← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

موجبات المحبة إن أعظم وأجل ما يتمناه أولياء الله هو الظفر بمحبة الله، فهي سعادة العبد وأمانه عند هول المطلع، ولذا من أراد أن يلحق بركب المتنافسين فعليه بمعرفة الأسباب الجالبة لمحبة الله ، وتطبيقها والعمل بها، فإنها كافية لنيل مرضاة الله، والفوز بمحبته.

стр. 597

أهمية المحبة في كتاب الله وسنة رسوله إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. والمحبة لله هي المنزلة التي فيها يتنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وبروح نسيمها تروح العابدون، وعليها تفانى المحبون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، هي الحياة والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، ولقد قضى الله بمشيئته وحكمه أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة سابغة على المحبين أنهم مع الله في دار الدنيا بحفظه وكلئه ومعيته، ومع الله في دار الآخرة في جواره وفي فردوسه. قال سمنون المحب: ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة. وعن أنس ﵁ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: والله يا رسول الله! ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له النبي ﷺ : أنت مع من أحببت)، قال سيدنا أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحنا بشيء أشد من فرحنا بقول رسول الله ﷺ . وفي حديث اختصام الملأ الأعلى من رواية معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن حلة، فقال: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: لا أدري أي رب، قال: فوضع يده بين منكبي حتى أحسست ببردها بين ثديي، فقال: الكفارات، والدرجات، والكفارات: نقل الخطا إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في المكاره، فقال له الله : صدقت يا محمد! من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ثم قال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك، قال النبي ﷺ : إنهن حق، فتعلموهن، وادرسوهن). (إنهن حق) أي هذه الوصايا.

стр. 598

الأسباب الجالبة لمحبة الله تكلمنا قبل ذلك أن الله أهل لأن يحب؛ لأن له جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، ولنعمه وآلائه الواصلة إلى الإنسان آناء الليل وأطراف النهار، ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن القيم في الأسباب الموجبة أو الجالبة لمحبة الله ، كل الناس يقولون: إنا نحب الله ، وحتى لا يدعي الخلي حرقة الشجي، جعلت علامات للمحبة، شأن عظيم أن تحب مولاك، وأعظم منه أن يحبك الله ! ليس شأناً عظيماً أن تحِب، إنما الشأن أن تُحَب. فما هي الأسباب الجالبة للمحبة؟ العلامة شيخ الإسلام ابن القيم ذكر منها عشرة أسباب، وذكر غيره من أهل العلم خمسة وثلاثين سبباً موصلة إلى حب الله لك. قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).

стр. 599

قراءة القرآن مع التدبر والفهم السبب الأول الجالب للمحبة: قراءة القرآن بالتدبر لمعانيه، والتفهم لمقاصد كلام الله ، قال رسول الله ﷺ : (من سره أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف)، صححه الألباني. وقال الحسن البصري: رحم الله أقواماً قرءوا القرآن على أنه رسائل من الله إليهم، فقدروا قدر الرسائل، وقدروا قدر المرسل، قرءوا القرآن على أنه رسائل من الله نازلة إليهم في التو، فالقرآن أحدث الكتب نزولاً من عند ربنا، قد كان الرسول ﷺ يتلقى المطر بثوبه، ولما سئل عن ذلك قال: (إنه حديث عهد بربه) فما ظنك بالقرآن! يقول الرسول ﷺ : (من سره أن يستمع القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليستمعه من ابن أم عبد) سيدنا عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن على أنه رسائل من الله إليه، فيتفاعل مع القرآن، وينزل القرآن على واقع عصره لا يغيره عن عصره، ويداوي به أدواء قلبه من الشهوات والشبهات. وهذا أحمد بن أبي الحواري تلميذ الإمام أحمد وهو المسمى بريحانة الشام يقول: إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا! يقول رسول الله ﷺ : (من علم آية من كتاب الله فله ثوابها ما تليت). يقول رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). (إن الله يرفع بهذا الكلام أقواماً ويضع به آخرين). يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: (اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية كنت تقرؤها). يقول رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له به أجران). ويقول ﷺ : (عليك بالجهاد والقرآن؛ إنه ذكرك في الأرض، وروحك في السماء). ويقول سيدنا عثمان بن عفان: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم. ويقول خباب بن الأرت: يا هنتاه! تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه فهماً تذل له الرقاب وتخضع قال ابن الصلاح فيما رواه السيوطي في الإتقان: وتلاوة كلام الله كرامة اختص الله بها البشر دون الملائكة، فإنهم لا يتلونه، ولكنهم يستمعون إليه من البشر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] العجب من قول الله : (اذكروني)! من نحن حتى يأذن الله ويسمح بكرمه ومنه وفضله أن تتلى آياته بألسنتنا الخطاءة الجافية التي تخوض في الباطل؟! هذه نعمة كبيرة من الله ، فكيف إذا ذكرك الله ؟! يا كسول! يا جهول! لو سمعت صريف الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند ذكرك لمولاك لمت شوقاً إلى مولاك! ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] قال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. وقال الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١] آيات منزلة من فوق العرش، الأرض منها سماء، وهي منها كواكب، إذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، وإذا هدرت فأمواج البحار الزاخرة، فلم الإعراض عن القرآن؟ لم أترك القرآن تلاوةً وتدبراً وتحاكماً إليه؟ عجت فروج الناس ثم حقوقهم لله بالبكرات والآصال كم تستباح بكل شرع باطل لا يرتضيه ربنا المتعال والكل في قعر الجحيم سوى الذي يقضي بحكم الله لا لنوال أو ما سمعت بأن ثلثيهم غداً في النار في ذاك الزمان الخالي وزماننا هذا وربك أعلم هل فيه ذاك الثلث أو هو خالي هذه الأيام هي أيام القرآن، هذه الأيام خير أيام الدنيا، كما جاء في حديث جابر عن الرسول ﷺ : (أفضل أيام الدنيا أيام العشر)، هذه الأيام يجوز فيها ختم القرآن في يوم وليلة، كما قال ابن رجب الحنبلي، وعلى هذا جمهور أهل العلم، فأين أنت من القرآن؛ من تعليمه لزوجتك وأطفالك؟ ومن حفظك إياه؟ لو حفظ كل إنسان فينا آيتين عند الفجر، وآيتين عند الظهر، وآيتين عند العصر، والمغرب والعشاء، وقام بهن الليل حتى من المصحف يرددهن فإنه سيحفظ القرآن ولا ينساه، يحفظ القرآن في عشر آيات يومية مقسمة على خمسة أوقات، يحفظ القرآن في مدة سنتين، فأين نحن من كلام الله ؟!

стр. 600

أداء النوافل والمحافظة عليها السبب الثاني: أداء النوافل بعد الفرائض، فإنها ترفعك من مقام المحب إلى مقام المحبوب، كما قال الله ﵎: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، ولا يعقل أن يقوم شخص الليل ثم ينام عن صلاة الفجر! إن النوافل جاءت لجبر الفرائض، ورفعة الدرجات، وحال الإنسان الذي لا يهتم بالفرائض ويهتم بالنوافل كحال رجل عليه وحل يقول لك: ضع علي مسكاً، أنت بحاجة إلى أن تغتسل ببرميل ماء، حتى ينزل الوحل الذي عليك، ثم بعد ذلك يطيبونك بالمسك! فلا تنفع النوافل إلا بعد الفرائض، فتأتي بالفرائض كاملة ثم تأتي بنوافل الصلاة والصيام والصدقات والحج والعمرة، نوافل الصلاة كالسنن الرواتب أو التطوع المطلق أو التطوع المقيد، تصلي اثنتي عشرة ركعة يبني الله لك بها بيتاً في الجنة. ثم التطوعات كصلاة الضحى التي لا يحافظ عليها إلا أواب، والتطوع المطلق كقيام الليل والمحافظة على الوتر، قال الإمام أحمد: من واظب على ترك الوتر فهو سفيه ترد شهادته. فكيف بالذي لا يصلي الفجر ولا الظهر ولا العصر؟! من واظب على ترك الوتر فهو سفيه ترد شهادته. هناك أيضاً سنن وتطوعات في الصيام كصيام الإثنين والخميس، وصيام يوم عرفة وصيام عاشوراء وتاسوعاء، وصيام الثلاثة الأيام البيض، وهناك تطوع مطلق بعد ذلك كما قال أهل العلم، كصيام يوم في الشهر أو يومين أو ثلاثة أيام من أول الشهر، أو يوم كل عشرة أيام، أو السبت والأحد والإثنين من شهر، كما كانت تفعل السيدة عائشة، والثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر. صيام أربعة أيام، يوم خمسة وسبعة وتسعة وعشرة وأحد عشر، كل هذا ثابت، كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة وسنن أبي داود، وكذلك صيام يوم وإفطار يوم أو صيام يوم وإفطار يومين. ثم صدقة التطوع بعد الزكاة، كما قال النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة) إذا أردت أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك، فامسح رأس اليتيم، وادنه منك وأطعمه من طعامك، واسقه من شرابك، وكما قال النبي ﷺ : (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله). كذلك أن يتطوع الإنسان بجاهه فيخدم المسلمين، كما قال النبي ﷺ : (خير الناس عند الله أنفعهم للناس)، قد لا يكون عندك المال، ولكن جاهك قد ينفع بعض المسنين: (اشفعوا تؤجروا) كما قال النبي ﷺ . كذلك التطوع بما هو خير من المال، وهو تعليمك الناس لكتاب الله ، وتعليمك للقرآن، وتعليمك الناس العلوم الشرعية النافعة، وما يفيدهم في دينهم ودنياهم، فهذا تطوع بالإنفاق، ثم بعد ذلك التطوع بالحج والعمرة وغيرها من النوافل. فالحرص على أداء النوافل بعد الفرائض يوصلك إلى درجات من القرب لا يعلمها إلا الله ، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً) وسكت، وما بعد الباع لم يذكرها النبي ﷺ ، فهي درجات من القرب لا يستوعبها العقل، كما قال الإمام ابن القيم ﵀: خلِّ الهوى لأناس يعرفون به قد كابدوا الحب حتى لان جانبه ويقول المولى : (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، ومن أتاه هرولة ماذا يكون الجزاء؟ درجات من القرب لا يحيط بها العبد، من تقرب إلي بالجوارح (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها). فمن تقرب إلي بكليته بروحه بقلبه بكل ما عنده ماذا يكون الجزاء؟ يقول الشاعر: ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب عند نزوله فهذا القرب لا تحيط به العقول، والله فوق عرشه، وهو قريب من محبيه: (إن لله أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته).

