الفصل الثامن
شبهات يجب أن تزال
* الثقة بالنفس.
* التشجيع والتقدير.
* العزلة.
* قول يوسف ﵇.
стр. 177
شبهات يجب أن تزال
هناك بعض الأمور التي تلتبس علينا فنشعر بالتناقض بينها وبين مفهوم استصغار النفس وإزالة صور الكبر وتضخم الذات.
ومن أهمها:
١ - مفهوم الثقة بالنفس، وتعارضه مع ضرورة استصغارها .
٢ - عبارات التشجيع والتقدير وتعارضها مع خطورة المدح.
٣ - القيام على خدمة الناس والعمل للإسلام وتأثيره السلبي على النفس.
٤ - كراهية تزكية النفس وتعارضها مع ما فعله يوسف ﵇.
١ - مفهوم الثقة بالنفس، وتعارضه مع ضرورة استصغارها:
مما ينبغي أن يعتقده المسلم أنه لا يوجد ملك حقيقي لأحد في هذا الكون إلا لله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].
فكل شيء تراه ملك له سبحانه، ولا يملك من سواه أي شيء ولو حتى مثقال ذرة ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
ولقد أعطى الله لكل عبد من عباده بعض الإمكانات ليستخدمها في مشوار حياته الدنيوية، ينتفع بها، ويمتحن فيها .. فأعطى البعض صحة، ذكاء، قوة في العضلات وهكذا, وأعطى الآخر مالًا، أولادًا، سرعة الحفظ والاستيعاب.
هذه الإمكانات والأسباب لا توجد لها قدرة ذاتية تكفل لها قيام بالعمل الذي يريده منها صاحبها.
بمعنى أن الماء سبب للإرواء، ولكنه لا يستطيع ذلك إلا إذا أمده الله بالقدرة على ذلك، والدواء لا يسبب الشفاء إلا إذا أتته الفاعلية من الله .
стр. 178
والساق وما تحتويه من عضلات وأعصاب وعظام لا تستطيع حمل الجسم والسير به بدون المدد الإلهي الآني.
وماء زمزم فيه إمكانية الشفاء .. هذه الإمكانية تحتاج إلى تفعيل من الله لتتم .. وهكذا في كل ما معنا من إمكانات وأسباب .. لا قيمة لها بدون المدد الإلهي. فالنار التي هي سبب للإحراق هي النار التي سلبت تلك الخاصية عندما ألقى فيها إبراهيم ﵇، بل إنها مدت بفاعلية أخرى عكس فاعليتها الطبيعية المألوفة ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
المفهوم الصحيح للثقة بالنفس:
فإن كان المقصد من مفهوم الثقة بالنفس هو الثقة بوجود الإمكانات والأسباب التي حبانا الله إياها فهي ثقة محمودة، وينبغي أن يتربى عليها الفرد ليصبح قوي الشخصية، أما عدم تعرفه على ما معه من إمكانات ومن ثم عدم ثقته في وجودها، فإن ذلك من شأنه أن ينشأ فردًا مهزوز الشخصية لا يقدر على اتخاذ قرار ..
ومثال ذلك لو أن شابًا من الشباب أراد الخروج في نزهة مع أصدقائه، فجهزت له أمه حقيبة فيها طعام وشراب وأدوية .. وكل ما يحتاجه في نزهته .. هذا الشاب أخذ الحقيبة ولم يحاول التعرف على ما فيها، وعندما اقترب موعد الغداء شعر بالاضطراب، فكل أصدقائه أخرجوا ما معهم من طعام وهو يظن أنه ليس معه طعام، وزاد حرجه وضيقه عندما بدأوا في الأكل والجميع يريد إعطاءه مما معهم .. هذه الحالة التي وصل إليها ما كانت لتحدث لو أنه تعرف على ما في حقيبته، وفى نفس الوقت فقد يأتيه أحد أصدقائه بعد أن يرى عليه أمارات الحياء والحرج ويطلب منه أن يفتش في حقيبته لعله يجد شيئًا .. وبالفعل يجد الطعام لتزول علامات الاضطراب والضيق وتستبدل بالفرح والسرور.
إذن فكل ما عمله صديقه هو مساعدته في التعرف على ما معه من طعام.
