع) أنا (ابن بلد) أنا (عترة)، لكن عمرك ما تجد صاحب مخدرات يقول لك: أنا نبي. محمود أبو رية عدو السنة وعدو أبي هريرة كتب كتاباً اسمه: شيخ المضيرة أبو هريرة كله افتراء على أبي هريرة، وله كتاب اسمه: أضواء على السنة المحمدية أنكر فيه أحاديث كثيرة من البخاري ومسلم، وما مات حتى اسود وجهه، وجعل يصيح في سكرات الموت يقول: ما لي ولـ أبي هريرة! ما لي ولـ أبي هريرة! فانظر كيف انتقم الله منه أشد انتقام، وجعله عبرة في حياته وبعد مماته. وهناك أناس تبعوا محمود أبو رية في رد السنة مثل: الدكتور أحمد زكي أبو شادي أول رئيس تحرير مجالس العرب الكويتية، حيث قال: إن أحاديث كثيرة في البخاري ومسلم لا يقبلها العقل، ونحكم عليها بالوضع. وجاء بعده شخص اسمه محمد أبو زيد الدمنهوري قال: إن الاحتكام إلى السنة يصيب الأمة بالصداع، ولن تستريح هذه الأمة من صداعها حتى نبدأ بحرق البخاري ثم بحرق مسلم، وحينئذ ترتاح الأمة من صداعها. وتبعهم طه حسين، وتوفيق الحكيم وإبراهيم عبد القادر المارزي الذي أنكر حديث الهجرة، ومحمد بخيت المطيعي شيخ الأزهر سابقاً أنكر أحاديث الخلافة، ومحمد عمارة أنكر أحاديث الخلافة وقال: إن هذه الأحاديث دستها قريش لمؤامرة سياسية. وحسن الترابي أنكر حد الرجم وحد الردة وقال: يجوز في الدولة الإسلامية أن يرتد المسلم أو المسيحي عن دينه، بل يقول بتزويج المسلمة من الكتابي، وهذا موجود في كتابه: تجديد الفكر الديني. ويقول: ويجوز أن يكون للجنة تسعة أبواب، منها باب يسمى باب الفن، يدخل منه الفنانون إلى الجنة! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 401

الشفاعة مسألة الشفاعة من مسائل العقيدة المميزة بين أهل السنة وأصحاب البدع، وقد وردت آيات وأحاديث متواترة تثبت الشفاعة يوم القيامة، ومن الشفاعة ما هو خاص بالنبي ﷺ ، ومنها ما هو عام له ولغيره من أمته كالشهداء وغيرهم

стр. 402

إثبات أهل السنة للشفاعة وإنكار الخوارج والمعتزلة لها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: فحديثنا اليوم هو عن الشفاعة. عن ابن عباس ﵁ قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبـ الدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعد ما دخلوا. أي: سيكون في هذه الأمة قوم يكذبون بمسائل من مسائل العقيدة بسبب أنها جاءت عن طريق أخبار الآحاد، وهي عندهم ظنية الدلالة، أي: تفيد الظن ولا تفيد العلم. والحقيقة: أن أحاديث الشفاعة متواترة عند المحدثين، ولقد جمع العلماء طرق أحاديثها. أما شبهة أن أخبار الآحاد لا يعمل بها في مجال العقائد فهذه دسيسة من قبل أعداء السنة، ولقد تولى الرد عليهم فأفحمهم الإمام الشافعي في الرسالة، وابن حزم في إحكام الأحكام، وابن القيم في الصواعق المرسلة، وبوب الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب أو كتاب أخبار الآحاد، وللشيخ الألباني حفظه الله رسالة مستقلة في أن الحديث حجة بنفسه في مجال العقائد، وللشيخ عبد الله بن جبرين أيضاً رسالة في أخبار الآحاد وفي حجيتها في موضوع العقائد. أهل السنة في موضوع الشفاعة وسط بين الفرق، فبعض فرق هذه الأمة كالمعتزلة والخوارج أنكرت بعض مقامات الشفاعة، وهي الشفاعة الخاصة بأصحاب الكبائر، وفريق من هذه الأمة غلا في موضوع الشفاعة فأثبتها حتى للأموات، وأطلق إثباتها، وأهل السنة وسط بين الفريقين؛ لأنهم يجمعون بين الأحاديث ولا يأخذون بحديث ويتركون آخر. فمعنى الشفاعة في اللغة: السؤال في التجاوز عن الذنوب، ويسمى الرجل الذي يشفع: شافعاً أو شفيعاً أو مشفعاً، والذي يقبل الشفاعة يسمى: مشفعاً، وفي الحديث: (إذا بلغ الحد السلطان فلعن الله الشافع والمشفع) فالمعنى اللغوي يوافق المعنى الشرعي في الشفاعة.

