← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36328

حطم صنمك وكن عند نفسك صغيرا

مجدي الهلالي

Полный текст (189 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣ - التعرف على الله المنعم: (معرفة حق الله على عباده): التعرف على المنعم، ومعرفة حقه على عباده من الأهمية بمكان في علاج تضخم الذات ورؤية العمل. والسمتهدف منه: أن لا يرى أحدنا لنفسه حقًا على الله لأجل عمله الصالح، فحقوق الله تعالى علينا أعظم من أن يقوم بها العباد، ونعمه أكثر من أن تحصى، وأنه لا يستوجب أحدنا بسعيه نجاحًا ولا فلاحًا، ولا نجاة من النار ولا فوزًا بالجنة. هذا المستهدف لن نستطيع تحقيقه إلا إذا عرفنا حق الله على عباده وأجبنا عن سؤال يقول: أين نحن من أداء هذا الحق؟! يقول ابن القيم: لله ﵎ على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما. أحدهما: القيام بأمره ونهيه اللذين هما محض حقه علينا. الثانى: شكر نعمه التي أنعم بها علينا. فهو يطالبنا بشكر نعمه والقيام بأمره. فبالنسبة لأمره ونهيه: فإن الدين ليس مجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبه لله .. مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه .. وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا كلها (١). هذا بالنسبة لحق الله في أوامره ونواهيه.

стр. 72

أما حق الله في نعمه على عباده فهذا أمر يحتاج إلى بعض البيان والتفصيل. من صور النعم: الله أنعم على كل واحد منا بنعم لا تعد ولا تحصى. منها نعم الإيجاد من العدم: إنسانًا سويًا، عاقلًا، له عين ترى، وأذن تسمع، وعقل يفكر، وقلب ينبض، ورئة تستنشق الهواء، وكليتان تنقيان الدم من السموم، وأيد تبطش، وأرجل يمشى بها، وفم وأسنان ولسان وحواس، وأجهزة المناعة والامتصاص والإخراج، والهضم، وغدد، و ........ وإذا أردت أن تعرف قيمة نعمة واحدة من هذه النعم فأغمض عينيك، أو سد أذنيك، أو امنع يديك من الحركة، ثم تأمل تأثير ذلك عليك ... انظر إلى أهل البلاء لتعرف معنى العافية. تذكر المطروحين في الطريق، ومرضى المستشفيات، تذكر المشلول والأبكم والأصم و ......... ومن النعم كذلك: نعم الإمداد: إمداد كل عضو في جسمك وكل خليه فيه بما يمكنه من الاستمرار في أداء عمله. ومن النعم: الحفظ الدائم لهذه الأعضاء. ومنها نعم التسخير: تسخير الوالدين للاعتناء بك وتربيتك، وتسخير الأرض والشمس والهواء والرياح والطعام وسائر أعضائك لك. ومن النعم أيضًا: نعمة الأمن والستر. ومن النعم أيضًا: نعم الهداية إلى الإسلام وإلى الإيمان والثبات عليهما. ومنها: نعم العصمة من الكفر وعبادة الأوثان .. من أن تكون هندوسيًا أو يهوديًا أو نصرانيًا، وكذلك العصمة من سائر الذنوب: كالزنا واللواط والقتل والسرقة وشرب الخمر والربا وإدمان المخدرات و ... فكل معصية تحدث على الأرض ولا تفعلها تحمل في طياتها عصمة لك من الله .

стр. 73

ومنها نعم سبق الفضل والاجتباء: فأنا وأنت لم نختر لأنفسنا أن نكون في هذا العصر، أو أن نكون من أبوين مسلمين، فرحمته وفضله علينا سبقت وجودنا، فلم يشأ أن يخلقنا في زمن قوم عاد أو ثمود أو من آل فرعون، ولم يخلقنا كذلك من أبوين يهوديين أو يعبدان الصليب أو يسجدان للبقر، ولم يجعلنا في أماكن الفتن والاضطهاد. نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. فإن كان الأمر كذلك فما هو حق هذه النعم؟! الشكر والعبادة: يقول تعالى لموسى ﵇ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. فكل نعمة أنعمها الله علينا لها مقابل، ألا وهو الشكر ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. ومن أهم صور الشكر: العبادة ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢،٤٣]. فإن كان الأمر كذلك فهل نستطيع أن نؤدي شكر كل النعم التي حبانا الله إياها؟! حجم الشكر المطلوب: لو افترضنا أن كل نعمة من نعم الله علينا تحتاج إلى ساعة -على الأقل- من السجود لله كل يوم لتستمر في أداء دورها .. إما أن أسجد هذه الساعة أوتمتنع النعمة عنك، فالقلب سيتوقف، والعين لن تبصر، والكبد لن تعمل،

