هذا الشرك الخفي هو أن يرى الإنسان من ذاته شيئًا هو مبعث القوة إن سار وتحرك، ومبعث الدراية والفهم إن علم وتعلم، أو مبعث الملك والغنى إن شبع وتنعم، أو مبعث الغلبة والقهر إن قدر وتحكم.
فهذه كلها أوهام تناقض الحقيقة التي ركب منها الإنسان، ومِن ثَمّ فهي تناقض التوحيد، وتناقض حال من يزعم أنه موحد من حملة هذه الأوهام (١).
يحبط العمل ويفسده:
يقول النووي: اعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العُجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك من استكبر حبط عمله (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فإن قلت: ولماذا يحبط العُجب العمل الصالح؟!
كان الجواب: لأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، واستعين به سبحانه على أدائه، والمُعجب يستعين بنفسه أكثر مما يستعين بالله، لذلك قال ابن تيمية: المُعجب بنفسه لا يحقق إياك نستعين، كما أن المرائي لا يحقق إياك نعبد.
فالعُجب يحبط العمل الصالح الذي قارنه لأنه ينافي الإخلاص لله
كان المسيح ﵇ يقول: يا معشر الحواريين كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العُجب (٣).
فيا بؤس المُعجب بنفسه، وهو يرى عمله الذي بذل فيه جهده قد أُحبط .. قال النبي ﷺ : " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: إنها خطيئة فليستقبل العمل" (٤).
стр. 37
ويطلق يحيى بن معاذ تحذيرًا شديدًا فيقول: إياكم والعُجب، فإن العُجب مهلكة لأهله، وإن العُجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب .. فالذي يبيت نائمًا ويصبح نادمًا، خير ممن يبيت قائمًا ويصبح مُعجبا.
قيل لابن المبارك: ما الذنب الذي لا يغفر؟ قال: العُجب.
وكان الصالحون يرون: أنه يموت مذنبًا نادمًا أحب إليهم من أن يموت مُعجبا.
جاء في الحديث: " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنبًا ولآخر مجتهدًا في العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول أقصر. فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت على رقيبًا؟! فقال: والله لا يغفر الله لك، أو: لا يدخلك الله الجنة، فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا، أو كنت على ما في يدي قادرًا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار " (١).
يؤدي إلى غضب الله ومقته:
قال ﷺ : " من تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقى الله وهو عليه غضبان" (٢).
وقال ﵊: " النادم ينتظر الرحمة، والمُعجب ينتظر المقت" (٣).
فإن قلت: لماذا يتعرض المُعجب بنفسه لمقت الله؟!
يتعرض لذلك لأنه جاحد لفضل ربه العظيم عليه ..
стр. 38
تخيل أنك تساعد شخصًا على قضاء حاجة له، فإذا به يذهب بعد قضائها إلى آخر ليحمده .. ماذا ستكون مشاعرك نحوه؟! وماذا لو تكرر ذلك مرات ومرات؟!
إنه لمن الطبيعي أن يفرح العبد بفضل ربه، على كل نعمة يسديها إليه، وعمل صالح يوفقه إلى فعله.
فإن لم يفعل ذلك وجحد نعم ربه عليه، بل فرح بنفسه وحمدها على ما لم تفعله، فماذا سيكون وضعه عند ربه؟! .. إنه المقت والعياذ بالله.
لذلك قال ابن الحاج في المدخل: من كان في نفسه شيء فهو عند الله لا شيء (١).
وقال كعب لرجل رآه يتتبع الأحاديث:
اتق الله وارض بالدون من المجالس، ولا تؤذ أحدًا، فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العُجب ما زادك الله به إلا سفالًا ونقصًا.
وقيل للسيدة عائشة ﵂: متى يكون الرجل مسيئًا؟ قالت: إذا ظن أنه محسن (٢).
يؤدي إلى الخذلان وحرمان التوفيق والتعرض للفتن:
انظر إلى ما حدث للمسلمين في غزوة حنين عندما اتكلوا على قوتهم وأعجبوا بها حيث كان الجيش الإسلامي كبيرًا لدرجة أن العُجب قد دخل إلى بعض النفوس، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
يقول المباركفوري: وبينما ينحدرون في وادي حُنين، و هم لا يدرون بوجود كمائن العدو في مضايق هذا الوادي، إذا بكتائب العدو قد شدت عليهم شدة
стр. 39
رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوى أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب وهو حديث عهد بالإسلام: لاتنتهي هزيمتهم دون البحر، أي البحر الأحمر. وانحاز رسول الله ﷺ جهة اليمين وهو يقول: " هلموا إليّ أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله " ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وبعض أهل بيته (١).
ولقد بعث أبو بكر لخالد بن الوليد ﵄ رسالة بعد انتصاراته في العراق: فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتم يتم الله لك. ولا يدخلنك عُجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المَنّ وهو ولي الجزاء (٢).
وقال الحسن: ليس بين العبد وبين ألا يكون فيه خير إلا أن يرى أن فيه خيرًا.
يؤدي إلى اتباع الهوى ونسيان الذنوب:
فالمُعجب ينظر لنفسه بعين الرضا، ولا ينظر إليها بعين الاتهام والحذر، فإذا ما رضي الإنسان عن نفسه انقاد لما تحبه، وتدعو إليه، لذلك يقول ابن عطاء: أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا بالنفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلًا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه. فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟! وأى جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟! (٣).
ومن خطورة العُجب أنه يوقع العبد فيما حذر منه يوسف بن الحسين للجنيد عندما قال له: لا أذاقك الله طعم نفسك فإن ذقتها لا تفلح. وفي رواية: فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرًا أبدًا (٤).
стр. 40
وفي الأثر: قال الله لداود ﵇: ياداود إني قد آليت على نفسي أن لا أثيب عبدًا من عبادي إلا عبدًا قد علمت من طلبه وإرادته وإلقاء كنفه بين يدي أنه لا غنى له عني، وأنه لا يطمئن إلى نفسه بنظرها وفعالها إلا وكلته إليها ... أضِف الأشياء إلي؛ فإني أنا مننت بها عليك (١).
قد يؤدي إلى سوء الخاتمة والتعرض للحساب الدقيق يوم القيامة:
قال ﷺ : " لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر" (٢).
قال عمر: من قال إنه عالم فهو جاهل، ومن قال إنه في الجنة فهو في النار.