стр. 403

الجمع بين الأدلة النافية للشفاعة والأدلة المثبتة وهناك آيات نفت الشفاعة والشفيع، وهناك آيات أثبتت الشفاعة والشفيع، فكيف نجمع بينها؟ فمن الآيات الواردة في نفي الشفاعة قول الله ﵎: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨]. ويقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]. وقال تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]. هذه ثلاث آيات في نفي الشفاعة. وهناك آيات في نفي الشفيع، يقول الله ﵎: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]. وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٧٠]. ويقول الله ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]. وقال تعالى أيضاً: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] فهذه الآيات تنفي الشفيع. وهناك آيات تثبت الشفاعة والشفيع، يقول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيكون هناك شفاعة بعد إذن الله ﵎. ويقول الله ﵎: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. أما الآيات الواردة لإثبات الشفيع فمنها قول الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]. إذاً: فكيف تجمع بين آيات تثبت الشفاعة وآيات تنفي الشفاعة؟ يقول الله ﵎ أيضاً: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، (إلا) هنا استثناء ناقص أي: الذين يعبدون الأوثان لا يملكون الشفاعة، لكن يملكها الذين يشهدون بالحق. مثال للاستثناء الناقص: قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦] يعني: لا يسمعون كلام اللغو والإثم، وإنما قول: (سلاماً). فنقول: الجمع بين الآيات المثبتة للشفاعة والآيات النافية للشفاعة: أن الآيات النافية للشفاعة المقصود بها نفي الشفاعة التي تطلب من غير الله ابتداءً؛ لقول الله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]. والآيات التي تثبت الشفاعة نجمع بينها وبين الآيات النافية: أن هناك إثباتاً للشفاعة بشروط وهي: أولاً: قدرة الشافع على الشفاعة، يعني: فلا يستشفع الشخص بأموات لطلب مسألة من مسائل الدنيا! يقول الله ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: لا يوجد شخص يقول لك: أنا أذهب إلى قبر البدوي وأقول له: اشفع لابني يدخل (بكالوريوس) وينجح في دراسة (البكالوريوس) مجال الطب، هذه لا يملكها. الشرط الثاني: إسلام المشفوع له، ويستثنى من ذلك عم رسول الله ﷺ أبو طالب. يقول المولى ﵎: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]. أهل التكفير والهجرة يقولون: هذه الآية تنفي الشفاعة لأن الظالم هو مرتكب الكبائر، فدلت الآية على نفي الشفاعة. نقول: قال علماء التفسير: الظالمون هنا المقصود بهم الكافرون، قال هذا الحافظ ابن كثير، وقال هذا أيضاً الإمام البيهقي. قال البيهقي: الظالمون ها هنا هم الكافرون، يشهد لذلك مفتتح الآية، إذ هي في ذكر الكافرين، ويقول الإمام ابن كثير: أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع لهم ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] أي: ما للكافرين من حميم ولا شفيع يطاع، يستثنى من ذلك أبو طالب، فالرسول ﷺ يشفع له يوم القيامة؛ فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ إلى كعبيه، وتوضع الجمرة في أخمص قدمه يغلي منها دماغه، فنفعته شفاعة رسول الله ﷺ . الشرط الثالث: الإذن للشافع: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ولذلك يقول المولى لرسوله ﷺ : (ارفع رأسك، واشفع تشفع) وذلك حين يأتي للشفاعة العظمى يسجد تحت العرش. الشرط الرابع: الرضا عن المشفوع له، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] أي: ويرضى عن المشفوع له. هناك بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في نفي الشفاعة، ومن الأحاديث التي وضعتها فرقة المعتزلة ونسبتها إلى الرسول ﷺ : (ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، هذا الحديث لا أصل له، كما ورد في كتاب: أسمى المطالب. وأيضاً هناك حديث وضعته الشيعة: (ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عندما اضطروا إلي، والمحب لهم بقلبه ولسانه).

