Полный текст (947 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حكم تارك الصلاة
السؤال
ما حكم تارك الصلاة؟
الجواب
هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على أقوال، وجمهور أهل العلم منهم الشافعية والمالكية والحنفية وفريق من الحنابلة على رأسهم ابن قدامة الحنبلي ذهبوا إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً ليس بكافر، وذهب بعض الحنابلة إلى أن تارك الصلاة كافر، ومنهم الشيخ ابن عثيمين ﵀ والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين له عندي نص الفتوى التي أرسلها إلي، حيث قال: لو أن عامياً قلد مفتيه وكان مفتيه يقول بأن تارك الصلاة غير كافر ولا يخلد في النار، فقلده في ذلك لا يكفر.
وهذه مسألة مختلف فيها، فجمهور أهل العلم على عدم كفر تارك الصلاة، والذي يرجح هو من يملك أداة الترجيح.
واستدل جمهور أهل العلم بحديث عبد الله بن مسعود أن الرسول ﷺ : (يأتي قوم لا يعلمون من الإسلام شيئاً لا يدرون ما صلاة ولا زكاة، لا يعلمون إلا قول لا إله إلا الله)، وبأحاديث الشفاعة، وهذا خلاف معتبر، والله أعلم.
стр. 422
عدم وجود تعارض بين حديث النهي عن الشفاعة في الحدود وحديث المجيز للشفاعة ما لم تبلغ السلطان
السؤال
قلتم إنه يجوز الشفاعة في الحدود، بينما رفض النبي ﵌ الشفاعة للمرأة المخزومية وقال لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟) فهذا يدل على عدم جواز الشفاعة في الحدود، فما قولكم في ذلك؟
الجواب
لا تعارض بين الحديثين، فالحديث الأول الذي ذكرناه يدل على جواز الشفاعة في الحدود ما لم يصل الأمر إلى السلطان، والحديث الثاني يبين أنه إذا وصل الأمر إلى الوالي لا تجوز الشفاعة عند ذلك، فلا تعارض بين الحديثين، فهذا حديث يثبت الشفاعة قبل أن يصل الأمر إلى الوالي، أما إذا وصل الأمر إلى الوالي فليست هناك شفاعة، وفي آخر حديث صفوان: (فإذا وصل الأمر إلى الوالي فلا عفا الله عني إن عفوت) فليس هناك تعارض.
стр. 423
إثبات شفاعة الفتاة لأبيها ما لم تبلغ الحلم
السؤال
هل صحيح أن الفتاة التي تموت ولم تتزوج تشفع لوالدها؟
الجواب
الحديث يبين أنهم إن لم يبلغوا الحلم.
стр. 424
التنكيس المنهي عنه في قراءة القرآن
السؤال
فضيلة الشيخ! قرأتم في صلاة الجمعة في أول ركعة سورة البروج وفي الثانية بجزء من سورة طه، فهل يجوز ذلك أم أن هذا من التنكيس المنهي عنه؟
الجواب
التنكيس المنهي عنه هو التنكيس في نفس السورة، فلقد قام رسول الله ﷺ في قيام الليل: فقرأ بالبقرة ثم النساء، ثم آل عمران، فهذا فيه جواز التنكيس في غير السورة الواحدة.
стр. 425
حال رواية أن عمر بن عبد العزيز قابل الأنبياء عند سكرات الموت
السؤال
حضرت خطبة الجمعة لأحد العلماء، فكان يتكلم عن سوء الخاتمة، وتكلم عن مثالين أو روايتين في حسن الخاتمة: الأولى: عن الخليفة عمر بن عبد العزيز والثانية: عن أبي حامد الغزالي، أما في الأولى فقال: إنه حينما حضرت الوفاة عمر بن عبد العزيز أخرج زوجته فاطمة من الحجرة، فخرجت فوضعت أذنيها على الباب، فسمعت عمر رضي الله تعالى عنه يتكلم مع الأنبياء فيقول: أهلاً بأبي البشر آدم، أهلاً بخليل الرحمن إبراهيم، أهلاً بكليم الله موسى، أهلاً بخير الأنبياء محمد ﵌، فهل لهذا أصل ثابت؟
الجواب
لم يثبت هذا، وإنما الثابت في كتب الرقائق كما ذكر ابن الجوزي، وابن رجب الحنبلي، وابن أبي الدنيا، وما ذكر في وصايا العلماء عند الموت: أنه لما جاءته الوفاة أخرج فاطمة من عنده ثم قال: مرحا بوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان! ثم تلا قول الله ﵎: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، قالت فاطمة: فدخلت عليه فإذا هو ميت، والله وأعلم.
هذا هو الثابت في البداية والنهاية، وصفة الصفوة أو حلية الأولياء أو كتاب ابن الجوزي عن موت عمر بن عبد العزيز ولم يثبت غيره، والله أعلم.
стр. 426
حال رواية أن الغزالي رأى ربه قبل الموت جهرة
السؤال
والرواية الثانية ذكرها الخطيب عن أبي حامد الغزالي أنه قال: أحضري لي قميصاً أبيض، ثم اغتسل ونام، ثم مات وترك ورقة مكتوباً فيها أنه رأى الله سبحانه جهرة؛ فهل هذا حقيقي؟
الجواب
يقول المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: (واعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت).
أهل السنة والجماعة قالوا في مسألة الرؤية: إنها غير ثابتة لأحد من البشر غير رسول الله ﷺ ، فكليم الرحمن موسى ﵇ من أولي العزم ولم ير ربه، فما ظنك بمن دونه!؟ أما بالنسبة لرؤية النبي ﷺ لربه في دار الدنيا فقد اختلف فيها أهل العلم على قولين، وجمهور أهل السنة والجماعة على أن محمداً ﷺ لم ير ربه عياناً، وإنما رآه مناماً، كما ثبت في حديث الترمذي الذي سأل عنه محمد بن إسماعيل البخاري فقال: حديث حسن صحيح، وهو حديث: (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن حلة).
فقالوا: إنه رآه مناماً، أما الرؤية الحقيقية فجمهور أهل العلم أنها لم تحدث لرسول الله ﷺ ، ومنهم عائشة رضوان الله عليها، والذين أثبتوا الرؤيا لرسول الله ﷺ منهم ابن عباس ﵁، وابن عباس جاءت عنه الروايتان، رواية مطلقة ورواية مقيدة، رواية مطلقة تبين أن الرسول ﷺ رأى ربه، ورواية مقيدة تبين أنه رأى ربه بعين فؤاده.
والعلماء الذين جمعوا بين الروايتين قالوا: الرواية المطلقة تحمل على المقيدة، فقد رأى رسول الله ﷺ ربه بعين فؤاده.
وبعض أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام القرطبي توقف في مسألة إثبات الرؤية لرسول الله ﷺ والرؤيا مناماً لله ﵎ من أحد البشر كل بكيفيته.
стр. 427
حكم الاستمناء باليد للضرورة
السؤال
أعمل في إحدى الشركات، وفي مكان الورشة التي أعمل فيها توجد مواد سامة كلحام من الرصاص والقسطير وغيرها، وقد ذكر الأطباء أن ذلك يسبب أضراراً في الجهاز التناسلي وتشوهاً في المولود، فجرى لنا كشف في الدم، ويريدون تحليل دم ومني، فهل يجوز لي الاستمناء باليد للتحليل، مع العلم أنني لم أتزوج بعد، وأنني أعمل في نفس المكان الذي توجد فيه هذه المواد السامة، أرجو الإجابة؛ لأن آخر موعد للتحليل غداً وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
مذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه يجوز ذلك عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، والأولى أن تبعث للشيخ ابن عثيمين رسالة في ذلك.
стр. 428
زهر البساتين فى فضل الصدق والصادقين
الصدق من صفات المؤمنين، ومن خصال المخلصين، فبه ينال صاحبه رضا ربه، وحب خالقه، فما خاب من صدق، ولا خسر من اتخذ الصدق شعاراً له في حياته.
وللصدق مراتب ودرجات، وقد ورد في فضله الكثير من الأحاديث والآيات.
стр. 429
الصدق في القرآن العظيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: قال رسول الله ﷺ ، فيما رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة وجود إسناده ابن كثير: (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل لـ أبي هريرة: ما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة).
وحديثي اليوم عن الصدق، فالصدق بداية الطريق إلى الله ، وهو طريق القوم الذي تندرج منه جميع مقامات السالكين، الطريق الواضح الذي من لم يسر عليه لا يصل إلى رب العالمين، به تميز سكان الجنان من سكان النيران، ومحك الأعمال وروحها وأساسها، وهو أساس عمود اليقين، وقد أخبر الله أن الفلاح كل الفلاح في مصاحبة الصادقين، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].
وخص الله المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
وأخبر الله أنه لا ينفع يوم القيامة إلا الصدق؛ فقال الله : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩].
وقسم الله العباد إلى صادق ومنافق، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤].
وأخبر الله أنه لا ينفع إلا الصدق، قال: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
وأخبر الله عن جميع مقامات الإيمان سواء الظاهرة والباطنة، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
كان الفضيل بن عياض يقول: إذا كان الله سيسأل الصادقين من أمثال عيسى وموسى ويحيى عن صدقهم، فكيف بالكذابين من أمثالنا؟! ولعظم الصدق أمر الله نبيه أن يسأله أن يهبه مخرج الصدق ومدخل الصدق، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠].
وأخبر عن خليله أنه دعاه أن يهب له لسان صدق في الآخرين، قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤].
وأخبر عن أهل الجنة أن مقعدهم مقعد الصدق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]، ولله در الصادق شيخ الإسلام ابن تيمية! فقد حبس في سجن القلعة بدمشق وأخذوا منه كل الكتب، ولم يتركوا له إلا المصحف فقط، ففاضت روحه، وكان كثيراً ما يختم القرآن، فقد عكف على ختم القرآن، وفاضت روحه عند تلاوة هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
وقال الله ﵎: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٢].
стр. 430
الأمور المتعلقة بالصدق المذكورة في القرآن
القرآن تكلم عن خمسة أشياء: مخرج الصدق، ومدخل الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق.
стр. 431
مدخل الصدق ومخرج الصدق
والجامع لهذه الأشياء هو الحق الثابت المتصل بالله ولله، وما كان منها بالله وبأمر الله ، فمخرج الصدق تكون فيه ضامناً على الله ، متحركاً لأمر من أمور الله ، كمخرج رسولنا ﷺ من مكة إلى المدينة، فقد هرب وفر بدينه ليرسي قواعد الإسلام في بلدة أخرى: ويح قوم جفوا نبياً بأرض ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه وقلوه ووده الغرباء ونحا المصطفى المدينة واشتا قت إليه من مكة الأنحاء كان يلقب بالصادق وما احتملوا صدقه، الحجارة كانت تعلم أنه صادق، كما روى الإمام مسلم يقول سيدنا ﷺ : (إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم علي قبل البعثة)، وبرغم هذا ما احتملوا صدقه، فأخذ صدقه ورحل وترك مكة للغوغاء، إذاً: هذا مخرج الصدق.
أما مخرج الكذب فمخرج أبي جهل حينما خرج إلى بدر بعد أن نجت عيرهم، فقالوا: قد نجت العير ولا داعي للقاء محمد، قال: لا، بل نقيم ثلاثة أيام في بدر، ننحر الجزور، ونشرب الخمر، وتعزف القيان حتى تسمع بنا العرب فتخافنا وترهبنا، فكان خروجهم من أجل الكذب ومن أجل الرياء فمات في قليب بدر.
ومدخل الصدق كدخول نبينا ﷺ إلى المدينة، فقد اعترف زعيم اليهود بنبوته منذ أن رآه، وهذا لأن دخوله صدق، قال عبد الله بن سلام: (لما جاء النبي ﷺ إلى المدينة وكان الناس كنفيه، فلما استبنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب على الله ، فمن أول نظرة نظرها إلى رسول الله ﷺ علم أن وجهه لا يمكن أن يكذب على الله ، بخلاف الكذاب فلو قمت بدهنه مليون سنة بطلاء أبيض فإن ذرات وجهه تنطق بالكذب، قال: (وكان أول ما سمعته منه: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام).
أما دخول الأحزاب المدينة فهذا دخول كذب، فـ عمرو بن عبد ود كان أكبر فارس في الجزيرة العربية، وأراد أن يقفز بفرسه على الخندق وكان عريضاً، ويقول للصحابة: من يبارز؟! من يبارز؟ فقال سيدنا علي: يا رسول الله! أنا لها، وكان سيدنا علي مازال شاباً صغير السن، فقال له النبي ﷺ : (اجلس إنه عمرو)، وفي المرة الثانية يقول عمرو: من يبارز، أما فيكم من يبارز؟ فيقول سيدنا علي: يا رسول الله! دعني له يقول: (اجلس إنه عمراً)، فقال في الثالثة: وإن كان عمرو، فدعا له النبي ﷺ ، فخرج يبارز فقال: من أنت يا بني؟! ينظر إليه نظرة المستهزئ، قال: أنا علي بن أبي طالب، قال: أما كان في أعمامك من يكفيك، إني والله لا أرضى بقتلك! قال: ولكني والله أحب قتلك، فظل يصاوله حتى قتله علي بن أبي طالب، ولما سمع الرسول ﷺ ذلك كبر وكبر صحابة رسول الله.
