Полный текст (947 стр.). Показаны 911–947 · переход к 916.
стр. 911
دمعات شعرية على قدس الإباء
ونختم بما بكى به الشاعر القدس قال: أعيني لا ترقي من العبرات وصلي البكا الآصال بالبكرات لعل سيول الدمع يطفئ فيضها توقد ما في القيد من جمرات ويا قلب أسعر نار وجدك كلما خبت بادكار يبعث الحسرات ويا فم بح بالشجو منك لعله يروح ما ألقى من الكربات على المسجد الأقصى الذي جل قدره على موطن الإخبات والصلوات على خير الأملاك والوحي والهدى على مسكن الأبدال والبدلات على سلم المعراج والصخرة التي أناست بما في الأرض من صخرات على القبلة الأولى التي اتجهت لها صلاة البرايا في اختلاف جهات على خبر معمور وأكرم عامر وأشرف مبني لخير بناة وما زال فيه للنبيين معبد يوالون في أرجائه السجدات عسى المسجد الأقصى المبارك حوله رفيع العماد العالي الشرفات عسى بعد ما قد كان للخير موسماً وللبر والإحسان والقربات يوافي إليه كل أشعث قانت لمولاه بر دائم الخلوات خلا من صلاة لا يمل مقيمها توشح بالآيات والسورات خلا من حنين التائبين وحزنهم فما بين نواح وبين بكاة لتبك على القدس البلاد بأسرها وتعلن بالأحزان والترحات لتبك عليها مكة فهي أختها وتشكو التي لاقت إلى عرفات لتبك على ما حل بالقدس طيبة وتشرحه في أكرم الحجرات فمن لي بنواح ينحن على الذي شجاني بأصوات لهن شجاة يرددن بيتاً للخزاعي قاله يؤذن فيه خيرة الخيرات مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
стр. 912
وقفات مع سورة النجم [١]
في أول سورة النجم يبين الله صدق رسالة النبي ﷺ وأنه لم يضل، ولم يصبه الجهل ولا الغواية، بل إنه معلم من ربه سبحانه بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ الذي وصفه الله بالقوة والأمانة في إنزال الوحي ونقله إلى النبي ﷺ على مراد الله ، ولذا لا يستطيع الطاعنون مهما أوتوا من قوة أن يطعنوا في محمد ﷺ ورسالته.
стр. 913
معنى قوله تعالى: (والنجم إذا هوى)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه وسنتهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وجده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: فهذه وقفات مع سورة النجم.
وسورة النجم لها ثلاثة أسماء، ومنها: سورة (النجم) بدون الواو، كما هو ثابت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم فسجد بها وسجد المشركون).
وتسمى: سورة (والنجم) كما ترجم لها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، وكما ترجم لها الإمام الترمذي.
وتسمى سورة: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، كما جاء في حديث زيد بن ثابت في الصحيحين.
وهذه السورة أول سورة يعرضها النبي ﷺ في مكة، كما قال ابن مسعود فهي مكية بإجماع علماء التفسير وأهل التأويل.
ونسب بعضهم عن ابن عباس -وهذا القول ضعيف- أن السورة كلها مكية إلا آية: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢].
أما القول المنسوب للحسن البصري أنها مدنية فهذا قول شاذ.
وهذه السورة رقمها ٢٣ في ترتيب النزول، وقد نزلت بعد سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقبل سورة عبس.
قال الله ﵎ في محكم آياته وهو أصدق القائلين: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١ - ١٤].
قوله: (والنجم) يقسم الله ﵎ بالنجم، فما المراد بالنجم؟ هناك لأهل التأويل أقاويل عدة، القول الأول: أن المقصود بالنجم هنا الثريا، والثريا ستة أنجم كانت تعرفها العرب، ذكر ابن قتيبة وابن وهب هذا القول عن ابن عباس، وهو منسوب إلى مجاهد بن جبر من رواية ابن أبي نجيم، وهو قول سيدنا سفيان الثوري، وانتصر له العلامة ابن جرير.
القول الثاني: أن المراد به النجوم، وهذا أمر جائز، وهو أن يذكر الفرد ويراد به الجميع، مثل قول الله ﵎ عن أهل الجنة: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] والجنة ليست غرفة واحدة؛ لأن أولئك يجزون الغرف بما صبروا، وهذا من إطلاق الفرد وإرادة الجمع، فهنا يقسم الله بالنجوم كاملة.
وعلماء الفلك من المسلمين أو من غير المسلمين يقولون: إن في السماء مجرات يصل عددها إلى مائة ألف مليون مجرة، والمجرة عدد نجومها مائة ألف مليون نجم، فاضرب مائة ألف مليون مجرة في مائة ألف مليون نجم، وانظر كم سيكون عدد النجوم في السماء.
والمسافة بين النجوم تقاس بمقياس يسمى: (بارسك)، والبارسك يساوي ١٩٢ وأمامها ضع ١١ صفر، ولا أدري كيف ينطق بها، هذه وحدة قياس المسافات بين النجوم، وهناك وحدة قياس أخرى وهي السنة الضوئية، وهي عبارة عن تسعة بليون كيلو متر، فبعد الشمس عن الأرض (٥.
٨) دقيقة ضوئية.
أما الشعرى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم:٤٩] قالوا: إنها تبعد عن الأرض بمقدار (٣٠٠) سنة ضوئية، يعني: (٣٠٠) اضربها في ٩ بليون كيلو متر.
وقالوا: إن مجرتنا التي تقع فيها الأرض نصف قطرها (٥٠٠٠٠) سنة ضوئية، ولهذه المجرة توابع منها السدوم، وهي المواد الأولية في تكوين النجوم، وهي تبعد عن مركز المجرة (١٠٠٠٠٠) سنة ضوئية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٦].
وهذه النجوم تسير في أبراج وفي مدارات وتخضع لله وأنت لا تخضع يا ابن آدم، ومن النجوم الشمس، وهي تعطي ثلاثمائة مليون شمعة، ومن النجوم ما يعطي في اليوم الواحد مثلما تعطي الشمس في سنة كاملة، ولكن لبعدها السحيق عنا يجعلنا لا نشعر بها، وهذا من رحمة الله ﵎ بنا، فمن أنت؟! فذل واخضع لمولاك ورب عليم بذات الصدور يدين لعزته الكابر يدين له النجم في سفحه يدين له الفلك الدائر تدين له الأسد في غابها وظبي الفلا الشارد النافر تدين البحار وحيتانها وماء سحاباتها القاطر تدين النجاد تدين الوهاد يدين له البر والفاجر القول الثالث في معنى النجم: أنه آيات وسور القرآن التي أنزلت مفرقة على قلب نبينا ﷺ .
فإن العرب تطلق على الشيء المفرق اسم النجم، تقول: أسدد لك الدين الذي لك علي على نجم كذا؛ لأنهم كانوا يسددون الديون على نجوم، أي: في أوقات ظهور النجم أو اختفائه، فأطلق بعد ذلك على شيء مفرق يقال له نجم.
فالله يقسم بآيات القرآن وسوره التي أنزلت منجمة على قلب نبينا ﷺ تدل على صدق الرسالة.
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] إذا قلت: إنه الثريا يكون المعنى: إذا غاب نجم الثريا أو إذا غابت النجوم، وإذا قلت: إنه الرجوع من رجم الشياطين يكون المعنى: عند هويها لسحق الشياطين.
وإذا قلت: إنه الآيات يكون المعنى: إذا هوى، أي: إذا نزل.
стр. 914
معنى قوله: (ما ضل صاحبكم وما غوى)
стр. 915
الفرق بين الضلال والغواية
قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
في كلمة (صاحبكم) تبكيت للمشركين، أي: أنتم تعلمون رسول الله ﷺ ، وقد كنتم تسمونه بالصادق الأمين قبل مجيء الوحي إليه، فلما جاءه النور وزاده نوراً فوق نوره غيرتم القول وقلتم: إنه المجنون وإنه الأفاك، وإنه الكذاب.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢]، فأنتم تعرفونه جيداً وهو معروف عند أهل الحي بالاستقامة والنزاهة قبل أن يعرف طريق الله ، فما هو ببعيد عنكم، ولم ينزل إليكم من المريخ ولا من كوكب آخر، وقد كنتم تنعتونه بكل نعت جميل، فإذا ما التزم بدين الله صار هو المتطرف، وصار كذا وكذا.
وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢] الضلال: هو الانحراف في طريق العلم، وهو ضد الهدى.
قوله: ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] الغواية: ضد الرشاد، وضد الرشد الانحراف، فيزكي الله ﵎ نبيه ويثني عليه بكمال العلم والعمل؛ لأن الانحراف في أي طريق يؤدي إلى الدمار دمار أن تعلم ثم لا تعمل، أو أن تعمل بغير هدى من الله ﵎.
يقول النبي ﷺ : (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون) الأمة الغضبية أمة اليهود؛ لأنهم علموا وكتبوا أو علموا وكتموا، والنصارى ضالون؛ لأنهم لم يعرفوا طريق الهدى فاتبعوا البدع؛ ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من ضل من علمائنا فله صفات انتساب إلى اليهود في كتم العلم وقساوة القلب، ومن ضل من عبادنا فله نسب إلى النصارى.
ولذلك فلاسفة الصوفية كـ ابن سبعين، وابن عربي، وابن الفارض قالوا بوحدة الوجود والحلول، وهي مثل مقالة النصارى.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢] الانحراف في العلم، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] ألا تعمل بهذا العلم، وهذه مصيبة.
стр. 916
ذم العلم من غير عمل والعكس
يقول لك رجل من العوام: يا أخي! اتق الله واستح، فهو يراك رجلاً داعية من دعاة المسلمين، ثم لا تطبق ذلك على نفسك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
وفي حديث جندب بن عبد الله الذي جود إسناده الشيخ الألباني فيما رواه الطبراني والضياء المقدسي في المختارة أن رسول الله ﷺ قال: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء للناس ويحرق نفسه).
وقال عبد الله بن مسعود: تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا.
وقال أبو هريرة ﵁: مثل علم لا يعمل به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله .
يقول سيدنا عيسى ﵇ في المنسوب إليه: حتى متى تصفون الطريق للمدلجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين.
يقول الحسن البصري ﵀: واعجباه من ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.
ويقول إبراهيم بن أدهم ﵀: أعربنا في القول، ولحنا في العمل.
ويقول سهل بن عبد الله التستري: العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به.
ويقول أبو عبد الله الروذباري: العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله ﵎ يورث الفهم عن الله ﵎.
وقال محمد بن المنكدر ﵀: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه حل وإلا ارتحل.
قم بالخير موصوفاً، ولا تقم بالخير وصافاً؛ فإن الواو والراء والدال لا تشم منها رائحة الورد.
يقول الجنيد ﵀: متى ما أردت أن تتشرف بالعلم وتنسب إليه قبل أن تؤدي حق هذا العلم عليك احتجب عنك نوره، وبقي عليك رسمه، وظهور هذا العلم عليك لا لك.
يعني: إذا لم تؤد حق العلم من العمل به يبقى لك مسمى العلم، ويذهب عنك نوره وبركته.
يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه القيم وحي القلم: إن الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.
يقول الشاعر: وبخت غيرك بالعمى فأفدته بصراً وأنت محسن لعماك كفتيلة المصباح تحرق نفسها وتضيء للأعشى وأنت كذاك المولى ﵎ ذم من لا يعمل بعلمه فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] أي: في الدنيا والآخرة، فلا يزكيهم الله ، ولا ينظر إليهم، يقول النبي ﷺ : (أكثر منافقي أمتي قراؤها).
ولقد نعت الله من يعلم ولا يعمل بعلمه بأقبح نعتين في القرآن الكريم: فوصفهم بأنهم كالحمير، وأنهم كالكلاب؛ قال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥]، وقال الله ﵎: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦].
فهذا أقبح مثل لعالم السوء! ضل حمار العلم في الطين: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
стр. 917
العز بن عبد السلام المثل الناصع للعالم العامل بعلمه
والمثل الناصع لمن كمل في علمه وعمله عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك والأمراء، كان شيخ الإسلام في الشام، وإمام المسجد الجامع في مدينة دمشق، ولما أراد الصالح إسماعيل ملك دمشق وسلطانها أن يحارب ابن أخيه السلطان نجم الدين أيوب حاكم مصر استعان بالفرنجة وأقطعهم بعض بلاد المسلمين، وأعطى لهم حصوناً من الحصون التي في بلاد المسلمين، فاستفتى تجار السلاح عز الدين بن عبد السلام في حكم بيع السلاح، فقال: يحرم عليكم بيع السلاح لهم؛ لأنهم سيقتلون به إخوانكم من المصريين.
ثم لما كان يوم الجمعة قطع الدعاء للحاكم وقال: اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
فعزلوه عن الخطابة؛ فرحل عز الدين من دمشق إلى بيت المقدس، فلما أتت جيوش الفرنجة خاف الصالح إسماعيل على ملكه فقال لوزيره: خذ منديلي هذا وتلطف في خطاب عز الدين بن عبد السلام ليعود إلى منبره، بشرط أن يقبل يدي على ملأ من الناس، لا أريد منه سوى ذلك، فإن لم يستجب لك فاحبسه في خيمة بجوار خيمتي.
فرحل إليه الوزير له وقال: إن الملك لا يريد منك إلا أن تقبل يده على الملأ.
فماذا قال عز الدين؟ قال كلمات خالدة تبقى ترن في آذان الصادقين مشاعل من نور تبث الحياة في الآخرين؛ لأنها خرجت من قلب حي لتبعث الحياة في الآخرين؛ فقال: يا سبحان الله! أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ غيره، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، والله ما أقبل من سلطانكم أن يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل أنا يده، أيها الناس! أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ غيره.
فحبسوه إلى جوار خيمة الصالح إسماعيل، وارتفع صوت الشيخ بتهجده في الليل، فأراد ملك دمشق أن يتزلف نفاقاً ورياء إلى ملك أوروبا الأعظم، فقال: أتسمع صوت هذا الشيخ في تلاوته للقرآن؟ قال: نعم، قال: أتدري من هذا؟ قال: لا، فكما جاء في رواية طبقات الشافعية الكبرى لـ ابن السبكي أنه قال: هذا أكبر قسس المسلمين حبسناه من أجلكم؛ لأنه أفتى بحرمة بيع السلاح لكم، فقال هذا الملك: لو كان هذا الشيخ قسيسنا لغسلنا رجليه ولشربنا الماء.