стр. 404

الشفاعات التي يشفعها الرسول ﷺ

стр. 405

الشفاعة العظمى للنبي ﷺ الشفاعة العظمى، وهي شفاعة رسول الله ﷺ في المحشر، يقول المصطفى ﷺ : (أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم ﵇ فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً ﵇، ثم بعد ذلك يأتون إبراهيم، ثم بعد ذلك يأتون عيسى، ثم يقول لهم عيسى: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون محمداً فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله ﷺ ، وخاتم الأنبياء، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأقول: أنا لها أنا لها، فأنطلق فآتي تحت العرش، فأسعى ساجداً لربي ، ثم يفتح علي من المحامد وحسن الثناء ما لم يفتحه على أحد من قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب! أمتي يا رب! فيقال: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)، هذا حديث في شفاعة رسول الله ﷺ . أيضاً من الأحاديث الواردة: يقول المصطفى ﷺ : (فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأحمد ربي محامد علمنيها، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، قل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب! ما بقى في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود). ومعنى هذا في هذا الحديث: أن الرسول ﷺ يحد له ثلاثة حدود: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان أخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وهناك حديث آخر عن أنس بن مالك ﵁، يرويه عنه الحسن البصري: (أن رسول الله ﷺ يحد له أربعة حدود يشفع فيهم، ثم لا يبقى بعد ذلك إلا قوم نطقوا بالشهادتين، ولم يأتوا بحسنة واحدة، فيأتي رسول الله ﷺ فيشفع فيهم فلا يشفع، فيقول الله : ليست هذه لك، إنما هي لي هؤلاء عتقائي من النار) يعيرهم أهل النار يقولون: كنتم تعبدون ربكم وكنا لا نعبده، وأنتم معنا في النار؛ فيرسل الله ملكاً بكف من ماء فينضحه عليهم، فيخرجون من النار، فلو ضيّفهم واحد من أهل الجنة لوسعهم، وهؤلاء يقال لهم: المحررون. يقول المصطفى ﷺ لـ أبي بن كعب: (أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إلى الله ﵎: هون على أمتي. فرد إلي ثانية: اقرءوا على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي. فرد إلي الثالثة: اقرءوا على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ . ويقول المصطفى ﷺ : (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم من غير فخر). وعن ابن طاوس عن أبيه قال: سمعت ابن عباس ﵁ يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى. كل هذه أحاديث في إثبات الشفاعة، والشفاعة العظمى هي المقام المحمود، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقد ورد حديث ضعيف في تفسير المقام المحمود بغير الشفاعة، وأنه الجلوس على العرش. وقد شنع الكوثري على أهل السنة لأجل هذا الحديث الضعيف الذي ذكر فيه أن المقام المحمود أن الله يجلس النبي ﷺ على العرش، ونسبوا هذا إلى الدارقطني، ومجاهد، وقال في هذا ابن القيم بيتين من الشعر في النونية، ثم حرر هذه المسألة تحريراً طيباً جميلاً الشيخ الألباني رد فيه على الكوثري في مقدمة مختصر العلو وقد ثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في تفسير المقام المحمود بأنه الشفاعة العظمى.

стр. 406

الشفاعات الثابتة للمؤمنين

стр. 407

أدلة الشفاعة لأهل الكبائر ثم هناك شفاعة لأهل الكبائر من أمة رسول الله ﷺ ، وهذا النوع من الشفاعة تنكره المعتزلة والخوارج، يقول رسول الله ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). ويقول المصطفى ﷺ : (لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي). ويقول رسول الله ﷺ في بيان شفاعته لأهل الكبائر: (إنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، قلنا: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلنا من أهلها؟ قال: هي لكل مسلم). ويقول المصطفى ﷺ أيضاً في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، كل هذه أحاديث واردة في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر.