فعندما أراد أبو سفيان ومن معه من الأحزاب دخول المدينة بالزور وبالبهتان وبالكذب، فوالله ما فرقتهم إلا الريح! فما أبقت لهم من كراع ولا خف.
فكل خروج من بيتك تكون فيه ضامناً على الله ولأمر من أمور الله فهذا مخرج الصدق، وكل دخول في موطن من المواطن تكون فيه ضامناً على الله فهذا مدخل الصدق.
стр. 432
لسان الصدق
أما لسان الصدق فهو ما يبقيه الله من الثناء بعد موت الصالحين، فإن الذرات تنطق بصدقهم بعد أن رحلوا عن الدنيا، كما يقول القائل: كم الفرق بين أناس موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم؟! فيبقي الله اللسان العطر، والثناء والمدائح لـ ابن حنبل وبشر بن الحارث الحافي ولغيرهما من العباد ومن الزهاد ومن علماء المسلمين.
فـ بشر بن الحارث الحافي هذا الإمام العظيم الذي قال لما سئل عنه الإمام أحمد قال: مثله مثل رجل ركب على رمح، فهل أبقى مكاناً لغيره، ولما خرجوا بجنازته خرجوا به بعد الفجر وبعد الصلاة عليه، فوالله! ما وصلوا إلى قبره إلا بعد صلاة العشاء، حتى بكى علي بن المديني شيخ البخاري وصاح: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة، هذا عز الدنيا قبل عز الآخرة.
يقول الشاعر عن الصادقين: والناس موتى وهم يحيون في المقل يعني يحيون في حبات الأعين.
وكما جاء في الأثر: أن الجبل ينادي باسم الصادق: هل مر بك ذاكر لله ؟ فقال: نعم، قال: أبشر.
بل أكثر من هذا، فإن الجماد يعرف الصادق من الكاذب، قال رسول الله ﷺ لما مروا عليه بجنازة: (مستريح أو مستراح منه! قالوا: يا رسول الله! ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: المستريح العبد المؤمن؛ يستريح من تعب الدنيا ومن نصبها إلى رحمة الله ، والمستراح منه العبد الفاجر تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب)، إذاً: حتى الشجر والجماد والدواب تعرف الصادق من الكاذب: تحيا بكم كل أرض تنزلون بها كأنكم في بقاع الأرض أمطار وتشتهي العين فيكم منظراً حسناً كأنكم في عيون الناس أقمار لا أوحش الله ربعاً من زيارتكم يا من لهم في الحشا والقلب تذكار كم قالوا عن رسول الله ﷺ إنه ساحر كذاب وإنه مجنون، بعدما كانوا يلقبونه بالصادق، فلما جاءهم بأمر الله قالوا عنه أنه كذاب، وقد صدقت بنبوته الجمادات: والحق أبلج لو يبغون رؤيته هيهات يبصر من في ناظريه عمى وصرخة الحق تأباها مسامعهم من يسمع الحق منهم يشتكي الصمما قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).
стр. 433
مقعد الصدق
جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون أنتم النجم الغابر في الأفق من المغرب أو المشرق لتفاضل ما بينهم، قال سيدنا أنس: قلنا يا رسول الله! تلك منازل النبيين لا يبلغها أحد سواهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).
ومقعد الصدق هي الجنة سماها الله بذلك، كما سمى الله دينه بالصدق: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر:٣٣] فحصر الإسلام كله في الصدق.
стр. 434
قدم الصدق
أما قدم الصدق فهو ما تقدمه أنت من الإيمان برسول الله ﷺ ، وفسر بعض العلماء قدم الصدق بالإيمان برسول الله ﷺ ؛ لأنه لا ينجي العبد إلا صدق القلب، وإقرار القلب ويقينه بربوبية الله وألوهيته، فقد ينطق الرجل ويعرف بقلبه أن الله واحد، وأنه منفرد بالألوهية وأنه هو الرب، قد يعرف بذلك ولا يصدق، فلا يكون عند الله إلا كافراً.
قال سيدنا موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، ففرعون كان يعلم أن للكون إلهاً، ولم يصدق بذلك.
وأبو طالب كان يعلم بقلبه أن للكون إلهاً، ولم يصدق بذلك: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً إذاً: يوجد فرق بين معرفة القلب المعرفة الفهمية بوجود الله وألوهيته، وبين صدق القلب، كما قال الله عن المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، فيؤكد الله على كذب نياتهم، وبكذب ما في قلوبهم وإن قالوها بألسنتهم.
ولذلك فإن الصدق أساس كل شيء؛ لأنه إن كان القلب غير مصدق بألوهية الله فالعبد يكون بذلك منافقاً، فأساس كل شيء الصدق.
стр. 435
كلام أهل العلم في الصدق
ثم تعال بعد ذلك إلى كلام أهل العلم في الصدق، فهناك صدق في الأقوال، ولذلك عندما قال الوليد بن عبد الملك لـ عمر بن عبد العزيز: كذبت، قال: ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.
وقال محمد بن كعب: والله! ما يكذب الكاذب إلا لهوان نفسه عليه! ولذا ذكر من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم: (ملك كذاب)؛ فالقطر كله ملكه ويكذب، فما الذي يضطره إلى الكذب وهو يستطيع أن يفعل ما يفعل؟! قال ﵊: (ملك كذاب، وعائل مستكبر) يعني فقيراً متكبراً.
(وشيخ زان)، أي: بعدما انقطعت أسباب الشهوة ومادة الشهوة من هذا العجوز مازال الفجور فيه.
وقال مطرف بن طريف: والله! ما أود أني كذبت كذبة وأن لي بها الدنيا بأسرها.
وقال إياس بن معاوية بن قرة: والله! ما أود أن أكذب كذبة أعلم أن الله يغفرها وأعطى عليها عشرة آلاف درهم ولا يعلم بها إلا أبي معاوية بن قرة.
ويقول عبد الملك بن مروان لـ إسماعيل بن عبيد الله مؤدب أولاده: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم الكذب وإن كان فيه القتل.
ومن عظم الصدق وفضله أن الله يقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥]، ومن عظم الصدق أن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وأثنى الله على أنبيائه بالصدق، قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]، وقال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٦]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤]، وقال الله تعالى عن مريم: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥].
قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد:١٩]، والصديقية أعلى مراتب الدين بعد مرتبة النبوة والرسالة، وهي أعلى من مرتبة التحديث، وعمر كان محدثاً، قال ﵊: (إن كان في أمتي محدثون فـ عمر)، والمحدثون أي: أن المولى يقذف في قلوبهم الإلهام، فيخبر بشيء في الغد فيحدث مثل حادثة: يا سارية الجبل! ومن استرعى الذئب ظلم.
وأعلى مقامات الصديقية كانت لسيدنا أبي بكر الصديق، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]، وصدق به سيدنا أبو بكر الصديق، قال سيدنا علي ﵁: والذي نفسي بيده! إن الله سمى أبا بكر في السماء صديقاً.
وأكثر الناس لو قلت لهم: أتعرف اسم سيدنا أبو بكر الصديق؟ تجد تسعين في المائة من المسلمين لا يعلمون اسمه الحقيقي، وإنما يعلمونه بكنيته وصفته أبو بكر الصديق، لكن اسمه الحقيقي لا يعلمونه وما ضره ذلك، فقد انتشر بين الناس صدقه فالكل يعرفه بأنه الصديق.
ومسيلمة مدعي النبوة، كل الناس يعلمون أنه مسيلمة الكذاب، إلى درجة أنه عندما ذهب إليه سيدنا عمرو بن العاص قبل أن يسلم، فقال له: أسمعك ما جاء به جبريل، قال: أسمعني، قال له: والذاريات ذرواً فالطاحنات طحناً، فالعاجنات عجناً إهالة وسمناً، ثم قال له: ما رأيك؟ قال: والله يا مسيلمة! إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، أو قال: إنك -يا مسيلمة! - تعرف أنني أكذبك.
стр. 436
درجات الصدق
стр. 437
الصدق في القصد
ومن درجات الصدق: صدق القصد، وهو الذي يكون بقلبه مريداً وجه الله والدار الآخرة، فالدرجة الأولى: أنه لا يصبر على صحبة ضد، ولا يتحمل داعية تدعوه إلى نقض عقد، ولا يقعد عن الحال بجد.
ومعنى هذا الكلام أن الرجل الصادق الذي يريد وجه الله والدار الآخرة، ويريد أن يصحح ما فاته وما فرط من حق الله وغفلته عما أريد له من الحياة مع الحق فلا يصبر على صحبة ضد، فعندما يتوب لا يستطيع أن يعيش مع أهل البطالة والغفلة، ولا يصبر على صحبة ضد، كما يقول القائل: والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي وقال آخر: وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان عنك فإنه شغلي وأديم نحو محدثي وجهي لأرى أن قد عقلت وعندكم عقلي فالإنسان إذا رضي بصحبة أهل البطالة فليعلم أنه ميت يسعى إلى موتى مثله، زمن يسعى إلى زمنى مثله، قبر يسعى إلى قبور مثله.
ولا يصبر على صحبة ضد، ولا يقعد عن الحال بجد، فيقول: فاتني الكثير مع الله وما بقيت إلا بقية قد تكون نفساً أو نفسين أو أنفاساً.
ولا ينقض مع الله عهد، فهذه هي الدرجة الأولى من درجات الصدق.
الدرجة الثانية: لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص.
فلا يتمنى الحياة من أجل أن يستلذ بالشهوة من طعام أو شراب أو نكاح، وإنما يتمنى الحياة من أجل الحق، فكل شيء يقربه إلى الله ، كما قال سيدنا عمر: لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا: لولا سيري على جياد الخيل في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجداً، أو أجالس قوماً ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر، يعني: لولا الجهاد والصلاة في الليل، وحضور مجالس العلم ما أحببت البقاء في الدنيا.
وسيدنا معاذ بن جبل مقدام العلماء يقول: اللهم إنك تعلم أني ما كنت أحب البقاء في الدنيا لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، وإنما لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
قيل لـ حذيفة بن اليمان: ما تشتهي عند الموت، قال: أشتهي الجنة.
قيل لـ عمرو بن عبد قيس: ما تشتهي؟ قال: ليلة بعيد ما بين طرفيها، -ليلة شتاء طويلة- أحييها تهجداً لله ، هذه الدرجة الثانية من درجات الصدق.
الدرجة الثانية لا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص، يعني: إذا أعطاه الله رخصة مثل رخصة قصر الصلاة في السفر، فهو لا يأتيها من أجل الترفيه، وإنما يأتيها رضاء بحكم الله وتنفيذاً لأمر الله ، فلا يلتفت إلى ترفيه الرخص، فقد يأتي شخص ويقول لك في مسألة الحجاب والنقاب، يقول: أبحث عن الأولى، وآخر يقول: أنا آخذ بقول جمهور أهل العلم أن الحجاب ليس بفرض، وآخر يقول: آخذ بقول الإمام أحمد أن النقاب هو فرض، والمصيبة أن يأتي أحد الناس يستوي عنده الراجح والمرجوح فيقول: هات لي أسهل قول قال به عالم، ثم يرقع دينه بأقوال العلماء السهلة، بل وبالأقوال التي ظهر أنها خاطئة.
والغناء لا يوجد شخص قال إنه يجوز، فيترك كل العلماء والأحاديث ويقول لك: قد قال ابن حزم بجوازها وقد خطأه العلماء فيها.
وبعض متأخري الأحناف قالوا: حجاب المرأة -وهذا قول ضعيف جداً ولا يقول به أحد- حجاب المرأة إلى منتصف ساقيها، فلو أتيت بامرأة لابسة إلى منتصف ساقيها وتغني الأغاني على مذهب ابن حزم إذاً: فهذه ممكن تكون أختاً ملتزمة! وكذلك يشرب نبيذ التمر على قول أبي حنيفة والبغداديين، وبعد ذلك لا يوجد التزام بالدين، وهذا يؤدي بصاحبه إلى الزندقة، كما قال أهل العلم: من تتبع رخص العلماء وأقوال العلماء الخاطئة وجعل منها ديناً يدين الله به فهذا يؤدي به إلى الزندقة، فإن كان يوجد رخصة شرعية فافعلها فإن هذا من رحمة الله ﵎ بك، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه.
الدرجة الثالثة: الصدق في معرفة الصدق: ومعنى ذلك أنك أولاً تعرف الصدق، وما هو المخالف له، وما هي درجاته، ثم بعد ذلك تبدأ في بنيان أمرك على هذا، ونتيجة الصدق أن يرضى عنك ربنا، وتعرف أن الله راضٍ عنك قالوا: حتى تصل إلى هذا فإنك تضطر إلى متابعة رسول الله في أي شيء، فإذا رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً وتابعته رضي الله عنك في النهاية.
إذاً: عليك أن تتحرى المتابعة لتفوز برضا الله ورضا رسوله ﷺ .
وهناك صدق بعد هذا من مقامات الدين، وهو صدق في المحاسبة، فهل أنت فعلاً تحاسب نفسك؟ قال ميمون بن مهران: الصادق في محاسبته يحاسب نفسه على الفلتات والزلات والهفوات مثل الشريك البخيل، يظل قائماً على رأسك فيحاسبك على الشيء اليسير، وكذلك أنت تحاسب نفسك على كل هفوة وغفلة، وعلى كل بادرة بدرت منك في حق مولاك.