وقال قتادة: من أعطى مالًا، أو جمالًا، أو علمًا، أو ثيابًا ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالًا يوم القيامة (٣).
وفي الأثر: أوحى الله إلى داود: يا داود، أنذر عبادي الصديقين، فلا يعجبن بأنفسهم ولا يتكلن على أعمالهم. فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب، وأقيم عليه عدلي إلا عذبته من غير أن أظلمه.
وبشر عبادي الخطائين: أنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره، وأتجاوزه (٤).
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣].
يؤدي إلى نفور الناس من صاحبه:
فالناس لا تحب من يُشعرها بنقصها، ويحدثها من علٍ. والناس لا تحب من يُكثر الافتخار بنفسه والمباهاة بإنجازاته ..
стр. 41
لذلك قد ترى المُعجب بنفسه كثير المعارف لكنه قليل الأصحاب والأصدقاء.
يقول مصطفي السباعي: نصف الذكاء مع التواضع أحب إلى قلوب الناس وأنفع للمجتمع من ذكاء مع الغرور (١).
يؤدي إلى الكبر وعدم القدرة على قبول الحق ومن ثم الخسران المبين:
إعجاب المرء بنفسه ورؤيتها بعين التعظيم يؤدي إلى رؤية الآخرين بعين النقص، وشيئًا فشيئًا ينمو هذا التصور داخله حتى يصير به متكبرًا، ويكتب في الجبارين كما قال ﷺ : " لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم " (٢).
فالكبر إذن ثمرة طبيعية من ثمرات العُجب، أما خطورته فتفوقه بكثير، يقول ﷺ : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " (٣).
ويتحدث أبو حامد الغزالي عن خطورة الكبر فيقول: وإنما صار الكبر حجابًا دون الجنة، لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلقان تلك الأبواب كلها. لأنه لا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس واغتيابهم وفيه العز .. فما من خلق ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ عزه وما من خلق محمود لا وهو عاجز عنه خوفًا من أن يفوته عزه (٤).
وفي النهاية: يلخص الدبوسي في كتابه " الأمد الأقصى " خطورة العُجب وما يسببه من هلاك وخذلان فيقول:
стр. 42
دمار العُجب يشمل الدارين، فكان عملًا بلا جدوى، وما هو إلا عمل الحمقى. ولا نرى مُعجبا إلا ممقوتًا بين الناس، فكيف حاله مع ربه وهو مشرك بعجبه (١).
قال ﷺ : " لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك: العُجب " (٢).
وقال ضرار بن مرة يقول إبليس: إذا استمكنت من ابن آدم ثلاث أصبت منه حاجتي: إذا نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه.
وخلاصة القول - ما يقول الماوردي -: إن العُجب سيئة تحبط كل حسنة، ومذمة تهدم كل فضيلة، مع ما يثيره من حنق، ويكسبه من حقد (٣).
стр. 43
الباب الثاني
كيف نزيل أصنامنا ؟
- تمهيد: مدى حاجتنا لإزالة أصنامنا.
- وسائل مقترحة.
- الفصل الأول: طلب العلاج من الله .
- الفصل الثاني: معرفة الله وردوها في علاج العُجب.
- الفصل الثالث: معرفة حقيقة الإنسان وطبيعة النفس.
- الفصل الرابع: تكلف التواضع.
- الفصل الخامس: غلق الأبواب أمام النفس.
- الفصل السادس: العلاج بالقرآن.
- الفصل السابع: التعاهد والتربية ودورهما في علاج العُجب.
- الفصل الثامن: شبهات يجب أن تُزال.
стр. 44
تمهيد
مدى حاجتنا لإزالة أصنامنا
مما سبق بيانه في الصفحات السابقة يتضح لنا أنه من غير المستبعد أن يكون هناك تضخم في أنفسنا ولو في جزء يسير منها، وهذا يستدعي العمل على سرعة إزالته، فوجوده يعرضنا لمخاطر عظيمة ومهلكة، ولا خيار أمامنا إلا البدء الفوري في تناول الدواء الذي يعيد أنفسنا إلى حجمها الطبيعي، إذا ما أردنا أن نقترب من دائرة الإخلاص لله ، ومن ثم نيل توفيقه ومعيته في الدنيا ورضاه وجنته في الآخرة.
من قوانين النصر:
ومن دواعي حاجتنا كذلك لإزالة أصنامنا: تلقي نصر الله الذي طال انتظاره فقد أخبرنا أن النصر من عنده وحده ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠].
وحدد شروطًا وأسبابًا من شأنها إذا ما اكتملت أن تستدعى نصره، ومن أهم هذه الشروط تغيير ما بأنفسنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
ومنها: نصرته على أنفسنا ﴿إن تنصروا ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد: ٧].
ومنها كذلك: عدم الشرك بالله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
стр. 45
من هنا يتضح لنا أن حاجتنا لإزالة صورة من صور الكبر وتضخم الذات، حاجة ماسة وضرورية، وينبغي أن تكون لها الأولوية في اهتماماتنا.
ما المقصود بإزالة أصنامنا ؟
المقصود بإزالة الأصنام داخلنا: أن تكون أنفسنا في أعيننا صغيرة مهما كان وضعنا بين الناس.
وأن نستصغر ما نقدمه من أعمال مهما كان حجمها، بل نعمل العمل الصالح ونستغفر بعده. وأن نكون على حذر من أنفسنا، ونيأس من أن يأتينا فلاح من قبلها.
وإن يعظم قدر الله عندنا، وأن نربط كل نعمة وتوفيق به سبحانه، ولا ننسب أي فضل لأنفسنا.
ألا نظن أن عندنا شيئًا نفضل الناس به، بل نراهم جميعًا أفضل منا.
أن نعمل العمل الصالح ولا نعجب به .. أن نحدث الآخرين وندعوهم فلا تنتفخ أنفسنا وتشمخ ... فكيف نصل إلى ذلك كله؟!
وسائل مقترحة:
أما الوسائل التي من شأنها أن تحقق هذه الأهداف فقد دلنا عليها الله في كتابه، وبينها رسوله الكريم ﷺ في سنته، ومارسها العلماء والمربون في صدر هذه الأمة، وهي كثيرة يأتي على رأسها:
١ - طلب العلاج من الله .
٢ - معرفة الله .
٣ - معرفة حقيقة الإنسان وطبيعة النفس.
٤ - تكلف التواضع.