стр. 408

الشفاعة لقوم قد أمر بهم إلى النار وهناك شفاعة أيضاً لرسول الله ﷺ في أناس قد أمر بهم إلى النار، فيستوقف رسول الله ﷺ الملائكة، يقول المصطفى ﷺ : (أمر بقوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار فيقولون: يا محمد! ننشدك شفاعة، قال: فآمر الملائكة أن يقفوا بهم، قال: فأنطلق وأستأذن على الله ، فيؤذن لي، فأسجد فأقول: يا رب قوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار، قال: فيقول: انطلق فأخرج منهم، فأنطلق، فيخرج منهم من شاء الله أن يخرج، ثم ينادي الباقون: يا محمد! ننشدك شفاعة، فأستأذن فيؤذن لي، فأسجد، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأثني على الله بثناء لم يثن عليه أحد من قبلي ثم أقول: إن قوم من أمتي قد أمر بهم إلى النار، فيقال: انطلق فأخرج منهم، فيقول: يا رب أخرج منهم من قال لا إله إلا الله ومن كان في قلبه حبة من إيمان؟ قال: فيقول الله : يا محمد! ليست تلك لك، تلك لي). وهؤلاء قوم سيدخلون النار، فيعيرهم أهل النار فيقولون: أنتم كنتم تعبدون الله ولا تشركون به أدخلكم النار، فيحزنون لذلك، فيبعث الله ملكاً بكف من ماء فينضح بها في النار، ويغبطهم أهل النار، ثم يخرجون ويدخلون الجنة، فيقال لهم: انطلقوا فتضيفوا الناس لو أن جميعهم نزلوا برجل واحد كان لهم عنده سعة ويسمون: المحررين، وهذا الحديث حديث صحيح.

стр. 409

الشفاعة لقوم يدخلون الجنة بغير حساب وهناك شفاعة لرسول الله ﷺ في قوم يدخلون الجنة بغير حساب، يقول المصطفى ﷺ : (أعطيت سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، وقلوبهم على قلب رجل واحد فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً، فقال أبو بكر ﵁: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب حافات وأصحاب البوادي) يعني: غير مكة والمدينة والطائف ثم يصل إلى أن يأخذ بيد قوم من الأعراف. ويقول رسول الله ﷺ : (وعدني ربي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربي). ويقول رسول الله ﷺ : (إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب، فقال يزيد بن الأخنس السلمي: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا كالذباب الأصهب في الذبان، فقال رسول الله ﷺ : إن ربي قد وعدني سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعين ألفاً مع كل ألف سبعين ألفاً، وزادني حثيات). وقال: (سألت ربي فوعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدت فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً، فقلت: أي رب! إن لم يكن هؤلاء من مهاجري أمتي؟ قال: إذاً أكملهم لك من الأعراب). قال رسول الله ﷺ : (سألت الله الشفاعة لأمتي، فقال: لك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال: قلت: رب زدني، قال: فإنك لك مع كل ألف سبعين ألفاً قال: قلت: رب زدني، قال: فحثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله، فقال أبو بكر: حسبنا يا رسول الله! فقال عمر ﵁: يا أبا بكر دع رسول الله يكثر لنا كما أكثر الله قال: فقال أبو بكر: إنما نحن حفنة من حفنات الله . فقال رسول لله: صدق أبو بكر). كذلك يشفع المصطفى ﷺ في دخول الناس الجنة يقول: (أنا أول شافع في الجنة)، يعني: يشفع في دخول الناس الجنة، وهذه شفاعة عظيمة.

стр. 410

الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة كذلك يشفع في رفع بعض الدرجات لأناس لا يبلغها عملهم، كما قال المصطفى ﷺ عن أبي سلمة ﵁ وقد شق بصره فأغمض عينه ثم قال: (إن الروح إذا قبض أتبعه البصر؛ فصرخ أناس من أهل أبي سلمة فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه) فبدعاء رسول الله ﷺ يرفع الله أبا سلمة درجة لا يبلغها عمله. كذلك دعاؤه ﷺ لـ عامر بن الأكوع الذي قتل بعد غزوة حنين، قال المصطفى ﷺ : (اللهم اغفر لعبيدك عامر اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس)، فهذه الشفاعة تكون لنيل درجات لا تبلغها الأعمال. وقلنا أيضاً: له شفاعة لعمه أبي طالب، يقول رسول الله ﷺ : (عله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ الكعبين؛ فيغلي منهما دماغه).