يقول عمر: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر على ربكم، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
كان أحد العباد يأتي في موطن الجهاد يقول: اللهم إن نفسي هذه تزعم في الرخاء أنها تحبك، اللهم إن كانت صادقة فأعطها ما تريد، وإن كانت كاذبة فاحملها على ما تكره، وأطعم لحمي سباعاً وطيراً، وكان له ما أراد.
ويقول الرسول ﷺ للأعرابي: (إن تصدق الله يصدقك)، وقال: (أفلح إن صدق).
وهذا رجل من العباد لبس أحسن ثيابه، وكان ثوباً أبيض وجبة بيضاء، فلما مر بمروج قال: ما أحلى تحدر الدم على هذه الجبة، وأشار إلى منطقة في صدره، فلما مر بهذا المرج قال: ما أجمل هذا الوادي لو أن رجلاً صاح: يا خيل الله اركبي! قالوا: فوالله! ما أتم كلمته حتى دعا داعي الجهاد، وقد رأى هو في المنام قبلها أن امرأة من أهل الجنة تقول له: سيكون إفطارك غداً عندنا في الجنة، فأصبح من يومه صائماً، فلما دعا داعي الجهاد كان في طليعة القوم، فقذف بالرمح في نفس المكان الذي أشار إليه، ولكن كان الجرح صغيراً لا يقتل نملة، فظل يداعب جرحه، ويقول: والله! إنك لصغير وقد يبارك الله في الصغير فيصبح كبيراً، ومع غروب الشمس فاضت روحه إلى بارئها، ومات وهو صائم.
الصدق في محاسبة النفس: توبة بن الصمة كان بالرقة وكان محاسباً لنفسه، وكان عمره اثنتين وستين سنة، فحسب عدد أيام عمره فوجدها (٢١٥٠٠) يوم، قال: كيف ألقى الجليل بـ (٢١٥٠٠) ذنب، هذا إذا كان في كل يوم ذنب واحد، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ فغشي عليه فمات من شدة محاسبته نفسه وكان صادقاً، فرأى ابنه من يقول له: يا لك رقدة إلى الفردوس الأعلى! أبوك حاسب نفسه حتى أنه مات في المحاسبة.
والصدق في التوبة: فلا تكون توبتك توبة علة، فقد يكون سن الرجل سبعين سنة، وبعد ذلك يقول: الحمد لله تبنا إلى الله ، وهو لم يتب بعد، ولكن بسبب انقطاع مادة الشهوة، ولذلك يتمنى الرجوع ويقول: ما أجمل الشباب! ويتذكر حلاوة مواقعة الذنب الفينة بعد الفينة، فهذه علامة أنه كذاب.
رجل يتوب لغرض دنيوي، يقول: أتوب من أجل أن يوسع الله لي الرزق، فهذا يتوب لعز التوبة ولا يتوب لذي الجلال، والرجل الذي يتذكر حلاوة الذنب الفينة بعد الفينة، هذا يدل على أن توبته توبة علة.
أما توبة الصدق مثل توبة ماعز فقد قال النبي ﷺ فيه: (والله! لقد تاب توبة لو فرقت على أمة لوسعتهم)، ومثل صدق الغامدية في توبتها، عند أن سبها سيدنا خالد، فقال النبي ﷺ : (مهلاً يا خالد! والله! لقد تابت توبة لو فعلها صاحب مكس لوسعته).
ومثل توبة الفضيل بن عياض فقد كان سارقاً، وكان صاحب نساء، وبينما هو ذات يوم يتسلق الجدار ليصل إلى معشوقته سمع قول الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] قال: آن الأوان يا رب! ونزل من على الجدار وأراد أن يذهب إلى خربة لينام فيها، فسمع التجار الذين كانوا في الخربة قالوا: إن الفضيل اليوم على الطريق، فلا تخرجوا.
فأعلن توبته، وتمر الأيام وسيدنا سفيان بن عيينة شيخ الإمام الشافعي يميل على يد الفضيل ويقبلها، وعندما مات قال هارون الرشيد: بموت الفضيل يرتفع الحزن والورع من الأرض.
سيدنا عبد الله بن المبارك يقول: كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل فجدد لي الحزن فأمقت نفسي.
الفضيل بن عياض علم وسيد من سادات الربانيين، يثني عليه العلماء، وكان في البداية سارقاً وقاطعاً للطريق، وصاحباً للنساء.
وبشر بن الحارث الحافي فالإمام أحمد عندما ثبت في محنة خلق القرآن قال لهم: ماذا قال عنا بشر؟ قالوا: قد رضي قولك وفعلك، قال: الحمد الله الذي رضى بشراً بما صنعنا، وكان في بداية أمره يعشق اللهو، وكان غنياً من الأغنياء وكان يجمع في بيته مغنيات وقياناً، فمر بالقصر رجل من الزهاد، قال: لمن هذا القصر؛ لعبد أم لحر؟ -يسأل خادمة البيت- قالت: لحر، قال: صدقت يا بنية! والله لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، أي: لو كان عبداً لله بالفعل فإنه سيتأدب مع ربه، فسمع بشر بن الحارث الحافي، فخرج وراءه وارتمى على الأرض ومرغ خديه على الأرض، وقال: بل عبد، ثم تاب، ولم يلبس حذاء طول عمره، وكان يقول: طريق صالحت به ربي ألتزمه ما حييت.
وعندما أكون صادقاً في التوبة فإن ربنا يعطني بساتين طاعات في القلب لا أشعر بها.
قال ذو النون المصري: رأيت ضفدعة خرجت من غدير وإذا بأفعى ترتقي ظهرها، فقلت: والله إن لهذه الضفدعة والحية لشأنا
стр. 438
الصدق في النيات والأعمال
ومن درجات الصدق: الصدق في النيات، في أن تنوي بباطنك أن يكون هذا العمل خالصاً لله ، لا تبتغي جاهاً ولا منزلة ولا هرباً من ذم الناس، وإنما تريد بباطن عملك وجه الله : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١].
ثم بعد ذلك: الصدق في الأعمال، وهو استواء ظاهر العمل على المتابعة لله ولرسوله، أي: أن يكون ظاهر العمل وعلى الكتاب والسنة.
بل قال أبو يعقوب النهرجوري: الصدق استواء السريرة والعلانية بأن يكون ما تبطن مثلما تظهر تماماً، ولذلك بكى أحد العباد وهو أبو عبد الرحمن الزاهد وقال: يا رب! عاملت عبادك فيما بيني وبينهم بالأمانة وعاملتك فيما بيني وبينك بالخيانة.
إذاً: الصدق في الأعمال استواء ظاهر العمل وباطنه، أن يكون ظاهر العمل على الكتاب والسنة واستواء السريرة والعلانية.
стр. 439
الصدق في العزم
ثم هناك صدق في العزم، مثلاً: يقول رجل: أعزم لو أعطاني الله مالاً لأتصدقن به أو سأخرج لله منه، مثلما قال سيدنا عمر: والله! لئن أتقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق، وهو صادق في عزمه هذا.
وهناك كثير من الخطباء يذكر قصة الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب وهذه القصة كلها كذب وحديثها لا يصح، وهي: أن ثعلبة كان يسمى حمامة المسجد، وقال: إن أعطاني الله مالاً لأتصدقن.
والله أعطاه مالاً فلم يتصدق، والرسول سأل عنه، فقالوا: لقد غاب عن الجماعة، ولم يخرج زكاة ماله.
وهذا الكلام كله كذب لم يحصل، وإن قال به بعض الخطباء؛ لأن الرجل الذي يمتنع عن الزكاة في الدولة الإسلامية يؤخذ منه شطر ماله، فشطر ماله عزمة من عزمات ربنا كما قال سيدنا رسول الله ﷺ .
وصدق على الوفاء بالعزم بأن يعزم قبل أن يعمل الشيء، ثم يوفي بعزمه هذا، لذلك لما غاب سيدنا أنس بن النضر عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ وهي غزوة بدر حز ذلك في نفسه، ثم قال: والله! لئن أشهدني الله مشهداً معهم ليرين الله ما أصنع.
أي: سيرى الله ماذا سأعمل بالكافرين، فلما كان يوم أحد واستقبل الجبل، قال له سيدنا سعد بن معاذ: إلى أين يا أبا عمرو؟! قال: إليك عني، واها لريح الجنة! إني لأشم ريحها دون أحد.
ولذلك قال أبو تراب النخشبي: إن الصادق يعطيه الله حلاوة العمل قبل الشروع فيه، فسيدنا أنس بن النضر لم يحارب بعد وإذا به يشم رائحة الجنة.
قالوا: ثلاثة لا تخطئ الصادق: الحلاوة والملاحة والهيبة، حلاوة المنطق مثل سيدنا الحسن البصري، والملاحة مثل سيدنا وكيع بن الجراح الذي ينظر إليه الإنسان فيقول: هذا ملك كريم، والهيبة مثل سيدنا مالك بن أنس، فقد كان أمير المدينة يقول: والله! لحملي غبار العقيق على رأسي -أي: أن أحمل غبار جبل على رأسي- أهون علي من لقاء مالك.
فوالله! ما عرفت الذل إلا ببابه.
فسيدنا أنس بن النضر قال: إليك عني واها لريح الجنة! إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد، فلما تقدم إلى القتال قاتل حتى قتل، قالت أخته الربيع بنت النضر: فما عرفته إلا ببنانه، وفيه نزل قول الله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
ومن الصادقين صديق الأنصار سيدنا سعد بن معاذ كما يلقبه ابن القيم يقول: إنه صديق الأنصار، فقد كانت منزلته لصدقه في الأنصار مثل منزلة أبي بكر في المهاجرين، وفي يوم بدر قال لرسول ﷺ : إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك.
هذا الصديق العظيم ثاني الصديقين في هذه الأمة سيدنا سعد بن معاذ، أصيب في أكحله في غزوة من الغزوات فتناثر الدم -وأكبر شريان في جسمه هو الشريان الموجود في الكاحل- وتقاطر الدم على كل من في الخيمة، وأراد رسول الله أن يعالجه فلم يبرأ الجرح، وكذلك فعل سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر حتى بكى سيدنا رسول الله، وضعه في حجره وبكى، قال: (اللهم إني قد رضيت عن سعد، فارض عنه).
ومازال يعالجه والجرح لم يشف، انظر قوة دفع الدم من الشريان فنطق هذا الصديق بكلمة واحدة قال: اللهم إن كنت قد أبقيت رسولك لحرب يهود فأبقني، قالوا: فوالله! ما نزف الشريان وما قطر الشريان قطرة واحدة بعد ذلك، واحتبس الدم وعالجوه عند رفيدة الطبيبة الأنصارية، وكان رسول الله ﷺ يأتيه كل يوم، ونزل سيدنا جبريل في يوم من الأيام على رسول الله وكان مؤتزراً بعمامته فقال: من هذا الذي مات من أمتك؟ ونزل إلى الأرض من الملائكة سبعون ألف ملك لجنازته ما نزلوا إلى الأرض قبل يومهم هذا، فسيدنا رسول الله ﷺ أسرع إلى رفيدة، فقالت: يا رسول الله! اشتد به الوجع فأتى قومه بنو عبد الأشهل فحملوه إلى ديارهم، فأسرع رسول الله السير لتشييعه، فقالوا: يا رسول الله! أتعبتنا جداً تقطعت شسوعنا، قال: (أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة، فلما وقف رسول الله على بابه وجد أمه تنوح)، وأغلب النساء النائحات يكن كاذبات، فرسول الله ﷺ وكأن الصدق وصل من قلب سعد إلى أمه، فما ناحت عليه إلا بصدق، قالت له: ويل ابنك سعد حزامة وجداً وفارساً معداً، تبكي فروسيته، فقال رسول الله ﷺ : (كل نائحة تكذب إلا أم سعد أو إلا نائحة سعد).
ولما وضعوه في قبره قال رسول الله ﷺ : (إن عرش الرحمن اهتز لموت سعد)، لأنه بعدما حارب رسول الله ﷺ اليهود فرفضوا أن ينزلوا على حكم رسول الله، وقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ؛ ظناً منهم أنه سيحابيهم، فسيدنا سعد حكم فيهم وقال: حكمي فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى نساؤهم وذراريهم، فقال رسول الله ﷺ : (والله! لقد حكمت فيهم يا سعد! بحكم الله من فوق سبع سماوات)، وفي رواية: (والله يا سعد! لقد حكمت فيهم بحكم الملك) أي: الحكم الذي يريده الله، وحكم الله هو الذي نطقت به يا سعد، فانظر لرجل موافق حكمه وقوله قول الله ، أي رجال أعز من هؤلاء؟! ثم بعد أن تم إعدام اليهود على ضوء سعف النخيل، وكان سيدنا علي بن أبي طالب هو الذي يتولى قطع أعناقهم، وبعد أن رجموهم ذهب سيدنا سعد ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم افجره؛ شوقاً إليك، أي: الشريان الذي كان ينزف، فانفجر الشريان؛ لأنه صدق في الدعاء وفي القول، فقال رسول ﷺ : (إن عرش الرحمن اهتز لموت سعد)، وفي رواية جود إسنادها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء قال: (إن عرش الرحمن اهتز فرحاً بموت سعد اشتاق إلى الله ، ولما أخذوا في دفنه خرجت روائح المسك من قبره.
