← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

هارون الرشيد وصده للمد الصليبي يذكر التاريخ أيضاً أن هناك قواد وأمراء وقفوا أمام المد الصليبي سواء من الغرب أم من الشرق، منهم هارون الرشيد، الخليفة البكاء المفترى عليه، الذي كان يغزو عاماً ويحج عاماً، وقد فدى أسرى المسلمين مرتين: المرة الأولى كانت عام ١٨١هـ فدى فيها من أسرى المسلمين ٣٧٠٠ أسير، والمرة الثانية كانت سنة ١٩٢هـ فدى فيها من المسلمين ١٥٠٠ أسير، ولم يبق في ديار الروم أسير واحد من المسلمين، والخليفة هارون الرشيد هو الذي فتح حصن الصفافي عنوة سنة ١٨١هـ، ومما يذكر في التاريخ أن نقفور ملك الروم أرسل إليه خطاباً قال فيه: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ -والرخ طائر كبير يرتفع في السماء- وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها -أي من أموال الروم- ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها، ولكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ هارون الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن لأحد أن ينظر إليه ويخاطبه، واستعجم الرأي على الوزير ماذا يكتب، فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتاب ملك الروم: من هارون ملك العرب، إلى نقفور كلب الروم أما بعد: يا ابن الكافرة! فالجواب ما ترى دون ما تسمع، ثم انطلق بجيش ضخم وأدب ملك الروم وألزمه الجزية. هكذا كان هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه، فأين القائلون أنه صاحب ألف ليلة وليلة، وأن هارون كان يتعاطى الخمر، والحق أن هارون ما كان يشرب إلا نبيذ التمر؛ لأن مفتيه كان حنفي المذهب وهو أبو يوسف القاضي، وكان يبيح نبيذ التمر، وقد عرف عنه أنه كان بكاء، وذكر أن مجموع ما كان يصليه هارون الرشيد في اليوم والليلة مائة ركعة.

стр. 632

جهود بعض قادة المسلمين في الحد من الزحف الصليبي ويأتي بعد ذلك فاتح عمورية الخليفة المعتصم. أما سمعت بأرض الروم مسلمة تشكوا لمعتصم ظلم المغيرينا فتسبق الخيل أصوات استغاثتها وتملأ الكون صيحات الملبينا وتصرخ اليوم آلاف مؤلفة فهل سمعت سوى أحزان باكينا ونحن نسمع أصوات استغاثتها وليس نسمعها إلا أغانينا خضر مرابعنا بيض صنائعنا سود وقائعنا حمر مواضينا ويذبح الطهر طهر البكر في دمه ونحن نسبح في أحلام ماضينا يذكر التاريخ: أن امرأة اعتدى عليها رجل من الروم فقالت: وامعتصماه، فلما وصله خبر استغاثتها، وكان قد دعا بشراب ليشربه، فوالله ما شرب منه شيئاً، وقال للساقي: أبقه حتى أعود من غزو الروم، ثم قال: أي مدنهم أمنع، قالوا: عمورية، فانطلق على رأس الجيش إلى عمورية، وكان النصر والفتح بإذن الله. فقد وجه المسلمون للروم صفعات عظيمة لا تنسى على مدار التاريخ. ومن المعارك المشهورة في تاريخ الإسلام معركة ملاذكرد، وهي معركة عظيمة نصر الله فيها المسلمين، وكانت بين السلطان ألب أرسلان وقسطنطين الرابع امبراطور الروم سنة ٦٤٣هـ، وكان عدد المسلمين في هذه المعركة لا يزيد عن ١٥٠٠٠ مقاتل، وعدد الروم ٢٠٠٠٠٠ فارس، ومعهم من الرجالة ٣٥٠٠٠ مقاتل، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية ١٥٠٠٠، ومعهم ١٠٠٠٠٠ نقاب وحفار، و٤٠٠ عجلة تحمل النعال والمسامير، حتى إن ألب أرسلان عرض الهدنة وعرض المال؛ لأنه خاف أن تستأصل شأفة المسلمين عن آخرهم، وأن يباد الجيش المسلم عن آخره، فقد وصل مجموع جيش الروم إلى عدد مهول ومجموع المسلمين لا يزيد عن ١٥٠٠٠ مقاتل. واقترب موعد اللقاء فصلى السلطان بالناس، ودعا وأمنوا، وبكى السلطان، وعفر وجهه في التراب، ثم خطب فقال: يا معشر الجند من شاء منكم أن ينصرف فلينصرف، فما هاهنا سلطان، وعقد ذنب حصانه بيده، ولبس البياض وتحنط، فأسرع الجيش وتحنط ولبس كل رجل كفناً، فكان يسمى هذا الجيش في التاريخ بجيش الأكفان، وكانت المفاجأة والنصر والتأييد، فقد دارت الدائرة على امبراطور الروم وهزم وقتل أصحابه وأعوانه، ونودي في آخر النهار: من يشتري أمبراطور الروم قسطنطين الرابع؟ فنادى أحد الجند من أقصى الجيش وقال: لا أشتري الكلب إلا بكلب. ولا عجب فقد أخبرنا بذلك النبي ﷺ حيث قال: (لتغزون عصابة من أمتي البيت الأبيض)، وهو بيت كسرى. ومن الأمثلة على مدار التاريخ الإسلامي: أمير المؤمنين محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، صاحب موقعة قريش، كان من ملوك المسلمين بالأندلس، فجمع له النصارى في الأندلس ما جمعوا، حتى ضاق بخيل العدو الفضاء الواسع، فدخل الشك في نفوس الأمراء، وظنوا ألا نجاة من الكفار، فصاح رجل المسلمين بقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، ثم جاء إلى الأمير فقال له: يا أمير المؤمنين! والله ما حذرت نفسي، إنه لا رأي لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي، فقال له الأمير: وأنا معك، والله ما قذف بهذه الكلمة على لسانك إلا ملك، ثم كان النصر في نهاية اليوم، بعد أن تحالف كل ملوك أوروبا: ملك قشتالة، وملك البشكنش، وملك فرنسا كلهم يريد قتال محمد بن عبد الرحمن، فانتصر عليهم في معركة سليط. ومن النماذج في التاريخ الإسلامي أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر مؤدب ملكي ليون ونافار في غزوة موبش، إذ اعتصم في حصن موبش ١٠٠٠٠٠ مقاتل، فرمى الملك الناصر الحصن بالمنجنيق، وأخرج مقاتلي الصليبين من صياصيهم، فقدموا إلى الناصر فقتلهم وأبادهم جميعاً، وغنم المسلمون ما في الحصن. وممن يذكره التاريخ الإسلامي قائداً عظيماً من قواد المسلمين، وأميراً من أمرائهم، وهو الملك العظيم الحاجب المنصور، ومن أعاجيب هذا الملك أن أغلب جنوده كانوا ممن وقعوا في السبي فأسلموا، ولم يتفق هذا لغيره من الأمراء، ولا لغيره من الملوك، ولم تهزم له راية قط، وكانت له غزوات في الصيف، وأخرى في الشتاء، وبلغ مجموع غزواته ضد الصليبين في أسبانيا وغيرها ٥٠ غزوة. ومما يؤثر عنه أنه كان يجمع غبار المعارك فتوضع معه كحنوط، أو لتصنع منها لبنات توضع في قبره، وكان مرة من المرات يمر بين جبلين -وقد كان يفعل الأفاعيل بجيوش الصليبيين- فاجتمعوا خلفه يريدون حصاره وجيشه، فما كان منه إلا أن نصب البيوت في بلاد الأسبان، ثم قال: نحن لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، ولذا فسنقيم هاهنا إلى وقت الغزوة الأخرى، فإذا غزونا عدنا. ثم ظل يقاتلهم حتى يئسوا منه، فما زال الفرنجة يسألونه أن يرحل إلى أن ألزمهم أن يحملوا على دوابهم الغنائم والسبي، وأن يمدوه بالطعام والمال ما يزوده في طريق عودته إلى أن يصل إلى بلاد المسلمين، وأن يحملوا وينحوا دية القتلى بأنفسهم. وهو بذلك يجسد عزة الرجل المسلم. ومن النماذج في التاريخ الإسلامي القائد المسلم الملقب بـ المنصور، فقد وصل إلى أقصى مدن الصليبيين، إذ ظل يسير قرابة أربعة أشهر في الجبال الشاهقة، وغزا مدينة تسمى شمس ياقب، وقد سميت هذه الغزوة باسم شمس ياقب، وكانت أعظم مدن النصارى بعد بيت المقدس، وكان غزوه لها سنة ٣٨٧ هـ ووصل إلى أقصى مكان من أسبانيا في بلادهم، ومن ذلك الأقوال المأثورة لهذا الملك العظيم: الملك لا ينام إذا نامت الرعية، قال: ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة، يريد أنه لو نام لاحتلت جيوش الغزاة بلاد المسلمين. روى شجاع الملك المستعين بن هود القصة التالية: قال: عندما ذهبت لمقابلة ملك النصارى الفونسو وجدته في مدينة تالي، وقد نصب على قبر الحاجب المنصور سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع! أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم، فحملتني الغيرة على أن قلت له: لو تنفس صاحب هذا القبر - الحاجب المنصور - ما سمع منك ما يكرهه، قال: فهم أن يبطش بي، فحالت امرأته -الملكة- بيني وبينه وقالت: صدقك والله. ومن النماذج في التاريخ الإسلامي أمير المرابطين يوسف بن تاشفين بطل معركة الزلاقة هو والمعتمد بن عباد التي وقعت في مثل هذا الشهر؛ شهر رجب، ففي هذا الشهر دارت رحى أكبر معركة خاضها المسلمون في الأندلس، والصليبيون يسمونها معركة فكر الياس، وقد كانت بين يوسف بن تاشفين بجيشه من البربر من المغرب والمسلمين في أسبانيا، وبين تحالف عباد الصليب وملوكهم: الفونسو السادس ملك قشتالة، وشانشو ملك أرغون، والقنط برنجار وفرسان من ولايات فرنسا الجنوبية، ولعب البابا دوراً عظيماً في الحث على قتال المسلمين، وأرسل الفونسو إلى ملوك النصارى في أوروبا لقتال المسلمين، فأرسل إليه يوسف بن تاشفين رسالة قال فيها: بلغنا أنك دعوت للاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر بها البحر إلينا، فقد جزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]. وكانت هذه المعركة العظيمة التي انتصر فيها الجيش المسلم، وهرب الفونسو عندما حل الظلام، ولم ينج من جيش الفونسو إلا ٤٠٠ أو ٥٠٠ رجل، وكان مجموع من قتل في هذه المعركة ١٨٠٠٠ صليبي، وأسر الباقون. وفي نهاية المعركة صفت الرءوس على شكل هرم، ثم أمر فأذن للصلاة من عليها، وكانت معركة الزلاقة أو هذه المعركة التي يسمونها فكر الياس. ومن المعارك العظيمة التي دارت بين المسلمين وأعداء الله من الصليبين وغيرهم والتي تشبه معركة الزلاقة: معركة الأرك بين أمير المؤمنين يعقوب بن يوسف وبين الملك الفونسو الثامن ملك قشتالة قائد جيوش الصليبيين، فقد أرسل الفونسو الثامن برسالة إلى الملك المنصور فمزقها وكتب في ظهرها: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]، وكانت المعركة العظيمة -معركة الأرك- التي انتصر فيها المسلمون. ولا يزال التاريخ الإسلامي يذكرنا بصفحاته البيضاء، في مشارق الأرض وفي مغاربها، ويرينا أبطالاً مسلمين، وحكاماً صناديد أعادوا العزة للمسلمين. ففي بلاد الهند كان السلطان فتح علي خان الذي استشهد في قتاله ضد الانجليز، وكان يقول: يوم من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى، أما الذين يرفضون هذه الحياة الكريمة، ويبخلون عن العطاء لدين الله فإنهم يدفعون ضريبة الذل أضعاف أضعاف ما يقدمونه في ميدان البذل والعطاء. ومن سلاطين الأتراك الذين فعلوا الأفاعيل بدول أوروبا: السلطان مراد الثاني الذي حكم بلاد المسلمين وسنه ١٨ سنة، فقد تفرغ لقتال ملوك أوروبا، فقد قاتل أحد ملوك أوروبا وانتصر عليه، كما انتصر على أمير الصرب، وكان يدفع له جزية سنوية مقدارها ٥٠٠٠٠ دوق ذهبي، ولما اجتمعت أوروبا كلها لقتال هذا السلطان العظيم وحاصروا مدينة بارانا انتصر عليهم، وكان ذلك في ٢٨ رجب سنة ٨٤٨هـ، ومنيت جيوش أوروبا وهي مجتمعة بهزيمة منكرة. ومنهم السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي فتح بلغراد في ٢٥ رمضان سنة ٩٢٧هـ، وحاصر بربع مليون جندي فينا عاصمة النمسا، ودفعوا الجزية له عن يد وهم صاغرون، وقد وصل الجيش المسلم بقيادته إلى الميدان الرئيسي في مدينة فينا عاصمة النمسا، إلا أن الشيعة بخياناتهم والدولة الصفوية اضطروه إلى أن يفك الحصار عن