стр. 601

المحافظة على ذكر الله في الدوام السبب الثالث: دوام ذكرك لله على كل حال، باللسان والقلب والعمل والحال، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]، والذاكرون لله كثيراً دعاؤهم مجاب بنص الحديث الذي حسنه الألباني. وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] عنترة كان يذكر عبلة -وهو صعلوك- في المعارك عند صليل السيوف، فما ظنك بمن يحب مولاه، الذي هو عنصر الجمال؟! إذا كان حب الهائمين من الورى بليلى وسعدى يسلب اللب والعقلا فماذا عساه يصنع الهائم الذي ترى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه، وقد قال النبي ﷺ فيما حسنه الألباني: (أكثر من ذكر الله حتى يقال إنك مجنون) لن تجد شخصاً يقول لك: إنك أنت مجنون، ستجد شخصاً يقول مثلاً: مجنون لعبة الكرة مجنون الممثلين مجنون المغنين لكن لا يوجد أحد يقال عنه: إنه مجنون بذكر الله؛ لأنه كلما زدت من حب الله أفقت من غيبوبتك. كما قال عتبة الغلام: من عرف الله أحبه، ومن أحبه أكرمه، ومن أكرمه أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه وطوباه وطوباه! فما زال يقول: يا طوباه! حتى غشي عليه. قال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب، فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال، فكيف حبه؟! حبه يدهش العقول، فكيف وده؟ ووده ينسي ما دونه فكيف لطفه؟! هذا لا يكون إلا لله . كل محبوب سوى الله سرف وهموم وغموم وأسف كل محبوب منه لي خلف ما خلا الله مالي منه خلف كل إنسان يحب الصالحين ليكسب منهم، أما الله فإنه يحبك لتكسب أنت منه: (ابن آدم خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا خير لك من كل شيء). يقول ﷺ : (أكثر من ذكر الله حتى يقال: إنك مجنون). العلماء اختلفوا هل يشرع الجهر بالتكبير في هذه الأيام؟ لحديث سيدنا رسول الله ﷺ : (فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير) قال ابن رجب: أنكره طائفة، واستحبه أحمد والشافعي، ولكن الإمام الشافعي قيده برؤية بهيمة الأنعام، والإمام أحمد استحبه على الإطلاق. وذكر الإمام البخاري أن أبا هريرة وابن عمر كانا يدخلان السوق فيكبران فيكبر الناس لتكبيرهما. وروى الفريابي في كتاب العيدين: أن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد كانوا يدخلون السوق فيكبرون، لا يدخلون إلا لذلك، تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، تعلن الدينونة في هذه الأيام لله ، كدينونة الشجر والجماد، ما من ملب يلبي إلا ولبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مطر، حتى تنقطع الأرض يميناً وشمالاً. قال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله، طلبة العلم نقول لهم: سيدنا الإمام أبو هريرة كانت له اثنتا عشرة ألف تسبيحة بعد صلاة الفجر، قيل: كل يوم يقول: إنما أسبح بقدر ذنبي. خطرات ذكري تستشير مودتي وأحس منها في القلوب دبيبا لا عضو لي إلا وفيه صبابة فكأن أعضائي خلقن قلوبا يا من يذكرني بعهد أحبتي طاب الحديث بذكرهم ويطيب أعد الحديث علي من جنباته إن الحديث عن الحبيب حبيب ملأ الضلوع وفاض عن جنباتها قلب إذا ذكر الحبيب يذوب ما زال يخفق ضارباً بجناحه يا ليت شعري هل تطير قلوب

стр. 602

إيثار محاب الله على محابك السبب الرابع: إيثار محاب الله على محابك عند غلبات الهوى، والتسلم إلى مراقيه وإن صعب المرتقى إلى محابه: إذا عرض لك أمران أمر فيه محبة لله ، وأمر فيه حظ نفسك، فابدأ بحق الله أولاً، كما قال المحاسبي: البصير الصادق لا يبالي ولو خرجت كل محبة له من قلوب الخلق في سبيل أن يصلح ما بينه وبين مولاه قيد أنملة. انظر إلى الناس فامقتهم كلهم في جنب الله ، ثم انظر إلى نفسك تكون أشد مقتاً لها، راع حق الله ، انظر إلى خليل الرحمن إبراهيم يرزق الولد على الكبر، فتتعلق شعبة من قلبه بحب ابنه، وهذا شيء جبلي وفطري وغريزي، والله يغار على قلب خليله، وهذه للخليل ليست لغيره، والله يغار على قلب خليله أن يسكن إلى غيره، فأمره بذبح الغلام. فلما تحقق صدق عزمه وهم بذبح الغلام حصل المقصود، وطرد المزاحم من قلب الخليل! فأقر الله عينه بولده مثلما قرت عينه بالله ، سيدنا إبراهيم يأتي برضيعه وبزوجه إلى جبال فاران موضع مكة الآن، تقول له زوجته: يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ يقول لها: نعم، تقول: إذاً فلن يضيعنا، كلمات يعجز عنها كل من في الدنيا وقد قالتها امرأة مصرية! الذين يريدون أن يفتخروا بصعاليك الفراعنة نقول لهم: افتخروا بـ أم إسماعيل، هي الطهر كل الطهر، خطواتها جعلها الله ركناً من أركان الحج، هذا ما أورثتكموه أم إسماعيل بصدقها، الخطوات التي مشتها بين الصفا والمروة والهرولة جعلها الله ركناً من أركان الحج لا ينعقد الحج إلا به، بصدق المرأة. فما ظنك بالرجال! سيدنا إبراهيم لم يتلكأ، ولم يضطرب، والله يأمره بترك ولده الرضيع، وبترك زوجه، أنت الآن عندك ثلاجة اثنا عشر قدماً، وتضع فيها لحمة في الفريزر قدر جمل، ولا تقنع بهذا! عندك أكلك وشربك وفي نعمة مرتاح فيها، أما أنت يا هاجر في مكة بين الهجير والحر، إلى من وكلكما إبراهيم؟ إلى الله، وكلكما إلى خير كافل، لا تخشي الضيعة إن الله لا يضيع أهله. يأمره الله بذبح ولده في رؤيا منامية، ورؤيا الأنبياء حق ووحي، ولم يتلكأ ولم يضطرب، ويأمره بأن يباشر هو بنفسه عملية الذبح، وهذا مشهد عظيم لم يتكرر ولن يتكرر، منارة عالية من منارات الإيمان والتضحية والتسليم لأمر الله ، جعلت من يوم النحر أعظم يوم عند الله ، أعظم أيام الدنيا، يأمره الله بذبح ولده، فيباشر ويهم ببدء عملية الذبح. ولكن يريد أن يرفع ابنه إلى درجة الإيمان وحلاوته حتى يتذوقه، فقال له: يا بني! إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟! ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. الشيخ سيد قطب ﵀ يقول: قد يندفع المجاهد في المعركة ليخفي جبنه وهلعه وخوفه؛ لأنه لو قعد وفكر قليلاً فيمكن أن ينكص على عقبيه، فلم يكن الأمر عند سيدنا إبراهيم اندفاعاً من أجل أن يخلص من الضغط النفسي بذبح ابنه، هذا يريد أن يكون على طمأنينة وتريث، يريد أن يذوق جمال التسليم لأمر الله ، هو وابنه. فما كل عين في الحبيب قريرة فدينك عرضك، دينك لحمك، دينك دمك، إن كان هذا الكلام كبيراً علي وعليك، فيبقى مقالة أبي حازم الأعرج حيث قال: قد رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، إن الرجل إذا اتسع خرق نعله قام ليصلحه. نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع العلامة ابن القيم يقول: إيثار الله على غيره، وهذا مقام كان الأوحد فيه رسول الله ﷺ ، آثر الله، وآثر محاب الله على من سواه.

стр. 603

مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته السبب الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته: قال العلامة ابن القيم: وهذا أشرف أنواع العلوم وأجلها على الإطلاق، تدبرك ومعرفتك، والمعرفة أخص من العلم؛ لأنها إدراك العلم بعد تفكر وتدبر، المعرفة يا إخوة فعل القلب، روى الإمام البخاري أن الرسول ﷺ قال: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) قال: المعرفة فعل القلب، فرق بين المعرفة والعلم، إنها علم مقرون بعمل. تدبر أن لك رباً استوى على العرش يدبر أمر الممالك، يأمر وينهى، يعز ويذل، يداول الأيام بين الناس، يقلب الليل والنهار، له الملك كله، وله الحمد كله، وإليه يرجع الأمر كله، قلوب العباد إليه مفضية، والغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم ما كان وما هو كائن، وما لم يكن لو كان كيف يكون، هو أحق من حمد، وأولى من شكر، وأرأف من ملك، وأعز من استنصر، ينادى على باب عزته، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويصاح على محجة حجته: ﴿لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤] ينزل جاسوس علمه ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] يترنم وينشد بفضله ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. وباب الأسماء والصفات سيدنا الشيخ فوزي بحر، له خطب كثيرة في هذا الباب. ثم بعد ذلك مطالعة ومشاهدة نعم الله وبره وآلائه وإحسانه، فمن رحمة الله أن الإسلام لا يشترى، يعني: لو كان الإسلام يشترى مثل الشقق، فلن يحصل عليه كثير من الناس، يعني: لو ثبت أن الإسلام يشترى بعشرين ألف جنيه، لكان كثير من الناس سيفوتهم الإسلام. ولو سوينا مسابقة في العقول، والذي يبقى له نسبة (٦٠%) يكون مسلماً، لكان هناك أناس كثيرون سيفوتهم، لأنهم لا يفهمون النصوص والأحكام. رجاء الجارودي يبحث عن الإسلام مدة سبعين سنة، ولما دخل الإسلام دخل من باب وحدة الأديان، وأنت -ولله الحمد- تموت على ما ماتت عليه عجائز نيسابور، رحمة من الله ﵎ أن أرسل إليك رسوله، فالله أخبر بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، وأنزل إليك كتابه، وأعطاك مئونة السفر إلى الجنة، وأعطاك سمعاً وبصراً وفؤاداً، وطرد إبليس من جنته إذ لم يسجد لأبيك وأنت في صلبه: كم عدو حط منك للذنب فرقاك؟ كم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك؟ كم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك؟ أعطاك أيتها النفس ما لم تأملي، وبلغك ما لم تطلبي. كل هذا من نعم الله ، غير النعم الموجودة في الكون من تسخير الكائنات والحيوانات، فإنه سخر الإبل حيث إن الطفل الصغير يذهب بالجمل إلى المزارع ثم يعود به، ولكن لم يسخر لك الثعبان فلا تستطيع أن تلمسه، ولم يسخر لك الذئب فلا تستطيع أن تأتي بالذئب وتدخله بيتك مثل الجمل. هذه من نعم الله ﵎، وهي نعم كثيرة يعطيها لك الله ﵎، يقيم الصالحين من عباده وأنبيائه يستغفرون لك وأنت لم تخلق بعد، سيدنا إبراهيم يدعو لك، وسيدنا نوح يدعو لك، حيث قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨]. سيدنا رسول الله يدعو لك، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] من أنت؟! ما قدرك؟! أنت إذا بعدت عن طريق الله لا تساوي حشرة في ملك الله، فالنحلة أعلم بما يخرج من بطنها، وأنت أعلم بما يخرج من بطنك. فما الذي بعد ذلك إلا انكسار القلب وذله بين يدي الله وإخبات القلب على عتبة العبودية، أن تفنى عن حقك وعن قدرك، أن تنظر إلى نفسك بعين النقص وإلى مولاك بعين الكمال، تقول لله : أسألك بغناك عني وفقري إليك، أسألك بعزك وذلي، إلا رحمتني، هذه ناصية خاطئة كاذبة بين يديك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل. ترى أن ما حباك الله ﵎ إنما هو محض منة وفضل منه ، وأنك بالله لا بنفسك: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١].

стр. 604

الخلوة بالله في أوقات الإجابة السبب السادس: الخلوة بالله في وقت تنزل الله، وقيام الليل بين يدي الله ، والتأدب بمناجاته: إنما قالوا التهجد فيه أسرار عجيبة في فؤاد المتعبد طعم أذواق غريبة وإذا طال التسجد هبت الريح الرطيبة وأذان من بلال ادخلوها آمنين فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعين قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس). هذا الإمام الأوزاعي دخلت إحدى الجارات في بيته في الصباح فوجدت بللاً في مصلاه، فعاتبت زوجته فقالت لها: ثكلتك أمك تركت الصبيان حتى بالوا في مصلى الشيخ! قالت: ما هذا بول الصبيان، إنما هذا من أثر دموع الشيخ وهو يبكي في الليل. قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم).

стр. 605

مجالسة المحبين الصادقين السبب السابع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم: فهذا دواء من أدوية القلب، كما قال إبراهيم الخواص، وإذا كان مجرد أنك تعرف كتبهم وهم موتى فيحيي الله قلبك -ومن ذلك عندما تقرأ كلام الإمام ابن القيم أو ابن رجب أو ابن الجوزي أو غيرهم- فما ظنك برؤية وجوههم. يقول ﷺ : (أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى برؤيتهم) حسنه الألباني. الصالحون عندما تقعد معهم تتأدب بآدابهم، وإن شيخك من حدثك بلحظه قبل أن يحدث بلفظه، ومن لم ينتفع بسمت العالم لا ينتفع بعلمه. يقول الإمام ابن المبارك: طلبنا الأدب عندما فاتنا المؤدبون. فلا بد من الجلوس مع المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم.