стр. 440
الصدق في الأقوال
أول درجات الصدق: الصدق في الأقوال: حتى يتم للعبد كمال الصدق، فلابد أن يكون عنده صدق في الأقوال، وصدق في الأحوال، وصدق في الأعمال.
صدق في الأقوال: استواء اللسان على الصدق.
صدق الأعمال: أن يكون ظاهر العمل على المتابعة للكتاب والسنة.
صدق في الأحوال: أن تكون النية لله ، وأن يكون باطن العمل لله .
والصدق مفتاح الصديقية، ولا ينال هذه الدرجة كاذب على الله بنفي ما أثبت من الأسماء والصفات، أو إثبات ما نفي، أو بتحريم ما أحل، أو بتحليل ما حرم، ولا ينالها كاذب على الله فيما شرعه.
وكمال هذه الدرجة أن يحترز الإنسان عن المعاريض، يعني: لا يلجأ إلى المعاريض إلا إذا علم هلاك عمره، يعني: لا تعلم ابنك وتقول له: قل: أبي ليس هاهنا، بحيث إنه يعمل دائرة ويضع أصبعه في نصف الدائرة، فيقصد: أبي ليس في هذه الدائرة، فلا يلجأ لهذه المعاريض إلا عندما تتيقن أنه سيضيع عمرك، وأنه سيظل السائل عنك يتكلم معك عشر ساعات، أما أن تعلم لابنك أن يقول: أبي ليس هاهنا ويضع أصبعه في نصف الدائرة، ويظن بهذا أنه ليس كاذباً، فيجب أن يراعي حقيقة المعاني التي ينطق بها.
رجل عند أن يدخل في الصلاة يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وقلبه عند مباراة الأهلي والزمالك، فلا ينفع هذا، فهو لم يوجه وجهه ولا شيء من هذا القبيل.
رجل عند أن يدخل في الصلاة يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، إذاً: لن يتحلى العبد بالعبودية التامة لله حتى يتخلص من كل رق: رق الشهوات والأموال والجاه والرياسة، وهنا تحل العبودية الكاملة لله .
إذاً: للعبودية معنى، فكل من تقيد بقيد شيء فهو عبد له، قال ﵊: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة!).
وكمال الصدق في القول أن تصدق في موطن لا ينجيك فيه إلا الكذب، مثل سيدنا ربعي بن حراش وهو أحد رواة الكتب الستة، وهذا العبد الصادق ما كذب قط، وكان الحجاج يطارد ابنيه، فقالوا للحجاج: لو قلت لـ ربعي عن مكان ولديه لم يكذبك أبداً، فأتى بـ ربعي بن حراش فقال له: أين ولداك؟ قال: الله المستعان! هما في البيت، يعني: مخبئهم في البيت، فأعجبه صدقه فعفا عن ولديه، قال: عفونا عنهما من أجل صدقك.
الجيلاني إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، من أئمة الحنابلة، تعلم على يديه ابن قدامة، والإمام ابن قدامة شيخ كبار الحنابلة، قال الجيلاني: خرجت في طلب العلم وأنا ابن سبع، فمررنا بأرض يقال لها همدان، فخرج علينا جماعة من الأعراب -من اللصوص- سرقوا كل ما عندنا، فأتى إلي لص كبير، وقال: ما معك؟ قلت: أربعون ديناراً -يعني: أربعون جنيهاً من الذهب- فتركه، ثم أتى إليه لص آخر قال: ما تحمل؟ قال: أربعون ديناراً، فأتى به إلى كبير اللصوص، قال: ما حملك على أن تقول ذلك، لماذا لم تكذب؟ قال: عاهدت أمي على الصدق فلا أخون عهدها، فبكى كبير قطاع اللصوص وقال: أنت لا تخون عهد أمك وأنا لا أبالي ألا أخون عهد الله ، فأنا تائب اليوم على يديك، فقال بقية اللصوص: كنت كبيرنا في السرقة، فأنت اليوم كبيرنا في التوبة، وتابوا على يد الجيلاني على يد طفل صادق.
стр. 441
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
لقد خلق الله السماوات والأرض قبل أن يخلق بني آدم، وقدر فيها الخير والشر، وجعل من عباده الأخيار والفجار، وفاوت بينهم في الأعمال والمنازل في الدنيا والآخرة، فلا يستوي أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في كل المراحل والأزمان.
стр. 442
محنة في فلسطين في زمن الذل والهوان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: فكل كلمات المعاجم لا تكفي لتصوير ذل المسلمين وبؤسهم في فلسطين: القدس في القيد تبكي من فوارسها دمع المنابر يشكو للمصلينا قدساه في اليم ماتت قدسنا ذبحت ونحن في العار نسقي وحلنا طينا أي الحكايا ستروى عارنا جلل نحن الهوان وذل القدس يكفينا ولكن لن تعود القدس بالمظاهرات، ولن تعود القدس بالتهييج الفارغ، ولن تعود القدس بخروج بنت مدرسة ثانوية متبرجة غاية التبرج ثم تهيج الناس في الشوارع بأغان أو بكذا، أو برجل لابس بنطلون (شرلستون) أو كذا ويمسك بيده فتاة مثلاً وهم في قلب المظاهرة، وإنما تعود القدس بعودة جيوش صلاح الدين الأيوبي.
والتاريخ يعيد نفسه، وصلت الأمة الإسلامية في أوقات من الذل والهوان إلى أكثر مما نحن فيه في أيام التتر، كان الجندي التتري يقول للمسلم: انتظرني هاهنا حتى آتي بحجر أقتلك به، فينتظره المسلم.
ثم من الله بـ قطز، وسيمن الله بـ صلاح الدين الأيوبي من جديد يوم أن تكون الأمة مهيأة لذلك، يوم أن يكون الصفوة من الكوادر مهيئين لذلك بالدعوة إلى الله ، والصبر على الدعوة أفضل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال القرطبي: تدعو! وتدعو! وتدعو! حتى يأذن الله ﵎ بالفرج وليس لك إلا هذا، وأن توضح للناس أن عداءنا لهؤلاء القوم عداوة دينية مستحكمة، كما يقول المولى : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥].
والدين كله فرق، سمى الله كتابه فرقاناً، وسمى يوم بدر يوم الفرقان، وجعل رسوله ﷺ فرقاً ما بين الباطل والحق.
ولقد أقسم الله أنه لا يسوي بين المتضادين، ويجمع بين المتماثلين، قال الله : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] قولوا للناس: تعالوا إلى رحاب الله ، إذا أردتم أن تدخلوا فلسطين فاستقيموا على درب الله .
إن فلسطين لن تعود إلا بالاتباع، انظر هل أنت مع الله ؟! هل أنت ممن بقي مع الله أو من بقي عن الله ؟! هل أنت راغب عن الله أم راغب إلى الله ؟! هل أنت منقطع إلى الله أم شارد عن طريق الله ؟!
стр. 443
مقارنات بين المؤمن والفاجر
стр. 444
الفرق بين المؤمن والفاجر في العيش
كم بين الأولياء والأعداء؟ وهل تستوي الظلمة والضياء، واليقين والتهمة، والوصلة والفرقة، والمعتكف على بساط الأنس، والمنحرف عن الباب، والمتصف بالولاء، والمنحرف عن الوفاء؟ لا يستوي المشغول بهم والمشغول عنهم، والمنقطع إليهم والمحجوب عنهم، لا يستوي من اصطفاه في الأزل ومن ران على قلبه سوء العمل.
أفمن كان في حال القرب يجر أذياله كمن هو في مذلة الفراق يقاسي وباله؟! أفمن كان في روح القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعاني مشقة الكلفة؟! أفمن هو في روح إقبالهم عليه كمن هو في محنة إعراضهم عنه؟! أفمن بقي مع الله كمن رغب عن الله ؟! أفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالي الكفران ووحشة العصيان؟! أفمن أيد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن اتسم بالخذلان ووسم بالحرمان؟! لا يستويان ولا يلتقيان.
هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقصت خطى حمالة الخطب فكما لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينزل الله الأبرار منازل الفجار.
هما طريقان: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي ليس من بات قريراً عينه مثل من أصبح قصراً دارسا ليس من أكرم بالقرب كمن ظل يهذي بلعل وعسى ليس من ألبس أثواب التقى مثل من ألبس ثوباً دنسا ليس من سير به مثل الذي بات يرعى للحمى مبتئسا ليس من شاهد صبحاً واضحاً مثل من شاهد ليلاً غلسا ليس من أشبه غصناً يانعاً مثل من أشبه عوداً يابسا قال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٠ - ٢٢].
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
من أخصر القضايا في القرآن الكريم: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، تجد في القرآن أربعمائة وخمسين وجهاً تقريباً للمقارنة بين المقبل على الله والمعرض عنه، وهذا يحتاج جمعه لمدة سنتين، فلو أخذنا نقطة واحدة: عيش هذا وعيش هذا، كما قال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
وقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
قال الإمام ابن القيم في الحياة الطيبة: قد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا والرزق الحسن، وغير ذلك والصواب: أنها حياة القلب وسروره، وبهجته ونعيمه، ومعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة.
ألم يقل الإمام ابن القيم: مساكين أهل الدنيا! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها: لذة الأنس بالله .
ويقول: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً.
ويقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.
ويقول إبراهيم بن أدهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.
إن كنت في سعادة حقاً فلم تحرم غيرك من المسلمين من الدعوة إلى هذه السعادة؟! إن كنت في نعيم الأنس بالله فلم لا تصبر على دعوة الناس؟! لو أن معك ألف ملتزم فقط، وصبرت على الدعوة إلى الله ، وتهذيب من معك بالعلم والعمل والصبر على الدعوة، فكم سيكون معك بعد عشر سنوات؟ لو علمت أن هذا الذي تربيه أنت يدعو إلى الله ، وينشر ما يتعلمه كم سيكون العدد بعد عشر سنوات؟! لو صبرت بدلاً من التهييج الفارغ سيكون هناك عدد كبير جداً، احصره ثم اسأل نفسك كم ضيعت من السنوات مع الله ؟ اصبر على الدعوة إلى الله ، واصطبر لعبادته مثلما صبر أصحاب النبي ﷺ .
стр. 445
الفرق بين المؤمن والفاجر في الحياة
يقول ابن القيم: قد ذكر غير واحد من أهل العلم منهم أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وغيره: أن أعمال الرسل والأنبياء والمؤمنين في الدنيا أفضل من نعيم الجنة أي: أن أعمال المؤمنين في الدنيا من صلاة، وزكاة، وجهاد نفس، ومحبة لله ، وشوق إلى الله : أفضل من نعيم الجنة، لماذا؟ قال: لأن نعيم الجنة حظ الناس من الله وتمتعهم، فأين يقاس إلى الإيمان؟ حظ الناس من التمتع والأكل والشرب ونكاح الحور العين أين يقاس مع الإيمان وأعماله، والصلوات، وقراءة القرآن، والجهاد في سبيل الله؟! فالإيمان متعلق به سبحانه، وهو حقه على العباد.
ونعيم الجنة متعلق بهم وهو حظهم، فهم إنما خلقوا للعبادة وعلى الطرف الآخر قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] جمهور المفسرين فسروها أنها عذاب القبر.
قال ابن القيم: والحقيقة أن المعيشة الضنك في الدور الثلاث، فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر، ونكد العيش، وكثرة الخوف، وشدة الحرص والتعب على الدنيا، والتحسر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها، والآلام التي في خلال ذلك ما لا يشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر، فأي عيش أضيق من هذا العيش لو كان في القلب شعور؟! في قلبه الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب، والأماني الباطلة، فهو في جحيم قبل الجحيم الأكبر: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل:٧١ - ٧٢] ذقتم قليلاً من العيش النكد قبل الجحيم الأكبر في الدار الآخرة.
يقول ابن القيم: فهذا المتاع ذاته شقوة في الدنيا والآخرة، غصة تعقبه، وعقابيل تتبعه، يتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف، ضنك الانقطاع عن الله ، وضنك القلق والشك والحرص والحذر والحسرة على كل ما يفوت، هو منكوس موكوس منحوس، عنده غبش ولبس في الرؤية وتأرجح في الخطوة، وحيرة وشرود في الاتجاه، وطريق بهيم لا معالم فيه.
قولوا للناس: من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!! كما لا يجتنى من الشوك العنب، لا ينزل الله الأبرار منازل الفجار.
قال النبي ﷺ : (من كانت الدنيا همه؛ فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له منها، ومن كانت الآخرة همه؛ جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) أو كما قال ﷺ .
стр. 446
الفرق بين المؤمن والفاجر في القرب من الله
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم أما بعد: فهذا مع الله ، وذاك مع الشياطين هذا في معية الله الخاصة وهذا تتنزل عليه الشياطين!! هذا تتنزل عليه الملائكة تثبته، وربما تسلم عليه، مثلما فعلت مع عمران بن حصين لما صبر على أذى المرض قال: إن الملائكة لتسلم علي.
وكما قال الصحابة: إن السكينة تنطق على لسان عمر، أي: إن الملائكة تنطق على لسان عمر.
أي حال حال هذا الذي يفر الشيطان من وجهه؛ (ما رآك الشيطان في طريق يا ابن الخطاب إلا وسلك سبيلاً غيره).
فاروق الإسلام، سمي الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل.
من وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟!! من كان مع الله فإن الله يدافع عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
ويصلي عليه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب:٤٣] صلاة الله ثناؤه على العبد، فماذا تريد بعد ذلك؟! كفاك جزاء على الطاعة أن رضي منك أن يستغفر لك حملة العرش ما تساوي الأرض ومن عليها حتى يستغفر حملة العرش لعابد؟! يستغفر لك الأنبياء قبل مجيئك إلى دار الدنيا نوح ﵇ أول نبي أرسل يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] إذاً: دخلت في الجملة، بل يقيم الله رسوله ليستغفر لك قبل مجيئك إلى الدنيا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩].
فلو حسبت عملك كله في دار الدنيا مدة سبع سنوات وتخرج منه مكالمة الهاتف والموبايلات والأكل والشرب والذهاب إلى العمل وحصرت العبادة المحضة مدة سبع سنوات لوجدت أنها لا تساوي شيئاً؛ لكن ينمي الله هذا العمل القليل، يقول النبي ﷺ : (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة - مليون حسنة - ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفعه ألف ألف درجة في الجنة، وبنى له بيتاً في الجنة) قولوا للناس هذا حببوا إلى الناس الإيمان والعمل الصالح ذكروهم بفضل الله يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] يعني: يقتلون أولياءه، ثم يدعوهم بعد ذلك إلى التوبة، وهذه حاله مع من أعرض عنه مع من فتن أولياءه ثم تاب فكيف حاله مع من بقي مع الله ؟! والآخر يقول عنه المولى : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] رجل في سلم مع الله سلام العقل والضمير والأسرة والمجتمع سلم مع الكون سلم مع الحياة وآخر في حرب مع الله ! هذا يسلم المولى عليه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:٧٨] ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:١٠٩] والآخر يقول فيه المولى : ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود:٩٩].
هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، إنهم وأن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم.
هؤلاء مولاهم الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
هذا تفرح الأرض به، وتشتاق لمشيه عليها، وهذا تشمئز الأرض منه تلعنه حشرات الأرض وهوامها ينادي الجبل باسمه: هل مر بك ذاكر لله ؟ فإن قال: نعم، قال: أبشر بخير يوم طلع عليك.
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩] هذا في شأن العاصي أو الكافر، أما المؤمن فإن الأرض تبكي عليه عند موته، تبكي غدوه ورواحه إلى المسجد، ومصعد عمله من السماء! فما ظنك بنهار هذا ونهار ذاك، وليل هذا وليل ذاك، وسماء هذا وسماء ذاك، وعلم هذا وعلم ذاك، ونوم هذا ونوم ذاك، وثوب هذا وثوب ذاك؟! يعني: حتى لو لم يكن الثوب ملبوساً، فستجد هذا الثوب جلباباً أبيض وطاقية فيها مسك وسواك، وثوب العاصي فيه ضنك، فهذا الثوب يعرف وإن لم يكن ملبوساً، فما ظنك بكل لحظة من لحظات حياته، فهذا في جحيم وهذا في نعيم! انظر إلى قلب هذا وقلب ذاك طمأنينة هذا القلب وريبة هذا القلب سلامة هذا القلب ومرض هذا القلب خشوع هذا القلب وكبر ذاك القلب تقوى هذا القلب وزيغ هذا القلب لين هذا القلب وقسوة هذا القلب وجل هذا القلب وغيظ ذاك القلب! هذا القلب المنيب الصالح، وذاك القلب اللاهي والمغمور في المنكر، طول عمله في استحسان القبائح والركون إلى الظلمة قبول الفتن واطراح الحياء من الخلق والجرأة على الخالق والشح والإعجاب والوهن والاستكانة للعدو والاشمئزاز القلب والصد والشذوذ كل هذا بعد عن الله! يقول الله في الحديث القدسي: (من تقرب إلي شبراً تقربت منه ذارعاً، ومن تقرب إلي ذارعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) ومن أتاني هرولة؟! سكت عنه النبي ﷺ ، (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) هذا في الجوارح فكيف بمن تقرب إلى الله بروحه وقلبه؟! قال ابن القيم: وهذه منازل في القرب لا تحيط بها العقول وتكفي الإشارة إليها فقط: ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب دون نزوله ما معنى: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) وقوله: (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، إذاً يأتيه المولى كيف؟!! منازل في القرب لا تحيط بها العقول، وهذه منازل في الجفوة والإعراض ووحشة القلب لا يحيط بها شيء.
стр. 447
الفرق بين المؤمن والفاجر عند سكرات الموت وما بعدها
وعند السكرات هذا تتنزل عليه الملائكة فتقول له: (اخرجي أيتها الروح الطيبة! كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان) وهو يتقلب في نعيم الجنة، بعد ذاك لا ينسى بشارة ملك الموت له.
وهذا الآخر كما قال الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧].
انظر إلى هذا وذاك! هذا تصعد روحه في كفن من أكفان الجنة، هل يساوي عمله هذا الكفن؟! والله لا يساويه، وهذا جاءه الكفن خصيصاً من الجنة، بل لا تخرج روحه إلا في ضبائر الريحان يؤتى له: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٨٩] يؤتى له بضبائر الريحان من الجنة يشمها، وعند شمها تقبض روحه.
هذا يشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، بعد ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة عام، يعني: تشيعه الملائكة مسيرة ألف سنة ضوئية أنت لو مشيت في جنازة شخص ست ساعات تقول: ارموا بها في هذا المكان، كفى مشياً! أما الفاجر فلا تفتح له أبواب السماوات هذا يقال له: (أن صدق عبدي) وهذا يقال له: (أن كذب عبدي)؟! والله لو لم يكن من جزاء إلا هذا لكفى.
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! اللهم صل على محمد وآله.
اللهم إنا لا نملك إلا الدعاء لإخواننا من أهل فلسطين، اللهم ارفع الكرب عنهم، اللهم ارفع الكرب عنهم، اللهم ارفع الكرب عنهم، اللهم ثبتهم، اللهم ثبتهم، اللهم ثبتهم، اللهم احم أعراضهم، واحقن دمائهم، احم أعراضهم واحقن دمائهم، واحفظ أبطالهم، اللهم احفظ أبطالهم، اللهم احفظ أبطالهم.
اللهم ثبت قلوبهم، وسدد رميهم، اللهم عليك بمن ظلمهم، خذ لدينك منهم حتى ترضى، وخذ لأعراض المسلمين حتى ترضى، خذ لبيوت المسلمين حتى ترضى، وخذ لأطفال المسلمين حتى ترضى، خذ لنساء المسلمين حتى ترضى.
إذا أردتم أن تنصروا أهل فلسطين فكونوا من الصالحين وادعوا الناس إلى صراط الله ، وسيأذن الله بالنصر، نحن أحرص على أمن هذا البلد من أي إنسان كائناً من كان، هذه البلدة بلدتنا، حبيبة إلينا؛ لأنها أرض من أرض الإسلام ندعو إلى الله فيها، فاملئوا البلاد طولاً وعرضاً بالدعوة إلى الله ، علموا الناس وادعوهم إلى صراط الله ، واصبروا على دعوتهم عسى الله أن يأذن بنصر من عنده.
стр. 448
القدس
إن للقدس مكانة عظيمة عند الله ، فهي مسرى نبينا ﷺ ، ومجتمع الملائكة، ومهد عيسى، وملك سليمان بن داود، ومهاجر إبراهيم، ومأوى الرسالات، وقد شرفها سبحانه وذكرها في كتابه، وجعل أمرها للمسلمين في كل زمان ومكان، فواجبنا نحوها أن نسعى إلى تحريرها من أيدي اليهود الغاصبين، كما حررها عمر وصلاح الدين.
стр. 449
مكانة القدس في الإسلام وواجب المسلمين نحوها
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
القدس مدينة السلام، ومسرى نبينا ﷺ ، ومجتمع الملائكة، ومهد عيسى، وملك سليمان بن داود، ومهاجر إبراهيم ﵇، ومأوى الرسالات والديانات.
هذه القدس التي شرفها الله بذكرها في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] فهي قدسية الفرع والآباء والأجداد، قدسية التراب المبارك حوله، فقد نص القرآن على قدسيتها وعلى طهارتها، وبسببها أوقف الله الشمس ليوشع بن نون نبي من أنبياء الله ، وهو فتى موسى الذي تولى حكم بني إسرائيل بعد وفاة نبي الله موسى، فلما توفي نبي الله موسى بأرض التيه قبل أن يفتح بيت المقدس فتحه فتاه يوشع بن نون نبي بني إسرائيل، فكان يقاتل الكفار الذين في هذه المدينة، فحبس الله له الشمس عن المغيب حتى يستكمل فتح هذه المدينة المباركة، فقال النبي ﷺ : (ما حبست الشمس على بشر قط إلا على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس)، ويقول النبي ﷺ عن سليمان ﵇: (إن سليمان ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثة: سأله حكماً يصادف حكمه فأوتيه) يعني: أن يحكم فيما يتعرض له من الفتاوى بحكم يوافق حكم الله ، ثم قال: (وسأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا تنهزه -أي: لا تأتي به- إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه، فقال النبي ﷺ : أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة) هذا الحديث صححه الشيخ الألباني.
يعني: أن سيدنا سليمان بن داود سأل ربه حكماً يوافق حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي أحد بيت المقدس للصلاة فيه لا يخرجه من بيته إلا الصلاة فيه، أن يغفر الله له كل ذنوبه، وأن يخرجه من خطاياه كيوم ولدته أمه، فلذلك قال النبي ﷺ : (أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة) يعني: لا يأتي أحد للصلاة في بيت المقدس إلا غفر الله له ذنوبه كلها وكل ما تقدم من ذنبه، وهذه كرامة عظيمة ومنقبة لبيت المقدس، والخلافة المقدسة التي ستكون علامة هذه النبوة في آخر الزمان سيكون مقرها بيت المقدس في فلسطين، كما جاء في حديث عبد الله بن حوالة لما وضع النبي ﷺ يده على رأسه قال له: (كيف أنت يا ابن حوالة إذا نزلت الخلافة بالأرض المقدسة؟ لساعة يومئذ أقرب إليكم من قرب يدي هذه من رأسك).
هذه المدينة المقدسة وجّه النبي ﷺ جل اهتمامه -بعد أن حرر الكعبة من الأوثان- وجّه كل همّه تجاه بيت المقدس، فأرسل أعز أحبابه زيد بن حارثة وابن عمه جعفر الطيار الذي قال فيه النبي ﷺ : (أشبهت خلقي وخُلُقي) وعبد الله بن رواحة، وجههم إلى مؤتة، وهي من أرض فلسطين، وسالت دماء زيد وجعفر الطيار وعبد الله بن رواحة على ثرى فلسطين في مؤتة، ولم يمت النبي ﷺ حتى عقد بيده الشريفة اللواء لـ أسامة بن زيد يدفعه لملاقاة الروم، ولما داهمت جيوش المرتدين المدينة وأحاطت بالمدينة كلها، قالوا لـ أبي بكر الصديق: لا تنفذ بعث أسامة، قال: والله! لو أخذت خيول الروم بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذت بعث أسامة، وما كنت لأحل عقداً عقده رسول الله ﷺ بيده.
ووجّه الصديق الجيوش لفتح بلاد الشام، وفتح سيدنا عمرو بن العاص أكثر مدن فلسطين، فتح غزة ويافا ونابلس، وكانت الجيوش التي وقفت على أبواب فلسطين تحت قيادة أمين هذه الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح، ورفض القساوسة ببيت المقدس أن يسلموا المفتاح إلا لـ عمر، وأرسل أبو عبيدة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بأن يأتي لفتح بيت المقدس، فأتى على دابته، فقال له أبو عبيدة لما تلقاه في الشام: يا أمير المؤمنين! إنك تلقى وجهاء الناس وكبراءهم فلو غيرت دابتك وثوبك، وقد أعطاه ثوب كتان بدلاً من ثوبه المرقع، فضربه عمر في صدره وقال: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! ليس الأمر هاهنا -يعني: ليس الأمر من شأن الأرض ومن عليها- إنما الأمر هناك وأشار إلى السماء، ثم قال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، ثم جعل عمر يقول: أما تنظر إلى هؤلاء ينظرون إلى مراكب قوم لا خلاق لهم، ولما دخل عمر بيت المقدس وجدهم قد جمعوا النجاسات والحيض ووضعوها في بيت المقدس، فجعل عمر ﵁ يجمع بثوبه الشريف هذه النجاسات ويخرجها منه، فلما رأى الصحابة والتابعون فعل أمير المؤمنين عمر جعلوا يفعلون ما يفعل، وأخذ عمر العهد على نصارى إيليا (بيت المقدس)، وهذه الوثيقة العمرية مسجلة في التاريخ، واشترط النصارى على أنفسهم الآتي: أن نوقر المسلمين في مجالسهم، وأن يقام لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، وأن تدق الأجراس في جوف الكنائس دقاً خفيفاً بحيث لا يسمعها المسلمون، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس نعل ولا في فرق شعر إلى غير ذلك.
هذه وثيقة فيها كل العز، وكان من نص الوثيقة: أنه لا يسمح لليهود بدخولها.