стр. 918
موقف العز بن عبد السلام من أمراء مصر المماليك
عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك والأمراء، لما أراد بعد ذلك أن يدخل إلى مصر قربه نجم الدين أيوب وجعله مفتياً للديار المصرية، وكان الشيخ يعلم أن المماليك وأهل الحكم في مصر غير السلطان نجم الدين أيوب من العبيد المماليك، فلا يحل لهم عقود البيع والشراء ولا السفر ولا الترحال إلا بإذن من سادتهم، وكان للملك هيبة ووحشة حتى عند المقربين منه، فلما قابله عز الدين بن عبد السلام قال له: يا نجم الدين! -وناداه باسمه- إن الحي الفلاني فيه الخمر الفلاني! فارتعد لكلمته نجم الدين أيوب وقال: هذا من زمن آبائي، قال: أنت ممن يقول الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢].
ثم قال بعد ذلك تلميذ عز الدين بن عبد السلام له: كيف واجهته وهو من هو؟ قال: تذكرت هيبة الله فصار السلطان أمامي كالقط.
ثم بعد ذلك أرسل عز الدين بن عبد السلام إلى نجم الدين أيوب بعزمه على بيع المماليك من نظراء الدولة ومن نوابه، فقال: خض في غير هذا! فارتحل عز الدين بن عبد السلام عن القاهرة تاركاً وراءه كل شيء، أخذ متاعه على حمار وارتحل، فسار الناس خلف شيخهم وتركوا القاهرة لـ نجم الدين أيوب حتى قال وزيره: إن مضى هذا الرجل من القاهرة مضى عنك ملكك؛ لأن الناس سيخرجون وراءه، ما من رجل عاقل إلا سيخرج خلفه، فسيتركون لك القاهرة فتصبح ملكاً على المقابر.
فسار إليه وظل يتلطف له في القول ويسترضيه وقال: عد وأفت بما شئت، فقال: لأفتين ببيعهم غداً، فقال نائب السلطان للأمراء: أنا أريحكم من عز الدين بن عبد السلام وأقتله؛ كيف يبيعنا ونحن سادة البلد؟ فأمسك بسيفه ثم سار إلى بيت عز الدين بن عبد السلام، فأراد ابن عز الدين ألا يفتح له خوفاً على أبيه، فقال: اجلس يا بني! فإن أباك أقل من أن يرزقه الله الشهادة في سبيله.
ولما فتح الباب ارتعدت فرائص نائب السلطنة ويبست يده، وسقط السيف منها فقال: بالله عليك يا مولانا ماذا تعمل فينا؟ قال: أبيعكم غداً! قال: ومن يقبض ثمننا؟ قال: أنا، وأضعها في خزانة بيت مال المسلمين.
ولأول مرة -وهي المرة الوحيدة الفريدة في التاريخ- يباع أمراء المملكة على مرأى من الناس، يبيعهم سلطان العلماء، وبائع الملوك والأمراء!
стр. 919
قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)
стр. 920
الإعجاز اللفظي للقرآن
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
انظر إلى دقة اللفظ وإعجازه! ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٢ - ٣]، ولم يقل الله : وما ينطق بالهوى، وإنما قال: عن الهوى.
وهذا أعجب وأجمل وأثبت في المعنى؛ لأن هذا يفيد صدق المصدر الذي أخذ منه الكلام، وصدق النص، فقد يصدقك الكذوب أحياناً، كما قال النبي ﷺ لسيدنا أبي هريرة: (صدقك وهو كذوب).
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] ففيه صدق مصدر التلقي، وصدق النطق ذاته.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ﴾ [النجم:٣ - ٤] الضمير هنا يعود على نطق الوحي، أي: إن نطقه كله إلا وحي يوحى، وهذا أثبت في المعنى وأجمل، ومعناه أن كل ما يتكلم به وحي، ومصداق ذلك حديث النبي ﷺ في سنن أبي داود وصححه الألباني، يقول رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣] قال الشافعي: الحكمة هي السنة، وقال الأوزاعي: روي عن حسان بن عطية: كان جبريل ﵇ يدارس النبي ﷺ السنة مثلما كان يدارسه القرآن.
стр. 921
الرد على قصة الغرانيق وبيان عصمة الأنبياء
قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] فالسنة وحي، والقرآن وحي، لنرد بعد ذلك على قصة الغرانيق التي ستأتي عند قول الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، حتى لا يتبجح الزنديق سلمان رشدي في آياته الشيطانية ويقول: إن هناك سهوات محمدية مثل ما يقول المشركون: إن الرسول ﷺ كان يسهو ويمدح الآلهة والأصنام يريدون بذلك أن يبطلوا الرسالة.
إذا مدح النبي ﷺ يوماً الأصنام وهو ما أتى إلا لهدمها فقد بطلت رسالته من الأصل، ويستدلون على ذلك بحديث موضوع قال عنه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: هذا من وضع الزنادقة، وهو حديث الغرانيق العلى، وذهب إلى أنه موضوع أيضاً الإمام البيهقي، والقاضي أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض في كتابه الشفا، والإمام العيني، والإمام الكرماني أحد شراح البخاري، والإمام الشوكاني، والإمام الألوسي، وصديق حسن خان، والشيخ سيد قطب، والإمام محمد عبده، وشيخ أهل الشام محدث الديار الشامية الشيخ الألباني عليه رحمة الله في كتابه الطيب: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق.
اعلم يا أخي! أن مذهب السلف هو عصمة النبي ﷺ في كل ما يختص بالوحي، العصمة عند التلقي والتحمل، والعصمة عند الأداء كما يقولون، يعني: حين ينزل جبريل على النبي ﷺ فإن النبي ﷺ لا يشك في أنه جبريل أو غيره، وإنما يعطيه الله ويجعل له العلم اليقين في قلبه أن هذا هو جبريل، وأن النازل به وحي من عند الله، فلو شك النبي ﷺ هل هذا جبريل أو لا لبطلت الرسالة من الأصل.
فعندما يسمع النبي ﷺ جبريل لا يشك فيه، ولا يزيد فيه ولا ينقص منه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧]، وحينما يبلغ الوحي إلى البشر فإنه لا يجوز له أن يشك أو أن يسهو أو أن يزيد في الوحي أو أن ينقص منه شيئاً، حتى يستقر العلم بالوحي في الأرض، وإذا استقر العلم بعد ذلك فيجوز له أن ينسى أو أن يسهو، مثلما حدث في الصلاة ونبهه الصحابة.
أما عصمة الأنبياء من الذنوب فهم معصومون من الكفر ومن قول الباطل والكبائر، والنبي ﷺ معصوم من الكفر قبل الرسالة، أما قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] فمعناه: ووجدك غافلاً عن أحكام الشريعة.
فما كان النبي ﷺ على دين قومه قط، قال الإمام أحمد: من قال إن النبي ﷺ كان على دين قومه هذا قول سوء، يعزر صاحبه.
والأنبياء معصومون من الكبائر بعد الرسالة، أما قول موسى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠]، فإن هذا قبل الرسالة.
أما صغار الذنوب فتجوز على الأنبياء، وهذا مذهب السلف، ولا يعرف لهم مذهب غيره كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكنهم إذا فعلوا صغار الذنوب تابوا منها في الحال، وأقلعوا عنها، وكان حالهم بعد التوبة أكمل من حالهم قبل التوبة، ولذا قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٢ - ٤].
стр. 922
معنى قوله تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى)
стр. 923
عداوة اليهود لجبريل وللمسلمين
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم أما بعد: قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٥ - ٦].
هذا معلم رسول الله ﷺ ، لا كما يقول اليهود الكذابون الدجالون: إن الذي كان يعلم محمداً هو عبد الله بن سلام حبر اليهود الذي أسلم بعد ذلك عدو جبريل من الملائكة كما قالت يهود، واليهود يبغضون كل شيء طيب وجميل، وكبرى جرائمهم قتلهم للنبي ﷺ .
فصارت الحرب بيننا وبينهم دينية بحتة، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (لأن أحلف بالله تسعاً أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أن النبي ﷺ قتل قتلاً، وجعله الله نبياً، واتخذه شهيداً).
يقول أبو الأحوص فسألت إبراهيم النخعي فقال: كانوا يقولون -أي: الصحابة-: إن يهود سممت النبي وأبا بكر.
قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه الحاكم في المستدرك.
وزينب بنت الحارث هي التي سمته بعد غزوة خيبر، ومات النبي ﷺ من أثر السم، حيث كان يعاوده أثر السم فيحتجم، حتى مات النبي ﷺ متأثراً بالسم.
وكذلك سموا من بعده الصديق أبا بكر، وعبد الله بن سبأ اليهودي كان وراء قتل عثمان، وصاحب الفتنة الكبرى، حيث أله علياً وأسس المذهب الشيعي في ديار المسلمين وأتت كل البدع عن طريق الدولة الفاطمية التي أنشأها عبيد الله بن ميمون القداح اليهودي المنتسب إلى بيت النبوة زوراً.
وأسقطوا دولة الخلافة في تركيا على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك من يهود الدونمة، ثم بعد ذلك أخذوا فلسطين.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] هو جبريل ﵇، و (القوى) هنا لازمة لصيانة الوحي عن أن يتخطفه الشياطين عند نزول جبريل به، قال الله : ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١١]، لقوة جبريل ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٢].
يقول النبي ﷺ في وصف جبريل بهيئته التي خلقه الله بها وقد رآه النبي ﷺ على ذلك مرتين: (رأيت جبريل له ستمائة جناح، ينتثر من ريشه تهاويل الدر، كل جناح سد علي الأفق).
قال الله ﵎ مبيناً قوة جبريل: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر:٣٧] يعني: طمس جبريل أعينهم بطرف جناحه فقط بعد أن رفع القرى اللوطية الخمس حتى أسمع الملائكة صوت نباح الكلاب وصوت الديكة، وهو الذي صاح صيحة واحدة على ثمود، ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٢٩]، صيحة واحدة فقط!
стр. 924
قوله تعالى: (ذو مرة فاستوى)
قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم:٥ - ٦]، أي: ذو قوة.
والقول الثاني: أي: ذو منظر حسن وجميل، ينتثر من ريشه تهاويل الدر، يحمل الجمال والنور وينزل به في الصحف المكرمة.
فلابد أن يكون في منظر جميل، وانظر إلى جمال نزوله، حيث يقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، يعني: والقرآن إذا نزل، فجبريل ﵇ في تلألئه وفي النور الذي يحمله مثل النجم إذا لمع ورق، أجواء شفافة مضيئة يحملك إليها القرآن بعيداً عن الأرض: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٥ - ٦] أما من يحمل الصحف السوداء والكذب والدجل فتجده يحمل وبيصاً منها وشيئاً منها وكفلاً منها.
وإذا رأى الشيطان طلعة وجهه حيا وقال فديت من لا يفلح لست كذاباً فما كان أبي حزباً ولا أمي إذاعة أما الصحف النقية الكريمة، ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس:١٤ - ١٥]، ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم:٥ - ٦] يعني: ذو منظر جميل، والله ﵎ يصف سيدنا جبريل في سورة التكوير فيقول: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١]، هو المقرب من الملائكة إلى ربه، له مكانة وأي مكانة عند الله ، فهو: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠].
لا تبغين جاهاً وجاهك ساقط عند الإله وكن للموت حذارا قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١] له الطاعة العظمى في ملكوت السموات، يصدر الأمر إلى الملائكة فيستجيبون له ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١].
وعندما تسمع صفة جبريل انظر إلى ملكوت السموات وكم فيها من ملك؟ قال ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك ساجد واضع جبهته لله ﵎.
وأعداد الملائكة على التضعيف، يعني: كل سماء ضعف التي قبلها، فعدد الملائكة الذين يدخلون البيت العتيق سبعون ألف ملك يدخلونه ثم لا يعودون أبداً، وهذا منذ أن خلق الله ﵎ السموات، وكل هؤلاء يؤدون لجبريل الطاعة المطلقة فهو: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١]، أي أمين يحمل أنفس شيء، وأعظم شيء، وأجمل شيء، ولا يبخل به، مع أنه نزيه لا يكتم شيئاً منه، فليس بمتهم على الوحي، كما قال الله ﵎ عن الرسول البشري سيدنا محمد ﷺ : ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] والغيب هنا هو القرآن بإجماع علماء التفسير.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] يعني: لا يبخل بشيء من الوحي مع نفاسته ولا يكتم شيئاً منه، وهذا كمال الكرم.
القول الثاني على القراءة السبعية الثانية: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بظَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] بالظاء يعني: ليس بمتهم، فهو أمين.
فهو سبحانه يثبت الأمانة لسيدنا جبريل ويثبتها للنبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤]، ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٥ - ٦] كلمة (استوى) معناها: علا وارتفع، ولكن استوى قد تضيف لها حرف جر فتحمل نفس المعنى، أي فتكون بمعنى العلو والارتفاع، وتحمل معه معنى آخر، وهذا من جمال اللغة العربية: وسعت كتاب الله لفظاً وغاية وما ضقت عن آي به وعظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي وكلمة (شرب) نعلم من معناها جميعاً أنه إنسان يشرب، ولكنه قد يشرب ولا يرتوي، فإذا وضعنا حرف الجر بعدها أفادت معنى آخر للشرب: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦] لم يقل: يشربها عباد الله وإنما قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦] يعني: يرتوي منها عباد الله.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] قال ابن كثير: ثم صعد، وقال ابن جرير: ثم قصد، فصار معناها العلو والارتفاع، ومعناها القصد، أي القصد تجاه الشيء.
فيكون معنى استوى: العلو والارتفاع أي: ارتفع جبريل في الأفق الأعلى: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٧].
стр. 925
قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى ما أوحى)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨].
من الذي دنا فتدلى؟ ليس معناه: أنه زاد فيه ونقص، وقدم وأخر، ووقع في الوهم، كما قال الحافظ ابن حجر، وحمل عليه العلماء الحديث الوارد في البخاري ومسلم.
وإنما الذي دنا فتدلى هو جبريل، دنا فتدلى من رسول الله ﷺ فقرب.
قال تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩].
قاب: قدر قوسين: القوس معروفة.
أو أدنى: (أو) هنا لا تحتمل الشك، وإنما لتقدير المسافة، مثلما قال الله : ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، يعني: ما كانوا مائة ألف، بل يزيدون على ذلك فـ (أو) لا تحمل معنى الشك، ومثلها: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] إن لم تكن فيها قسوة الحجارة فهي أشد منها.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].
أي: أوحى الله لعبده جبريل ما أوحى، أو أوحى جبريل إلى النبي ﷺ ما أوحاه الله إليه.
قال تعالى: ﴿مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وفي القراءة السبعية الثانية: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] يعني: ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، بل صار مشهد البصر والبصيرة واحداً.
اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، يا معلم إبراهيم علمنا، يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم ارزقنا من علمك ربي، اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا.
стр. 926
الكلام على رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا
هل رأى محمد ﷺ ربه؟ هذا أمر فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة.
قال العلماء: إن رؤية الله تبارك تعالى يقظة لا تجوز في دار الدنيا لا تجوز للمؤمنين، لقول النبي ﷺ : (واعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت).
وبعض الناس يجوزون رؤية الله عياناً في دار الدنيا، وهؤلاء هم الصوفية، بل يجوزون رؤية النبي ﷺ ويقولون: إن النبي ﷺ يرى يقظة في دار الدنيا، وهذا قال به طائفة من علماء الصوفية، ويقول به الشيوخ المنتسبين إلى الحركة الإسلامية في باكستان فهم يقولون بجواز رؤية النبي ﷺ يقظة، وأن النبي ﷺ كان يصنع كشف الحسابات الخاصة بدار العلوم عندهم وهذا كلام لا يقول به سليم العقل! أما بالنسبة لرؤية النبي ﷺ لربه فالعلماء فيها على ثلاثة أقوال: منهم من توقف فلم يثبت الرؤيا ولم ينفها كالإمام القرطبي.
ومنهم من أثبت الرؤيا، وهم: سيدنا عبد الله بن عباس، والحسن البصري، وعكرمة، وعروة بن الزبير، وابن شهاب الزهري، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأكثر الأشاعرة، وانتصر لذلك الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (الغنية في مسألة الرؤية).
وكان ابن عباس يقول: إن الله اختص محمداً بالرؤية مثلما اختص موسى بالكلام، واختص إبراهيم بالخلة.
والخلة ثابتة والتكليم ثابت للنبي ﷺ .
وكان الحسن البصري يحلف بالله أن النبي ﷺ رآه.
أما من نفاها فهم أكثر أهل السنة وجمهور الصحابة كـ عائشة ﵂ وأنس، وأبي ذر ﵁، وجمهور علماء السنة من بعدهم.
وابن عباس له روايتان: رواية مطلقة بأن النبي رأى ربه، ورواية مقيدة أنه رأى ربه بفؤاده، أي: أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه يعني: الرؤيا المنامية.
أما الذين نفوا الرؤية وهو القول الأصح فمنهم السيدة عائشة فلما قال لها مسروق بن عبد الله الأجدع: إن كعب الأحبار يقول إن محمداً رأى ربه، قالت: لقد قف شعري مما تقول، من قال لكم أن محمداً قد رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله .
وإن أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ : (هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟) و (نور) هنا فسرها العلماء أنه حجاب النور الذي حال بينه وبين رؤيته.
وأصح الأقوال ما قال الإمام ابن كثير، والإمام البيهقي: أن رؤية النبي ﷺ لربه ثابتة مناماً بالقلب، يقول النبي ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا) وكل ما يأتيه في المنام يكون وحياً.
ولذلك كان من خصائص النبي ﷺ -كما يقول ابن عباس -: أنه ربما نام حتى يسمع غطيطه ثم قام فصلى ولم يتوضأ، فلا يأتي أحد يقول لك: نحن نقتدي بالنبي ﷺ فنقوم من النوم ونصلي مباشرة، لأن ذلك من خواص النبي ﷺ .
وربما كان يأتيه الوحي مناماً.
أما حديث اختصام الملأ الأعلى، الذي قال عنه الإمام الترمذي: سألت عنه محمد بن إسماعيل البخاري فقال حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني، وشرحه الإمام ابن رجب الحنبلي في كتاب (اختيار الألى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) فهو قوله ﷺ : (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن حلة).
стр. 927
وقفات مع سورة النجم [٢]
يذكر الله في هذه الآيات شرف رسوله ونبيه محمد ﷺ ، ومنزلته ومكانته العلية، ثم يدعو أولئك المشركين الذين عبدوا الأصنام وسموها بأسماء مشتقة من أسماء الله ، وجعلوا لها صفات الألوهية أن يفيقوا من نومهم وغفلتهم، ويحذروا من اتباع الظنون والأهواء، ومن عبادة أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 928
قوله تعالى: (أفتمارونه على ما يرى)
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
ثم أما بعد: فقد وصلنا إلى قول الله : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وفي القراءة السبعية أيضاً: (ما كذّب الفؤاد ما رأى) يعني: ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، فصار مشهد البصر والبصيرة واحداً.
وذكرنا مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي ﷺ لربه يقظة أو عياناً، واختلاف أهل العلم في ذلك، والرأي الراجح: أن النبي ﷺ لم ير ربه إلا مناماً، لكن هذه قضية اختلف فيها علماء الأمة؛ فلا يسفه أحد رأي الآخر، يعني: تجد من جملة من يثبتون الرؤية ابن عباس على قول، وعكرمة مولى ابن عباس والحسن البصري وعروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، وابن شهاب الزهري، والإمام المحدث الحافظ ابن حجر العسقلاني، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة وعليه أكثر الأشاعرة.
والذين ينفون الرؤية: السيدة عائشة ﵂ وأبو ذر وأنس وجمهور الصحابة، وهو الرأي الذي يميل إليه الإنسان ويرتاح إليه، وهو قول الإمام البيهقي، والإمام ابن كثير، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم.
ثم يقول الله ﵎: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢] والقراءة الأخرى: (أفتمْرونه على ما يرى) وهذه قرأ بها حمزة والكسائي وخلف ويعقوب، وهي قراءة سبعية صحيحة.
(أفتمارونه) بإثبات الألف يعني: أفتجادلونه، والقراءة السبعية الثانية أفادها التفسير؛ لأن الجدال قد يكون من أجل التبين، وقد يكون الدافع إليه الجحود فقط، فالقراءة الثانية: (أفتمرونه) يعني: أفتجحدونه، فهي أفادت معنى آخر، إذاً: هذا الجدال ليس جدال تبيين حقائق، وإنما جدال من أجل الجحد ودفع هذه الحقيقة.
стр. 929
قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة المنتهى)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣].
(نزلة) يعني: مرة، أي: ولقد رآه مرة أخرى، يقول ابن الجوزي: رأى محمد ربه، وقال ابن مسعود: إن هذه الرؤية لجبريل، رآه على صورته التي خلقه الله ﵎ عليها، ولقد رآه مرة أخرى في صورته الطبيعية التي خلقه الله عليها، وذلك عند بدء الوحي، والمرة الثانية عند سدرة المنتهى.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] السدر: هو شجر النبق، وهذه شجرة في السماء السابعة كما في حديث مالك بن صعصعة الموجود في الصحيحين، وفي أفراد مسلم: أن هذه الشجرة موجودة في السماء السادسة، ولا خلاف بين القولين، كما قال الحافظ ابن حجر، قال: ولا يعارض قوله أنها في السماء السادسة ما دلت عليه بقية الأخبار، أنه وصل إليها بعدما دخل السماء السابعة؛ لأن ذلك يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وتمتد فروعها حتى تصل إلى السماء السابعة.
قوله: (سدرة المنتهى) سميت بذلك لأنه ينتهي إليها ما صعد من الأرض، وينتهي إليها أمر الله الذي تأخذه الملائكة بعد ذلك، وهذه الشجرة العظيمة تصل ما بين السماء السادسة إلى السماء السابعة، يعني: حديث النبي ﷺ : (سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام) إنك إن ذهبت إلى أمام جامعة القاهرة أو إلى مكان آخر تقول: يا إلهي! هذه الأشجار من متى وهي موجودة؟ ارتفاعها قدر كيلو، فما ظنك بهذه الشجرة؟ بل وشجرة أخرى موجودة في الجنة، يقول النبي ﷺ : (إن في الجنة شجرة تسمى شجرة طوبى، يسير الراكب ذو الجواد المضمر -يعني: الجواد السريع- في ظلها مائة عام، ولا ينتهي ظلها)، نفس الظل مسيرة مائة عام بالجواد السريع، هذا خلق الله : من أنت يا أرسطو ومن أفراخ قبلك يا مبلد ومن ابن سينا حين قرر ما هديت له وأرشد هل أنتم إلا الفراش وقد رأى ناراً توهج فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد فلتخسأ الحكماء عن رب له الأفلاك تسجد فالإنسان لا يتصور أبداً، ولا يجول بخاطر ولا يستطيع أن يكيف هذا المخلوق الذي هو سدرة المنتهى، وما عند الله أعظم وأجل.
ثم يقول الله ﵎: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٥] أي: عند هذه الشجرة جنة المأوى، وجنة المأوى قال ابن عباس: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة.
وقال الحسن: هي الجنة التي يصير إليها أهل الجنة، يعني: المأوى هنا علم على الجنة، فالجنة كما قال ﵎: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] فالمأوى: مسمى للجنة كما قال الإمام ابن القيم.
стр. 930
قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى)
ثم قال الله ﵎: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦] النبي ﷺ قال عن هذه الشجرة: (نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة).
وأنت عندما تنظر إلى شجرة طوبى تجد أنها عجيبة! يعني: جميع ثياب أهل الجنة تخرج من شجرة طوبى، انس الأرض قليلاً وأطلق لروحك العنان في ذلك الأفق الوضيء، يقول النبي ﷺ : (ما من شجرة في الجنة إلا وساقها من خالص الذهب) أي شجرة أو أي نخلة في الجنة من الذهب الخالص، وقد قال النبي ﷺ : (ليس من الدنيا في الآخرة إلا الأسماء)، يعني: يقول لك: هذا ذهب، ولكنه يخالف ذهب الدنيا، وهذا اشتراك في المسمى فقط.
إذاً: الشجرة من ذهب تغرس في أرض من مسك، قال النبي ﷺ : (أرض الجنة مسك خالص، وتربتها الزعفران).
وقال ابن عباس: من مرمرة بيضاء من فضة كأنها المرآة، فضة الجنة ليست كفضة الدنيا، فضة الدنيا مصمتة لا تستطيع أن تنظر ما بداخلها، ولكن فضة الجنة ترى ما تحتها من أنهار، شجرة طوبى تسقى بخمر ولبن وعسل وماء غير آسن: خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباتي وأبوس مقبض بابه خذني إلى وطنٍ أموت مشرداً إن لم أكحل ناظري بترابه نحن اعتصرنا غيم كل خرائط الدنيا وأشعار الحنين إلى الوطن لا ماؤها يروي ولا أشعارها تكوي ولا تنسي عدن إن من النعيم في الجنة أن تمر السحابة من المسك فتقول لأهل الجنة: (ماذا أمطركم)؟ يقول يحيى بن أبي كثير: أشهد الله أن لو أراني هذا الموقف لأمرتها أن تمطر علينا حوراً مزينات! وليس مطراً فقط، ففي الصحيح الموقوف على عبد الله بن عباس: أنه يخرج أهل الجنة إلى شواطئ أنهار الجنة، ويخرج الحور العين، فإذا أعجب الرجل منهن واحدة لمسها بمعصمه فتتبعه، فتنبت مكانها من النهر جارية أخرى.
إذاً: فيقول: وتمر السحابة من المسك فتحرك أغصان الأشجار، فيسمع لهذه الأشجار حثيث، فلا تدري أيهن أشد حسناً؛ صوت حثيث الأشجار أم صوت غناء الحور الحسان تحتها: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان لا النغمات والأوزان يا حسن ذيّاك السماع وطيبه من مثل أقمار على أغصان يا حسن ذيّاك السماع فإنه ملئت به الآذان بالإحسان والشمس تجري في محاسن وجهها كالبدر ليل الست بعد ثمان يعني: ليلة أربعة عشر.
فيظل يعجب وهو خالق ذاك من ليل وشمس كيف يجتمعان فهذه هي الجنة، وهذا ما عند الله في ملكوته.
ثم يقول الله ﵎: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦].
روى مسلم في أفراده من حديث عبد الله بن مسعود: قال: غشيها فراش من ذهب.
منظر جميل عندما تنظر إلى فراشات تغطي أوراق الأشجار، منظر يبعث الشاعر على أن يتكلم، فكيف إذا كان هذا الفراش من ذهب خالص؟! هذا قول سيدنا عبد الله بن مسعود.
وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله ﷺ قال: (لما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت)، أي: لما نزل عليها من أوامر الله ما نزل تغيرت تلك الشجرة (فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها).
تعجز الخلائق بعد نزول أمر الله على هذه الشجرة أن تصفها من شدة حسنها، فما ظنك بجمال الخالق! قال ابن القيم: فيا مسرعين السير بالله ربكم قفوا بي على تلك الربوع وسلموا وقولوا محب قاده الشوق نحوكم قضى عمره فيكم تعيشوا وتسلموا أحبتنا عطفاً علينا فإننا بنا ظمأ والمورد العذب أنتم وحبكم أصل الهدى ومداره عليه وفوز للمحب ومغنم وتفنى عظام الصب بعد مماته وأشواقه وقف عليه محرم فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وحي على روضاتها ورياضها وحي على عيش بها لا يسأم فلله أبصار ترى الله جهرة فلا الحزن يغشاها ولا هي تسأم
стр. 931
تفسير قوله تعالى: (ما زاغ البصر وما طغى)
قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
زيغان البصر: الالتفات يميناً ويساراً عن محدثه، وطغيان البصر: أن يرتفع وينظر فوق محدثه.
شخص يكلمك فمن الأدب أن تجعل نظرك إلى ناظريه، وألا تلتفت يميناً ولا يساراً عنه، وألا تنظر فوقه.
يأتي شخص أول مرة يدخل مثلاً مصر الجديدة، ويأتي إلى العمارات الشاهقة وغيرها من الأماكن فيقف متعجباً، ينظر ويقول: أشياء ليست موجودة في بلدنا، ويحدق ناظريه إلى أعلى وإلى أسفل، فما ظنك بمن اختلق السماوات السبع، وقد أدب الله بصره، فلم يلتفت إلى غير محدثه ﷺ .
ولذلك تجد العلماء الذين يكتبون في الرقائق عندما يتكلمون عن الأدب يتكلمون عن أدب النبي ﷺ ، فيقولون: قال ابن القيم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] وهذا كناية عن أدب النبي ﷺ (ما كذّب الفؤاد ما رأى) ما كذّب الفؤاد ما رآه البصر.
والدين كله أدب، فمن زاد عليك في الأدب فقد زاد دينك، قال عبد الله بن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، وقال: طلبنا الأدب حينما فاتنا المؤدبون.
وقال بعض أهل العلم: من أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب.
الذي لا يعرف أن يجالس الملوك، يقال له: اذهب إسطبل الخيول والحمير، فهذا أولى به.