стр. 411

الشفاعات الثابتة للمؤمنين هل هناك شفاعة لغير رسول الله ﷺ من المؤمنين؟ نعم، يشفع المؤمنون والشهداء والملائكة. يقول رسول الله ﷺ : (ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين: ربيعة ومضر). وقال رسول الله ﷺ : (ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم). ويقول المصطفى ﷺ : (ليخرجن من النار بشفاعة رجل ما هو بنبي أكثر من ربيعة ومضر). قال الحسن: كانوا يرون أنه عثمان ﵁ أو أويس القرني. وهناك شفاعة للأولاد يشفعون في آبائهم! يقول رسول الله ﷺ : (إن الله يرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقال: باستغفار ولدك لك). ويقول المصطفى ﷺ : (أطفال المسلمين الذين يموتون قبل الحلم وصغارهم دعاميص، الجنة يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى -أو فلا ينتهي- حتى يدخله الله الجنة). ويقول رسول الله ﷺ : (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحلم إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجيء أبوانا، ادخلوا الجنة، حتى يجيء أبوانا، ادخلوا الجنة، حتى يجيء أبوانا، فيقولون مثل ذلك؛ فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم)، وهذا من كرم الله ﵎!

стр. 412

أسباب الشفاعة يوم القيامة

стр. 413

شفاعة القرآن والصيام هناك أسباب أخرى للشفاعة، فهناك شفاعة للقرآن الكريم والصيام، الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما كما قال رسول الله ﷺ . وهناك حديث موقوف على أبي هريرة ﵁، وهو حديث صحيح له حكم الرفع يقول فيه: (اقرءوا القرآن؛ فإنه نعم الشفيع يوم القيامة، يقول القرآن يوم القيامة: يا رب حله حلة الكرامة). كل أهل الجنة لا يدخلون الجنة إلا وعلى رءوسهم التيجان؛ حتى تقول الملائكة للجنة: طوبى لك يا دار الملوك وحامل القرآن له تاج خاص بالقرآن، وإن كان شهيداً فله كذلك تاج خاص، وقد يلبس ثلاثة تيجان، يقول أبو هريرة: (اقرءوا القرآن؛ فإنه نعم الشفيع يوم القيامة، إنه يقول يوم القيامة: يا رب! حله حلة الكرامة يا رب! اكسه كسوة الكرامة، فيكسى كسوة الكرامة يا رب! أرض عنه، فليس بعد رضاك شيء). وعن عبد الله بن عمر في الصحيح الموقوف عليه قال: (يجيء القرآن يشفع لصاحبه فيقول: يا رب! لكل عامل عمالة من عمله، وإني كنت أمنعه لذة النوم فأكرمه، فيقال: ابسط يمينك فيملأ من رضوان الله، ثم يقال له: ابسط شمالك فيملأ من رضوان الله، ثم يكسى كسوة الكرامة، ويحلى حلية الكرامة، ويلبس تاج الكرامة).

стр. 414

سكنى المدينة المنورة والموت بها من أسباب الشفاعة أيضاً: سكن المدينة المنورة، والموت بها: يقول رسول الله ﷺ : (لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً). ويقول المصطفى ﷺ : (من صبر على لأوائها - أي: على شدة المدينة - كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة).

стр. 415

الصلاة على رسول الله ﷺ أيضاً من أسباب الشفاعة: الصلاة على رسول الله ﷺ ، وطلب الوسيلة له: يقول المصطفى ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة). ويقول رسول الله ﷺ : (سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لا يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة). ويقول رسول الله ﷺ : (من صلى على محمد ﷺ وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي)، وهذا الحديث إسناده حسن. أما قول من قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) فالحديث ضعيف.