فالثقة المحمودة بالنفس هي الثقة بما معنا من إمكانات حبانا الله إياها، فشخص
стр. 179
حباه الله ذكاء لكنه يشك في وجوده لديه .. هذا الشخص بلا شك لن يحاول استخدام هذا الذكاء.
وآخر أعطاه الله قوة في العضلات، أو قدرة على التحمل، أو موهبة من المواهب .. هذه الأشياء لن يستخدمها صاحبها إلا إذا أيقن بوجودها، وهذا يحتاج إلى من يبني له ثقته بنفسه، أي ثقته بما حباه الله.
ماذا فعل ذو القرنين:
فالثقة بالإمكانات التي حبانا الله إياها محمودة ومطلوبة لبناء الشخصية القوية، التي تحسن استخدام ما معها، كما فعل ذو القرنين عندما طلب منه قوم من الأقوام القيام ببناء سد يفصل بينهم وبين يأجوج ومأجوج ووعدوه بأجر كبير نظير ذلك .. لم يقم ذو القرنين ببناء السد بمفرده، بل استثار عزائمهم وأرشدهم إلى ما معهم من إمكانات، فكانوا نعم العون في بناء هذا السد ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٤، ٩٦].
ومع هذه الثقة بما معنا من إمكانات علينا أن نربط فاعليتها بالله ، فالذكاء مرهون بالمدد الإلهي المستمر، والذاكرة القوية كذلك ..
فالله هو الذي ينطقنا من خلال اللسان، والأحبال الصوتيه، ولو شاء ما أنطقنا مع وجود هذه الأسباب، والله هو الشافي والدواء وسيلة لذلك .. ولا قيمة لهذا الدواء بدون الله وهكذا ..
الغرور:
أما الثقة المذمومة بالنفس فهي الثقة بما عند الفرد من إمكانات ونسبة فاعليتها
стр. 180
لنفسه لا إلى الله .. فهو يرى نفسه أنه قوي بعضلاته يستطيع مصارعة أي فرد في أي وقت، أو أنه ذكي يستطيع حل أي مسألة رياضية في أقل وقت .. أو أنه مفاوض ماهر يستطيع الحصول على أحسن العروض ولا ينسب ذلك لله، ويعتمد على قدرته الذاتية على تفعيل إمكاناته متى شاء .. وهذا هو الغرور.
فالغرور لغة هو الخداع، والشخص المغرور هو الذي ينخدع بما معه من إمكانات وينسبها لنفسه ولا ينسبها لله تمامًا كما فعل صاحب الجنتين ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥، ٣٦].
وعندما رآه صاحبه وقد تلبس به الغرور قال له ناصحًا: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٧، ٣٩].
إنه بهذه العبارات ذكره بأصله وحقيقته، فابن التراب ماذا يملك؟! ومن أين جاء بالمال؟! فهذه الجنات ملك لله، وهو الذي حباه إياها ولو شاء لمنعها عنه ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٠، ٤٢].
إذن فالثقة بالنفس بمفهومها الصحيح مطلوبة ولا تتنافى مع ضرورة استصغار النفس بالمفهوم الذي تم بيانه في صفحات هذا الكتاب، بل إنها تتوافق وتتناغم معه.
٢ - عبارات التشجيع وتعارضها مع خطورة المدح:
من وسائل بناء الثقة بالنفس عند أي إنسان - وبخاصة الأطفال - استخدام عبارات التشجيع والثناء والمكافآت عند النجاح في القيام بالأعمال، وهو ما يسميه علماء التربية: التعزيز الإيجابي ..
стр. 181
وهذا بلا شك له دور كبير في إكساب الفرد ثقة بنفسه، وفى الوقت نفسه له مخاطر كبيرة تترتب على التأثير السلبي للمدح في نفس متلقيه، فكيف يتم التوفيق بين الأمرين؟!
عندما تكون عبارات التشجيع والثناء موجهة للشخص دون ربطها بالله وبتوفيقه ومدده، فهنا تكون الخطورة البالغة التي تضخم الذات وتبني الصنم.
أما إذا ما استخدمت تلك العبارات في وقتها المناسب مع ربطها بالله ، والمبالغة في ذلك، وأنه لولا الله ما تم النجاح في هذا الأمر، والمطالبة بحمد الله وشكره على هذا التوفيق، عند ذلك تكون هذه العبارات قد أدت غرضها في بناء الثقة، دون أن تتسبب في ذبح الممدوح، مع الوضع في الاعتبار أنها تستخدم في وقت الحاجة والضرورة فقط لتعريف الشخص بإمكاناته وبناء ثقته بها.