وقالوا: من ترك الأدب عوقب بحرمان السنن، والله ﵎ صدر هذه السورة بعد القسم بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] يدل على كمال العلم والعمل.
وليس هناك انحراف في العلم ولا في العمل، فبعض الناس يتصورون أن السلفية أنك تحشو نفسك بالعلم وانتهى الأمر، وهذا فهم خاطئ، فحين يتصور كل إنسان منا أنه سيكون الألباني أو ابن باز فهذا دمار للدعوة السلفية، أو أن كل الناس سيكونون محدثين، فهذا دمار للدعوة السلفية؛ لأنه تختلف الإمكانيات والمدارس ومدارك الناس، فهذا رجل قدرته خطبة الجمعة، ويجيد فيها، وهذا آخر قدرته درس علمي بحت، يربي الأجيال والكوادر، لا يستطيع أن يربيها من يخطب الجمعة، وهناك شخص آخر عنده من الورع فوق هؤلاء، فالدعوة السلفية إذن تستوعب مثلاً التاجر، والفاكهاني، وصاحب عصير القصب.
قد يكون هناك شخص أصبح علم الطب فرض عين عليه، فهل أقول له: اطلب العلوم الشرعية وأهمل الطب؟ والشريعة تضمن الطبيب الجاهل، فإذا قتل رجلاً فإنه يدفع الدية لأهله.
اليهود الآن عندهم القنبلة النووية، وإمكانيات المسلمين متواضعة؛ بسبب الفهم السيئ، لماذا لا يوجد عندك كوادر في كل مجال علمي؟! يعني: هب أن الناس قالوا: يا أصحاب اللحى! تعالوا أقيموا دولة الإسلام، فلابد أن توجد عندك كوادر تقيم بها هذه الدولة، لنتكلم بصراحة، هل عندك كوادر تقيم بها الدولة أم عندك كوادر علمية؟ إعداد في مجرد دعاوى، والدعاوى يحتج لها ولا يحتج بها، أنت هل عندك كوادر علمية تمسك القضاء الشرعي؟ كم عندك من الأشخاص أكملوا فقه السنة؟ ولا يمكن أن تمثل قاضياً شرعياً يقضي بين الناس في الدماء والحقوق وتقول: أخذت فقه السنة فقط! لا يمكن.
لابد أن تكون على الأقل مجتهداً في المذهب فتكون قاضياً له حق الاجتهاد، فما الذي عندك أنت؟ ممكن تجد ألف خطيب جمعة، ولكن القاضي الشرعي لا تجده، لا يوجد عندك هذه الكوادر، إذاً: لا في العير ولا في النفير، إنما هي دعاوى فقط! فنقول: اتقوا الله ﵎، إن دولة الخلافة التي أسقطت واحتاجت إلى سنوات طويلة لإسقاطها، تحتاج كذلك إلى عشرات السنين لقيامها.
وكما قال العلامة ابن القيم: يأبى عدل الله -وهذا في عصر الإمام ابن القيم - أن يولي علينا أمثال معاوية ﵁، فضلاً عن أبي بكر وعمر، فإن ولاتنا على قدرنا، وولاة السلف على قدرهم، وكأن أعمالنا ظهرت في جنس عمالنا، الحركات الإسلامية تجد مثلاً شخصاً في الجامعة، يقول لك: نحن أخذنا مسجد الجامعة! طيب: يا أخي! هذا تبع الأوقاف، لا تبعي ولا تبعك، أعطني فرصة لأتكلم فيه، أنت وريث المسجد لأبيك؟ أما إذا قامت هذه الدولة فماذا سنعمل فيما بيننا؟ فالاهتمام بالعلم فقط لا يكفي، نعم، اهتم بالعلم، ومع العلم العمل بهذا العلم؛ والورع أن تنشئ جيلاً ربانياً ورعاً، متهجداً بكاءً، يرفع يده إلى السماء فيستجيب الله له.
كان سيدنا محمد بن واسع زين القراء، فلما اصطف الناس لفتح كابول عاصمة أفغانستان الآن، قال قائد الجيش: أين محمد بن واسع؟ قالوا: هو في أقصى الميمنة رافعاً إصبعه إلى السماء، قال: أبشروا فقد جاء النصر، هذه الأصبع أحب إلي من ألف سيف شهير وشاب طرير، ففتحت بدعوة محمد بن واسع وضيعتها اللحى في عصرنا هذا! بعدما طرد الروس أحمد شاه مسعود ذهب إلى أمريكا وبريطانيا وفرنسا من أجل أن يعطوه قوات ويمدوه بالسلاح، من أجل أن يقوي نظام المعارضة في أفغانستان، حتى قال الناس وقتها: لو أنكم أمسكتم الدولة ستكونون مثل الأفغان، وأنت معك لحية مثل لحية سياف أو شاه مسعود أو كذا، فهذا قول العوام، والعوام معذورون.
فأنا أقول لك: لابد من الورع إلى جانب العلم، ومن تفويض الأمر لله ﵎.
كذلك من ضمن المسائل التي أتت على الدعوة ما حصل بين الشيخ ربيع بن هادي المدخلي والشيخ سلمان العودة وسفر وغيرهما، هذه المسائل لو وجد الصدق مع الله ﵎ لحلت في جلسة واحدة، في وجود مثلاً الشيخ ابن باز، فلو وجد تجرد لله لحلت، لكن أن يصل الأمر في مصر إلى أن يأتي شاب عمره سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة فيقف ويقول للشيخ محمد بن إسماعيل المقدم أنت ما هو اتجاهك؟ فيقول له: عندك كلامي في التوحيد قبل أن تخلق، أيام ما كنت في بطن أمك؟! وفي أمريكا كنت أعطيهم درسهم الأسبوعي عن طريق الهاتف، فيسألني أحدهم عن الخلافات التي عندنا؟ فقلت له: اترك الخلافات التي عندنا، وحاسب نفسك لنفسك، فإن غيرها من الأنفس عليها حسيب غيرك.
كذلك في الجزائر لا تدخل إلا أشرطة جماعة معينة، والجماعة الأخرى أشرطتها ممنوعة حتى أشرطة اللجنة العامة للدعوة والإرشاد في السعودية لا تدخل؛ لعدم التجرد لله ﵎، وعدم وجود الورع، فهم أناس عندهم علم وليس عندهم تقوى.
كم من الذين يتعلمون يصلون الفجر؟! كم من المبرزين في العلم يصلون الفجر؟ الأمر يحتاج إلى علم وعمل، واهتمام بالقلب حتى لا يقسو، وإذا كان عندك من العلم أطنان فإنها لا تنفع، فهذا العلم عليك لا لك، وهذا العلم يعطيك رسم العلم وظهوره، ويخفي عنك بركته ونوره.
стр. 932
تفسير قوله تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨].
هذا الأدب لا تستفيده من كتاب، وإنما يستفاد بمجالسة أهل العلم والورع، إن شيخك من حدثك بلحظه لا من حدثك بلفظه، وأقسم بالله -وأنا غير حانث- أنك لو مكثت مثلاً شهراً كاملاً مع الكتب لم تنفعك مثل جلوسك بين يدي الشيخ محمد بن إسماعيل في بيته جلسة عادية لمدة ساعة؛ فصمت الرجل وورعه ووقاره وخوفه وسمته يكفيك، ومن لا ينتفع بسمت العالم لا ينتفع بعلمه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧ - ١٨].
قال ابن الجوزي: لقد رأى من آيات ربه العظام، ما الذي رآه النبي ﷺ ؟ قال ابن مسعود: رأى رفرفاً أخضر من الجنة قد سد الأفق.
والرفرف: هي زوائد البسط، قال تعالى: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦].
فكيف بالسرير الذي عليه هذا الرفرف، قال الله ﵎: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] بطانة الفرش والأسرة من إستبرق، وهو الحرير السميك.
أما ظواهرها فقد قال الثوري أو غيره: من نور جامد، أو من نور يتلألأ.
هل سمعت بنور جامد؟! نسأل من الله أن يجلسنا على هذه الأسرة، ويبقي لنا العقل بعد ذلك.
قد تعجب لو جلست على سرير من أسرة الدنيا مزيناً مبهرجاً بألوان البهارج، فما ظنك بأسرة الجنة؟ وعلو السرير ارتفاع مسيرة سبعين سنة، حتى تشرف على أعلى ملكك كما قال سفيان الثوري، ثم ينخفض بك متى أردت، هل يباع هذا بمال؟ أم بجيفة طلابها كلاب؟ إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في دار غرس الرحمن غراسها بيده.
القول الثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات، يعني: في خلقته الطبيعية، وهذا قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال ابن جرير: رأى من أعلام ربه الأدلة الكبرى.
стр. 933
قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى)
ثم قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قراءة الجمهور (اللاتَ) وقراءة سبعية ثانية: (أفرأيتم اللات) وهي قراءة ابن كثير، بتشديد التاء، واللات: اسم صنم يعبده أهل ثقيف بالطائف، وأصله كان لرجل يلت السويق للحجيج، فلما مات صنعوا له صنماً.
والعزى: اسم شجرة كانوا يعبدونها، وهذا قاله مجاهد.
أما مناة: فكانت صنماً لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة، وقال قتادة: بل كان هذا الصنم للأنصار.
ومن الأصنام: هبل، ولذا قال أبو سفيان في أحد: أعل هبل، فقال سيدنا عمر بن الخطاب بإذن النبي ﷺ : (الله أعلى وأجل)، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، فأجابه سيدنا عمر: (الله مولانا ولا مولى لكم).
وقولهم: (اللَّاتَ والعزى) فيه إلحاد في أسماء الله ، والإلحاد في أسماء الله : أن تخترع أسماء الأصنام من أسماء الله ، فهم اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، هو أن يسمى الله بغير اسمه، كالأب كما تسميه النصارى، أو العلة الفاعلة عند الفلاسفة، أو العقل الكلي عند الفلاسفة، وأصحاب نظرية العقول العشرة.
العزى: شجرة كان يعبدها أهل مكة، وتوجد شجرة عندنا في مركز قبل نجع الشيخ عمار بقليل، هذه الشجرة إلى الآن تقدم لها القرابين، وهي شجرة موحشة ولا يستطيع أي أحد أن يقترب منها، لأن الاقتراب منها قد يؤدي إلى مشاكل بين العائلات وقد تسيل بسبب ذلك الكثير من الدماء يريد أرضاً تأتي بمحاصيل ينذر لها.
والناس في عبادتهم للأصنام على قدر عقولهم، فمثلاً: في مصر الجديدة يمكن أن يحضر الرجل للأصنام أنواعاً من الحلوى الفاخرة، ونحن عندنا شيخ في منطقة ما يسمونه الشيخ أبو المواجير، والماجور عبارة عن آلة العجين، أو الذي تضع فيه الماء للدجاج، فتجد عنده سيارات تنقل (مواجير) هذا هو الشيخ.
وفي الفيوم في منطقة الغرقة هناك على البحيرة يعملون مولداً في الصيف، وفي هذا المولد يصعد أهل البلد كلهم على المراكب، وعندما تسألهم: هل ستظلون في المراكب؟ يقولون: نعم، هذا مولد سيدنا الشيخ الغريق، فلماذا هو سقط إلى تحت الماء؟ يكفي أنه سقط، وهذا الفعل إلى الآن موجود.
وفي طريق (الإسكندرية مصر) عندما تسلك الطريق الصحراوي بجانب شريط القطار يوجد هناك مولد لرجل اسمه الشيخ سبرتو، وقد قص علي قصته زوج عمتي، وهو وكيل لوزارة النقل، فيقول: كان سبرتو في سكة الحديد، وكان يشرب سبرتو أحمر في القطار، وبعدما مات قالوا: أوقفوا القطار وادفنوه إلى جنب شريط القطار، وتمر أعوام وإذا هناك مولد، لمن هذا المولد؟ يقولون: مولد الشيخ سبرتو، نحن الذين دفناه! والعوام والفلاحون متشبعون بالضلال، والناقل ينقل وتزداد الفتن، ولا يوجد ورع ولا تقوى لله ﵎.
لكن تعال وانظر تجد الصوفية ينزلون إلى الأرياف، ويصلون إلى مناطق لا تستطيع أن تصل إليها، كل هذا لينشروا الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تؤيد طريقتهم في الجبل، فالذي أنت متأكد أنه حديث موضوع وقال به المبتدعة تلقاه موجوداً عند الناس، وهؤلاء الناس لا يعرفون العلم فمن الذي أوصلهم؟ مشايخ الصوفية.
وتنتشر البدع التي أهلكت الأخضر واليابس، وجاء مرة شيخ الطريقة الشاذلية، وجلس وسط الحلقة وهو يشرب سيجارة (مارلبورو)، فلما رمى السيجارة رأيت أكثر من عشرين رجلاً عراة يتسابقون على عود السيجارة ليتبركوا به، ويقول له أحدهم: يا سيدنا الشيخ! أنا امرأتي لا تخلف أعطني عزيمة الإنجاب! كل هذا موجود في القرى، جهل وضلال! الاتحاد والحلول الذي قال به ابن الفارض تجده في الموالد، ويقول ابن سبعين: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسته يقول لك: إن الله حل في الرهبان، هذا قول ابن سبعين صاحب الاتحاد والحلول، هو نفس الكلام الذي يقوله الرجل المنشد: يا راهب الدين يا قسيس يا حنا افتح لنا الدير خلينا نشوف حنا حنا كوانا بنار الحب جنة ولا يوجد بينهما فرق.
وكذلك الذي يطلق على الذات الإلهية قائلاً: وبتنا في حمى ليلى! من هي هذه ليلى؟ يقول لك: الذات الإلهية، فسمى الإله تسمية الأنثى؟! ولقد قال الله عمن يسمون الملائكة بنات الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم:٢٧].
فهذا الأمر يحتاج إلى دعاة، فأنت مثلاً عندك علم في التوحيد والعقيدة فعليك أن تؤدي زكاة هذا العلم، كلم الناس، جرب نفسك يوماً في النزول إلى الناس، وفكر ماذا ستقول لهم في توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والربوبية، لابد أن تبصرهم بهذه المعاني، وتنزل لهم إلى مستوى يفهمونه، كيف توصل لهؤلاء العوام التوحيد.
فأنت لابد أن تعمل للدعوة فهل رحمت هؤلاء المساكين وهم أحوج الناس إلى ما عندك، لماذا تنكر على جماعة التبليغ؟ إن جماعة التبليغ يجتهدون ويدورون على الناس ويخرجون بنتيجة، كم أدخلت أنت في الدعوة؟
стр. 934
قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ألكم الذكر وله الأنثى)
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، في قراءة سبعية: (ومناءة الثالثة الأخرى).