стр. 46
٥ - غلق الأبواب أمام النفس.
٦ - العلاج بالقرآن.
٧ - التعاهد والتربية.
٨ - شبهات يجب أن تزال.
стр. 47
الفصل الأول
طلب العلاج من الله
* صعوبة علاج العُجب.
* الإمداد بحسب الاستعداد.
* الدواء المر النافع.
* الحرمان من القيامة بالطاعة.
* حسن الفهم عن الله.
* التعرف على الأكفاء.
* الشعور بعدم التميز عند الله.
* إخمال الذكر.
* استصغار العمل ونسيانه.
* تأخر الإمداد.
* مواقف عملية للتربية الربانية.
* مع الأنبياء ﵈.
стр. 48
طلب العلاج من الله
صعوبة علاج العُجب:
بادئ ذي بدء علينا أن نعلم أن مرض الإعجاب بالنفس، وتضخم الذات من الأمراض التي يصعب علاجها، فنفس كل منا محبوبة لديه، وما تدعو إليه محبوب كذلك، وكما قال يوسف بن الحسين للجنيد: لا أذاقك الله طعم نفسك، فإن ذقتها لا تفلح.
وقال ابن عقيل: متى تخربق الإنسان به، قل أن يخرج من رأسه (١) - يعني العُجب.
ويؤكد الدبوسي على ذلك فيقول: والنجاة من العُجب عزيزة، فالنفس مدعية للملك والإمرة والإحسان والقدرة (٢).
ومع هذا كله فلا كبير على الله ، وما أنزل سبحانه من داء إلا وأنزل معه دواءه.
المهم أن نُدرك خطورة هذا الداء، ونعترف بتلبسنا به - ولو بقدر يسير - ونستشعر حاجتنا الماسة للتخلص منه. قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
فالله هو الشافي لكل ما يمكن تصوره من أمراض، هذا الشفاء قريب ممن يحرص عليه ويطلبه، كما في الحديث القدسي: " يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم " (٣).
стр. 49
قال أبو الدرداء: لما أهبط الله آدم إلى الأرض، قال: يا آدم أحبني، وحببني إلى خلقي، ولا تستطيع ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه (١).
فإن كان الأمر كذلك، فإن أول وأهم وسيلة للتخلص من هذا الداء: طلب العلاج من الله ، وسؤاله أن يتولى أمرنا، ويشفينا مما أصابنا، ويمحو - بقدرته - أي أثر لتضخم الذات، وأن يجعل أنفسنا في أعيننا صغيرة.
الإمداد بحسب الاستعداد:
علينا أن نشتكي إليه - سبحانه - من حالنا، وضعفنا، وخوفنا من أنفسنا، ونلح في ذلك مرات ومرات، ونتقصد أوقات الإجابة، وندعوه بتذلل وانكسار وخشوع.
ولنعلم جميعًا أن الإمداد بحسب الاستعداد، فعلى قدر حجم إنائك الذي تتقدم به، سيكون المدد والعطاء من الله ، فهو سبحانه كريم لا يرد سائلًا عن بابه، ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا ونبخل عليها بعد سؤاله.
عطايانا سحائب مرسلات ... ولكن ما وجدنا السائلين
وكل طريقنا نور ونور ... ولكن ما رأينا السالكينا (٢)
فعلى قدر صدقنا وإلحاحنا في طلب العلاج من الله ستكون الاستجابة منه ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٣، ٨٤].
стр. 50
الدواء المُر النافع:
من أهم صور العلاج الرباني لتخليص العبد من داء الإعجاب بالنفس ورؤيتها بعين التعظيم: أن يُخلِّي بينه وبين الذنب، فيتركه دون عصمة منه ... يتركه لضعفه ونفسه الأمارة بالسوء، فيقع في الذنب فتهتز ثقته بنفسه ويعرف حقيقته.
قال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب خير للمؤمن من العُجب ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب.
ويشرح ابن القيم هذا المعنى فيقول: إن العبد يفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلت، وفعلت، فيورثه ذلك من العُجب، والكبر، والفخر، والاستطالة، ما يكون سبب هلاكه (١).
فإذا أراد الله العبد خيرًا ألقاه في ذنب يكسره به، ويعرفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج منه داء العُجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده .. فيكون هذا الذنب أنفع من طاعات كثيرة ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال (٢).
من هنا يتضح لنا قول ابن عطاء: رب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عجبًا واستكبارًا.
ولقد سئل سعيد بن جبير: من أعبد الناس؟ قال: " رجل اجترح من الذنوب وكلما ذكر ذنبه احتقر نفسه" (٣).
стр. 51
وقال بعض السلف: أنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين، لأن زجل المسبحين ربما شابه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار والافتقار (١).
من هنا يتضح لنا أن من صور تربية الله للعبد: أن يتركه، ولا يعصمه من الوقوع في الذنب، فينكس رأسه، و يهتز صنمه، وهذا أحب إلى الله من فعل كثير من الطاعات، فإن دوام الطاعات وترك المنكرات قد توجب لصحبها العُجب، قال الحسن: لو أن ابن آدم كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، أوشك أن يُجَن من العُجب.
قال بعضهم: ذنب أفتقر به إليه أحب إلى من طاعة أدل بها عليه.
فالمقصود من زلل المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه، ومن اعوجاجه تقويمه، ومن تأخره تقديمه (٢).
انتبه:
هذا العلاج الرباني ليس معناه أن يستمرئ العبد الذنب، ويفرح به ولا يجد غضاضة في فعله، فالذنب - كما نعلم - له أضراره الخطيرة على فاعلة من حرمان للتوفيق والرزق، ومن ضيق في الصدر، وتعسير في الأمور ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
من هنا يتضح لنا أن هذا الدواء المر لا ينبغي للعبد أن يسعى إليه طمعًا في ثماره، فالله أعلم بعباده، وأدرى بمن يصلحه هذا الدواء من غيره.
الحرمان من القيام بالطاعة:
ومن صور التربية الفريدة: أن يمنع عن العبد بابًا من أبواب الطاعة، صيانة وحفظًا له من تسلط نفسه وإلحاحها عليه ليحمدها ويرضي عنها.
стр. 52
أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن أنس ﵁ مرفوعًا: يقول الله : إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح حاله إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأكفه عنه كيلا يدخله العُجب إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير".