стр. 633

مهما كبتت الأمة فلا بد أن تستيقظ أتت على المسلمين أيام بلغوا فيها من الذل مبلغاً عظيماً، ومن الهوان ما ليس بعده هوان، ففي أيام حكم الفاطميين لمصر -والفاطميين من غلاة الشيعة الإسماعيلية- الذي استمر ٢٠٨ سنوات أذلوا المصريين أيما إذلال، ومن ملوكهم الذين اشتهروا بذلك المعز لدين الله الفاطمي وكان أول خلفائهم، فقد أرسل جوهر الصقلي لبناء مدينة القاهرة وبناء المسجد الأزهر؛ لنشر الفكر الشيعي، ولسب الصحابة، ثم شاء الله له أن يعود إلى أهل السنة على يد البطل السلطان صلاح الدين الأيوبي، ومن أعمال الفاطميين أنهم لما جاءوا إلى مصر أمسكوا بكبير علماء المصريين وكبير حفاظهم أبو بكر بن النابلسي، فقال له المعز لدين الله -الخليفة الفاطمي-: بلغنا أيها الرجل أنك تقول: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً للرافضة وتسعة لليهود والنصارى، قال: ما هكذا قلت، ولكن قلت: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً لليهود والتسعة الباقية للرافضة، فقال له المعز: لماذا؟ فأجابه: لأنكم غيرتم دين الأمة، وأطفأتم نور السنة، وادعيتم ما ليس لكم، فأمر بسلخه حياً، وأمر أن يقوم بسلخه يهودي، فسلخه اليهودي حتى وصل السلخ إلى منطقة القلب فرق له فطعنه بخنجر فقتله. حكى ذلك الحافظ الذهبي في كتابه القيم (سير أعلام النبلاء). وقد كان بدر الجمالي أمير الجيوش -وهو والي فلسطين من قبل الفاطميين- فلما جاءت جيوش أوروبا وجيوش النصارى يقودها بطرس الناسك ومعه ملوك أوروبا سقطت في أيديهم الرهى، وهي أول مدينة مسلمة تسقط في أيدي الصليبيين، ثم مدينة أنطاكية، وكانت في أيدي السلاجقة، ولم يكن لديهم أدوات حربية فسقطت الواحدة تلو الأخرى، ثم استمر زحفهم إلى بلاد المسلمين في بلاد الشام حتى وصلوا معرة النعمان فأوسعوا المسلمين قتلاً، والروايات الأوروبية التي تحكي الغزو الصليبي والحملات الصليبية تذكر أنهم قتلوا عدداً كبيراً من المسلمين في معرة النعمان، وقاموا بسلخهم بعد موتهم مباشرة، ثم شيهم وأكلوهم، وهذا ثابت في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للحملات الصليبية. ثم بعد ذلك واصلوا زحفهم إلى بيت المقدس، وكان بدر الجمالي أمير الجيوش وغيره من قادة الفاطميين، فما شهروا في وجه الصليبيين سيفاً، ولا أرسلوا سهماً، وكل الذي عملوه أنهم سلموا للصليبين القدس، ولما سلموها قتل الصليبيون في هذا اليوم من المسلمين ٧٠٠٠٠ في بيت المقدس، حتى ما استطاع القائد الصليبي أن يدخل إلى المسجد الأقصى إلا بعد أن غاص بين جثث المسلمين إلى ركبتيه، وجعلوا من المحراب الأكبر مكاناً لخيولهم وخنازيرهم، وعلقوا على قبة الصخرة صليبهم الأعظم، وظلت ديار المسلمين يجول فيها الشيعة الرافضة فما أن يروا قائداً يهب لجهاد الصليبيين إلا وقتلوه، فقتلوا الأمير ممدود الذي كان من أبطال المسلمين الذين قاتلوا الصليبيين في بلاد الشام، قتلوه وهو خارج من المسجد بعدما صلى الجمعة، وقد أرسل ملك الصليبيين إلى كبير المسلمين يقول له معاتباً: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، -يوم الجمعة- في بيت معبودها -في المسجد- حقيق على الله أن يبيدها. ثم أذن الله أن يعود مجد المسلمين على يد بطل يسمى عماد الدين آق خنقر زنكي بن زنكي، وهو أبو البطل نور الدين محمود زنكي، فقد أذاق الفرنجة الويلات، يقول عنه ابن كثير: كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وهو الذي أعاد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن دب الوهن في قلوبهم، وفتح مدينة الرهى، أول مدينة سقطت من بلاد المسلمين. ثم اغتاله المماليك وهو يحاصر حصون الصليبيين، فتولى الإمارة من بعده ابنه ليث الإسلام نور الدين محمود زنكي، يقول عنه الإمام أبو شامة الشافعي: أطربني ما رأيت من آثاره، وسمعت من أخباره، مع تأخر زمانه، ثم وقفت بعد ذلك على سيرة سيد الملوك من بعده الملك الناصر صلاح الدين، فوجدتهما في المتأخرين كالعمرين -أي: كـ أبي بكر وعمر - في المتقدمين، فلله درهما من ملكين تعاقبا على حكم السيرة، وجميل السريرة، والفضل للمتقدم -يريد نور الدين - فإنه أصل ذلك الخير كله للمسلمين -لأن صلاح الدين ما هو إلا عامل من عماله- فهو الذي مهد الأمور بعدله وجهاده وهيبته في جميع بلاده، ولكن صلاح الدين أكثر جهاداً، وأعم بلاداً، صبر وصابر، وسخر الله له من الفتوح أنفسها. وكان أول شيء عمله نور الدين محمود زنكي أنه أصلح الجبهة الداخلية، فقمع الرافضة، وأظهر السنة في حلب ودمشق بعدما كان الشيعة متسلطين عليها، ويذكر أنه لما حاول بعض أمراء المسلمين أن يعيدوا السنة كان الشيعة يسحبون الحصر في المسجد الجامع من تحت أرجل المصلين، ويقولون: هذه لـ علي بن أبي طالب، فإذا أراد أبو بكر أن يصلي فليأت بحصر له. وبعد أن قمع نور الدين محمود زنكي الرافضة والشيعة بحلب أرسل أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي إلى مصر؛ من أجل أن يعين المصريين على طرد الشيعة، ومما يذكر عن هذا البطل العظيم أنه ما فاتته صلاة الجماعة، وكان له قبيل الفجر ركعات يركعها في المسجد قبل أن يأتي الإمام، وقبل أن يأتي المؤذن ليؤذن لصلاة الفجر، وكان هو السلطان الذي ملك بلاد الشام كلها يعمل الأغلاف والسكاكر، وكانت له عجائز يبعن هذه الأغلاف والسكاكر سراً، ويعيش عليها، ويعيش من سهمه في الغنيمة. ويذكر أن زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون بنت معين الدين أنر كانت كثيرة الصدقة، وكانت ترسل إليه أن يأتي إليها بالمال فيقول: ليس لي إلا ثلاثة دكاكين بحمص فخذيها، وأما ما أنا فيه من المال فإنما أنا خازن فيه للمسلمين، لا أخوض النار في هواك. ويذكر أنه كان في رمضان يمتنع عن طعام المملكة ويرسل إلى شيخه عمر الملا بالموصل ليأتي إليه بالرقاق ليعيش عليه طيلة الشهر. هذا السلطان العظيم يقول عنه الذهبي: قل أن ترى العيون مثله. وقال ابن الأثير: ما حكم البلاد بعد عمر بن عبد العزيز أعدل من هذا الملك العظيم. ومما ذكروا عنه: أنه كان مدمناً لصلاة الليل. قال ابن الأثير: وكذلك كانت زوجته عصمة الدين بنت الأتابك خاتون، فقد ذكروا أنها قامت ذات ليلة غضبى من نومها، فسألها عن سر غضبها، فقالت: فاتني وردي البارحة فلم أستطع أن أصلي من الليل شيئاً، فأمر بضرب طبل خانة توقظ الناس لصلاة وقيام الليل. وكان هذا الملك العظيم يتعرض للشهادة كما قال كاتبه أبو اليسر، ويسأل الله أن يحشره إليه من حواصل الطير وبطون السباع، وكان شيخ الديار المصرية والشامية قطب الدين النيسابوري يقول له: بالله عليك يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فأنت سور الإسلام ومنعته، ولو قتلت ما بقى في المسلمين أحد إلا وأعملوا فيه السيف، فيرد عليه هذا البطل العظيم ويقول: اسكت يا قطب الدين! هذه إساءة أدب مع الله ، من كان يحفظ البلاد والعباد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ وكان قاضية القاضي كمال الدين يجلس للقضاء بعد أن تفشى الظلم في الجنود والقواد ويجلس معه في المجلس نور الدين مرتين كل أسبوع. ويذكر أن أسد الدين شيركوه نائبه على المملكة جمع الحاشية والجند ثم قال: لو أوقفتموني أمام نور الدين لصلبتكم، قالوا: إذاً يطمع في مالك العامة، قال: والله لضياع ملكي أهون عندي من أن ينظر إلي نور الدين بعين ظالم، فلما سمع بذلك نور الدين سجد لله شكراً وقال: الحمد لله الذي جعل عمالنا ينصفون من أنفسهم قبل المجيء إلينا. ومما يؤثر عنه أنه كان يكثر الصلات والنفقة على فقراء المسلمين وزهادهم وعبادهم، ويقول: كيف أقطع صلاتي بقوم يدافعون عني بسهام في الليل لا تخطئ، وإنما أنصر وأرزق بدعائهم وبإخلاصهم، وكان هذا البطل العظيم جذوة مشتعلة من الشعور بهم المسلمين، سكن الديار الشامية وكان سلطانها، وكان جيشه بمصر، فلما بلغه أن الفرنجة نزلوا على دمياط في الديار المصرية على الساحل المصري أرسل الجيش لقتال الفرنجة، وامتنع عشرين يوماً عن أكل الطعام، فما كان له إلا الشراب حتى بلغ به الضر والجهد، وأشار عليه الأطباء أنه يعرض نفسه للهلكة، فلم يكن يستطيع أن يسيغ الطعام والمسلمون محاصرون بمصر. ومما يذكر عنه أحد قواد جيشه أن حدثه بحديث مسلسل بالتبسم فلم يبتسم، فراجعه أن يبتسم حتى يتم له سلسلة السند، فقال: إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً والفرنجة يحاصرون دمياط. واستمر به الحال حتى رأى إمام مسجده الإمام يحيى رسول الله في المنام يقول له: يا يحيى! بشر نور الدين محمود زنكي برحيل الفرنجة عن دمياط، قال: وهل من علامة يا رسول الله؟ قال: قل له: علامة تل حارم. ثم قص عليه النبي ﷺ هذه القصة: أنه لما اشتد الكرب بالمسلمين في يوم حارم، وهذه كانت أعظم معركة بينه وبين النصارى الصليبيين، وقتل فيها ١٠٠٠٠ وأسر ١٠٠٠٠، لما اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن فرسه وجواده وعفر خديه في التراب، وقال: اللهم إن هؤلاء عبادك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك -والقصة يرويها أبو شامة في عيون الروضتين في المجلد الأول- ثم قال: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمود، أيش دخل محمود الكلب بين الله وبين عباده؟! وكان هذا النصر بداية وتمهيداً لفتح بيت المقدس على يد البطل صلاح الدين الأيوبي، وانتصر المسلمون في هذه

стр. 634

خلق الحياء إن لكل دين خلقاً، وخلق دين الإسلام الحياء، والحياء له فضل ومنزلة عظيمة عند الله ، وهو على أقسام أعلاها حياء العبد من ربه، فيقلع عن المعصية، وبالحياء يرزق المؤمن الخوف منه سبحانه لا من غيره، وحياء الأنبياء والصالحين نبراس لنا في ترك معاصيه سبحانه، والائتمار بأوامره.

стр. 635

خلق الحياء ومنزلته في شعب الإيمان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد: حديثنا اليوم بعون الله وتوفيقه إليكم عن العلم الأكبر كما قال ابن عطاء، وعن رأس مكارم الأخلاق كما قالت السيدة عائشة، عن خلق الإسلام: الحياء. قال رسول الله ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وإن خلق الإسلام الحياء) والحياء تعبد لله بأسمائه: الحيي والرقيب والعليم والخبير والشهيد. وهي حالة تنشأ كما قال الجنيد ﵀ من رؤية الآلاء ورؤية التقصير، أي: رؤية نعم الله ﵎ عليك، وتقصيرك ومعاصيك، فتنشأ بينهما حالة تسمى الحياء. قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة:٦]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. وروى الإمام أبو داود في سننه بسند فيه انقطاع، ووصله الطبراني في الصغير والبيهقي في سننه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاث من فعلهن فقد طعِم طَعْم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا هو، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من أوسط أموالكم)، وزاد البيهقي: (وزكى نفسه، فقال رجل: وما زكى نفسه يا رسول الله؟! قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان). وقال سيدنا عبد الله بن عمر: لن يجد العبد صريح الإيمان حتى يعلم أن الله معه حيث كان، فلا يعمل بسر يفتضح به يوم القيامة. وقال رسول الله ﷺ : (الحياء خير كله). وقال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير). وقال ﷺ : (الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر). وقال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من شعب الإيمان). وقال ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار). وقال رسول الله ﷺ : (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق). والعي: هو عدم الخوص باللسان كثيراً؛ مخافة أن يقع الإنسان في الباطل. وقال رسول الله ﷺ : (ما كان الحياء في شيء إلا زانه، وما كان الفحش في شيء إلا شانه). فعكس الحياء: القحة والبذاءة. وقال رسول الله ﷺ : (إن الله حيي ستير يستحيي أن يرفع إليه العبد يديه فيردهما صفراً خائبتين). وقال رسول الله ﷺ : (إن الله حيي ستِّير، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر). قال الإمام ابن القيم: وحياء الله حياء لا تكيفه العقول، ولا تدركه الأفهام، فإنه حياء بر وجود وكرم، يستر على العاصي وهو يعلم أنه من عصاه. قال: والحياء صفة من صفات الله ، ومن تقرب إلى الله بصفة من صفاته مما ينبغي أن يتقرب بها أدخلته على الله ، وقربته من الله ، وأدنته من الله ، وصيرته محبوباً، فإن الله عليم يحب العلماء، رحيم يحب الرحماء، جواد يحب الجود. فالإنسان يتخلق بهذه الصفة من صفات الله على معنىً يليق به، وليست كل صفات الله مما ينبغي للعبد أن يتخلق بها، فصفة الكبرياء خاصة بالله ﵎، وينبغي للعبد ألا يتخلق بها، وأما صفة الرحمة وصفة الحياء فينبغي للعبد أن يتخلق بهما على معنى يليق بالعبد، فالعبد عبد والرب رب.