هنا قال الوضاعون والكذابون والزنادقة: إن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] قال: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)! الغرانيق: جمع غرنوق، أو غرنيق، وهو: طائر يسبح على صفحة الماء، ثم يرتفع في الجو.
ومعنى (تلك الغرايق العلى) أن لها قدراً ومنزلة عند الله .
(وإن شفاعتهن لترتجى)، وهذا ما قال عنه المستشرقون وسلمان رشدي: إنها السهوة المحمدية، قالوا: إن محمداً سهى ومدح الآلهة والأصنام، فلما سجد سجد المشركون معه.
عن سعيد بن جبير ﵀ قال: (لما نزلت هذه الآية: ((أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى)) قرأها النبي ﷺ فقال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى، فسجد رسول الله ﷺ فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتهم قبل اليوم بخير، فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]) هذه رواية عن سعيد بن جبير، وهي رواية صحيحة إلى سعيد بن جبير، ولكنها رواية مرسلة.
وهناك رواية أخرى مرسلة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وهو من التابعين، وهناك رواية أيضاً صحيحة مرسلة عن قتادة، وهناك رواية صحيحة ولكنها مرسلة عن أبي العالية.
إذاً: هناك أربع روايات مرسلة وكل رواية منها رواية صحيحة إلى من أرسلت عنه.
وهناك حديث موصول إلى ابن عباس، ولكنه لا يصح، والمرسل يا إخوتاه لا يحتج به، فهو من قسم الضعيف، وهناك أكثر من عشر روايات بينها اضطراب في المتن: الرواية الأولى تقول: إن المشركين سمعوا هذا القول فقط من دون المؤمنين، يعني: فالمؤمنون لم يسمعوا النبي ﷺ يقول هذا القول.
هذه رواية.
الرواية الثانية تقول: إن الشيطان كان يقلد صوت النبي في سكتاته -في سكتات الوقف- فحاول تقليد النبي ﷺ فنطق: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
الرواية الثالثة تقول: إن النبي ﷺ تمنى ألا ينزل عليه وحي من الله يغضب منه المشركون، فلما نزل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، تلك الغرانيق العلى، قال المشركون: ما سمعنا محمداً يمدح آلهتنا قبل اليوم، فلما سجد سجدوا معه، حتى أتاه جبريل مرة ثانية، فعاوده التلاوة فقال له: أنا ما قلت لك هذا القول، فحزن النبي ﷺ لذلك.
انظروا إلى هذا الاضطراب: أولاً: الأسانيد كلها مرسلة لا يصح منها إسناد، والأسانيد المرسلة لا يحتج بها؛ لأنها قد تكون من مصدر واحد، وخاصة أن قتادة وأبا العالية، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وسعيد بن جبير كلهم موجودون في عصر واحد، فقد يكون مصدر التلقي شيخاً واحداً.
الشيخ الألباني قال: وهذه الروايات لا تصح، والإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: لا تصح هي من صنع الزنادقة، وأنكر هذه الرواية أيضاً الإمام البيهقي وقال: هذه القصة غير ثابتة من جهة الناقل.
وممن حكم على حديث الغرانيق بالوضع الإمام ابن العربي في كتابه: (أحكام القرآن)، والقاضي عياض في كتابه: (الشفا في حقوق المصطفى)، والفخر الرازي في تفسيره: (مفاتيح الغيب)، والإمام القرطبي في تفسيره: (أحكام القرآن)، والإمام الكرماني من شراح البخاري، والإمام العيني في كتابه: (عمدة القارئ)، والإمام الشوكاني في (فتح القدير) والإمام الألوسي في كتابه: (روح المعاني) وصديق حسن خان في تفسيره: (فتح البيان) ومحمد عبده الشيخ المصري، وسيد قطب، والدجوي شيخ الأزهر، والشيخ الألباني في كتابه: (نصب المجانيق نسف قصة الغرانيق).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه، ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه، أن الهدى هدى الله، فسبحان من يتفضل به على من يشاء، ويصرفه عمن يشاء.
يقول: لقد بينا معنى هذه الآية في فضل تنبيه الغبي على مقدار النبي ﷺ ، بما نرجو عند الله الجزاء الأوفى في مقام الزلفى، ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغنَّاء، ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء وبدأ في الرد.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لهذه القصة أصل، والروايات المرسلة صحيحة يقوي بعضها بعضاً، وهذه فقرة من فقرات الحافظ ابن حجر العسقلاني لا تتبعوه فيها، فقد رد عليها العلماء الجهابذة، وبعدما أثبت ابن حجر أن الحديث له أصل اضطر أن يؤول، فقال: إن النبي ﷺ لم يقل: تلك الغرانيق العلى، وإنما جاءت على لسان الشيطان.
فقال أهل العلم: وما الذي يحوجك إلى هذا التأويل، وخاصة أن الروايات مرسلة؟ قال القاضي أبو بكر بن العربي: إن النبي ﷺ إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه، فإنه يخلق له العلم به، حتى يتحقق أنه رسول من عند الله، ولولا ذلك لما صحت الرسالة.
يعني: حين يرسل الله ملكاً إلى النبي فإنه يعطيه العلم اليقيني، ويقذف في قلبه أن هذا ملك وأنه منزل بوحي من عند الله، وإلا لو كان النبي ﷺ يتشكك ويقول: هذا جبريل أو ليس جبريل! هذا ملك أو شيطان! إذاً ستضيع الرسالة، هذا هو المقام الأول.
المقام الثاني: إننا أمة النبي ﷺ نستطيع أن نميز الكفر في الأقوال، فكيف يخفى على النبي ﷺ ؟ حاشاه أنه قال الكفر، ويمر عليه هذا ثم يأتي جبريل ويعلمه، ويقول له: إن هذا ما قلته لك.
فهذا الكلام لا يقول به عاقل.
ثم يقول: تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء الإسلام أن النبي ﷺ لما جلس مع قريش تمنى ألا ينزل الله عليه الوحي يغضب منه الكافرون، فكيف يجوز لمن عنده أدنى مسكة من عقل أن يصدق أن النبي ﷺ يؤثر أنس المشركين على أنسه بربه؟! فهذه القصة موضوعة باطلة لا تصح متناً ولا سنداً، ورد الله كيد سلمان رشدي في نحره، حيث يقول: إن هذه سهوة محمدية، وإن محمداً قد مدح الكافرين!! قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:٢١]، أي: له الأنثى من الملائكة؛ لأنهم قالوا: إن الملائكة بنات الله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] كيف تجعلون لله الإناث وأنتم لا تطيقون رؤية الإناث عند ولادتهن؟! قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] وهذا الطبع موجود عندنا في الفلاحين إلى الآن، يولد له الولد فتجد أعيرة النار تكاد تخرب الباب، وربما يكبر هذا الولد بعد ذلك فيكون عاصياً وفاجراً والعياذ بالله! أما البنت فلا يلقي لها اهتماماً، والنبي ﷺ يقول: (من عال جاريتين كنت أنا وهو كهاتين، وضم إصبعيه)، وحتى بيوت الملتزمين لا تخلو من ذلك.
стр. 935
قوله تعالى: (تلك إذاً قسمة ضيزى)
قال تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢].
وفي القراءة السبعية الثانية: (تلك إذاً قسمة ضئزى).
وفي لغة العرب: ضيزى يعني: جائرة وليست بعادلة، تقول: ضِيزى، وضوزى، وضؤزى، وضأزى، كلها في لغة العرب، ولغة القرآن أبلغ.
تقول: ضيزى من قولك: ضازه يضيزه، يعني: نقصه حقه، وتقول: ضأزه يضأزه، ضيزى أو ضئزى، يعني: هذه قسمة ناقصة وجائرة.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٢ - ٢٣] أي: هذه أسماء لا تضر ولا تنفع، وهي أعلام على جمادات ليس تحتها من شيء إلا أنها أسماء، مثلما هو عند الصوفية يقول لك: القطب والأبدال والخواص، والغوث، والأوتاد، ورئيس الديوان، والديوان الذي هو مشرف على الملكوت، يقولون: إن هذا الكون نظام بديوان، وأقطابه الأربعة: الرفاعي والدسوقي والبدوي وتشرف أم هاشم ﵂ على هذا، فهي رئيسة الديوان.
فهذا كلام ما أنزل الله ﵎ به من سلطان: ما هذه الأسماء ماذا خلفها لا شيء إلا أنها أسماء فالسابقون مضوا وما خدعوا الورى بالترهات لأنهم أمناء واللاحقون مضوا على أهوائهم أرأيت ما فعلت بنا الأهواء بدع بها جمعوا من الأموال ما جمعوا ومجموع الهباء هباء في ذمة العلماء هذا كله إن كان فيما بيننا علماء ونقل عن بعضهم أنه ذكر السيد البدوي، وكان من ضمن ما قال: إن البدوي ذهب ليصلي على غلام قد مات، فقال له والد الصبي: أنا أولى بالصلاة منك، فأنا والده، قال: لا، عندي أمر من الله أن أصلي أنا عليه، فبعد أن صلى عليه قال للغلام: قم، فقام الغلام من كفنه! والناس يصيحون: الله! مرة أخرى يا سيدنا الشيخ، هذا على ملأ من الناس والله!! وهذا يذكرني بحال من يسمعون القرآن والقارئ يقرأ آيات ذكر النار فيقول: ثانية، وإذا لم تعجبه الآية يقول: كفرتنا يا سيدنا الشيخ أعد مرة أخرى.
كنت جالساً مرة أنا والشيخ أبو إسحاق في مسجد العزيز، فقال لي: أريك العجب العجاب؟ كان الشيخ محمود صديق المنشاوي جالساً يقرأ في مسجد الحسين، وحوله مجموعة، وبعدما أكمل التلاوة ذهب إليه شخص وقال له: الله الله، قسماً بالله لئن جلس مكانك أحد لأمزقنه، يعني: أي شخص يجلس على هذا الكرسي غيرك ويقرأ فإني سأقتله بالمسدس!
стр. 936
قوله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم)
قال تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٢ - ٢٣] تنزل في مكتبة جامع الأزهر نفسه، فتجد كتاب الطبقات الكبرى عبد الوهاب الشعراني وهذا الكتاب لو وقع في يد شخص مسيحي لما دخل الإسلام أبداً.
يقول فيه: وكان سيدي بركات الخياط من أولياء الله المتصرفين في الكون، وذلك أنه ما سمع عن قط ميت، ولا كلب ميت ولا حمار ميت إلا وأتى بها إلى حانوته، وكان يتوضأ من مشخة حمير.
أما سيدي إبراهيم العريان: فسمي بذلك لأنه كان يخطب الجمعة عارياً!! هذا بخلاف الأشياء الأخرى التي لا يستطيع أحد أن يقولها، ثم يعد هذه كرامات!! يقول: أما سيدي إبراهيم الدسوقي فإذا كان سيدنا سليمان بعد النبوة رزقه الله لغة الطير والوحش فإن إبراهيم الدسوقي حصل عليها وهو ابن ست سنوات، كان يكلم الوحش والطير! هذه هي الصوفية التي قتلت المصريين من كبار الناس في جامعة الأزهر إلى ما دونهم.
وهناك رسالة دكتوراه عن الصلة بين التصوف والتشيع، فأول من سمي بالصوفي جابر بن حيان الشيعي أو عبدة الشيعي فأول لقب أطلق على الصوفية سمي به الشيعة أولاً.
الشيعة أتت مصر حينما أتى إليها المعز بن عبيد الله بن ميمون بن طيسان القداح اليهودي، ولما بنى جوهر الصقلي القاهرة أنشئوا الجامع الأزهر، والجامع الأزهر بني لنشر الفكر الشيعي حينما كان مسجد عمرو بن العاص ينشر فكر أهل السنة، وعلى منبره في الجمعة الأولى سب أبو بكر وعمر.
المهم أن المعز لدين الله كان عنده شاعر اسمه ابن هانئ وكان ينشده الشعر مثلما هو موجود في البداية والنهاية لـ ابن كثير يقول له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار ولما دخل مصر وجد الإمام الحافظ المقرئ أبا بكر بن النابلسي شيخ الديار المصرية، فأتى به فقال له: بلغنا أنك قلت: لو كان عندي عشرة أسهم لجعلت تسعة لليهود والنصارى وواحداً للرافضة، قال: ما هكذا قلت! فطمع فيه فقال: ماذا قلت إذاً؟ قال: قلت: لو كانت عندي عشرة أسهم لجعلت واحداً لليهود والنصارى وتسعة للرافضة، قال: لماذا؟ قال: لأنكم أطفأتم نور السنة، وغيرتم دين الأمة، وادعيتم ما ليس لكم.
وبالفعل أطفئوا هنا في مصر نور السنة، والذي لا يعرف العقيدة تماماً يقول لك: استمع إلى قناة المنار، وانظر إلى حسن نصر الله المجاهد الكبير والفدائي العظيم الذي فعل ما لا تفعله قادة العالم، وحزب الله هو الأمل المنتظر، حتى إن إخوة كانوا من أهل السنة في منطقة بجانب العزيز فصاروا الآن شيعة؛ لكثرة استماعهم إلى هذه القناة، والبطولات الزائفة لحزب الله، وكلام مصطفى بكري عنه بأنه هو الأمل المنتظر، وفهمي هويدي في هامة الأمة بتيجان من نور، ولهم دين في عنق الأمة، وسبهم وتكفيرهم للصحابة ماذا يكون؟ فمن غير عقيدة سليمة لا يستقيم لك الأمر أبداً، وهنا واحد من كبار الدعاة يقول: إن حسن نصر الله هو صلاح الدين في القرن العشرين، إنك إن قرأت عن شيعة جنوب لبنان، أصحاب جبل العالية وتاريخهم مع قادة الجهاد على مدار التاريخ الإسلامي تجد العجب العجاب، الفاطميون حاولوا قتل صلاح الدين مرتين، مرة في مصر ومرة على أبواب حلب، أسد الدين شيركوه عامل صلاح الدين قاتله الفاطميون من أهل مصر مع الصليبيين حينما أتى إلى مصر.
الأمير ممدود كان من قادة الجهاد ضد الصليبيين فقاتله الفاطمية الرافضة، حتى كتب قائد الصليبيين إلى ملك دمشق: إن أمة قتلت عميدها الذي هو الملك سلمان ممدود في يوم عيدها -وهو في الجمعة بعدما انصرف من صلاة الجمعة- في بيت معبودها حقيق على الله أن يبيدها.
