← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الصدق في الخوف الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: الصدق في الخوف: ليس أن تدمع عيناك وأنت ترتكب المعاصي، ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه. كان مالك بن دينار يعظ قوماً، ثم بعد أن انتهى من موعظته التفت إلى النعل فلم يجدها، فقال: كلنا يبكي فمن سرق النعل؟ فالدموع ليست بكافية، ربما تكون دموع تماسيح. هل أنت صادق مع الله ؟ أم أن توبتك كتوبة شيخ ضعفت قوته عن ارتكاب المعصية، أو يدعي التوبة ويلتفت إلى الذنب الفينة بعد الفينة، ويتذكر حلاوة الذنب؟ فلو صدقت توبتك لصحت. فكل يوم يمر عليك ولا تعصي الله فهو يوم عيد. وهذه هاجر أتى بها إبراهيم إلى جبال فاران موضع مكة الآن، ونظرت حولها فلم تجد إلا هدير الصحراء؛ فقالت: (يا إبراهيم! إلى من تتركنا في مثل هذا المكان القفر، يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً فلن يضيعنا). هذا الكلام سهل، لكنه كلام امرأة ومعها رضيعها في الصحراء، وبعد قليل سيفارقها زوجها، ولن تجد بعد ذلك لا ابن ولا بنت، ولن تجد إلا الموت في الصحراء. فماذا تفعل المرأة برضيعها، وهو يتلبط من الجوع والعطش، فتهرول ما بين الصفا والمروة، ولصدقها يجعل الله هذه الخطوات ركن من أركان الحج، فرفعها الله بصدقها، ولما نزل إليها جبريل، قال: من أنت؟ ومن زوجك؟ قالت: أنا أم إسماعيل، وزوج إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله، فقال: صدقت، وكلكما إلى خير كافل، لا تخشي الضيعة، إن الله لا يضيع أهله. ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإحسان جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، ولما صدقت في المعاملة مع الله ، وعلمت أن الله هو خير كافل، وهو خير وكيل، ألقت بابنها الرضيع على صفحة النهر، وقد كانت ترضعه على خوف من فرعون وملئه، والآن تلقيه في اليم، والأم إذا خافت على ولدها ضمته إلى صدرها، فلم يقل لها: فضميه إلى صدرك بل (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، وهذا من صدق التوكل على الله . سبحان من جعل من موج البحر لموسى مستراحاً ومأمناً ومناماً، وجعل من النار لإبراهيم برداً وسلاماً. ويأتي هذا التابوت إلى قصر فرعون لتكون المعركة على أرضه. وكأنه يقال له: جندت كل جندك وكل القافلات من أجل هذا الطفل الرضيع! فسوف نسهل لك المهمة ونأتي به إلى قصرك. وتنظر الجواري فيلتقطن سيدنا موسى ﵇، وإنما يؤتى الحذر من مأمنه، ولا يؤتى فرعون إلا من قبل زوجته التي تعيش معه في غرفة واحدة، قال الله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، قالت زوجة فرعون: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، ونجاه الله بأرق شيء، وهو المحبة التي ألقاها في قلب آسية، فلم تحمه الملائكة ولا غيرها، وإنما حماه الله بكلمة الحب: لا تقتلوه. وربي موسى في حجر فرعون، ولسان القدر يقول: لا نربيه إلا في حجرك.

стр. 877

الصدق في الأقوال الصدق في الأقوال: أن يجتنب الإنسان ما أمكنه عن المعاريض، ويحاول أن يكون صادقاً، ويجنب نفسه كثرة المعاريض، نعم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ولكن يحاول الإنسان أن يخفف. ومن الصدق في الأقوال: أن يصدق الله في مناجاته أثناء العبادات، فلا يقول أثناء الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً. وقلبه في القاهرة مثلاً، ولا يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] ويكون عبداً لشهواته، ولقد قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، فالصدق في الأقوال ينجي. روي أن صبياً وهو عبد القادر الجيلاني أثناء طلب العلم ذهب إلى بغداد، فأعطته أمه أربعين ديناراً، فخرج على القافلة التي كان يسير فيها قطاع الطرق، فأتى أحد اللصوص إلى الجيلاني فقال: ما معك؟ قال: أربعون ديناراً! فظن أن الولد يكذب، فأعاد عليه مرة ثانية، فقال: معي أربعون ديناراً، فأتى به إلى زعيم اللصوص، فقال: ما معك؟ قال: أربعون ديناراً، ثم أخرجها؟ قال: ما حملك على الصدق؟ قال: إني عاهدت أمي على الصدق! قال: يا سبحان الله! أنت تخاف أن تنقض عهدك مع أمك على الصدق، وأنا لا أخاف أن أنقض عهد الله ، ثم قال: أنا تائب على يديك، فقال اللصوص: أنت كبيرنا في التوبة كما كنت كبيرنا في قطع الطريق، وتابوا على يد الجيلاني وهو طفل صغير. والصدق منجاة، قال الجنيد في درجة الصدق في الأقوال: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب، مثل ربعي بن حراش ﵀ وهو أحد التابعين، قالوا: ما كذب قط، وكان الحجاج طالباً منه ولديه ولم يكن له غيرهما، فعلم أن ربعي بن حراش يعلم مكان ولديه، فلما أتي به إلى الحجاج قال: أين ولداك؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون هما في البيت، قال: عفونا عنهما من أجل صدقك.

стр. 878

الصدق في المجاهدة والتوبة إلى الله والصدق في المجاهدة مع الله : ألا تختار غير الله ، ولا تقدم عليه أحداً، قال الله : ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: اصطفاكم، فلا تختر على الله ولا تقدم عليه أحداً، كما لم يقدم عليك ولا على المسلمين أحداً بأن اصطفى هذه الأمة. والصدق في التوبة مع الله . فهذا بشر بن الحارث الحافي، الذي قال عنه الناس: ما أخرجت بغداد أتم عقلاً منه، والإمام أحمد كان إذا سئل في مسألة عن الزهد والورع، قال: تسألوني عن الزهد وفيكم بشر؟ قالوا: إنه كان في بداية حياته ماجناً، وكان يسرق، وبينما هو يدعو إخوانه إلى ليلة عنده، إذ مر ذاهب بالباب فطرق قصر بشر بن الحارث، فلما خرجت إليه الجارية، قال لها: قصر من هذا، قصر عبد أم حر؟ فقالت له: قصر حر، فقال: صدقت لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، ثم مضى، فخرج بشر حافياً وراءه، لما سأل الجارية عما قاله، وما لبس نعلاً وظل حافياً طيلة حياته، قال: حال لقيت الله بها لا أغادرها أبداً، فلقب بالحافي، ويوم موته خرجوا به وقت صلاة الغداة وما وضعوه في قبره إلا بعد العشاء. علي بن المديني يقول: هذا والله! عز الدنيا قبل عز الآخرة، وهذا شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وكان أبو محمد حبيب العجمي مرابياً، وكان إذا خرج إلى الشارع يخرج الأطفال حوله يهتفون وراءه: هذا أبو محمد حبيب العجمي المرابي، فجلس مجلساً للحسن البصري فتاب إلى الله ، وتصدق بجميع ماله، فكان بعد ذلك إذا خرج إلى السوق يقول الأطفال: هذا أبو محمد حبيب العجمي الزاهد. إن تصدق الله يصدقك، يقول أبو عبد الرحمن الزاهد: ويلي! من أشد جرماً؟ يا مولاي! عاملتُ عبادك بالصدق والأمانة، وعاملتك بالخيانة!! اتق يوماً تقف فيه أمام الله ، ليس بينك وبينه ترجمان، تنظر عن يمنيك ما ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا النار. أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الأماني أن يتوبا أنا العبد المسيء عصيت سراً فمالي الآن لا أبدي النحيبا أنا الغدّار كم عاهدت عهداً وكنت على الوفاء به كذوبا أنا العبد المخلف عن أناس حووا من كل معروف وطيبا فيا أسفا على عمر تقضى ولم أكسب به إلا الذنوبا وأحذر أن يعاجلني ممات يحير هول مصرعه اللبيبا أنا العبد الفقير مددت كفي إليكم فادفعوا عني الخطوبا أنا العبد الغريق بلج بحر أصيح لربما ألقى مجيبا أنا العبد السقيم من الخطايا وقد أقبلت ألتمس الطبيبا أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا انظروا إلى توبة ماعز الذي ارتكب الزنا ثم قال الرسول ﷺ : (والله! لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لعمتهم). وانظروا إلى الغامدية التي قال عنها النبي ﷺ بعد أن زنت وتابت إلى الله : (والله! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه). وهذا كعب بن مالك عندما تاب الله عليه قال له النبي ﷺ : (أبشر يا كعب بخير يوم خرج عليك منذ ولدتك أمك).

стр. 879

الصدق في النيات والعزم فالصدق في النيات: هو أن تريد بالعمل وجه الله ﵎، ولا تريد رئاء الناس، يقول الله ﵎ عن المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧]؛ لأنهم كذبوا في نياتهم. الصدق في العزم: يقول سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: والله! لئن أقدم فتضرب عنقي، أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق. والصدق في العزم يتفاوت، فرب رجل يقول: عليّ لله إن أعطاني مالاً أن أتصدق بجميع هذا المال، ولكنه إذا أتاه المال يكون متردداً. وقد يقول رجل: إني أحب أبا بكر الصديق، ولكن لا يكون في عزمه كعزم سيدنا عمر، فسيدنا عمر يقول: والله لئن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق. وهذا صدق في العزم. ومثل سيدنا أنس بن النضر ﵁ عندما غاب عن مشهد بدر، فقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ مع الكافرين وأغيب عنه! والله! لئن أشهدني الله مشهداً آخر لأرين الله ما أصنع. يقول أبو تراب النخشبي: إن الرجل إذا صدق في عزمه أعطاه الله حلاوة العمل قبل مباشرته للعمل. يعني: إذا علم الله من نيتك ومن عزمك الصدق ألبسك رداء هذا العمل قبل أن تفعله، وأعطاك بصيصاً من حلاوته قبل أن تقدم عليه. فالأصل: المتاجرة مع الله بالقلوب، وسيدنا أنس بن النضر عندما خرج إلى جبل أحد، فقال له سعد بن معاذ: إلى أين يا أبا عمرو؟ فقال: إليك عني يا سعد بن معاذ، والله! إني لأشم ريح الجنة من دون أحد. وقاتل حتى قتل، فما عرفته إلا أخته الربيع بنت النضر ببنانه فقط، وفيه نزل قول الله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. يقول النبي ﷺ في حديث نعيم بن همار الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط بإسناد صحيح، قال: (الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله في الصف الأول، ولا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا، يلقون في غرف الجنة العليا يتلبطون، يضحك الله ﵎ إليهم، وإن الله ﵎ إذا ضحك إلى عبد فلا حساب عليه).

стр. 880

النصر متعلق بالصدق والصدق ينجي في الدنيا والآخرة، هل صدق المسلمون والعرب وهم مليار وربع مليار، واليهود خمسة مليون فقط؟ هل صدقوا الله في نصرة فلسطين؟ والله! ما صدقوا. قالوا لنا أرضنا أرض مباركة فيها التقى والهدى والوحي والرسل ما لي أراها وبحر الزور يغرقها وأبقوا الأمر في أرجائها زجل عار على الأرض كيف الذل أغرقها كيف استوى عندها الكذاب والرجل فكم بكينا على أطلال قرطبة وقدسنا لم تزل في العار تغتسل في القدس تبكي أمام الله مئذنة ونهر دمع على المحراب ينهمل لم يبق شيء لنا من بعد ما غربت شمس الرجال تساوى السفح والجبل وكعبة تشتكي لله غربتها وتسكب الدمع في أعتاب من رحلوا كانوا رجالاً وكانوا للورى قبساً وجذوة من ضمير الصدق تشتعل القاتل الوغد لا تحميه مسبحة حتى ولو قام وسط البيت يعتمر يعقوب لا تبتئس فالذئب نعرفه من دم يوسف كل الأهل قد سكروا أسماء تبكي أمام البيت والهة وابن الزبير على الأعناق يحتضر يا فارس الشعر قل للشعر معذرة هل يسمع الشعر من بالوحي قد كفروا واكتب على القبر: هذي أمة رحلت لم يبق في ذكرها شأن ولا أثر تصوروا يا إخوتاه! أن الذي أدخل البريطانيين إلى القدس هم العرب، فقد أقام الجنرال اللنبي معاهدة مع الشريف حسين حتى يأخذ الخلافة، وتكون الخلافة هاشمية، فاسترخص اللنبي أن يأتي بدم إنجليزي ويدخل به إلى القدس، فأتى بعرب من أعراب المسلمين، ودخل ببنادقهم القدس في عام (١٩١٧م)، ثم ركز علمه الذي فيه الصليب على جبل الزيتون وقال: انتهت الحروب الصليبية الآن، والذين حوله لا يعلمون رطانته الأعجمية، ولا يعرفون ماذا يعني. ولما سقطت فلسطين، واجتمعت الجيوش العربية نصبوا الملك عبد الله، عامله الله بما يستحقه، ومسكوه قيادة القوات العربية كلها، فجعل على رأس القمة قائداً إنجليزياً، وهو جولوب الإنجليزي، فكيف ستقاتلون الإنجليز واليهود تحت راية رجل إنجليزي؟!! وإن تصدقوا الله يصدقكم. اللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأحوال والأعمال، واحشرنا مع الصادقين، واجعلنا مع الصادقين، اللهم زينا بزينة المهتدين المتقين. رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أوابين مخبتين منيبين، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا إلى غيرك، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننكسر فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا. أقول قولي هذا، وأستغفر لي ولكم.