стр. 74

والكلية لن تنقي السوائل، والنخاع لن يفرز خلايا الدم، وخلايا الجسم لن تمتص السكر .. البول سيحبس والدم لن يتأكسد، والغدد سيتوقف إفرازها ... لن نتمكن من السماع أو الكلام أو الشم أو اللمس ... المعدة سترفض استقبال الطعام، والعضلات سترتخي، والنوم لن يأتي ... . لو افترضنا ذلك في كل ما أنعم الله به علينا ... لوجدنا أننا نحتاج إلى مئات بل آلاف الساعات نسجد فيها لله كل يوم لنؤدي جزءًا يسيرًا من حقه علينا فيما حبانا به من نعم ... جاء في الحديث: لو أن رجلًا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله يوم القيامة (١). هذه الحقيقة عندما تستقر في كيان الإنسان فإن من شأنها أن تنسيه عمله الصالح، بمعنى أنه لن يظن أن له مكانة عند الله بهذا العمل، أو أنه يستحق به دخول الجنة، ودرجاتها العلى، بل يعمل ويجتهد فيه ثم يستغفر الله بعد القيام به لشعوره بأن حق الله عليه أعظم مما يفعل، وأنه إن لم تتداركه رحمة الله وعفوه فسيهلك، كمن أدان شخصًا بمبلغ كبير من المال يبلغ مثلًا مليون دينار، ثم قام هذا الشخص بالاجتهاد في العمل وفى نهاية كل شهر قام بسداد درهم واحد ... ما هو شعور هذا الشخص وهو يقدم الدرهم لدائنه؟! ... هل شعور الفخر والإعجاب بهذا الدرهم، أن أنه سينكس رأسه وهو يعطيه له، ويشعر بتقصيره الشديد في حقه، ويستعطفه ويرجوه أن يسامحه على تقصيره؟!! بل يرى أن قبوله له محض فضل منه وإحسان. هذا لو كان الدين يساوي ذلك فقط، فما بالك بدين الله علينا الذي تعجز قدرات العقل عن إحصائه؟!!

стр. 75

كم تساوي نعمة البصر؟! عن جابر ﵁ مرفوعًا عن جبريل ﵇: " أن عابدًا عبد الله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه، أن يقبضه ساجدًا، قال جبريل: فنحن نمر عليه إذ هبطنا وإذا عرجنا، ونجد في العلم أن يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول الرب : أدخلوا عبدى الجنة برحمتي، فيقول العبد: يارب بعملي، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يقول الله للملائكة: قايسوا عبدة بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد كله، فيقول: أدخلوا عبدي النار: فيجر إلى النار. فينادي: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلنى الجنة فيدخله الجنة .. قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد (١). إذن فلو عذب الله أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. فمهمها عملنا واجتهدنا فلن يكون عوض هذا العمل النجاة من النار والفوز بالجنة، لذلك قال ﷺ لصحابته: " لن ينجي أحدًا منكم عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة ... الحديث " (٢). فإن كل فرد مطالب بشكر النعم التي حباه الله إياها، فإن أعماله كلها لن تفي بحق شكر نعمة واحدة، وسيبقى سائر النعم لا يقابلها شكر، فيصبح صاحبها مستحقًا للعذاب بذلك. عن ابن عمر مرفوعًا: " إن الرجل يأتي يوم القيامة لو وضع على جبل لأثقله فتقدم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفذ ذلك إلا أن يتطاول الله برحمته" (٣). فمن استعظم عمله، ورأى أن له حقًا على الله به، طالبه سبحانه بحقه عليه.