стр. 636

أقسام الحياء والحياء يأتي على أقسام عشرة: حياء الجناية، وحياء التقصير، وحياء الإجلال، وحياء الحشمة، وحياء الكرم، وحياء استصغار النفس، وحياء المحبة، وحياء العبودية، وحياء الشرف والعزة، وحياء المستحيي من نفسه.

стр. 637

الحياء من الناس قالوا: أحي حياءك بمجالسة من يستحيا منه. وقال مجاهد: لو لم يكن من مصاحبتك للصالحين إلا أنهم يمنعونك من المعاصي حياءً لكان في هذا خير. أي: أنك لو لم تستفد من جلوسك وصحبتك للصالحين إلا أن تقلع عن الذنوب حياءً وخجلاً منهم لكفى. ومن الناس من يتساهل، فإذا نسيت نفسك ونسيت أهلك وزوجك وأولادك، فلا تنس ثلاثة مواقف: موقفاً بين يدي الله ليس بينك وبينه ترجمان، فعن عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما من أحد إلا سيخلو بربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشام منه فلا يرى إلا ما قدم). يوم يعاتبك الله على سيئاتك ويذكرك بها: أتذكر ذنب كذا يوم كذا وكذا، هذا الموقف لا تنساه أبداً، فإذا نسيت كل من حولك فلا تنس أنك ستخلو بربك يوماً من الأيام. والموقف الثاني: وأنت على الحوض وتنظر إلى رسول الله لأول مرة، وما نظرت إليه قبلها، انظر بحياء المحبة إلى النبي ﷺ وكيف تخاطبه وكيف تكلمه حين يسألك عن ميراثه، ماذا فعلت به؟ موقف عظيم تتقطع دونه القلوب حسرة. والموقف الثالث: حين يصاح بك على رءوس الخلائق: فلان بن فلان، وتتشابه الأسماء، فوالله ما يستقر في قلبك إلا أنك أنت المراد، فتصرخ على رءوس الأشهاد، يقول ﷺ : (يرفع لكل غادر لواء غدره يوم القيامة عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان) هذا في غدر الناس بالناس، فكيف في قلبك مع ربك، وفي نقضك لعهدك مع الله ، وكيف بميثاق الفطرة الذي أودعه فيك، ماذا تقول لربك؟! قال تعالى: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، وقوفك بين يدي الله ووقوفك بين يدي رسول الله ﷺ ، ووقوفك على رءوس الأشهاد. فيا سوأتا والله راءٍ وسامع لعبد بعين الله يغشى المعاصيا

стр. 638

الحياء من الملائكة الحياء من الملائكة صفة من صفات الصالحين قال النبي ﷺ : (وأصدق أمتي حياءً عثمان). وقال النبي ﷺ : (ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة)، فسيدنا عثمان كان لا يفيض الماء إلا وهو متستر بثوبه، وكان يغتسل ولا يقيم صلبه؛ حياء من الله . وما أكذب عبد الرحمن الشرقاوي حين قال: إن سيدنا عثمان قص على الصحابة ما كان بينه وبين زوجه! فهذا الرجل قد يكذب على أي شخص، لكن على أحيا الأمة عثمان بن عفان فهذا مستحيل! فالحياء من الملائكة واجب، قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١]، أي: فاستحيوا منهم. ولا أقبح ممن لا يستحيي من الجليس، ولذلك يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما على أحدكم إذا خلا بنفسه أن يقول لملكيه: اكتبوا على بركة الله، ثم يفعل الخير. وكان أبوه يستشعر قرب الملائكة من مجلسه فيقول: يا ملكي ادعوا الله لي، فأنتما أطوع لله مني. فالإنسان يستشعر قرب الملائكة الأقران فيكرمهم؛ لأنهم أحق بالكرم.

стр. 639

حياء المستحيي من نفسه الرجل الذي يستحيي من الناس ولا يستحيي من نفسه ليس لنفسه عنده قدر، فهو يفعل في السر ما يستحيي أن يطلع عليه الناس في العلانية، فليعلم أن نفسه عنده هينة، ولو كان لنفسه عنده قدر لاستحيا منها، فيجعل من نفسه نفسين: نفساً تفعل معصية، ونفساً تحاسبها وتعاتبها.

стр. 640

الحياء من الله سبحانه والحياء على أنواع أعلاه وأفضله الحياء من الله ﵎؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إنا لنستحيي من الله حق الحياء، قال: ليس ذاكم، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). فقوله: (فليحفظ الرأس وما وعى) أي: حتى الوساوس حتى خطرات النفس تحفظها لله . وقوله: (وما وعى) أي: العين والشم والسمع تحفظه لله ﵎، وقال أهل العلم: أعلى من هذا درجة حديث السر الذي ينشأ في رأسك، قال ثور بن عبد الله التستري: أول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم، أي: من العمل السيء. وقوله: (والبطن وما حوى) أي: ينظر من أين طعامه، ومن أين شرابه، فلا تكن الرجل الذي طعامه من حرام، وشرابه من حرام، ويطيل السفر أشعث أغبر، ثم يقول: اللهم ارزقني، لا يستحيي من الله ﵎، فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى. قال بشر بن الحارث الحافي: لو صفا لي درهم من حلال لاشتريت به دقيقاً، ولصنعت منه خبزاً، ثم دققته، ثم مررت به على المرضى أداويهم به. قوله: (وليذكر الموت والبلى) فمن ذكر الموت هانت عليه شهواته، ومن تذكر عذاب القبر ومنكراً ونكيراً، هانت عليه شهواته. قوله: (ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا) فاستحي من الله أن يراك ماضياً إلى الدنيا بقلبك، والله لم ينظر إليها، فقد قال النبي صلى الله علي وسلم: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). الحياء من الله يتولد من معرفة العبد لمقام الله ، ولذلك قال بلال بن سعيد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى كبرياء من واجهته بها. وقال أحدهم: يا رب! أتراك ترحم من لم تكن عيناه للمعاصي، حتى علم ألا عين تراه غيرك. فيا أخي المؤمن لم جعلت الله أهون الناظرين إليك؟ لم لا تستحيي من الله ؟ يقول رسولنا ﷺ : (أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك). يا من يشير إليهم المتكلم وإليهم يتوجه المتظلم وشغلتم كلمي بكم وجوارحي وجوانحي أبداً تحن إليكم وإذا نظرت فلست أنظر غيركم وإذا سمعت فمنكم أو عنكم وإذا نطقت ففي صفات جمالكم وإذا سألت الكائنات فعنكم وإذا رويت فمن طهور شرابكم وبذكركم في خلوتي أترنم فعليك أن تجعل الله أعظم ما تحن إليه. كان عمرو بن عبد القيس ينام في البراري، وهو من دهاة العرب، فقالوا له: أما تخشى من السبع؟ قال: إني لأستحيي من الله أن أخشى غيره وأنا في سلطانه. مع أن هذا خوف جبلّي، والإنسان يخاف من الأسد، ولكن هذا كان خوفه من الله أعلى مما جعله لا يخاف من الأسد. وسيدنا سفينة مولى رسول الله ﷺ كما ورد في حديث حسنه الشيخ الألباني أنه وقع في أسر الروم، ففر من الأسر، فبينما هو على الطريق إذ لقيه الأسد فقرب منه وقال له: يا أبا الحارث! -وهذه كنية الأسد- أنا مولى رسول الله، وكان من أمري كذا وكذا وكذا، وجلس يحكي للأسد، قال: فبصبص الأسد -أي: حرك ذنبه يميناً ويساراً- حتى أوصله إلى مأمن الجيش. وهذا عمرو بن عتبة بن فرقد الإمام التابعي العظيم كان والده قائداً لجيش من جيوش المسلمين، هذا الرجل الصالح ما كان يتحرك في صلاته، وفي ذات ليلة أتى السبع ففر الجيش وهو واقف في صلاته فما انصرف، فلما انصرف قال: ابحث عن رزقك في مكان آخر، فقالوا له: أما خفت السبع؟ قال: إني أستحيي من الله أن أخاف غيره وأنا بين يديه. وبنان الحمال دخل على أحمد بن طولون أمير مصر فأمره ونهاه ووعظه، وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فأتى بسبع وألقاه إلى بنان وهو في السجن، فإذا بالسبع يشم بناناً، فقالوا له: أين كان قلبك والأسد يشمك؟ قال: إني كنت أفكر في اختلاف العلماء في سؤر السباع. فهؤلاء قوم لا تخطر لهم المعصية على بال؟ لأن الإنسان قد يترك المعصية خوفاً من الوعيد وخوفاً من النار، ومقام أعلى منه أن يقلع عن المعصية حياءً من الله ، فيعلم بقرب الله فيقلع عن المعصية، وأعلى منه أن يقلع عن المعصية حباً لله ، وأن يعظم حياؤه من الله أن يعصيه وهو يحبه. يقول عمر بن الخطاب: (من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه). ويقول مقدم الجيوش الجراح بن عبد الله: تركت الذنوب أربعين سنة حياءً من الله ، ثم أدركني الورع. يعني: ظللت أجاهد نفسي وأترك الذنوب حياءً من الله أربعين سنة، ثم بعد ذلك أدركني الورع.

стр. 641

حياء المحبة أما حياء المحبة فمثاله في البشر أن الرجل مثلاً إذا عقد على امرأة ولم يدخل بها، ثم ذهب إلى بيت أبيها فمجرد أن تخرج عليه تجد أن الدم يتصاعد إلى جبينه من غير أن يدري، أو يتلعثم في كلامه إذا رآها أول مرة بعد العقد، وهذه حالة يعرفها كل الناس، قال الشاعر: فما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب وإني لتعروني لذكراك هزة لها بين جلدي والعظام دبيب وأما حياء المحبة بالنسبة لله ﵎ فهذا يدفعك إلى كره المخالطة للخلق، فإذا أحببت الله ، وعلمت أن الله قريب منك، فهذا يدفعك إلى حب الله ، وهذا الحب يدفعك إلى الأنس بالله ، ويكره إليك مخالطة الخلق، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية كان إذا أصحر يقول: وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك القلب بالسر خاليا وما بقى من زمان الدنيا إلا الخلوة بالله ﵎، قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما تشتهي؟ قال: سرداب أخلو بالله ﵎ فيه. فإذا أبعدك الله من مخالطة الخلق، وأنعم عليك بجواره ومحبته والأنس به، فقد اجتباك الله ﵎، ولذلك مما يقسي القلب فضول مخالطة الناس ومجالستهم، وقد نهي عن السمر بعد العشاء إلا مع زوج، أو في مطالعة العلم، لكن الناس الآن تبدأ أمورهم بعد صلاة العشاء، وجلساتهم لا تطيب ولا يحلو لهم الجلوس إلا بعد صلاة العشاء، ثم بعد ذلك يضيع عليهم الفجر، فبالله عليك هل العدد الكبير الذين يصلون في العشاء يصلون الفجر؟ فلو أقللت من مخالطتك للناس، وعلمت أن لله حقاً في حرمات الليالي لما كان هذا حالنا مطلقاً.

стр. 642

حياء الحشمة وحياء استصغار النفس وحياء عزتها هذا الحياء اختفى من بين الناس، كحياء سيدنا علي بن أبي طالب، حيث قال: كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ؛ لمكانة ابنته، فأمرت المقداد أن يسأل النبي ﷺ ، فما بال الناس قد ارتفع هذا من دنياهم، فيجلس الرجل ويحدث بهذا وبجواره ابنته ولا يستحيي، بل ويكلم الرجل حميه ونسيبه في المسألة مما يتعلق بابنته ولا يستحيي منه. ومثل الرجل يستحيي أن يسأل ربه الدنيا وهو يعلم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، يقول أحد العباد: إني لأستحيي أن أسأل ربي الدنيا وهو مالكها، فكيف أسألها من غير مالكها؟! حياء عزة النفس وشرفها، كالرجل الكريم الجواد العظيم في هباته لله، إذا صدر منه ما هو أقل من قدره فإنه يستحيي من هذا وكأنه هو الآخذ، ولا ينظر إلى عيني الآخذ؛ لأنه يعلم كثرة السؤال، فإذا كنت مثلاً متعوداً أن تعطي أحداً من إخوانك كلما قابلته جنيهين، وفي يوم من الأيام قابلته ولا يوجد معك سوى ربع جنيه، فتعطيه هذا الربع وأنت مستحي منه تغض بصرك إلى الأرض، وكأنك أنت الذي أخذت، ومن آداب الأعطية ألا تنظر إلى عيني الآخذ، فللسؤال كسرة، نسأل الله ﵎ أن ينجينا وإياكم من هذا.

стр. 643

حياء العبودية هو حياء كما قال ابن القيم: ممتزج بين خوف وبين حب، ويدفعك هذا إلى استصغار ما يصدر منك في حق الله ، فتقول في نفسك: بمثل هذه العبودية أقابل الله ! ولذلك فإن العباد الصالحين دائماً يستغفرون الله عند كل طاعة، ويقولون: مثل هذه الطاعة لا تليق بمقام الله ، فالعبد إذا تحلل من صلاته قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر؛ لأن مثل هذه العبادة لا تليق بمالك الملوك سبحانه رحمان الدنيا والآخرة، وتستقل هذا من نفسك، فهذا حياء العبودية.