стр. 881

القول الأزهر في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الشرعية على كل مسلم، فبهما تصلح أحوال الناس، وبتركهما تفسد أحوالهم. ويتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العلماء، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

стр. 882

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواقف العلماء الصالحين في ذلك إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: قال تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠]. أمة تخرج من وراء الغيب السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله ، أمة ذات دور خاص، ومكانة خاصة، يخرجها الله لتكون لها الريادة والقيادة بين الأمم؛ لكونها خير أمة أخرجت للناس. وهذه المكانة التي أهّلها الله ﵎ لها، وهذا الموضع يفرض عليها تبعات، وأن يكون عندها ما تعطيه لبقية الأمم من تصور صحيح، واعتقاد صحيح، ومعرفة صحيحة، وعلم صحيح، وإلا استبدلها الله ﵎ بغيرها. قال الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. فلا صلاح للأمة إلا أن تقوم بواجبها من الدعوة إلى الخير، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا شيء ليس بالسهل اليسير؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يواجه طباعاً شتى من الناس، فمنهم: المسترخي الذي يكره أن يكون رجلاً، ومنهم المائع الناقم الذي لا يحب الصلاح، ومنهم من يغلب شهوته ومصالحه فوق أي مصلحة. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بالشيء الهين، ولذا قال رسول الله ﷺ : (إن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور أولهم؛ ينهون عن المنكر). وقال رسول الله ﷺ : (إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة). وهذه الأمة يرحمها الله ما قامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. ومن موجبات الرحمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا تحول المجتمع إلى مستنقع آسن، كما قال رسول الله ﷺ : (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل لـ أبي هريرة: وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة). والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيعة مع الله يترجمها القرآن في قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢]. وقال الله ﵎: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١١٣ - ١١٥]. ومتى تركت الأمم الدعوة إلى الخير استحقت اللعنة، قال الله ﵎: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. وقال الله ﵎: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣]. يقول الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥]. وقد صور الله كل من يحمل الحق ثم يتولى عنه بصورة مشينة، قال الله ﵎: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]. ولقد قال رسول الله ﷺ : (أكثر منافقي أمتي قراؤها). وقال ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي غير الدجال الأئمة المضلون). يقول فقيد الإسلام مصطفى صادق الرافعي في (وحي القلم) تحت عنوان: أمراء للبيع: ولو نافق عالم الدين لصار كل منافق أشرف منه، فليست لطخة في الثوب الأبيض كلطخة في الثوب الأسود. إن عالم الدين حياته مكشوفة للناس، لم يأت للتلبيس، ولا لخداع الناس، والفرق بين عالم السوء وعالم الحق، وهما يأخذان من نور واحد، كمثل لوح البلور ولوح الخشب، فلوح البلور ينعكس عليه النور، فيظهر جمال النور، ويظهر جمال نفسه، وينعكس النور منه على بقية الأشياء، وأما لوح الخشب فلا يظهر فيه إلا الأشياء التي في الخشب، لا يعكس نوراً وإنما يحبسه في نفسه ولا يخرجه، ولا يظهر للناس إلا البقعة التي في الخشب. يقول: وأصحاب الجاه الذين يتعاملون مع عالم السوء إنما يتعاملون مع قوة الهضم التي فيه. مثلما قال النهدي: ما من عالم من العلماء إلا واعلقنا مخالينا هذه في رقبته فأكل منها وشرب، إلا سفيان الثوري، لم يأكل منا شيئاً. فأصحاب زهرة الحياة الدنيا يتعاملون مع عالم السوء بقوة الهضم التي فيه، فهم يعلمون أن قوة الهضم أول ما تأكل دين الرجل، ولذا يصور لنا رسول الله ﷺ الذي يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولا يعمل بذلك أنه مثل حمار الرحى، تندلق أقتابه وأمعاؤه وهو يطوف بين الناس في النار. قال الله ﵎ لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: أمر بالمعروف، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. وقال الله ﵎ على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. وقال الله ﵎: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]. ويقص الله ﵎ علينا قصة أصحاب السبت من بني إسرائيل، قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤ - ١٦٥]. ففرقة أخذها الله بظلمها وبتحايلها، وفرقة نجاها الله لأنها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، وفرقة وإن نجاها الله إلا أن الله أهمل شأنها؛ لإهمالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال رسول الله ﷺ : (الدال على الخير كفاعله). وقال رسول الله ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله، ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وقال رسول الله ﷺ : (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها،

стр. 883

قصة سعيد بن جبير مع الحجاج بن يوسف الثقفي وسعيد بن جبير جهبذ العلماء مات وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، ذبحه الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي قال عنه سيدنا عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم وجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بـ الحجاج لفقناهم. دخل سعيد بن جبير -وهو أعلم أهل الأرض يومئذ- على الحجاج، فقال له: ما اسمك؟ فقال: سعيد بن جبير، فقال له: لا، بل أنت شقي بن كسير، قال له: أمي أعلم باسمي منك. فقال له الحجاج: الويل لك ولأمك، فقال له: لا يعلم الغيب إلا الله. قال له الحجاج: لأبدلنك بالحياة ناراً تلظى. فقال له: لو كنت أعلم أن هذا لك لاتخذتك إلهاً من دون الله. فيقول: اذبحوه، فيضحك سعيد بن جبير، فقال له: مم تضحك؟ فيقول: لحلم الله عليك وجرأتك على الله ، ثم يقول: خذها مني حتى تلقاني بها غداً عند الله يا حجاج، أما أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم يقول: اختر لنفسك يا سعيد أي موتة تريد؟ فيقول: بل اختر أنت لنفسك، والقصاص أمامك. فقال الحجاج: حرفوه عن القبلة، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]. فيقول: اطرحوه أرضاً، فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]. فقتل سعيد، وما عاش الحجاج بعده كما قال ابن كثير إلا أربعين يوماً، وكان يرى سعيد بن جبير في منامه يأخذه بتلابيبه وثوبه، ويقول له: يا عدو الله: فيم قتلتني؟ فيقوم من نومه فزعاً مرعوباً، وكان يقول: مالي ودم سعيد بن جبير، ما لي ودم سعيد بن جبير.

стр. 884

قصة الإمام الأوزاعي مع السفاح العباسي ومن الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر إمام أهل الشام الإمام الأوزاعي، سيد حمص وبيروت. قال عنه الإمام الذهبي: قام إلى أبي العباس محمد بن علي، وكان ملكاً سفاكاً للدماء ظالماً غشوماً، قتل في صبيحة اليوم الذي دعا فيه الأوزاعي مائة وسبعين رجلاً من رجال بني أمية وأمرائها. قال الأوزاعي: والله لئن تكلم معي لأسلقنه؛ واستبسلت للموت فجعلت أتخطى رقاب بني أمية المذبوحة أمامي حتى وصلت إليه، فقال له أبو العباس السفاح: ما جئنا من بغداد إلى دمشق إلا هجرة في سبيل الله، فقال له: قال رسول الله ﷺ : (من كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) يعني: الله أعلم بنيتك، قال: فجعل ينكت بالخيزرانة والرجال أمامه شاهرون سيوفهم، قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). فجعل ينكت بالسيف نكتاً أشد من الأول، قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قال: إن كانت حلالاً لهم فهي حرام عليكم، وإن كانت حراماً عليهم فهي أيضاً حرام عليكم. ثم قال: أقاربك وأهلك كانوا أعلم بذلك منك، ولم يولوني القضاء، وإن لي حرماً وأهلاً هم في حاجة إلي، ثم قال لي: اخرج فخرجت، فوالله ما أخطوا خطوة إلا وأتوقع أن تقطع فيها رقبتي، فلما وصل إلى بيروت إذا بالرسول يسأل عنه، فقال الأوزاعي: كأن الرجل قد ظن في ظناً، أي: رجع مرة ثانية لكي يقتلني، فقال الرسول: قد بعث إليك بمائتي دينار، ففرقها في اليتامى والأرامل والمساكين. ولذلك لما مات الإمام الأوزاعي وقف والي حمص على قبره فقال: يرحمك الله يا أبا عمرو، والله لقد كنت أهابك أعظم من الذي ولآني، فمن يظلم بعدك فليصبر. وروى الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة: أن الأوزاعي قال: رأيت فيما يرى النائم كأن ملكين عرجا بي حتى أوقفاني بين يدي رب العزة، فقال لي: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف؟ قلت: أنت ربي وأنت أعلم بذلك، قال: ثم هبط بي مرة ثانية. وهذه كرامة ثابتة للإمام الأوزاعي، وهي رؤيته لله ﵎ مناماً، وهذا جائز في عقيدة أهل السنة والجماعة.

стр. 885

متفرقات من أمر السلف بالمعروف ونهيهم عن المنكر والإمام الثوري إمام أهل الدنيا كلها يقول عنه الإمام أحمد: لا أحد يعدل مكانة سفيان في قلبي، كان يقول: كنت إذا رأيت الأمر لا أمر فيه بالمعروف ولا أنهى فيه عن المنكر، أبو الدم كمداً. قال الإمام سفيان الثوري لـ أبي جعفر المنصور: الظلم فاش ببابك، وإني أرى أموراً لا قبل لي بها. فقال له المهدي: خذ خاتمي هذا، فاؤمر الأمة بالمعروف، وانه عن المنكر، واعمل بكتاب الله فيها، قال: لا، ما دام هؤلاء معه، يعني: حاشية السوء وبطانته معه. والإمام ابن أبي ذئب إمام أهل المدينة لما دخل الخليفة المهدي مسجد النبي ﷺ قام الناس له إلا ابن أبي ذئب، فأتى رجل من الحرس وقال لـ ابن أبي ذئب: قم، فقال: اسكت يا رجل! إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: دعه فوالله! لقد قامت كل شعرة في رأسي من قوله. يقول له أبو جعفر: ما قولك في؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: والله لا أعفيك. قال: إنك رجل لا تقسم بالسوية، ولا تعدل في القضية. فقال والي من ولاة الشام: طهره بدمه يا أمير المؤمنين. قال أبو جعفر: اسكت يا رجل، فليس في دم امرئ مسلم طهور، فوالله! ما أهلك فرعون إلا هامان. والليث بن سعد عالم أهل مصر يقول له هارون الرشيد: ما صلاح بلدتكم مصر؟ قال: صلاح بلدتنا بجريان النيل، وإصلاح أميرها، فإن الأمير رأس العين، وإذا صفيت العين صفيت السواقي. قال: صدقت يا ليث. والعمري: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر من نسل سيدنا عمر بن الخطاب، كان يقف للرشيد ويظل يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر حتى يغشى على الرشيد. فقال له مرة في الحج وهما في جبل عرفات: يا أمير المؤمنين! كم عدد هؤلاء الحجاج؟ قال: لا يحصيهم إلا الله ، قال: وكم في الخلق مثلهم؟ قال: لا يحصيهم إلا الله ، قال: اعلم أن كل رجل من هؤلاء يسأل عن نفسه خاصة، وتسأل أنت عن هؤلاء، فبكى هارون الرشيد حتى غشي عليه. وقال عالم آخر: يا هارون! إن الرجل إذا أسرف في ماله استحق أن يحجر عليه، فكيف بمن أسرف في أموال المسلمين؟ فكان هارون الرشيد يخاف من العمري، والعمري هذا شخصية عظيمة في تاريخنا قد لا يسمع بها الكثير، فهو إمام عابد وعالم عظيم. وبهلول المجنون كان يسمى بالمجنون وهو من عقلاء البصرة، قال له هارون: عظني يا بهلول! قال: قد ملكك الله الأرض كلها، وخضع لك الجميع، وغداً تموت وتقف بين يدي الله تعالى، وهو سائلك عن النقير والفتيل والقطمير، فيبكي هارون الرشيد، ثم يقول له: هل عليك دين يا بهلول؟ فيقول: دين لربي، فويل لي إن حاسبني، وويل لي إن ناقشني، وويل لي إن لم يعف عني. فأراد أن يصله بصلة، فيقول له: ردها إلى من أخذتها منهم يا هارون.