سأل رجل سفيان الثوري وقال له: ما لي أطلب الشيء من الله تعالى فيمنعني؟! قال: منع الله إياك عطاء، لأنه لم يمنعك من بخل ولا عدم ولا افتقار ولا احتياج، وإنما يمنعك رحمة بك.
فإن كان الأمر كذلك .. فأيهما أفضل للعبد: أن يقيم الليل مثلًا ويصبح مُعجبا، مفتخرًا بعبادته، أم ينام ويصبح نادمًا على تقصيره؟!
يجيب عن هذا السؤال ابن القيم فيقول: وإنك إن تبيت نائمًا وتصبح نادمًا، خير من أن تبيت قائمًا وتصبح مُعجبا، فإن المُعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل. وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين (١).
وفي هذا المعنى يقول مورق العجلي: خير من العُجب بالطاعة ألا تأتي بالطاعة (٢).
حسن الفهم عن الله:
ومن صور التربية الربانية: حسن الفهم عن الله فيما يرسله لعبده من آيات ورسائل.
قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
стр. 53
فالعبد يتعرض في يومه لأحداث كثيرة، ويتقلب بين المنع والعطاء .. وما من حدث يحدث له إلا ووراءه حكمة إلهية محورها تعريفه بربه، وتعريفة بنفسه .. ومن خلال التحليل الصحيح لهذه الأحداث يصل العبد لحقيقة علاقته بربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، فيردد من قبله ذكر: لا حولا ولا قوة إلا بالله (١).
يقول ابن عطاء: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك. متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء.
ويقول أيضًا: ربما أعطاك فأشهدك بره، وربما منعك فأشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك، ومقبل بجميل فضله عليك.
التعرف على الأكفاء:
ومن صور التربية الربانية: أن يضع في طريق العبد من يشعره بنقصه وضآلة حجمه، وأن هناك من هم أعلم وأكفأ منه، ولنا في قصة موسى ﵇ والخضر أبلغ مثال على ذلك.
ويؤكد على هذا المعنى الماوردي بتجربة مر بها فيقول ﵀.
ومما أنذر به من حالي، أنني صنعت في البيوع كتابًا، جمعت به ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، ثم حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألا عن بيع عقداه في البادية، على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لواحدة منهن جوابًا، فأطرقت مفكرًا، وبحالي وحالهما معتبرًا. فقالا: ما عندك فيما سألناك من جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا واهًا لك، وانصرفا، ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي، فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه، فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبرًا. وإني لعلى ما كنت
стр. 54
عليه في تلك المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجر نصيحة، ونذير عظة، تزلل بهما قياد النفس، وانخفض لهما جناح العُجب، توفيقًا منحته، ورشدًا أوتيته (١) ..
ومما يلحق بهذا الجانب أن يبين الله لنا عدم توقف الدعوة أو أعمال البر بصورها المختلفة علينا، فيقض الله من يقوم بالعمل وقت غيابنا عنه - لأي سبب من الأسباب - على أحسن وجه وأفضل بكثير من أدائنا له.
الشعور بعدم التميز عند الله:
ومن صور التربية الربانية: أن يشعر الله الواحد منا بعدم تميزه عنده، أو أن له مكانة ليست لغيره.
فالتعرض للابتلاءات والنقص، والوقع في الذنب، وعدم استجابة لادعاء، وحرمان الرزق، وقلة التوفيق يتنافي مع ما يظنه المُعجب بنفسه أنه من أولياء الله الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ...
تأمل معي الرد القرآني على اليهود والنصارى عندما ظنوا أن لهم مكانة خاصة عند الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨].
إخمال الذكر:
ومن صور التربية الربانية للعبد: إخمال ذكره، وإبعاده عن الأضواء، وفتنة الشهرة، وثناء الناس عليه.
قال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد في بعض منته التي من بها عليه: ألم أنعم عليك؟ ألم أعطك، ألم أسترك؟ ألم أخمد ذكرك؟
وفي الحديث القدسي قال تعالى " إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضًا في الناس لا
стр. 55
يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك، ثم نقر بيده ﷺ فقال: عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه " (١).
(فإخفاء ذكر العبد المؤمن - كما يقول ابن رجب - من أعظم نعم الله عليه، فهو يعيش به مع ربه عيشًا طيبًا، ويحجبه عن خلقه حتى لا يفسدوا عليه حاله مع ربه، فهذه هي الغنيمة الباردة، فمن عرف قدرها وشكر عليها فقد تمت عليه النعمة ..
وكان الإمام أحمد يقول: طوبى لمن أخمل الله ذكره.
ولما اشتهر ذكره ﵀ اشتد غمه وحزنه، وكثر لزومه لمنزله، وقل خروجه في الجنائز وغيرها، خشية اجتماع الناس عليه) (٢).
استصغار العمل ونسيانه:
ومن صور التربية الربانية: أن يقلل الله حجم العمل الذي يقوم به العبد في عينه، ويشعره بأنه لم يأت بجديد.
أخرج الإمام أحمد في الزهد أن سليمان بن داود ﵉ خرج بالناس يستسقي، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (٣).
وفيه أيضًا أن داود ﵇ قال: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرًا مني؟ فأوحى الله إليه: نعم الضفدع (٤).
стр. 56
ومما يلحق بهذا اللون من التربية الربانية: نسيان العمل بعد أدائه، فمن دلائل رحمة الله بعبده أنه - سبحانه - ينسيه عمله الصالح بعد قيامه به، من خلال شغل ذهنه بأمور أخرى تملأ عليه فكره، وتنقله بعيدًا عن التفكير في عمله، فلا يجد أمامه مجالًا لاستحسانه والإعجاب به.
تأخر الإمداد:
ومن صور التربية الربانية: تأخر كشف الكرب عن العبد، ولهذا الأمر فوائد عظيمة منها: أنها تكشف للعبد حقيقة ضعفه وفقره الماس إلى الله ، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ومنها كذلك: أنها تسقط كل الدعاوى الزائفة حول الأسباب أو المواهب التي يظن المرء أنها لديه، وأن بإمكانها أن تسعفه في أي وقت.
فالذي يدعو الله بكشف كربه عند اشتداد الريح وهو على ظهر سفينة، يختلف كثيرًا في تضرعه عمن يدعو الله وهو في البحر وقد تعلق بخشبة.
والذي يدعو الله بعد أن تركته تلك الخشبة سيكون - بلا شك - أكثر تضرعًا وانكسارًا منه في الحالتين السابقتين (١).