стр. 644

حياء الإجلال وهذا الحياء يكون على قدر المعرفة بالكيف، مثل حياء سيدنا عمرو بن العاص من رسول الله ﷺ ، فلما جاءه الموت قال: والله ما كان شيء أحب إلي من رسول الله ﷺ ، وما كنت أملأ عيني من رسول الله حياءً منه، ولو قلتم لي: صفه، لا أستطيع أن أصفه. أي: لم يكن يستطيع أن يملأ عينيه من رسول الله ﷺ حياءً منه وإجلالاً لمقامه العظيم، كما يقول الشاعر: أشتاقه فإذا بدا أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة وصيانة لجماله الموت في إدباره والعيش في إقباله وأصد عنه إذا بدا وأروم سبط خياله وكان عبد الله بن عمر ﵁ جالساً في مجلس أبي بكر وعمر ورسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (إن من الشجر شجرة مثل المؤمن لا يسقط ورقها، فوقع في الناس أنها شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فلم أتكلم إجلالاً لمكانة أبي بكر وعمر، فقال النبي ﷺ : هي النخلة) فحدث عبد الله بن عمر والده بعد ذلك، فقال: يا بني! لئن كنت قلتها أحب إلي من كذا وكذا. وقال سيدنا عبد الرحمن بن مهدي تلميذ سفيان الثوري: والله ما كنت أستطيع أن أنظر إلى سفيان الثوري حياءً منه وهيبة. وقيل عن سفيان الثوري: كان أصفق الناس وجهاً في الله ، يعني: لا يستحيي من أحد في الحق، وهذا من غاية الحياء وكماله: ألا تستحي من مقارعة المبطلين لمقام الله ، وترفع حياءك من الله فوق حيائك من الخلق، كما قال النبي ﷺ : (ألا لا يمنعن أحد هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه أو شهده أو سمعه). ولذلك لما دخل سفيان الثوري على المهدي أغلظ له في القول وهو خليفة المؤمنين، فقال له عبيد الله وزير المهدي: لقد أسأت وتعديت، قال: اسكت فما أهلك فرعون إلا هامان، فلما ولى وانصرف قال عبيد الله للخليفة المهدي: يا أمير المؤمنين! ائذن لي أن أضرب عنقه، قال: اسكت! وهل بقى في الأرض من يستحيى منه غير سفيان.

стр. 645

حياء الكرم مثلما حدث مع النبي ﷺ حين أكرم ضيوفاً له فأبوا إلا الجلوس، فعاتبهم الله : ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. ومثال ذلك أيضاً: أن تأتي إلى أخ لك فيصنع لك حق الضيف، وحق الضيافة ثلاثة أيام، فلا تنتظر حتى تأخذ متاع البيت على كتفيك وترحل، وإنما تتقي الله ﵎ في إخوانك.

стр. 646

حياء التقصير أما النوع الثاني من الحياء فهو: حياء التقصير، كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ثم إذا رفعوا رءوسهم يوم القيامة قالوا لله : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]. وأي ذنب يرتكبه العبد دائر بين أمرين كما قال ابن القيم، فإذا قال العبد -حتى ولو ارتكب صغيرة-: إني أفعل هذا الذنب والله لم يرني، ولا يطلع علي، ولا يعلم بخطيئتي، ولا يعلم بقبحي، فهذا خرج من الإسلام بالكلية، حتى ولو ارتكب خطيئة. وأما إذا قال: إني أفعل هذا الذنب وأعلم أن الله ﵎ يراني من فوق سبع سموات، وأعلم أنه مطلع علي، فهذا يدل على قمة الحياء. وفي ذلك يقول سيدنا عبد الله بن عباس: يا صاحب الذنب لا تأمن عاقبته، فما بعد الذنب أهون من الذنب، حزنك على الذنب إذا فاتك وأنت على الذنب أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا عملته أعظم من الذنب، وقعودك وإصرارك على الذنب وأنت على الذنب أعظم من الذنب، وامتناع فؤادك إذا حركت الريح ستر بابك، ولا ينخلع قلبك ويضطرب لنظر الله إليك من فوق سبع سماوات أعظم من الذنب. يقول رسول الله ﷺ في حديث أبي عامر الألهاني: (إني أعلم أناساً يأتون يوم القيامة بحسنات مثل جبال تهامة بيضاء يجعلها الله هباء منثوراً، فقال ثوبان: يا رسول الله! جلهم لنا، أي: صفهم لنا نعرفهم لئلا نكون منهم، قال: هم أناس من جلدتكم، ويأخذون من الليل مثلما تأخذون، ويصلون كما تصلون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها). وكم ذي معاص نال منهن لذة ومات فخلاها وذاق الدواهيا وتصرم لذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات الذنوب كما هيا فيا سوأتا والله راءٍ وسامعٌ لعبد بعين الله يغشى المعاصيا

стр. 647

حياء الجناية أما حياء الجناية: فهو ناشئ عن اعتراف العبد بذنبه، فيعلم العبد أنه أذنب، ويعلم أن له رباً فيستحيي منه، كحياء آدم ﵇ بعد أن فعل المعصية وفر في الجنة، فقال له الله : أفراراً مني يا آدم؟! قال: لا يا رب! بل حياء منك. وروى الإمام البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس ﵁: (أن الناس إذا اجتمعوا في عرصات القيامة وهالهم الموقف، رجعوا إلى الأنبياء، فذهبوا إلى آدم أبي البشر، وقالوا له: يا آدم! أنت أبو الخلق خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة أن يسجدوا لك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا تستشفع لنا إلى ربنا، قال: فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، فيستحيي منها ويقول: اذهبوا إلى نوح) وهكذا مع كل نبي إلى سيدنا عيسى فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته فيستحيي منها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومذهب السلف -وليس لهم مذهب سواه- جواز الصغيرة على الأنبياء، ولكن هناك فرق بينهم وبين بقية البشر، وهو أنهم إذا فعلوا الصغيرة تابوا منها في الحال وأقلعوا عنها، وكان حالهم بعد التوبة أكمل من حالهم قبل التوبة. ومن هذا الحياء حياء الفضيل بن عياض ﵀، حيث قال: لو خيرت أن أبعث فأدخل الجنة وبين ألا أبعث لاخترت ألا أبعث. فقيل لـ محمد بن أبي حاتم: هذا من الحياء؟ قال: نعم، من حيائه من الله . وشهد الفضيل بن عياض موقف الناس في عرفات، فأمسك بلحيته وتساقطت دموعه على وجنتيه، وهو يقول: واسوءتاه منك وإن عفوت، واخجلاه منك وإن عفوت. والأسود بن يزيد لما احتضر وجاءه الموت، بدا عليه الجزع، قالوا: ولم الجزع؟ قال: ومن أحق مني بالجزع، ومن أولى مني في هذا الموقف بالجزع، إن العبد ليذنب الذنب فيعلم أن الله غفره له، فيستحيي من موقفه بين يدي الله ﵎. يا خجلة العبد من إحسان سيده يا حسرة القلب من ألطاف نعماه فكم أسأت وبالإحسان قابلني واخجلتي واحيائي حين ألقاه يا نفس كم بخفي اللطف عاملني وقد رآني على ما ليس يرضاه يا نفس كم زلة زلت بها قدمي وما أقال عثاري ثم إلاه دخل أبو حامد الخلقاني على الإمام أحمد إمام أهل السنة، فقال له: يا إمام! ما تقول في شعري؟ قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قول القائل: إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني فأمره الإمام أحمد أن يكررها، ثم أمسك بطرف ثوبه وأخذ نعله، ثم أغلق الباب، وسمع نحيبه من خلف الباب وهو يقول: إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني قال الحسن البصري: لو لم يكن من البكاء إلا على هذا الموقف، لكان حرياً أن يطول بكاؤنا.

стр. 648

نماذج من حياء الأنبياء والصالحين إن سيدنا موسى ﵇ أعلى الله مقامه بجهاده لليهود الذين كانوا لا يتناهون عن منكر يأتونه، وكان موسى ﵇ حيياً ستيراً، كما قال ﷺ : (كان لا يرى شيء من جلده حياءً، فقال اليهود عنه: إنه آدر، وبينما كان يغتسل ذات مرة إذ أخذ الحجر ثوبه، فأخذ يطارد الحجر ويقول: ثوبي يا حجر! وظل يضرب الحجر حتى بان أثر الضرب ندباً على الحجر). وكان الرسول ﷺ أشد الناس حياءً، إذ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عرف الصحابة ذلك في وجهه. فمن حيائه أن امرأة أتت تسأله عن الغسل، فقال: اغتسلي لكذا وكذا، وضعي فرصة من المسك، فقالت: كيف أتطهر؟ فوضع النبي ﷺ يده على وجهه، وعلمت السيدة عائشة، فجذبت المرأة ثم جعلت تعلمها كيفية الغسل وكيفية الطهارة. وأما حياؤه من ربه فقد ورد في حديث مالك بن صعصعة لما قال له موسى: (سل ربك التخفيف؛ فإن أمتك لا تقدر، قال: لقد سألت حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم). وحياء ابنة الرجل الصالح الذي يسميه العامة شعيباً، وهو ليس نبي الله شعيباً، قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥] يعني: كأن الأرض زرعت حياءً وهي تمشي عليه. وقالت هذه المرأة الصالحة لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص:٢٦]، وهي تريد أن تطلبه لنفسها، ولكنها تستحيي من والدها. ويقول النبي ﷺ : (ليس للنساء أن يحققن الطريق). وجاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تريد أن تسأله خادماً، قال: ما أتى بك يا بنية؟! قالت: جئت أسلم عليك، ولم تخبره بما تريد حياءً، ولما كان اليوم القادم فعلت ما فعلت، فأتاها النبي ﷺ في بيتها وهي في مخدعها، فأدخلت نفسها في الغطاء حياءً من والدها. وأما حياء الصديقة بنت الصديق ﵄ فقالت: لما مات رسول الله ﷺ وأبي أبو بكر كنت أدخل واضعة ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما مات عمر ما كنت أدخل إلا في كامل ثوبي؛ حياءً من عمر، وهذا بعد موته.

стр. 649

دعوة إلى التمسك بخلق الحياء وقد كان من قبل تمشي المرأة في الشارع وتعلم أن عمها -مثلاً- في نهاية الشارع، فتراها تضع الخمار على وجهها، ولكن بعد دخول التلفاز مات كل شيء، فما يفعل في المدن يفعل في القرى على قدر ما عند الناس من مال. ومن العجيب أن الرجل يأتي بزوجته معه في حفل فيقولون: لن تكون رجلاً متحضراً إذا لم ترقص أنت وزوجتك أمام المدعوين. فعلامة موت القلب والروح فقدان الحياء، أو قلة الحياء. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحيي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني فكيف وقد مات الحياء؟! فما بعد التلفاز إلا موت القلب، وذهاب الحياء، وضياع الأمة. ولما أخذ النبي ﷺ العهد على النساء المسلمات من قريش قال: ولا تسرقن ولا تزنين، فجاءت هند بنت عتبة وقالت: أو تزني الحرة يا رسول الله؟! ووضعت فاطمة بنت عتبة يدها على رأسها حياءً، فقالت لها عائشة: أقري أيتها المرأة! فوالله ما بايعنا إلا على هذا. يقول الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]، لباس التقوى: هو الحياء كما قال علماء التفسير، والتبرج ثمرة المعصية، قال تعالى: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه:١٢١]، فبدو عورة آدم وزوجه كان من ثمرات المعصية. فالحياء زينة الرجال، ولكل دين خلق وخلق هذا الدين الحياء، فاستحيوا من الله أن يرى منكم ريبة، واستحيوا من الله أن يراكم على غير هدي الإسلام، فالإنسان قد يصد عن دين الله وهو لا يدري، فليستح من الله في معاملاته مع ربه ومع الناس أجمعين. فاستح من الله ﵎، واستح من الناس، واستح من رسول الله ﷺ . اللهم ارزقنا الحياء، واسترنا بالعافية، واجعل تحت الستر ما تحب؛ فربما سترت على ما تكره، اللهم أنت أصلحت الصالحين فاجعلنا من الصالحين. اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، اللهم وما أعطيتنا مما نحب فاجعله قوة لنا فيما تحب، اللهم أحيي قلوبنا بحبك. ربنا اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أوابين منيبين، وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا. إلهي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وتكن دليلاً له، إلهي ما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه وتكن أنيساً له. اللهم داو أمراض قلوبنا، اللهم ارزقنا لذة العيش بعد الموت، وحب النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك. اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين. اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، وتقبلنا في عداد عبادك الصالحين، واستر علينا يا أرحم الراحمين، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم أحي قلوبنا، اللهم ارزقنا جواب السؤال عند لقياك، اللهم ارزقنا جواب السؤال عند لقيا رسولك، اللهم لا تفضحنا يوم يقوم الأشهاد، سترت علينا في الدنيا فاستر علينا في الآخرة، وعاملناك بالخيانة وعاملنا عبادك بالأمانة، فاستر علينا يا أرحم الراحمين، استر علينا يا أرحم الراحمين. اللهم نج إخواننا المسلمين المشردين في فلسطين، عليك باليهود، عليك باليهود، عليك باليهود خذ لدينك منهم حتى ترضى، خذ لأطفال المسلمين منهم حتى ترضى، خذ لعورات المسلمين منهم حتى ترضى، ونج إخواننا في كل مكان، وائذن لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. عبد الله! (عش ما شت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به). البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 650

الصبر من العبادات الجليلة التي ينبغي أن تلازم المؤمن في حياته ولا يمكنه الاستغناء عنها بحال عبادة الصبر، فهو الضياء في الظلمات والحوالك، والقائد إلى منابر الخير والفلاح، وركن الرفعة والسؤدد، ففضله عظيم، وخيره كبير، وجزاؤه أوفر جزاء، لا يعلمه إلا رب الأرض والسماء.

