لكنني خلقت من نطفة قذرة، ثم جيفة منتنة، ثم آتي الميزان، فإن ثقل فأنا كريم، وإن خف فأنا لئيم.
وعندما سئل عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطينًا، ملوثًا في الخطايا، أتمنى على الله الأماني (١).
وكتب رحمة الله كتابًا إلى بعض نوابه في الأمصار وقال في آخره: إني لأعظك بهذا، وإنى لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري (٢).
البديل:
فإن قلت: لو أغلقنا على النفس مثل هذه الأبواب، وأعطيناها الدواء المضاد فكيف سيكون طعم الحياة .. وأين البديل للسعادة؟
نعم لو تم التعامل فقط مع هذه الوسيلة دون ما سبق من وسائل سابقة، وبخاصة وسيلة معرفة الله، فقد نعاني من هذا الأمر، وقد نجد ضيقًا في صدورنا مما قد يجعلنا نستسلم لأنفسنا، ونضعف أمامها، ونسقيها شراب النشوة والطرب.
فالحل إذن وجود البديل:
وهل هناك أحلى أو ألذ أو أطعم من حلاوة الإيمان، والقرب من الله والأنس به ؟! كما قال أحد السلف: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم، لجالدونا عليه بالسيوف (٣).
فلذة مناجاة الله وذكره وتلاوة كتابة لا تعدلها لذة، ولو اجتمعت عليها كل لذات الأرض، فلنحرص على التمتع بتلك اللذة من خلال التعرف على الله المنعم، الكريم، الودود، الرحيم، القيوم، ولنردد مع من قال:
стр. 142
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد
الفرح المحمود:
تبقى نقطة أخرى في هذا الموضوع، وهي خاصة بمسألة الشعور بالفرح والسرور الذي ينتاب الفرد في بعض الأوقات عند ورود نعمة، أو عند التوفيق للقيام بعمل صالح .. هل هذا الفرح مذموم أو لا؟!
الفرح المذموم هو فرح المرء بنفسه وافتخاره بها أنها صارت كذا وكذا، أو قامت بفعل كذا وكذا، وهذا الذي تلبس به قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
أما الفرح المحمود فهو فرح العبد بربه أن أكرمه بهذه النعمة واختصه بها، وأن وفقه للقيام بهذه الطاعة وجعله سببًا لدعوة الناس وإقبالهم على دينه ... وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
فلا يستطيع أحد أن يمنع نفسه من الفرح عند تلقى أخبار سارة، أو ورود نعمة جديدة، أو القيام بعمل من الأعمال والنجاح فيه، لكن علينا أن ننسب كل فضل لله، وأن يكون فرحنا به ، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤، ٥]. ونترجم هذا الفرح بمناجاة الله وحمده على فضله وتوفيقه، وأنه لولاه ما تم شيء من هذا أبدًا.
ومما يلحق بهذه النقطة قوله ﷺ لأبي ذر: " تلك عاجل بشرى المؤمن " عندما سأله: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل لله يحمده الناس عليه؟!
فالضابط لفرح أحدنا بحمد الناس له أن يكون منشأ فرحه: الفرح بالله وبفضله وتوفيقه للقيام بهذا العمل، والذي يساعده على ذلك المسارعة إلى شكر الله ومناجاته، وأن ينسب الفضل كله إليه.
يقول ابن القيم: والذي يساعد العبد على تصفية سروره من شوائب الطغيان أن يبالغ في الشكر ويكثر منه، وكذلك التواضع والتذلل لله .
стр. 143
الفصل السادس
العلاج بالقرآن
* دور القرآن في العلاج.
* لماذا لا ينفعنا القرآن؟!
* الوسائل العامة للانتفاع بالقرآن.
* كيفية علاج العُجب بالقرآن؟!
стр. 144
العلاج بالقرآن
القرآن الكريم له دور كبير في علاج أمراض القلوب، وعلى رأسها مرض العُجب، ومايحدثه هذا المرض في نفس الإنسان من تعاظم واستعظام على الآخرين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
وطريقة القرآن في العلاج طريقة فريدة تجمع الكثير من الوسائل السابقة، وتضيف عليها ما يعين قارئه على مداومة الانتباه لنفسه، والعمل الدائم على إزالة أي تضخم في ذاته.
فمن خلال القرآن:
أولًا: نتعرف على الله :
وكما قيل من قبل فإن معرفة الله لها دور عظيم في محو أي أثر للكبر في النفس .. وهنا يأتي دور القرآن بكونه رسالة من الله للبشر؛ يعرفهم فيها بنفسه من خلال أسمائه وصفاته، وآثار تلك الأسماء والصفات في النفس والكون، مما يورث العبد الكثير من المعرفة به سبحانه، وعلى قدر تلك المعرفة تكون عبودية القلب واتجاه مشاعره لربه ومولاه ...
فعلى قدر معرفة الله المنعم يكون حب العبد له سبحانه، وعلى قدر معرفة الله القيوم تكون الاستعانة والتوكل عليه، وعلى قدر معرفة الله الرحيم يكون الرجاء فيه، وعلى قدر معرفة الله الجبار يكون الخوف والحذر منه ... وهكذا ..
وكلما ازدادت معرفة العبد لربه ازداد شعوره بعظيم احتياجه إليه، وضآلة حجمه، وأنه لا قيمة له إلا به، ولا غنى له عنه.
ثانيًا: القرآن يعرفنا بأنفسنا:
قال ﷺ " .. وكفى بالمرء جهلًا إذا أعجب برأيه " (١).
стр. 145
فإعجاب المرء بنفسه دليل على جهله بها وبحقيقتها، لذلك تجد الموضوع الرئيسي في القرآن بعد التعريف بالله هو التعريف بالإنسان وبأصله وحقيقته من ضعف وجهل، وعجز، واحتياج دائم إلى ما يصلحه ويقيمه.
ويعرفنا القرآن كذلك بطبيعة النفس وأنها أمارة بالسوء ... لديها قابلية للفجور والطغيان ... تحب الاستئثار بكل خير .. لا تنظر للعواقب ..
ثالثًا: القرآن يشعرنا بضآلة ما نقدمه من أعمال:
من خلال عرضه الدائم لعبادة الكون وما فيه من مخلوقات لله ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
رابعًا: القرآن يحذرنا من عاقبة العُجب والكبر والغرور:
ويعرض الكثير من نماذج الذين استسلموا لهذه الأمراض فأهلكتهم؛ كإبليس، وقارون، وفرعون، وصاحب الجنتين.
خامسًا: القرآن يقدم وصفات العلاج لأهل الكبر والغرور والإعجاب بالنفس:
فعلى سبيل المثال: خطاب القرآن لليهود، وتذكيرهم بما فعلوه، يحمل في طياته أيضًا وصفة علاج لهم، إذا ما أرادوا الشفاء مما هم فيه، ومن ذلك مطالبتهم بذكر نعم ربهم عليهم ليكفوا عن طغيانهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢].