وعندما كانت السلطة للفاطميين سقطت القدس، ولم يدافع عنها بدر الدين الجمالي ولا بسهم واحد، وسلموها للصليبيين في سبيل أنهم يمرون إلى حاميتهم الفاطمية عسقلان بدون أن يقتل منهم رجل، وقبل ذلك أرسلوا خطابات التهنئة لما سقطت أنطاكية في أيدي الصليبيين، فرد عليهم القائد الصليبي بهمانت بأن أرسل لهم وقر بعيرين من رءوس الأتراك السلاجقة الذين دافعوا عن القدس قبل ذلك.
الدروز والنصيريون الذين في جبل العالية هم الذين مهدوا ودلوا الصليبيين على بيت المقدس.
الدولة الصفوية التي قامت في إيران، وقلبت إيران من دولة سنية إلى دولة شيعية، لما قامت وأرادت أن تدرس الفكر الشيعي وتلزم الناس به جاءت بشيوخ جبل العالية في جنوب لبنان، وعلى كتفهم قامت دولة إيران.
الدولة الصفوية هذه منعت السلطان سليمان القانوني أن يحتل كل أوروبا، وكانت الجيوش العثمانية قد وصلت إلى الميدان الرئيسي والشارع الكبير في فيينا عاصمة النمسا، ولكن الذي جعله يعود ولم يحتل أوروبا كلها جيوش الشيعة في شرق آسيا، فاضطر إلى أن يعود وينسحب بقواته.
فالشيعة تاريخهم أسود، فالذي عنده عقيدة طيبة لا يمكن أن تختلط عليه الأمور مهما دبلجو ومهما زيفوا، فإنه يستبين لك الأمر؛ ولذلك يقول الإمام الحافظ محمد بن عبد الوهاب: إن الرجل العامي من الموحدين يهزم جيشاً من علماء البدعة، فإن المولى يرزقه البصيرة لما عنده من علمه.
стр. 937
قوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس فلله الآخرة والأولى)
قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث).
((إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)) أي: الشبهات ((وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ)) أي: الشهوات، وأمراض القلوب دائرة بين الشبهات والشهوات.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]، جاءتهم الآيات البينات من كتاب الله ، وجاءهم الطيب من القول وأحسن الحديث، ومزامير الأنس من حضرة القدس، بألحان التوحيد من رياض التمجيد، من مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ثم قال الله ﵎: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم:٢٤] أي: أم لهذا الكافر الذي يعيش بهوان من أمنيته، فلا تتحقق أمنياته في طلبه الشفاعة من هذه الأصنام والأوثان.
أم لهذا الكافر ما تمنى؟ ليس له ما تمنى من أن تشفع فيه هذه الأصنام والأوثان: ((فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى)) أي: الأمر كله لله ، قال الله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَُا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٢ - ١٣]، وقال الله : ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٩١] لله كل شيء، ملك السماوات السبع والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحت الثرى، وله الشفاعة.
فالشفاعة كلها لله ، يعطيها من يشاء من عباده بعد إذنه ورضاه، ولابد من وجود شرطين: إذن الله ، ورضاه عن المشفوع فيه، ويستثنى من ذلك أبو طالب، فإن العباس قال للنبي ﷺ : (هل نفعت شفاعتك لعمك أبي طالب؟ فقال: نعم، وضع في ضحضاح من النار) توضع الجمرة تحت أخمصه يغلي منها دماغه، ولولا النبي ﷺ لكان في قعر جهنم، فهذا من شفاعة النبي ﷺ ، ولكنه لا يخرج من النار.
والشفاعة على مراتب: الشفاعة العظمى للنبي ﷺ دون بقية البشر، وهو: أن يأذن الله في حساب الناس، وهذه خالصة للنبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد، ومن عظمها أن النبي ﷺ خيره الله بين أن يدخل نصف أمته الجنة وبين الشفاعة، فاختار الشفاعة العظمى في انصراف الناس للحساب بين يدي الله .
وهناك شفاعات أخرى للنبي ﷺ لا يشاركه فيها غيره من الأنبياء، كشفاعة النبي ﷺ في سبعين ألفاً من أمته، يدخلون الجنة بغير حساب، يقول ﷺ : (أعطاني ربي سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب من الباب الأيمن من أبواب الجنة، لا يدخل معهم أحد سواهم -سبعين ألفاً- ومعهم ثلاث حثيات من حثيات الملك ، أو مع كل ألف سبعين ألفاً)، وفي الحديث الذي صححه الألباني: (مع كل واحد منهم سبعين ألفاً)، السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب مع كل واحد سبعون ألفاً، إذاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أربعة مليار! سيدنا عمر قال إذاً: يدخلهم الله كلهم الجنة، على هذا لا يوجد أحد سيدخل النار؟ فقال سيدنا أبو بكر: وما عليك أن يدخلهم الله كلهم الجنة؟ أي: لماذا أنت غاضب من هذا؟ ثم شفاعة النبي ﷺ في الجنة، حيث قال: (أنا أول شافع في الجنة) أي: الإذن بدخول الناس الجنة، هذه يشفع فيها النبي ﷺ .
والشفاعة لأهل الكبائر من أمته هذه ينكرها مصطفى محمود! وهناك شفاعة أخرى: مثل الشفاعة في أناس دخلوا الجنة فيعطون فوق ما تبلغهم أعمالهم، يعني: أن أعمالهم توصلهم إلى درجة معينة، فيشفع فيهم النبي ﷺ ؛ فيصلون إلى مراتب في الجنة لا تبلغهم إياها أعمالهم، فكل هذه شفاعات.
والنبي ﷺ حين يشفع يحد الله له حداً: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من شعير أخرج من النار من كان في قلبه مثقال برة أدنى ذرة ثم يأتي الذين لم يعملوا خيراً قط، فيقول لهم الله : (هؤلاء ليسوا لك إنما هم لي)، وهؤلاء يسمون بالجهنميين عتقاء الرحمن من النار.
وهناك شفاعة للملائكة، وشفاعة للرسل، وشفاعة للصالحين، وشفاعة للشهداء، والشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته.
اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، اجعلنا ممن قال فيهم النبي ﷺ : الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول لا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا، يلقون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربك، إن ربك إذا ضحك إلى عبده المؤمن فلا حساب عليه، هي هذه الجائزة إذا نلتها، فلله در أم حملت بك ودرت عليك! أما الصالحون فقد يشفع أحد الصالحين فيما لا يشفع فيه الشهيد، مثل أويس القرني قال فيه النبي ﷺ : (رجل من أمتي يشفع في مثل الحيين ربيعة ومضر)، يعني: حدود هاتين القبيلتين، وهما أعظم قبائل في الجزيرة العربية، كان عددهم لا يقل عن مائة ألف، فقالوا: هو أويس القرني أو الحسن البصري أو عثمان بن عفان، والذي عليه أكثر العلماء أنه أويس القرني.
стр. 938
قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات والأرض لا تغني شفاعتهم ولم يرد إلا الحياة الدنيا)
يقول الله ﵎: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم:٢٦] أي: إذن الله للشفيع؛ لأنها حق لله ، فيطلب الحق من مالكه، ثم رضا الله عن المشفوع فيه.
ثم يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٧ - ٢٨]، و (الحق) هنا هو العلم، يعني: لا يغني عن العلم، لا يقوم الظن مقام العلم أبداً، والعلم هو يقين.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:٢٩ - ٣٠].
هذا تهويل لشأن أهل الدنيا الذين ترتبط علومهم بالمعايش فقط، ولا تتجاوز أسوار الدنيا، فهم يعيشون من أجل علومها فقط، ومن أجل علوم المعايش فقط، من الأكل والشرب والتجارة والصناعة، هذا العلم وإن بدا كبيراً فإنه صغير، وإن بدا شاملاً فإنه محدود، وربما كان منه العلم الذي لا ينفع، فعلم الشريف رزق الله صاحب نادي السينما علم لا ينفع، وعندما يأتون مهرجان القاهرة السينمائي تحس أن هذا الرجل كانوا يعلمونه في بطن أمه أسماء المخرجين والمنتجين.
وكأنه لا يوجد في هذا العقل إلا هذا الشيء فقط! مثل بعض المهووسين المجانين في الكرة، تسأله: من هم العشرة المبشرون بالجنة؟ فيقول: لا أعرفهم، لماذا؟ ليسوا من بلدنا! لكن تقول له: ما هي أخبار احتياطي فريق، أسوان، أو أخبار ماردونا أو أخبار إبراهيم حسن، وطاهر الشيخ ماذا عمل؟ وما هي أخبار مباريات كأس العالم ونحو ذلك، فيجيبك إجابة شافية كافية أنا أعرف بيوت بعض السيدات ينزلون فيها في أول مباريات كأس العالم، فيحضِّرون أكل عشرة أيام كلها، ويضعونه في الثلاجات، لا يستطيعون أن ينزلوا ولا أن يطبخوا، بل يحضروا الأكل لعشرة أيام، لأنهم يخافون أن يضيعوا أوقاتهم في الطبخ: ((ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)).
تجد شخصاً من الفنانين فتسأله: ماذا تفهم؟ يقول لك: أنا أفهم أحدث أنواع الموضة، وأحسن قصات الشعر بالكمبيوتر، وكقصة مايكل جاكسون، وغير ذلك.
стр. 939
يا من طال بعده
شهر رمضان هو شهر القرآن، ففيه نزل، وفيه يتلى كثيراً في القيام وغيره، وهو شهر الصدقات والعطاءات والإحسان والبذل والجود.
وفي هذا الشهر تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتسلسل الجان، وفيه تتنزل رحمات الرحمن، وفيه تفتح أبواب العفو والغفران.
وقد كان السلف يجتهدون في هذا الشهر ما لا يجتهدون في غيره، فكانوا يقومونه ويصومونه، ويكثرون فيه من قراءة القرآن، والتقرب بالطاعات إلى الرحيم الرحمن.
стр. 940
أطيب النفحات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: قال رسول الله ﷺ : (افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده).
ويقول رسول الله ﷺ : (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها؛ فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة من رحمة الله لا يشقى بعدها أبداً)، وأطيب النفحات وأرقها نفحات رمضان.
الخير باد فيك والإحسان والذكر والقرآن يا رمضان والليل فيك نسائم هفهافة حنت لطيب عبيرها الرهبان بين الجوانح في الأعماق سكناه فكيف ينسى ومن في الناس ينساه في كل عام لنا لقيا محببة يهتز كل كياني حين ألقاه بالعين بالقلب بالآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياه في موسم الطهر في رمضان الخير تجمعنا محبة الله لا مال ولا جاه فالعين دامعة والأذن سامعة والروح خاشعة والقلب أواه يقول مصطفى صادق الرافعي: فديتك زائراً في كل عام أحيي بالتحية والسلام وتقبل كالغمام يفيض حيناً ويبقى بعده أثر الغمام ولم أر قبل حبك من حبيب كفى الرهبان آثار القيام فلو درت العوالم ما درينا لحنت للصلاة وللصيام هبت على القلوب اليوم نفحة من نفحات نسيم القرب، وسعى سمسار الوعظ للمهزورين للصلح، وصلت البشارة للمنقطعين.
فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، ويا شمس التقوى والإيمان على القلوب أطلعي، ويا عين المتهجدين في ليل رمضان لا تهجعي، ويا همم المحبين بغير الله لا تقنعي.
من دامت خسارته فهذه أيام التجارة الرابحة، ومن طال بعده عن مولاه فهذا وقت المصالحة، فينادى حي على الفلاح وأنت على الخسران مثابر، فإلى رمضان وإلى الصيام وإلى القيام.
стр. 941
فضائل الصوم
قبل أن نتكلم عن هذا الشهر نقول: للصوم فضائل ومزايا، فمنها ما قاله رسول الله ﷺ لـ أبي أمامة الباهلي: (عليك بالصوم فإنه لا عدل له) وفي رواية: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له).
فكان أبو أمامة الباهلي لا يرى في بيته نار إلا في حضرة الضيف، ومعنى هذا: أنه كان يسرد الصوم سرداً.
ويحكي رسول الله ﷺ عن ربه ﵎ أنه قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
وهذا الحديث ورد بثلاث روايات كل رواية أفادت معنى جديداً: الرواية الأولى: قال رسول الله ﷺ : (قال الله ﵎: كل عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم فإنه لي).
يقول العلماء: قد يأتي الإنسان يوم القيامة وعليه غرماء، فيأخذون من حسناته، من ثواب الصلاة، وقراءة القرآن والذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما ثواب الصيام فكما قال سفيان بن عيينة: لا يأخذ الغرماء منه شيئاً، بل يختم الله ﵎ عليه ويدخل صاحبه به الجنة.
الرواية الثانية: قال رسول الله ﷺ : (كل عمل ابن آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
فالمولى ﵎ الجواد الذي جاد بكل من جاد، والذي علا جوده على كل جواد، من تفضّله ومن كرمه على عباده يزيد ثواب الحسنات إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ولا يزيد ثواب أي عمل فوق السبعمائة ضعف بأي حال من الأحوال إلا الصبر؛ لقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، والصوم مثل الصبر، بل تجتمع فيه معاني الصبر الثلاثة: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة، ولذلك استثنى الله ثواب الصوم وزاده فوق السبعمائة ضعف.
الرواية الثالثة: قال رسول الله ﷺ : (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
فالصلاة لله ﵎، وكل العبادات له ﵎، فلم أتى الله ﵎ إلى عبادة بعينها وهي الصوم ونسبها إلى نفسه دون باقي العبادات؟ إنما هي نسبة تخصيص وتشريف، كما نسب الله إلى نفسه البيت الحرام فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦] مع أن كل المساجد لله.
وقال العلماء عن سبب تخصيص الصوم بنسبته لله تعالى: أن الصوم له خاصية ينفرد بها عن بقية العبادات، فحشوه الإخلاص ولا رياء فيه، ومتى صح الصوم من الناحية الفقهية فلا رياء فيه، قال الإمام أحمد: لا رياء في الصوم.
أما الصلاة فقد تصح من الناحية الفقهية ثم يضرب بها وجه صاحبها يوم القيامة، يقول رسول الله ﷺ : (غير الدجال أخوف عليكم شرك السرائر، أو الشرك الخفي، قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟! قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيطيل في صلاته؛ لما يرى من نظر الرجل إليه).
وأول من تسعّر بهم النار ثلاثة: رجل ظنه الناس مجاهداً في سبيل الله، وآخر ظنوه عالماً وقارئاً، وثالث ظنوه الناس متصدقاً، فهؤلاء أول من تسعّر بهم النار؛ ولذا قال الرسول ﷺ : (إلا الصوم فإنه لي)؛ لأنه عبادة محشوة الإخلاص، وهي عبادة السر كما قال العلماء.