стр. 606

قطع كل سبب يحول بينك وبين الله السبب الثامن: مباعدة كل سبب يحول بينك وبين الله ، وقطع جميع العلائق والعوائق: أيُّ شيء يقطعك عن الله فاقطعه، وكذلك أي شخص يضيع عليك وقتك وعمرك. احذر الفوت في هذه الدنيا وضياع الوقت، فإن الفوت أشد من الموت، فإن الموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، أما الفوت فإنه يقطعك عن الله والدار الآخرة؛ ولذلك جاء أناس إلى معروف الكرخي فأطالوا عنده الجلوس، فقال: إن ملك الشمس يسوقها فما تريدون القيام؟ وكان داود الطائي يسف خبزه سفاً ويقول: بين السف والمضغ خمسون تسبيحة. قاطع الطريق من الدنيا يقطع جيبك، أما قاطع الطريق إلى الله وإلى الدار الآخرة فإنه يقطع ما بينك وبين الله ، فإياك وأهل الغفلات! اصحب من يحملك في سيرك إلى الله ، لا من تحمله، كما يقول العلامة ابن القيم: ولا تتخذ في السير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

стр. 607

الزهد في الدنيا السبب التاسع: الزهد في الدنيا: جاء في حديث سهل بن سعد الذي رواه الإمام البيهقي والطبراني أن الرسول ﷺ قال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). لو طلبت الدنيا بأسرها فهي حقيرة، كأنك تركت شيئاً أقل من جناح البعوضة، وأشد الزهد في الدنيا قصر الأمل، وزهدك في نفسك وفي الرئاسة، إن الرجل قد يزهد في المال والطعام، ولكنه لا يزهد في الجاه ولا في الرئاسة. الدنيا حقيرة، ووحل مستنقع آسن، حياة تليق بالديدان والحشرات والهوام والزواحف والسباع، حياة لا تليق بمن شبوا عن الطوق، الحياة الدنيا لعب، الذي يريد السباق والغلاب وطلاب الآخرة فأمامه أفق عريض، وغاية تستحق الغلاب، وهو ما عند الله ، أما الدنيا فهي أسيفة فلا تركنوا إليها.

стр. 608

الإخلاص والصدق مع الله والإحسان والمراقبة والرفق والرحمة السبب العاشر: الإخلاص: قال الرسول ﷺ : (إن الله يحب العبد الغني التقي الخفي)، لابد أن يكون للعبد خبء من عمل صالح بينه وبين الله لا يطلع عليه أحد. السبب الحادي عشر: الصدق؛ فقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. سئل الإمام أحمد عن الصدق والإخلاص فقال: بهذا ارتفع القوم. السبب الثاني عشر: الإحسان، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] فمن أحب الله فعله أحب ذاته، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الأسباب الثالث عشر إلى الخامس عشر: المراقبة لله ﵎، والرفق والرحمة: إن الله رفيق يحب أهل الرفق، فهذا حديث صحيح، قال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب الرفق في الأمر كله). وقال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وقال: (إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء). ولا بد أن تكون عالي الهمة، قال الرسول ﷺ : (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها). لا تقل لي: نادي الأهلي عمل في تونس كذا أو عمل في أدغال أفريقيا، أين الناس المجانين الذين يركبون السيارات الصفراء أو الحمراء، ومعهم أعلام حمراء وبيضاء، ويشغلون (الكوتشات) في الشارع؟! يا سبحان الله! هؤلاء حجروا على عقولهم والله، وبعضهم يصرف في شريط أغان سبعة جنيهات، شريط أغان كلها تافهة! اسمها: من سرق العمود! يأتيني شخص يبيع الشريط بسبعة جنيهات، والناس يسبونه كيف تستمع إلى شريط مثل هذا وفيه مزامير، فأين أنت من مزامير القرآن؟

стр. 609

حسن الخلق والجود والكرم السبب السادس عشر: حسن الخلق: إن الله يحب معالي الأخلاق وأشرافها، ويكره سفسافها، وأثقل شيء في الميزان حسن الخلق، كما قال سيدنا الرسول ﷺ . السبب السابع عشر: الجود والكرم: يقول ﷺ : (إن الله جواد يحب الجودة، وكريم يحب الكرماء). وفي هذه الأيام تجد اليتامى والمساكين والفقراء محتاجين إلى الطعام إلى اللحم فماذا ستؤكلونهم أنتم؟! وهذا المسجد ولله الحمد يعطي الفقراء واليتامى والمساكين، فساعدوا أهل هذا المسجد، أعط على الأقل خروفاً، أنزل اليتامى هؤلاء منزلة ابنك بعد أن فقدوا العائل، ولا تدري ما يصنع الله في الأيام! فحاول بقدر الإمكان أن تنفق عشرة جنيهات عشرين جنيهاً ثلاثين جنيهاً، فإنها تصل إلى أيد أمينة، وستذهب إلى أهلها: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وقال الرسول ﷺ : (أحب الأعمال سرور تدخله على مسلم، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً)، وفي رواية: (أو تطعمه خبزاً).

стр. 610

المتابعة السبب الثامن عشر: المتابعة لرسول الله ﷺ : قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. فالمتابعة تعطيك صفة المحب لله ، وهي متابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله، والعبد يسير بين هجرتين، هجرة إلى الله ، وهجرة إلى رسوله ﷺ : (وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في).

стр. 611

التواضع والحياء السبب التاسع عشر: التواضع: قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]. السبب العشرون: الحياء: (إن الله حيي ستير يحب أهل الحياء).

стр. 612

حب صحابة رسول الله السبب الحادي والعشرون: حب الأنصار وحب صحابة رسول الله: كما قال النبي ﷺ : (من أحب حسيناً أحبه الله). (يعجب ربك من شاب ليس له صبوة)، يعني: يترك شهواته ويوقف روحه لله ﵎. وأيضاً ورد في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، والدعوة إلى الله طهارة كاملة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]. الداعية يحتاج إلى كمية كبيرة من الطهارة؛ حتى يغوص في الوحل لينقذ من تنجسوا بدون أن يصيبه رذاذ من النجاسة، فعندما يخالط الملوثين بدون أن يتلوث، فإنه يحتاج إلى طهارة كاملة، طهارة حسية وطهارة معنوية: (إن الله جميل يحب الجمال). والله ﵎ يحب المتوكلين، والله ﵎ يحب التوابين، والله ﵎ يحب المتقين، والله ﵎ يحب الذين يجاهدون في سبيله صفاً كأنهم بينان مرصوص، والله ﵎ يحب من يصبر على أذى جاره، حتى يفرق بينهما طعن أو موت، فهذه أسباب -ذكرناها ليست على التفصيل- جالبة لحب الله ﵎ إياك. سئل الجنيد عن المحبة فقال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفا شربه من كأس وده، إن تكلم فعن الله، وإن سكت فمع الله، وهو لله وبالله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا سيد العارفين. هناك كتاب قيم لسيدنا الدكتور السيد العربي، فيه كلمات البخاري في العقيدة، فاحرصوا على اقتناء هذا الكتاب، ولقد رخص حتى يشتريه الجميع، فأقبلوا عليه. اللهم ارزقنا حبك، وحب من أحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم وما رزقتنا مما نحب فاجعله قوة لنا فيما تحب، اللهم وما زويت عنا مما نحب فاجعله لنا فيما تحب، اللهم أحي قلوبنا بحبك، واجعل سعينا كله خالصاً لوجهك الكريم، رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين، مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم اجعلنا جنداً لدينك، اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عليك، بغض إلينا سعة أكلنا وشربنا ونومنا، وارزقنا سهراً في طاعتك، واكفنا من النوم باليسير، اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، وحظ النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، عرفنا وجه نبينا في رضوانك والجنة، واحشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا مبدلين ولا شاكين، ولا مفتونين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 613

هل ذقت طعم الإيمان الحياة في ظل الإيمان نعمة لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها وطعمها؛ إذ إنه أفضل الأعمال المقربة من الله ، ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، وقام سوق الجنة والنار، وبه تتفاضل الأعمال عند الله . ولحلاوة الإيمان أسباب تجلبها وتقويها، وهي سهلة يسيرة لمن أرادها بصدق وإخلاص.

стр. 614

للإيمان نور وحلاوة وطعم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: الإيمان جمال الدنيا ودنيا الجمال، نور الطريق وطريق النور، وحياة الروح وعالم الأسرار. يقول النبي ﷺ : (اللهم زينا بزينة الإيمان). للإيمان زينة ونور وحلاوة وطعم، لذا هناك نداء للإيمان، وله تبوء وكتابة، وله زيادة ونقصان ومجالس ومواكب، وقد عبر النبي ﷺ عن كمال الإيمان وحقيقته مرة بالحلاوة، ومرة بالطعم، ومرة بالطعام والشراب. فللإيمان حلاوة تباشرها القلوب أشد من مباشرة الألسن لطعم الحلاوة الحسية، فإن لمذاقه حلاوة تحس بها القلوب والأرواح. يقول إبراهيم بن أدهم: مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها، لذة الأنس بالله . ويقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف. وقال الإمام ابن القيم من قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن اشتاق إلى الله اشتاقت إليه جميع الأشياء، ومن سر بخدمته لله سرت الأشياء بخدمته، ومن طابت نفسه بالله طابت به كل نفس وآنس به كل مستوحش وطاب به كل خبيث. والنبي ﷺ عبر عن حقيقة الإيمان بالحلاوة كما في حديث أنس الذي قال فيه: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان). وقال النبي ﷺ : (وجد طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً). ولما نهى النبي ﷺ الصحابة عن الوصال قالوا (إنك تواصل يا رسول الله! قال: إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني). وليس هذا الطعام والشراب حسياً وإلا لبطل صومه.

стр. 615

قيمة الإنسان عند الماديين إن الماديين وضعوا من قدر الإنسان حين رفع الإسلام من كرامته، فقد قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فالعصنر البشري -أصلاً- مقرب عند الله ، أما ملاحدة الغرب فيقولون: لا فرق بيننا وبين أدنى حشرة، بل إنهم يقيسون الإنسان بالنظرية المادية البحتة. وأحد علماء المسلمين يقول: إن أحد العلماء الماديين قاس قيمة العناصر الموجودة في جسم الإنسان فوجدها لا تزيد عن (٦٠ أو ٧٠) قرشاً، ففي جسم الإنسان -مثلاً- من الدهن ما يكفي لصنع ٧ قطع من الصابون فقط، وفيه من الكربون ما يكفي لصنع سبعة أقلام من الرصاص، وفيه من الفسفور ما يكفي لصنع ١٢٠ رأس عود ثقاب، -يعني: علبة كبريت- وفيه من ملح الماغنيسيوم ما يكفي لجرعة واحدة من المسهلات. أما الجير الموجود في جسم الإنسان فقدره يكفي فقط لتبييض حجرة دجاج -يعني: عش فراخ- وفيه من الكبريت ما يطهر جلد كلب واحد من البراغيث، وفيه من الماء سعة عشرة جالونات، فإذا جمع كل هذا فلا يزيد عن جنيه واحد. إذاً: الإنسان عندهم يساوي جنيهاً، مع أن الله قد أسجد الملائكة لأبيهم آدم وهم في صلبه، وحملة العرش يستغفرون له. وقل للذي قد غاب يبكي عقوبة مغيبك عند الشأن لو كنت واعياً