стр. 886

موقف العز بن عبد السلام مع السلاطين والرجل العظيم الذي يضرب به المثل: شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، وبائع الملوك والأمراء: عز الدين بن عبد السلام، كانت تهابه الملوك والأمراء. فالملك الأشرف سلطان دمشق لما وجه الجيوش السورية تجاه أهل مصر، وكان التتار على أبواب دمشق، وكان في مرض الموت، فدخل عليه عز الدين بن عبد السلام، وقال له: أعرف أنك واصل للرحم، وتقاتل شقيقك سلطان مصر الكامل، فوجه جيشك إلى التتار، أضمن لك النصر عليهم، فإن عاجلتك المنية كانت هذه نية حسنة تلقى الله بها، فأمر في الحال بإرسال الجيوش إلى مواجهة جيش التتار، ثم قال: والحانة الفلانية فيها الخمور، ووزراؤك يفرضون المكوس على الناس، فأبطل هذه في الحال، ثم أراد أن يصرف له مالاً، فقال له: هذه النصيحة لله لا أكدرها بشيء من أمر الدنيا. والملك الصالح إسماعيل لما تولى بعد الأشرف ملك دمشق، تحالف مع الصليبيين، وتنازل لملوك الفرنج عن بعض قلاع المسلمين، ثم أجاز بيع السلاح من المسلمين للنصارى لقتال نجم الدين أيوب ابن أخيه، فلما سئل عز الدين بن عبد السلام وكان قاضي دمشق وعالمها وخطيب وإمام الجامع الكبير فيها عن ذلك، قال: لا يحل بيع السلاح للفرنجة؛ لأنكم تعلمون أنهم سيقاتلون به إخوانكم المصريين، ثم قطع الدعاء للسلطان في خطبته، ودعا وأمن الناس وراءه، وكان من دعائه: اللهم ابرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. فوشى رجال السوء إلى الصالح إسماعيل فمنع عز الدين بن عبد السلام عن الخطابة، ثم لما أراد أن يمضي إلى بيت المقدس حبسوه في بيت المقدس، فبعث الصالح إسماعيل ملك دمشق بمنديله مع وزيره، وقال: تلطف له وسايسه وقل له: كل ما في الأمر أن السلطان يقبل منك أن تقبل يده، وستعود إلى الخطابة وإلى أكثر منها، فلما قال له رسول الملك: إن مولاي يرضى منك بأن تقبل يده، قال: والله ما أرضى لسلطانكم أن يقبل يدي فضلاً على أن أقبل يده! يا قوم! أنتم في واد، وأنا في واد آخر، الحمد لله الذي عافنا مما ابتلاكم به. فحبسوه في خيمة بجوار خيمة الصالح إسماعيل، فسمع صوت عز الدين بن عبد السلام وهو في خيمته يتلو القرآن في الليل، فأراد الصالح إسماعيل أن يتودد إلى ملوك الفرنجة، فقالوا: من هو هذا الرجل الذي يتلو في الخيمة؟ قال: هذا أكبر قسيس في المسلمين حبسته من أجلكم؛ لأنه أفتى بحرمة بيع السلاح لكم، فقالت ملوك الفرنجة كما ذكر الإمام السبكي في طبقات الشافعية: لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه، ولشربنا مرقته. ثم أتت الجيوش المصرية وانتصرت على جيوش الفرنجة، وسار نجم الدين أيوب بـ عز الدين بن عبد السلام مكرماً معززاً وولاه قضاء مصر. وبعد أن تولى القضاء كان نجم الدين أيوب متكبراً لا يقيل من عثرة، ولا يتحنن على ولد، فذهب إليه عز الدين بن عبد السلام في يوم عيد وهو في قلعته وسط عساكره، وقد أخذ زينته، فناداه باسمه المجرد فقال: ما تقول لربك يا أيوب إذا قال لك ألم أبوء لك ملك مصر؟ والخمور تباع في الحانة الفلانية، وفي الحانة الفلانية، قال: ليست هذه في عهدي وإنما كانت من العهود السابقة، قال: أنت ممن يقول الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، ثم أبطل نجم الدين أيوب الخمور. فقال تلميذ عز الدين بن عبد السلام له: لماذا أخبرته بذلك؟ قال: والله يا بني! رأيته في زهوه وسطوته وكبريائه فأردت ألا تخدعه نفسه، قال: أما خفته؟ قال: يا بني! استحضرت هيبة الله فصار أمامي كالقط. وكان الأمراء في مصر من المماليك، والمملوك لا يحل له بيع ولا شراء ولا شهود على عقد إلا بإذن سيده، وما ثبت لـ عز الدين أنهم صاروا أحراراً، فما صح لهم بيعاً ولا عقداً ولا شراء، وكان من المماليك نائب السلطان نجم الدين أيوب بنفسه. فأخبروا الملك نجم الدين أيوب بذلك، فأرسل إليه رسالة قال له فيها: اشتغل فيما أنت فيه من الفتاوى ودع أمر الإمارات. فأخذ عز الدين بن عبد السلام متاعه فوضعه على حماره، ثم أتى بأهله فوضعهم على حمار آخر، وخرج من القاهرة، فتبعه أهل القاهرة وما تخلف منها أحد مما يأبه له، فقالوا له: إن هذا الشيخ ذهب بملكك. فركب نجم الدين بنفسه، وطيب خاطر الشيخ، وقال له: افعل ما شئت في الأمراء، قال: أنادي عليهم في السوق غداً وأبيعهم، فصاح نائب السلطان: كيف يبيعنا هذا الرجل ونحن أمراء البلد؟ والله لأقتلنه بسيفي هذا، ثم مضى بحاشيته إلى بيت عز الدين بن عبد السلام، فلما رأى ولد الشيخ ما سيحل بأبيه أخبر والده، فقال له عز الدين بن عبد السلام: اجلس يا بني! فإن أباك أقل من أن يرزقه الله الشهادة في سبيله، ثم لما فتح الباب ونظر إلى بيبرس والسيف على يده، سقط السيف من يده ثم بكى، وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: ماذا تفعل فينا يا مولانا؟ قال: أبيعكم غداً في سوق العبيد، وأضع أموالكم وثمنكم في بيت مال المسلمين، وكان له ما أراد فباع الأمراء واحداً واحداً في سوق العبيد. والله! ما حدث هذا في التاريخ إلا في زمن عز الدين بن عبد السلام. ولما أراد قطز أن يقاتل التتار طلب منه أن يفرض قرضاً من التجار، قال له: لا، حتى تأتي بذهبك وذهب الأمراء وما عندكم، فإن لم يكف المال بعد ذلك يجوز لك حينئذ أن تقترض من التجار. ولما مرت جنازة عز الدين بن عبد السلام تحت القلعة ورأى بيبرس عدد الناس بكى وقال: اليوم استقر ملكي. أي: ما يتفق موت الشيخ إلا في سلطاني، ثم أمر أمراءه بحمل نعش عز الدين بن عبد السلام وأوصلوه إلى المقابر. أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، كم من إناس موتى تحيا القلوب بذكرهم، وكم من أناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم. اللهم بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننصب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا، إلهي! عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسر عبد لم يجعل له من حبك نصيباً. إلهي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله فكن دليلنا! إلهي ما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه فكن أنسنا، إلهي أتينا أطباء عبادك ليداووا خطايانا، فكلهم عليك يدلنا، اللهم داو أمراض قلوبنا، اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين.

стр. 887

قصة الفضيل بن عياض مع هارون الرشيد والفضيل بن عياض سيد من سادات أهل السنة والجماعة، ولما قسا قلب هارون الرشيد ذات ليلة قال للفضل بن الربيع: قد حاك في نفسي الليلة شيء، فدلني على واعظ يذهب ما في صدري، قال: هاهنا سفيان بن عيينة شيخ الحجاز، فانطلقا إليه، فدق هارون الرشيد على باب بيت سفيان بن عيينة فخرج فقال: من؟ قال: أمير المؤمنين، قال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك، ثم ظل يكلمه ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا فضل اقض عنه دينه، ثم قال: ليس صاحبك بشيء. ثم دله على عبد الرزاق بن همام الصنعاني شيخ أهل اليمن، فدق عليه الباب، فخرج عبد الرزاق فقال: أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك، فسأله فأجابه، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم، قال: يا أبا عباس اقض عنه دينه، ثم قال: ما فعل صاحبك بي شيئاً. ثم دله على رجل آخر وهو الفضيل بن عياض عابد أهل مكة وعالمها، قال: اذهب بنا إليه، فذهب مع هارون الرشيد إليه فدق الباب، فقال: من؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ما لي ولأمير المؤمنين، قال: افتح الباب أليست لي عليك طاعة؟ ففتح له الباب، ثم أطفأ المصباح وصعد إلى أعلى الغرفة، فقال الفضل: والله ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي نقي، قال: فجعل يحدثنا ولا نصل إليه، قال: فسبقت كف هارون الرشيد إليه كفي، فلما أمسك بها قال: ما ألين هذه الكف، وأنعمها إن نجت غداً من عذاب الله ! ثم قال: يا هارون! عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أتى بـ رجاء بن حيوة , ومحمد بن كعب القرظي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، أفمعك مثل هؤلاء؟ قال: لا. قال: يا هارون! ما أجمل وجهك إن وقيته لفح النار، ثم ما زال في الوعظ حتى انتهى منه، ثم قال له: ألك دين؟ قال: نعم، دين لربي، الويل لي إن حاسبني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم يعف عني. ثم قال له: أعليك دين للعباد؟ قال: سبحان الله! أنا أدلك على طريق النجاة ويكون جزائي منك هكذا، فخرجت جارية سوداء وقالت: والله! لقد أفزعتم الشيخ هذه الليلة، ثم انصرفوا، فلما انصرف هارون الرشيد قال: يا فضل بن الربيع إن دللتني على رجل فدلني على مثل هذا. هذا سيد المسلمين. والفضيل بن عياض كان في بداية أمره لصاً، وكان يتعشق الجواري، ثم تاب إلى الله ﵎ بسبب آية من القرآن، فبينما هو يتسلق الجدار ذات ليلة ليصل إلى حبيبته سمع قول الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]. فقال: آن الأوان يا رب ثم نزل، فأراد أن يمضي إلى خربة لينام فيها بعد أن تاب فسمع أهل قافلة يقولون: إن الفضيل في الطريق، لا نسافر هذه الليلة، فأمنهم وأوصلهم إلى مأمنهم. وكان سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل. أما عبد الله بن المبارك فكان إذا سمع الفضيل يتكلم يقبل جبهته ويقول: يا معلم الخير! من يحسن هذا غيرك. وكان يقول: كنت كلما قسى قلبي نظرت إلى وجه الفضيل فجدد لي الحزن، فأمقت نفسي. والإمام شيخ الإسلام أبو نعيم الفضل بن دكين، لما سألوه في محنة خلق القرآن، قال عنه الإمام أحمد: قام لله بعظيم أمر لم يقم به أحد، هو وعفان، وعفان كان شيخ الإمام أحمد. ولما أدخل أبو نعيم على المأمون ليمتحنه في خلق القرآن قال: القرآن كلام الله، ولقد لقيت سبعمائة شيخ من شيوخ الكوفة والبصرة وكلهم يقولون: القرآن كلام الله، وعنقي أهون علي من زري هذا، فقام الحافظ أحمد بن يونس، وكانت بينه وبين أبي نعيم شحناء فقبل رأسه، وقال له: جزاك الله من شيخ خيراً. وكان قبله رجل قد أفتى أن القرآن مخلوق، فقال أبو نعيم: أما جد هذا فلقد أخبرني الأعمش أنه كان يقول: يجوز أن ترمى الجمرات بالقوارير. ولما دخل عفان على المأمون، بعث لواليه وقال له: امتحنه وقل له: إن أجبت إلى القول بخلق القرآن نجري عليك ما كنا نجري، وإلا منعنا عنك الراتب الشهري ألف درهم في الشهر. وكان يعول أربعين نفساً في بيته فامتنع، وقال لشيوخ الحديث: لم أسود وجوهكم، وقلت: القرآن كلام الله ، فمنعوا عنه راتبه، فلما وصل إلى بيته عاجلته النسوة، وقلن له: قطعت عيشنا، والآن نأكل من أين؟ فما إن دخل حتى دق الباب رجل يبيع الزيوت وأعطاه ألف درهم، وقال له: هذه ألف درهم مكان الألف، ثبتك الله كما ثبت دينه. والإمام البويطي تلميذ الإمام الشافعي، وعالم الشافعية، امتحن في خلق القرآن، فلقد بعث الواثق لوالي مصر إن امتحنه في خلق القرآن، فالوالي كان يحبه، فقال له: قل: إن القرآن مخلوق بيني وبينك، قال: لا والله ورائي مائة ألف، ولا أكذب في دين الله ، فاضطر أنه يسيره إلى بغداد والأغلال في عنقه، والأنكال والقيود في رجليه، وقد شدوا ما بين رجليه وما بين عنقه بسلسلة وضعوا فيها قطعة حديد زنتها أربعين رطلاً، وكان يقول: والله لأموتن في حديدي حتى يأتي أقوام يعلمون أن هذا الأمر قد مات فيه أناس في حديدهم. وشيخ الإسلام نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري لما سألوه في محنة خلق القرآن لم يجب، فكلكلوه وألقوه مقيداً، فمات ولم يغسل ولم يكفن، فقد أرادوا أن يفك عنه القيد قبل لحظة الوفاة فقال: إني رجل مخاصم أمضي إلى الله بقيودي.