стр. 416

شفاعة المصلين على الميت أيضاً من أسباب الشفاعة شفاعة المصلين على الميت الواحد: يقول المصطفى ﷺ : (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه). ويقول المصطفى ﷺ : (نعم الرجل المسلم يقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه).

стр. 417

منع اللعانين والمكذبين بالشفاعة من الشفاعة إذاً: من المسلم الذي لا تقبل شفاعته؟ صنفان من الناس لا تقبل شفاعتهما يوم القيامة وهما: اللعانون والمكذبون بالشفاعة، يقول رسول الله ﷺ : (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة). فبعض الناس تعودت ألسنتهم على اللعن؛ والجزاء من جنس العمل، فإن اللعن دعاء بالطرد من رحمة الله، فإن لم يكن هو لها أهلاً رجعت عليك. كذلك من كذب بالشفاعة لا يشفع في الناس، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: (من كذب بالشفاعة فليس له فيها نصيب)، الذي يكذب بالشفاعة كان جزاؤه من جنس عمله، فلا تقبل شفاعته يوم القيامة. قد تقبل شفاعته في الدنيا، كأن صادف سارقاً سيذهبون به إلى الحاكم يقول: اتركوه يا جماعة! استروا عليه ربنا يستر علينا وعليكم في الدنيا والآخرة هل تجوز؟ والزبير بن العوام شفع في سارق، لكن هذا إذا لم يصل الأمر إلى السلطان، فإذا وصل الأمر إلى السلطان فلا عفا الله عنا إن عفونا عنه. كان صفوان بن أمية بن خلف نائماً في المسجد، وثوبه تحت رأسه، فجاء سارق فأخذه، فأتي به إلى النبي ﷺ فأقر السارق، فقال صفوان: يا رسول الله! أيقطع رجل من العرب في ثوب، قد عفوت عنه، فقال رسول الله ﷺ : (أفلا كان هذا قبل أن تجيء به؟ ثم قال الرسول ﷺ : اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه، ثم أمر بالقطع من المفصل). وقال ابن الجوزي في التنقيح: وحديث صفوان حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده.