стр. 651

فضل الصبر

стр. 652

الصبر عدة المؤمن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: فاعلم أخي أن الصبر جواد لا يكبو، وسيف لا ينبو، وجند لا يهزم، وجدار لا يهدم، فهو عدة المؤمن كما قال رسول الله ﷺ : (والصبر ضياء)، وقال الرسول ﷺ : (وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر). وقال عمر بن الخطاب ﵁: نعم عيش أدركناه بالصبر، ولو كان الصبر من الرجال لكان كريماً. وقال علي بن أبي طالب: الصبر مطية لا تكبو، والإيمان نصف صبر ونصف شكر، وهو واجب بإجماع علماء الأمة، قال الإمام أحمد بن حنبل: ذكر الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعاً, من هذه التسعين ما هو أمر به مطلقاً، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]. وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. وقال الله ﵎ لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، فهذا أمر بالصبر مطلقاً. الأمر الثاني الذي جاء به في القرآن الكريم النهي عن ضده، قال الله ﵎: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]، والعجلة ضد الصبر. وقال الله ﵎: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وقال الله ﵎: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، كل هذا نهي عن ضد الصبر من العجلة كما قال الله ﵎ لنبيه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فإنه لما ترك قومه بعد أن دعاهم إلى الله واستبطأ إجابة قلوبهم إلى الله تركهم دونما إذن من الله عاتبه الله بحبسه في جوف الحوت، ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]. وقد قال الله ﵎ لنبيه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فاستجاب رسولنا ﷺ لأمر ربه سبحانه، فقد روى الإمام البخاري عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وقد لاقينا من المشركين شدة) - وكانت مولاة خباب بن الأرت تأتي له بالحديد المحمى فتلقيه على ظهره وهو على رمال الصحراء فوالله ما ينطفئ هذا الحديد المحمى إلا بما يسيل من دهن ظهره. قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة -قال في رواية- فاحمر وجهه وقال: إنه كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيشطر نصفين ثم يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ما يرده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). وقد لاقى الصحابة من الشدة ما لم يلاقه بشر، فهذا عمار بن ياسر كان يعذب حتى ما يدري ما يقول، وكان مما يعذب به أن كانوا يضعونه في الزيت المغلي، وهذا بلال داعي السماء كانوا يضعونه في حر الصحراء وهجير مكة وهو لا ينسى نشيده الخالد: أحد أحد، ومع هذا يقول المصطفى ﷺ : (ولكنكم تستعجلون). يمر على عمار بن ياسر وهو يعذب فيقول له: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، لم يمنهم بأي شيء إلا الجنة، حتى يعطيهم فسحة وأملاً في التفكير، وأملاً في بعد المعركة بينهم وبين الباطل، وأنها معركة تحتقر حدود الأرض حتى تصل إلى القيامة، (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، والحديث حسنه العلماء بمجموع الطرق. وعن النهي عن ضد الصبر من العجلة يقول الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله وهو الخبير المحنك الذي ابتلي بما ابتلي به من سجن وبلاء، وهو يقدم النصيحة في المجلد الأول من الظلال عند قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]: قال: القائد البصير المحنك لا ينخدع بحماس الجماهير من حوله، فإن بني إسرائيل طلبوا لقيا العدو وطلبوا جهاد أعدائهم، فلما كتبه الله ﵎ عليهم نكصوا على أعقابهم، وبدأو العد التنازلي والانسحاب، فالقائد البصير المحنك لا ينخدع بالحماس الثائر للجماهير من حوله؛ لأن هذه الجماهير التي لم ترب جيداً على الكتاب والسنة. ثم بعد ذلك أطلق البشارة للصابرين حين يقول الكريم الذي لا يحد كرمه والجواد على كل من جاد: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]، فلم يقل وبشرهم بالجنة وإنما أطلق البشارة، وإطلاق البشارة مع كرم الله الذي لا يحد يدل على عظيم الأجر للصابرين كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤]، وكما قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، وبذلك علم أن أجر الصبر لا يعلم حده ولا ثوابه إلا الله .

стр. 653

الصبر واليقين طريق الإمامة في الدين الوجه الثاني في ذكر الصبر في القرآن الكريم: أن الله ذكر أن الإمامة في الدين لا تنال ولا تدرك إلا بالصبر واليقين، قال الله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. فالإمامة في الدين والتبحر في دين الله لا يأتي في يوم وليلة، فالرجل الذي لا يصبر على طلب العلم أكثر من سنتين أو ثلاث وهو يريد التبوء والتصدر ولما يرسخ بعد أنى له ذلك؟ أما وعى قول القائل: تفقهوا قبل أن تسودوا. كما أن الشهرة تمنع الرجل من طلب العلم كما يحلو له، وقال سفيان الثوري: ما صدق الله عبد أحب الشهرة، ولذا كان العلماء عبر التاريخ يفرون منها. فطالب العلم عندما يحرص على تبوء المنازل قبل أن يصل يقطعه ذلك عن طلب العلم والاستزادة منه، ولذلك قال ابن عباس: ذللت متعلماً وعززت عالماً، ومن خدم المحابر دانت له المنابر. فقوله: من خدم المحابر أي: من عكف على طلب العلم، ولذلك قيل للإمام أحمد بن حنبل: حتى متى أنت مع المحبرة؟ قال: مع المحبرة إلى المقبرة. قال ابن القيم: إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين، وقال سيدنا سفيان بن عيينة شيخ الإمام الشافعي: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوسا.

стр. 654

الحظوظ العظيمة من خصال الخير لا تنال إلا بالصبر الوجه الثالث: أن الحظوظ العظيمة من خصال الخير لا تنال إلا بالصبر، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. والجنة لا تنال إلا بالصبر قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]. ومحبة الله واجبة للصابرين قال الله ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]. ومعية الله الخاصة -معية الحب والعناية- لا تكون إلا مع الصبر، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]. ولقد أخبر الله بعد قسمه أن الصبر خير، قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، أتى بالواو ولام التوكيد مرتين ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]. ثم يخبر الله أن آياته في الكون في أربع مواضع في القرآن الكريم لا ينتفع بها إلا الصابرون، قال الله ﵎ في شأن قوم سبأ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩]. وقال الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى:٣٢ - ٣٣]. وأرسل الله ﵎ موسى إلى قومه ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥]، فآيات الله في الكون لا ينتفع بها إلا الصابرون. والصبر عدة كما قال الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥].

стр. 655

واقع مرير دواؤه الصبر الصبر على قلة الناصح وانتشار الباطل الصبر حين أن ترى الشر منتشراً والخير ثاوياً، لا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق الصبر على انتشار الباطل، من منا لا يرى دولة عربية أذلها تلميذ ميشيل عفلق وفعل بعلماء السنة ما فعل، وليس هذا وقت الشماتة بهذا الرجل، كما قال الرسول ﷺ : (ما اختلج عرق إلا بذنب وما يدفع الله أكثر)، أي: لا يصيبك ألم إلا بذنب. ولكن المصيبة تأتي على الصبيان والأطفال والنساء والشيوخ الذين لا حول لهم ولا قوة، وهو ببطشه وجبروته ناج في قصوره حتى نزار قباني وهو من هو يقول: يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا فهذا حاكم طليطلة بعدما مات أمير الجماعة في الأندلس جلس على قبره وقال للقاضي المسلم وزوجته تسمع: أما ترى أني استوليت على ملك المسلمين وجلست على قبر ملكهم؟ فقال: هدئ من صوتك فوالله لو تنفس صاحب هذا القبر وأنت فوقه ما سمع منك هذا الكلام. فقالت له زوجته: صدق والله. فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا يا ابن الوليد ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا سقوا فلسطين أحلاماً ملونة وأودعوها سخيف القول والخطبا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا سقوا فلسطين أحلاماً ملونة وخلفوها وباسوا كف من ضربا فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا وها هي العراق التي أنجبت نور الدين محمود زنكي وصلاح الدين الأيوبي وهو من أكراد العراق، ودولة الرشيد ودولة المعتصم: رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعنا لكنها لم تلامس نخوة المعتصم الكثير منا عندما يتحدث عن الرشيد يقول: إنه كان صاحب ألف ليلة وليلة: وينسون أن هذا الخليفة المفترى عليه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، ولما كتب إليه نقفور ملك الروم ما كتب، قال: غرك ضعف الملكة السابقة فإن وصلك كتابي هذا فابعث إلي ما أخذته من الملكة وابعث إلي الجزية، فأخذ هارون الرشيد الكتاب وكتب على ظهره: من هارون ملك العرب: إلى نقفور كلب الروم أما بعد: يا ابن الكافرة! فالجواب ما ترى لا ما تسمع. أسأل الله أن ينجي العراق بأبطاله ومسلميه بشيوخه وشبابه ونسائه؛ علهم أن يتوبوا إلى الله (والله لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم بغير حق)، فكيف وأكثر من ثلاثة أرباع مليون طفل ماتوا بسبب أنهم لا يجدون طعاماً يأكلونه ولا يجدون شراباً يسد ظمأهم، والعجيب أن أناساً يموتون من التخمة وأطفال يموتون جوعاً ولا يجدون حتى اللبن. فنسأل الله ألا يعاملهم بعدله وإنما يعاملهم بفضله.

стр. 656

الصبر سبيل النصر النصر رفيق الصبر وحليفه، فلا يأتي النصر إلا مع الصبر، والنصر حفظ وجنة من كيد الأعداء، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]. وقد علق الله ﵎ الفلاح على الصبر فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. وعلق الله المغفرة والأجر العظيم على الصبر أيضاً فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]. وقال الله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧]. والصبر من عزائم الأمور؛ قال الله ﵎: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. وقال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. كل هذا من النواحي التي ذكرها الله ﵎ عن الصبر، ذكر الإمام أحمد منها حوالي ٩٠ موضعاً، وفصل الإمام ابن القيم في نحو ٢٢ موضعاً كلها في الصبر في القرآن الكريم. وقد أخبر الله أن أهل الصبر في نجاح دائم وغيرهم في خسران، قال الله ﵎: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. وأخبر الله ﵎ عن أهل الميمنة أنهم ماذا؟ ﴿تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧]. وأثنى الله ﵎ على الصابرين كما قال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].

стр. 657

أنواع الصبر ودرجاته والصبر على ثلاثة أنواع: صبر على الأقدار، وصبر عن المعصية، وصبر على الطاعة. وقد قسمها البعض تقسيماً آخر فقال: صبر بالله وصبر لله وصبر مع الله. فالصبر بالله: أن تصبر وتعلم أن الله هو الذي يصبرك، وأنه لولا تمكين الله لك من الصبر ما صبرت، فأنت بالله، وهذه استعانة، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]. فليس الأمر شجاعة نفس وإنما مرد الفضل كله إلى الله ، كما قال سيدنا إسماعيل ﵇ لأبيه لما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فاستثنى بالمشيئة والمعنى: إن شاء الله لي الصبر صبرت، فالأمر كله يعود إلى الله . وأعلى رتبة من الأول: صبر لله: وهو أن تصبر ويكون باعث الصبر في قلبك إرادة وجه الله والدار الآخرة لا المحمدة عند الناس ولا إظهار قوة النفس. ثم بعد هذا صبر مع الله: وهو صبر الصديقين كما قال ابن القيم ﵀، وهذا شديد وهو أن تدور مع أوامر الله ومع نواهي الله ، فحيث يأمرك الله يجدك وحيث ينهاك يفتقدك. ولذا قال الجنيد ﵀: ترك الدنيا للآخرة سهل على المؤمن، وهجران الناس في جنب الله شديد، وهجران النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله أشد.

стр. 658

الصبر المذموم والصبر يحمد في كل المواطن إلا في لون واحد فقط وهو الصبر عن الله فهو صبر اللئام. أما كيف يصبر العبد عن الله فذلك أن يرى العبد أن ما بينه وبين الله خراب ودمار ولا يصلح ما بينه وبين مولاه. والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يحمد كيف تصبر عن الله وملاك الخير كله منه، وأمرك كله بيده، ورجوعك كله إليه، وكل فضل أعطيته فهو منه، ولذا كان هذا صبر اللئام من الكفار والفجار وغيرهم، فمع أن الله يحلم عليهم إلا أنهم يسبونه ويشتمونه ويدعون له الولد. ولذلك قال رسول الله ﷺ مثنياً على ربه : (ما أحد أصبر على الأذى من الله ، يعني: يصبر على أذاهم مع كمال القدرة ومع كمال العلم، فهو يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الولد ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [مريم:٩٠] من هول هذا الكلام، ﴿وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩١]. فالسموات والأرض تكاد أن تزول من هذا لولا إمساك الله لها، فلا أحد أصبر من الله ، ملك الملوك ومع أن جوده عم المخلوقات إلا أن هؤلاء يسبونه وينسبون إليه ما لا يليق به من الصاحبة والشريك والولد فخيره إلى العباد نازل وشرهم إليه صاعد. ولذلك كان الصبور من أسماء الله الحسنى، قالوا: وجانب الحلم عن الله أوسع وأتم، كما قال الإمام ابن القيم: صبر لله وصبر بالله وصبر مع الله.