стр. 616

الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان وأما الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان فنعدها أولاً، ثم بعد ذلك نشرح بعضاً منها: فحديث سيدنا أنس، فيه ثلاثة أسباب، يقول رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). والحديث الثاني يشمل أيضاً ثلاثة، يقول ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً). فهذه ثلاثة أخرى يكتمل بها العدد ستة. ثم الحديث الذي رواه الإمام الطبراني وصححه الشيخ الألباني يقول: (ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن طعم الإيمان: من عبد الله وحده وعلم أن لا إله إلا هو، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرطة ولا اللئيمة، ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره، وزكى نفسه، فقال رجل: وما تزكية نفسه يا رسول الله؟! قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان). وثلاثة أخرى يجمعها حديث القلب المخموم، قال النبي ﷺ لما سئل: (أي الناس خير؟ قال: ذو القلب المخموم، قالوا: وما القلب المخموم يا رسول الله؟! قال: التقي النقي الذي لا غل فيه ولا حقد ولا حسد، قالوا: فمن على أثره يا رسول الله؟! قال: الذي يشنأ الدنيا -أي: الذي يكره الدنيا- قالوا: فمن على أثره يا رسول الله؟! قال: مؤمن ذو خلق حسن). ويقول النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين أيماناً أحاسنهم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون). وقال النبي ﷺ : (أفضل الإيمان الصبر والسماحة). وقال النبي ﷺ : (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً). أيضاً من الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان حديث سيدنا عمار بن ياسر الموقوف وله حكم الرفع، والذي رواه الإمام البخاري معلقاً بصيغة الجزم ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق وابن أبي شيبة في مصنفه وعبد الرزاق ووكيع في الزهد: قال عمار بن ياسر ﵁: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السلام للعالم). فهذه أيضاً من الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان. أيضاً من الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان: اليقين، قال عبد الله بن مسعود: (اليقين الإيمان كله). وقال أبو بكر الوراق: (ملاك القلب اليقين، وبه كمال الإيمان). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن اليقين: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله). وقال: (إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]). وأيضاً من كمال الإيمان الورع، كما قالت السيدة عائشة ﵂: (وخير دينكم الورع). أيضاً من الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان: الرضى بقضاء الله وقدره، كما جاء في مسند البزار بإسناد حسن عن أبي الدرداء ﵁ قال: (لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه). وقال أبو الدرداء أيضاً فيما رواه عنه الإمام ابن القيم: (ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم -يعني: لأحكام الله والرضا بالقدر). ومن الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان: الصلاة، كما قال النبي ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وكما قال أبو سليمان الداراني: (أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم). قال الحسن البصري: (اطلبوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة والذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتموها فذلك خير، وإلا فاسألوا الله العافية واعلموا أن الباب مغلق، ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله . والقرآن الكريم جعله النبي ﷺ ربيع القلوب، وقال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. وقال أبو سعيد الخدري: (فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام). وقال ابن عباس: (فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن). فلا شيء أنعم للأرواح ولا ألذ من تلاوة كلام الله ، كما قال أحد الصالحين لتلميذه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا. قال: واموتاه من رجل لا يحفظ القرآن؛ فبم تترنم؟ فبم تتنعم؟ فبم تناجي مولاك؟! أيضاً من الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان: الأنس بالله والمناداة والتملق والتذلل بين يدي الله ، والانطراح على عتبة العبودية، وأن تأتي مولاك ذليلاً عارياً من كل دعوى، وتلقي نفسك وتنطرح على عتبة مولاك بكامل الفقر والذل والخضوع لمولاك. ثم ومن الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان كما قال أهل العلم: الجهاد، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]. وقال شقيق البلخي لرجل في أحد المعارك والناس بين الصفين: (هذا اليوم مثل اليوم الذي زفت فيه إليك امرأتك؟ قال: لا، والله إنه يوم تضرب فيه الرءوس وتقطع فيه الأعناق، قال: والله هذا اليوم أحب إلي). وكما قال سيدنا خالد بن الوليد ﵁: (والله ما من ليلة تهدى إلي فيها عروس أو أبشر فيها بمولود أحب إلي من ليلة أصبح بها العدو في جند من جنود المسلمين في ليلة باردة أو ليلة شاتية)، أو كما قال. أيضاً: المعرفة بأسماء الله وصفاته جالبة لحلاوة الإيمان. وأيضاً: ترك الهوى ومخالفته وترك الشهوات. ومن الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان ما قاله بشر بن الحارث الحافي: (لا يجد العبد طعم العبادة ولا حلاوة العبادة حتى يجعل بينه وبين الشهوات حائطاً من حديد). وأيضاً من الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان: الاستقامة على أمر الله ، فقد قالوا لـ حبيب بن الورد صديق القلوب: (هل يجد من فعل المعصية حلاوة الإيمان؟ قال: لا، ولا من هم بها). فالرجل الذي تحدثه نفسه بالمعصية لا يجد حلاوة الإيمان وطعمه، والمتقون هم الذين تركوا ما نهى ﵎ عنه وأتوا ما أمر الله تعالى به ثم خافوا ألا يقبل منهم، كما قال الفضيل. والفضيل قال عنه عبد الله بن مبارك: (لقد جمعت علم العلماء فما وجدت أحب لقلبي من علم الفضيل بن عياض). وقال الفضيل ﵀: (حرام على القلوب أن تجد حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا). ويقول إبراهيم بن أدهم: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف). ثم الشوق إلى الله ﵎ أعلى نعيم في الدنيا، ولذا قال النبي ﷺ : (وأسألك لذة الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم). فجمع بين أعلى نعيم في الدنيا وأعلى النعيم في الآخرة، وجمع بين نعيم الأبدان ونعيم القلوب فقال: (أسألك نعيماً لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع). فالنعيم الأول نعيم الأجساد، وقرة العين التي لا تنقطع هي نعيم القلوب. فهذه خمسة وثلاثون أو اثنان وثلاثون سبباً لجلب حلاوة الإيمان.

стр. 617

كيف يكون الله أحب إليك مما سواه أما السبب الأول فهو أن يكون الله ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما: أي أن يكون الله أحب إليك مما سواه، وهذا لا يتحقق ولا يكون إلا بأن تكون محبتك لله أولى من كل محبة، وقاهرة لكل محبة، وتكون كل محبة خاضعة وتابعها لها، فيكون الله أولى الأشياء عندك بالتعظيم والتوقير وأحب شيء إليك، ولا يكون إلا بأن تكون محبته أعلى محبة وقاهرة لكل محبة، وكل محبة خاضعة لها. قال الله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 618

بيان محبة القلوب للجمال سبحان الله! جبلت القلوب على محبة الشيء الجميل، فلا ترى إنساناً يحب مثلاً نقيق الضفادع أو صوت فحيح الثعبان أو صوت البوم، وإنما تجد الإنسان يحب نسيم الأشجار في الفجر الوليد، وتبسم الورود وخرير المياه؛ لأن الله جبل القلوب على محبة الشيء الجميل، فما ظنك بمن كل جمال في الوجود من آثار جماله؟ وما ظنك بمن نسبة كل جمال في الوجود إلى جمال وجهه أقل من نسبته الفتيل إلى ضوء الشمس، ولله المثل الأعلى. فالناس والآلاف المؤلفة الذين خرجوا وراء السندرلة لم يخرجوا وراءها لأنها كانت قوامة قانتة منتقبة أو محجبة أو تلقي دروساً في المساجد، بل كانوا يعرفون أنها زوجة علي بدر خان الشيوعي، وهذا الكلام قالته صحيفة الأهرام العربي. فإن كان الناس يهيمون في الصور والأشباح فما ظنك بنساء الجنة! فإن الله خلق حوراء -كما قال الإمام ابن القيم - في الجنة لولا أن الله كتب الخلود على أهل الجنة لماتوا من حسنها. وقال النبي ﷺ : (ولنصيف امرأة من أهل الجنة خير من الدنيا وما فيها)، يعني: الخمار الذي تضعه على رأسها وصدرها. وكما قال مطرف بن عبد الله: (وكل نعيم في الدنيا بالنسبة إلى نعيم الجنة لا يساوي هباء بالنسبة إلى جبل)، ونعيم الجنة كله مخلوق فما ظنك بجمال الخالق؟! أليس الجمال حبيب القلوب لذات الجمال وذات القلوب أليس جميلاً يحب الجمال تعالى إله الورى عن ضريب

стр. 619

معرفة الله لا تدخل قلباً مشرباً بحب الصور والشهوات والإمامان ابن تيمية وابن القيم لهما إشارات جميلة وطيبة وموافقة للكتاب والسنة، فقالا في حديث النبي ﷺ : (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة): إن كانت الملائكة -وهي من مخلوقات الله لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، فكيف تدخل المعرفة بالله والأنس بالله ومحبة الله وتوحيده قلباً مليئاً بكلاب الشهوات وصورها؟! وقالا: إن الاتجاه إلى القبلة شرط في صحة الصلاة، والقبلة بيت الرب، فمن باب أولى أن يكون التوجه إلى الله والإقبال عليه، أي: إن كان الاتجاه إلى القبلة شرطاً في صحة الصلاة فإذاً استقامة القلب وتوجهه إلى ربه أولى، والأشياء الظاهرة المراد بها تمثيل الأشياء الباطنة، فإذاً من باب أولى أن يلتفت القلب إلى الله وحده، فمن وجد الله فماذا فقد، ومن فقد الله فماذا وجد؟ هنيئاً لمن أضحى وأنت حبيبه ولو أن لوعات الغرام تذيبه وطوبى لصب أنت ساكن سره ولو بان عنه إلفه وقريبه وما ضر صباً أن يعيش وما له نصيب من الدنيا وأنت نصيبه فيا علة في الصدر أنت شفاؤها ويا مرضاً في القلب أنت طبيبه عبيدك في باب الرجا متضرع إذا لم تجبه أنت من ذا يجيبه غريب عن الأوطان يبكي بذلة وهل ذاق طعم الذل إلا غريبه تصدق على من ضاع منه زمانه وأوشك حتى لاح منه مشيبه من فاته منك حظ حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم وناظر في سوى معناك حق له يقتص من جفنه بالدمع وهو دم نسيت كل طريق كنت أعرفه إلا طريقاً يؤديني لبابكم كيف لا تحب من أنت به، وتدبيرك منه ورجوعك إليه، وكل مستحسن في الوجود هو حسنه وجمله وزينه وعطف النفوس إليه؟

стр. 620

أوصاف الله العظيمة تقتضي أنه أحق بمحبة العبد لقد أعطاك أيتها النفس! ما لم تأملي، وبلغك ما لم تطلبي، وستر عليك من القبيح ما لو فاح ضجت المشام، كم عدو حط منك بالذم فرقاك؟ كم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك؟ كم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك؟ من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر في إجابته، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت فيما يبعدك عنه راغب. تدبر أن لك رباً استوى على العرش يدبر أمر الممالك يأمر وينهى، يعز ويذل، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، قلوب العباد إليه مفضية، الغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. أحاط بجميع الأصوات وعلمها، على اختلاف لهجاتها، وعلى كثرة شكايتها وحاجتها، لا يعجزه صوت عن صوت، ولا يتبرم بكثرة المسألة، أحاط بصره بجميع المرئيات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. وهو العليم أحاط علماً بالذي في الكون من سر ومن إعلان وكذاك يعلم ما يكون غداً وما قد كان والموجود في ذا الآن وكذاك أمر لم يكن لو كان كيف يكون ذاك الأمر ذا إمكانا وهو البصير يرى دبيب النملة السوداء فوق الصخر والصوان ويرى مجاري القوت في أعضائها ويرى بياض عروقها بعيان ويرى خيانات العيون بلحظها ويرى كذاك تقلب الأجفان والله أمر أهل طاعته وأهل مجالسته ألا يقنطوا من رحمته، إن تابوا إليه فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من المعائب، كل إنسان إذا خفته تهرب منه، أما الله فإنك إذا خفته تهرب إليه. ينادى على باب عزته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ويصاح على محجة حجته: ﴿لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤]. تترنم المخلوقات بفضله، ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 621

نعم الله سبحانه على خلقه سبب لمحبة العباد له ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٣ - ١٤]. وقال الله ﵎: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]. ينادي على باب عزته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ويصاح على محجة حجته: ﴿لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤]، ويخبر عن علمه ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]. تترنم المخلوقات بفضله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. يسبحه النبات جميعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده، تمجده رهبان الطيور في صوامع الأشجار، فيطرب السامع تمجيده، فالبلبل بالحمد عابده، وكلما أقام خطيب الحمام النوح على منابر الدوح هيج المستهام تغريده، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت:١٩]. قل للطبيب تخطفته يد الردى أمداوي الأمراض من أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا قل للضرير خطا بين الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا قل للبصير وكان يحذر حفرة فهَوَى بها من ذا الذي أهواك اقل للجنين يعيش معزولاً بلا راعٍ ومرعى ما الذي يرعاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا واسأل بطون النَّحل كيف تقاطرت شهدًا وقل للشهد من حلاَّكا بل سائل اللبن المُصَفَّى كان بين دم وفرث ما الذي صفَّاكا وإذا رأيت الحي يخرج من حنا يا ميتٍ فاسأله من أحياكا قل للنبات يجفُّ بعد تعهُّدٍ ورعاية من بالجفاف رَمَاكا وإذا رأيت النَّبت في الصحراء ير بو وحده فاسأله من أَرباكا قل للمرير من الثمار من الذي بالمرِّ من دون الثمار غذاكا وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شقَّ نواكا يا منبت الأزهار عاطرة الشَّذَى هذا الشذى الفواح نفح شذاكا يا مجري الأنهار ما جريانها إن لم تعانق قطرة بنداكا فاقبل دعائي واستجب لرجاوتي ما خاب يوماً من دعا ورجاكا يا أيها الماء المهين من الذي سوَّاك ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد والاكا ومن الذي غذَّاك من نَعْمَائِه ومن الكروب جميعها نجَّاكا؟ ومن الذي شقَّ العيون فأبصرت ومن الذي بالعقل قد حلاَّكا؟ ومن الذي تعصي ويغفر دائمًا؟ ومن الذي تنسى ولا ينساكا كان النبي ﷺ إذا قام في الاستفتاح في صلاة الليل يقول: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك آمنت، وبك أسلمت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت).