стр. 418

الذين يؤتون أجرهم مرتين من الذين يضاعف لهم الله الأجر فيعطيهم أجرهم مرتين؟ المولى يضاعف الأجر كرماً منه وتفضلاً لبعض خلقه، فيعطيهم الأجر مرتين، ومن هؤلاء رسول الله ﷺ : فقد صح عن ابن مسعود (أنه دخل على رسول الله ﷺ فوجده يوعك وعكاً شديداً، فقال له: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكاً شديداً! قال: إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم قال: ذلك أن لك أجرين؟! قال: نعم). فرسول الله ﷺ يعطيه الله أجره مرتين. ومنهم أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن: يقول الله : ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣١]. كذلك مؤمن أهل الكتاب الذي آمن بنبيه ثم آمن بالرسول ﷺ ، يعطيه الله أجره مرتين: يقول الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص:٥٢ - ٥٤]. ويقول علماء الضرار: إن النصارى يدخلون الجنة، فعلماء الوحدة الوطنية يقولون: إن النصارى ليسوا كفاراً، وسيدخلون الجنة؛ لأن هؤلاء مؤمنون برسولهم. ويحاولوا أن يقرروا كلامهم هذا فيقولون: يقول الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢]، لكن الآية التي بعدها تبين أنهم آمنوا برسول الله ﷺ . فالذين يعطيهم الله أجراً ومغفرة رجل آمن بنبيه ثم آمن برسول الله ﷺ ، كـ عبد الله بن سلام آمن برسول الله ﷺ ، ثم قال: (يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، فدخل فاحتبسه ﷺ ثم قال: يا معشر يهود! ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا وخيرنا وابن خيرنا! وسيدنا وابن سيدنا! فلما خرج ودعاهم إلى الإسلام قالوا: سفيهنا وابن سفيهنا! وجاهلنا وابن جاهلنا!) فـ عبد الله بن سلام له أجران. كذلك يقول رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). كذلك الحاكم المجتهد إذا أصاب الحق له أجران: يقول رسول الله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد). كذلك المرأة التي تتصدق على زوجها وهي غنية، فتعطي زوجها ولا تعيره لفقره: يقول رسول الله ﷺ : (إن الصدقة على ذي قرابة يضاعف أجرها مرتين). وأخرج الشيخان عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: (جئت إلى النبي ﷺ وجارات من الأنصار حاجتها حاجتي فخرج علينا بلال فقلنا: له ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألان: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجرهما، فدخل بلال فسأله فقال ﷺ : لها أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة)، فالحديث جاء يبين فضل الصدقة على الأقارب وأنها تضاعف. كذلك ممن يؤتيهم الله أجرهم مرتين: طالب العلم الذي يبلغه الله أمنيته في العلم: قال رسول الله ﷺ : (من طلب علماً فأدركه كتب الله له قسمين من الأجر، ومن طلب علم ولم يدركه كتب الله له قسماً من الأجر). كذلك ممن يعطيهم الله أجرهم مرتين: الذي يواظب على صلاة العصر: يقول الرسول ﷺ : (إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم - يعني: العصر - فضيعوها، فمن حفظها اليوم فله أجرها مرتين). كذلك المجاهد الذي يقتل نفسه خطأ له أجران، كما ثبت في حديث سلمة بن الأكوع قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر وكان سيف عامر بن الأكوع فيه قصر، فتناول به ساق يهودي فرجع ذباب السيف فأصاب ركبة عامر؛ فمات منها فقلت: يا رسول الله! زعموا أن عامراً قد حبط عمله فقال: كذاب من قال، إن له لأجرين). وقال رسول الله ﷺ : (للماشي في الجنازة قيراطان، وللراكب قيراط). كذلك الصابرون يعطيهم الله أجرهم مرتين، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤]. فاكظموا الغيظ، فالذي يكظم الغيظ حتى تأتي الفرصة فيعفو له الأجر مرتين، ومن كتم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه له أجر عظيم، قال ﷺ : (من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه ملأ الله قلبه نوراً يوم القيامة)، صححه الألباني. ويقول ﷺ : (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة فتوجه على رءوس الأشهاد وزوجه من الحور العين ما يشاء). فاكتموا غيظكم، وحولوه إلى دعوة إلى الله، ولو أن كل أخ دعا عشرة إخوة وكل أخت دعت عشر أخوات إلى الله ﵎، وصدقوا الله ﵎ في دعوة هؤلاء فإن الله يضاعف عدد الإخوة في مصر. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 419

الأسئلة

стр. 420

وجوب الإيمان بما أخبر الله دون السؤال عن الكيفية السؤال ذكرتم في هذا الدرس أن القرآن يشفع لصاحبه ويقول يوم القيامة: يا رب كذا يا رب كذا فهل يتكلم القرآن يوم القيامة وهو ليس بمخلوق؟ وقد سمعت أنه من صفات الله ولا يتكلم، فنرجو التوضيح في ذلك وجزاكم الله خيراً؟ الجواب مشاهد القيامة مشاهد غريبة لا يتدخل الإنسان فيها بعقله، فتصوروا مثلاً حديث المصطفى ﷺ الذي يقول فيه: (يؤتى بالموت على هيئة كبش ويذبح ما بين الجنة والنار). هل يستطيع إنسان أن يتصور أن الموت يأتي في صورة كبش؟ وهذا مخلوق؛ فكيف بصفات الخالق! القرآن من كلام الله ﵎، والكلام صفة من صفات الله ﵎، هل يستطيع الإنسان أن يكيف الصفة؟ نحن لا نسأل عن الكيفية، وإنما نؤمن بذلك ونصدقه.

стр. 421

حكم تارك الصلاة السؤال ما حكم تارك الصلاة؟ الجواب هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على أقوال، وجمهور أهل العلم منهم الشافعية والمالكية والحنفية وفريق من الحنابلة على رأسهم ابن قدامة الحنبلي ذهبوا إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً ليس بكافر، وذهب بعض الحنابلة إلى أن تارك الصلاة كافر، ومنهم الشيخ ابن عثيمين ﵀ والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين له عندي نص الفتوى التي أرسلها إلي، حيث قال: لو أن عامياً قلد مفتيه وكان مفتيه يقول بأن تارك الصلاة غير كافر ولا يخلد في النار، فقلده في ذلك لا يكفر. وهذه مسألة مختلف فيها، فجمهور أهل العلم على عدم كفر تارك الصلاة، والذي يرجح هو من يملك أداة الترجيح. واستدل جمهور أهل العلم بحديث عبد الله بن مسعود أن الرسول ﷺ : (يأتي قوم لا يعلمون من الإسلام شيئاً لا يدرون ما صلاة ولا زكاة، لا يعلمون إلا قول لا إله إلا الله)، وبأحاديث الشفاعة، وهذا خلاف معتبر، والله أعلم.