فمن فوائد البلايا ولطائف أسرارها - كما يقول ابن رجب -:
أنها توجب للعبد الرجوع إلى الله ، والوقوف ببابه، والتضرع والاستكانة له، وذلك من أعظم فوائد البلايا. وقد ذم سبحانه من لا يستكين له عند الشدائد ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].
ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى مخلوق، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده ... فالبلاء يجمع بين القلب وبين الله، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.
стр. 57
فكلما اشتد الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذ قريبًا .. لماذا؟! لأن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهي وجد الإياس من كشفه من جهة المخلوق، ووقع التعلق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلق بالخلائق، وتعلق بالخالق استجاب الله له، وكشف عنه.
ومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه، ولا سيما بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة: رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أوتيتُ من قِبَلِك، ولو كان فيكِ خير لأجبت .. وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر.
فمن تحقق بهذا وشاهده بقلبه، علم أن نعم الله على عبده المؤمن بالبلاء أعظم من نعمه عليه في الرخاء (١).
مواقف عملية للتربية الربانية:
هناك العديد من المواقف العملية لهذه التربية الربانية والتي من شأنها أن تعرف العبد بنفسه وتضعه في حجمه الصحيح، وأنه لا يملك من الأمر شيئًا، وتعرفه كذلك بربه، وبأن مقاليد الأمور كلها في يديه، وأنه لا غنى عنه طرفة عين.
ومن هذه المواقف ما حدث لبعض عباد الله المصطفين مثل ما حدث لرسوله الحبيب ﷺ عندما جاءه من يسأله عن أشياء لا يخبر عنها إلا نبي، وهي خبر أهل الكهف، وذي القرنين، وماهية الروح، فقال رسول الله ﷺ :" أخبركم غدًا عما سألتم عنه " ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمسة عشر ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبرائيل ﵇، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا
стр. 58
بشيء عما سألناه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف (١) وكان فيها التوجيه الرباني: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣،٢٤].
مع الأنبياء ﵈:
وفي قصة موسى ﵇ والخضر تربية ربانية كذلك:
أخرجه البخاري في صحيحه عن أُبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لى عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك .... " الحديث. فكان في صحبة موسى ﵇ للخضر الكثير والكثير من المواقف والدورس التربوية لموسى ﵇.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان ... ".
وخرج داود ﵇ إلى الساحل: فعبد ربه سنة، فلما تمت السنة قال: يا رب، قد انحنى ظهري وكلَّت عيناي، ونفدت الدموع، فلا أدري إلى ماذا يصير أمري، فأوحى الله إلى ضفدع أن أجب داود ﵇ فقال الضفدع: يا نبي الله أتمن على ربك في عبادة سنة؟ والذي بعثك بالحق نبيًا، إني على ظهر بردية منذ ثلاثين - أو ستين - أسبحه وأحمده، وإن فرائصي ترعد من مخافة ربي، فبكى داود ﵇ عند ذلك (٢).
стр. 59
وروى ابن عيينة أن أيوب ﵇ قال: إلهي إنك ابتليتني بهذا البلاء، وما ورد عليّ أمر إلا آثرت هواك على هواي، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت: يا أيوب أنَّى لك هذا؟ (أي من أين لك هذا؟) قال: فأخذ رمادًا ووضعه على رأسه، وقال: منك يا رب، منك يا رب (١).
وخلاصة القول: أن أمر صلاحنا وشفائنا مما تلبس بنا من استعظام لأنفسنا إنما هو بيد الله ، وما علينا إلا أن نصدق معه سبحانه في طلبنا العلاج منه، ونترجم هذا الطلب بكثرة الدعاء والتضرع والإلحاح عليه بأن يدخلنا في رحمته ومعيته، وأن يصلح لنا شأننا كله، وأن يتولانا فيمن تولى، ويهدينا فيمن هدى، ويعافينا فيمن عافى، وأن يؤتي نفوسنا تقواها، وأن يقينا شرها، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
стр. 60
الفصل الثاني
معرفة الله ودورها في علاج العُجب
* أهمية معرفة الله.
* كيف نعرف الله؟.
* وسائل المعرفة.
* التعرف على الله الغني الحميد.
* التعرف على الله القيوم.
* التعرف على الله المنعم.
стр. 61
معرفة الله ودورها في علاج العُجب
أهمية معرفة الله:
لمعرفة الله دور كبير في إخضاع القلب له سبحانه، والتجلبب بجلباب العبودية من ذل وانكسار وخشية وافتقار، وكذلك رؤية النفس على حقيقتها ومدى ضعفها وعجزها وحاجتها إلى مولاها.
وبقدر المعرفة تكون العبودية:
فعلى سبيل المثال عندما يتعرف الواحد منا على شخص ما معرفة عامة، فإن نظرته له ستكون نظرة عادية مثله مثل غيره لا تلفت انتباهه، فإذا اقترب منه وازدادت معلوماته عنه، وعن قدراته، وخبراته وشهاداته، أو المنصب الذي يتولاه فإن هذا من شأنه أن يزيده احترامًا وهيبة وتقديرًا لهذا الشخص، مما ينعكس على طريقة تعامله معه، والتي - بلا شك - ستختلف كثيرًا عما كانت عليه من قبل.
إذن فنحن نحتاج لمعرفة الله لتزداد خشيتنا له، وخوفنا منه، ورجاؤنا فيه، وتوكلنا عليه وغير ذلك من ألوان العبودية.
سأل موسى ﵇ ربه: يا رب أي عبادك أخشى لك؟ قال: أعلمهم بي (١).
كيف نعرف الله ؟
الله أخبرنا بأنه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
وأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وأنه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
стр. 62
فما السبيل إذن إلى معرفته ؟
نعم لا يعرف الله إلا الله كما قال ﷺ : " لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". ومع ذلك فقد أتاح لنا - سبحانه - جزءًا من المعلومات عنه بدرجة تتحملها عقولنا من خلال ما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، والتي أودع مظاهرها وآثارها في مخلوقاته، وبقدر تتبع هذه الآثار وربطها بأسمائه وصفاته تكون المعرفة.
فالقاعدة تقول (من آثارهم تعرفونهم) فعندما يصف الناس شخصًا ما بأنه محسن - مثلًا - فإن هذا الوصف لن يقع موقعه في نفسك إلا إذا رأيت آثار إحسانه .. وكلما تتبعت تلك الآثار وشاهدتها بنفسك يزداد يقينك بصحة وصفه بهذا الوصف.