ومع ذكر النعم، عليهم كذلك تذكر الآخرة وما فيها من أهوال ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
стр. 146
والقرآن يكشف لهم زيف ادعائهم، ويضع أنفسهم أما اختبار قاس من شأنه أن يزيل أوهامهم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦].
قال ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه" (١) يعنى يموت مكانه.
سادسًا: القرآن يبين لقارئه كيف ربى الله رسله وأنبياءه وعباده الصالحين:
رباهم على العبودية والإخلاص له سبحانه، وعلى أنهم بالله لا بأنفسهم ...
فبكلمة قالها يوسف ﵇ لبث في السجن بضع سنين ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢].
وبعد الإسراء والمعراج، وبلوغ الرسول ﷺ بحقيقته، وأنه بالله لا بنفسه ﴿وَلَئِنْ شئنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦].
وأن ثباته أمام المشركين من عند الله ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤].
وتحذره من الشرك وصوره ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
ومع الصحابة رضوان الله عليهم نجد القرآن يذكرهم بعد كل نصر حققوه على
стр. 147
المشركين بأن الذي انتصر هو الله، وما هم إلا ستار لقدرته، فبعد غزوة بدر ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
وبعد الأحزاب ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وبعد بني النضير ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢].
وهكذا نجد القرآن يعطي مساحة كبيرة لهذا الموضوع لنحتذي به في تربيتنا لأنفنسا.
سابعًا: القرآن يمحو مواضع الضعف والنقص (المتوهمة) من داخل الإنسان:
وذلك من خلال تعريفه بمكانته في هذا الكون وأنه هو قائده، وكذلك من خلال مخاطبته لعقله، واستثارة كوامنه، مما يشعره بقيمة ما حباه الله به من إمكانات وقدرات.
ثامنًا: القرآن يذكر قارئه دومًا بالله وبقدره وعظمته وجلاله، ويذكره كذلك بنفسه وصفاته:
من خلال تكرار تلك المعاني في كثير من السور ... هذا التكرار له دور كبير في ترسيخ تلك المعاني في منطقة اللاشعور، أو اليقين داخل الإنسان، مما يعيد تشكيل أفكاره وتصوراته، ومن ثم سلوكه وأفعاله التلقائيه ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾
[طه:١١٣].
стр. 148
تاسعًا: القرآن وزيادة الإيمان:
ومع أهمية دورالقرآن في التذكير والتوجيه، إلا أن هذا كله لا يكفى لدفع المرء للقيام بمقتضيات ذلك التوجيه، بل لابد من وجود قوة دافعة تستثير همته وإراداته للقيام بمقتضى هذا التوجيه .. وهنا يأتي الدور الخطير للقرآن والذي يتمثل في قدرته على التأثير في مشاعر قارئه واستثارتها بمواعظه البليغة، وقوة سلطان ألفاظه على النفس، مما يزيد الإيمان، ويولد الطاقة الدافعة للقيام بأعمال البر المختلفة بسهولة ويسر ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٩].
من هنا تتضح لنا أهمية القرآن في استقامة العبد على أمر الله، وتجلببه الدائم بجلباب العبودية له.
لماذا لا ينفعنا القرآن ؟:
قد يقول قائل: ولكننا نقرأ منذ زمن بعيد، وختمناه عشرات المرات، ولكننا لا نشعر من خلاله بأي تغيير يحدث داخلنا ...
نعم، هذا هو حالنا مع القرآن، ومما لا شك فيه أن القرآن لم يفقد مفعوله وقوة تأثيره ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
إن المشكلة فينا نحن لا في القرآن، والسبب الرئيسي لذلك أننا لا نتعامل معه على حقيقته كأعظم معجزة نزلت من السماء، وأن السر الأعظم لهذه المعجزة يكمن في قدرته على التأثير في نفس قارئه، وتغييره من أي حال يكون فيها إلى الحال التي ترضي الله ..
стр. 149
لكننا قد اعتدنا على أن تكون علاقتنا مع القرآن علاقة البحث عن الأجر المترتب على القراءة فقط، دون النظر إلى الانتفاع الحقيقى به، فنقرؤه ونحن غافلون عن مراد خطابه، حتى أننا لا نتعامل معه مثل ما نتعامل مع الجريدة التي نفهم ما نقرؤه منها!!
فكيف لنا إذن أن نتأثر به ونحن قد هجرناه، وهجرنا الانتفاع بمعجزته؟!
كيف ننتفع بالقرآن ؟!
فإن كنا نريد الانتفاع بالقرآن، واستخدامه كعلاج فعال لما نعاني منه من أدواء، فعلينا أن نغير طريقة تعاملنا معه، وأن يكون همنا من قراءته الانتفاع بمعجزته والدخول في دائرة تأثيره، وهذا يحتاج منا إلى بعض الوسائل العملية المتدرجة التي تعيننا على العودة الهادئة للقرآن، وإدارة وجوهنا له، والإقبال على مأدبته ...
وهناك وسائل عامة للانتفاع بالقرآن، ووسائل خاصة لاستخدام القرآن كعلاج لمرض العُجب وتضخم الذات.
أما الوسائل العامة فهي:
١ - الانشغال بالقرآن.
٢ - تهيئة الجو المناسب.
٣ - القراءة المتأنية.
٤ - التركيز عند القراءة.
٥ - التجاوب مع الآيات.
٦ - أن نجعل المعنى هو المقصود.
٧ - ترديد الآية التي تؤثر في القلب.
٨ - تعلم الآيات والعمل بها.
стр. 150
أولًا: الانشغال بالقرآن:
بمعنى أن يصبح القرآن هو شغلنا الشاغل، ومحور اهتماماتنا، وأولى أولوياتنا، ولكي يكون القرآن كذلك لابد من المداومة اليومية على تلاوته مهما تكن الظروف، وأن نعمل على تفريغ أكبر وقت له.
ثانيًا: تهيئة الجو المناسب:
لكي يقوم القرآن بعمله في التغيير لابد من تهيئة الظروف المناسبة لاستقباله، ومن ذلك وجود مكان هادئ بعيد عن الضوضاء يتم فيه لقاؤنا به، فالمكان الهادئ يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة، ويسمح لنا كذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استثيرت بالبكاء أو الدعاء.
ثالثًا: القراءة المتأنية:
علينا ونحن نقرأ أن تكون قراءتنا متأنية، هادئة، مترسلة، وهذا يستدعي منا سلامة النطق وحسن الترتيل، كما قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
وعلى الواحد منا ألا يكون همه عند القراءة نهاية السورة، ولا ينبغي أن تدفعنا الرغبة في ختم القرآن إلى سرعة القراءة. قال علي رضى الله عنه: لا خير في قراءة ليس فيها تدبر.
وقال الحسن: يا ابن آدم كيف يرق قلبك؟ وإنما همتك في آخر سورتك (١).