стр. 76

قال وهب: عبد الله عابد خمسين عامًا، فأوحى الله إليه: إنى قد غفرت لك. قال: أي رب وما تغفر لي ولم أذنب، فإذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم، ولم يصل، ثم سكن ونام، ثم أتاه ملك فشكا إليه، فقال: ما لقيت من ضربان العرق، فقال الملك: إن ربك يقول: إن عبادتك خمسين عامًا تعدل سكون العرق (١). بين العدل والإحسان: إذن فهناك طريقتان يحاسب الله بها عباده: العدل والإحسان. فمن دخل على الله وكأنه يحمل دفترًا وقد سجل فيه كل أعماله ويريد عوضًا عنها، فقد عرض نفسه للعدل أي لمناقشة الحساب بل والعذاب والعياذ بالله. ومن دخل على الله تعالى من باب الإفلاس التام، وعدم رؤية أعماله، واستقلاله لها، وشعوره بالتقصير الشديد في أدائه لحق الله، واليقين بأنه ليس له حق على الله بعمله، وسؤاله الجنة بطريق الاستجداء ... هذا العبد بهذا الشعور قد عرض نفسه لإحسان الله إليه وتلقى رحماته ومناقشته الحساب ... حساب النعم. عن أنس مرفوعًا: يؤتى بالنعم يوم القيامة، ويؤتى بالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمة من نعمه: خذي حقك من حسناته، فما تترك له حسنة، إلا ذهبت بها (٢). المغفرة أولًا: من هنا يتبين لنا أن عملنا مهما كان حجمه، فلن يوجب بمفرده النجاة من النار، فضلًا عن دخول الجنة .. فلا أمل لدينا إلا في رحمة الله ومغفرته، وتجاوزه عن حقه علينا، وعدم محاسبتنا على نعمه.

стр. 77

مات داود الطائي فقام ابن السماك بعد دفنه يثني عليه بصالح عمله ويبكي والناس يبكون، ويصدقونه على مقالته ويشهدون بما يثني عليه، فقام النهشلي فقال: اللهم اغفر له وارحمه، ولاتكله إلى عمله (١). أين نحن من عمر ؟! من هنا كان خوف الصالحين من الحساب يوم القيامة، ورؤيتهم الدائمة لأعمالهم بعين النقص. فهذا عمر بن الخطاب عند موته يراه عثمان بن عفان وهو يقول: ويلي، وويل أمي إن لم يغفر لي .. قالها ثلاثًا ثم قضى (٢). وفى طبقات ابن سعد أن العباس عم رسول الله ﷺ كان خليلًا لعمر بن الخطاب، فلما أصيب عمر جعل يدعو الله أن يريه عمر في المنام، فرآه بعد حَوْل وهو يمسح العرق عن جبينه فقال: ما فعلت؟ قال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرشي ليُهَد لولا أنى لقيته رؤوفًا رحيمًا (٣). لماذا العمل ؟! قد يقول قائل: ولم العمل إذا كانت أعمالنا لن تكون سببًا في نجاتنا من النار أو الفوز بالجنة؟! الإجابة عن هذا السؤال تستدعي منَّا تذكر مثال صاحب الدَين، والمَدِين، الذي تم ذكره في الصفحات السابقة. فصاحب الدَين عندما يرى استهتارًا من المدين وعدم مبالاته بالسداد، فإنه يعرض عنه ويغضب منه، ولا يفكر في إسقاط دينه، بخلاف من يراه مجتهدًا في السداد - مع عدم قدرته على الوفاء - فإنه قد يتجاوز

стр. 78

عنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]. فالعمل والاجتهاد في فعل الخيرات ما هو إلا وسيلة لنيل الرحمة والمغفرة والتعرض للعفو والتجاوز. لذلك نجد القرآن يطالبنا بالاجتهاد في العمل للتعرض للرحمة والمغفرة الإلهية، والتي إذا ما تمت للعبد فسيتبعها - بمشيئة الله - دخول الجنة، فضلًا ورحمة منه سبحانه. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. لذلك كان حال المؤمنين أنهم ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]. أي يفعلون ويفعلون من الطاعات والقربات ويخافون ألا يتقبلها الله منهم، لاستشعارهم أنها لا تليق بعظمته سبحانه، ولا بحقه عليهم، وهذا الشعور من شأنه أن يدفعهم للاستغفار بعد الطاعة، لا الإعجاب بها أو استعظامها. قال الحسن البصري: لقد أدركت أقوامًا إذا عملوا الحسنة دأبوا على شكرها وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا سيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها، فما زالوا على ذلك، فوالله ما سلموا من الذنوب، وما نجوا إلا بالمغفرة. من فوائد النظر في حق الله: إذن فكثرة التفكر والنظر في حق الله ودينه علينا لها كثير من الفوائد التي من شأنها أن تعيننا على استصغار أنفسنا وأعمالنا.