ولله المثل الأعلى ..
فالله لا نستطيع أن نراه في الدنيا، ولكنه خلق هذا الكون كله وجعله يدل عليه، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وأخبرنا بأن له أسماء وصفات أودع آثارها في كونه ومخلوقاته.
إذن فالطريقة السهلة لمعرفة الله : أن نتعرف على آثار أسمائه وصفاته قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] وعلى قدر التتبع والتفكر في هذه الصفات تزداد المعلومات عن الله ، فينعكس ذلك على القلب بزيادة جوانب العبودية فيه.
وسائل المعرفة:
للتعرف على أسماء الله وصفاته وسيلتان أساسيتان أتاحهما لنا الله وأمرنا بدوام التفكر فيهما، وهما: كتاب الله المقروء (القرآن)، وكتاب الله المنظور (الكون).
стр. 63
أما القرآن فمن أهم سماته أنه كتاب تعريف بالله ، من خلال دلالته على أسماء الله وصفاته، ووصفه لها وعرضه لآثارها في الكون والنفس، ليسهل على العبد نقل فكره إلى الكون ليشاهد بنفسه ما تعلمه من القرآن، فيربط بذلك أحداث الحياة كلها بالله وبأسمائه وصفاته، ويتقلب قلبه في ألوان من العبودية نتيجة تقلب الأحداث به فيستقبل النعمة بالشكر، والمصائب بالصبر، والرضا والقهر بالانكسار والاستسلام، والشدائد بالدعاء والتضرع.
وفى هذا الفصل سيتم إلقاء الضوء - بعون الله وفضله - على أهم جوانب المعرفة التي تفيدنا في إزالة أصنامنا، وهي:
١ - التعرف على الله الغني الحميد.
٢ - التعرف على الله القيوم.
٣ - التعرف على الله المنعم.
стр. 64
١ - التعرف على الله الغني الحميد
من صور الجهل بالله أن يستعظم العبد طاعته، ويظن أن له يدًا على الإسلام بصلاته أو جهاده أو دعوته ...
من هنا تأتي أهمية التعرف على صفة استغناء الله عن عباده والتي من خلالها تترسخ لدينا حقيقة أن الله غني عنا وعن عبادتنا ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم ٨].
فالله لا تنفعه طاعتنا مهما بلغت، ولا تضره معصيتنا مهما عظمت، (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ياعبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيء) (١).
إن صلاحنا وجهادنا وكل مانقدمه من طاعات لا ينفع الله بشيء، وإنما هو لنفعنا ومصلحتنا ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكوبت: ٦].
فإن أحسنا فلأنفسنا، وإن أسأنا فعليها ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨].
وماذا عن حجم طاعتك:
لينظر كل منا إلى حجم الطاعة التي يؤديها .. هل يظل طيلة الليل في صلاة، هل لسانه لا يفتر عن ذكر الله؟ إننا وإن فعلنا ذلك، فلا نسبة لهذه الطاعة مع عبادة المخلوقات الأخرى لله .
стр. 65
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
فكيف إذن نرى أعملنا القليلة بعين التعظيم، والله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
تخيل أنك قد عزمت على التبكير لصلاة الجمعة، وخرجت من منزلك في الثامنة صباحًا - مثلًا - وفي طريقك للمسجد اعتقدت بأنك ستكون أول الداخلين إليه، وظل الشعور بالزهو يتملكك، فإذا بك تدخل المسجد فلا تكاد تجد موضعًا لقدمك .. ماذا سيكون شعورك آنذاك؟! وهل سيستمر زهوك وإعجابك بنفسك أم ستسصغر فعلك؟!
وهذا هو الدور العظيم الذي تحدثه معرفة الله الغني الحميد .. فعندما تكثر من التسبيح، وتظن أنك فعلت شيئًا غير مسبوق يأتيك القرآن ليقول لك: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١].
وعندما يشعر المرء بتعبه من ركيعات يركعها لله، ويخالجها شعور بالرغبة في التخفيف من هذه العبادة يأتيه قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
إن شعور الواحد منا باستغناء الله عن عبادته، وعدم منفعته بها له دور كبير في محو أي خاطرة مَنّ أو إدلال على الله بما يقوم به من أعمال ...
وكذلك فإن التعرف على عبودية الكون لله من شأنها أن تجعلنا نضع رأسنا في التراب حياء من الله، وخجلًا من حجم طاعتنا اليسيرة التي لا تكاد تساوي شيئًا بجوار عبادة أصغر مخلوق له سبحانه.
стр. 66
فلنعمل على التعرف على الله الغني الحميد من خلال القرآن، ومن خلال الكون المحيط ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].
يقول أحد الصالحين: ما أصغى إلى صوت حيوان، ولا حفيف شجر، ولا خرير ماء، ولا ترنم طائر، ولا قعقعة رعد إلا أجدني مرددًا ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].
ويهتف حمدًا جمال الصباح ... وسحر الربيع الشهي العطر
وسحر السماء الشجي الوديع ... وهمس النسيم ولحن المطر
تسبحه نغمات الطيور ... يسبحه الظل تحت الشجر
يسبحه النبع بين المروج ... يسبحه دومًا أريج الزهر
يسبحه النور بين الغصون ... وسحر السماء وضوء القمر (١)
стр. 67
٢ - التعرف على صفة القيومية (١)
الله قائم علينا وعلى جميع شؤننا .. يحفظنا ويرعانا، ويمدنا بأسباب الحياة لحظة بلحظة. قائم على كل شيء في أجسادنا لنستطيع في النهاية أن ننطق، ونسمع، ونرى، ونضحك، ونبكي ... ألم يقل سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].
وقائم كذلك على هدايتنا وعصمتنا من الفجور: فكل صلاة نصليها هي بمدد منه، وكذلك كل ذكر نذكره، وكل صالح نقوله، وكل خير نفعله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
مريض الرعاية المركزة:
قد يخل مريض إلى الرعاية وهو بين الحياة والموت .. فهو لا يستطيع الحركة ولا النطق .. لديه نقص شديد في الدم، وعدم القدرة على التنفس، وضعف في القلب، وفور دخول هذا المريض إلى قسم الرعاية المركزة يتم إمداده بأنابيب وتوصيلات مختلفة، واحدة تضخ له الدم، ثانية للتنفس، وثالثة للقلب، ورابعة للتغذية ... .