стр. 888

قصة الإمام أحمد بن نصر الخزاعي مع الواثق والإمام أحمد بن نصر الخزاعي قال له الواثق: ما تقول في القرآن؟ قال: القرآن كلام الله، قال: هل ترى ربك يوم القيامة؟ قال: صحت بذلك الأحاديث، فقال الواثق: إني أحتسب خطاي إلى هذا الرجل الكافر ثم قام فقتله، وعلقوا رأسه في بغداد وجسده في سامراء، ووضعوا القيد في رجليه بعد أن قتل. فهذا الطريق طويل تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، واستجاب لربه في ذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقادير في البكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله ﷺ ، وشج رأسه وكسرت رباعيته، وربط الحجر على بطنه من شدة الجوع: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون:٧]. سم أبو بكر، وطعن عمر، وذبح عثمان، وطعن علي، وسم الحسن بن علي، وقتل الحسين بن علي، ووطئوا بحوافر الخيل الفم الذي قبله رسول الله ﷺ . والشيخ حسن العدوي من مشايخ الأزهر عندما جاء السلطان عبد العزيز يزور مصر بعد تولية الخديوي إسماعيل عمل مقابلة خاصة لعلماء الأزهر مع السلطان عبد العزيز، قالوا: وكان من البروتوكولات السياسية أن الذي يدخل على الخليفة يقبل الأرض بين يديه، ويدخل منحنياً، وإذا خرج لا يولي ظهره للخليفة، بل يمشي القهقرى إلى أن يخرج من الباب. فدخل العلماء كلهم هكذا إلا الشيخ حسن العدوي، فدخل في عزة العالم الذي نسي دنياه وتذكر دينه، ولم يحن رأساً، وسلم عليه بالإمارة، ووعظه ونهاه، ثم لما أراد أن ينصرف أعطى ظهره للخليفة ثم مضى. فأسقط في يده الخديوي إسماعيل، فقالوا له: هذا الرجل مجنون، ولا تؤاخذنا يا مولانا، فقال: ما عندكم إلا هذا العالم؟! وأعطاه جائزة دون باقي العلماء. وبنان الحمال إمام من أئمة مصر لما دخل على أحمد بن طولون وعظه ونهاه، فحبسوه، وكان لديهم أسد فجوعوه ثلاثة أيام، ثم أدخلوا الأسد إليه، فوجدوه قائماً يصلي والسبع يلحسه، فأتى به أحمد بن طولون وأمره أن يستغفر له، ثم قال له: بماذا كنت تفكر والسبع يشمك؟ قال: كنت أفكر في اختلاف العلماء في لعاب السباع. والسلطان الخديوي إسماعيل دخل الجامع الأزهر مرة عندما جاء الخليفة عبد العزيز يزور مصر، فقام إليه المشايخ إلا رجلاً مد رجله وهو في المحراب، فأراد أن يمشي بالملك بعيداً عن هذا الرجل، ثم أرسل أحد أتباعه بكيس دنانير فأعطاها له، فقال له: بعث بها إليك الخديوي إسماعيل، فقال له: إن من يمد رجله لا يمد يده. فكان هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وشيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى قازان ملك التتر وقال له: أنت تزعم أنك مسلم، وإن أباك وجدك كانا كافرين، وكانا يحتكمان إلى المسلمين، وظل يكلمه ويغلظ له في القول، وبقية المشايخ يمسكون بثيابهم خشية أن يتطاير إليهم الدم من عنق ابن تيمية، ثم قال له: والله ما لقيت عالماً أهيب منك، فماذا تريد؟ قال: أريد أن تفك أسرى المسلمين وأسرى أهل الذمة، ففك أسرى المسلمين وأسرى أهل الذمة، ثم عرض على شيخ الإسلام ابن تيمية الجوائز فرفضها.

стр. 889

كنا جبالاً لقد اختص الله أمة الإسلام بخصائص لم تكن لأمة من قبل، ومنها ما يتعلق بتشريفها وتفضيلها على سائر الأمم في الدنيا، والرفق بها في الأحكام والتكاليف، ومنها ما يتعلق بأفضليتها على سائر الأمم في الآخرة، فهي آخر الأمم، ورسولها آخر الرسل وأفضلهم وإمامهم وقائدهم.

стр. 890

ذكر بعض خصائص هذه الأمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. يقول الشاعر: كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحاراً ويقول آخر: أنت تدري أيها الحيران أنا كيف فوق الشمس أفناناً حللنا ويقول آخر: وكنا عظاماً فصرنا عظاماً وكنا نقوت فها نحن قوت يقول الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. ويقول رسول الله ﷺ : (يكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها وأكرمها على الله . قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، يعني: كنتم وما زلتم كما قال ابن الأنباري. وهناك قول آخر في قول الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، قال: كانت البشارة بكم قبل أن تأتوا إلى الوجود أنكم خير أمة أخرجت للناس، وهذا قول حسن. ويقول: ابن قتيبة في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، أي: أنتم خير أمة أخرجت للناس. فالعرب قد تأتي بصيغة الماضي وفيها معنى الاستمرار أيضاً، كما يقول الله ﵎: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]، يعني: منذ الأزل إلى الأبد والله ﵎ غفور رحيم، فلا تزال ولا تسقط عنه هذه الصفة أبداً، ومثل قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة:١١٦]، هذا القول يقوله الله ﵎ لعيسى يوم القيامة. أو مثل قول الله ﵎: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩]، فهذه الخاصية لهذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ورسولنا ﷺ يقول: (في كل قرن من أمتي سابقون)، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]. وهؤلاء السابقون يحملون إلى الجنان ولا يسيرون إليها، وتقرب منهم الجنة بكرامة من الله ﵎ كما يقول الله ﵎: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١]، أي: وقربت الجنة. فسبحان من فضلنا على جميع الناس وجعل نبينا ﷺ أفضل من رأى وشاهد، فلما أعطانا علو الهمة قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فإنه لا يوجد في الأمم السابقة مثل أبي بكر الصديق الذي قال فيه رسول الله ﷺ وفي عمر: (هذان من الدين السمع والبصر). وقال فيهما: (هذان سيدا كهول أهل الجنة، خلا النبيين والمرسلين) أفي الأمم السابقة مثل أبي بكر الصديق، أو عمر الذي أغص كسرى بالريق، أو عثمان الصابر على مر المذيق، أو علي بحر العلم الغزير العميق، أو مثل حمزة، والعباس؟ والله ما من الأمم السابقة أمة صلت وقد صلصلت السيوف ورنت الأقواس، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فما بال هذه الأمة نسيت شرفها، والله ﵎ يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، أي: أن هذا المنهج وهذا الدين وهذا القرآن شرف لك ولقومك، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]. إذا أنت غمت عليك السماء وعمت حواسك عن صبحها مغش دورة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها الذي بعد عن منهج السماء وعن الإسلام، والذي يفصل بين الدين وبين الدولة، والذي يريدها علمانية نقول له: عليك أن تقوّم من جديد نسبك إلى الإسلام الرفيع العزيز. ولابد من ذكر خصائص هذه الأمة، حتى لا ينسينا الحاضر ولا ينسينا الواقع مكانتها العالية. يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا وقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا ورب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا أدمت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها وباسوا كف من ضربا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا فواحد أعمت الدنيا سريرته وواحد من دم الأحرار قد شربا وخلفوا القدس فوق الوحل عارية تبيح عزة نهديها لمن رغبا ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]. والخاصية الثانية لهذه الأمة: أنها أمة مرحومة لقول رسولنا ﷺ فيما رواه عنه أبو موسى الأشعري: (إذا كان يوم القيامة يدفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً ويقول: هذا فداؤك من النار). وروى الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها ليكون سلفاً وفرطاً بين يديها). ورسولنا ﷺ أصيبت به الأمة فموته ﷺ أعظم مصيبة حلت في هذه الأمة، ومن كانت عنده مصيبة فليتعز بمصاب الأمة في نبيها. وما عظمت يوماً رزية هالك مصيبة يوم مات فيه محمد ﷺ . هذه الأمة أمة مرحومة، وقد بعثت في خير القرون كما صح عن رسولنا ﷺ أنه قال: (بعثت من خير القرون قرناً قرناً حتى كنت من القرن الذي أنا فيه أو الذي كنت فيه). وهذه الأمة أمة أريد بها اليسر كما قال فيها الله ﵎: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. ويقول المصطفى ﷺ : (أنتم أمة أريد بكم اليسر). وأيضاً من خواص هذه الأمة ومن شرفها أنها آخر الأمم وأول الأمم حساباً بين يدي الله . ومن خواص هذه الأمة أيضاً عند الله ﵎: أنها أول الأمم دخولاً للجنة. من خواص هذه الأمة أن لها الخلود في الجنة بعد أن يعذب بعض عصاتها، ثم بعد ذلك يؤول أمرهم إلى الجنة كما قال جماهير أهل السنة والجماعة إلا غلاة المبتدعة ممن كفرهم العلماء، يقول المصطفى ﷺ : (ما من أمة إلا وفيها في النار ومنها في الجنة إلا هذه الأمة فلها الخلود في الجنة). ومن خواص هذه الأمة وكرامتها على الله ﵎: أن الله يدخل سبعين ألفاً من هذه الأمة الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. ويدخل الله ﵎ مع كل ألف سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثيات الرب . ومن خواص هذه الأمة أيضاً كما قال رسولنا ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال). ومن خواص هذه الأمة كما قال رسول الله ﷺ : (اللحد لنا والشق لغيرنا). ومن خواص هذه الأمة: أن الله خيرها عند القتل بين دفع الدية أو القصاص أو العفو، أما عند اليهود فقد قال الله ﵎: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، فلا دية عند اليهود وإنما يوجد عندهم إلا القصاص. ومن خواص هذه الأمة أيضاً: النسخ، والذي يعرف في هذه الأمة وأنكرته اليهود وقالوا: إن هذا بداء، أي أن الله يفعل الشيء ثم يجد أنه قد أخطأ فيغيره، عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة. ومن خصائص هذه الأمة الإسناد: لقول رسولنا ﷺ : (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم). ومن خواص هذه الأمة في كرامتها على الله ﵎: أن الله جعل لها الندم توبة. أما قوم موسى من بني إسرائيل فقد كانت توبتهم بقتل أنفسهم، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]. ومن خواص هذه الأمة: أن اليهود عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة يحسدونها على يوم الجمعة الذي أضل الله عنه اليهود والنصارى، فالناس لنا تبع في هذا اليوم. وكما يحسدوننا على يوم ال

стр. 891

التحذير من طول الأمل ونسيان الموت ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. طول الأمل ضيع هذه الأمة، وطول الأمل ينسي الآخرة. والناس يتغافلون عن ساعة الموت وينسون لحظة الموت، ويا لها من ساعة لا تشبهها ساعة، يندم فيها أهل التقى فكيف بأهل الإضاعة؟! يجتمع فيها مع شدة الموت حسرة الفوت. يا إخوتاه! الموت أول وارد عليكم من ربكم فسيروا إلى ربكم سيراً جميلاً. أمتكم آخر الأمم، ورسولكم آخر الرسل، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون إلا المعاينة. إن الموت قد فضح الدنيا لكل ذي لب، حتى ما ودع لكل ذي عقل فيها فرحة، وإن أمراً يكون الموت آخره حقيق بأن يزهد الإنسان في أوله، وإن أمراً يكون الموت أوله حقيق بأن يخاف الإنسان من آخره، وكان ربيع بن خثيم يقول: لو غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة واحدة لفسد قلبي! فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر وكأنهم قد قلبوك على ظهر السرير وأنت لا تدري وكأنهم قد زودوك بما يتزود الهلكى من العطر يا ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر يا ليت شعري كيف أنت على ظهر السرير وأنت لا تدري يا ليت شعري كيف أنت إذا وضع الحساب صبيحة الحشر يوم من الأيام سيرحل كل منا إلى القبور، يوماً من الأيام سيرحل كل منا إلى القبور سيخرج أحدنا من بيته في رحلة لا يرجع منها أبداً، وقد يركب أحدنا مركباً لا ينزل منه أبداً. عثمان بن عفان كان إذا مر بقبر يبكي حتى تبتل لحيته، فيقال له ويسأل عن ذلك، فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه). وقال ﷺ : (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فمن ينج منه فما بعده أهون منه، ومن لم ينج منه فما بعده أشد منه). يوماً من الأيام ستحل ضيفاً على قوم كلامهم السكوت، أحباء لا يتزاورون، جيران لا يتآنسون. يوماً من الأيام سيترادف أنينك وزفيرك. يوماً من الأيام ستوضع مع أقوام موتى لا يتحركون، أي الجديدين -الليل والنهار- مر عليهم صار عليهم سرمداً إلى يوم يبعثون. يوماً من الأيام سنشيع إلى قلب الضريح وإلى ردم الصفيح، إن كانت القبور تنسيك الدنيا بمنظرها الخارجي فكيف بداخلها. يا قبر ما أسكنك وتحتك الدواهي!! إني سألت الترب ما فعلت بعد وجوه فيك منعفرة فقال لي صيرت ريحهم يؤذيك بعد مناظر عطرة وأكلت أجساداً منعمة كان النعيم يهزها نضرة لم تبق غير جماعة عريت بيض تلوح وأعظم نخرة وعمر بن عبد العزيز لما وقف على قبور آبائه من بني أمية قال: مر بعسكرهم إن كنت ماراً، وادعهم إن كنت داعياً، وانظر إلى تقارب منازلهم، سلهم عن العيون النظرة، التي كانوا بها إلى اللذات ينظرون، سلهم عن الجلود الرقيقة، وسلهم عما فعلت الديدان باللحمان تحت الأكفان، سالت الأحداق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وقيحاً وصديداً، واتخذ دواب الأرض وحشراتها في أبدانهم مقيلاً، يا مغسل الوالد والولد، ويا تاركه في التراب وحده قل لأبيك: بأي خديك بدأ البلى. ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن سفري بعيد وزادي لا يبلغني وقوتي ضعفت فالموت يطلبني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تقتلني دع عنك عذلي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني كأنني بين جل الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار ريقي مريراً حين غرغرني وقام من كان أولى الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً حراً أديباً أريباً عارفاً فطن

стр. 892

متى يفيق النائمون ؟ لقد قيض الله لهذه الأمة رجالاً شرفاء، ومجددين أفذاذاً، وأبطالاً فحولاً كلما قارب نور الإيمان وشعلة الجهاد على الانطفاء أعادوا إليها لهيبها؛ لتشتعل وتستعر وتلتهب في وجوه أعداء الديانة الخالدة بخلود السماوات، الباقية ما تعاقب الليل والنهار، بعز عزيز أو بذل ذليل.