رابعًا: التركيز مع القراءة:
نريد أن نقرأ كما نقرأ أي كتاب - كحد أدنى - فعندما نشرع في قراءة كتاب أو مجلة أو جريدة، فإننا نعقل ما نقرؤه، وإذا ما سرحنا في موضع من
стр. 151
المواضع عدنا بأعيننا إلى الوراء، وأعدنا قراءة ما فات على عقولنا، وما دفعنا إلى ذلك إلا لنفهم المراد من الكلام.
وهذا ما نريده مع القرآن: أن نقرأه بحضور ذهن، فإذا ما سرحنا في وقت من الأوقات علينا أن نعيد الآيات التي شردت الأذهان عنها.
خامسًا: التجاوب مع القراءة:
القرآن خطاب مباشر من الله لجميع البشر: لي، ولك، ولغيرنا ... هذا الخطاب يشمل ضمن ما يشمل: أسئلة وأجوبة، ووعدًا ووعيدًا، وأوامر ونواهي.
فعلينا أن نتجاوب مع الخطاب القرآني بالرد على أسئلته، وتنفيذ أوامره بالتسبيح أو الحمد أو الاستغفار، والسجود عند مواضع السجود ... والتأمين على الدعاء، والاستعاذة من النار، وسؤاله الجنة، ولقد كان هذا من هدي رسول الله ﷺ ، وصحابته الكرام ...
سادسًا: أن نجعل المعنى هو المقصود:
البعض منا عندما يشرع في تدبر القرآن، تجده يقف متمعنًا عند كل لفظ فيه مما يجعل التدبر عملية شاقة عليه، وما يلبث إلا أن يمل فيعود أدراجه إلى الطريقة القديمة في القراءة دون فهم ولا تدبر.
فكيف لنا إذن أن نقرأ بتدبر وسلاسة في نفس الوقت؟!
الطريقة السهلة لتحقيق هذين الأمرين معًا هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآية، وعندما نجد بعض الألفاظ التي لا نعرف معناها، فعلينا أن نتعرف على المعنى من السياق، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله ﷺ حين قال: " إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه" (١).
стр. 152
وبهذه الطريقة تصبح قراءة القرآن بتدبر سهلة وميسرة للجميع.
وليس معنى هذا عدم النظر في كتب التفسير ومعاني الكلمات ولكن لنجعلها في وقت آخر غير وقت القراءة حتى نسمح لآيات القرآن أن تنساب داخلنا وتؤثر فينا.
سابعًا: ترديد الآية التي تؤثر في القلب:
وهذه من أهم الوسائل المعينة على سرعة الانتفاع بالقرآن.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
فالقرآن من أهم وسائل زيادة الإيمان وذلك من خلال مواعظه البليغة التي تستثير المشاعر وتؤججها، فيحدث بذلك التجاوب بين الفكر والعاطفة.
نعم قد تكون لحظات التجاوب والانفعال قليلة في البداية، ولكن بالاستمرار على قراءة القرآن من خلال استصحاب الوسائل السابقة ستأتي- بعون الله - تلك اللحظات، فإذا ما جاءت علينا أن نحسن التعامل معها، ونعمل على دخول أكبر قدر من نور الإيمان إلى القلب في هذه اللحظات، وذلك ترديد الآية التي أثرت فينا، وعلينا ألا نمل من ذلك طالما وجد التجاوب، وهذا كان يفعله الصحابة والسلف رضوان الله عليهم.
ثامنًا: تعلم الآيات والعمل بها:
فكما أننا نخصص وقتًا يوميًا لتلاوة القرآن، علينا كذلك أن نخصص وقتًا آخر بين الحين والحين، نتعلم فيه عشر آيات من القرآن ثم نجتهد في حفظها والعمل بما دلت عليه من خلق وسلوك، أو ما اشتملت عليه من أوامر ونواه، ولا ننتقل إلى آيات أخرى إلا بعد التأكد من ممارسة العمل بما في تلك الآيات، وهذا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 153
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن " (١).
كيفية علاج الإعجاب بالنفس من خلال القرآن:
مع كون القرآن شفاء لكل ما يعاني منه الإنسان من أمراض، إلا أن له تأثيره الخاص في علاج مرض الإعجاب بالنفس وتضخم بالذات.
فعندما يتتبع القارئ الآيات التي تتعلق بإزالة أسباب العُجب ومظاهره، ويقف عندها ويتفكر فيها، فإن مدلولاتها ومعانيها تنتقل إلى منطقة اللاشعور داخل العقل، وتشكل جزءًا رئيسيًا من يقينه مما يؤدي إلى تغيير حقيقي في تصوراته عن ربه، وعن نفسه، وعن الكون المحيط به لينطلق السلوك بعد ذلك منسجمًا مع هذا اليقين.
وهناك موضوعات معينة تم طرحها في الصفحات السابقة، علينا أن نتتبعها واحدة تلو الأخرى في رحلاتنا المباركة مع كتاب ربنا، والتي تبدأ من سورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس، ولا يتم الانتقال من موضوع إلى آخر إلا بعد أن يشعر المرء بأخذه كفايته منه وعدم وجود جديد يضيفه، وهذا يختلف من شخص لآخر من حيث كم القراءة، المهم هو النتيجة التي نريد أن نصل إليها من تمكن المعنى المراد الوصول إليه من عقولنا وقلوبنا وربطه بواقعنا وأحداث حياتنا.
وهذه الموضوعات هي:
١ - التعرف على الله القيوم: وقد سبق الإشارة إليه وإلى أهميته في العلاج - بفضل الله ومنته - فى الفصل الأول من هذا الباب، فعلينا أن نبحث في القرآن عن الآيات التي تتحدث عن معنى القيومية وأنواعها وصورها وعبودية التوكل والاستعانة بالله المترتبة عليها.
стр. 154
فمن صور القيومية: قيام الله على خلق الإنسان طورًا طورًا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
ومنها قيامه سبحانه على سقايتنا ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
ومنها قيامه على حفظ السماء مرفوعة بغير عمد ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر:٤١].
ومنها أمثلة قيامه بحفظ أوليائه ورعايتهم كما حدث لأهل الكهف ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨].
٢ - التعرف على الله المنعم: ومعرفة حقه علينا من شكر لنعمه ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
فكل نعمة أنعم الله بها علينا تستوجب الشكر ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الانبياء: ٨٠].
فعلينا بالتعرف على نعم الله التي اختصنا بها من خلال آيات القرآن، كنعم الإيجاد من العدم ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].
ونعم العافية، ونعم الحفظ، ونعم التسخير ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
стр. 155
ونعم الأمن والستر، ونعم التوفيق والثبات والهداية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١].