وبمرور الوقت تبدأ حالة المريض في التحسن، ويبدأ في استرداد عافيته ... فما السبب في ذلك؟! بلا شك أن ما تم توصيله إليه من إمدادات كان له دور كبير في تحسن حالته، ولو أغلقت محابس تلك الإمدادات لتدهورت صحته مرة أخرى ..
ولله المثل الأعلى .. فحالنا مع الله وحاجتنا إلى إمداداته المتواليه علينا، أشد من حاجة هذا المريض لما تم توصيله إليه من إمدادات .. فهذا المريض دخل إلى
стр. 68
المستشفى وهو يعاني تدهورًا في بعض أجهزة جسمه، أما نحن بدون الله فلا قيمة لأي خلية من خلايانا، ولا عضو من أعضائنا، ولا جهاز من أجهزنا .. فالمدد الإلهي المتواصل لنا يشمل كل ذرة من ذرات أجسامنا، فإن توقف هذا المدد فلن نستطيع أن نستعيده ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
تمديدات الرحمة:
من هنا يتضح لنا أن كل نعمة نحن فيها تعكس وجود مدد مستمر من الله ، يكفل عملها واستمرار وجودها، ولو أغلق باب هذا المدد لانتهى أمر هذه النعمة وتوقف عملها، فلا يوجد لشيء في هذا الكون قوة ذاتية تكفل له الاستمرار في العمل دون مدد من الله .
معنى هذا أن كل خير نحن فيه يتوقف وجوده على استمرار المدد من الله في كل لحظة وطرفة عين، وكل نعمة توجد عند شخص ولا توجد عند آخر تعكس وجود مدد إضافي للرحمة الإلهية عند هذا الشخص.
فإن كنت في شك من هذا، فتأمل معي خطاب الله لخير البشر محمد ﵊، يقول له ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أى بدون هذه الرحمة وهذا المدد من الله لن تلين لأصحابك. وعندما وصف الله الخضر وما عنده من علم قال عنه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
ويذكرنا الله بأن يوسف ﵇ ما كان ليصل إلى ما وصل إليه من تمكين إلا برحمة ومدد من الله ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦].
стр. 69
فلا نجاة لأحد إلا برحمة ومدد من الله ... وبهذا أخبر نوح ﵇ ابنه ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٢، ٤٣].
عبودية صفة القيومية:
مما لاشك فيه أن كثرة التفكر في هذه الصفة من شأنها أن تشعر العبد بعظيم حاجته لربه في كل أموره وأحواله، وعند كل قول أو فعل. وتجعله كذلك ينسب أي خير هو فيه لله ، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين.
ومن ثمار اليقين بهذه الصفة أيضًا: دوام الاستعانة بالله وحسن التوكل عليه في كل ما يريد العبد القيام به ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
وسائل المعرفة:
أهم وسائل التعرف على هذه الصفة هي القرآن والكون.
- فمن خلال قراءتنا للقرآن علينا أن نبحث عن هذه الصفة وآثارها في الكون، كما سيأتى بيانه بمشيئة الله في فصل العلاج بالقرآن.
- أما في الكون: فيمكننا التعرف على آثار هذه الصفة من خلال رؤية الأشياء بعد توقف الإمداد الإلهي عنها وكيف تكون قيمهتا؟! فعلى سبيل المثال: جريان السفن في البحر يتم بقيومية التعهد والرعاية والحفظ من الله ، فإذا انقطع عنها هذا المدد توقفت في عرض البحر بلا حراك ولا حول ولا قوة ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].
- وعلى مستوى الفرد: فوقوع العبد في الذنب يعكس توقف إمداد العصمة
стр. 70
من الله ، وكذلك فإن التقصير في القيام بواجب ما، يعكس توقف إمداد الإعانة من الله ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
- ويمكننا كذلك التعرف على هذه الصفة من خلال إحصاء مواضع المنع، وتوقف الإمداد الإلهي عن بعض النعم، والتي تحدث لكل فرد على حدة، وبصورة شبه يومية، مثل: زيادة ضربات القلب، شد العضلات، حكة الجلد، ضيق التنفس ...
وخلاصة القول أن التعرف على صفة القيومية يحتاج إلى مداومة التأمل والتفكر في القرآن من ناحية، والكون من ناحية أخرى.
من هنا تظهر أهمية تخصيص وقت يومي لتتبع مظاهر تلك الصفة من خلال ورد القرآن، وتخصيص وقت آخر - ولو بضع دقائق - لإحصاء مواقف الحياة التي ظهرت فيها آثار صفة القيومية.
стр. 71
٣ - التعرف على الله المنعم: (معرفة حق الله على عباده):
التعرف على المنعم، ومعرفة حقه على عباده من الأهمية بمكان في علاج تضخم الذات ورؤية العمل.
والسمتهدف منه: أن لا يرى أحدنا لنفسه حقًا على الله لأجل عمله الصالح، فحقوق الله تعالى علينا أعظم من أن يقوم بها العباد، ونعمه أكثر من أن تحصى، وأنه لا يستوجب أحدنا بسعيه نجاحًا ولا فلاحًا، ولا نجاة من النار ولا فوزًا بالجنة.
هذا المستهدف لن نستطيع تحقيقه إلا إذا عرفنا حق الله على عباده وأجبنا عن سؤال يقول: أين نحن من أداء هذا الحق؟!
يقول ابن القيم: لله ﵎ على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما.
أحدهما: القيام بأمره ونهيه اللذين هما محض حقه علينا.
الثانى: شكر نعمه التي أنعم بها علينا.
فهو يطالبنا بشكر نعمه والقيام بأمره.
فبالنسبة لأمره ونهيه: فإن الدين ليس مجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبه لله .. مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه .. وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا كلها (١).
هذا بالنسبة لحق الله في أوامره ونواهيه.
стр. 72
أما حق الله في نعمه على عباده فهذا أمر يحتاج إلى بعض البيان والتفصيل.
من صور النعم:
الله أنعم على كل واحد منا بنعم لا تعد ولا تحصى.
منها نعم الإيجاد من العدم: إنسانًا سويًا، عاقلًا، له عين ترى، وأذن تسمع، وعقل يفكر، وقلب ينبض، ورئة تستنشق الهواء، وكليتان تنقيان الدم من السموم، وأيد تبطش، وأرجل يمشى بها، وفم وأسنان ولسان وحواس، وأجهزة المناعة والامتصاص والإخراج، والهضم، وغدد، و ........