стр. 79

فمن هذه الفوائد: ١ - عدم رؤية العمل الصالح أو الاعتماد عليه بل استصغاره، والنظر إليه بعين النقص مهما كان اجتهاد العبد، فالذي يجتهد ويجتهد ثم يسدد بضعة دراهم من دينه البالغ المليون دينار، لن يشعر بأنه قدم شيئًا يذكر، فتراه دومًا مستصغرًا ما يقدمه لدائنه طامعًا في عفوه. ٢ - عدم احتقار الآخرين أو الشعور بالأفضلية عليهم: فالكل مدين لله ، ولا يسع الجميع سوى عفوه، وإلا فالنار مصير من لم يدركه ذلك العفو. فالذي يقدم خمسة دراهم لصاحب الدين الكبير لن يشعر بأنه أفضل ممن قدم درهمًا أو نصف درهم فالكل مقصر، والكل يستحق العقوبة، ولا أمل إلا في المسامحة والعفو. ٣ - الخوف الدائم من عدم قبول العمل: فمن الطبيعى ألا يقبل صاحب الدين الكبير، سداد جزء يسير منه، فإن قبله فهذا محض فضل وإحسان منه. ٤ - الحذر الشديد من السكون إلى النفس أو الإعجاب بها: حتى لا يتعرض العبد لمقت الله معاملته بالعدل لا بالإحسان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. يقول ابن القيم: فمن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدى ربه واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته (١). ٥ - سؤال الجنة استجداء لا استحقاقًا: فمن تفضل الله عليه، وقبل عمله، وتجاوز عن حقه وعفا عنه، أدخله الجنة ورفعه في درجاتها بهذا العمل القليل الى أداه .. رحمة منه - سبحانه - وفضلًا.

стр. 80

(ولا ينافى هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد، أو أنهم أوجبوه عليه بأعمالهم) (١). وسائل المعرفة: التعرف على الله المنعم، وحقه المستحق علينا يستدعي منا معرفة نعمه علينا، وكلما توسع العبد في معرفة النعم ازداد شعوره بالتقصير في حق مولاه ... كيف نتعرف على النعم ؟ ١ - من خلال القرآن: أفاض القرآن في تعريف الناس بنعم الله عليهم، وحق هذه النعم، فعلينا بتتبع الآيات التي تتحدث في هذا الموضوع، ونحصي من خلالها نعم الله علينا. كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ٢ - من خلال أحداث الحياة: وذلك منخلال تفكر الواحد منا في نعم ربه عليه، وحبذا لو تم تسجيلها لتسهل العودة إليها كل فترة ... ومن معينات عد النعم: رؤية أهل البلاء، فما من مرض أو نقص يصيب إنسانًا، ولم تصب أنت به إلا ويعكس نعمة من نعم العافية لديك. وكذلك ما من معصية تحدث على ظهر الأرض ولا تفعلها إلا وتعكس نعمة من نعم العصمة الإلهية لك.

стр. 81

٣ - مجالس ذكر النعم: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]. فمجالس ذكر النعم من الأهمية بمكان للتعرف على الله المنعم، واستشعار تقصيرنا في حقه ... هذه المجالس عبادة عظيمة، يباهي الله بها الملائكة، فعن أنس ابن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم ثم بعثوا برائدهم إلى رب العزة ﵎، فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك محمد ﷺ ، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشوهم رحمتي، فيقولون يا رب إن فيهم فلانًا الخطاء، إنما اغتبقهم اغتباقًا، فيقول ﵎: غشوهم رحمتي، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم" (١). جلس الفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينه ليلة إلى الصباح يتذكران النعم، فجعل سفيان يقول: أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا (٢). ٤ - التفكر في النعم: ومع إحصاء النعم، علينا أن نتفكر في كل نعمة على حده، وما فيها من جوانب مختلفة للمدد الإلهي، فعلى سبيل المثال: التفكر في الطاعة وكم نعمة أنعهما الله عليك لكي تقوم بها. يقول أبو حامد الغزالي: أما نعمة عليك في الطاعة فقد: أمكنك منها وأعطاك الآلة، وأزاح عنك العوائق حتى تفرغت لهذه الطاعة، وخصك بالتوفيق والتأييد ويسرها عليك، وزينها في قلبك حتى عملتها، ثم مع جلاله وعظمته واستغنائه عنك، وعن

стр. 82

طاعتك وكثرة نعمه عليك، أعد على هذا العمل اليسير الثناء الجزيل والثواب العظيم الذي لا تستحقه (١). ٥ - المغفرة أولًا: علينا أن نبحث في القرآن عن الآيات التي تقرر حقيقة أن دخول الجنة، والنجاة من النار، إنما هي محض فضل ورحمة من الله ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: ٤١، ٤٢]. وأن سعينا واجتهادنا لا يستحق بذاته دخوله الجنة، وإنما هو للتعرض لرحمة الله ومغفرته ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. فبكثرة النظر في مثل هذه الآيات، يترسخ مدلولها في العقل الباطن عند الإنسان، لتنطلق أفكاره وخواطره منها، ويوقن بأنه إما عفو الله أو النار ....