٣ - القيام بخدمة الناس والعمل للإسلام وتأثيره السلبي على النفس:
قد يقول قائل: إذا كانت الأضواء والاحتكاك بالناس، لها دور كبير في تضخيم الذات والشعور بالاستعلاء على الآخرين، فمن الأولى ترك العمل للإسلام، والانعزال عن الناس.
والسؤال هنا: إذا فعلت ذلك فهل تأمن على نفسك من عدم دخول العُجب إليك بعزلتك هذه؟!
إن العُجب داء خبيث له مداخله المتعددة - كما مر علينا - وقد يستولي على الإنسان من خلال ما يتاح أمامه من أفكار ترد على العقل، أو أفعال تقوم بها الجوارح، فهل المعتزل في بيته سيظل ساكنًا في مكانه لا يفكر في شيء، ولا يفعل شيئًا؟!
إن الحل ليس في العزلة .. فلو ذهب أحدنا إلى كهف مظلم لا يراه فيه أحد من الناس، ولا يتعامل معه أحد، فهو بذلك لن ينجو من الإعجاب بنفسه ..
стр. 182
فالحل إذن في مقاومة هذا الداء، وتجفيف منابعه أولًا بأول، بمعنى أننا لن نستطيع أن نغلق الباب أمام العُجب إلا من داخلنا وليس من خارجنا ..
هذه واحدة، والثانية أن مخالطة الناس تكشف للفرد الكثير من عيوبه، وتنبهه إلى أشياء لم تكن تخطر له على بال.
ولكن هذه المخالطة - كما مر علينا - ينبغي أن تكون في الخير لا في الشر.
واإسلاماه:
النقطة الثالثة أننا لسنا مخيرين في ترك الناس، فوضع الأمة الإسلامية في هذا العصر، وما حدث لها من تفكك وتشرذم، واستعلاء أعدائها عليها، وتحكمهم فيها .. هذا كله يستوجب العمل للإسلام، ومخالطة الناس ودعوتهم إلى الله، ومساعدتهم في تغيير ما بأنفسهم ليغير الله ما بنا وبهم، ويصرف عنا عذابه الذي حاق بنا ..
تخيل أننا جميعًا قد تركنا الناس، وانصرف كل منا إلى شأنه الخاص؟!
من ياترى سيقف أمام المخطط الصهيوني الرامي إلى محو شخصية المسلمين وهويتهم والقضاء عليهم؟!
من سيقف أمام العلمانيين الذين يريدون فصل الدين عن الحياة؟!
من سيواجه حملات التبشير الصليبي التي تتوالى على المسلمين في أفريقيا وآسيا، ونجحت بالفعل في تنصير العديد منهم ...
من للغافلين .. من للشاردين من المسلمين هنا وهناك؟!
ضرورة التوازن:
من هنا يتضح لنا أن عملنا للإسلام لا ينبغي أن يكون على حساب عملنا مع أنفسنا، كما أن عملنا مع أنفسنا لا ينبغي أن يكون على حساب عملنا للإسلام.
стр. 183
ويؤكد على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
فيقول: والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له ... فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولي العلماء من السلف والخلف (١).
لتكن لك عينان:
لابد إذن أن يكون لكل منا عينان وهو يسير في هذه الحياة، عين يتحرك بها وسط الناس يدعوهم ويوجههم لفعل الخير، وعين يراقب بها نفسه، ويتعاهدها بما يصلحها.
٤ - كراهية تزكية النفس وتعارضها مع ما فعله يوسف ﵇:
هناك آيات وأحاديث عديدة تنهي المسلم عن تزكية نفسه، وتطالبه بعدم سؤال الإمارة أو الحرص عليها لما في ذلك من فتنة عظيمة ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
عن أبى موسى الأشعري ﵁ قال: دخلت على النبى ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: أمرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: " إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه " (٢).
حب النفس للرئاسة:
إن حب الرئاسة أمر كامن في النفس، فمن خلالها تحقق أسمى شهواتها في التميز والعلو على الآخرين، وهي آخر ما يخرج من القلوب. كما قال أحد الصالحين: آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة.