ومن جوانب النعم كذلك: نعم الاجتباء وسبق الفضل ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
هذا الجانب الأخير له دور كبير في العلاج لأنه سيشعرنا بعظيم فضل الله علينا بلا أي سبب منا، فعلى سبيل المثال: عندما نقرأ الآيات التي تتحدث عن فرعون وقومه وما فعلوه في بني إسرائيل نستشعر عظيم فضل ربنا علينا أن لم يخلقنا في هذا الوقت، ولم يجعلنا من آل فرعون، وهكذا ...
٣ - عفو الله أو النار: فنبحث في القرآن عن الآيات التي تخبرنا بأن عملنا وسعينا لا يستوجب دخول الجنة أو النجاة من النار، فإما عفو الله ومغفرته أو النار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].
فمن خلال تتبع هذا الموضع والذي قبله "التعرف على الله المنعم " تترسخ لدينا حقيقة تقصيرنا في حق الله، وأنه لو طالبنا بحقه لهلكنا، مما يدفعنا إلى الاجتهاد في العمل مع رؤيته بعين النقص والخوف من عدم قبوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
٤ - جوانب الفقر إلى الله:
ما هي الجوانب التي نحتاج فيها إلى الله لتستقيم حياتنا، وما هي الجوانب التي يمكننا أن نستغني فيها عن الله؟!
стр. 156
لنبحث في القرآن عن إجابة لهذين السؤالين لنخرج بحقيقة راسخة عنوانها: لا غنى لنا عن مولانا طرفة عين، فنردد بيقين: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن الأمثلة لذلك:
- الفقر إلى الله في دوام العافية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦].
- الفقر إلى وجود الرزق ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك:٢١].
- فقر العصمة من الفجور ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
٥ - حقيقة الإنسان: ليبحث كل منا - من خلال القرآن - عن أصله وحقيقته، وجوانب ضعفه وعجزه وجهله، وما هي حدود ملكه في هذا الكون كما سبق بيانه.
كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].
وقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
٦ - طبيعة النفس: علينا أن نبحث في القرآن عن طبيعة أنفسنا ومدى شحها وطغيانها، وكيف نظلمها حين نتبع هواها، ونبحث كذلك عن كيفية جهادها، ووسائل تزكيتها كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣].
стр. 157
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
٧ - كيف ربَّى الله رسله وأنبياءه على تمام العبودية له: وعدم رؤية أنفسهم إلا بعين الحذر والنقص، وكيف كانت التربية القرآنية للرسول ﷺ تركز على أنه عبد لا يملك من أمره شيئًا، مثله مثل سائر البشر ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
٨ - التعرف على الله الغني الحميد: فنتتبع الآيات التي تتحدث عن غنى الله عنا، وعن عبادتنا، وأن صلاحنا لمصلحتنا ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
ونتتبع كذلك صور عبادة الكون لله، ليملأ الحياء أنفسنا مما نقدمه من طاعات قليلة كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
٩ - علاج القرآن لحالات الإعجاب بالنفس والاغترار بها، والتكبر على الآخرين ، من خلال تتبع نماذج من وقعوا في براثن هذه الأمراض، وكيف تعاملت الآيات معهم كبني إسرائيل الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ومع ذلك فقد قدم لهم القرآن وصفة العلاج التي تخلصهم مما هم فيه من تذكيرهم بنعمه عليهم كقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ
стр. 158
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٤٦، ٥٠].
وتخويفهم من عواقب أفعالهم ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨].
وتدحض مزاعمهم وتكشفهم أمام نفوسهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[البقرة: ٩١].
فهذه تسعة موضوعات من شأنها أن تزيل - بعون الله - ومدده - الكثير والكثير من مظاهر رؤية النفس واستعظامها، فلينا أن نحسن التعامل معها، وإعطاء كل موضوع منها حقه من الوقت، ولا بأس من تكرارها لتزداد الفائدة المترتبة على ذلك، والله الموفق.
стр. 159
الفصل السابع
التعاهد والتربية ودورهما في علاج العُجب
* معنى التربية.
* صور التربية:
° التربية الذاتية.
° تربية الأبوين لأبنائهما.
° التربية مع الآخرين.
стр. 160
التعاهد والتربية
معنى التربية:
من معاني التربية أنها " تحول النظريات إلى سلوك " وهذا بلا شك لن يتحقق إلا من خلال دوام التربية، وحسن المتابعة ..
فكل ما قيل في الصفحات السابقة وغيرها سيظل حبرًا على ورق ما لم تتم ترجمته إلى سلوك عملي من خلال التعاهد والتربية.
يقول الدكتور جودت سعيد: الأمر لا يقتصر على وجود الفكرة فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تحويل الفكرة إلى إيمان يتدخل في سلوك الإنسان، فوجود الفكرة بشكل أوَّلي لا يستلزم إيمان الناس بها إيمانًا يظهر سلوكهم ويدخل في لا شعورهم (١).
إذن فالاقتناع بمثل ما في هذه الصفحات من أفكار لا يكفي، بل لابد من التربية عليه.
صور التربية:
وصور التربية التي يمكننا ممارستها هي:
أولًا: التربية الذاتية.
ثانيًا: تربية الأبوين لأبنائهما.
ثالثًا: التربية مع الآخرين.
стр. 161
أولًا: التربية الذاتية
تربية الفرد لنفسه وتعاهدها أولًا بأول أمر لابد منه لمن يريد دوام الاستقامة على أمر الله، لا يكفي من الواحد منا عدم رضاه عن واقعه، أو اقتناعه بأهمية تغيير ما بنفسه من تضخم للذات وشعور بالتميز على الآخرين وفقط، بل لابد من العمل الدؤوب لتغيير ذلك الواقع.
المسئولية فردية:
إن المسئولية أمام الله فردية، وسيدخل كل منا القبر وحده، وسيسأله فيه الملكان وحده، وسيبعث وحده وسيحاسب أمام الله وحده ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].
فما قيمة ما يقوم به العبد إن لم يكن له دور في صلاحه وتقواه وقربه من الله؟!
ما قيمة أن نكون سببًا في دخول الناس الجنة، ويكون مصيرنا النار والعياذ بالله؟!
إن هذا ليس معناه الانعزال عن الناس، وترك خدمتهم وإصلاح شأنهم، ولكنه جرس إنذار لنا جميعًا أن لا ننسى أنفنسان .. فكما قال ﷺ : " مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة تضيئ للناس وتحرق نفسها " (١).
ويقول الرافعى: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك، وتترك الفوضى في قلبك (٢).
ولكي لا يحدث هذا؛ لابد من أن يكون لنا جميعًا جهد خاص مع أنفسنا، مهما كانت مشاغلنا، وإلا وقعنا فيما حذَّر منه رسول الله ﷺ في الحديث السابق ذكره.
стр. 162
نقطة البداية:
قد يقول قائل: إنني مقتنع بكل ما قيل في الصفحات السابقة، وأرى في نفسي مظاهر التضخم وأتمنى التخلص منها، ولكني لا أجد همة لذلك، فماذا أفعل؟!