стр. 422

عدم وجود تعارض بين حديث النهي عن الشفاعة في الحدود وحديث المجيز للشفاعة ما لم تبلغ السلطان السؤال قلتم إنه يجوز الشفاعة في الحدود، بينما رفض النبي ﵌ الشفاعة للمرأة المخزومية وقال لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟) فهذا يدل على عدم جواز الشفاعة في الحدود، فما قولكم في ذلك؟ الجواب لا تعارض بين الحديثين، فالحديث الأول الذي ذكرناه يدل على جواز الشفاعة في الحدود ما لم يصل الأمر إلى السلطان، والحديث الثاني يبين أنه إذا وصل الأمر إلى الوالي لا تجوز الشفاعة عند ذلك، فلا تعارض بين الحديثين، فهذا حديث يثبت الشفاعة قبل أن يصل الأمر إلى الوالي، أما إذا وصل الأمر إلى الوالي فليست هناك شفاعة، وفي آخر حديث صفوان: (فإذا وصل الأمر إلى الوالي فلا عفا الله عني إن عفوت) فليس هناك تعارض.

стр. 423

إثبات شفاعة الفتاة لأبيها ما لم تبلغ الحلم السؤال هل صحيح أن الفتاة التي تموت ولم تتزوج تشفع لوالدها؟ الجواب الحديث يبين أنهم إن لم يبلغوا الحلم.

стр. 424

التنكيس المنهي عنه في قراءة القرآن السؤال فضيلة الشيخ! قرأتم في صلاة الجمعة في أول ركعة سورة البروج وفي الثانية بجزء من سورة طه، فهل يجوز ذلك أم أن هذا من التنكيس المنهي عنه؟ الجواب التنكيس المنهي عنه هو التنكيس في نفس السورة، فلقد قام رسول الله ﷺ في قيام الليل: فقرأ بالبقرة ثم النساء، ثم آل عمران، فهذا فيه جواز التنكيس في غير السورة الواحدة.

стр. 425

حال رواية أن عمر بن عبد العزيز قابل الأنبياء عند سكرات الموت السؤال حضرت خطبة الجمعة لأحد العلماء، فكان يتكلم عن سوء الخاتمة، وتكلم عن مثالين أو روايتين في حسن الخاتمة: الأولى: عن الخليفة عمر بن عبد العزيز والثانية: عن أبي حامد الغزالي، أما في الأولى فقال: إنه حينما حضرت الوفاة عمر بن عبد العزيز أخرج زوجته فاطمة من الحجرة، فخرجت فوضعت أذنيها على الباب، فسمعت عمر رضي الله تعالى عنه يتكلم مع الأنبياء فيقول: أهلاً بأبي البشر آدم، أهلاً بخليل الرحمن إبراهيم، أهلاً بكليم الله موسى، أهلاً بخير الأنبياء محمد ﵌، فهل لهذا أصل ثابت؟ الجواب لم يثبت هذا، وإنما الثابت في كتب الرقائق كما ذكر ابن الجوزي، وابن رجب الحنبلي، وابن أبي الدنيا، وما ذكر في وصايا العلماء عند الموت: أنه لما جاءته الوفاة أخرج فاطمة من عنده ثم قال: مرحا بوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان! ثم تلا قول الله ﵎: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، قالت فاطمة: فدخلت عليه فإذا هو ميت، والله وأعلم. هذا هو الثابت في البداية والنهاية، وصفة الصفوة أو حلية الأولياء أو كتاب ابن الجوزي عن موت عمر بن عبد العزيز ولم يثبت غيره، والله أعلم.
следующие страницы →