стр. 184
ومن أراد أن يدرك مدى حب النفس للرئاسة وتلذذها بها، فلينظر إلى حاله عندما يطلب منه ترك موقعه أو المسئولية المناطة به والعودة للخلف .. ليتخيل حجم الغصة والمرارة التي يعاني منها في مثل هذا الموقف، تمامًا كحال الرضيع الذي يستلذ بالرضاعة، ويغتم بالفطام، كما قال ﷺ : " إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة. فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة " (١).
خطورة مدح النفس:
فإن كانت للرئاسة لها هذه المخاطر، فتزكية المرء لنفسه وتقديمها أمام الآخرين للقيام بعمل ما، لها أيضًا مخاطر عظيمة، ولم لا وفيها نوع من أنواع الوثوق بالنفس والاعتماد عليها، وهذا منهي عنه - كما مر علينا -، فثقة المرء المحمودة بنفسه مبعثها ثقته بما حباه الله من إمكانات تتوقف فاعليتها على المدد الإلهي المتواصل ... معنى ذلك أنه لا يستطيع أن يدعي أن له قدرات ذاتية تستطيع فعل الشيء الذي يريده في الوقت الذي يريده، فالأمر ليس بيده، بل بيد الله ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
فهل مع أحدنا تفويض من الله بأنه يستطيع فعل ما يقدم نفسه له؟! ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩].
ومن مخاطر تقديم النفس أنها تعكس استعظام صاحبها لها، ورؤيتها بعين الاستعلاء والأفضلية على غيرها، مما يعرض صاحبها لمقت الله، وحرمان التوفيق في هذا العمل الذي أراد القيام به.
يوسف ﵇ وطلبه المسئولية:
فإن قلت: ولكن يوسف ﵇ طلب المسئولية لنفسه .. فكيف يمكن التوفيق بين النهي عن تزكية النفس وما فعله يوسف ﵇ بقوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
стр. 185
المتأمل لما حدث مع يوسف ﵇ بعد تأويله لرؤيا الملك، يجد أن ملك مصر قد أعجب به وبما عنده من إمكانات .. هذا الإعجاب دفعه لاختياره لأن يكون بجواره ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
إذن فيوسف ﵇ قد سلطت عليه الأضواء، وأصبح من الخواص عند الملك، ومن ثم دخل دائرة التكليف .. هنا اختار لنفسه المجال الذي يظن أنه قد يحسن فيه بتوفيق من الله، ولم لا وهو العبد المعترف دومًا بفضل الله عليه فيما حباه من إمكانات.
ألم يقل لصاحبي السجن عندما طلبا منه تفسير أحلامها ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]. فإذا كان المرء في نفس الحالة التي كان فيها يوسف ﵇ ولا مناص له من التكليف، فلا بأس أن يختار لنفسه المجال الذي يرى أن إمكاناته التي حباه الله إياها تؤهله للقيام به، مع يقينه بتوقف ذلك كله على عون الله ومدده المستمر له ...
ضوابط تقديم النفس:
ومع ذلك، فهناك ضوابط ينبغي مراعاتها إذا ما اضطر شخص إلى تقديم نفسه وقد ذكرها د. عادل الشويخ ﵀ في كتابه تقويم الذات، ونجملها في هذه النقاط:
١ - الأصل هو عدم طلب المسئولية أو الإمارة أو عمل بعينه، والاستثناء هو طلبها لمصلحة راجحة لا ظنية، مثل الذي يتقن لغة من اللغات، ولا يعرف بذلك أحدًا ممن حوله، فله أن يعرفهم بذلك، ويقدم نفسه لهم إذا ما وجدهم يبحثون عمن يترجم لهم مقالة بهذه اللغة إلى لغتهم.
стр. 186
٢ - أن يكون الناس من حوله يجهلون عنه الشيء الذي يحسنه، أما إذا ما كانوا يعرفونه فليس له أن يقدم نفسه بأي حال من الأحوال، مع الأخذ في الاعتبار أن الشيطان يدخل للواحد منا من باب أن مصلحة الدين، ومصلحة الدعوة أن يكون في المقدمة، فهو صاحب جهد مميز، وتجربة عظيمة، وما يريد أن يقوم به من عمل لا يستطيع أن يقوم به غيره، فخوفه على الدعوة يستدعي منه تقديم نفسه، وتشبثه بمكانه في المقدمة.