هذا هو حالنا جميعًا - إلا من رحم الله - ولا بديل أمامنا إلا بالاستعانة الصادقة بالله ليمدنا بمدد من عنده يعيننا به على أنفسنا، ولنعلم جميعًا أنه على قدر حجم الإناء الفارغ الذي سنطلب من الله ملأه سيكون المدد منه سبحانه، فالإمداد بحسب الاستعداد.
فلنلح ونلح عليه سبحانه بأن يتولانا برحمته، ويلحقنا بالصالحين، ويعيننا على معرفته، ومعرفة أنفسنا، وأن يجعل كلًا منا عند نفسه صغيرًا، وأن يؤتي نفوسنا تقواها و ...
ومع هذا الإلحاح الدائم والمستمر على الله ، فإن هناك بعض الأعمال التي من شأنها - إذا ما أحسنا التعامل معها - أن تولد القوة الدافعة، والطاقة اللازمة لاستثارة الهمة والعزيمة للقيام بتنفيذ الوسائل السابقة ...
من هذه الأعمال:
- الخوف من الله .
- معايشة القرآن.
- قيام الليل.
- الإنفاق في سبيل الله.
- القراءة في سير الصالحين.
الخوف من الله:
للخوف من الله دور عظيم في إيقاظ القلب من غفلته. قال ﷺ : " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ".
стр. 163
وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق.
إن الخوف من الله يعد بمثابة السياط التي تقع على القلب فتوقظه من رقدته، وتستثيره للانتباه، والتشمير للسفر إلى الله، وبدونه فالقلب راقد، لا يستشعر أهمية شيء ..
إنه أفضل وسيلة تؤهل القلب لحسن استقبال التوجيهات وتنفيذها، كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦].
وسائل استجلاب الخوف:
أهم وسائل استجلاب الخوف من الله وزيادته في القلب " كثرة ذكر الموت والتوقع الدائم لقدومه، قال ﷺ : " أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه" (١).
ولقد اشتكت امرأة إلى عائشة ﵂ قسوة قلبها. فقالت: أكثري من ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت فرق قلبها.
ومن الوسائل المعينة للتذكر الدائم للموت: زيارة المقابر، وتغسيل الموتى، واتباع الجنائز، وكتابة الوصية، ودوام مطالعتها.
ومنها أيضًا: الاستماع إلى المواعظ والقراءة في كتب الرقائق.
معايشة القرآن:
مع كون القرآن دواءً ربانيًا شافيًا لكل أمراض القلوب، ووسيلة أكيدة لتزكية النفوس، إلا أن له كذلك قدرة عجيبة على استثارة المشاعر، وتوليد القوة الدافعة للقيام بالأعمال.
стр. 164
من هنا تشتد الحاجة إلى معايشة القرآن، والمدوامة على قراءته، والانتفاع به، والدخول في دائرة تأثيره كما تم بيانه في الفصل السابق.
فلنكن دومًا مع القرآن ولنسلم له أزمتنا، ولنجعله في أعلى سلم أولوياتنا، واهتماماتنا.
قيام الليل:
قيام الليل هو مدرسة الإخلاص، ومزرعته التي تبذر فيها بذوره، لتجنى ثمارها بالنهار ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
فيه يتذكر كل منا أصله وعبوديته لربه.
وهو من أفضل الوسائل المولدة للطاقة والمثيرة للهمة ...
إنه دواء يومي لابد من تناوله وإلا ضعفت العزيمة وفترت الهمة. ولكي تؤتي هذه الوسيلة ثمارها لابد من معايشة القرآن في القيام، وتدبره والتجاوب معه، وترديد كل آية تؤثر في القلب.
وفى السجود تكون المناجاة من ثناء على الله، وبث الشوق إليه، واستغفاره، واسترحامه.
نشكو إليه أنفسنا، وعدم قدرتنا على التعامل معها ... نشهده بأننا لا غنى لنا عنه، ونلح عليه ألا يتركنا لأنفسنا ولو طرفة عين.
دوام الإنفاق في سبيل الله:
دوام الإنفاق في سبيل الله له دور كبير في تيسير التعامل مع النفس، فمن خلاله يتم تطهيرها من الشح المجبولة عليه، فتسلس قيادتها ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
стр. 165
فلنستخدم هذا الدواء السهل، ولندوام كل يوم، ولنبكر في إخراج الصدقة حتى نحظى بدعوة الملكين، ونستفيد بها طوال اليوم. قال ﷺ : " ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا " (١).
القراءة في سير الصالحين:
من الأمور التي تستثير الهمم وتولد الطاقة: معرفة أحوال الصالحين وكيف كان تعاملهم مع أنفسهم مع شدة خوفهم من ربهم.
فلنقرأ في سير هؤلاء الأخيار، ومن الكتب المرشحة لذلك:
الزهد للإمام أحمد بن حنبل، الزهد لأبن المبارك، التواضع والخمول لابن أبى الدنيا، صفة الصفوة لابن الجوزى.
التربية الوقائية:
ومع اهتمام كل منا بنفسه، والحرص الدائم على تعاهدها، وإعطائها الدواء المناسب لعلاجها مما تعاني منه، فإن هناك أمورًا ينبغي عملها كتربية وقائية. فكما قالوا: تجفيف المنابع أولى من بناء السدود.
فهذه التربية الوقائية: حماية المرء من نفسه وعدم تعريضها لما يشق عليه مجاهدتها فيه.
أما الوسائل المقترحة لهذه التربية فهي:
١ - علينا أن نبدأ بهذا العلم - علم التزكية وكيفية استصغار النفس - قبل أي علم آخر، ونطبق ما يدل عليه قدر استطاعتنا، مع الأخذ في الاعتبار أن إيقاظ الإيمان في القلب هو نقطة البداية، ثم يأتي هذا العلم ليكون صنوه الذي
стр. 166
يصاحبه ... ولنعلم جميعًا أن العلم بالله هو أشرف العلوم على الإطلاق، فمن أراد العلم الحقيقي فليبدأ بهذا العلم الذي يعرف العبد بربه فيخشاه، وبنفسه فيحذر منها، ثم يأتي العلم بأحكام الله بعد ذلك لمن شاء ليكون صاحبه عالمًا ربانيًا. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
٢ - عدم طلب المسئولية أو استشرافها، وكذلك عدم تقديم النفس للقيام بعمل ما. كما قال ﷺ : " يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلو الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا " (١).
ففى الحديث ما يدل على عدم تمني لقاء العدو لما فيه من الإعجاب والاتكال على النفس، والوثوق وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم (٢).
٣ - ومن صور التربية الوقائية: قول الأستاذ مصطفى السباعى ﵀: إذا أنعم الله عليك بموهبة لست تراها في إخوانك فلا تفسدها بالاستطالة عليهم بينك وبين نفسك، وبالتحدث عنها كثيرًا بينك وبينهم، فإن نصف الذكاء مع التواضع أحب إلى قلوب الناس وأنفع للمجتمع من ذكاء كامل مع الغرور (٣).