стр. 622

بيان محبة النبي ﷺ الحمد الله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: فقال في الحديث: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سوهما)، ولا يكمل إيمان العبد حتى يحب النبي ﷺ أكثر من حبه لنفسه، كما قال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله! لأنت الآن أحب إلي من نفسي، فقال: (الآن يا عمر)، يعني: الآن كمل إيمانك يا عمر. ادعى قوم على عهد النبي ﷺ محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، أي: بمحبة النبي ﷺ واتباعه، والذي لا يريد طريق النبي ﷺ فلن يدخل معه الجنة؛ لأنه كما قال الجنيد: (الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر النبي ﷺ . ويقول الله : والله لو أتوني من كل باب واستفتحوني من كل طريق، لم يدخلوا إلا من ورائه. فالذي يريد أن يدخل الجنة ليس أمامه إلا طريق واحد، وهو اتباع سيد ولد آدم ﷺ . وكيف يدرك في الدنيا حقيقته قوم نيام تسلوا عنه بالحلم ولما قال عمر: يا رسول الله! إنا نجد بعض صحف اليهود فتعجبنا، غضب النبي ﷺ حتى احمر وجهه، وحتى قال الصديق للفاروق ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أغضبت رسول الله ﷺ ، وقال النبي ﷺ : (أمتهوكون أنتم بعدي)؟ يعني: أمتحيرون أنتم بعدي، (وقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده! لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). فسيدنا موسى ﵇ كليم الرحمن لو كان موجوداً في عهد النبوة لما وسعه إلا اتباع النبي ﷺ ، فكيف بي أنا وأنت الأذلاء المنقطعون عن الله وعن رسول الله ﷺ ، يقول النبي ﷺ : (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك).

стр. 623

محبة الصحابة للنبي ﷺ ومحبة الصحابة للنبي ﷺ كانت عجيبة. فهذه امرأة يقتل زوجها وابنها وأبوها في الحرب فتقول: فما فعل النبي ﷺ ؟ فيقولون لها: هو بخير، فتقول: أروني أنظر إليه، فلما رأته قالت: يا رسول الله! كل مصيبة دونك جلل. تعني: صغيرة؛ لأن الجلل من ألفاظ الأضداد، فتستخدم للشيء التافه والشيء الضخم العظيم، فكل مصيبة دونك جلل أو كل مصيبة بعدك جلل. وما أحب أصحاب رجل هذا الرجل مثل ما أحب الصحابة النبي ﷺ ، ولهم أخبار عجيبة في حبهم للنبي ﷺ أو للآثار التي تركها النبي ﷺ ، فهذا العباس بن المطلب كان له ميزاب على طريق فكان ينزل منه الماء إلى الطريق، فقال له عمر بن الخطاب: اخلعه، قال: والله لقد وضعه النبي ﷺ بيده، فقال: والله لتطأن على رقبتي ولتردنه مكانه. ولما أصيب النبي ﷺ في وجنتيه لما ضربه عبد الله بن قمئة فدخلت حلقة المغفر في وجنتيه استحلف أبو عبيده بن الجراح أمين هذه الأمة النبي ﷺ أن ينزعهما هو، ثم قال: أنزعها بأسناني، فيشق ذلك على النبي ﷺ ، فقال: لا، فجعل ينزعهما بشفتيه؛ حتى لا يؤذي النبي ﷺ ، فسقطت من أجل ذلك ثنيته، فكان أهتم بين المسلمين. وسيدنا طلحة بن عبيد الله أصيب بالعرج في غزوة أحد من كثرة ما أصابه من الطعن وضربات الرمح أو السيوف أو السهام، ثم قعد للنبي ﷺ ليصعد على ظهره، وتكلف أن يمشي صحيحاً؛ حتى لا يؤذي النبي ﷺ ، فأصلح الله عرجته. ونحن ندعي حب النبي ﷺ ونترك سيرته وأخلاقه، وإنما بمجرد الأقوال فقط إن عرفناه، أما السيرة والأخلاق ومعايشته للناس ووضعه في بيته ومعاونته للناس فنحن أبعد ما نكون عنها، فالتطبيق العملي أن تكون موافقاً للنبي ﷺ في سنته التقريرية والقولية والفعلية، وتنظر إلى حياته وإلى سيرته.

стр. 624

الحب في الله (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله). ويقول الله ﵎: (حقت محبتي للمتاحبين في والمتباذلين في والمتزاورين في). وقال النبي ﷺ : يقول الله ﵎: (المتحابون في والمتجالسون في والمتزاورون في على منابر من نور في ظل عرش الرحمن، يغبطهم النبيون والشهداء)؛ لقربهم من الرحمن، فلا تحب المرء إلا لوجه الله ، محبة خالصة من أي غرض دنيوي، لا لتجارة ولا لمال ولا لقرابة، وإنما تكون المحبة خالصة لوجه الله ، وكلما ازداد قرباً من الله ازددت حباً له. وحينما تقع المحبة يكون بذل المال أحقر شيء، لما أتى فتح الموصلي إلى عيسى التمار وكان أخاً له في الله فقال للجارية: أين أخي؟ قالت: ليس موجوداً، قال لها: فأين كيس نقود أخي؟ فأتت بالكيس، فأخذ حاجته من الكيس، ثم رده مرة ثانية، فلما أتى قالت الجارية: أتى أخوك فتح الموصلي وقال: أين كيس نقود أخي، فأخذ حاجته ثم مضى، قال: أشهد الله أنك حرة لوجهه إن كان ما تقولينه حقاً. ولا تكتمل الصحبة حتى تقول لأخيك: يا أنا، إلا ما حرمه الله ورسوله، كلك لأخيك إلا ما حرمه الله ورسوله، أما واقع المسلمين فيوصف بقول الشاعر: يا من تنهش في أحشائي يا من مني يا من جزء من أجزائي يا من تبدو للجهال كأنك دائي إني أعلم أنك حتماً فيك شفائي قل لي هل يأتيك ندائي إنك مني أنت كأني حين شقائي حين جهلت طريق إلهي من عند الألف إلى الياء حين تصورت الدنيا حسي وغذائي وكفائي إنك مسلم تشهد أن إلهك واحد إنك فيها من شركائي لكنك دوماً تطعنني من خلفي وفي كعب حذائي حين أراك تقوم بهذا يغرقني خجلي وحيائي ووشاة القوم إذا بانوا تسري الطعنة في أحشائي قل لي هل يأتيك ندائي ابغ العزة عند إلهي ليس العز دمي وبكائي وغداً من قواك يميتك إن أنت أهملت ندائي كان الرجل منهم يموت فيخلفه أخوه في بيته أربعين سنة في الطعام والشراب والكسوة والمال على أهله لمجرد أنه كان أخاً له في الله فقط. فمن لك بأخيك كله؟ كل منا تقع منه هفوات، ولكن أين المسامحة؟ فأنصف الناس من نفسك والكمال عزيز، ولن تجد الرجل كاملاً. فإذا وجدت أخاً في الله فشد عليه، فإن مجالسة الصالحين تحيي القلوب كما قال الحسن البصري.

стр. 625

الرضا بالله رباً ومن الأسباب الجالبة لحلاوة الإيمان: من رضي بالله رباً، والرضا بالله رباً: أن ترضى بتدبير الله وبكفاية الله وبتدبير الله ، وأن تنزل كل حاجاتك بالله . ومن تمام الرضا بالله رباً: أن ترضى به سيداً وإلهاً، وترضى به حكماً، وتوحيد الربوبية لازم له، وكذا توحيد الألوهية، إذ كيف ترضى به خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً ووكيلاً وناصراً ولا ترضى به معبوداً ولا إلهاً حكماً، وإذا رضيت به مدبراً لك فسلم الأمر تجده أولى بك منك. فسلم الأمور لله وتوكل عليه وفوض الأمر إليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، وهذا هو الجزاء الوحيد الذي لم يأت إلا في التوكل. وإذا أنزلت أمرك بالله وفوضت الأمور إليه وجدت القرب منه على درجات لا تحيط بها العقول مثل ما يقول القائل: ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب كيف نزوله والرسول ﷺ ضرب لنا مثلاً تقريبياً فقط ولم يأت بكل درجات القرب، وذلك في قوله ﷺ : يقول الله : (من أتاني يمشي أتيته هرولة). ولكنه لم يقل: ومن أتاني مهرولاً فعلت به كذا وكذا. ومثل هذه الهرولة لا نحيط نحن بها. (ومن تقرب مني شرباً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً). ثم سكت النبي ﷺ ، ولم يذكر ومن تقرب إليه باعاً. فهناك درجات في القرب له لا تحيط بها العقول، فمن تقرب إلى الله بجوارحه بأداء النوافل والفرائض أحبه الله ، وكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، وهذا فعل الجوارح. ومن أتى الله بكليته -بقلبه كله وبروحه كله وبسره كله وبهمه كله- يكون الجزاء درجات في القرب لا تحيط بها العقول ولا الأفهام، وتكفي الإشارة إليها: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

стр. 626

الرضا بالإسلام ديناً والرضا بالإسلام ديناً، فالناس تهرب من الإسلام، ونحن محتاجون لعدة سنين حتى نكون أهلاً لأن ننسب إلى الإسلام الذي سأله خليل الرحمن عندما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. وقد قال الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]. والسفيه هو الذي لا يرضى بدين الإسلام ولا أن ينتسب إلى هذا الدين، ويعلم أنه في دنيا الفناء وأن الجمال كله في الدنيا والآخرة في الإسلام، فالذي يحس بهذا فعليه أن يقوم من جديد درجة انتمائه إلى الإسلام العزيز الرفيع: إذا أنت غمت عليك السماء وضلت حواسك عن صبحها فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها فيا له من دين لو أن له رجالاً، فلو تمسك به أناس لرفعهم فوق هامات السحاب، ولما ابتعدنا نحن عنه أذلنا الله ، يقول سيدنا عمر بن الخطاب وهو على أبواب القدس: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله). ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:٨٣].