المعنى الذي بعد ذلك: أن الله ﵎ جبل الإنسان على شهوات البطن والفرج والفم، وكلما تحرر من هذه القيود التحق بالملأ الأعلى، وإن كان في أي عبادة من هذه العبادات لا يتحرر مطلقاً من هذه الشهوات؛ لأنه تكره الصلاة بحضرة الطعام، وفي الحج يمتنع الإنسان عن الجماع ولكنه يأكل لذيذ الطعام، أما في الصيام فينكد نفسه بالساعات حتى يحس ويشعر بألم فقده لهذه الشهوات التي جبل عليها، فطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل، وطوبى لمن جوّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، وطوبى لمن ترك شهوات حياة عاجلة لموعد غيب لم يره.
يشتد عطشك إلى ما تهوى فارصد آمال الرجاء إلى من عنده ري كامل، وقل: قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف، فعجل لي العام الذي فيه يغاث الناس ويعصرون.
من صام عن شهواته أدركها في الجنة، ومن صام عما سوى الله فذاك عيده يوم لقاء ربه.
وقد صمت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي يقول رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين عاماً) فكيف بصيام ثلاثين يوماً! وفي رواية: (سبعين خريفاً).
وقال رسول الله ﷺ : (الصيام جنة من النار).
وقال رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض).
وقال رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله بوعدت عنه النار مسيرة مائة عام).
يحكي أحد الصحابة أنهم كانوا في سرية بحرية، فبينما هم على المركب إذ سمعوا هاتفاً من فوقهم يقول: أيها الناس! ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه يوم خلق السماوات والأرض؟ قالوا: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله تعالى قضى على نفسه أنه من صام يوماً في سبيل الله سقاه الله يوم العطش، يقول الله ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
قال مجاهد: هذه آية الصائمين، تمد لهم موائد الإنعام من رب البرية، والناس ما بعد يحاسبون في عرصات القيامة، كل يا من لم تأكل، واشرب يا من لم تشرب.
ويقول رسول الله ﷺ : (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) وخلوف الفم: هو تغير رائحته من آثار الصيام، حتى إذا مر الرجل الصائم برجل من أبناء الدنيا من أهل الكروش يقول صاحب الدنيا: ابتعد عني فإن رائحة فمك تؤذيني، فماذا يكون الجزاء؟ يُطيب الطيب بعطر أفواههم، وليس هذا فقط، بل لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.
وكما يقول مكحول: يروح على أهل الجنة برائحة ما وجدوا خيراً منها، فيقال: يا رب! ما هذه الرائحة؟ فيقال: هذه رائحة أفواه الصائمين، إذا ما انفرجت الشفاه تخرج رائحة تعطِّر الجنة بأسرها، ولا تحتاج الجنة إلى عطر وإنما هذا جزاء تغير رائحة الأفواه في الدنيا.
يقول رسول الله ﷺ : (إن للجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون لا يدخل معهم غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق من ورائهم، من دخل منه شرب، ومن شرب لا يظمأ أبداً).
من دخل منهم شرب وهم يحتاجون إلى الشرب في يوم يطول خمسين ألف سنة، ما ذاقوا فيه طعاماً، ولا شربوا شراباً حتى تقطعت أجوافهم عطشاً، وحتى يسمع لصوت الأجواف غليان، يقول سلمان الفارسي: تقول الأجواف: غط غط، وهذا صوت الغليان، فكيف إذا كان الجزاء دخولهم من الريان.
إن الرجل إذا سار في الصحراء واشتد به الظمأ، وأشرف على الهلكة ثم قيل له: هذا ماء، فإنه يرتوي تلقائياً حتى ولو لم يشرب، فكيف إذا طال العطش ثم قيل: هذا الباب يسمى الريان؟ الريان من الري، والري: ضد الظمأ، قابل الله ﵎ عطشهم بمسمى باب يبعث على الراحة، وأول الغيث قطرة، فما ظنك بالداخل؟! فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباته وأبوس مقبض بابه خذني إلى وطني أموت مشرداً إن لم تكحِّل ناظري بترابه يقول رسول الله ﷺ : (من ختم له بصيام يومه دخل الجنة).
يا إخوتاه! أحدنا يؤثر الظل على الشمس، فما بالنا لا نؤثر الجنة على النار؟ أفلا تساوي الجنة نقلة من الشمس إلى الظل؟ إذاً: فاجعل الصوم سبيلاً للجنة، فاستمسكوا بهذا السبيل، فإنه سبيل للجنة.
والصوم مكفرة للسيئات، يقول الرسول ﷺ : (فتنة الرجل في ماله وأهله وولده وداره ونفسه تكفرها الصلاة والصيام والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
فهذه معان عظيمة في الصوم لا بد أن نحياها، وأيضاً الصائم له دلال على الله ﵎، يقول المصطفى ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).
سبحان الله! أنت تأكل والله ﵎ يصلي عليك، فتكون كأم موسى تُرضع ولدها وتأخذ أجرها من فرعون؛ لأنه لا يعلم أنه ابنها، فيكون حالك في توكلك على الله ﵎، وصدقك معه في أرقى المرتب؛ فأنت تأكل والله ﵎ تتنزل عليك رحماته، والملائكة تستغفر لك.
يا أخي! كم من ملك في السماوات والأرض ما ذاقت أعينهم غمضة، وما ذاقوا طعاماً، ولا شربوا شراباً منذ أن خلقهم الله ﵎، ليست لهم منحة ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، وليس لهم عبير (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
يقول الرسول ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) لأن هذا فرق ما بين صيامنا وبين صيام ضلال النصارى، يقول الرسول ﷺ : (فرق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)؛ لأنهم لا يتسحرون، ولذا سماه الرسول ﷺ الغذاء المبارك، فقال: (قم بنا إلى الغذاء المبارك).
وسماه أيضاً: الفلاح، يقول الصحابة: (وما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر خشية أن يفوتنا الفلاح).
فعلق الله ﵎ فلاح هذه الأمة بأن تكون أمة فريدة في خصالها، فلا تتشبه باليهود ولا بالنصارى، فقال الرسول ﷺ : (لا يزال الدين ظاهراً ما عجلت أمتي الفطر).
وقال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر).
وقال: (لا تزال أمتي على
стр. 942
حال السلف مع الصوم
قارنوا يا إخوتاه بين أحوالنا وبين أحوال عباد السلف، وبين أحوال الأنبياء، فكان داود أعبد الناس، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
وهذه السيدة حفصة بنت عمر رضوان الله عليها زوج رسول الله، كان للصيام أثر طيب في حياتها، وقد أبقاها الله زوجة لرسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله -كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة-: طلقها ذات يوم، فنثر عمر التراب على وجهه، وقال: ما أصبح الله يبالي بـ عمر ولا بابنة عمر، فنزل جبريل من السماء وقال لرسول الله ﷺ : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة؛ لأنها قوامة صوامة، وإنها زوجتك في الجنة.
والسيدة عائشة رضوان الله عليها كانت تسرد الصوم سرداً، وكذلك إمام أهل السنة وعالم المدينة مالك بن أنس، وكذا عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، سرد الصوم ستين عاماً، يصوم يوماً ويُفطر يوماً، ومات وهو صائم.
وداود بن أبي هند سرد الصوم أربعين سنة، كان يأخذ طعامه من البيت فيتصدق به في عرض الطريق، فيظن أهل البيت أنه قد تناول ما أخذ من طعام، ويظن أهل السوق أنه قد أكل ما أخذه من البيت، بقي على هذا أربعين سنة، لا يشعر به زوجه، أو أهله.
سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلى السرائر وهذا الإمام إبراهيم بن إسحاق النيسابوري إمام جليل من أئمة هذه الأمة تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، وصاحب كتاب مسائل الإمام أحمد، هذا الإمام العابد كان نسيج وحده في الصيام، لدرجة أن الإمام أحمد وهو إمام أهل السنة يقول لابنه إسحاق: ومن يطيق ما كان يطيق أبوك؟! هذا الإمام ضل ستين سنة يسرد الصوم سرداً، لا يفطر إلا الأيام التي يحرم فيها الصوم.
فلما جاءه الموت قال لابنه: يا بني! قرِّب إليّ قدحاً من الماء لأشرب، ثم قال لابنه: يا بني! هل غربت الشمس؟ قال: لا يا أبت! قال: فنح القدح إذاً، ثم مات وهو يتلوا قول الله ﵎: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].
فأديموا الصيام يا إخوتاه، وافرحوا بصومكم، افرحوا بعبادة تقربكم من الله ﵎.
стр. 943
خصائص شهر رمضان
أما عن رمضان، وما أدراك ما رمضان! فهو تاج على مفرق الدهور وممر الأعوام، له خصائص طيبة تميّز بها عن باقي الشهور، وهي كالتالي: الأولى: أنه شهر يزاد فيه ثواب الأعمال؛ لقول رسولنا ﷺ : (عمرة في رمضان تعدل حجة معي).
والعمرة: سنة مؤكدة على أرجح أقوال العلماء، ولا تصل إلى ثواب الحج وهو فرض، فيضاعف الله ﵎ ثواب العمرة في رمضان حتى تصير مثل حجة مع رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أن ثواب الأعمال يضاعف في رمضان، وكذلك ثواب الصدقات، وثواب الصلاة، وثواب القيام، كل هذا يضاعف، فما ظنكم بالثواب المضاعف ويُضاعف؟! فاتق الله ﵎، ولا تبع الليل ولا رمضان بلقمة بها تُحرم منحة (تتجافى)، وبها تُحرم عتاب: (كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني)، أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه؟ يا إخوتاه! إذا جن الغاسق حن العاشق، وقلوب المحبين جمرة تحت شحمة الليل، إذا هب عليها نسيم السحر أجج ما فيها من شوق إلى الله ﵎، فاحرصوا على لحظات رمضان.
أخي! قد قيد الصد قدميك، وغل الإبعاد يديك، أفما لك عين تبكي لو بعت لحظة من رمضان بملك قارون في عمر نوح، ولو فعلت لغبنت وما ربحت، فحافظ على هذه الأنفاس التي تخرج إلى الله ﵎، واملأها بجواهر تزيد في ميزان أعمالك يوم لقي الله ﵎، وهنا يفرح الصادقون.
الخاصية الثانية لرمضان: أنه شهر نزول القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].
وفي نزول القرآن في رمضان قولان: الأول: قال ابن عباس: معنى نزوله: أن نزوله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا كان في رمضان.
ونحن نؤمن باللوح، يقول رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ خلق لوحاً من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء، عرضه ما بين السماء والأرض، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء).
المعنى الثاني: أن بدء نزول القرآن الكريم على قلب رسولنا ﷺ ، بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ كان في ليلة القدر في رمضان.
وهو شهر نزول كل الكتب السماوية؛ لحديث واثلة بن الأسقع -وحسنه الشيخ الألباني - قال: قال رسول الله ﷺ : (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان) على اختلاف العلماء في تحديد ليلة القدر، وأن الوتر يكون باعتبار ما مضى من الشهر، فإذا عددت من أول الشهر تكون ليلة واحد وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين هي أرجى الليالي موافقة لليلة القدر.
وإذا عددت من آخر الشهر؛ لحديث أبي سعيد الخدري لواحدة بقين، لثلاث بقين، لخمس بقين، فبهذا الحساب من آخر الشهر قد تكون ليالي الوتر وترية باعتبار ما تبقى من الشهر، وتكون شفعاً باعتبار ما مضى من الشهر.
إذاً: فشهر رمضان شهر نزول كل الكتب السماوية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١] فالقرآن كاف لكل ذي لب.
стр. 944
فضل قراءة القرآن
أين نحن من القرآن ورسولنا ﷺ يقول: (من سرّه أن يُحب الله ورسوله فلينظر في المصحف)، فأينا لا يسرّه أن يحب الله ﵎؟ ويقول رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
ويقول رسول الله ﷺ : (إن الله يرفع بهذا الكلام أقواماً ويضع به آخرين).
ويقول رسول الله ﷺ : (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية كنت تقرأها).
ويقول رسول الله ﷺ : (من علم آية من كتاب الله فله ثوابها ما تليت).
ويقول رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له به أجران).
стр. 945
سير السلف في قراءة القرآن في رمضان وغيره
مزامير الأنس، من حضرة القدس، بألحان التوحيد، من رياض التمجيد، هذا طعم الخبر، فكيف بطعم النظر! آيات منزلة من حول العرش، الأرض منها سماء فهي منها نجوم، فلم لا تقبلون على كتاب الله ﵎؟ يقول عثمان بن عفان: لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم.
يقول أحمد بن أبي الحواري: إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنؤهم النوم ومعهم القرآن! أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.
يا إخوتاه! هذا شهر يستحب فيه ختم القرآن في أقل من ثلاث، وعليه عمل السلف في هذه الأمة وعبّادها، فـ الشافعي كانت له ستون ختمه في شهر رمضان، يعني: أنه يتلو القرآن مرتين يومياً بواقع ستين جزءاً، وأقسم بالله إني لأعلم شباباً يقرءون القرآن في سبع ساعات حدراً لا يخطئون خطئاً واحداً، ففي سبع ساعات يمرون عليه مروراً.
وعليه قول الإمام مالك فقد سئل الإمام مالك عن رجل يقرأ القرآن كل ليلة ويختمه، فقال: القرآن إمام كل خير، وأمام كل خير.
وهذا قول أحمد، وقول إسحاق بن راهويه أنه لا يكره الختم في أقل من ثلاث؛ لأن هذا فقط في الأيام التي يرجى فيها الخير ويستحب فيها الدعاء، وليس هذا ديمة، فأديموا مع القرآن وقوفكم.
عجباً لك يا أخي! يأتيك خطاب من ابن عمك ربما كان لا يساوي خردلة في ملك الله، فتقرأه في الطريق ولا تستمهل أن تصل إلى البيت فتقرأه! وأمامك كتاب الله ﵎ فلا تسعد عينك بالنظر إليه! أحد تابعي هذه الأمة -وكان ضريراً- سأل الله ﵎ أن يمن عليه بالبصر وقت قراءة القرآن فقط، فكان إذا قرأ القرآن عاد إليه بصره.
رميت ببين منك إن كنت كاذباً وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح وإن كان شيء في الوجود سواكم يقر به القلب الجريح ويفرح هوى غيركم نار تلظى ولحظة وحبكم الفردوس بل هو أفسح اسمعوا إلى الطيب الحيي سيدنا عثمان بن عفان ذي النورين لما قتلوه بكت زوجته نائلة، تصوروا يا إخوتاه رجال من هذه الأمة ينتسبون إلى هذه الأمة يقتلون عثمان ذا النورين! أناس تمتد أيديهم إلى ذي النورين الذي تستحي منه الملائكة، ويقتلونه وهو يقرأ القرآن، فيسيل الدم على قول الله تبارك تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧].