وإذا أردت أن تعرف قيمة نعمة واحدة من هذه النعم فأغمض عينيك، أو سد أذنيك، أو امنع يديك من الحركة، ثم تأمل تأثير ذلك عليك ... انظر إلى أهل البلاء لتعرف معنى العافية. تذكر المطروحين في الطريق، ومرضى المستشفيات، تذكر المشلول والأبكم والأصم و .........
ومن النعم كذلك: نعم الإمداد: إمداد كل عضو في جسمك وكل خليه فيه بما يمكنه من الاستمرار في أداء عمله.
ومن النعم: الحفظ الدائم لهذه الأعضاء.
ومنها نعم التسخير: تسخير الوالدين للاعتناء بك وتربيتك، وتسخير الأرض والشمس والهواء والرياح والطعام وسائر أعضائك لك.
ومن النعم أيضًا: نعمة الأمن والستر.
ومن النعم أيضًا: نعم الهداية إلى الإسلام وإلى الإيمان والثبات عليهما.
ومنها: نعم العصمة من الكفر وعبادة الأوثان .. من أن تكون هندوسيًا أو يهوديًا أو نصرانيًا، وكذلك العصمة من سائر الذنوب: كالزنا واللواط والقتل والسرقة وشرب الخمر والربا وإدمان المخدرات و ... فكل معصية تحدث على الأرض ولا تفعلها تحمل في طياتها عصمة لك من الله .
стр. 73
ومنها نعم سبق الفضل والاجتباء: فأنا وأنت لم نختر لأنفسنا أن نكون في هذا العصر، أو أن نكون من أبوين مسلمين، فرحمته وفضله علينا سبقت وجودنا، فلم يشأ أن يخلقنا في زمن قوم عاد أو ثمود أو من آل فرعون، ولم يخلقنا كذلك من أبوين يهوديين أو يعبدان الصليب أو يسجدان للبقر، ولم يجعلنا في أماكن الفتن والاضطهاد.
نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].
فإن كان الأمر كذلك فما هو حق هذه النعم؟!
الشكر والعبادة:
يقول تعالى لموسى ﵇ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
فكل نعمة أنعمها الله علينا لها مقابل، ألا وهو الشكر ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
ومن أهم صور الشكر: العبادة ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢،٤٣].
فإن كان الأمر كذلك فهل نستطيع أن نؤدي شكر كل النعم التي حبانا الله إياها؟!
حجم الشكر المطلوب:
لو افترضنا أن كل نعمة من نعم الله علينا تحتاج إلى ساعة -على الأقل- من السجود لله كل يوم لتستمر في أداء دورها .. إما أن أسجد هذه الساعة أوتمتنع النعمة عنك، فالقلب سيتوقف، والعين لن تبصر، والكبد لن تعمل،
стр. 74
والكلية لن تنقي السوائل، والنخاع لن يفرز خلايا الدم، وخلايا الجسم لن تمتص السكر .. البول سيحبس والدم لن يتأكسد، والغدد سيتوقف إفرازها ... لن نتمكن من السماع أو الكلام أو الشم أو اللمس ... المعدة سترفض استقبال الطعام، والعضلات سترتخي، والنوم لن يأتي ... .
لو افترضنا ذلك في كل ما أنعم الله به علينا ... لوجدنا أننا نحتاج إلى مئات بل آلاف الساعات نسجد فيها لله كل يوم لنؤدي جزءًا يسيرًا من حقه علينا فيما حبانا به من نعم ...
جاء في الحديث: لو أن رجلًا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله يوم القيامة (١).
هذه الحقيقة عندما تستقر في كيان الإنسان فإن من شأنها أن تنسيه عمله الصالح، بمعنى أنه لن يظن أن له مكانة عند الله بهذا العمل، أو أنه يستحق به دخول الجنة، ودرجاتها العلى، بل يعمل ويجتهد فيه ثم يستغفر الله بعد القيام به لشعوره بأن حق الله عليه أعظم مما يفعل، وأنه إن لم تتداركه رحمة الله وعفوه فسيهلك، كمن أدان شخصًا بمبلغ كبير من المال يبلغ مثلًا مليون دينار، ثم قام هذا الشخص بالاجتهاد في العمل وفى نهاية كل شهر قام بسداد درهم واحد ... ما هو شعور هذا الشخص وهو يقدم الدرهم لدائنه؟! ... هل شعور الفخر والإعجاب بهذا الدرهم، أن أنه سينكس رأسه وهو يعطيه له، ويشعر بتقصيره الشديد في حقه، ويستعطفه ويرجوه أن يسامحه على تقصيره؟!! بل يرى أن قبوله له محض فضل منه وإحسان.
هذا لو كان الدين يساوي ذلك فقط، فما بالك بدين الله علينا الذي تعجز قدرات العقل عن إحصائه؟!!
стр. 75
كم تساوي نعمة البصر؟!
عن جابر ﵁ مرفوعًا عن جبريل ﵇: " أن عابدًا عبد الله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه، أن يقبضه ساجدًا، قال جبريل: فنحن نمر عليه إذ هبطنا وإذا عرجنا، ونجد في العلم أن يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول الرب : أدخلوا عبدى الجنة برحمتي، فيقول العبد: يارب بعملي، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يقول الله للملائكة: قايسوا عبدة بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد كله، فيقول: أدخلوا عبدي النار: فيجر إلى النار. فينادي: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلنى الجنة فيدخله الجنة .. قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد (١).
إذن فلو عذب الله أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم.
فمهمها عملنا واجتهدنا فلن يكون عوض هذا العمل النجاة من النار والفوز بالجنة، لذلك قال ﷺ لصحابته: " لن ينجي أحدًا منكم عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة ... الحديث " (٢).
فإن كل فرد مطالب بشكر النعم التي حباه الله إياها، فإن أعماله كلها لن تفي بحق شكر نعمة واحدة، وسيبقى سائر النعم لا يقابلها شكر، فيصبح صاحبها مستحقًا للعذاب بذلك.
عن ابن عمر مرفوعًا: " إن الرجل يأتي يوم القيامة لو وضع على جبل لأثقله فتقدم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفذ ذلك إلا أن يتطاول الله برحمته" (٣).
فمن استعظم عمله، ورأى أن له حقًا على الله به، طالبه سبحانه بحقه عليه.