стр. 627

الرضا بمحمد نبياً ورسولاً والرضا بمحمد رسولاً: قال الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، أي: ويرضون بحكم الله ، وهذه مرتبة الإسلام، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥]، وهذه مرتبة الإيمان، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وهذه مرتبة الإحسان، كما قال ابن القيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. رب اجعلنا لك شكارين، لك ذكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا. إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيباً! وخسر قلب لم يجعل له من حبك نصيباً! إلهي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله فكن دليلنا، إلهي ما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه فكن أنيسنا، إلهي آتنا أطباء عبادك يداووا لنا خطايانا فكلهم عليك يدلنا. اللهم داو أمراض قلوبنا، اللهم أنت أصلحت الصالحين فاجعلنا من الصالحين، استرنا بالعافية ووفقنا لما تحب. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، اللهم صل على عبدك ونبيك محمد ﷺ ، اللهم انصر المسلمين المستضعفين في فلسطين، اللهم عليك باليهود، اللهم دمرهم، اللهم أرنا فيهم آية تنتقم بها منهم حتى ترضى، وتنتقم لأعراض المسلمين منهم حتى ترضى، ولبيوت المسلمين حتى ترضى، ولدماء المسلمين حتى ترضى. اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وبارك في أعمالنا. اللهم اجعل أموالنا وأولادنا وأنفاسنا وحركاتنا وسكناتنا وكل ما نملك خالصة لك، واجعل أموالنا وقفاً على دينك. اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 628

التاريخ يعيد نفسه إن لله في كونه سنناً ماضية من سلكها وأحسن التعامل معها وفق شرع الله وصل إلى غايته ومقصوده، ومن تنكب لها ولم يعتبر بها صادمته وأفرغت جهده سدى، وقد سار على هذه السنن سلف هذه الأمة، فحققوا لهذه الأمة المجد والسؤدد، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

стр. 629

بطولات إسلامية إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: عن أبي عنبة الخولاني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة). ويأبى الغرس إلا طبيعته، والذي يريد للغرس أن يثمر غير ثماره فهو كالأحمق الذي يقول لشجر التفاح: لا تثمر إلا الحنظل، فنقول: (إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة أمر دينها). اتفق المؤرخون على أن المجددين للإسلام في القرن السادس الهجري هما البطلان نور الدين محمود زنكي وتلميذه صلاح الدين الأيوبي. وعلى مدار التاريخ الإسلامي كان هناك غرس طيب وقفوا أمام المد الصليبي، بداية من ليث الإسلام وسيف الله خالد بن الوليد، إذ كان أول من خاض المعارك ضد الصليبيين، فمعركة الفراض اجتمعت فيها جيوش الكفر، ولأول مرة في التاريخ يجتمع الفرس والروم ونصارى العرب الموتورون في معركة واحدة ضد سيدنا خالد بن الوليد، فقد جمعوا له بعدما استولى وفتح العراق في أربعين يوماً فقط، وكانت آخر معركة تسمى معركة الفراض، وكان عددهم ١٥٠٠٠٠ فارس، عبروا إلى خالد بن الوليد الفرات، فقتل منهم خالد ١٠٠٠٠٠ مقاتل وطارد الفلول فكانت أكبر نكبة وقعت بالفرس وبالروم في آن واحد يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا يا رب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا سقوا فلسطين أحلاماً ملونة وأطعموها سخيف القول والخطبا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونزف شريانه ما أسهل العتبا من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

стр. 630

من سنن الله الجزاء من جنس العمل إن لله سنناً يغفل عنها الناس، وهي تبين أن الجزاء عند الله من جنس العمل، وأن الظالم يظلم، وأنه وإن طال ظلمه فسينتقم الله منه يوماً من الأيام، لكن الناس غافلون عن حكمة الله الكونية القدرية. كان لسيف الإسلام خالد بن الوليد مع الصليبيين عدة مواقع، منها يوم الموقعة التي حدثت في ١٥ رجب في ١٤هـ، وفتح الله على يديه فيها دمشق، وقد اشتركت في هذه المعركة أربعة جيوش إسلامية جيش بقيادة فارس الإسلام أبي عبيدة بن الجراح، وجيش بقيادة شرحبيل بن حسنة وجيش بقيادة عمرو بن العاص والجيش الرابع بقيادة خالد بن الوليد، وقد ظل الجيش الإسلامي محاصراً لمدينة دمشق أربعة أشهر، ولما طال المدى بـ خالد بن الوليد وهو الذي وصف حينها بأنه كان لا ينام ولا ينيم، والذي قال فيه الخليفة أبو بكر الصديق: والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد، ولما ضاق ذرعاً من طول مدة الحصار، أوصلت إليه عيونه اليقظة التي لا تنام: أن كبير الروم بدمشق قد ولد له مولود، وأنه سيسقي حامية السور الخمر يوم الأحد، فأعد سيف الإسلام خالد حبالاً مفتولة من الليف، وجعل في نهاية الحبال خطاطيف. وأعد قرباً منفوخة بالهواء، وكان الروم قد حفروا خندقاً عظيماً حول السور وملؤه بالماء، ثم دعى مذعور بن عدي العجلي، والقعقاع بن عمرو ومن معهم فجعلوا يرسلون الحبال على أعالي الأسوار حتى علق منها حبلان، فصعد مذعور بن عدي العجلي والقعقاع بن عمرو التميمي ومعهما بقية الحبال، فوثقوها في أعلى الأسوار، ثم قال خالد لمن معه: إذا سمعتم تكبيرنا من فوق الأسوار فانهدوا إلينا، ثم نزل خالد ومن معه من أعلى الأسوار وسط تكبيرهم، ثم قتلوا حارس الباب، ثم ضربوا الباب ففتحوه، وظل سيف الإسلام خالد الليل بأكمله يحصد من أمامه حصداً، حتى سارع جند الروم وقالوا: افتحوا الباب لـ أبي عبيدة لئلا يفنينا خالد، فالتقى جيش خالد بجيش أبي عبيدة عند سوق الزياتين بدمشق. أما المعركة الثانية التي خاضها سيف الإسلام خالد بن الوليد ضد الروم فهي معركة اليرموك، وقد أنهت الوجود الصليبي في بلاد الشام، وكانت بين قيصر وقائد جنده ماهان، وهو أقوى فارس في إمبراطورية الروم، وبين جيش الصحابة وفيه مائة بدري على رأسهم معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، فقد كان قائد الميمنة، وفي القلب وعلى الفرسان سيف الله خالد بن الوليد، وهو البطل الذي أمر نفسه في هذه المعركة الفاصلة، وأبو عبيدة أمين هذه الأمة والقائد الأعلى للقوات، وقيس بن مكشوح المرادي، وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من صناديد المسلمين. وكان سيدنا أبو هريرة ينادي: أتفرون عن الجنة، وأبو سفيان بن حرب يقول: يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب، وكانت المعركة الفاصلة التي أنهت وجود الروم في بلاد الشام، فقد بلغ عدد الذين قتلوا من الروم مائة وعشرين ألفاً، ثمانون ألفاً منهم قتلوا مقترنين بالسلاسل، وكانوا قد ربطوا أنفسهم بها، وأربعون فروا فقتلوا في منحدر جبلي تتبعهم المسلمون حتى سقطوا، وقتل صناديد الروم ورؤساءهم، وقتل أخ لـ هرقل، وانتهت قصة الروم في أرض الشام. أتوا وهم يرون أنهم لا غالب لهم من الناس، ففي بداية المعركة يجئ هرقل وينادي خالداً: عودوا نوصي لكل رجل منكم بعشرة دنانير، ونوصل إلى أميركم بالمدينة عشرين ديناراً، ونوصي لكل رجل منكم حمل بعير من التمر والبر والشعير، وكسوة الصيف، وكسوة الشتاء، نحن نعرف أنه ما أخرجكم من بلادكم إلا الجوع والجهد، فعودوا، فأجابه سيف الإسلام خالد بعزة المسلم: والله إنا قوم نحب شرب الدماء، وقد بلغنا أن دماء الروم من أحلى الدماء مذاقاً، فلا نعود إلا بشرب دمائكم. وكان المغيرة بن شعبة قد قال للرسل قبل مثل كلام خالد إذ قال: والله إن حبة بأرضكم تسمونها الحنطة منذ أطعمناها لأولادنا وهم يصيحون بنا: لا تأتون إلا بها، فلا نعود إلا بهذه الحبة من الحنطة. إنها عزة المسلم المقبل على الله ولا يتمنى إلا الشهادة في سبيله. ولما فر الروم من خالد بن الوليد وجيشه ولما اختبئوا في الحصون قال لهم: والله لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا حتى نقاتلكم. نحن في هذه الأيام بحاجة إلى قلامة ظفر من سيدنا خالد إلى شسع نعله إلى حافر فرسه هل يقدر لظهور الخيل التي ركبها أبو سليمان أن يمتطيها بطل غيره، فيعيد للإسلام عزته، ويعيد للمسلمين مكانتهم؟! فانظر إلى واقع المسلمين وإلى التاريخ حتى لا تصاب باليأس، وفي التاريخ أكبر العظة، فهذا مسلمة بن عبد الملك يسمى الجرادة من كثرة ما قتل من جيوش الروم، وكان أولى بالخلافة من إخوته جميعاً كما قال الإمام الذهبي، وهو أول قائد من قواد المسلمين يغزو بلاد الروم في عقر دارهم، وكان معه بطل من أبطال المسلمين يسمى عبد الله البطال، يذكر أن المرأة من بلاد الروم كانت إذا أرادت أن تخيف ابنها تقول: نم وإلا أقول: خذه يا بطال! وقد سئل مرة: ما أغرب ما رأيت؟ قال: بينما أنا أمشي في بلاد الروم وإذا بي أمر تحت نافذة أحد البيوت، وإذا بامرأة تقول لطفلها وقد استعصى عليها تريد أن تنيمه: اسكت وإلا أقول: خذه يا بطال، ثم أخرجته بيدها من النافذة فتلقفته منها، وهذا يبين مدى تأثير صناديد المسلمين في الروم وهم سادة الدنيا في ذلك الوقت.

стр. 631

هارون الرشيد وصده للمد الصليبي يذكر التاريخ أيضاً أن هناك قواد وأمراء وقفوا أمام المد الصليبي سواء من الغرب أم من الشرق، منهم هارون الرشيد، الخليفة البكاء المفترى عليه، الذي كان يغزو عاماً ويحج عاماً، وقد فدى أسرى المسلمين مرتين: المرة الأولى كانت عام ١٨١هـ فدى فيها من أسرى المسلمين ٣٧٠٠ أسير، والمرة الثانية كانت سنة ١٩٢هـ فدى فيها من المسلمين ١٥٠٠ أسير، ولم يبق في ديار الروم أسير واحد من المسلمين، والخليفة هارون الرشيد هو الذي فتح حصن الصفافي عنوة سنة ١٨١هـ، ومما يذكر في التاريخ أن نقفور ملك الروم أرسل إليه خطاباً قال فيه: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ -والرخ طائر كبير يرتفع في السماء- وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها -أي من أموال الروم- ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها، ولكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ هارون الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن لأحد أن ينظر إليه ويخاطبه، واستعجم الرأي على الوزير ماذا يكتب، فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتاب ملك الروم: من هارون ملك العرب، إلى نقفور كلب الروم أما بعد: يا ابن الكافرة! فالجواب ما ترى دون ما تسمع، ثم انطلق بجيش ضخم وأدب ملك الروم وألزمه الجزية. هكذا كان هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه، فأين القائلون أنه صاحب ألف ليلة وليلة، وأن هارون كان يتعاطى الخمر، والحق أن هارون ما كان يشرب إلا نبيذ التمر؛ لأن مفتيه كان حنفي المذهب وهو أبو يوسف القاضي، وكان يبيح نبيذ التمر، وقد عرف عنه أنه كان بكاء، وذكر أن مجموع ما كان يصليه هارون الرشيد في اليوم والليلة مائة ركعة.