٤ - لنحرص على الساعات الأربع التي نصحنا بها نبي الله دواد - عليه وسلم - بقوله: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه، عن نفسه.
стр. 167
وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام القلوب.
وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه (١).
٥ - من وصايا السلف: لا تخرج كل ما عندك ... فقد كانوا ليكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: إني لأدع كثيرًا من الكلام مخافة المباهاة (٢).
стр. 168
ثانيًا: تربية الأبوين لأبنائهما:
من صور التربية: تربية الأبوين لأبنائهما على المعاني السابقة، فهما أهم مصدر للعلم والتلقي بالنسبة إليهم.
فعلى قدر اهتمامات الأبوين تكون اهتمامات الأبناء.
وعلى قدر ما يظهر على الأبوين من سلوكيات يكون كذلك الأبناء.
وإن كنا لم نجد من يغرس فينا معاني العبودية لله، وربط أحداث الحياة به سبحانه ونحن صغار، فلنحرص على عدم تكرار ذلك مع أبنائنا، ولنعمل على تربيتهم على المعاني السابقة بأسلوب يتناسب مع سنهم.
ومن أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الأبوان في تربيتهما لأبنائهما.
القرآن أولًا:
بمعنى أن تكون معاني القرآن وحدها هي التي تشكل البيئة التي يتربى فيها الابن وينمو ... لماذا؟!
حتى تتشكل تصوراته، ويقينه بطريقة صحيحة، فينسجم سلوكه بعد ذلك مع هذه التصورات فيما يحبه الله ويرضاه.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على هذه الوصية لمن بعدهم.
تأمل معي هذه الوصية لعبد الله بن مسعود ﵁ والتي يقول فيه: جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع تقرأ فيه سورة البقرة.
стр. 169
قال شعبة أحد رواة هذا الأثر: فحدثت به أبا التياح وكان عربيًا فقال: نعم أمروا أن يجردوا القرآن. قلت له: ما جردوا القرآن؟ قال: لا يخلطوا به غيره (١).
وليس المقصد من ربط الأولاد بالقرآن وتفرغهم له في بداية نشأتهم أن يكون الاهتمام بلفظه فقط، بل بلفظه ومعانيه، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].
فالاهتمام باللفظ فقط لن يكسب الفرد أية معان، بل بالعكس سيرسم القرآن في ذهنه على أنه ألفاظ لا معنى لها، ويعوده القراءة بدون تفكير ولا تدبر.
إن بناء اليقين الصحيح عند أبنائنا لمن أهم صور التربية الصالحة لهم، وسيعود نفعه - بمشيئة الله - عليهم وعلى أسرهم وأمتهم، والقرآن كفيل بذلك إذا ما أعطينا معانيه جُل اهتمامنا، وربطنا بينها وبين الواقع، وجعلنا تشجيعنا لأولادنا مرتبطًا بمدى تعلمهم المعاني الإيمانية من القرآن وتطبيقها على أنفسهم .. والخطوة الأولى في ذلك أن نستحثهم على فهم ما يقرؤونه من القرآن كما يجتهدون في فهم أي شيء آخر يقرؤونه.
ربط أحداث الحياة بالله:
ومع أهمية التركيز على القرآن لبناء اليقين الصحيح عند أبنائنا وتعريفهم بربهم وبأنفسهم، علينا أن نربط أحداث الحياة التي تمر بنا بالله .
فنربط النعم بالمنعم - سبحانه - ونعودهم على حمد الله بعد كل نعمة، وسجود الشكر الفوري بعدها.
وأن نمحو من قاموسهم كلمات: أنا، لي، عندي (مجردة) بل نقرنها بالله وفضله.
مثل: بفضل الله لي كذا .. بكرم لله عندي كذا .. بتوفيق الله استطعت أن أفعل كذا ...
стр. 170
ونعلمهم كذلك كيف يستخرجون نعم الله عليهم من خلال قراءتهم للقرآن كيف يتعرفون عليها من مجريات الحياة وأحداثها اليومية.
ضعف الإنسان وعجزه ومدى احتياجه إلى الله :
فنثبت لهم هذه الحقيقة من خلال مواقف الحياة التي يتعرضون لها، وأننا جيمعًا بالله لا بأنفسنا، ولا نستطيع أن نستغني عنه سبحانه ولو لطرفة عين.
الدنيا دار امتحان والملك لله:
فنعلمهم بأن الغنى ليس كرامة، والفقر ليس إهانة، بل كلاهما مواد امتحان، نمتحن فيهما وعلينا بالشكر مع العطاء، والصبر مع المنع، ليترسخ لديهم بأن الغني ليس أفضل من الفقير بغناه، ولا الفقير أقل شأنًا من الغني بفقره، فالكل في امتحان، وعلينا كذلك تكرار حقيقة أن الملك كله لله، فلا يوجد لأحد على ظهر الأرض ملك ذاتي ولو مثقال ذرة.
التواضع:
فنمارس معهم صور التواضع، ونحببهم في الجلوس مع المساكين والأكل معهم ... ونعودهم على قبول الحق من أي إنسان، وخفض الجناح للمؤمنين، والقيام على خدمة الناس ...
ربط المدح بتوفيق الله:
للتشجيع دور كبير في بناء الشخصية القوية كما سيأتي بيانه، ومع ذلك فعلينا أن نربط عبارات التشجيع بتوفيق الله وفضله، ولا نسرف في مدحهم حتى لا نشعرهم بالاستعلاء على غيرهم، وعند وجود مواهب خاصة لدى بعضهم علينا أن نعوده على المبالغة في الشكر والتواضع لله ، وعدم الاستطالة بهذه المواهب على أصدقائه ...
стр. 171
ومع هذا كله علينا أن نقدم لهم شخصية الرسول ﷺ كقدوة ونموذج تمثلت فيه هذه المعاني مما يزيدهم حبًا له.
فلو أخذت منا هذه الجوانب الإيمانية التربوية الاهتمام الكافي، فسنكون - بفضل الله - قد قدمنا لأبنائنا أفضل هدية وأجل تربية، ولم لا ونحن بذلك نربيهم على العبودية لله ، والتعلق به سبحانه، والإخلاص له وحده.
стр. 172
ثالثًا: التربية مع الآخرين
من طبيعة الإنسان أن فيه إقبالًا وإدبارًا، وهمة وفتورًا، ففي وقت نشاطه وهمته تجده يريد إنجاز كل شيء في أقصر وقت، وفى وقت فتوره وإدباره تراه متثاقلًا عن القيام بالكثير من الأعمال التي كان يقوم بها قبل ذلك بسهولة ويسر.