стр. 659

تقسيم آخر للصبر أما أنواع الصبر فثلاثة وإن شئت قسمتها قسمين: صبر على ما لا كسب للعبد فيه (اضطراري) وصبر اختياري. فالصبر الاضطراري هو الصبر على أقدار الله من أذى الموت والمرض والفقر والغنى وغيرها. أما الاختياري فإنه على نوعين: صبر عن المعصية وصبر على الطاعة، وأفضلهما الصبر على الطاعة، وأقل منه درجة الصبر عن المعصية، وأقل منها درجة الصبر على الأقدار المؤلمة، فالصبر على الأقدار المؤلمة أقل درجات الصبر ثواباً. والناظر إلى عظم هذا الثواب مع أنه أقل أنواع الصبر يعظم في صدره ثواب ما هو أعلى منه. فأعلى من الصبر على الأقدار المؤلمة الصبر عن المعصية، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هل يقارن صبر يوسف على إلقاء إخوته له في الجب بصبره عن مراودة امرأة العزيز؟ لا شك أن صبره عن مراودة امرأة العزيز أشد؛ لأن الأول واقع سواء صبر أو لم يصبر فيكون صبره حينها صبراً اضطرارياً، أما صبره عن المعصية فهو صبر اختياري؛ فإنه صبر عند مراودة امرأة العزيز. ومثل ذلك يقال في صبر يعقوب على عماه وصبر إبراهيم على إلقائه في النار لا يقاس هذا بذاك، ومع ذلك فإن الصبر على الأقدار عظيم الأجر والثواب؛ فعن صبر من ابتلي بالعمى يقول ﷺ : (يقول الله ﵎ لملائكته: إذا أنا سلبت كريمتي عبدي -أي عينيه- فصبر على ذلك لم أرض له ثواباً دون الجنة)، فهذا جزاء صبر من رزقه الله الصبر على العمى، وقال رسول الله ﷺ : (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم). ولذلك كانت عند خالد بن الوليد ﵁ امرأة فطلقها، ثم أثنى عليها فقال: لم تبتل وهي عندنا بشيء، أي: لم تصب بأي مرض. والإنسان لا يتمنى البلاء ولكن إن نزل به يصبر، قال رسول الله ﷺ : (ليودن أهل العافية أن لو قرضت جلودهم بالمقاريض في دار الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء). وقال رسول الله ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل). وقال رسول الله ﷺ : (إن الصالحين يشدد عليهم). وقال رسول الله ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها، وأحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أفرح بالبلاء إن نزل به من فرح أحدكم بالعطاء). وعن الصبر على موت الولد يقول الله ﵎ لملائكته: (قبضتم روح ولد عبدي المؤمن. يقولون: نعم، يقول: أخذتم ثمرة فؤاده؟ يقولون: نعم، يقول: فماذا قال عبدي؟ يقولون: يا رب حمدك واسترجع، قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد). وقال رسول الله ﷺ : (الرقوب من لا ولد لها)، والرقوب هي المرأة التي لا يعيش لها أولاد، والرقوب في الشرع هي التي لم تقدم أولاداً يموتون في حياتها؛ لأن الرجل إذا مات له ثلاثة من الأولاد أو اثنان من الأولاد كانا حجاباً له ولامرأته من النار. فينبغي على الإنسان أن يصبر انتظاراً لروح الفرج، فالأمراض كفارات تأخذ من ذنوب المرء، ولا يزال المرض بالمؤمن حتى يلقى الله ﵎ وليس عليه خطيئة، والذي يهون على الإنسان الصبر على قضاء الله هو ذكر سوالف المنن التي امتن الله بها عليه، وتعداد أيادي المنن الحاضرة الموجودة بين يديه، إن من يأخذ منك شيئاً ليعطي لك الأجر كاملاً يوم القيامة لا شك أنه رحيم بك كما قال المصطفى ﷺ : (إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب). ومثل ذلك أن يكون لك ولد تحبه أصابه مرض ما فمنعك الدكتور أن تطعمه ثلاثة أيام وهو ابنك الوحيد، وأنت تملك كنوز الأرض وتتمنى أن تورثه مالك كله وتطعمه ما اشتهى من أطعمة الدنيا، ومع ذلك تلتزم بتعاليم الدكتور وتمنعه من الأكل لمدة ثلاثة أيام، فكذا يحمي الله عبده المؤمن من الدنيا حتى لا تصيبه بأوضارها ونجاستها. ولذلك يقول المصطفى ﷺ : (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم). الصبر على الأقدار المؤلمة قال سيدنا ابن عباس لـ عطاء: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة، قال: نعم، قال: هذه المرأة السوداء أتت إلى رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله! إني أصرع فادع الله لي قال: إن شئت صبرت ودعوت الله لك بالجنة وإن شئت دعوت الله لك فعافاك، قالت: أصبر ولي الجنة، قالت: يا رسول الله ولكني أتكشف)، بلا إرادة منها تأتيها نوبة الصرع فتظهر محاسنها وتتبرج بغير حول منها ولا قوة، فصبرت على الألم ولم تصبر على التبرج، (قالت: إني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها)، فكانت عندما يأتيها الصرع لا ينكشف شيء من عورتها، فصبرت على شدة الألم وكان لها الجنة.

стр. 660

صور من صبر السلف يقول العلماء وهو مذهب الإمام مالك: يجوز ترك التداوي لمن صبر على ذلك، وليس كل أحد يستطيع أن يصبر على ذلك، ونرى الواحد منا إذا أصابه قليل من الصداع يتذمر ويملأ الدنيا صراخاً وأنيناً. ولذلك قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه. وهذا الإمام أحمد بن حنبل أنَّ في مرض موته، فقالوا له: إن طاوساً يقول: إن أنين المريض من الشكوى، فما أنَّ ابن حنبل حتى مات؛ على أن هناك فرقاً بين أنين وآخر. وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم فالأنين على نوعين: أنين شكوى وأنين فيه تفريج لألم الرجل، وذكر أنه دخلت على الإمام أحمد أخت بشر بن الحارث الحافي -أيام ما كانت النساء نساء والرجال رجال- وقالت له: يا إمام! أأنين المريض شكوى؟ قال: ما سئلت عن مثل هذه المسألة من قبل قط، أرجو ألا يكون كذلك. وهذه المسألة الوحيدة التي لم يستطع الإمام أحمد أن يجاوب فيها وما عرفها الإمام أحمد إلا في مرض الموت، ثم قال لابنه بعد أن خرجت المرأة: انظر أي البيوت تدخل هذه المرأة قال: دخلت بيت بشر بن حارث الحافي -وكان أسمها مخة بنت الحارث - فقال: من بيتهم خرج الورع. أما الشكوى إلى الله فليست بشكوى؛ لأن نبي الله أيوب ﵇ قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، ومع هذا قال الله عنه، ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. وقال يعقوب ﵇ أيضاً: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل، والصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى معه، يقول الأحنف بن قيس سيد أهل المشرق: إني والله منذ أربعين سنة ما أبصر بعيني، وما تعلم بها زوجتي. أي: طيلة هذه الأربعين سنة عين من عينيه لا يرى بها وزوجته لا تعرف ذلك. وقال الإمام الحافظ إبراهيم الحربي: منذ عشر سنوات لا أبصر بإحدى عيني، ولا تعلم ذلك زوجتي، ومنذ ثلاثين سنة وأنا أفطر على رغيفين إن أتت بهما أمي أو أختي وإلا طويت جائعاً، ومنذ ثلاثين سنة وأنا أفطر على رغيف واحد إن أتت به زوجتي وأولادي وإلا صبرت، قال: والله ما كنا نعرف إلا الباذنجان المشوي، لم يكونوا يعرفون أساليب الترفه. ولذلك يقول رسول الله ﷺ : (من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها). أتى رجل سيدنا عبد الله بن عمر قال: إني رجل من فقراء المسلمين، قال: ألك بيت؟ قال: نعم، ألك زوجة؟ قال: نعم، قال: ولي خادم، قال: اذهب فأنت من الملوك، كان رسول الله ﷺ يتلوى من شدة الجوع وما يجد من الدقل ما يسد به جوفه، وكان يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيت رسول الله نار، وما رأى رسول الله ﷺ منخلاً قط، ولا رأى شاة صميطاً قط، ومات رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي. أما هذه الأمة فقد أصبحت أمة متخمة فأمانيها مترفة وتفكيرها مترف وحياتها كلها ترف، فلابد أن يعاقبها الله حتى تعود إلى دينها، والعود إلى الله أحمد. قال سعد بن أبي وقاص: كنت سابع سبعة عشنا أياماً مع رسول الله ليس لنا طعام إلا ورق الشجر، وكنا نضع كما تضع البعير ليس له خلط، وهنا نتذكر قول الرسول ﷺ ، (والله ما الفقر أخشى عليكم)، وإنما يخشى علينا رسول الله ﷺ الغنى. ومما نشاهده اليوم أنه بمجرد ما تجد الأخ الملتزم المحافظ على الصلاة في المسجد حين يفتح الله عليه بعمل أو زواج تفوته صلاة الجماعة وقد لا يصلي في المساجد، فنسأل الله ﵎ لنا العون والثبات، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور. يذكر عن أبي قلابة الجرمي -تلميذ عبد الله بن عباس - أنه ابتلي في دينه فصبر، وابتلي في جسمه فصبر، فقد أُريد توليته القضاء فهرب من الشام حتى لا يولى القضاء، فهذا العبد الصابر كان انبه يرعاه بعد أن أصيب في يديه ورجليه وثقل سمعه وبصره فلم يبق منه إلا لسانه وقليل من السمع وقليل من البصر، وكان ابنه يوضئه ويقوم على خدمته. قال ابن حبان في الثقات: قال رجل: بينا أنا أمر في عريش مصر في الصحراء إذا بي أسمع صوت رجل يثني على الله بمحامد ما سمعت مثلها من قبل في الثناء على الله ، فقلت: والله لأذهبن إلى تلك الخيمة، فإذا رجل قد ذهبت يداه ورجلاه وكف سمعه وبصره إلا القليل، قلت له: أي نعمة من نعم الله تحمده عليها؟ قال له: وما لي لا أدعو الله ، فوالله لو أمر الجبال فنسفتني أو أمر النيران فأحرقتني أو الأرض فابتلعتني ما كففت عن ذكره وشكره، قال: رجعت أتفكر على أي شيء وقد كف سمعه وبصره وكل شيء فيه قد ذهب، قال لي: إليك حاجة، قلت: مثلك تجاب حاجته على الفور، تكلم والله إن من أحب شيء إلي أن أسعى في حاجة مثلك، قال: أنت تعلم ما أنا فيه، وقد كان لي ابن يوضئني ويقيم على عنايتي وقد ذهب منذ أيام، فقلت: والله لأبحثن عنه، فمضيت غير بعيد فإذا بعظام هذا الشاب وقد افترسه السبع قلت: يا رب بأي وجه أعود إلى هذا الرجل، ثم تفكرت في نبي الله أيوب وما حل به فقلت: أدخل عليه من هذا المدخل، قلت: أنت أفضل أم نبي الله أيوب؟ وتعلم كيف ابتلاه الله في جسده وكذا وكذا، قال: نعم، قلت: فكيف وجده الله ؟ قال: وجده صابراً، قلت: ولم يزل الله يبتليه حتى أوحش منه أهله وأحبابه فكيف وجده الله ؟ قال: صابراً، قال: ماذا تريد؟ قلت: إن ابنك قد افترسه السبع، فرفع يده إلى السماء وقال: الحمد لله الذي لم يجعل ولداً من صلبي محله النار، ثم شهق الرجل فمات، لما مات من كان يعول هذا العبد الصالح قضى الله بموت هذا العبد الصالح. وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي قال: فانشغلت بأمره، كيف أواري هذا الرجل أو كيف أفعل وإنما أنا رجل واحد؟ وإذا بجماعة يأتون، فقالوا: اكشف لنا عن وجهه فلما كشفت عن وجهه قالوا: أبو قلابة الجرمي تلميذ عبد الله بن عباس؟! قال: فجعلوا يقبلونه في رأسه وفي رجليه، ويقولون: بأبي وأمي عين طالما غضت عن محارم الله، وبأبي وأمي قدم طالما سعى في طاعة الله قال: فتعاونا عليه حتى دفناه، قال: فلما دفنته وجدته في رؤيا وكأنه في واحة خضراء، قلت له: ألست بصاحبي؟ قال: نعم أنا هو، إن عند الله درجات في الجنة لا يبلغها العبد إلا بالصبر. وهذا شقيق البلخي لما قابل إبراهيم بن أدهم قال له: ما تقول في الصبر والشكر؟ قال شقيق: إنا قوم نصبر عند البلاء، ونشكر في الرخاء، قال: هذا ما تفعله كلاب بلخ، قال: فما تقول أنت قال: إنا قوم نصبر عند الرخاء ونشكر في البلاء، أي: أنهم لا يتمنون البلاء ولكن حين يأتيهم الغنى يخافون أن يكون تحت هذا الغنى استدراج ومكر من الله ، ويؤيد هذا حديث رسول الله ﷺ : (ولأحدهم كان أفرح بالبلاء إن نزل به من فرح أحدكم بالعطاء). أما الصحابي الجليل عمران بن حصين فقد بلغ من شدة المرض أن ثقبوا له ثقباً في السرير ينزل منه الغائط، وهو صاحب الكرامات التي أوردها علماء أهل السنة التي منها أنه كانت تسلم عليه الملائكة. وهذا الإمام العابد عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، وهو ابن السيدة أسماء، ذهب إلى الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد فعانه، يعني: حسده ونظر إليه بنظرة عائنة وقد قال النبي ﷺ : (إن العين لتستنزل الحالق)، أي أن هناك أناساً أعينهم توقع الجبل وتهده -قال: فعانه فتناعس فسقط في إسطبل للدواب فداسته الدواب حتى قتلته، ووقعت الأكلة -السوسة- في رجله فقال له الأطباء: لابد من قطعها، قالوا له: نعطي لك دواء يغيب عقلك، فأبى وقال: إن ربي اختبرني؛ ليرى مدى صبري، فلما علا المنشار على العرق ما زاد على أن قال: حسبي، ثم غشي عليه، فلما أفاق من غشيته استنار وجهه وقال: خذها يا بني فكفنها وطيبها وادفنها في مقابر المسلمين والله ما مشيت بها إلى فاحشة قط، ثم لما عاد إلى المدينة وأتى أهل المدينة ليعزونه قال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، ورفع يده إلى السماء وقال: إلهي إن سلبت فلطالما أعطيت وإن أخذت فلطالما أبقيت. وهذه امرأة فتح الموصلي كانت من الصالحات، وقد أثنى عليها الإمام أحمد بن حنبل، ذكر عنها أنها لما قطع أصبعها ضحكت، فقال لها رجل: يقطع أصبعك فتضحكين، قالت: أحدثك على قدر عقلك: حلاوة أجرها أنستني مرارة قطعها. ولذلك كان فتح الموصلي إذا رجع إلى بيته ولم يجد في البيت طعاماً ولا شراباً ولا موقداً ووجد السقف قد وكس على أهله يرفع يده إلى السماء ويقول: إلهي سلبتني. أجعتني وأجعت أولادي وأعريتني وأعريت أولادي وقديماً كنت تفعل هذا بأنبيائك وأوليائك وعبادك الصالحين، فبأي خصلة من خصال الخير تقربت بها إليك يا مولاي فقبلتها مني حتى أداوم عليها.