стр. 632

جهود بعض قادة المسلمين في الحد من الزحف الصليبي ويأتي بعد ذلك فاتح عمورية الخليفة المعتصم. أما سمعت بأرض الروم مسلمة تشكوا لمعتصم ظلم المغيرينا فتسبق الخيل أصوات استغاثتها وتملأ الكون صيحات الملبينا وتصرخ اليوم آلاف مؤلفة فهل سمعت سوى أحزان باكينا ونحن نسمع أصوات استغاثتها وليس نسمعها إلا أغانينا خضر مرابعنا بيض صنائعنا سود وقائعنا حمر مواضينا ويذبح الطهر طهر البكر في دمه ونحن نسبح في أحلام ماضينا يذكر التاريخ: أن امرأة اعتدى عليها رجل من الروم فقالت: وامعتصماه، فلما وصله خبر استغاثتها، وكان قد دعا بشراب ليشربه، فوالله ما شرب منه شيئاً، وقال للساقي: أبقه حتى أعود من غزو الروم، ثم قال: أي مدنهم أمنع، قالوا: عمورية، فانطلق على رأس الجيش إلى عمورية، وكان النصر والفتح بإذن الله. فقد وجه المسلمون للروم صفعات عظيمة لا تنسى على مدار التاريخ. ومن المعارك المشهورة في تاريخ الإسلام معركة ملاذكرد، وهي معركة عظيمة نصر الله فيها المسلمين، وكانت بين السلطان ألب أرسلان وقسطنطين الرابع امبراطور الروم سنة ٦٤٣هـ، وكان عدد المسلمين في هذه المعركة لا يزيد عن ١٥٠٠٠ مقاتل، وعدد الروم ٢٠٠٠٠٠ فارس، ومعهم من الرجالة ٣٥٠٠٠ مقاتل، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية ١٥٠٠٠، ومعهم ١٠٠٠٠٠ نقاب وحفار، و٤٠٠ عجلة تحمل النعال والمسامير، حتى إن ألب أرسلان عرض الهدنة وعرض المال؛ لأنه خاف أن تستأصل شأفة المسلمين عن آخرهم، وأن يباد الجيش المسلم عن آخره، فقد وصل مجموع جيش الروم إلى عدد مهول ومجموع المسلمين لا يزيد عن ١٥٠٠٠ مقاتل. واقترب موعد اللقاء فصلى السلطان بالناس، ودعا وأمنوا، وبكى السلطان، وعفر وجهه في التراب، ثم خطب فقال: يا معشر الجند من شاء منكم أن ينصرف فلينصرف، فما هاهنا سلطان، وعقد ذنب حصانه بيده، ولبس البياض وتحنط، فأسرع الجيش وتحنط ولبس كل رجل كفناً، فكان يسمى هذا الجيش في التاريخ بجيش الأكفان، وكانت المفاجأة والنصر والتأييد، فقد دارت الدائرة على امبراطور الروم وهزم وقتل أصحابه وأعوانه، ونودي في آخر النهار: من يشتري أمبراطور الروم قسطنطين الرابع؟ فنادى أحد الجند من أقصى الجيش وقال: لا أشتري الكلب إلا بكلب. ولا عجب فقد أخبرنا بذلك النبي ﷺ حيث قال: (لتغزون عصابة من أمتي البيت الأبيض)، وهو بيت كسرى. ومن الأمثلة على مدار التاريخ الإسلامي: أمير المؤمنين محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، صاحب موقعة قريش، كان من ملوك المسلمين بالأندلس، فجمع له النصارى في الأندلس ما جمعوا، حتى ضاق بخيل العدو الفضاء الواسع، فدخل الشك في نفوس الأمراء، وظنوا ألا نجاة من الكفار، فصاح رجل المسلمين بقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، ثم جاء إلى الأمير فقال له: يا أمير المؤمنين! والله ما حذرت نفسي، إنه لا رأي لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي، فقال له الأمير: وأنا معك، والله ما قذف بهذه الكلمة على لسانك إلا ملك، ثم كان النصر في نهاية اليوم، بعد أن تحالف كل ملوك أوروبا: ملك قشتالة، وملك البشكنش، وملك فرنسا كلهم يريد قتال محمد بن عبد الرحمن، فانتصر عليهم في معركة سليط. ومن النماذج في التاريخ الإسلامي أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر مؤدب ملكي ليون ونافار في غزوة موبش، إذ اعتصم في حصن موبش ١٠٠٠٠٠ مقاتل، فرمى الملك الناصر الحصن بالمنجنيق، وأخرج مقاتلي الصليبين من صياصيهم، فقدموا إلى الناصر فقتلهم وأبادهم جميعاً، وغنم المسلمون ما في الحصن. وممن يذكره التاريخ الإسلامي قائداً عظيماً من قواد المسلمين، وأميراً من أمرائهم، وهو الملك العظيم الحاجب المنصور، ومن أعاجيب هذا الملك أن أغلب جنوده كانوا ممن وقعوا في السبي فأسلموا، ولم يتفق هذا لغيره من الأمراء، ولا لغيره من الملوك، ولم تهزم له راية قط، وكانت له غزوات في الصيف، وأخرى في الشتاء، وبلغ مجموع غزواته ضد الصليبين في أسبانيا وغيرها ٥٠ غزوة. ومما يؤثر عنه أنه كان يجمع غبار المعارك فتوضع معه كحنوط، أو لتصنع منها لبنات توضع في قبره، وكان مرة من المرات يمر بين جبلين -وقد كان يفعل الأفاعيل بجيوش الصليبيين- فاجتمعوا خلفه يريدون حصاره وجيشه، فما كان منه إلا أن نصب البيوت في بلاد الأسبان، ثم قال: نحن لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، ولذا فسنقيم هاهنا إلى وقت الغزوة الأخرى، فإذا غزونا عدنا. ثم ظل يقاتلهم حتى يئسوا منه، فما زال الفرنجة يسألونه أن يرحل إلى أن ألزمهم أن يحملوا على دوابهم الغنائم والسبي، وأن يمدوه بالطعام والمال ما يزوده في طريق عودته إلى أن يصل إلى بلاد المسلمين، وأن يحملوا وينحوا دية القتلى بأنفسهم. وهو بذلك يجسد عزة الرجل المسلم. ومن النماذج في التاريخ الإسلامي القائد المسلم الملقب بـ المنصور، فقد وصل إلى أقصى مدن الصليبيين، إذ ظل يسير قرابة أربعة أشهر في الجبال الشاهقة، وغزا مدينة تسمى شمس ياقب، وقد سميت هذه الغزوة باسم شمس ياقب، وكانت أعظم مدن النصارى بعد بيت المقدس، وكان غزوه لها سنة ٣٨٧ هـ ووصل إلى أقصى مكان من أسبانيا في بلادهم، ومن ذلك الأقوال المأثورة لهذا الملك العظيم: الملك لا ينام إذا نامت الرعية، قال: ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة، يريد أنه لو نام لاحتلت جيوش الغزاة بلاد المسلمين. روى شجاع الملك المستعين بن هود القصة التالية: قال: عندما ذهبت لمقابلة ملك النصارى الفونسو وجدته في مدينة تالي، وقد نصب على قبر الحاجب المنصور سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع! أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم، فحملتني الغيرة على أن قلت له: لو تنفس صاحب هذا القبر - الحاجب المنصور - ما سمع منك ما يكرهه، قال: فهم أن يبطش بي، فحالت امرأته -الملكة- بيني وبينه وقالت: صدقك والله. ومن النماذج في التاريخ الإسلامي أمير المرابطين يوسف بن تاشفين بطل معركة الزلاقة هو والمعتمد بن عباد التي وقعت في مثل هذا الشهر؛ شهر رجب، ففي هذا الشهر دارت رحى أكبر معركة خاضها المسلمون في الأندلس، والصليبيون يسمونها معركة فكر الياس، وقد كانت بين يوسف بن تاشفين بجيشه من البربر من المغرب والمسلمين في أسبانيا، وبين تحالف عباد الصليب وملوكهم: الفونسو السادس ملك قشتالة، وشانشو ملك أرغون، والقنط برنجار وفرسان من ولايات فرنسا الجنوبية، ولعب البابا دوراً عظيماً في الحث على قتال المسلمين، وأرسل الفونسو إلى ملوك النصارى في أوروبا لقتال المسلمين، فأرسل إليه يوسف بن تاشفين رسالة قال فيها: بلغنا أنك دعوت للاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر بها البحر إلينا، فقد جزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]. وكانت هذه المعركة العظيمة التي انتصر فيها الجيش المسلم، وهرب الفونسو عندما حل الظلام، ولم ينج من جيش الفونسو إلا ٤٠٠ أو ٥٠٠ رجل، وكان مجموع من قتل في هذه المعركة ١٨٠٠٠ صليبي، وأسر الباقون. وفي نهاية المعركة صفت الرءوس على شكل هرم، ثم أمر فأذن للصلاة من عليها، وكانت معركة الزلاقة أو هذه المعركة التي يسمونها فكر الياس. ومن المعارك العظيمة التي دارت بين المسلمين وأعداء الله من الصليبين وغيرهم والتي تشبه معركة الزلاقة: معركة الأرك بين أمير المؤمنين يعقوب بن يوسف وبين الملك الفونسو الثامن ملك قشتالة قائد جيوش الصليبيين، فقد أرسل الفونسو الثامن برسالة إلى الملك المنصور فمزقها وكتب في ظهرها: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]، وكانت المعركة العظيمة -معركة الأرك- التي انتصر فيها المسلمون. ولا يزال التاريخ الإسلامي يذكرنا بصفحاته البيضاء، في مشارق الأرض وفي مغاربها، ويرينا أبطالاً مسلمين، وحكاماً صناديد أعادوا العزة للمسلمين. ففي بلاد الهند كان السلطان فتح علي خان الذي استشهد في قتاله ضد الانجليز، وكان يقول: يوم من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى، أما الذين يرفضون هذه الحياة الكريمة، ويبخلون عن العطاء لدين الله فإنهم يدفعون ضريبة الذل أضعاف أضعاف ما يقدمونه في ميدان البذل والعطاء. ومن سلاطين الأتراك الذين فعلوا الأفاعيل بدول أوروبا: السلطان مراد الثاني الذي حكم بلاد المسلمين وسنه ١٨ سنة، فقد تفرغ لقتال ملوك أوروبا، فقد قاتل أحد ملوك أوروبا وانتصر عليه، كما انتصر على أمير الصرب، وكان يدفع له جزية سنوية مقدارها ٥٠٠٠٠ دوق ذهبي، ولما اجتمعت أوروبا كلها لقتال هذا السلطان العظيم وحاصروا مدينة بارانا انتصر عليهم، وكان ذلك في ٢٨ رجب سنة ٨٤٨هـ، ومنيت جيوش أوروبا وهي مجتمعة بهزيمة منكرة. ومنهم السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي فتح بلغراد في ٢٥ رمضان سنة ٩٢٧هـ، وحاصر بربع مليون جندي فينا عاصمة النمسا، ودفعوا الجزية له عن يد وهم صاغرون، وقد وصل الجيش المسلم بقيادته إلى الميدان الرئيسي في مدينة فينا عاصمة النمسا، إلا أن الشيعة بخياناتهم والدولة الصفوية اضطروه إلى أن يفك الحصار عن