стр. 893

إعادة التاريخ لنفسه سنة ماضية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]، ثم أما بعد حدث في الجمعة الأولى من شعبان الموافقة لجمعتنا هذه حادث فريد في تاريخ الأمة الإسلامية، لقد كانت خطبة الجمعة في الرابع من شهر شعبان بعد يوم فتح القدس بثمان، سنة ٥٨٣ هجرية، وكان الخطيب محيي الدين بن زكي القرشي قاضي صلاح الدين الأيوبي الذي بدأ الخطبة بعد واحد وتسعين سنة غابت فيه صلاة الجمعة من المسجد الأقصى، بدأها بالحمد في قول الله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، ثم أتى بآيات الحمد في القرآن الكريم، ثم ذكر بعد ذلك خطبة فريدة بعد أن خفت صوت القسيسين والرهبان، وعلا صوت المؤذن بالأذان، بعد أن وحِّد الواحد، وكبّره الراكع والساجد. التاريخ -كما قال أهل العلم- وكأنه يعيد نفسه، فقد مرت على المسلمين لحظات من الضعف بلغوا فيها منتهى الذل؛ بيعت النساء -كما حدث في إسبانيا ومحاكم التفتيش- سبايا، بلغ من الذل أن أحد الملوك أراد للناس أن يطبقوا السنة في حلب وإذا بالدهماء والغوغاء يسحبون البسُط من تحت أقدام المصلين ويقولون هذه حصر علي بن أبي طالب، فإذا أراد أبو بكر أن نترك حي على خير العمل ونقول الأذان الشرعي فليأت بحصر من عنده. بلغ ذل الناس في الأندلس أن الملك كان يقول: بايعوني اليوم على الملك واقتلوني غداً، من أجل شهوة الملك والجاه والرئاسة فقد بلغت بالناس كل مبلغ، تخلى الناس عن دينهم وتركوا السنة وأتت البدع، واليوم يعيد التاريخ نفسه، فأيام ما كانت (منظمة فتح) لها الصولة في ديار فلسطين كان معين بسيسو وهو شاعر من شعراء المقاومة مع أنه صليبي إلا أنه كان شاعراً كبيراً للمقاومة الفلسطينية، كان هذا الكافر الزنديق يقول: كل ديك قد ذبحناه بقي الله! قال هذا جهاراً نهاراً محمود درويش المستشار الثقافي لـ ياسر عرفات السابق وهو شيوعي، وحينما يأتي هنا إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب يحتفل به الشعراء والمفكرون وتقوم الدنيا ولا تقعد لـ محمود درويش، الذي يقول في قصيدة تسمى مديح الظل العالي: يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلى فلعل لي رباً لأعبده لعل ويقول أيضاً: فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير وأما رشاد حسين فيقول: الله أصبح غائباً يا سيدي صابر إذاً حتى بساط المسجد وهذا كله كفر وزندقة وجرأة على الذات الإلهية وعلى رسول الله ﷺ . إن الناس الشاردين عن طريق الله يأتيهم الذل من كل مكان حتى يراجعوا الحساب مع الله ، وحتى يعودوا إلى الدين، وحتى يتمسكوا بآداب دينهم وصدام حسين أنفق في حرب العراق مع إيران خمسمائة مليون دولار، وإيران دولة شيعية لا نحبها أبداً وبيننا وبين الشيعة من العداوة الشيء الكثير، ولكنهم داخلون في مسمى المسلمين وهم أهل بدع كفرية؛ ولكن هذا الرجل أنفق خمسمائة مليون دولار من أموال الشعب العراقي وضيعها في الحرب بينه وبين إيران، وسقط في المعارك مليونا قتيل، وكل هذا لا لدين الله وإنما من أجل الدنيا، وفعل بالكويت ما فعل؛ فماذا كانت النتيجة؟ ثمانون ألف طفل عراقي يموتون كل شهر. ودك قرى الأكراد التي أنجبت صلاح الدين الأيوبي بمن فيها وما فيها، وكانت النتيجة أن يخرج الجندي العراقي ويميل على قدم الجندي الأمريكي في حرب الخليج، فيقول: لا ترع لا تخاف وتسجِّل هذا الصحف الغربية ووكالات الأنباء الغربية. لا بد من عودة إلى الله ، وكأن التاريخ يعيد نفسه. إن ملك المسلمين في عهد سيدنا عثمان بن عفان كان يبلغ من المغرب العربي حتى حدود الصين، وفي أيام الدولة العباسية بلغ من جنوب ولايات فرنسا الجنوبية على بعد ١٧ ميل من باريس حتى حدود الصين، يكفي أن تعلم أن قتيبة بن مسلم الباهلي وكان سنه ١٧ عاماً يفتح بجيشه ٤٠% من مساحة الإتحاد السوفيتي و٥٠% من مساحة الصين قاد الجيوش لسبع عشرة حجة يا قرب ذلك سؤدداً من مولد

стр. 894

دور البطل نور الدين زنكي في محاربة الصليبيين

стр. 895

عدالة نور الدين زنكي وزهده عن الحرام يقول المصطفى ﷺ فيما روى الإمام أبو داود والحاكم والبيهقي في المعرفة من حديث أبي هريرة وصححه الحاكم والألباني: (إن الله يبعث على رأس كل مائة عام -وفي رواية- على رأس كل قرن من يجدد للأمة أمر دينها). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القرن أربعون سنة، وبناء على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد حدد المجاهدين المجددين لهذا الدين كل أربعين سنة. وجمهور أهل العلم قالوا: إن القرن مائة عام. وقال أهل العلم: قد يكثر المجددون في زمن واحد فيكون منهم مجدد في الفقه، ومجدد في الحديث، ومجدد في الجهاد، ومجدد في الزهد؛ فكان على رأس المائة الأولى سيدنا عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائة الثانية الإمام الشافعي. قال أهل العلم: إن نور الدين محمود بن الأتابك عماد الدين زنكي وتلميذه صلاح الدين الأيوبي هما المجددان للدين في قرنهما في باب الجهاد، فهما اللذان جددا الجهاد وأعادا اسم الجهاد بعد أن كان رسماً بالياً، ووالد نور الدين محمود زنكي كان والياً على حلب وهو عماد الدين زنكي، وهو أول من جرأ المسلمين على قتال الصليبيين بعد أن ظن الناس أن الصليبيين قوة لا تقهر؛ فجرأ المسلمين بفتحه لحصن الرها سنة (٥٣٩ هـ)، ثم أتى من بعده ولده القسيم بن القسيم، الشهيد بن الشهيد نور الدين محمود زنكي هذا الملك كان سلطاناً على دمشق، ثم بعد ذلك استنقذ مصر من أيدي الفاطميين، ووحّد مصر والشام، وبعد أن مات أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي ونائبه على مصر ووزيره في المصريين، وتولى الوزارة من بعده ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي وظل على وفائه لسيده نور الدين محمود زنكي حتى وفاة نور الدين محمود زنكي الذي كان دائماً يتعرض للشهادة ويتمنى أن يقتل في سبيل الله ، وكان دائماً يقول: اللهم احشرني إليك من حواصل الطيور وبطون السباع، وكان الفقيه في عصره قطب الدين النيسابوري قاضي المملكة وفقيه نور الدين محمود زنكي يقول له: بالله عليك يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك فتقتل فتعرض البلاد للخطر، إنما أنت سور البلاد وحاميها فيقول له: اسكت يا قطب الدين! إن هذه إساءة أدب مع الله ، فمن كان يحفظ البلاد والعباد -غير الذي لا إله إلا هو- قبلي وقبل من قبلي؟ وقد بنى نور الدين محمود زنكي داراً للعدل كان يجلس فيها يوماً أو يومين في الأسبوع، وذلك عندما قال له قاضيه كمال الدين الشهرزوري: إن الناس قد كثرت شكواهم من قواد الجيش -وكان نائبه آنذاك أسد الدين شيركوه - فقال: أبني داراً للعدل وأجلس لمظالم الناس وفضها بنفسي يوماً في الأسبوع، فما كان من أسد الدين شيركوه قائد القوات المسلحة في عهد نور الدين محمود زنكي إلا أن أقسم لولاته وقال: لو عرضتموني أن أقف أمام نور الدين محمود زنكي في دار العدل ورأيت أن أحداً من العوام يشتكي منكم لأضربن رقبة من يعرِّضني لهذا، فوالله! لضياع ملكي أهون عندي من أن ينظر إليَّ نور الدين محمود زنكي على أنني ظالم. فما أتت شكاية واحدة من أسد الدين شيركوه ولا من أتباعه بعد أن ردوا للعوام مظالمهم، فسجد نور الدين محمود زنكي شكراً لله، وقال: الحمد لله الذي جعل عاملي ينصفني من نفسه.

стр. 896

عدد المدن التي انتزعها نور الدين من أيدي الصليبيين ودوره في توحيد المسلمين نور الدين محمود زنكي هذا البطل النحرير انتزع نيفاً وخمسين مدينة من أيدي الصليبيين قبل موته كما قال الإمام ابن الجوزي، وكان هذا السلطان المجدد يأكل من عمل يده فكان يصنع ما يسمى بالكوفيات أو ينسخ الكتب، أو يصنع الأقفال للأبواب ولا يأكل إلا من هذا، ونصيبه من الغنائم اشترى به ثلاثة دكاكين في حمص وكان ينفق على نفسه من ريع هذه الدكاكين، لدرجة أنه كان يمتنع تماماً عن طعام المملكة في شهر رمضان، وكان يبعث إلى شيخه الشيخ عمر الملا بالموصل يقول له: ائتني برقاق أعيش عليه طيلة الشهر، فكان يرسل إليه بالرقاق وهو كالعيش الجاف الناشف، ثم يظل يأكل منه طيلة الشهر، ووكّل أمر الموصل إلى شيخه عمر الملا وقال للساسة وللقضاة: لا بد أن تعودوا في كل مسألة إلى الشيخ عمر الملا لزهده ولعبادته. هذا الرجل الذي أسقط المكوس والضرائب عن أرجاء مملكته، وكانت المكوس والضرائب قبل عصره ٥٨٦ ألف دينار ذهب فأسقطها تقرباً لله . ودعا من كان بجواره من ملوك الدول الإسلامية والإمارات الإسلامية إلى قتال الفرنجة فمنهم من أيده ومنهم من نكص عنه مثل صاحب حصن كيفا، ففي اليوم الثاني جهّز الجيوش وسار مع نور الدين محمود زنكي فقالوا له: لم؟ قال: إن نور الدين محمود زنكي يرسل إلى العلماء والصالحين والزهاد والعباد بأخبار غزوه للفرنج فإن لم أسر معهم دعا عليَّ هؤلاء ولعنوني في صلاتهم، فلا بد من المسير معهم. في موقعة بانياس ذهبت عين أخيه نصر الدين فقال لأخيه مواسياً: والله! لو تعلم ما لك من الأجر عند الله لفرحت بذهاب الثانية إذا ذهبت!