стр. 83

الفصل الثالث معرفة حقيقة الإنسان وطبيعة النفس * حقيقة الإنسان. * تعرف على أصلك. * وماذا عن حجمك؟. * ضعف الإنسان. * فما الحل إذن لكي يقف الإنسان على حقيقة ضعفه؟. * مسكين أيها العاجز. * الجهل. * الفقير المحتاج. * فكيف لنا أن نوقن بهذه الحقيقة؟. * الرسائل الإلهية. * رسالة الأرق. * طبيعة النفس. * مقت النفس. * كيف كان الصالحون ينظرون إلى أنفسهم؟. * هل يمكن للنفس أن تأمر بخير؟. * النفس هي النفس. * هل صرت ملكًا؟. * مفهوم التكليف. * ما أقبح الرضا عن النفس؟. * كيف نتعامل مع أنفسنا؟!.

стр. 84

معرفة حقيقة الإنسان وطبيعة النفس والمستهدف من معرفة حقيقة الإنسان اليقين بعجزه وضعفه وجهله وافتقاره إلى كل ما يقيمه ويصلحه، فإذا ما تم اليقين بذلك ظهر مدى حاجته لربه، وأنه لو تخلى عنه طرفة عين لهلك. أما النفس فالمطلوب هو معرفة طبيعتها من حب الفجور والطغيان والعلو، وأنها لو تُركت لما أمرت بطاعة ولا تركت معصية، فإذا عرف ذلك دام حذر العبد منها وعدم رضاه عنها. حقيقة الإنسان: تعرف على أصلك: أصل الإنسان هو التراب الذي يمشي عليه، والذي لا يساوي - في نظره - شيئًا مذكورًا، أما بداية خلفه فمن نطفة، لو نظر إليها الإنسان لتقزز منها ﴿قتل الإنسان ما أكفره قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ٢٠]. إذن فأصلنا حقير .. لم تتكون أجسادنا من معادن نفيسه، بل عناصرها مثل عناصر التراب .. هذا هو أصلك أيها الإنسان ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]. فإذا شمخت بأنفك فتفكر في أصلك وما تحمله في بطنك. حكى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى الملهب بى أبي صفرة، وعليه حلة، يسحبها، ويمشي الخيلاء. فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال الملهب: ألا تعرفني؟ فقال: بل أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة (١).

стр. 85

فكيف يعجب بنفسه من حاله كذلك؟! إذن فدوام تذكر الواحد منا لأصله من شأنه أن يبعد عنه العُجب والخيلاء. عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر، ويقول: خرج من مجرى البول مرتين (١). من هنا كان الصحابة يحبون السجود على التراب، وتعفير الوجه به، ليتذكروا أصلهم ويبعدوا الكبر عن أنفسهم. قال الحسن: من خصف نعله، ورقع ثوبه، وعفر وجهه لله ، فقد برئ من الكبر. وماذا عن حجمك ؟ خلق الله الإنسان، وجعل حجمه صغيرً بالنسبة للكون المحيط به، فالسماوات الطباق، والجبال الشاهقات لها دور كبير في تعريف الإنسان بحجمه الصغير، ومن ثم إزالة الكبر من نفسه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]. ضعف الإنسان: خلق الله الإنسان ضعيفًا، يقول تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. خلقه ضعيفًا في كل شيء، فلا يستطيع أن يقاوم وساوس الشيطان. وليس بمقدوره أن يقاوم نفسه وشهواتها. ضعيفًا أمام المال والنساء والشهرة والأضواء. ضعيفًا في جسمانه .. ضعيفًا أمام سلطان النوم .. ضعيفًا أما أصغر الفيروسات ..