стр. 661

أهل البدع يتبرمون من الأقدار أما أهل البدع فقد كانوا يتبرمون من الأقدار ونزولها، فهذا رجل من أهل البدع كان عالماً فأصيب في رجله فلما قطعت قال في لحظتها: يا قاسم الرزق لم ضاقت بي القسم ما أنت متهم قل لي من أتهم تعطي اليهود قناطير مقنطرة من اللجين ورجلي ما لها قدم أعطيتني وَرَقاً لم تعطني وَرِقاً قل لي بلا وَرِقٍ ما تنفع الحكم والمعنى: لا أريد علماً بل أعطني فقط نقوداً. فرد عليه رجل من أهل السنة: قل للبيب الذي ضاقت به الحكم لو كنت ذا حكم لم تعترض حكماً عدل القضاء أميناً ليس يتهم هلا نظرت بعين الفكر معتبراً في معدم ما له مال ولا حكم فانظر إلى لطف الله ، وسوالف المنن وتعداد أيادي النعم وملاحظة روح الفرج، فإنك تعيش على أمل ورجاء أن تشفى من هذا المرض. وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي ثم مطالعة حسن الثواب في الآخرة. ذكر أن رجلاً كان يشكو إلى الناس، فقال له رجل من الصالحين: لك يد؟ قال: نعم، قال: لو قطعت؟ قال: أدفع فيها خمسة آلاف دينار، ثم قال له: ولك عين تبصر بها؟ قال: نعم، قال: لو أخذ الله نورها؟ ثم قال له: يا هذا عندك آلاف مؤلفة من الدنانير وأنت تشكو الفقر بعد ذلك. فالصبر على الأقدار المؤلمة انتظاراً لما عند الله من حسن الجزاء، ثم يأتي بعد هذا الصبر عن معصية الله وله موطن آخر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. اللهم بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتقل فلا تبعدنا، وعلى بابك نقف فلا تطردنا. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا. اللهم أدبنا بأدب الصالحين من عبادك، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! اللهم لا تفضح بلادك بذنوب عبادك، بك نستنصر فانصرنا وعليك نتوكل فلا تكلنا. اللهم إنا نسألك لذة العيش مع الموت وحسن النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك. اللهم ارحم عبادك وبلادك، اللهم ارزقنا الأمن والأمان في بلادنا وأوطاننا.

стр. 662

أتأمرون الناس بالبر يعيب الله على بني إسرائيل أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر دون أن يكون ذلك واقعاً عملياً ملموساً في حياتهم، فإنهم لا يأتون ما أمروا به، ولا ينتهون عن ما نهوا عنه، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيشمل ذلك بني إسرائيل وغيرهم، وفي هذا تحذير من اتباع سيرة أحفاد القردة والخنازير.

стр. 663

أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. ثم أما بعد: قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. المخاطبون بهذه الآية الكريمة هم اليهود خاصة، والكتاب المشار إليه في هذه الآية هو التوراة، أي: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون التوراة، ويلتحق باليهود كل من أمر بالبر ونسي نفسه من نصارى، وأهل نفاق، ومن قال قولاً لم يعمل به وكان قادراً على العمل به من المسلمين. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] هذا الاستفهام المراد به: التوبيخ والتقريع، والبر بداية: هو كل طاعة، فكل طاعة لله تسمى براً، والبر المقصود به في هذه الآية هو: التمسك بالتوراة، فقد كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بالتمسك بها ولا يتمسكون هم بها. وقيل: المراد بالبر هنا اتباع رسول الله ﷺ ، وقد كان الرجل من اليهود يوصي أقاربه سراً باتباع محمد ﷺ ويقول لهم: إنه هو الرسول الحق، ولا يتمسك هو بذلك، فقد أخرج الإمام البخاري من حديث أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي يعوده فقعد عند رأسه وقال له: (أسلم! فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار). وقيل أيضاً: المراد بالبر هنا: الصدقة، وقد كان علماء اليهود يأمرون بها ويحثون الناس عليها ولا يتصدقون هم. وقيل: المراد بالبر: الحث على اتباع النبي ﷺ ، فقد كان جماعة من اليهود قبل بعثة الرسول ﷺ يخبرون الناس بخروج النبي ﷺ يوماً من الأيام، ويحثون الناس على اتباعه، وهذا قبل أن يبعث، فلما بعث رسول الله ﷺ كفروا به، وجحدوا نبوته، وأعرضوا عن دينه، وكان اليهود يقولون للعرب: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما سمع الأوس والخزرج بهذه المقالة آمنوا بالنبي لماء جاء، وانتظروا أن يؤمن به اليهود، فلم يؤمنوا وتولوا على أعقابهم. وقيل أيضاً: المقصود بالبر هنا: عموم الطاعات، وقد كان أحبار اليهود يحثون أتباعهم على طاعة الله وتقواه، ثم يواقعون هم المعاصي ويقترفونها. وهذه الآية آية عظيمة جليلة من كتاب الله ، ومن أجلها ألف الإمام الحافظ الخطيب البغدادي كتابه الطيب العظيم (اقتضاء العلم العمل)، وهذا الكتاب خرج حاشيته فضيلة الشيخ الألباني، وقد قيل: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل وقد قال رسول الله ﷺ : (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء للناس ويحرق نفسه). وكان النبي ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع)، والقلب لا يخشع إذا لم يطيق ما يعلمه، قال النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن علمه ماذا عمل به، وعن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه). ولذلك قالوا: كن بالخير موصوفاً، ولا تكن للخير وصافاً، فإن الواو والراء والدال لا تشم منها رائحة الورد، فإنما الرائحة من العبير، قالوا: العلم كله دنيا والعمل به هو الآخرة، وقالوا: العلم موقوف على العمل به، والعمل بالعلم موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يورث الفهم عن الله ، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، فكلما اتقى العبد ربه جعل له فرقان في قلبه يميز به بين الخطأ والصواب من المسائل. قال الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، وقسوة القلوب تكون بالبعد عن العمل، ولذلك حل على اليهود غضب الله ؛ لأنهم كانوا يعلمون ولا يطبقون، والنصارى كانوا يجهلون ولا يعلمون فسموا: ضالين، ولذلك قال العلماء: من ضل من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن ضل من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. ولذلك كان الصحابة إذا حفظ الرجل منهم البقرة وآل عمران عد فيهم عظيماً أو عالماً؛ لأنهم كانوا يعلمون فيعملون فيدعون الناس إلى ما يعلمون، ولذلك قالوا: من علم ثم عمل ثم دعا الناس إلى ما علم ثم صبر، عد في ملكوت السماوات عظيماً.

стр. 664

ما أعده الله للذين لا يعملون بعلمهم أو يخالفونه وقد كان صحابة رسول الله ﷺ لا يقرءون العشر آيات حتى يعملوا بها، فتعلموا العلم والإيمان معاً؛ ولذلك كان أبو سليمان الداراني يقول: يا أصحاب السورة! ويا أصحاب السورتين! ماذا غرس القرآن في قلوبكم؟ ثم يقول: إن القرآن ربيع قلب المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض. وكان أحد أبناء العباد يقول لأبيه: يا أبتي! مالي أراك إذا تكلمت أبكيت، ووعظ غيرك لا يبكي العيون؟ قال: يا بني! إن العالم إذا لم ينتفع بعلمه زالت موعظته عن القلوب، ثم قال: يا بني! ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة. لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد ولذلك سئل يونس بن عبيد تلميذ الحسن البصري: هل رأيت من يعمل بعمل الحسن؟ قال: لا والله، ما رأيت من يقول بقول الحسن حتى أرى من يعمل بعمله، إن الحسن كان إذا تكلم أبكى القلوب، ووعظ غيره لا يبكي العيون. وقد قال ﷺ : (يؤتى بالرجل فيدور على أهل النار فتندلق أقتابه -يعني: أمعاؤه- فيقولون له: ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه). وقد وصف الله الذين لا يعملون بعلمهم بأبشع وصف، قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]، فالرجل الذي لا ينتفع بعلمه كالحمار يحمل الأسفار ولا ينتفع بها: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول بل وصفهم الله أيضاً بوصف أبشع من الأول فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]. وقال ﷺ : (غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال؛ الأئمة المضلون). وهم الذين لا يعملون بعلمهم، قال الرسول ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)، فتسأله في المسألة فيجيب إجابة جيدة جداً ولكنه لا يطبق، فهذا أخوف ما يخاف رسول الله ﷺ على هذه الأمة، فكل إنسان يعظ الناس ثم لا يعمل هو بالوعظ فهذه مصيبة كبيرة. وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع وقال آخر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. وقال عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض إن قوماً يأمروننا بالذي لا يفعلون لمجانين وإنهم لم يكونوا يصرعون قال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص -يعني: الوعظ- لثلاث آيات: قول الله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة:٤٤]، وقول الله : ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]، وقول الله : ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]. فالقضية أن يتعلم الإنسان أولاً العلوم الشرعية من باب العلم قبل القول والعمل، والعلم شرط في صحة العمل؛ لأنك إذا لم تعلم لم تستطع أن تفرق بين البدعة وبين السنة، فلا بد أن تتعلم أولاً، ثم تطبق ما تتعلم على نفسك، وتدعو الناس إليه، وتصبر على دعوة الناس، فالذي لا يطيق العلم واقعاً عملياً ممارساً في حياته، يصيبه الله بقسوة القلب، ويبتعد عن منهج الله . وغالباً ما يؤدي الفصل بين العلم والعمل إلى وقوع الإنسان في الرياء، فإنسان يقول ولا يعمل بهذا القول يدفعه ذلك إلى طلب الشهرة؛ إذ لو كان الرجل يعمل بعلمه لابتعد أشد ما يبتعد عن الشهرة، قال سفيان الثوري: قلّ رجل تكبر حلقة درسه، أو يشتهر بين الناس إلا وابتعد عن الإخلاص. ولذلك مر الحسن البصري على طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس وهو في المسجد الحرام فيهمس له في أذنه: إن كانت نفسك تعجبك فقم. وطاوس بن كيسان هذا قال فيه ابن عباس: إنما طاوس طاووس، يعني: زين العباد، وكان إذا قال له هذا يقوم من فوره. فارتباط العلم بالعمل هو الذي يجعل الإنسان يستقيم على درب الله ﵎، ولذلك تجد الرجل إذا عمل بعلمه وعظ الناس بحاله وبلحظه حتى وإن لم يتكلم، وقد قالوا: إن شيخك من وعظك بلحظه قبل أن يعظك بلفظه، وقالوا: إن أخاك من نفعك بحاله قبل أن ينفعك بمقاله، ومن لم ينتفع بصمت العالم لا ينتفع بعلمه، ولذلك كان الناس إذا رأوا محمد بن سيرين خارجاً إلى السوق كبروا للنور الذي على وجهه، وكان إذا أقبل على الناس تبسم، ووسع على الناس، فإذا كان بمفرده خالياً بربه فكأنه قتل أهل القرية جميعاً، ولا بد أن يكون بينك وبين الله خبء من عمل صالح: بكاء، صيام، صلاة، قراءة قرآن، تسبيح، لا تشعر به حتى زوجك، وأخلص العمل فإن الناقد بصير.

стр. 665

معنى النسيان في قوله تعالى: (وتنسون أنفسكم) قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، والنسيان هنا ليس النسيان المعهود الذي هو ضد التذكر؛ لأن النسيان الذي هو ضد التذكر لا يؤاخذ الله به، قال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. والنسيان يأتي أحياناً كثيرة بمعنى: الترك، كما قال الله : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] أي: فأهملهم؛ لقول الله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. إذاً: فمعنى: ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]: تتركون زكاة أنفسكم، وقلنا: إن النسيان هو ضد التذكر، ويأتي أيضاً بمعنى: الترك، قال الله : ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥١]، وقال الله : ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، وقال الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤]، كل هذا من النسيان الذي بمعنى: الترك. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٤٤] أي: التوراة: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] يعني: أفلا تمنعون أنفسكم من الوقوع في هذه الحالة المخزية، أتأمر الناس بالبر وتنسى النفس. والعقل: هو المنع، وقد سمي العقل عقلاً لأنه يعقل الإنسان عن الصفات الذميمة، ومنه يسمى: عقال البعير؛ لأنه يمنع البعير من الحركة: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أي: أفلا تفهمون، أفلا تمنعون أنفسكم من هذه الحالة المخزية، وهل معنى هذا أن يترك الإنسان الأمر بالبر مطلقاً حتى يفعل هذا البر، أو أن للإنسان أن يأمر بالبر وإن لم يفعله؟ قال العلماء: لا يترك الإنسان الأمر بالبر، بل عليه أن يأمر بالبر وإن لم يفعله، فالآية الكريمة حوت ثلاث فقرات: المعنى الأول: أمر الناس بالبر، والمعنى الثاني: نسيان النفس، ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، والمعنى الثالث: تلاوة الكتاب: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٤٤]، ولا شك أن الذم في الآية الكريمة والتوبيخ والتقريع منصب على الفقرة الثانية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، فأمر الناس بالبر مستحب، وقد يصل هذا الأمر إلى الوجوب في بعض الأحيان، وكذلك تلاوة الكتاب، فمن نسي نفسه، وأمر الناس بالبر، وتلا الكتاب خير ممن نسي نفسه، وترك تلاوة الكتاب، وترك أمر الناس بالبر، وكذلك هو خير ممن نسي نفسه، وأمر بالمنكر، وترك تلاوة الكتاب، وهكذا جاءت أقوال أهل العلم. قال الحافظ ابن كثير: الغرض من هذه الآية: أن الله ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم للبر، فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن الأحرى والأولى بالعالم أن يفعل ما أمرهم به ولا يختلف عنهم. إذاً: الأمر بالبر مستحب، وقد يصل أحياناً إلى الوجوب، هذا في الدرجة الأولى، ثم يطبق الإنسان هذا الأمر على نفسه كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].