стр. 897

تواضع نور الدين زنكي لله ودوره في وقعة حارم هذا الرجل كان مولعاً بالجهاد وبالعدل، وما حكم البلاد والعباد بعد الخلفاء الراشدين وبعد عمر بن عبد العزيز أعدل من نور الدين محمود زنكي كما قال ذلك العلامة ابن كثير، والذهبي وابن الأثير. وكانت له زوجة عابدة، فبعد أن مات عنها تزوجها صلاح الدين الأيوبي. ذات ليلة قامت وهي غاضبة من نومها، فسألها نور الدين عن سر غضبها؟ فقالت: فاتني ورد البارحة فلم أصل من الليل شيئاً فأمر بمن يوقظها لصلاة الليل، وكانت كثيراً ما تطلب منه أموالاً لتنفق على الناس، فظن أنها تنفق هذه الأموال من أجل زينتها وعلى حليها فقال لها: والله ما عندي شيء من المال، إنما أنا خازن لبيت المال، ولا أخوض النار في هواكِ أبداً، ثم أعطاها الثلاثة الدكاكين التي كانت في حمص. الإمام العظيم والسلطان المجدد يذكر له التاريخ وقعة حارم لما أتى ملوك الدول الأوروبية وملوك الإفرنج والنصارى والصليبيين في ساحل الشام وفي كل مدن الشام، واجتمعوا في وقعة حارم سنة (٥٥٩هـ) وكان عددهم ثلاثون ألفاً، وحينما حمي وطيس المعركة واشتد لهيبها تضرع لله ، يقول: اللهم ارحم عبدك المكاس العشّار الظالم محمود الكلب، يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك أتوا لحرب أوليائك فانصر دينك ولا تنصرني، ثم نزل من على فرسه وجعل يمرّغ خده في التراب، وكانت النتيجة: أن قتل واحد وعشرون ألف صليبي في هذه المعركة، وأسر جميع الملوك الذين ناصروا الأعداء، وقتل البرنس صاحب الكرك مقدم الصليبيين في هذه المعركة، وبدأ نور الدين محمود زنكي يستعد لفتح بيت المقدس وأعد منبراً يدخل به إلى بيت المقدس.

стр. 898

كرامة نور الدين زنكي وانتصاره على الفرنجة في دمياط لما نزل الفرنج الصليبيون على دمياط استمروا بمحاصرة دمياط خمسين يوماً، وكانوا ينزلون عليها من البحر على سفن ومراكب تأتيهم من أوروبا، واشتد الهم والغم على نور الدين محمود زنكي وظل صائماً عشرين يوماً ولا يفطر إلا بالماء فقط حتى خاف عليه الأطباء من الموت، وبعد العشرين يوماً رأى إمام مسجده رؤيا لرسول الله ﷺ ، وقبل هذه الرؤيا كان نور الدين محمود زنكي عالم حديث فقد روى أحاديث في تبسم رسول الله ﷺ ، فروى حديث التبسم عن النبي ﷺ أنه تبسم حتى وصل الإسناد إلى نور الدين محمود زنكي فأراد بعض المحدثين أن يتبسم فقال: إني لأستحيي من الله أن يراني متبسماً والإفرنج محاصرون لدمياط. فأتى إليه إمام مسجده وبشّره قائلاً: رأيت رؤيا لرسول الله ﷺ أنه قال: بشِّر نور الدين محمود زنكي بالنصر على الأعداء، فقلت: قد لا يصدّقني يا رسول الله! فهل من علامة؟ قال: العلامة ما حدث منه يوم موقعة حارم، وإمام المسجد لم يكن يعرف موقعة حارم، فلما صلى معه الفجر قال نور الدين: ما عندك؟ قال: بشّرني رسول الله ﷺ بنصرك على الفرنجة، وبرفع هذه الغمة، ويقول لك: العلامة ما حدث منك في تل حارم، قال نور الدين: وما حدث مني؟ قال: حدث منك أنك قلت: اللهم اغفر للعبد المكاس الظالم العشّار محموداً، فاستحى أن يقول له: محمود الكلب فقال نور الدين: العلامة ناقصة، قال: يا سيدنا فيها قال: قلها؟ قال: محمود الكلب، فبكى نور الدين محمود زنكي واستبشر وجاءه النصر على الفرنجة، ومات نور الدين محمود زنكي وهو يتمنى أن يمن الله ﵎ عليه بفتح القدس على يديه ولم تكتمل له هذه الفرحة، وذهب إلى الله بنيته ولكن يكفيه شرفاً أنه وحّد مصر والشام.

стр. 899

ذكر ولاية صلاح الدين

стр. 900

مولد صلاح الدين والبشارة به ثم يأتي من بعده تلميذه والذي تزوج امرأته من بعد موته صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب بن شادي المولود بتكريت، أي: في قرية من قرى الأكراد، وظل بالموصل حتى انتقل مع أبيه إلى حلب. قال حميد النجار سنة (٥٥٥هـ): كنت في الموصل في مجلس الشيخ عمر الملا وإذا برجل من عوام المسلمين يأتي إلى الشيخ عمر الملا ويقول له: رأيت كأني في ديار غريبة مملوءة بالخنازير وإذا برجل قائم بالسيف يقتل هذه الخنازير، فقلت: من الرجل؟ هل أنت المسيح؟ قال: لا، قلت: المهدي؟ قال: لا، إنما يوسف، فأولوها أنه يمكن أن يكون يوسف بن عبد المؤمن أمير الموحدين في المغرب، أو الخليفة العباسي، ثم لما وقعت حطين وانتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين وفتح بيت المقدس صح تعبير الرؤيا بأنه يوسف بن أيوب سلطان المسلمين المسمى بـ صلاح الدين الأيوبي. ورأت أمه يوم ولادته أن رجلاً يقول لها: إنك ستلدين سيفاً من سيوف الله . وبعد موت نور الدين محمود زنكي أعلن نفسه سلطاناً على مصر، ثم بعد ذلك ضم ولايات الشام إليه وأصبح سلطاناً على مصر والشام.

стр. 901

دور صلاح الدين في إزالة الفاطمية القرامطة يذكر التاريخ لـ صلاح الدين الأيوبي بكل الفخر، أن الفاطميين الذين ضاعت في عصرهم القدس أسقط صلاح الدين الأيوبي خلافتهم وأنهى خلافة العاضد ودعا بعد شهرين إلى الدولة العباسية على منابر المسلمين. فالفاطميون أتوا بالأزهر وبنوه خصيصاً لنشر الفكر الشيعي، وعلى منبره سب أبو بكر وعمر، وخليفتهم الثالث ادّعى الألوهية وفتح سجلات فأيده واعترف به إلهاً ثمانون ألف مصري، ثم بعد ذلك قتله أحد المصريين غيرة لله ولرسوله ﷺ .

стр. 902

خادم صلاح الدين يأسر مائة واثنين وسبعين من الكفار صلاح الدين الأيوبي هذا السلطان الذي قال عنه قاضيه ابن شداد: إنه سلطان في قلبه يحمل جبلاً في فكره، لن نتكلم على صلاح الدين الأيوبي؛ لأننا لا نستاهل أن نتكلم عن عظماء، وإنما سنتكلم عن خادم صلاح الدين الأيوبي حاجبه حسام الدين لؤلؤ وهو أسد من أسود المسلمين، عندما قالوا له: إن الفرنج الصليبيين ركبوا بحر القلزم ليغيروا على طيبة مدينة رسول الله ﷺ ، وينبشوا قبر رسول الله ﷺ قال: كم عددهم؟ قالوا له: مائة واثنان وسبعون فقال: عليّ بمائة واثنين وسبعين قيداً، وهذا قبل أن يذهب للمعركة وقبل أن يركب البحر، ثم من الله ﵎ عليه بأسرهم جميعاً، فبعث اثنين منهم ذُبحوا في منى في موسم الحج، والمائة والسبعين عاد بهم إلى القاهرة فضرب العلماء أعناقهم جميعاً تحت سماء القاهرة؛ هذه كانت أيام صلاح الدين الأيوبي. أما أيامنا هذه فإن ملكاً من ملوك العرب يقول: لا أهرول هرولة للسلام وإنما أركض ركضاً، وأبو عمار يقول: رابين ابن عمي، رابين قائد شجاع وفي ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٩٥م في اتفاقية توسيع الحكم الفلسطيني وكان فيها رابين وياسر عرفات والرئيس الأمريكي فقال رابين: بدأت أعتقد أيها الرئيس عرفات! أنك قد تكون يهودياً هذا كلام رابين بالترجمة الحرفية. بيروت في اليم ماتت قدسنا انتحرت ونحن في العار نسقي وحلنا طينا أي الحكايا ستروى عارنا جلل نحن الهوان وذل القدس يكفينا القدس في القيد تبكي من فوارسها دمع المنابر يشكو للمصلينا أعداؤنا ضيعونا حينما فتحوا باعوا المآذن والقرآن والدينا أعداؤنا من توارى صوتهم فزعاً والأرض تسبى وبيروت تنادينا قم من ترابك يا ابن العاص في دمنا ثأر طويل لهيب العار يكوينا قم يا بلال وأذن صمتنا عدم كل الذي كان طهراً لم يعد فينا هل من صلاح يداوي جرح أمته؟ ويطلع الصبح ناراً من ليالينا هل من صلاح لشعب هده أمل ما زال رغم عناد الجرح يشفينا جرحي عنيد وجرحي أنت يا وطني جئنا نداويك تأبى أن تداوينا إني أرى القدس في عينيك ساجدة تبكي عليك وأنت الآن تبكينا ما زال في العين طيف القدس يجمعنا لا الحلم مات ولا الأحزان تنسينا يقول الرسول ﷺ : (عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يُذهب الله به الهم والغم والحزن) أو كما قال.

стр. 903

جهاد صلاح الدين الأيوبي كما يصفه القاضي ابن شداد جهاد صلاح الدين الأيوبي قال عنه قاضيه ابن شداد: أحلف بالله غير حانث أن صلاح الدين الأيوبي بعد أن شفاه الله من مرضه نذر كل وقته للجهاد في سبيل الله ، وما أنفق درهماً بعد شفائه إلا في الجهاد. وكان صلاح الدين قد مرض، وكان له وزير وقاضٍ عادل اسمه عبد الرحيم البيساني وكان من العلماء الصالحين، وكان يقرأ القرآن ويختمه كل يوم، وهذا ثابت عنه كما قال الذهبي. هذا القاضي العادل عندما رأى صلاح الدين الأيوبي مريضاً قال: ادع لله إن شفاك من مرضك أن توجه كل همك لتحرير القدس. فلما شفاه الله من مرضه أعلن بالنفير العام وسط ديار المسلمين، يقول القاضي ابن شداد: كنت واقفاً أنا وصلاح الدين الأيوبي أمام عكا ورأيت البحر، قال: وكانت لأول لحظة أرى فيها البحر، فهالني منظر البحر حتى قلت: لو أن رجلاً قال لي أبحر لمدة ميل وأملكك الدنيا كلها لا أبحر من شدة فزعي، فنظر إليّ صلاح الدين وقال: كنت أريد بعد أن أنقذ القدس أن أقسم البلاد بين بني ثم أركب البحر إلى جزائر الكفار فلا أبقي كافراً على وجه الأرض يعبُد غير الله إلا وأدخلته في الإسلام، فقال: يكفيك بلادك وأن ترسل الجنود، وإنما أنت سور الإسلام ومنعته قال: أي الموتتين أشرف القتل في سبيل الله أم غيره؟ قال: الموت في سبيل الله ، قال: يكفيني أشرف الموتتين.

стр. 904

عقيدة صلاح الدين وعبادته وزهده وقد تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة وكان يحفظها لأولاده الصغار: عثمان وعمر وأبو بكر. أما صلاته فما ترك صلاة الجماعة منذ سنين، كما قال ذلك عنه قاضيه ابن شداد. أما الزكاة فما وجبت عليه الزكاة قط؛ لأن ليس لديه مال، وعندما مات صلاح الدين الأيوبي لم يخلف قرية ولا مزرعة وإنما كان كل ماله سبعة وأربعين درهماً وديناراً واحداً فقط! ولم يكن يعلم الورثة أن هذا في خزائنه، ولم يكن لدى أولاده مال وهم ملوك، حتى إن ثمن الطوب أو اللبن الذي سوي به قبره اقترضوه من الناس، وبعدها رأوا في خزائنه سبعة وأربعين درهماً وديناراً واحداً فقط! هذا الذي ملك مشارق الأرض ومغاربها وفتح سبعة وسبعين مدينة كانت في أيدي الصليبيين، كان يُعطي للجهاد عطاء من لا يخشى الفقر، وقد أعطى من ماله الخاص خمسة آلاف من الجياد لأمراء المجاهدين، هذا هو الرجل الذي أعاد مصر إلى حديقة أهل السنة والجماعة.

стр. 905

جهاد صلاح الدين الصليبيين في حطين والكرك وفي موقعة حطين ٢٥ ربيع الآخر سنة (٥٨٣ هجرية) كان فيها ثلاثة وستون ألف فارس صليبي أتوا لقتال صلاح الدين الأيوبي، فبعث صلاح الدين الأيوبي من يمنعونهم من ماء النهر حتى اشتد بهم العطش وحر الظهيرة واجترّهم إلى القتال، وكان هناك حشيش تحت أرجلهم فأمر أن يشعلوا النار عن طريق الرماة، فاشتعلت النار تحت أرجل خيولهم فاضطروا إلى قتاله، وانتهت المعركة بثلاثين ألف أسير وثلاثين ألف قتيل منهم كل الملوك الذين حاربوه، ومنهم البرنس صاحب الكرك، وكان كافراً لكنه شديد الكفر، وكان قد عقد هدنة مع صلاح الدين الأيوبي ثم غدر ووجد قافلة من تجار المسلمين جعلوا يستغيثون فقال: فليجركم محمد! واستباح الأعراب، فنذر صلاح الدين إن مكنه الله منه أن يقتله. فلما أتوا بالملوك الأسرى واشتد بهم العطش، ومنهم الملك جفري بن جفري ومعه البرنس صاحب الكرك وابن ملك ألمانيا جلس الملك جفري وبجانبه أمير الكرك فلما اشتد بالملك جفري العطش أمر صلاح الدين الأيوبي بماء فشربه، وكان من عادة العرب أنك طالما أعطيت الأسير ماء من عندك أو أكل فهذا كرم كبير منك؛ فأعطاه الملك جفري لأمير الكرك الذي استهزأ بالرسول ﷺ فقال له صلاح الدين الأيوبي: أنا ما أعطيته هذا الماء إنما أنت الذي أعطيته، ثم قال: استهزأت برسول الله ﷺ وأنا نائب عنه، فعرض عليه الإسلام فلم يقبل، فقام إلى سيفه فضربه على كتفه فأسقطه ثم حز رأسه وألقاه خارج الخيمة.