من هنا تشتد الحاجة إلى وسيلة تنهض بالهمم، وتعين الواحد منا دومًا على الاستمرار في القيام بالوسائل السابقة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن النسيان من طبع الإنسان، ولكم سمعنا وقرأنا من نصائح وتوجيهات، كان لها أبلغ الأثر في نفوسنا، وعزمنا وقتها على القيام بمقتضياتها من أعمال، وبمرور الوقت ضعفت الهمة، ونسى التوجيه ..
فما العمل لتلافي هذه العقبات ونحن نسير في طريق إزالة أصنامنا؟!
الحل العملي هو حسن تطبيق قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
الآية المباركة تدلنا على أهمية حبس النفس في طاعة الله من خلال الوجود في بيئة طيبة، وصحبة صالح يتم فيها التعاهد ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾.
لابد إذن لكل من يريد الاستمرار في جهاد نفسه أن يتواجد في محضن تربوي وصحبة صالحة، يتربى فيهما على المعاني السابقة وغيرها.
التربية هي عمل الرسل واتباعهم:
إن قضية تغيير ما بالنفس ووضعها في قالبها الصحيح لمن أهم الأمور التي ينبغي أن يبذل فيها الجهد، وهي لن تتم بالمحاضرات والكتب فقط، ولكن بدوام
стр. 173
التوجيه والتعاهد والتربية، لذلك نجد أن من مهام الرسل تزكية نفوس أتباعهم ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
وهذا ما فعله رسولنا الحبيب ﷺ ، فلم يكن يكتفي بتعليم أصحابه بل بتربيتهم وتعاهدهم كذلك ... انظر إليه ﷺ وكيف كان غضبه من أبي ذر عندما عير بلالًا بسواده، وتأمل كيف كان قدوة لأصحابه في التواضع .. فقد سئلت السيدة عائشة ﵂: ما كان رسول ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ونحو هذا (١).
وفى غزوة أحد أنه ﷺ رأى أبة دجانة يتبختر بين الصفين. فقال: " إنها مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن" (٢).
مواقف تربوية:
وجاء من بعده ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شربوا مشربه، وتعلموا طريقته، فقد عاشوا في ذلك الجو التربوي الفريد، واستنشقوا هواءه، فكان كل واحد منهم يحرص على أخيه ويفعل ما فيه فلاحه، انظر إلى عمر بن الخطاب ومدى خوفه الشديد على خالد بن الوليد وفتوحاته المستمرة وافتتان الناس به، فكان قرار عزله من إمارة الجيش حرصًا عليه.
واستأذنه تميم الداري أن يقص على الناس فأبى، وقال: إنه الذبح.
ولقد أتى أبو أمامة على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو ربه، فقال له: أنت أنت لو كان هذا في بيتك (٣).
وهذا ابن المبارك يسأله بعض إخوانه ذات ليلة وكانوا على ثغر من ثغور القتال
стр. 174
يتذاكرون في مسائل العلم: أترى يا ابا عبد الرحمن أن في أعمال البر ما هو أرضى لله تعالى مما نحن فيه؟ قال: نعم .. رجل يسعى على عياله، قام من جوف الليل، يتفقد حال صبيته، ويطمئن إلى راحتهم وأغطيتهم.
يقول البوطي تعليقًا على الخبر: ولا يخامرني شك في أن ابن المبارك إنما قال هذا كي لا تزهو بالسائل نفسه بما هو فيه من الرباط على الثغر مع العكوف على العلم، فيرى أنه قد أتى بذلك ما لم يعطه أحد غيره (١).
فلابد إذن لمن ينشد الصلاح لنفسه أن يحيطها بجو تربوي من خلال صحبة صالحة من النصحاء الذين يوجهونه وينصحونه ويتعاهدونه.
دور المحاضن التربوية في العلاج:
مما سبق يتبين لنا أهمية الجو والمحضن التربوي للفرد ليتم فيه تربيته وتكوينه تكوينًا متكاملًا.
فيتربى من خلالها على التواضع، واستصغار النفس، واستقلال ما يقدمه من أعمال.
وفيها يتعلم كيف يغلق الأبواب أمام إلحاح نفسه عليه كي يحمدها أو يستعظمها.
ومن خلالها يتعلم كيفية الانتفاع بالقرآن، واستخدامه كعلاج لتضخم الذات.
وفى فترة التكوين يكون الاهتمام الشديد بالتربية الإيمانية مع التزكية جنبًا إلى جنب، وهذا يستلزم الهدوء وإعطاء هذه الفترة الفرصة الكافية ليكون النتاج صالحًا ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فلا تصدر أو تقدم للأمام قبل الأوان، كما قال الشافعى: إذا تصدر الفتى فاته علم كثير.
стр. 175
وجود الأكفاء وتوظيف الإمكانات:
وفى المحاضن التربوية يجد المرء حوله من هم أحسن منه كفاءة وعلمًا، فلا يرى نفسه صاحب الموهبة الفذة، وأنه لم تلد النساء مثله.
وفيها يكون الزاد الإيماني الذي يولد الرغبة و يستثير الهمة للقيام بتنفيذ وسائل التزكية، واستصغار النفس.
ومن خلالها يضبط الفهم الصحيح، فيعطي كل ذي حق حقه، ويتعلم كيف يرتب ألوياته، فلا يكفي للعاقل أن يعلم الخير من الشر، بل لابد أن يتعلم خير الخيرين وشر الشريرين (١).
وفى المحاضن التربوية: يتم توظيف الإمكانات لخدمة الدين مع مراعاة عدم التسبب في تضخيم أحد عند نفسه، وذلك من خلال عدم تعريض الأشخاص للأضواء قبل أن يتم تكوينهم تكوينًا متكاملًا يركز على الإيمان العميق الذي يُحيي القلوب، وكذلك تزكية النفوس وتربيتها على لزوم الصدق والإخلاص ورؤية فضل الله في كل خير نفعله.
ومن خلالها تتبدل المواقع كل فترة ليتعود الفرد على العطاء دون نظر لمنصب أو مكانة كما قال ﷺ : " طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة ... " (٢).
فلنبحث عن تلك الصحبة الصالحة والمحاضن التربوية لتكون نعم العون على إخلاص العمل لله .
стр. 176
الفصل الثامن
شبهات يجب أن تزال
* الثقة بالنفس.
* التشجيع والتقدير.
* العزلة.
* قول يوسف ﵇.
стр. 177
شبهات يجب أن تزال
هناك بعض الأمور التي تلتبس علينا فنشعر بالتناقض بينها وبين مفهوم استصغار النفس وإزالة صور الكبر وتضخم الذات.
ومن أهمها:
١ - مفهوم الثقة بالنفس، وتعارضه مع ضرورة استصغارها .
٢ - عبارات التشجيع والتقدير وتعارضها مع خطورة المدح.
٣ - القيام على خدمة الناس والعمل للإسلام وتأثيره السلبي على النفس.
٤ - كراهية تزكية النفس وتعارضها مع ما فعله يوسف ﵇.