стр. 633

مهما كبتت الأمة فلا بد أن تستيقظ أتت على المسلمين أيام بلغوا فيها من الذل مبلغاً عظيماً، ومن الهوان ما ليس بعده هوان، ففي أيام حكم الفاطميين لمصر -والفاطميين من غلاة الشيعة الإسماعيلية- الذي استمر ٢٠٨ سنوات أذلوا المصريين أيما إذلال، ومن ملوكهم الذين اشتهروا بذلك المعز لدين الله الفاطمي وكان أول خلفائهم، فقد أرسل جوهر الصقلي لبناء مدينة القاهرة وبناء المسجد الأزهر؛ لنشر الفكر الشيعي، ولسب الصحابة، ثم شاء الله له أن يعود إلى أهل السنة على يد البطل السلطان صلاح الدين الأيوبي، ومن أعمال الفاطميين أنهم لما جاءوا إلى مصر أمسكوا بكبير علماء المصريين وكبير حفاظهم أبو بكر بن النابلسي، فقال له المعز لدين الله -الخليفة الفاطمي-: بلغنا أيها الرجل أنك تقول: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً للرافضة وتسعة لليهود والنصارى، قال: ما هكذا قلت، ولكن قلت: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً لليهود والتسعة الباقية للرافضة، فقال له المعز: لماذا؟ فأجابه: لأنكم غيرتم دين الأمة، وأطفأتم نور السنة، وادعيتم ما ليس لكم، فأمر بسلخه حياً، وأمر أن يقوم بسلخه يهودي، فسلخه اليهودي حتى وصل السلخ إلى منطقة القلب فرق له فطعنه بخنجر فقتله. حكى ذلك الحافظ الذهبي في كتابه القيم (سير أعلام النبلاء). وقد كان بدر الجمالي أمير الجيوش -وهو والي فلسطين من قبل الفاطميين- فلما جاءت جيوش أوروبا وجيوش النصارى يقودها بطرس الناسك ومعه ملوك أوروبا سقطت في أيديهم الرهى، وهي أول مدينة مسلمة تسقط في أيدي الصليبيين، ثم مدينة أنطاكية، وكانت في أيدي السلاجقة، ولم يكن لديهم أدوات حربية فسقطت الواحدة تلو الأخرى، ثم استمر زحفهم إلى بلاد المسلمين في بلاد الشام حتى وصلوا معرة النعمان فأوسعوا المسلمين قتلاً، والروايات الأوروبية التي تحكي الغزو الصليبي والحملات الصليبية تذكر أنهم قتلوا عدداً كبيراً من المسلمين في معرة النعمان، وقاموا بسلخهم بعد موتهم مباشرة، ثم شيهم وأكلوهم، وهذا ثابت في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للحملات الصليبية. ثم بعد ذلك واصلوا زحفهم إلى بيت المقدس، وكان بدر الجمالي أمير الجيوش وغيره من قادة الفاطميين، فما شهروا في وجه الصليبيين سيفاً، ولا أرسلوا سهماً، وكل الذي عملوه أنهم سلموا للصليبين القدس، ولما سلموها قتل الصليبيون في هذا اليوم من المسلمين ٧٠٠٠٠ في بيت المقدس، حتى ما استطاع القائد الصليبي أن يدخل إلى المسجد الأقصى إلا بعد أن غاص بين جثث المسلمين إلى ركبتيه، وجعلوا من المحراب الأكبر مكاناً لخيولهم وخنازيرهم، وعلقوا على قبة الصخرة صليبهم الأعظم، وظلت ديار المسلمين يجول فيها الشيعة الرافضة فما أن يروا قائداً يهب لجهاد الصليبيين إلا وقتلوه، فقتلوا الأمير ممدود الذي كان من أبطال المسلمين الذين قاتلوا الصليبيين في بلاد الشام، قتلوه وهو خارج من المسجد بعدما صلى الجمعة، وقد أرسل ملك الصليبيين إلى كبير المسلمين يقول له معاتباً: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، -يوم الجمعة- في بيت معبودها -في المسجد- حقيق على الله أن يبيدها. ثم أذن الله أن يعود مجد المسلمين على يد بطل يسمى عماد الدين آق خنقر زنكي بن زنكي، وهو أبو البطل نور الدين محمود زنكي، فقد أذاق الفرنجة الويلات، يقول عنه ابن كثير: كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وهو الذي أعاد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن دب الوهن في قلوبهم، وفتح مدينة الرهى، أول مدينة سقطت من بلاد المسلمين. ثم اغتاله المماليك وهو يحاصر حصون الصليبيين، فتولى الإمارة من بعده ابنه ليث الإسلام نور الدين محمود زنكي، يقول عنه الإمام أبو شامة الشافعي: أطربني ما رأيت من آثاره، وسمعت من أخباره، مع تأخر زمانه، ثم وقفت بعد ذلك على سيرة سيد الملوك من بعده الملك الناصر صلاح الدين، فوجدتهما في المتأخرين كالعمرين -أي: كـ أبي بكر وعمر - في المتقدمين، فلله درهما من ملكين تعاقبا على حكم السيرة، وجميل السريرة، والفضل للمتقدم -يريد نور الدين - فإنه أصل ذلك الخير كله للمسلمين -لأن صلاح الدين ما هو إلا عامل من عماله- فهو الذي مهد الأمور بعدله وجهاده وهيبته في جميع بلاده، ولكن صلاح الدين أكثر جهاداً، وأعم بلاداً، صبر وصابر، وسخر الله له من الفتوح أنفسها. وكان أول شيء عمله نور الدين محمود زنكي أنه أصلح الجبهة الداخلية، فقمع الرافضة، وأظهر السنة في حلب ودمشق بعدما كان الشيعة متسلطين عليها، ويذكر أنه لما حاول بعض أمراء المسلمين أن يعيدوا السنة كان الشيعة يسحبون الحصر في المسجد الجامع من تحت أرجل المصلين، ويقولون: هذه لـ علي بن أبي طالب، فإذا أراد أبو بكر أن يصلي فليأت بحصر له. وبعد أن قمع نور الدين محمود زنكي الرافضة والشيعة بحلب أرسل أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي إلى مصر؛ من أجل أن يعين المصريين على طرد الشيعة، ومما يذكر عن هذا البطل العظيم أنه ما فاتته صلاة الجماعة، وكان له قبيل الفجر ركعات يركعها في المسجد قبل أن يأتي الإمام، وقبل أن يأتي المؤذن ليؤذن لصلاة الفجر، وكان هو السلطان الذي ملك بلاد الشام كلها يعمل الأغلاف والسكاكر، وكانت له عجائز يبعن هذه الأغلاف والسكاكر سراً، ويعيش عليها، ويعيش من سهمه في الغنيمة. ويذكر أن زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون بنت معين الدين أنر كانت كثيرة الصدقة، وكانت ترسل إليه أن يأتي إليها بالمال فيقول: ليس لي إلا ثلاثة دكاكين بحمص فخذيها، وأما ما أنا فيه من المال فإنما أنا خازن فيه للمسلمين، لا أخوض النار في هواك. ويذكر أنه كان في رمضان يمتنع عن طعام المملكة ويرسل إلى شيخه عمر الملا بالموصل ليأتي إليه بالرقاق ليعيش عليه طيلة الشهر. هذا السلطان العظيم يقول عنه الذهبي: قل أن ترى العيون مثله. وقال ابن الأثير: ما حكم البلاد بعد عمر بن عبد العزيز أعدل من هذا الملك العظيم. ومما ذكروا عنه: أنه كان مدمناً لصلاة الليل. قال ابن الأثير: وكذلك كانت زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون، فقد ذكروا أنها قامت ذات ليلة غضبى من نومها، فسألها عن سر غضبها، فقالت: فاتني وردي البارحة فلم أستطع أن أصلي من الليل شيئاً، فأمر بضرب طبل خانة توقظ الناس لصلاة وقيام الليل. وكان هذا الملك العظيم يتعرض للشهادة كما قال كاتبه أبو اليسر، ويسأل الله أن يحشره إليه من حواصل الطير وبطون السباع، وكان شيخ الديار المصرية والشامية قطب الدين النيسابوري يقول له: بالله عليك يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فأنت سور الإسلام ومنعته، ولو قتلت ما بقى في المسلمين أحد إلا وأعملوا فيه السيف، فيرد عليه هذا البطل العظيم ويقول: اسكت يا قطب الدين! هذه إساءة أدب مع الله ، من كان يحفظ البلاد والعباد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ وكان قاضية القاضي كمال الدين يجلس للقضاء بعد أن تفشى الظلم في الجنود والقواد ويجلس معه في المجلس نور الدين مرتين كل أسبوع. ويذكر أن أسد الدين شيركوه نائبه على المملكة جمع الحاشية والجند ثم قال: لو أوقفتموني أمام نور الدين لصلبتكم، قالوا: إذاً يطمع في مالك العامة، قال: والله لضياع ملكي أهون عندي من أن ينظر إلي نور الدين بعين ظالم، فلما سمع بذلك نور الدين سجد لله شكراً وقال: الحمد لله الذي جعل عمالنا ينصفون من أنفسهم قبل المجيء إلينا. ومما يؤثر عنه أنه كان يكثر الصلات والنفقة على فقراء المسلمين وزهادهم وعبادهم، ويقول: كيف أقطع صلاتي بقوم يدافعون عني بسهام في الليل لا تخطئ، وإنما أنصر وأرزق بدعائهم وبإخلاصهم، وكان هذا البطل العظيم جذوة مشتعلة من الشعور بهم المسلمين، سكن الديار الشامية وكان سلطانها، وكان جيشه بمصر، فلما بلغه أن الفرنجة نزلوا على دمياط في الديار المصرية على الساحل المصري أرسل الجيش لقتال الفرنجة، وامتنع عشرين يوماً عن أكل الطعام، فما كان له إلا الشراب حتى بلغ به الضر والجهد، وأشار عليه الأطباء أنه يعرض نفسه للهلكة، فلم يكن يستطيع أن يسيغ الطعام والمسلمون محاصرون بمصر. ومما يذكر عنه أحد قواد جيشه أن حدثه بحديث مسلسل بالتبسم فلم يبتسم، فراجعه أن يبتسم حتى يتم له سلسلة السند، فقال: إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً والفرنجة يحاصرون دمياط. واستمر به الحال حتى رأى إمام مسجده الإمام يحيى رسول الله في المنام يقول له: يا يحيى! بشر نور الدين محمود زنكي برحيل الفرنجة عن دمياط، قال: وهل من علامة يا رسول الله؟ قال: قل له: علامة تل حارم. ثم قص عليه النبي ﷺ هذه القصة: أنه لما اشتد الكرب بالمسلمين في يوم حارم، وهذه كانت أعظم معركة بينه وبين النصارى الصليبيين، وقتل فيها ١٠٠٠٠ وأسر ١٠٠٠٠، لما اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن فرسه وجواده وعفر خديه في التراب، وقال: اللهم إن هؤلاء عبادك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك -والقصة يرويها أبو شامة في عيون الروضتين في المجلد الأول- ثم قال: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمود، أيش دخل محمود الكلب بين الله وبين عباده؟! وكان هذا النصر بداية وتمهيداً لفتح بيت المقدس على يد البطل صلاح الدين الأيوبي، وانتصر المسلمون في هذه

стр. 634

خلق الحياء إن لكل دين خلقاً، وخلق دين الإسلام الحياء، والحياء له فضل ومنزلة عظيمة عند الله ، وهو على أقسام أعلاها حياء العبد من ربه، فيقلع عن المعصية، وبالحياء يرزق المؤمن الخوف منه سبحانه لا من غيره، وحياء الأنبياء والصالحين نبراس لنا في ترك معاصيه سبحانه، والائتمار بأوامره.

стр. 635

خلق الحياء ومنزلته في شعب الإيمان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد: حديثنا اليوم بعون الله وتوفيقه إليكم عن العلم الأكبر كما قال ابن عطاء، وعن رأس مكارم الأخلاق كما قالت السيدة عائشة، عن خلق الإسلام: الحياء. قال رسول الله ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وإن خلق الإسلام الحياء) والحياء تعبد لله بأسمائه: الحيي والرقيب والعليم والخبير والشهيد. وهي حالة تنشأ كما قال الجنيد ﵀ من رؤية الآلاء ورؤية التقصير، أي: رؤية نعم الله ﵎ عليك، وتقصيرك ومعاصيك، فتنشأ بينهما حالة تسمى الحياء. قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة:٦]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. وروى الإمام أبو داود في سننه بسند فيه انقطاع، ووصله الطبراني في الصغير والبيهقي في سننه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاث من فعلهن فقد طعِم طَعْم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا هو، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من أوسط أموالكم)، وزاد البيهقي: (وزكى نفسه، فقال رجل: وما زكى نفسه يا رسول الله؟! قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان). وقال سيدنا عبد الله بن عمر: لن يجد العبد صريح الإيمان حتى يعلم أن الله معه حيث كان، فلا يعمل بسر يفتضح به يوم القيامة. وقال رسول الله ﷺ : (الحياء خير كله). وقال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير). وقال ﷺ : (الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر). وقال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من شعب الإيمان). وقال ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار). وقال رسول الله ﷺ : (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق). والعي: هو عدم الخوص باللسان كثيراً؛ مخافة أن يقع الإنسان في الباطل. وقال رسول الله ﷺ : (ما كان الحياء في شيء إلا زانه، وما كان الفحش في شيء إلا شانه). فعكس الحياء: القحة والبذاءة. وقال رسول الله ﷺ : (إن الله حيي ستير يستحيي أن يرفع إليه العبد يديه فيردهما صفراً خائبتين). وقال رسول الله ﷺ : (إن الله حيي ستِّير، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر). قال الإمام ابن القيم: وحياء الله حياء لا تكيفه العقول، ولا تدركه الأفهام، فإنه حياء بر وجود وكرم، يستر على العاصي وهو يعلم أنه من عصاه. قال: والحياء صفة من صفات الله ، ومن تقرب إلى الله بصفة من صفاته مما ينبغي أن يتقرب بها أدخلته على الله ، وقربته من الله ، وأدنته من الله ، وصيرته محبوباً، فإن الله عليم يحب العلماء، رحيم يحب الرحماء، جواد يحب الجود. فالإنسان يتخلق بهذه الصفة من صفات الله على معنىً يليق به، وليست كل صفات الله مما ينبغي للعبد أن يتخلق بها، فصفة الكبرياء خاصة بالله ﵎، وينبغي للعبد ألا يتخلق بها، وأما صفة الرحمة وصفة الحياء فينبغي للعبد أن يتخلق بهما على معنى يليق بالعبد، فالعبد عبد والرب رب.
следующие страницы →