стр. 86

فالأصل في الإنسان الضعف، وكل مظهر من مظاهر مقاومته لهذه الأشياء فهي بفضل وإعانة من الله ، ولو تركه لضعفه ما قاوم نظرة محرمة, ولا مالًا حرامًا، ولا مرضًا من الأمراض: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. ولكننا كثيرًا ماننسى هذه الحقيقة، فترى الواحد منا يصدق نفسه بأنه يستطيع مقاومة فتنة النساء، أو المال .. ويستطيع السهر وعدم النوم .. ولا يغريه بريق الذهب و ..... فما الحل إذن لكى يقف الإنسان على حقيقة ضعفه ؟! الحل يكمن في حسن التعامل مع الدواء الرباني الذي يتمثل في رسائله للبشر، والتي تكشف لهم حقيقة ضعفهم .. هذه الرسائل تأتي الجميع بدون استثناء، وما علينا إلا أن نحسن استقبالها ونفهم المراد منها .. فمن الرسائل التي تكشف ضعف الإنسان أمام نفسه: وقوع حشرة عليه كالبعوضة - ثملًا - وعدم قدرته على التخلص منها أو تفادى لدغتها. وكذلك بعض الزواحف التي يفاجأ الإنسان بوجودها كل فترة، وينتابه شعور بالضعف أمامها. ومن صور ذلك أيضًا: عدم القدرة على القيام بالطاعة في بعض الأحيان، فتجد الواحد منا يسمع أذان الفجر ولا يستطيع النهوض للصلاة، ويتمنى صيام يوم من الأيام تطوعًا لله ولا يقدر على ذلك. ومن تلك الرسائل: أن يتركك فريسة لمرض من الأمراض ليكشف حجم ضعفك أمام ميكروب لا يكاد يرى بالعين.

стр. 87

ومنها أن يتركك لوساوس الشيطان فتظن سوءًا بالآخرين، وتحسدهم، وتتمنى زوال الخير عنهم ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. إذن فمن أهم الوسائل التي تكشف للإنسان حقيقة ضعفه: حسن استقباله لرسائل المنع التي تأتيه كل يوم ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]. مسكين أيها العاجز: من الحقائق التي تنبني عليها شخصية الإنسان أنه عاجز، لا يستطيع جلب النفع لنفسه، أو دفع الضر عنها، كالشخص الذي أصاب الشلل أنحاء جسده .. هل يستطيع دفع ذبابة وقفت على عينه؟! كذلك نحن جميعًا .. عجزة يتمثل فينا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٨]. نريد الشيء ولا يحدث، ولا نريده ويحدث .. ومن رحمة الله بعباده، تذكيره الدائم لهم بهذه الحقيقة؛ ليشتد شعورهم بالحاجة إليه، وابتعادهم عن الكبر وصوره .. والتذكير الإلهي بحقيقة عجز الإنسان يتمثل في صور القهر المختلفة والتي لا يكاد يمر يوم إلا وفيه الكثير منها: يريد الرجل أن تلد زوجته ولدًا فتأتي أنثي، والأم تريد أن يكون وليدها يشبهها فيشبه أباه .. يذهب أحدنا إلى الفراش متعبًا ويريد النوم فلا يستطيع، وفى يوم آخر يريد السهر لإنجاز بعض أعماله فيغلبه النوم.

стр. 88

نريد الشمس ساطعة غدًا ونحن نتنزه فتمتلئ السماء بالغيوم. نريد تذكر شيء ما فلا نستطيع ... . وهكذا من صور القهر الإلهي العديدة والتي تمر علينا جميعًا لتشعرنا بعجزنا التام. الجهل: من طبيعة الإنسان الجهل بعواقب الأمور ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. والرسائل التي تذكر الإنسان بحقيقة جهله كثيرة، ولايكاد يمر يوم إلا وفيه بعض منها .. مثال ذلك: الحوادث التي تمر بالعبد وكأنها تقول له: لو كنت تعلم الغيب ما فعلت ذلك. فمن يأكل طعامًا ثم يتعب منه أو يصاب بالتسمم، لو كان يعلم الغيب ما أكله. والذي يشترى ثوبًا فيجده صغيرًا عليه، يشكف له مدى جهله بعواقب الأمور. وكذلك الطالب الذي يذاكر موضوعًا معينًا ويركز فيه جهده، ثم لا يجده أمامه في الامتحان .. فالتوقف عند هذه الأشياء، وتتبعها يُرسِّخ في نفس الإنسان حقيقة جهله، ويدفعه دومًا لاستخارة ربه في كل شيء. الفقير المحتاج: لو تفكرنا في طبيعة الإنسان والأشياء التي يحتاجها لقيام حياته، والأشياء التي يملكها ولا يحتاج إلى أحد فيها .. لوجدنا أنه يحتاج أشياء لا تعد ولا تحصى، وأنه فقير فقرًا ذاتيًا ومطلقًا .. فالواحد منا يحتاج دومًا إلى الهواء والأكسجين وإلاهلك اختناقًا.