وهؤلاء اليهود يكذبون ويقولون: إن لنا أصلاً في القدس وإن الهيكل دُمِّر تدميراً كاملاً، والحفريات طوال مائة سنة في الواقع لم تعثر على حجر واحد من حجارة الهيكل المزعوم، ويقولون: إن لنا حضارة في بيت المقدس منذ ثلاثة آلاف سنة، مع أن النصارى بأنفسهم اشترطوا على المسلمين ألا يسكن اليهود في بيت المقدس، وظلت القدس عزيزة عظيمة في أيدي المسلمين، وسيدنا عمر بن عبد العزيز لما أراد البيعة جمع ولاة الأمر وأخذ البيعة له منهم في بيت المقدس، وعبد الملك بن مروان أخذ بيعة الخلافة في بيت المقدس، والوليد بن عبد الملك باني قبة الصخرة أيضاً أخذ الخلافة في بيت المقدس، وزكوات مصر أوقفت في الخلافة الأموية لمدة سبع سنوات كاملة، أوقفها الوليد بن عبد الملك على بناء قبة الصخرة وما حول بيت المقدس؛ فلماذا هان هذا المسجد وهذه الأماكن الطيبة الطاهرة علينا؟ بيروت في اليم ماتت قدسنا ذُبحت ونحن في العار نسقي وحلنا طينا أي الحكايا ستروى عارنا جلل نحن الهوان وذل القدس يكفينا القدس في القيد تبكي من فوارسها دمع المنابر يشكو للمصلينا أقزامنا ضيعونا حينما فسقوا باعوا المآذن والقرآن والدينا أقزامنا من توارى صوتهم فزعاً والأرض تسبى وبيروت تنادينا أقزامنا من أضاعوا السيف من يدنا وأودعونا سجون الليل تطوينا قم من ترابك يا بن العاص في دمنا ثأر طويل لهيب العار يكوينا قم يا بلال وأذن صمتنا عدم كل الذي كان طهراً لم يعد فينا هل من صلاح يداوي جرح أمته ويطلع الصبح ناراً من ليالينا هل من صلاح لشعب هده أمل ما زال رغم عناد الجرح يشفينا جرحي عنيد وجرحي أنت يا وطني جئنا نداويك تأبى أن تداوينا إني أرى القدس في عينيك ساجدة تبكي عليك وأنت الآن تبكينا ما زال في العين طيف القدس يجمعنا لا الحلم مات ولا الأحزان تنسينا
стр. 450
ذكر وقت احتلال الصليبيين للقدس ودور آل زنكي وصلاح الدين في تحريرها منهم
لقد كان أول احتلال للصليبيين للقدس في يوم الجمعة سنة (٤٨٢هـ) وكان في عهد الفاطميين غلاة الشيعة الزنادقة المارقين بمصر، ويومها سلموا القدس للصليبيين ولم يدافعوا عنها، ولم يقاتلوا في سبيلها، ولم يرفعوا سلاحاً في وجه الصليبيين، فتكالبت الجيوش الصليبية على احتلال بيت المقدس، واحتلوا الرها أول مدينة احتلت من بلاد الشام، ثم احتلوا أنطاكية، ثم دخلوا إلى بيت المقدس بعد حصار أربعين يوماً، ولما دخلوها لم يوفوا للمسلمين بأي عهد، حتى سار القائد الصليبي الذي فتح بيت المقدس في شوارع القدس وصار الدم إلى ركبتيه، وقتلوا سبعين ألف مسلم، وجعلوا الصليب على قبة الصخرة، وجعلوا من المحراب مربطاً لخيولهم وخنازيرهم، وبقي الصليبيون (٩١) سنة في القدس، وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل.
وهناك رسالة دكتوراه محضرة في جامع الأزهر عن الحقد الصليبي تثبت أنه في أثناء احتلال الصليبيين لمدينة معرة النعمان ذبحوا بعض المسلمين وشووهم وأكلوا لحومهم، وهذا ثابت، وهو ينم عن الحقد الصليبي والتعصب الصليبي ضد الإسلام والمسلمين.
ثم بدأ المسلمون يستيقظون في عهد عماد الدين زنكي، واستردوا مدينة الرها، وهي أول مدينة استردوها من الصليبيين، وفرح المسلمون فرحاً عظيماً، حتى سموها فتح الفتوح، ثم مات عماد الدين زنكي قبل أن يكمل تحرير بيت المقدس، فتولى الأمر من بعده ولده نور الدين محمود زنكي سلطان الشام، وكان صلاح الدين الأيوبي عاملاً من عمّاله فأرسله إلى مصر مع عمه أسد الدين شيركوه.
ونور الدين محمود زنكي السلطان الزاهد العابد أعد منبراً ليدخل به بيت المقدس يوم تحريره ليخطب عليه؛ وعندما حاصر الصليبيون مدينة دمياط أرسل إلى أسد الدين شيركوه وصلاح الدين بالجيوش من الشام، واشتد به الأمر واجتمع مع أركان حربه فقالوا له: إن لك حديثاً يروى عن رسول الله ﷺ ، والسلسلة كلها بالتبسم فتبسم أنت حتى تكمل السلسلة لك قال: إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً والفرنج محاصرون لدمياط، يقول عنه إمام مسجده: ولقد امتنع والله عن تناول الطعام والشراب من كثرة الغم والحزن الذي اعتراه.
هذا السلطان العظيم سلطان الشام كانت له مواقف عظيمة في صد الصليبيين، منها: موقعة حارم فقد اجتمع له ثلاثون ألف صليبي يتزعمهم كل ملوك أوروبا، فقتل عشرة آلاف وأسر عشرة آلاف، ولما اشتدت الوطأة في موقعة حارم نزل عن فرسه واحتمى خلف تل وجعل يعفر خده في التراب ويقول: اللهم لا تنصر عبدك محموداً وانصر دينك وعبادك، ما شأن محمود الكلب بين الله وبين عباده؟ فلما اشتد حصار الصليبيين لدمياط رأى إمام المسجد النبي ﷺ في المنام فقال: بشِّر نور الدين محمود زنكي بأن الله قد رفع الحصار عن دمياط، قال: قلت: يا رسول الله وما علامة ذلك؟ قال: قل له: العلامة علامة تل حارم؛ قال: فتلقيته عند دخوله المسجد قبيل صلاة الفجر فقلت له: أيها السلطان أبشرك بانتصار المسلمين في دمياط، فقال: وما علامة ذلك؟ قال: إني رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: قل لـ محمود: العلامة علامة تل حارم يوم أن عفرت وجهك في التراب وقلت: اللهم انصر بلادك ودينك ولا تنصر محموداً ما شأن محمود بين الله وبين عباده؟ هذه القصة ذكرها ابن الأثير وابن كثير والإمام الذهبي في تاريخه.
فخر نور الدين محمود زنكي ساجداً لله فرحاً باكياً.
هذا السلطان العظيم كان يكثر التهجد بالليل، وكذلك كانت زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون، ففي ذات ليلة قامت امرأته غاضبة من نومها، فسألها عن سر غضبها فقالت: فاتني ورد البارحة فلم أصل من الليل شيئاً، وقال ابن الأثير: إن بعض المسلمين لما دخلوا بيت المقدس أيام أخذ الفرنجة لها سمعوهم يقولون: إن القسيم بن القسيم -يعنون نور الدين محمود زنكي - لا ينصر علينا بكثرة عتاده وجنده، وإنما لأنه يصف قدمه بين يدي ربه ليلاً، فلا بد أن ربه ناصره علينا.
قال ابن الأثير: فهذه شهادة الكفار في حقه، شهدوا له أن هذا العبد صالح وسينصره الله ﵎.
стр. 451
تولي صلاح الدين أمور الحكم ودوره في تحرير القدس
ومات نور الدين محمود زنكي قبل أن يكحّل ناظريه بفتح بيت المقدس، وأكمل المسيرة صلاح الدين الأيوبي سنة (٥٥٥) هجرية.
قال أبو حميد الطويل: دخلت على إمام الموصل الشيخ عمر الملا فوجدت رجلاً من المصريين يقول له: رأيت فيما يرى النائم أن أرضاً مملوئة بالخنازير وأن رجلاً معه سيف يقتل هذه الخنازير، قال: فظننت أنه المسيح عيسى بن مريم فقلت: المسيح عيسى بن مريم؟ قال: لا، بل يوسف -فـ يوسف هذا هو صلاح الدين الأيوبي - والناس ظنوا أن يوسف بن تاشفين هو الذي سيحرر بيت المقدس، أو ظنوه المستنجد بالله الخليفة العباسي، فلما كان تحرير بيت المقدس على يد يوسف صلاح الدين الأيوبي تذكر هذا العبد الصالح تلك الرؤية الصالحة.
ورأت أم صلاح الدين يوم حملت به من يبشرها: أن بطنك هذه تحمل سيفاً من سيوف الله ، ألا يا صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر يحاصرنا في اليوم بليون كافر ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر حصانك في سيناء يشرب دمعه ويا لعذاب الخيل إذ تتذكر وتأبى جراحي أن تضم شفاها كأن جراح الحب لا تتخثر تناديك من شوق مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر نساء فلسطين تكحلن الأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصّر وليمون يافا يابس في حقوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر وأصرخ يا أرض المروآت احبلي لعل صلاحاً ثانياً سوف يظهر مرض صلاح الدين الأيوبي فقال له قاضيه الفاضل ووزيره: انذر لله إن شفاك الله من مرضك أن توجه كل همك لتحرير بيت المقدس، فنذر لله بذلك، فلما شفاه الله من مرضه وفّى بهذا النذر، وأرسل إليه شاب من دمشق كان سجيناً في بيت المقدس يقول له: يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكّس جاءت إليك رسالة تسعى من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس فتوجه صلاح الدين الأيوبي لفتح بيت المقدس والتقى بالصليبيين في حطين في آخر ربيع الآخر، وكان عدد الصليبيين ستين ألفاً ومعهم ملوك أوروبا، وانتصر صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، وكانت معركة عظيمة لم يُسمع بها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فمن رأى الأسرى قال: ليس هناك قتيل، ومن رأى القتلى قال: ليس هناك أسير، فقد أسر ثلاثين ألفاً، وقتل ثلاثين ألفاً، ووقع كل ملوك أوروبا في الأسر ومنهم رجل اسمه البرنس أرناط وكان شديد العداوة لله ورسوله، حتى أنه قبض على جماعة من المسلمين عند قرية الشوبك، فجعلوا يسألونه بالله وبالعهد الذي قطعه مع المسلمين فقال: نادوا محمداً ليخلصكم ثم قتلهم، فنذر صلاح الدين الأيوبي إن مكنه الله من أرناط أن يقتله، فلما وقع ملوك أوروبا كلهم في الأسر قتله، وكان يوماً عظيماً للمسلمين.
قال ابن الأثير: ولقد رأينا الفلاَّح من بلاد الشام يجر بطنب خيمته يسوق ستة وثلاثين أو خمسة وثلاثين من أسرى الفرنجة، ورأينا الرجل من الصليبيين يُباع بـ (زربول) يعني: نعل في لغة الشام -يباع الرجل منهم (بزربول) وهذا يدل على هوانهم في تلك الموقعة.
ولما تقدم الملوك الأسرى فكان من عادة العرب لو سقوا أسيراً أو أطعموه لا يقتلونه، فالسلطان جفري صاحب الكرك أراد أن ينجي أرناط من قتل صلاح الدين له فأعطاه الشراب الذي قدّمه له صلاح الدين ليسقيه من عطشه، فقال له صلاح الدين: أنت الذي سقيته، أنا ما سقيته، ثم قال: أنا نائب رسول الله ﷺ وعرض عليه الإسلام فأبى، فقتله بسيفه؛ غضبة لله ولرسوله.
وفي السابع والعشرين من رجب سنة (٥٨٣ هجرية) حاصرت جيوش صلاح الدين بيت المقدس من كل الجوانب، واستعد المجاهدون والمتطوعة برميها بالنفاطات وبالمجانيق، وعند ذلك عرض بليان بن نيزران والي القدس من قبل الصليبيين على صلاح الدين الأيوبي أن يتنازل له بالقدس صلحاً، فقال له صلاح الدين: والله! لا آخذها إلا عنوة كما أخذتموها من المسلمين عنوة، وأقتل رجالكم وأسبي نساءكم، فقال له بليان بن برزان: إذاً والله نقتل كل من معنا من أسرى المسلمين -وكانوا خمسة آلاف أسير- ونقتل نساءنا وأطفالنا، ونهدم المصانع -يعني: البيوت- ونغور نبع بيسان، ثم نخرج إليكم نقاتلكم في الصحراء، لا يقتل منا قتيل إلا قتل منكم عشرة ودون قيامة تقوم القيامة، وهنا استشار صلاح الدين رجال مشورته ورق لأسرى المسلمين، ورضي أن يخرجوا من بيت المقدس وترك لهم مهلة أربعين يوماً، والذي لا يستطيع أن يدفع من الرجال عشرة دنانير ومن النساء خمسة دنانير وعن كل طفل وطفلة ديناران يقع في أسر المسلمين، فوقع في أسر المسلمين بهذا الشرط بعد أربعين يوماً ستة عشر ألف أسير، وضم إلى بيت مال المسلمين مائتا ألف دينار، ودخل المسلمون في السابع والعشرين من شهر رجب بيت المقدس وكان يوم جمعة، ولم يستطيعوا أن يصلوا الجمعة في ذلك اليوم؛ لكثرة ما كان فيه من النجاسات والخنازير، وظلوا أسبوعاً كاملاً يغسلون بيت المقدس بالماء الطاهر، ثم بعد ذلك بماء الورد الفاخر، وأنزل الصليب من فوق قبة الصخرة، وعلا الأذان، وخفت صوت القسيسين والرهبان، وعُبد الواحد، وكثرت السجدات، وتنوعت العبادات، وصدر المنشور من السلطان أن يتولى رجل من قريش الإمامة في المسجد، فأتى بكل آيات الحمد المذكورة في القرآن الكريم؛ وكانت هذه الأيام أياماً عظيمة.