стр. 906

صلاح الدين يفتح عكا والقدس وبعد حطين فتح عكا ودخلها وأُذن فيها لصلاة الجمعة بعد غياب ثلاث وسبعين سنة، ثم بعد ذلك بدأت جيوش صلاح الدين الأيوبي تنظر إلى القدس، وفي ١٥ رجب جاء بستين ألف مقاتل وقفوا حول أسوار القدس، وفي السابع والعشرين من رجب (سنة ٥٨٣هـ) فتح القدس، وأصح الأقوال هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام ابن بطة والإمام ابن رجب الحنبلي إن السابع والعشرين من رجب لم يكن يوم الإسراء وإنما كان يوم فتح صلاح الدين الأيوبي للقدس. وقف المسلمون على أسوارها، ولما قتل أمير من أمراء المسلمين المجاهدين في سبيل الله عظم ذلك عند المسلمين واشتد بهم الحنق والغيظ، فبدءوا يثقبون الأسوار، ويستعينون بالمجانيق علهم يقتحمون هذا السور، وبالفعل سقط السور من قبل صلاح الدين الأيوبي من ناحية بلاد الشام الأخرى، فبرز قائد الجنود الصليبيين بليان بن برزان، وأراد أن يؤمنه صلاح الدين الأيوبي فقال: خذها صلحاً. قال صلاح الدين: والله لا آخذها إلا عنوة كما دخلتموها عنوة. فسيدنا صلاح الدين الأيوبي عندما دخل عكا فك أربعة آلاف أسير مسلم، وعندما أتى عند القدس قال: لا آخذها إلا عنوة كما أخذتموها عنوة، أي: مثلما قتلتم المسلمين بها، وكانوا قد قتلوا سبعين ألف مسلم حينما دخلوا القدس حتى غاصت الركب في دماء المسلمين وجعلوا من قبة الصخرة مكاناً لخيولهم وخنازيرهم، وقالوا: دون قمامة فلتقم القيامة. فقال صلاح الدين: لا آخذها إلا عنوة مثلما أخذتموها عنوة. فقال له بليان بن برزان: إذاً نقتل من كان عندنا من المسلمين -وكان عندهم خمسة آلاف أسير مسلم- ثم نذبح نساءنا وأطفالنا، ثم نكسِّر الصخرة ونهدم القبة ونهدم المسجد، ثم نعمي بئر بيسان ثم نخرج إليك في الصحراء، وهنا رق صلاح الدين الأيوبي لأسرى المسلمين، ووافقهم على الصلح بشرط أن أي واحد يخرج منهم خارج القدس يدفع عشرة دنانير جزية، والمرأة خمسة دنانير، والصبي أو الصبية دينارين، وأعطاهم مهلة أربعين يوماً والذي لا يستطيع ذلك يقع في أسر المسلمين، فرحلوا كلهم عن القدس، ووقع الذين عجزوا عن دفع الجزية في أسر المسلمين وهم ستة عشر ألف أسير، فكان عددهم كبيراً، وقد باع رجل من فقراء المسلمين أسيره بزربول -أي: فردة نعل- حتى يُعلم أن كثرة الأسرى بلغ من ذلهم وهوانهم أن يُباع الأسير بزربول، وترك الناس الأبقار والإبل من كثرتها واشتغلوا بالأسرى، وكان الرجل وزوجه وأولاده الخمسة يباعون بثمانين درهماً، وكان الفلاح يأتي بطنب خيمة ويربط فيه نيفاً وثلاثين أسيراً فيجرهم بعمود خيمة، والحارس من المسلمين يحرس المائتين ولا يهربون خوفاً من بطشه. وفتحت القدس يوم الجمعة ولكن صلاح الدين الأيوبي لم يستطع أن يصلي الجمعة؛ لكثرة ما كان فيها من الخنازير وحيض النساء فاشتغل أسبوعاً كاملاً ينقل ما فيها من النجاسات، ثم غسل المسجد وقبة الصخرة بالماء العادي، ثم بماء الورد الطاهر وبالمسك الفاخر، ثم صدر المنشور الصلاحي للقاضي محيي الدين بن الزكي القرشي بأن يتولى الخطابة في أول جمعة من شعبان بعد يوم الفتح بثمان، وجرت الدموع غالية، فهل من عودة لأيام صلاح الدين الأيوبي؟ رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجندك في حطين صلوا وكبروا وتبكيك من شوق مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر حصانك في سيناء يشرب دمعه ويا لعذاب الخيل إذ تتذكر

стр. 907

موت صلاح الدين الأيوبي ويموت صلاح الدين الأيوبي بعد أن فتح سبعة وسبعين مدينة، وقد بلغ من شغفه أنه بعد أن فتح القدس بدءوا هم للرجوع إلى عكا، وحاصروا عكا من البحر، وظل صلاح الدين الأيوبي بعيداً عن مصر (٥٨ شهراً) وعيناه تذرفان الدموع يقول: يا للإسلام! يا لعكا، هل من رجال مؤمنين لعكا؟ وكان يشكو في ظهره من الدمامل الكثيرة لدرجة أنه كان لا يستطيع الأكل إلا نائماً، وبرغم هذا كما يقول قاضيه ابن شداد: يركب فرسه من الصباح إلى الظهر، ومن العصر إلى المغرب، فيقال له: إنك لا تستطيع أن تقعد وأن تأكل إلا نائماً فكيف تجلس على الفرس؟ فيقول: والله ما إن أرتقي صهوة جوادي حتى ينتهي الألم ثم يعود إليّ بعد أن أفارق جوادي. ثم جاءته حمى فغاب عن وعيه تماماً ثلاثة أيام، يقول من كان معه: فقرأت عليه حتى وصلت إلى قول الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢] قال: فأفاق من غيبته وهو يقول: صحيح -يعني هذا الكلام- يقول: فجعلت أقرأ حتى وصلت إلى قول الله : ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة:١٢٩] فتبسم وخرجت روحه. ورحل صلاح الدين خرج يوسف من سجن الدنيا إلى فضاء الحق ، وشيعته العيون الباكية، يقول القاضي ابن شداد: كنت أستقل أن رجلاً يقول لرجل: أفديك بنفسي ومالي، فلما مات صلاح الدين تمنيت لو افتديته بنفسي، وعلا البكاء والنحيب على الرجل الذي رد إلى المسلمين هيبتهم.

стр. 908

ذكر بعض المجددين بعد صلاح الدين بعد هذا يأتي الظاهر بيبرس، وله مواقف جسورة في قتال الصليبيين، فهو الذي أذل أهل أنطاكية ورد أنطاكية إلى المسلمين، وأرمينية ردها إلى المسلمين، وحاصر عكا، وعندما كان يحاصر الصليبيين الذين في عكا قال سفير بيبرس لملكهم عندما استعرض جنوده أمامه: كل هؤلاء الجنود لا يساوون عدد الأسرى الموجودين عندنا في القاهرة. ثم أتى بعد ذلك السلطان محمد بن قلاوون الذي استرد طرابلس وهدمها، ثم أقام مدينة طرابلس التي في بيروت. ثم الملك أشرف خليل الذي أعاد عكا إلى المسلمين بعد أن استردها الصليبيون من المسلمين بعد موت صلاح الدين الأيوبي لإ فهو الذي استردها مرة ثانية، ثم دمرها حتى لا يتخذها الصليبيون قلعة ضد المسلمين، وبلغ من كثرة الأسرى أن الفتاة كانت تباع بدرهم واحد، فأين عز المسلمين الآن؟ اللهم ارجع تلك الأيام إلينا، اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. رب اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبّل دعواتنا، أجب دعواتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا، اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، اللهم اجعل حشري إليك من حواصل الطيور ومن بطون السباع. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 909

رسالة أحد الأدباء المعاصرين إلى صلاح الدين الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد فقد وقع الصليب الأعظم للصليبيين في أيدي المسلمين وهو الذي يظنون أن عيسى قد صلب عليه، فأرسل والي عكا لـ صلاح الدين: ما بقى عندنا إلا القدس والصليب، وهذه الديار، وقد كثر القتل منا ومنكم، والصليب عندنا له قيمة عظيمة، وعندكم هو مجرد خشبة، فتفضّل بمنك وكرمك فأرجعه إلينا، وأما القدس فمتعبّدنا لا ننزل عنها حتى آخر رجل منا. فبعث إليه صلاح الدين الأيوبي فقال: أما ما تقول: إنه قد هلكت الرجال منا ومنكم، فعندنا طعامنا وشرابنا، وأما ما تقول من أن القدس متعبدكم فهي مسرى نبينا، ولا نستطيع أن نقول للمسلمين مجرد كلمة في تنازلنا عنها، وأما صليبكم فلا أعطيه لكم أبداً فهذه أيام صلاح الدين الأيوبي. فاروق رويدة صاحب الصفحة الأدبية في الأهرام وهي صحيفة قومية كتب فيها يقول: رسالة إلى صلاح الدين الأيوبي يقول في هذه الرسالة عن القدس وعن ديار المسلمين: وطن جميل كان يوماً كعبة الأوطان ماذا تبقى منه الآن تأكله الكلاب وترتوي بالدم فوق ربوعه الديدان الآن ترحل عنه أفواج الحمام وتنعق الغربان الآن ترتع فيه أسراب الجراد وتعبث الفئران الآن يأتي الماء مسموماً ويأتي الخبز مسموماً ويأتي الحلم مسموماً ويأتي الفجر مصلوباً على الجدران وطن بلون الفرح يبدو الآن محمولاً على نعش من الأحزان جسد هزيل في صقيع الموت مصلوب بلا أكفان وطن جميل كان يوماً كعبة الأوطان الآن ترتحل الرجولة عن ثراه ويسقط الفرسان في ساحة الدجل الرخيص يغيب وجه الحق تسقط أمنيات العمر يزحف موكب الطغيان في ساحة القهر الطويل يضيع صوت العدل تخفت أغنيات الفجر تعلو صيحة البهتان وطن بلون الصبح كان وطن جسور أنت في عيني ذليل في ثياب العجز والنسيان وطن عريق أنت في عيني أراك الآن أطلالاً بلا اسم بلا رسم بلا عنوان وطن بلون الصبح كان في أي عين سوف أحمي وجه ابني بعد ما صلبوا صلاح الدين يا وطني على الجدران في أي صبر سوف يسكن قلب ابني بعد ما عزلوا صلاح الدين من عين الصغار وتوجوا ديان يا للمهانة عندما تغدو سيوف المجد أوسمة بلا فرسان يا للمهانة عندما يغدو صلاح الدين خلف القدس مطروداً بلا أهل بلا سكن بلا سلطان في كل شيء أنت يا وطني مهان من علّم الأسد الأبي بأن ينكِّس رأسه ويهاجم الجردان؟ من علّم الفرس المكابر أن يهرول ساجداً في موكب الحميان؟ من علّم القلب النقي بأن يبيع صلاته ويعود للأوثان؟ من علّم الوطن العريق بأن يبيع جنوده ويقايض الفرسان بالغلمان؟ من علّم الوطن العزيز بأن يبيع ترابه للراغبين بأبخس الأثمان؟ من علّم السيف الجسور بأن يعانق خصمه ويعلّق الشهداء في الميدان؟ يا أيها الوطن المهان إني بريء منك يا أيها الوطن المهان ويقول أيضاً في جريدة الأهرام في الصفحة الأدبية: لا تسرعوا في موكب البيع الرخيص فإنكم في كل شيء خاسرون لن يترك الطوفان شيئاً كلكم في اليم يوماً غارقون تجرون خلف الموت والنخّاس يجري خلفكم وغداً بأسواق النخاسة تُعرضون لن يرحم التاريخ يوماً من يفرّط أو يخون كهّاننا يترنحون فوق الكراسي هائمون من حسي نشوة السلطان والطغيان راحوا يسكرون وشعوبنا ارتاحت في غيابات السجون نام الجميع وكلهم يتثاءبون فمتى يفيق النائمون؟ متى يفيق النائمون؟