هذه التصورات - لو كانت صحيحة - فليس من شأن صاحبها أن يدعيها أو يصرح بها، ولكنها من شأن من حوله، فهم يعرفونه جيدًا، ويحرصون على مصلحة الدين كما يحرص .. ومما يدعو للأسف أن غالب مثل هذه الادعاءات تدل على رؤية صاحبها لنفسه بعين التعظيم، وأن منطلقه الأساسي هو مصلحة نفسه قبل مصلحة الدعوة، ولو كان صادقًا في ادعاءاته، ما زكى نفسه، ولسعد باختيار غيره - إذا ما حدث - وعمل معه وهو في الظل بنفس الهمة والجهد والنشاط كما لو كان مكانه.
٣ - عندما تترجح المصلحة الدينية الحقيقية، ويضطر المرء إلى تقديم نفسه للآخرين للقيام بعمل ما، فعليه أن يقرن ذلك بأن ما يدعيه عن نفسه فهو بتوفيق الله وفضله وكرمه، ولولاه سبحانه ما كان كذلك
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٥، ١٦].
٤ - ومن الضوابط كذلك: عدم المبالغة في مدح النفس، بل بقدر، وبكلمات قليلة تؤدي الغرض، وليعلم كل من يضطر لذلك أن كل كلمة يقولها عن نفسه تعد بمثابة سهم يوهن قلبه، ويفتح الباب لفتنة عظيمة أمامه، فليقلل قدر الإمكان من هذه السهام، وليسارع بعد ذلك بمناجاة الله أن يحفظه من شرها ويطلب منه العفو والمغفرة، وليردد ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 187
اختبار الصدق:
من علامات صدق من يقدم نفسه من أجل مصلحة دينية لا مصلحة شخصية أنه إذا لم يوافق على طلبه، أو يقع عليه الاختيار يسعد بذلك ويفرح فرحًا شديدًا، لأن الله قد عصمه من التعرض لفتنة المسئولية والتصدي وتسلط الأضواء عليه، وفى نفس الوقت فقد أدى ما عليه، ولم يكتم ما عنده مما حباه الله وبفضل عليه ..
فإن حزن وتضايق، ووجد حربًا في صدره من عدم اختياره لها، فهذا دليل على عدم الصدق، فليستغفر الله، وليداو نفسه بمثل ما سبق من وسائل، وليبالغ في تكلف التواضع وصوره المختلفه، والله المستعان.
стр. 188
الخاتمة
وبعد ...
ألا توافقني - أخي الحبيب - أن العبرة ليست في القيام بالعمل الصالح فقط، بل لابد من المحافظة عليه، وعدم السماح للنفس بالاستيلاء عليه، وجعله وسيلة لشموخها واستعلائها على الآخرين ..
فلننتبه لأنفسنا، ولنحذرها، ولنستعن بالله عليها، ولنقف لداء العُجب بالمرصاد.
نعم، الوسائل كثيرة، لأن الأمر صعب، والنفس ملازمة لنا، ومحبوبة لدينا، والداء خبيث لايمكن لأحد أن يهرب منه، ولا حل أمامنا إلا مواجهته، ومقاومته بوسائل متعددة.
ولعلك - أيها القارئ الكريم - تلاحظ أن الجامع المشترك لأغلب الوسائل المذكورة في صفحات الكتاب هو القرآن، ولم لا وقد وصفه ربنا بقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
فلنقبل على القرآن، ولنعطه أفضل أوقاتنا، ولنحسن التعامل معه، والاستشفاء بشفائه.
وفى النهاية .. أخى الحبيب:
يعلم الله أن من أهم ما دفعني لكتابة تلك الصفحات هو خوفي عليك ألا تقع فيما وقعت فيه، فابدأ معي من الآن، وهيا نسقي أنفسنا دواءها، لتحسن استقامة خطواتنا إلى الله.
فهل لي منك دعوة صادقة تدعوها لي في وقت صفائك وإقبالك على الله؟!
стр. 189
هل لك أن تدعو لي بالشفاء مما تلبس بي من هذا الداء الخبيث؟!
هل لك أن تدعو لي ولك أن يعظم الله قدره عندنا، ويصغر قدر أنفسنا في أعيننا، ويقينا شرها، وأن يثبتني وإياك على الحق حتى نلقاه وهو راضي علينا، فيسكننا بفضله جنته، ويجعلنا ممن قال فيهم: " إخوانًا على سرر متقابلين"؟!
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..