стр. 666

لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبهما ممتثلاً لهما فالأمر بالمعروف وفعل المعروف واجبان لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح أقوال أهل العلم، فأمرك بالمعروف واجب، وفعلك المعروف واجب، فلا يسقط أحدهما بترك الآخر، يعني: إن تركت واحداً منهما فلا تترك الأمر الثاني وهو الأمر بالمعروف، قال الإمام ابن كثير: كل من الأمر بالمعروف وفعله -يعني: فعل المعروف- واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح أقوال أهل العلم من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعصية لا ينه غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه من يتمسكون بهذه الآية فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه. قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، ومن يعظ العاصين بعد محمد ﷺ ؟! والأغلب أن الناس عصاة، فليس هناك من كمل في صفاته وأخلاقه غير رسول الله ﷺ ، قال الإمام مالك بن أنس: وصدق سعيد بن جبير: من ذا الذي ليس فيه شيء؟ وقال العلامة الشيخ السعدي: فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه دل على عدم عقله وجهله، خصوصاً إذا كان عالماً بذلك قد قامت عليه الحجة، وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في بني إسرائيل فهي عامة لكل أحد، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]. يقول: وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين: واجب الأمر بالمعروف، وواجب فعل هذا المعروف، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحد الواجبين لا يكون رخصة في ترك الآخر، والكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر فليس في رتبة الأول وهو دون الأخير. هذا كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.

стр. 667

الصبر وأنواعه ثم يقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]، الصبر على الثلاثة الأنواع: صبر على الأقدار المؤلمة، وصبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وأكملها: الصبر على المعصية، فلا يستوي صبر يوسف على إلقاء إخوته له في الجب مع صبره على مراودة امرأة العزيز له، فصبره على مراودة امرأة العزيز له أعظم من صبره على إخوته، كما لا يستوي صبر إبراهيم على إلقائه في النار مع صبر يعقوب على فقدان يوسف. وهناك صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله. فالصبر بالله هو: الاستعانة، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] يعني: أن ترى أن الذي يصبرك هو الله . والصبر لله: أن يكون دافع الصبر إرادة وجه الله . والصبر مع الله -وهو الأكمل-: أن تدور مع الأحكام الشرعية حيث دارت. قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] يعني: لما أخذوا برأس الأمر: الصبر واليقين جعلناهم رءوساً. وقال ابن تيمية: إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين. يقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] والمخاطبون بذلك: هم بنو إسرائيل، والمؤمنون تبع لهم في الخطاب. فيطلب الله من بني إسرائيل الاستعانة على طاعة الله بصفة عامة، فيقول: استعينوا بالصبر والصلاة لتذهب عنكم شهوة الرئاسة والجاه، فعندما يطول الأمد، ويشق الجهد يضعف الصبر، فعليك أن تصبر على طول الطريق الشاق، وعلى قلة الناصح، وعلى أن ترى الشر منتشراً، والخير خافتاً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق، وعليك أن تصبر على قساوة القلوب، وإعراضها عن كتاب الله ، وهنا يمد الله الصبر بالصلاة؛ لأنها التقاء النقطة بالكنز الذي يغني ويفيض، إنها انطلاقة من حدود الأرض إلى كون الله الفسيح، إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب، وسيدنا رسول الله ﷺ يقول: (أرحنا بها يا بلال!). وقد قال ﷺ : (الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر فليستكثر)، ودائماً يوصى الدعاة بالصبر وعدم العجلة؛ لأن العجلة تضيع ثمرة الخير التي في الدعوة، يقال بعضهم: إن القائد المحنك لا يخدع بحماس الجماهير الثائرة من ورائه، ثم يضرب المثل على ذلك بقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٤٦]، وهم الذين طلبوا القتال والبذل والعطاء، فلما فرض عليهم القتال تولوا، وهذه هي الانتكاسة الأولى، والانتكاسة الثانية: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ * قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٤٧ - ٢٤٨]. الانتكاسة الثالثة: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩]، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهذه الانتكاسة الرابعة. ولذلك يقول سيدنا خباب بن الأرت: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وقد لاقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، وقال: إنه كان يؤتى بالرجل من قبلكم فيوضع في حفرة، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ما يمنعه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، وذلك أن الصحابة لاقوا ما لاقوا وصبروا، فقد كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال ينشد نشيده القدسي: أحد أحد، فالفتنة التي تعرض لها الصحابة هي من أشد الفتن، قال الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. إن طريق التربية الإيمانية هو أقرب الطرق لإعادة دولة الإسلام وإن ظنه الناس أنه أبعد طريق، ولا بد من ابتلاء كما قيل للشافعي: يبتلى الرجل أم يمكن؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، فلابد من التربية الإيمانية، وقد قال النبي ﷺ : (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه! قالوا: كيف يا رسول الله! يذل نفسه؟ قال: يعرضها من البلاء لما لا يطيق). فأين أنت يا مخنث العزم! والطريق طويل، تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، واضطجع للذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار في البكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله ﷺ ، وشد الحجر على بطنه من شدة الجوع، ولله خزائن السماوات والأرض، وكسرت رباعيته، وشق رأسه، ولله جنود السماوات والأرض، وسم أبو بكر، وطعن عمر، وذبح عثمان، وطعن علي، وسم الحسن بن علي، وقتل الحسين بن علي، وسم عمر بن عبد العزيز، وقتل الحجاج سعيد بن جبير وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، فالأمر يحتاج إلى صبر، فسيدنا رسول الله ﷺ كانت مدة دعوته ثلاث وعشرين سنة، فضى منها أكثر من ثلاث عشر سنة في التربية الإيمانية، ولم يتم له النصر الأكبر والأكمل والأكثر تأثيراً المتمثل في فتح مكة إلا قبل وفاته بعامين فقط، فلا تطلب من الناس أن يلتزموا بكل الأحكام مباشرة، ولا تطلق الأحكام على الناس، ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:٩٤]، فجاهد نفسك، وهذه هي البداية، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة:١٢٣]، فمن لم ينتصر على نفسه لا ينتصر على غيره، والإمام ابن القيم تكلم عن جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد أهل البدع، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

стр. 668

الجهاد مراحله وأنواعه وجهاد النفس أربع مراتب: العلم، والعمل، والدعوة، والصبر على أذى الناس، وجهاد الشيطان، وجهاد الشهوات التي يزينها الشيطان لك، ثم بعد ذلك جهاد الشبهات التي يلقيها عليك الشيطان، وجهاد الشهوات يكون بالصبر، أما جهاد الشبهات فيكون باليقين في آيات الله ، ثم بعد ذلك جهاد المبتدعة باللسان، ثم بعد ذلك جهاد المنافقين باللسان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، فأي زنديق يطعن في دين الله ، أو يتكلم في دين الله ، أو يطعن في الصلاة التي هي أساس دين الله فعليك أن تجاهده، وتبين عواره للناس. ثم جهاد الكفار، ويكون بالسيف واللسان كذلك، وقد مر الجهاد بمراحل في زمن رسول الله ﷺ ، فالمرحلة الأولى: هي مرحلة الكف، وفيها لم يؤمر النبي ﷺ بقتال أي رجل من الكافرين في مكة، ثم بعد هذا جاء الإذن بقتال من قاتله، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩]، ثم بعد هذا جاء الأمر بوجوب قتال من قاتلك، وأما من سالمك من الكفار فلا تقاتله، ثم أتت المرحلة الرابعة: وهي مرحلة السيف، فابدأ بالقتال لكل الناس حتى يسلموا لله ، أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذه المرحلة الرابعة هي التي قال فيها جمهور أهل العلم: إنها ناسخة لما قبلها من المراحل، وهذا قول ابن كثير وابن تيمية وابن القيم والقرطبي وابن عباس ومجاهد وقتادة، ومعنى ناسخة أي: مزيلة لحكم المراحل التي قبلها، وليس هو النسخ بالمعنى الأصولي عند الفقهاء؛ لأن النسخ في اصطلاح المتقدمين من علماء السلف ليس كالنسخ في اصطلاح المتأخرين، فمثال النسخ في اصطلاح المتأخرين: أن الناس كانوا يصلون لبيت المقدس فنسخ هذا وأمرهم الله بالتحول إلى البيت الحرام، فالحكم الأول أزيل نهائياً ولا يعمل به في أي وقت من الأوقات، لكن النسخ عند العلماء المتقدمين معناه: التفسير والتبيين، ومن أمثلته: تقييد المطلق، وتخصيص العام، فعندما يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]. وقال في آية أخرى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فـ ابن تيمية يقول: إن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، أي: مبينة ومفسرة لمعنى الآية الأولى؛ ولذا قال العلماء: إن آية السيف ليست ناسخة وإنما هي ناسئة، كما في قوله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، ومعنى الكلام كما قال بعض أهل العلم: أن على المسلمين العمل بآيات الصفح والعفو في زمن الاستضعاف، والعمل بآية السيف في حال القوة والتمكين.

стр. 669

مهاجمة المسلمين لعدوهم من غير فرض جزية، وجواز موادعة الكفار عند الضعف والحاجة وقد سئل الإمام الشافعي: هل يجوز للمسلمين أن يهاجموا عدوهم من غير فرض جزية؟ قال: يجوز لهم هذا. بل قال الشافعي: ويجوز لهم عند الضرورة أن يعطوا المشركين مالاً إذا خشي الإمام استئصال شأفة المسلمين. يعني: دمار المسلمين دماراً نهائياً. والدليل على هذا: أن النبي ﷺ بعث إلى غطفان بأن يرحلوا عن المدينة مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة -إذاً: فالمسألة جائزة شرعاً- فقال سيدنا سعد بن عبادة: والله يا رسول الله! لقد كنا كفاراً وما كنا نعطيهم تمرة واحدة من ثمار المدينة، والذي بعثك بالحق لا نعطيهم إلا السيف. ومثل هذا حصل مع ألب أرسلان لما كان معه عشرون ألف مسلم، وقسطنطين الرابع ملك الروم كان معه ستمائة وخمسون ألف جندي مدجج بالسلاح، فسلطان المسلمين خاف على الجيش المسلم أن يباد عن بكرة أبيه، فبعث إلى قسطنطين الرابع وقال له: أبعث لك ما تشاء من المال واسمح للجيش بالمرور، فقال: لا، قال: أعطيك ما تشاء من الأرض، قال: لا، وذلك لخوفه على المسلمين، فأراد أن يسمح لجيشه بالانسحاب، فأبى ذلك الطاغية، ثم قال: من أراد أن يرجع منكم فلا شيء عليه، قالوا: لا، بل نقاتل طلباً للشهادة، فلبس سلطان المسلمين ألب أرسلان كفنه عند الفجر، ولبس كل الجيش أكفنتهم وذهبوا طامعين في قسطنطين الرابع ومعه ستمائة وخمسون ألفاً، وما هي إلا ساعة حتى كان النصر للمسلمين، وسقط قسطنطين في الأسر، ثم نادى ألب أرسلان على قسطنطين: من يشتري الكلب؟ فنادى رجل من مؤخرة جيش المسلمين: لا أشتري الكلب إلا بالكلب! يعني: أدفع في ملك الروم هذا وأشتريه بكلب، قال: ادفعوا إليه الكلب، فذهب الرجل وأتى بكلبه وأتى بـ قسطنطين وربطهما في حبل ليف واحد من العنق، ثم مشى الرجل بهما إلى القسطنطينية، فلما رأى أهل القسطنطينية ما فعل بملكهم سملوا عينيه. فالشاهد: أن الناس يمرون بمراحل، فمثلاً: المسلمون عندما يكونون في وقت مستضعفين فإنه يجوز لهم الموادعة، ولكن هذا لا يعفيهم من الإثم حتى يصلوا إلى الحالة التي يجاهدوا فيها الكفار، وإذا وقعت امرأة أو رجل من المسلمين في الأسر ولم يفد إلا بكل ما في بيت المسلمين من مال فإنه يجوز دفعه لافتدائه، فما ظنك بأعراض المسلمات التي تنتهك! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 670

إقامة الصلاة لقد أنزل الله كتابه لهداية البشر من الضلالة والعمى إلى نور الإيمان والتوحيد، وكان هذا الكتاب معجزاً في ذاته، ولا تزال معجزاته تتوالى في كل عصر، ومن معجزاته: أن تحدى الله الخلق أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا. ولقد اشتمل هذا الكتاب على بيان قضايا الإيمان وقضايا الغيب؛ إذ بهما يعرف الصادق في إيمانه به من الكاذب، فآمن بها المؤمنون كما جاءت، وأنكرها وأولها الملاحدة من الفلاسفة وغيرهم. وأولى اهتماماً خاصاً بقضية الصلاة؛ إذ هي أجل الأعمال وأفضل القربات عند الله، وبقية الأعمال مرهونة بقبولها؛ من أجل ذلك تولى إيضاحها وبيانها والحث عليها في آياته، وكذلك في سنة الرسول ﷺ .
следующие страницы →