تقول زوجه: قتلتموه وإنه كان يحيي الليل كله بالقرآن، ويقرؤه كله في ركعة واحدة، وفيه نزل قول الله ﵎: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
فأين نحن من تلاوة القرآن؟ أين نحن من تدبر القرآن؟ أين نحن من الرجوع والتحاكم إلى القرآن؟ يا أخت أندلس عليك سلام هوت الخلافة عنك والإسلام طوي الهلال عن السماء فليتها طويت وعم العالمين ظلام وقال الآخر: بكت الصلاة وتلك فتنة عابث بالشرع عربيد القضاء وقاح أفتى خزعبلة وقال ضلالة وأتى بكفر في البلاد بواح ضجت عليكِ ممالك ومآذن وبكت عليكِ منابر ونواحي فالصين والهة ومصر حزينة تبكي عليكِ بمدمع سحاح والشام تسأل والعراق وفارس أمحى من الأرض الخلافة ماح خطب أتى طول الليالي دونه قد طاح بين عشية وصباح وعلاقة فصمت عرى أسبابها كانت أبر علاقة الأرواح نزلت صفوف المسلمين ودمعهم في كل غدوة جمعة ورواح فلتسمعن بكل أرض داعياً يدعو إلى الكذاب أو لسجاح ولتسمعن بكل أرض فتنة فيها يباع الدين بيع سماح يبكى على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
стр. 946
فضل قيام الليل في رمضان وغيره
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله حبيب قلوب الوالهين، ومنتهى رغبة السالكين، ومحط آمال الراحلين.
ورمضان يا إخوتاه شهر القيام، وشهر التراويح، وشهر التهجد، يقول رسول الله ﷺ : (إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها، وباطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟! قال: لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام).
شهر رمضان يا إخوتاه شهر الإخلاص في الصوم والقيام، يقول قتادة: كان يقال: ما قام الليل منافق.
والصلاة في الليل تبعث على الإخلاص، وقيام الليل ليس فيه رياء، وصحته على ركني هذا الشهر: الصيام والقيام، فبهما يطرد كل رياء من القلوب، يقول رسول الله ﷺ وقد سئل عن رجل ينام الليل أجمعه فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).
يقول الحسن البصري: إنه والله بول ثقيل، يقول لك الشيطان: عليك ليل طويل فنم ولا تستيقظ، وعلى الطرف الآخر يقول الله ﵎ لجبريل: أقم فلاناً وأنم فلاناً؛ حتى لا يساوي الحيوانات العجماوات، ولا يساوي الطيور العجماوات.
تقول السيدة عائشة: كان رسول الله ﷺ يقوم إذا سمع الطارق وهو الديك، والمصطفى ﷺ يقول في حديث حسنه المناوي والألباني: (لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة).
إذاً فهذا الديك هو أحسن من بعض البشر الذين يوقظون للمعاصي، (لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة).
صاح الديك فلم تنتبه، فأعاد فلم تفق، فقوى برد الجناحين فخطم خديه حزناً على مصيبته.
قم بنا يا أخي لما نتمنى واطرد النوم بالعزيمة عنا قم فقد صاحت الديوك ونادت لا تكون الديوك أطرب منا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، فإذا فرغت من الفريضة فانصب لصلاة الليل، كما قال ابن مسعود.
يقول رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم).
فعادة الصالحين الطيبين قبلكم أن يقوموا الليل، فإذا قام العابد إلى مصلاه قالت له الملائكة: طوباك سلكت منهاج العابدين من قبلك، (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة منكم إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد).
وحينما تذهب إلى أي طبيب في أمراض الروماتيزم فكل ما يعطيك من أدوية: بلكريم ونحو ذلك، فكل هذه الأدوية مسكنة ولا تقضي على المرض، ولم يخترع علاج على مستوى العالم إلى الآن لأمراض الروماتيزم، وهناك طبيب من أعظم أطباء مصر حينما قال: لقد اخترعت علاجاً لأمراض الروماتيزم، أوقف من النقابة ٦ أشهر عن مزاولة المهنة، وقد أتى بها الرسول منذ أربعة عشر قرناً.
وهناك بحث أعده أطباء القصر العيني بالتعاون مع كلية الطب بحلوان وأشرفت عليه كل كليات الطب في العالم الإسلامي، أخذوا حديث الرسول ﷺ : (ومطردة للداء عن الجسد) هذه الفقرة فقط وأجروا بحثاً على ثلاثين رجلاً يصلون التراويح، وثلاثين آخرين لا يصلون التراويح، فأثبتوا أن الذين يواظبون على صلاة التراويح ارتفعت عندهم الكفاءة الوظيفية للقلب مع مرونة جميع فقرات العمود الفقري، واختفاء كل الآلام الروماتيزمية من المفاصل، هذا لمن يطلب المادة، وأما من يطلب الآخرة فهناك شيء آخر لقيام الليل، فقد جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله ﷺ فقال له: (يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، ممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء)، فالذي يواظب على صلاة التراويح يكتب عند الله ﵎ من الصديقين والشهداء.
يقول رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس).
ويقول الرسول ﷺ : (سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن، ماذا أنزل الليلة من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات) يعني: أمهات المؤمنين، (يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة).
والمصطفى ﷺ يطرق علياً وابنته فاطمة ليلاً وقال: (ألا تصليان؟ فقال علي: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثنا ابتعثنا، يقول علي: فسمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
ويقول رسول الله ﷺ : (إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مؤمن يسأل الله فيها شيئاً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة).
والرسول ﷺ يمر بـ سالم مولى أبي حذيفة فيجده يتهجد بصلاة الليل، فقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله).
стр. 947
سيرة السلف في قيام الليل
قيل لسيدنا عمر بن الخطاب: ألا تنم يا أمير المؤمنين؟! فقال: كيف لي بالنوم، إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت حضي مع الله.
لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى لو تفرغت لاستطالة ليلي ولرعي النجوم كنت مخلا وسيدنا عثمان عندما مات عمر تزوج عثمان بإحدى نسائه، فلما سألوه عن سر ذلك قال: والله ما تزوجتها رغبة في نكاح ولا ولد، وإنما تزوجتها لتخبرني عن ليل عمر.
اللهم بغّض إلينا ساعات أكلنا وشربنا، وارزقنا سهراً في طاعتك، اللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك، اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، رب اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، لك أوّاهين مخبتين منيبين، وتقبّل توبتنا، اللهم واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدرونا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.
قام الخطاءون وقمنا إلى عبادتك، اللهم أصلحنا لعبادتك، اللهم أصلحنا لخدمتك، اللهم أصلحنا لخدمتك، اللهم تجاوز عن سيئاتنا اللهم تجاوز عن سيئاتنا، اللهم فرغ قلوبنا ممن سواك، اللهم فرغ قلوبنا ممن سواك، اللهم فرغ قلوبنا ممن سواك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ومعذرة إن كنت قد أطلت عليكم، وأقم الصلاة.
قال الشاعر: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح وهذا سيدنا أبو ريحانة الصحابي الجليل قفل من غزوه فأعدت له زوجه طعام العشاء، فأكل ثم نصب قدميه في محرابه إلى الصباح، فلما كان الصبح وأراد أن يمضي إلى الجيش قالت له زوجه: يا أبا ريحانة! غزوت فأطلت الغزو ثم عدت، أفما كان لنا فيك نصيب؟ قال: لو خطرت لي على بال لكان لكِ فيَّ نصيب، قالت: يرحمك الله وما الذي شغلك عنا؟ قال: إني نظرت إلى ما أعد الله للمتهجدين في كتاب الله من سندسها ومن إستبرقها، فذاك الذي شغلني عنكِ.
وقد سأل سيدنا موسى الله ﵎: (من أدنى أهل الجنة منزلة، ومن أعلاهم منزلة؟ فلما سأله عن أعلاهم منزلة قال: أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ثم تلا رسول الله ﷺ قول الله ﵎: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦])، ومعنى هذا: أن المتهجدين هم أعلا أهل الجنة منزلة، ولذلك حرص العلماء على قيام الليل، فسيدنا أبو هريرة قسّم الليل أثلاثاً بينه وبين زوجته وبين خادمه، فإذا قام هذا نام هذا، واتخذوا الليل زمناً، فإذا أسفر الصباح كانت له اثنتا عشرة ألف تسبيحة.
فإذا صلى واحد من العشاء إلى الفجر وقام الليل بعشر فإنه يجد رقة عجيبة، فما بالك إذا كان سيدنا أبو هريرة يأتي باثنتي عشرة ألف تسبيحة، ثم بعد أن يفرغ من هذا يقول: إنما أسبِّح بقدر ذنبي، وكأنهم قد أسلفوا في ليلهم الجرائم.
إنما أسبح بقدر ذنبي، وفي رواية: إنما أسبِّح بقدر ديتي.
وسيدنا عبد الله بن عباس اتخذ الليل زمناً، فنصفه يصلي ويدعو، ونصفه يبكي.
وحفرت الدموع خطين أسودين في وجه الفاروق، فبالله عليك قل لي عن دمع يحفر مجرى في لحم كيف هذا الدمع؟ وإحدى العابدات أخذت بيد ابنها وكان عابداً كثير البكاء بالليل، فأرته نقرة أو حفرة في البيت وقالت له: هذا موضع دموع أبيك.
والإمام الأوزاعي دخلت إحدى الجارات على أم ولد له فوجدت بللاً في مصلى الشيخ، فقالت لزوج الأوزاعي: ثكلتك أمك تركت الصبيان حتى بالوا في مصلى الشيخ؟ قالت: والله ما هذا بول الصبيان، وإنما هذا من أثر دموع الشيخ ليلاً.
فما ظنك بالدموع إذا كانت هذه آثار الدموع الباقية.
وابن عباس ظل يبكي حتى مرضت عيناه كما قال علماء التراجم.
وسيدنا مسروق بن عبد الرحمن تقول عنه زوجه: ما كان يأتي فراشه إلا زحفاً كما يزحف البعير، وإن قدميه لمنتفختان من أثر القيام، وكنت أجلس خلفه أبكي له رحمة مما يصنع بنفسه.
وكان أحد العباد إذا أتى صلاته زحفاً -وهو علي بن الفضيل - ينظر إلى أبيه ويقول: أي أبتاه! سبقني العابدون وقُطع بي، والهفاه يا أبتاه! وقتله ترداده لآية في ظلام الليل قام بها الليل، وهي قوله ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]، فظل يرددها حتى خرجت روحه فيها، وبكى والده وقال: واابناه، واقتيل جهنماه! ما قتل ابني إلا الخوف من النار.
والربيع بن خثيم كانوا يعلمون شعره بالليل، فإذا أتى إلى صلاة الصبح قالوا: والله إن شعر الربيع ليخبركم أنه ما توسده الليل.
وقالوا للحسن البصري: هنا رجل يحفظ القرآن وينام الليل، فقال: ذاك رجل يتوسد القرآن.
يعني: كأنه ينام على القرآن.
وضيغم بن مالك الذي صلى حتى تفحم، وصلى حتى أُصيب بمرض أقعده، قال أحد العبّاد: ما أطول بكاء ضيغم! فقالت أم ضيغم: لمثل ما ندب إليه فليكن البكاء القيامة وما فيها، يا بني وهل رأيت حزيناً قط؟ ذهب الحسن وأصحابه بالحزن.
ونور الدين محمود زنكي كان مدمناً لقيام الليل، وكان له مع رمضان حكايات وحكايات، ورمضان هو شهر بدر وشهر فتح مكة، وشهر الجهاد، رمضان هو شهر عين جالوت، رمضان هو شهر الزلاقة، رمضان هو شهر الفتوحات، فأين نحن من هذا؟ فهذا نور الدين محمود زنكي قاهر الصليبيين وما كان يتناول من إفطار المملكة شيئاً طوال شهر رمضان، وكان يبعث إلى شيخه يأتي له بالرقاق يتناوله طوال شهر رمضان، وكان مدمناً لقيام الليل، فبهؤلاء انتصر المسلمون.
يقول الحافظ ابن كثير دخل بعض المسلمين إلى بيت المقدس أيام أخذ الفرنجة له فسمعوا النصارى يقولون: إن القسيم بن القسيم -يعنون نور الدين - لا ينصر علينا بكثرة عتاده وجنده، وإنما ينصر علينا بصلاته في الليل.
فهذه شهادة الكفار في حقه.
وأين منا قول أنس بن النضر: واهاً لريح الجنة، إني لأشم رائحة الجنة من وراء أحد.
وأين منا قول جعفر: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليّ إن لاقيتها ضرابها أين منا قول عمير بن الحمام: إنها لحياة طويلة إن مكثت في الدنيا حتى آكل تمراتي هذه؟! وأين منا قول حرام بن ملحان الذي نفض الدم على رأسه وقال: فزت ورب الكعبة؟! وأين منا قول رسول الله ﷺ : (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل)؟ وأين منا قول أبي بكر: والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد.
ورمضان يا أخوتاه شهر الدعاء، يقول رسول الله ﷺ فيما أخرجه الإمام أحمد بسند جيد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان).
وهذا نور الدين محمود زنكي كان مدمناً لقيام الليل، وكذلك كانت زوجه عصمة الدين بنت الأتابك خاتون، فقد قامت ذات ليلة غضبى من نومها، فسألها عن سر غضبها؟ فقالت: فاتني وردي من البارحة فلم أصل من الليل شيئاً، فلما مات عنها تزوجها صلاح الدين الأيوبي.
يقول القاضي ابن شداد شيخ الحنفية: كان صلاح إذا اشتد الحصار بالمسلمين يطوف على البلاد والأمصار وعيناه تذرفان الدموع، ويقول: يا للإسلام يا لعكا، ويطول قيامه ويقول: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية عن نصرة دينك، وليس لي إلا الإخلاد إلى جنابك، ودموعه تتقاطر على لحيته، قال: فوالله ما يأتي الفجر إلا ومعه خبر النصر على الأعداء.
والإمام البطل المجاهد الحافظ عبد الغني المقدسي - وهذا كان من أعظم علماء الحنابلة- رآه رجل كافر وهو يصلي بالليل، فلما كان الغد أسلم هذا الرجل لما رأى من الخشوع الذي على وجه عبد الغني المقدسي.
قالوا للحسن البصري: عجزنا عن قيام الليل! قال: أثقلتكم ذنوبكم، وقيدتكم خطاياكم، إنما يؤهل الملوك للخلوة بهم من يصدق في ودادهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك.
قالوا للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.