١ - مفهوم الثقة بالنفس، وتعارضه مع ضرورة استصغارها:
مما ينبغي أن يعتقده المسلم أنه لا يوجد ملك حقيقي لأحد في هذا الكون إلا لله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].
فكل شيء تراه ملك له سبحانه، ولا يملك من سواه أي شيء ولو حتى مثقال ذرة ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
ولقد أعطى الله لكل عبد من عباده بعض الإمكانات ليستخدمها في مشوار حياته الدنيوية، ينتفع بها، ويمتحن فيها .. فأعطى البعض صحة، ذكاء، قوة في العضلات وهكذا, وأعطى الآخر مالًا، أولادًا، سرعة الحفظ والاستيعاب.
هذه الإمكانات والأسباب لا توجد لها قدرة ذاتية تكفل لها قيام بالعمل الذي يريده منها صاحبها.
بمعنى أن الماء سبب للإرواء، ولكنه لا يستطيع ذلك إلا إذا أمده الله بالقدرة على ذلك، والدواء لا يسبب الشفاء إلا إذا أتته الفاعلية من الله .
стр. 178
والساق وما تحتويه من عضلات وأعصاب وعظام لا تستطيع حمل الجسم والسير به بدون المدد الإلهي الآني.
وماء زمزم فيه إمكانية الشفاء .. هذه الإمكانية تحتاج إلى تفعيل من الله لتتم .. وهكذا في كل ما معنا من إمكانات وأسباب .. لا قيمة لها بدون المدد الإلهي. فالنار التي هي سبب للإحراق هي النار التي سلبت تلك الخاصية عندما ألقى فيها إبراهيم ﵇، بل إنها مدت بفاعلية أخرى عكس فاعليتها الطبيعية المألوفة ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
المفهوم الصحيح للثقة بالنفس:
فإن كان المقصد من مفهوم الثقة بالنفس هو الثقة بوجود الإمكانات والأسباب التي حبانا الله إياها فهي ثقة محمودة، وينبغي أن يتربى عليها الفرد ليصبح قوي الشخصية، أما عدم تعرفه على ما معه من إمكانات ومن ثم عدم ثقته في وجودها، فإن ذلك من شأنه أن ينشأ فردًا مهزوز الشخصية لا يقدر على اتخاذ قرار ..
ومثال ذلك لو أن شابًا من الشباب أراد الخروج في نزهة مع أصدقائه، فجهزت له أمه حقيبة فيها طعام وشراب وأدوية .. وكل ما يحتاجه في نزهته .. هذا الشاب أخذ الحقيبة ولم يحاول التعرف على ما فيها، وعندما اقترب موعد الغداء شعر بالاضطراب، فكل أصدقائه أخرجوا ما معهم من طعام وهو يظن أنه ليس معه طعام، وزاد حرجه وضيقه عندما بدأوا في الأكل والجميع يريد إعطاءه مما معهم .. هذه الحالة التي وصل إليها ما كانت لتحدث لو أنه تعرف على ما في حقيبته، وفى نفس الوقت فقد يأتيه أحد أصدقائه بعد أن يرى عليه أمارات الحياء والحرج ويطلب منه أن يفتش في حقيبته لعله يجد شيئًا .. وبالفعل يجد الطعام لتزول علامات الاضطراب والضيق وتستبدل بالفرح والسرور.
إذن فكل ما عمله صديقه هو مساعدته في التعرف على ما معه من طعام.
فالثقة المحمودة بالنفس هي الثقة بما معنا من إمكانات حبانا الله إياها، فشخص
стр. 179
حباه الله ذكاء لكنه يشك في وجوده لديه .. هذا الشخص بلا شك لن يحاول استخدام هذا الذكاء.
وآخر أعطاه الله قوة في العضلات، أو قدرة على التحمل، أو موهبة من المواهب .. هذه الأشياء لن يستخدمها صاحبها إلا إذا أيقن بوجودها، وهذا يحتاج إلى من يبني له ثقته بنفسه، أي ثقته بما حباه الله.
ماذا فعل ذو القرنين:
فالثقة بالإمكانات التي حبانا الله إياها محمودة ومطلوبة لبناء الشخصية القوية، التي تحسن استخدام ما معها، كما فعل ذو القرنين عندما طلب منه قوم من الأقوام القيام ببناء سد يفصل بينهم وبين يأجوج ومأجوج ووعدوه بأجر كبير نظير ذلك .. لم يقم ذو القرنين ببناء السد بمفرده، بل استثار عزائمهم وأرشدهم إلى ما معهم من إمكانات، فكانوا نعم العون في بناء هذا السد ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٤، ٩٦].
ومع هذه الثقة بما معنا من إمكانات علينا أن نربط فاعليتها بالله ، فالذكاء مرهون بالمدد الإلهي المستمر، والذاكرة القوية كذلك ..
فالله هو الذي ينطقنا من خلال اللسان، والأحبال الصوتيه، ولو شاء ما أنطقنا مع وجود هذه الأسباب، والله هو الشافي والدواء وسيلة لذلك .. ولا قيمة لهذا الدواء بدون الله وهكذا ..
الغرور:
أما الثقة المذمومة بالنفس فهي الثقة بما عند الفرد من إمكانات ونسبة فاعليتها
стр. 180
لنفسه لا إلى الله .. فهو يرى نفسه أنه قوي بعضلاته يستطيع مصارعة أي فرد في أي وقت، أو أنه ذكي يستطيع حل أي مسألة رياضية في أقل وقت .. أو أنه مفاوض ماهر يستطيع الحصول على أحسن العروض ولا ينسب ذلك لله، ويعتمد على قدرته الذاتية على تفعيل إمكاناته متى شاء .. وهذا هو الغرور.
فالغرور لغة هو الخداع، والشخص المغرور هو الذي ينخدع بما معه من إمكانات وينسبها لنفسه ولا ينسبها لله تمامًا كما فعل صاحب الجنتين ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥، ٣٦].
وعندما رآه صاحبه وقد تلبس به الغرور قال له ناصحًا: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٧، ٣٩].
إنه بهذه العبارات ذكره بأصله وحقيقته، فابن التراب ماذا يملك؟! ومن أين جاء بالمال؟! فهذه الجنات ملك لله، وهو الذي حباه إياها ولو شاء لمنعها عنه ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٠، ٤٢].
إذن فالثقة بالنفس بمفهومها الصحيح مطلوبة ولا تتنافى مع ضرورة استصغار النفس بالمفهوم الذي تم بيانه في صفحات هذا الكتاب، بل إنها تتوافق وتتناغم معه.
٢ - عبارات التشجيع وتعارضها مع خطورة المدح:
من وسائل بناء الثقة بالنفس عند أي إنسان - وبخاصة الأطفال - استخدام عبارات التشجيع والثناء والمكافآت عند النجاح في القيام بالأعمال، وهو ما يسميه علماء التربية: التعزيز الإيجابي ..