стр. 89

ويحتاج الماء وإلا مات عطشًا .. ويحتاج إلى الطعام وإلا مات جوعًا .. يحتاج إلى النوم ليرتاح وإلا فقد اتزانه .. يحتاج إلى حفظ ضربات قلبه، وجريان دمه .. يحتاج إلى الدواب لتحمله، والشجر ليظلله .. يحتاج إلى إعانة لفعل الطاعة .. يحتاج إلى عصمة من فعل المعصية .. يحتاج ... . معنى ذلك أن الله لو تخلى عن الإنسان وعن إمداده باحتياجاته لهلك، ولصار من أهل الفجور، ولتخطفته الشياطين. فكيف لنا أن نوقن بهذه الحقيقة ؟! الحل في الدواء الرباني .. رسائل المنع الإلهية. فعندما يزداد خفقان قلبك، عليك أن تتذكر مدى فقرك إلى الله في حفظ وتعهد هذا القلب، وعندما يدخل رمش في عينك، عليك بتذكر مدى حاجتك إلى الله في حفظ رموشك. وعندما يزداد ضغط الدم، أو يصاب أحدنا بالصداع أو آلام في البطن أو الصدر، عليه أن يتذكر مدى احتياجه إلى الله في حفظ أعضائه وأجهزته ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦]. عند جدب السماء وانقطاع الماء، ماذا علينا أن نتذكر؟! ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. وعندما يُحال بينك وبين الطاعة، عليك أن تتذكر مدى احتياجك لإعانة الله لك في كل طاعة ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إلى رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].

стр. 90

الرسائل الإلهية: إذن فأهم وسيلة لمعرفة حقيقة الإنسان: حسن التعامل مع رسائل المنع التي تصله من الله بصفة يومية. فالمرض على سبيل المثال يحمل رسالة تقول لكل منا: أنت ضعيف لم تستطع مقاومتي. أنت عاجز لا تستطيع شفاء نفسك ودفع الضر عنها. أنت جاهل لم تعرف أنك ستمرض في هذا الوقت. أنت فقير إلى الله في دفع هذا المرض، ودوام حفظ عافيتك. رسالة الأرق: أنت ضعيف أمام الأرق. عاجز لا تستطيع جلب النوم. جاهل لا تعرف متى ستنام وإلا لذهبت إلى الفراش في هذا الوقت. فقير إلى الله في جلب النوم، وحفظك وأنت نائم .. من هنا تتضح لنا أهمية تتبع مواضع المنع، والتفكر فيها وما تحمله من دلالات والتي من شأنها أن تعرفنا بحقيقتنا ومدى احتياجنا إلى مولانا .. أوحى الله إلى بعض أنبيائه: " أدرك لي لطيف الفطنة، وخفي اللطف فإنى أحب ذلك، قال: يارب، وما لطيف الفطنة؟ قال: إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أنى أنا أوقعتها عليك، فاسألني رفعها. قال: وما خفي اللطف؟ قال: إذا أتتك حبة فاعلم أني أنا ذكرتك بها (١). وحبذا لو تم ربط التفكر في هذه الآيات والرسائل الإلهية بالإكثار من ذكر (لاحول ولا قوة إلا بالله)، وكذلك كثرة مناجاة الله، والتعبير عن حالة الضعف والعجز والجهل وعظيم الاحتياج إليه، وأنه لاغنى لنا عنه، ولا قيمة لنا بدونه.

стр. 91

كان عيسى بن مريم يقول: اللهم إنى أصبحت لا أملك ما أرجو، ولا أستطيع دفع ما أحاذر، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنًا بعملي، ولا فقير أفقر مني (١). طبيعة النفس: ومع كون الإنسان ضعيفًا وعاجزًا وجاهلًا وفقيرًا إلى الله فقرًا مطلقًا وذاتيًا، فإن لنفسه طبيعة تتنافى مع هذه الصفات. فهي نفس شحيحة تحب الاستئثار بكل خير ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. لديها قابلية للطغيان والفجور ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]. تحب العلو والتميز عن الآخرين. ترغب دومًا في الراحة، وتكره المشاق والتكاليف. تريد شهوتها وحظها من كل فعل يقوم به العبد - وإن كان فيه حتفها - فهي لا تنظر إلى العواقب. يقول المحاسبي: إن النفس لو تُركت لما فعلت أي طاعة، وما تركت أي معصية .. لماذا؟! لأن محبتها في خلاف ذلك. فالعبد لايكاد يأتي برًا إلا وشهوة نفسه في ضده (٢). ألم يستعذ من شرها رسولنا ﷺ .. بقوله: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ". وقال ﷺ لحصين بن المنذر: " قل اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي ".