ويا قدس هل أبقيت دمعاً لنائح حنانيك من شوق ومن عبرات ثم قام صلاح الدين الأيوبي بعد تحريره لبيت المقدس بتحرير باقي القلاع، وقبل أن يحرر بيت المقدس فتح عكا وصلى الجمعة في مسجدها في شهر محرم سنة (٥٨٣ هجرية) بعد غياب صلاة الجمعة مدة اثنين وسبعين سنة عن عكا، وحرر أربعة آلاف أسير مسلم كانوا في عكا، وافتتح خمسين مدينة.
هذا الرجل العظيم صلاح الدين الأيوبي كان يشكو من الدماميل في ظهره وفي وسطه، حتى إنه ما كان يأكل إلا متكئاً على جنبه، وبرغم هذا كان يعتلي صهوة جواده ويظل من الفجر إلى قرب صلاة الظهر، ومن العصر إلى المغرب وهو يطوف على أمراء جيشه، فيقول له قاضيه ابن شداد: إنك لا تستطيع الأكل إلا متكئاً! فيقول: والله إني إذا ارتقيت ظهر جوادي أنسى هذه الدماميل.
هذا السلطان العظيم الذي يقول: ما لنا بالإقامة في دمشق، إنما خلقنا للجهاد في سبيل الله ويقول قاضيه ابن شداد عن هذا البطل العظيم الذي قنع بالسكون في ظل خيمة، وترك أولاده ثلاث سنوات في مصر وهو مرابط ومجاهد هناك في حصون الشام، يقول القاضي ابن شداد: لما رأيت البحر في عكا وكان أول يوم أرى فيه البحر قال: لو قيل نعطيك ملك الدنيا كله في سبيل أن تخوض البحر ميلاً واحداً قال: والله ما استطعت ذلك، قال: فلما وقف صلاح الدين الأيوبي قال: أتدري ما أمنيتي؟ قال: لا، قال: إذا أكملت فتح بقية الساحل قسمت البلاد بين أولادي وودعت وأوصيت، ثم ركبت البحر فلا أدع جزيرة يكفر فيها بالله إلا وأدخلتهم في دين الله .
قلت له: يا أمير المؤمنين! إنك سور الإسلام ومنعته، وفي هذا خطر على الإسلام.
قال: ما هي أشرف الميتات؟ قلت: الشهادة في سبيل الله ، قال: حسبي هذا.
وظلت القدس في أيدي المسلمين حتى أيام الدولة العثمانية، ولما فككت الدولة العثمانية دخل الجنرال اللنبي قائد القوات الصليبية في (٩) ديسمبر سنة (١٩١٧م) مدينة القدس، ثم ذهب إلى قبر صلاح الدين وركله بقدمه وقال: الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين.
وكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه رُسم الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوف وتحريق المصاحف فيه طيب
стр. 452
أسباب ضياع القدس من المسلمين
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم أما بعد: لقد كان تقسيم فلسطين بقرار من الأمم المتحدة، وكان تحت الانتداب البريطاني ووعد بلفور، واجتمع الخونة كلهم على بلاد المسلمين، وسقطت القدس، ثم أتت بعد ذلك حرب (١٩٦٧م) لتكمل على البقية الباقية، وغُيّب دين الله عن المعركة، يقول النبي ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض والنصر، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له عند الله من نصيب)، فعندما يُغيّب الإسلام عن المعركة وتكون المعركة علمانية بحتة يضيع ملك المسلمين.
فضاعت فلسطين وسط الاتفاقيات، ومن المخزي أن في يوم (٢٨) سبتمبر عام (١٩٩٥م) بعد توقيع اتفاقية توسع الحكم الذاتي الفلسطيني في واشنطن دخل رابين مع عرفات بعض المتاحف، وكانت هناك خطبة لـ رابين وخطبة لـ عرفات؛ فبدأ عرفات بالخطبة ثم تلاه رابين، فأنصت إلى عرفات جيداً، ثم قال: في تراثنا اليهودي قول مأثور: أن رياضة اليهودي هي فن الخطابة، ثم بعد فترة من الصمت وبكثير من الجدية قال مخاطباً عرفات: بدأت أعتقد أيها الرئيس عرفات أنك قد تكون يهودياً! وهنا علا الضحك واستمر التصفيق.
يقول الشاعر عن القدس: سافرت فيك ولم يزل يحلو السفر سفري يصارع كل أشكال الوهن سافرت فيك وأنتِ عذراء الوطن سافرت فيكِ ولستِ خضراء الدمن لا أصل جدكِ ساقط لا فرع أمك هابط لا اسم أهلكِ يغتبن يا عطر كل الأنبياء المخلصين يا زهر كل الأولياء المتقين من قال اسمك ممتهن؟ من قال سيفك يرتهن؟ هذا حديث الإفك مصنوع ومدفوع ومقبوض الثمن قديسة الآباء والأجداد والتاريخ والفرع الحسن قديسة الترب المبارك حوله يا حبنا يا قدسنا قديسة الرؤيا الجليلة والأماني والصور سافرت فيكِ وفوق راحلتي عمر وأنا رفيق ركابه والقدس في مرمى البصر وصهيل خيلكِ في الشمال وفي الجنوب وفي البوادي والحضر وفوارس الجيل العظيم تدق أبواب الظفر وأبو عبيدة والمثنى وابن وقاص وخالد في دمي وسيوفهم نشوى تذود عن الأقصى الخطر عمري على مهري ومهري فوق ساحكِ لا يبالي بالجنود وبالقرود وبالذباب وبالحمر سافرت فيكِ وحبنا ينمو على لهب الطهارة والغضب فلترضعيه من الشرايين التي لم تأكل الثمر المحرم لم تصل للكراسي والركب فلترضعيه من الشرايين التي ما لاكت الكذب الشريف ولا نمت في حضن حاملة الحطب فلترضعيه من الشرايين التي ما حاصرت شعب الصمود ولم تذل للمستبد أبي لهب فلترضعيه من الشرايين التي لم تحتسي بحر السراب ولم تلقن من مسيلمة الكذب فلترضعيه من الشرايين التي ما سلمت لبني قريظة دينها أو أنفها أو سيفها أو حرفها أو أغلى صباح يرتقب لن تعود القدس إلا حينما تكون الراية إسلامية بحتة، ولن تفتح القدس إلا على يد رجال مثل صلاح الدين الأيوبي.
وعندما أرسل إليه الفرنجة يفاوضونه في القدس قال: القدس مسرى نبينا ومجتمع الملائكة، لا أستطيع أن أتلفظ بلفظ واحد بين المسلمين عن القدس.
وذلك عندما قالوا له: ضاعت الدماء بسبب القدس هذه! فالحرب بيننا وبين الصليبيين حرب دينية بحتة.
في سنة (١٩٦٧م) في كتاب لبنت موشي ديان اسمه (جندي من إسرائيل) تُرجم إلى أغلب لغات العالم، تقول فيه: كان الجنود الإسرائيليون ترتعد فرائصها منا، قالت: ثم أتى إلينا حاخام من اليهود فاستحال الخوف أمناً، بينما كانت إذاعات العدو -يعني: إذاعات مصر- تقول: قاتل وأم كلثوم معك في المعركة، قاتل أعداء الربيع، قاتل أعداء الحياة، قاتل وعبد الحليم معك في المعركة، فكانت الهزيمة السافرة.
وعندما تكون دينية بحتة، فهؤلاء اليهود قتلة الأنبياء وإخوان القردة والخنازير، وهم من غضب الله ﵎ عليهم، وهم الذين وضعوا السم لنبيك ﵊، وأنهم الذين قتلوا زكريا، وقتلوا يحيى حينها تكون للحرب قيمة؛ أما حين تدافع عن الرمل وعن تراب، صحيح هي بلادنا وفي حدقة أعيننا، ولكن يجب أن يكون الشعار لله ، فيوم أن دوى شعار (الله أكبر) انتصر المسلمون في (١٩٧٣م)، فلنعد إلى ديننا والعود أحمد.
اللهم أبرم لأمتك من يعلي شأن دينها، اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
رب اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أواهين مخبتين منيبين.
تقبّل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا.
بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، ولبابك نطرق فلا تطردنا.
اللهم عليك باليهود أعداء دينك، اللهم عليك باليهود أعداء دينك، اللهم عليك باليهود أعداء دينك.
اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.
اللهم اجعل خلاص البلاد منهم على أيدينا.
اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك تبيض بها وجوهنا يوم نلقاك.
اللهم أقبل بقلوب شباب المسلمين إلى كتابك وسنة نبيك.
اللهم ارزقنا الفقه والإخلاص.
اللهم اهد حكام المسلمين إلى العمل بكتابك وبسنة نبيك.
اللهم اهد حكام المسلمين إلى تحرير بيت المقدس.
اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك.
اللهم أعل هممنا، وانصر المسلمين في الشيشان وفي كشمير وفي الفلبين وفي فلسطين، وانصر المسلمين المستضعفين في كل مكان.
стр. 453
واجب المسلمين تجاه نصرة المستضعفين منهم
نقلت وكالات الأنباء في صورة الطفل الذي قتل في حضن أبيه، هذه المأساة التي هزّت المجتمع الغربي الصليبي فما بالها لا توقظ النوّم من المسلمين! يقول الشاعر: وكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه رُسم الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوف وتحريق المصاحف فيه طيب فالواحد لا يتصور أن ملياراً وربع مليار مسلم، يعني: ألف مليون ومائتان وخمسون مليون مسلم لا يستطيعون أن ينتصروا على سبعة أو عشرة ملايين من اليهود، فلا يستطيع الإنسان أن يتصور هذا أبداً؛ لأن المسلمين لم يعد لهم إلا بطونهم وشهواتهم، وأما أويس القرني العبد الصالح الشهير، هذا الرجل الذي قال عنه النبي ﷺ : (سيشفع في مثل الحيين: ربيعة ومضر، ولو أقسم على الله لأبره، مروه فليستغفر لكم)، وقد توفي في صفين في جيش علي، هذا الرجل العظيم كان إذا أمسى ما يكون في بيته شيء من الطعام ولا الشراب ولا الثياب إلا الثوب الذي يواري عورته فقط، فكان يقول: اللهم إني أعتذر إليك عن كل كبد جائع للمسلمين، وعن كل بدن عارٍ، اللهم إنك تعلم أنه ليس في بيتي من الثياب إلا ما يواري عورتي، وليس في بيتي من الطعام إلا ما في جوفي.
فلا بد للناس من أن يهتموا بقضية المسلمين المستضعفين في كل مكان، وسل نفسك أنت: ماذا قدمت لدينك؟ وهل بالفعل لو فتح باب الجهاد ستكون على استعداد أن تذهب إلى الجهاد؟! هل صدقت مع الله ؟! وقبل ذلك كم صليت الفجر في حياتك مع جماعة المسلمين؟ فعندما لا تكون صادقاً في صلاة الفجر كيف ستذهب لتقتل وترمل زوجك وأولادك؟! فأنت الآن تملك أن تسجد لله في ظلمات الليل، وتدعوه أن يرفع الله هذا الكرب عن بلاد المسلمين، وأن تكون صادقاً مع نفسك ومع ربك، فماذا قدمت لدينك؟ وكم كنت محافظاً على الصلوات الخمس في المسجد؟ وهل عطفت على يتامى المسلمين وعلى المساكين؟ وهل اهتممت بقضايا المسلمين؟ وهل حفظت آية من كتاب الله ؟ نسأل الله أن يرفع الغمة عن بلاد المسلمين، امرأة في التاريخ دوخت المسلمين، امرأة في تاريخ إسبانيا هي إيزابيلا زوجة فرديناند ملك إسبانيا، هذه الملكة أقسمت أن لا تخلع ثوبها الداخلي حتى يسقط حكم المسلمين في الأندلس، وهناك أشهر رواية في التاريخ الإسباني اسمها (إيزابيلا صاحبة القميص العتيق) فهذه المرأة ظلت وراء أبي عبد الله الصغير آخر ملوك المسلمين في الأندلس حتى سقط ملك المسلمين في إسبانيا، وذلك لأن المسلمين ابتعدوا عن دينهم واقترفوا المحرمات وشربوا الخمر، وقد كانت جيوش المسلمين قبل ذلك قد وصلت إلى جنوب باريس، وكانت جيوش سليمان القانوني قد وصلت إلى وسط فيينا عاصمة النمسا، ودخلت بودابست في بلاد المجر.
فلما بكى أبو عبد الله الصغير بعد ضياع الملك في الأندلس، قالت له أمه عائشة: ابك بكاء النساء ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.