стр. 910

خطبة القدس التي ألقاها قاضي صلاح الدين أما خطبة القدس التي ألقاها محيي الدين بن زكي قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١]. وقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:١]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] ثم أتى بآيات الحمد كلها. الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذِّل الشرك بقهره، ومصرِّف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره. الحمد لله أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يرادع، والحاكم بما يريد فلا يُدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه، ونصره لأنصاره، وتطهيره بيته المقدس من أدناس الشرك وأوزاره حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه. وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله رافع الشكر، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٥ - ١٧]. صلى الله عليه، وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسّر الأوثان، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان أيها الناس! أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمم الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع وأن يُذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه، واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد فإنه بني عليه، وبالتقوى فإنه أُسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد ﷺ ، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام. وهو مقر الأنبياء, ومقصد الأولياء، ومفر الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل تنزل الأمر والنهي. وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين. وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى الذي شرفه الله برسالته، وكرّمه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء:١٧٢] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]. وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تُعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده واصطفاه من سكان بلاده لما خصّكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار، فطوبى لكم من جيش صارت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية، والعزمات الصدّيقية، والفتوح العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية فجزاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبّل منكم ما تقربتم به إليه من مهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها، فله النعمة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة؛ فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء، وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقر به عيناً الأنبياء والمرسلون. فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يُفتح عليه البيت المقدس آخر الزمان، والجند الذي تقوم بسيوفهم -بعد فترة من النبوة- أعلام الإيمان، فيوشك أن يكون هناك التهاني به بين أهل الخضراء أكثر من التهاني به بين أهل الغبراء، أليس هو البيت الذي ذكر الله في كتابه، ونص عليه في خطابه، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]؟ هو البيت الذي عظمته الملوك، وأثنت عليه الرسل، وتُليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من إلهكم ، أليس هو البيت الذي أمسك الله الشمس على يوشع بن نون لأجله أن تغرب؟ وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب؟ أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان؟ فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل وقد فضّلهم على العالمين، ووفقكم لما خُذل فيه من كان قبلكم من الأمم الماضين، وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى، وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى، فليهنكم أن الله قد ذكركم فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنوداً لأهويتكم جنده، وشكركم الملائكة المنزلون على ما هديتم إلى هذا البيت من طيب التوحيد، ونشر التقديس والتحميد، وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث والاعتقاد الفاجر الخبيث، فالآن يستغفر لكم أملاك السماوات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات. فاحفظوا -رحمكم الله- هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله الذي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها نجا وعُصم، واحذروا من اتباع الهوى وموافقة الردى، ورجوع القهقرى، والنكول عن العدا، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغصة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا -عباد الله- أنفسكم في رضاه؛ إذ جعلكم من عباده. وإياكم أن يستزلكم الشيطان وأن يتداخلكم الطغيان فيخيل إليكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وبخيولكم الجياد، وبجلادكم في مواطن الجلاد، لا والله! ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]. واحذروا -عباد الله- بعد أن شرّفكم بهذا الفتح الجليل، والمنح الجزيل، وخصّكم بهذا الفتح المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين أن تقترفوا كثيراً من مناهيه، وأن تأتوا عظيماً من معاصيه، فتكونوا ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢] ومثل ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥]. الجهاد الجهاد! فهو أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء، وتطهير بقية الأرض من الفئة التي أغضبت الله ورسوله، اقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام بالثارات الإسلامية، والملة المحمدية. الله أكبر فتح الله ونصر غلب الله وقهر أذل الله من كفر. واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، ومهمة فأخرجوا لها هممكم، وبرّزوها وسيروا إليها سرايا حسناتكم، وجهّزوها فالأمور بأواخرها والمكاسب بذخائرها فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول، وهم مثلكم أو يزيدون، فكيف وقد أضحى في قبالة الواحد منهم منكم عشرون، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥]. أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معشر المسلمين بنصر من عنده ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] ثم دعا للسلطان صلاح الدين الأيوبي فقال: اللهم وأدم سلطان عبدك، الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، المحامي عن دينك المدافع، الذاب عن حرمك المانع، السيد الأجل، الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين. اللهم عم بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأح

стр. 911

دمعات شعرية على قدس الإباء ونختم بما بكى به الشاعر القدس قال: أعيني لا ترقي من العبرات وصلي البكا الآصال بالبكرات لعل سيول الدمع يطفئ فيضها توقد ما في القيد من جمرات ويا قلب أسعر نار وجدك كلما خبت بادكار يبعث الحسرات ويا فم بح بالشجو منك لعله يروح ما ألقى من الكربات على المسجد الأقصى الذي جل قدره على موطن الإخبات والصلوات على خير الأملاك والوحي والهدى على مسكن الأبدال والبدلات على سلم المعراج والصخرة التي أناست بما في الأرض من صخرات على القبلة الأولى التي اتجهت لها صلاة البرايا في اختلاف جهات على خبر معمور وأكرم عامر وأشرف مبني لخير بناة وما زال فيه للنبيين معبد يوالون في أرجائه السجدات عسى المسجد الأقصى المبارك حوله رفيع العماد العالي الشرفات عسى بعد ما قد كان للخير موسماً وللبر والإحسان والقربات يوافي إليه كل أشعث قانت لمولاه بر دائم الخلوات خلا من صلاة لا يمل مقيمها توشح بالآيات والسورات خلا من حنين التائبين وحزنهم فما بين نواح وبين بكاة لتبك على القدس البلاد بأسرها وتعلن بالأحزان والترحات لتبك عليها مكة فهي أختها وتشكو التي لاقت إلى عرفات لتبك على ما حل بالقدس طيبة وتشرحه في أكرم الحجرات فمن لي بنواح ينحن على الذي شجاني بأصوات لهن شجاة يرددن بيتاً للخزاعي قاله يؤذن فيه خيرة الخيرات مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات

стр. 912

وقفات مع سورة النجم [١] في أول سورة النجم يبين الله صدق رسالة النبي ﷺ وأنه لم يضل، ولم يصبه الجهل ولا الغواية، بل إنه معلم من ربه سبحانه بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ الذي وصفه الله بالقوة والأمانة في إنزال الوحي ونقله إلى النبي ﷺ على مراد الله ، ولذا لا يستطيع الطاعنون مهما أوتوا من قوة أن يطعنوا في محمد ﷺ ورسالته.

стр. 913

معنى قوله تعالى: (والنجم إذا هوى) إن الحمد لله نحمده ونستعينه وسنتهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وجده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: فهذه وقفات مع سورة النجم. وسورة النجم لها ثلاثة أسماء، ومنها: سورة (النجم) بدون الواو، كما هو ثابت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم فسجد بها وسجد المشركون). وتسمى: سورة (والنجم) كما ترجم لها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، وكما ترجم لها الإمام الترمذي. وتسمى سورة: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، كما جاء في حديث زيد بن ثابت في الصحيحين. وهذه السورة أول سورة يعرضها النبي ﷺ في مكة، كما قال ابن مسعود فهي مكية بإجماع علماء التفسير وأهل التأويل. ونسب بعضهم عن ابن عباس -وهذا القول ضعيف- أن السورة كلها مكية إلا آية: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]. أما القول المنسوب للحسن البصري أنها مدنية فهذا قول شاذ. وهذه السورة رقمها ٢٣ في ترتيب النزول، وقد نزلت بعد سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقبل سورة عبس. قال الله ﵎ في محكم آياته وهو أصدق القائلين: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١ - ١٤]. قوله: (والنجم) يقسم الله ﵎ بالنجم، فما المراد بالنجم؟ هناك لأهل التأويل أقاويل عدة، القول الأول: أن المقصود بالنجم هنا الثريا، والثريا ستة أنجم كانت تعرفها العرب، ذكر ابن قتيبة وابن وهب هذا القول عن ابن عباس، وهو منسوب إلى مجاهد بن جبر من رواية ابن أبي نجيم، وهو قول سيدنا سفيان الثوري، وانتصر له العلامة ابن جرير. القول الثاني: أن المراد به النجوم، وهذا أمر جائز، وهو أن يذكر الفرد ويراد به الجميع، مثل قول الله ﵎ عن أهل الجنة: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] والجنة ليست غرفة واحدة؛ لأن أولئك يجزون الغرف بما صبروا، وهذا من إطلاق الفرد وإرادة الجمع، فهنا يقسم الله بالنجوم كاملة. وعلماء الفلك من المسلمين أو من غير المسلمين يقولون: إن في السماء مجرات يصل عددها إلى مائة ألف مليون مجرة، والمجرة عدد نجومها مائة ألف مليون نجم، فاضرب مائة ألف مليون مجرة في مائة ألف مليون نجم، وانظر كم سيكون عدد النجوم في السماء. والمسافة بين النجوم تقاس بمقياس يسمى: (بارسك)، والبارسك يساوي ١٩٢ وأمامها ضع ١١ صفر، ولا أدري كيف ينطق بها، هذه وحدة قياس المسافات بين النجوم، وهناك وحدة قياس أخرى وهي السنة الضوئية، وهي عبارة عن تسعة بليون كيلو متر، فبعد الشمس عن الأرض (٥. ٨) دقيقة ضوئية. أما الشعرى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم:٤٩] قالوا: إنها تبعد عن الأرض بمقدار (٣٠٠) سنة ضوئية، يعني: (٣٠٠) اضربها في ٩ بليون كيلو متر. وقالوا: إن مجرتنا التي تقع فيها الأرض نصف قطرها (٥٠٠٠٠) سنة ضوئية، ولهذه المجرة توابع منها السدوم، وهي المواد الأولية في تكوين النجوم، وهي تبعد عن مركز المجرة (١٠٠٠٠٠) سنة ضوئية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٦]. وهذه النجوم تسير في أبراج وفي مدارات وتخضع لله وأنت لا تخضع يا ابن آدم، ومن النجوم الشمس، وهي تعطي ثلاثمائة مليون شمعة، ومن النجوم ما يعطي في اليوم الواحد مثلما تعطي الشمس في سنة كاملة، ولكن لبعدها السحيق عنا يجعلنا لا نشعر بها، وهذا من رحمة الله ﵎ بنا، فمن أنت؟! فذل واخضع لمولاك ورب عليم بذات الصدور يدين لعزته الكابر يدين له النجم في سفحه يدين له الفلك الدائر تدين له الأسد في غابها وظبي الفلا الشارد النافر تدين البحار وحيتانها وماء سحاباتها القاطر تدين النجاد تدين الوهاد يدين له البر والفاجر القول الثالث في معنى النجم: أنه آيات وسور القرآن التي أنزلت مفرقة على قلب نبينا ﷺ . فإن العرب تطلق على الشيء المفرق اسم النجم، تقول: أسدد لك الدين الذي لك علي على نجم كذا؛ لأنهم كانوا يسددون الديون على نجوم، أي: في أوقات ظهور النجم أو اختفائه، فأطلق بعد ذلك على شيء مفرق يقال له نجم. فالله يقسم بآيات القرآن وسوره التي أنزلت منجمة على قلب نبينا ﷺ تدل على صدق الرسالة. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] إذا قلت: إنه الثريا يكون المعنى: إذا غاب نجم الثريا أو إذا غابت النجوم، وإذا قلت: إنه الرجوع من رجم الشياطين يكون المعنى: عند هويها لسحق الشياطين. وإذا قلت: إنه الآيات يكون المعنى: إذا هوى، أي: إذا نزل.

стр. 914

معنى قوله: (ما ضل صاحبكم وما غوى)

стр. 915

الفرق بين الضلال والغواية قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]. في كلمة (صاحبكم) تبكيت للمشركين، أي: أنتم تعلمون رسول الله ﷺ ، وقد كنتم تسمونه بالصادق الأمين قبل مجيء الوحي إليه، فلما جاءه النور وزاده نوراً فوق نوره غيرتم القول وقلتم: إنه المجنون وإنه الأفاك، وإنه الكذاب. ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢]، فأنتم تعرفونه جيداً وهو معروف عند أهل الحي بالاستقامة والنزاهة قبل أن يعرف طريق الله ، فما هو ببعيد عنكم، ولم ينزل إليكم من المريخ ولا من كوكب آخر، وقد كنتم تنعتونه بكل نعت جميل، فإذا ما التزم بدين الله صار هو المتطرف، وصار كذا وكذا. وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢] الضلال: هو الانحراف في طريق العلم، وهو ضد الهدى. قوله: ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] الغواية: ضد الرشاد، وضد الرشد الانحراف، فيزكي الله ﵎ نبيه ويثني عليه بكمال العلم والعمل؛ لأن الانحراف في أي طريق يؤدي إلى الدمار دمار أن تعلم ثم لا تعمل، أو أن تعمل بغير هدى من الله ﵎. يقول النبي ﷺ : (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون) الأمة الغضبية أمة اليهود؛ لأنهم علموا وكتبوا أو علموا وكتموا، والنصارى ضالون؛ لأنهم لم يعرفوا طريق الهدى فاتبعوا البدع؛ ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من ضل من علمائنا فله صفات انتساب إلى اليهود في كتم العلم وقساوة القلب، ومن ضل من عبادنا فله نسب إلى النصارى. ولذلك فلاسفة الصوفية كـ ابن سبعين، وابن عربي، وابن الفارض قالوا بوحدة الوجود والحلول، وهي مثل مقالة النصارى. ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢] الانحراف في العلم، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] ألا تعمل بهذا العلم، وهذه مصيبة.
следующие страницы →