والعلمانيون ضيعوا القدس؛ لأن حاميها حراميها، أهؤلاء سيعيدون القدس؟ لا والله! لن تعود القدس على أيدي هؤلاء أبداً، القدس الطاهرة العظيمة مسرى نبينا ﷺ لا تعود إلا على أيدي إسلامية متوضئة طاهرة، أما الذين بنوا القصور على شاطئ رفيرا، ونهر الراين، والذين تفاوضوا مع اليهود يوم الجمعة فتركوا الصلاة فلما جاء يوم السبت قال اليهودي: لا أستطيع أن أتفاوض معكم في يوم العيد.
انظروا في يوم الجمعة تفاوضوا وترك المتفاوضون من المسلمين الصلاة! أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 454
الكبر والتواضع
لقد حرم الإسلام الكبر والخيلاء؛ فهما لا يليقان بالإنسان لأنه عبد مخلوق، وإنما هما من صفات الخالق جل وعلا، وقد حرم الله كل سبب يدعو إلى الكبر، وفي المقابل حبب الإسلام التواضع، ودعا إليه، ومدح أهله.
стр. 455
تعريف الكبر والعجب والفرق بينهما
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإنما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: الكبر عبارة عن خلق في النفس، وهو شعورها بعظمتها وأنها فوق الآخرين.
إذاً: فلابد للكبر من متكبر به ومتكبر عليه، فالمتكبر عليه هو الإنسان الذي تظن نفس المتكبر أنها خير منه.
أما العجب فهو حالة افتخار بالنعمة بدون مقارنة بالغير، فلو أن رجلاً في صحراء بمفرده وعنده حالة عظمة يظن لنفسه قدراً، فهذا معجب ولا نقول أنه متكبر، وإذا عقد مقارنة بينه وبين غيره فإنه يطلق عليه المتكبر.
والكبر شيء دخيل في النفس، يقول الله ﵎: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر:٥٦]، قال ابن عباس: أي: عظمة، وإذا ظهر هذا على الجوارح من لي للعنق وغرور، ومن تصعير للخد، ومن خيلاء في النفس فهذا يسمى تكبراً.
فالتكبر عمل الجوارح، وثمرة الكبر، نداء الباطل.
فهذا هو الفارق بين العجب والكبر.
стр. 456
أسباب التكبر
والعجب سبب من أسباب التكبر، ولكنه ليس السبب الوحيد.
ومن ضمن أسباب التكبر الرياء، فقد يتطاول إنسان على من هو أعلم منه ويتكبر عليه في الملأ: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء:٣٨]؛ لأنه يريد أن يشار إليه بالأصابع، فهذا يرائي فيتكبر ويتطاول على من هو أفضل منه في الملأ، ولكنه إذا خلا بالمتكبر عليه ذل له واعترف له، فهذا رياء ممزوج بكبر.
السبب الثالث: الحقد، فهو الذي يهيج الكبر ويزيده طامة، وهو أن يحقد إنسان على إنسان غائب إنسان فلا يقبل منه أي نصح ويظن أنه خير منه.
السبب الرابع المهيج للكبر: الحسد: فمن حسد إنساناً لن يتقبل منه أي شيء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦]، فلو وعظه لا يقبل منه هذه الموعظة، فهذه أربعة أسباب مؤيدة للكبر.
والحقد والحسد والعجب تكون في صاحبها سواء خلا بالمتكبر عليه أو لم يخلُ به.
أما الرياء فهو كبر في مواجهة الناس، فإذا خلا به اعترف له بالذنب.
هذه أربعة أسباب مهيجة للكبر: عجب في النفس، ورياء للناس، وحقد، وحسد.
стр. 457
آيات قرآنية في ذم الكبر وأهله
والمولى ذم الكبر وأهله، فقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦].
فالمولى يحول بين آياته وكلماته وعجائبه في الكون وبين الظالمين أن يفهموها، مثلما يقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء:٤٥ - ٤٦].
ويقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
ويقول الله ﵎: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥].
ويقول الله ﵎: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، فالكبر خيبة في الدنيا والآخرة؛ فهو خيبة في الدنيا بأن يصرفهم الله عن فهم آياته في الكون، وخيبة في الآخرة لقول المصطفى ﷺ : (ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله رداءه، ورجل نازع الله كبريائه، ورجل اتخذ الأيمان بضاعة)، يعني: لا تعرف ماذا سينزل عليهم من المصائب؟ ويقول المصطفى ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان) يعني: شيخ بينه وبين القبر شبر، ثم يلجأ إلى الفاحشة، (وعائل مستكبر)، يعني: رجل فقير وعنده كبر، (ورجل اتخذ الأيمان بضاعة).
فخيبة الآخرة ألا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وأن يبشره بالعذاب وهو في دار الدنيا، ولا يحبه، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل:٢٣].
مر الحسين بن علي بجماعة من المساكين فقالوا له: إلينا يا أبا عبد الله؟! أي: عندهم كثرة من طعام، فقال: نعم: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل:٢٣]، ثم نزل وأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني، فقاموا معه، فقال لامرأته الرباب: إلي ما ادخرت، أي: هات الذي عندك كله من أنواع الأطعمة التي ادخرتها، فأطعمهم.
وطلب صبية معهم كسرة خبز مرة الحسن البصري أن يأكل معهم، فجلس وأكل معهم، ثم استحلفهم بالله أن يقوموا إلى بيته فأطعمهم أجود الأطعمة، ثم قال: لهم الفضل علينا؛ لأنهم جادوا بما يملكون ونحن ما جدنا إلا بأقل شيء مما نملك، لا يوجد عندهم إلا كسرة خبز جادوا بها، ولكن نحن عندنا بقية.
ومن الآيات القرآنية في ذم الكبر والمتكبرين: قول الله ﵎: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٢١].
ويقول الله ﵎ عن المتكبرين وعن مصيرهم عند الموت: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: يضربونهم على أدبارهم: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
ويقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩].
ويقول الله ﵎: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل:٢٢].
стр. 458
أنواع الكبر
стр. 459
التكبر على الله تعالى وعلى شرعه
وأنواع الكبر ثلاثة: كبر على الله، وكبر على رسل الله، وكبر على عباد الله.
النوع الأول: الكبر على الله: وهو أشد من الكفر كما قال ابن تيمية، فالكافر هو الرجل الذي يشرك مع الله غيره، أما المتكبر فلا يرضى بالله رباً، ولا إلهاً، وكثير من الكفار يرضى بالله رباً، ولكن لا يرضى به إلهاً يحكمه ويحتكم إلى أمره، فيعترفون بالربوبية، ولا يسلمون للألوهية.
والنمرود بن كنعان عندما تكبر على الله فقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، سلط الله عليه بعوضة سلبته حياته، فدخلت في أحد منخريه وتظل به حتى يضربونه بالنعال على أم رأسه، وطنين البعوضة في أنفه جعله لا يستريح إلا بضرب النعل على رأسه.
وفرعون لما تكبر وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص:٣٨]، نغص الله عليه حياته في الدنيا قبل الآخرة.
ولما قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فعندما افتخر بأنه أجرى النهر نغص الله عليه انتفاعه بهذا النهر، فكان لا يتناول قدحاً من الماء ليشربه إلا واستحال دماً عبيطاً، وما ملأ قدحاً من الماء إلا وامتلأ بالضفادع، وتدخل الضفادع الأفران لتأتي على طعامه أو لتمتزج بطعامه، والإنسان الذي يديم الغسل لا تجد عليه القمل، ومع ذلك فقد ابتلاه الله بالقمل مع أن معه ماء النهر، وهذه الآيات متصلة بالماء الذي افتخر به.
فالقمل، والدم، والضفادع كلها مرتبطة بجنس ما افتخر به، ثم لما عتا كان غرقه بجنس ما افتخر به.
وعندما كان يقول: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص:٣٨].
إذا بهذا الفم النجس يمتلئ طيناً نجساً، يقول سيدنا جبريل للمصطفى ﷺ : (لو رأيتني يا محمد وأنا أدس في فيه من حال البحر حتى لا تدركه رحمة الله تعالى)، وحال البحر الطين المنتن.
ويدخل في ضمن الكبر على الله ﵎، الكبر على شرع الله، وهو مثل التكبر على الله، ومن صور الكبر على شرع الله أنه لا يرضى بدليل نقلي من الكتاب أو من السنة ويستقذره، فإن قلت له مثلاً: هناك حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليخرجه)، يستقذر هذا الأمر، ولو قلت له: هناك سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ بلعق الإناء بثلاثة أصابع لكي يتبارك الطعام، لا يقبل هذا أيضاً ويستقذره، فهو لا يكتفي بالرد، بل ويستقذره أيضاً.
أو أنه يصادم النقل بالعقل فيقول مثلاً: هؤلاء الناس الذين نزل عليهم القرآن كانت عقولهم ساذجة بسيطة، ونحن أوتينا قسطاً من العقول باطلاعنا على المنطق والفلسفة فيصادم النقل بالعقل.
من أنت يا أرسطو ومن أفلاط قبلك يا مبلد ومن ابن سينا حين قرر ما هديت له وأرشد هل أنتم إلا الفراش رأى الشهاب وقد توقد فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد يقول الإمام الشافعي: ما فسد العرب إلا لما تركوا لسان الفطرة ومنطق القرآن واتبعوا لسان أرسطو طاليس، فكان بداية دمار العالم وضياع الدولة العباسية على يد المأمون.
وهناك أناس يتكبرون على الله ﵎ بالعقل، وهم أصحاب مدرسة الاعتزال أو المدرسة العقلية، فهنالك من يفسر الطير الأبابيل بالمكروبات والجراثيم، وهنالك من ينكر وجود الجن أو يأتي بهذه المدرسة العقلية التي تحسر العقل في الشرع.
وهناك من يتكبر على الله ﵎ بالذوق، فيقيس الدليل النقلي أمامه بالذوق، فيقول: ذوقي يمج هذا الدليل ولا يقبله، وإذا استمع إلى الأطلال فإنه يبكي وإذا استمع إلى آيات من كتاب الله ﵎ فإنه لا يبكي، ويقول: استفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك.
وموسيقارنا عبد الوهاب وكوكب شرقنا نبحت سنينا وذاك العندليب أخو الغراب أنتركه لدعوى الطاهرينا ورقص الشرق ذا فن تجلى وذاك الضيق عين الشاكرينا يقول عثمان بن عفان: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم.
فهنالك منن يفضل النقل على العقل، أو يفضل الذوق على النقل، أو يفضل السياسة على النقل، فإن تصادم دين الله ﵎ بالسياسة يقول: نحن أعلم، ولا نريد دولة كهنوتية ولا دولة دينية ولا نريد كذا، فنحن أعلم بالسياسية، وما شأنكم بالسياسة وأنتم لا تعلمون الكثير منها.
فهذه المعارضات الثلاث من صور الكبر على الله ﵎ وعلى شرع الله ﵎، ونقيضها التواضع.
والتواضع لشرع الله ﵎: ألا يقدم على النقل عقلاً ولا ذوقاً ولا سياسة، وأن يرضى بالدليل النقلي، وأن يسلم لهذا الدليل وكل إنسان يؤخذ منه ويرد إلا صاحب الروضة الشريفة.
فالمسلم يسلم للدليل عن رضا وعن اقتناع، وهذا معنى الرضا برسول الله رسولاً، وهو أن تسلم له حتى فقدان الحرج الظاهري والباطني، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 460
التكبر على رسل الله
النوع الثاني من التكبر: التكبر على رسل الله: يقول الله ﵎ حاكياً على لسان هؤلاء المتكبرين: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]، فالكفار المتكبرون قالوا: لولا نُزِّل هذا القرآن على عروة بن مسعود الثقفي أو على الوليد بن المغيرة فإنهما سيدا القريتين: مكة والطائف.
فنظروا إلى رسول الله ﷺ أنه يتيم أبي طالب، ولم ينظروا إليه بميزان النبوة، ونظروا إليه بأنه من البشر، يقول الله ﵎: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم:١٠] فالرسول ﷺ من البشر، ولكنه زاد عليكم بالوحي وبالإيمان بالله ﵎.
ومن المتكبرين من يقول: نحن نعترف ببشرية الرسول، وطالما أنه بشر فيؤخذ من قوله ويرد.
فرسول الله ﷺ كان همزة الوصل ما بين السماء والأرض، وتحمل عقله وقلبه ما تندك منه الجبال الرواسي؛ لقول الله ﵎: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]، وقال الله تبارك تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٢١]، أي: قالوا: لا نريد بشراً يكون مثلنا، نريد أناساً يكونون أنظف قليلاً، هاتوا لنا ملائكة، نحن لا نستطيع أن نتعامل إلا مع الملائكة.
ولذلك تقول السيدة عائشة للرسول ﷺ : (هل مر عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال).
وكانوا ثلاثة، فقال له رجل منهم: أما وجد الله من يرسله غيرك؟ وقال الآخر: علي كسوة الكعبة إن كان الله قد أرسلك.
وقال الثالث: أنا لا أكلمك، فإن كنت صادقاً فأنت أجل من أن أكلمك، وإن كنت كاذباً فأنا أجل من أن أكلمك.
يعني: إذا أنت أعلى منا درجة فلا تنزل إلى مستوانا! بل ابحث لك عن أنبياء أو ملائكة -وهذا نوع من السخرية، ونوع من الاستهزاء برسل الله ﵎ وإن كنت كاذباً فنحن خير منك ولا نكلم الكاذبين، وهذا نوع من التطاول على رسل الله ﵎.
следующие страницы →