стр. 92

مقت النفس: فالنفس - كما يقول الآجري - أهل أن تمقت في الله. لأنها تدعوني لسلوك سبيل الضلال. وتصرفني عما يرضي الله، وتوقعني فيما يبغضه (١). " فالحمد لله وحدة والذم لها، والحذر والخوف منها، وترك الطمأنينة إليها لمعرفتك بها، فمن عرف نفسه زال عنه العُجب، وعظم شكر الرب ، واشتد حذره منها، والثقة والطمأنينة إلى المولى ، والمقت لها، والحب للمتفضل المنعم. وتذكر: لو كان لك صاحبان حولك وأنت نائم، فأراد أحدهما أن يقتلك ومنعه الآخر فماذا ستكون مشاعرك نحوهما؟! فكم من بلية قد أرادتها بك نفسك فعزم الله أن تتركها وأيقظك وأزال عنك غفلتك فعصمك منها. وكم من حق الله هممت بتضييعه، فأبى الله إلا أن يوقفك لخلاف ما هممت به. فقد وجب عليك المقت لنفسك، والحذر منها، وترك إضافة العمل إليها، بل تحمده وحده بكل ما نلت من بر وطاعة" (٢). كيف كان الصالحون ينظرون إلى أنفسهم ؟ يقول ابن القيم: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنوا العبد به من الله في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو به من العمل (٣). كان أبو بكر الصديق يقول: لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب.

стр. 93

ومشى قوم خلف عبد الله بن مسعود فقال لهم: ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، وقال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب. وهذا المَرُّوذي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل يقول: ذكر أمام ابن حنبل أخلاق الورعين فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟! وكان رجل من بني إسرائيل له عند الله حاجة، فتعبد واجتهد ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات مزريًا على نفسه، وقال: يا نفس، مالك لا تقضي حاجتك، فبات محزونًا قد أزرى على نفسه .. وقال: أما والله ما مِن قِبل الله أوتيت، ولكن من قبل نفسي أوتيت، فبات ليلة مزريًا على نفسه وألزم الملامة، فقضيت حاجته (١). هل يمكن للنفس أن تأمر بخير ؟! يجيب عن هذا السؤال المحاسبي فيقول: إن كون النفس أصحبت تؤدي بعض الطاعات بسهولة ويسر ليس معناه أنها تحب ذلك، بل إن قوة عزمك التي وهبك إياهًا المولى، والخوف من الآخرة قهرها، ولو وجدت منك فترة لرجعت إلى أحوالها، ولرفضت الطاعة لله . ويضرب المحاسبي مثالًا لذلك بالأسير الذي كان يحاول الفتك بك، فقهرته، وأسرته وصار طوع أمرك, هل تأمن له بعد ذلك؟! وهل سيطيعك راضيًا مختارًا أم أنه ينتظر منك التفاته لينقض عليك (٢)؟!. النفس هي النفس: يؤكد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي على المعنى الذي ذكره المحاسبي في أن النفس لا يمكنها أن تأمر صاحبها بخير إلا إذا كان لها مصلحة في ذلك فيقول:

стр. 94

النفس هي مجموعة الرغائب الشهوانية الغريزية التي تجمح بالإنسان، وتدفعه إلى الاستجابة العملية لها. والسلوك هو النتيجة العلمية لصراع الإنسان مع مشاعره ودوافعه النفسية، فهو نتيجة تطبيقية للصراع الذي يظل دائرًا بين الفطرة الإيمانية والغريزية الحيوانية في كيان الإنسان. فمهما صعد السلم أو هبط في التزاماته السلوكية، فلسوف تظل نفسه التي بين جنبيه نزاعة إلى المشتهيات التي ذكرها الله في كتابه ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وغيرها كالكبر والعُجب، والانطواء على الضغائن والإخفاء. ولا يصح أن يقول أحدهم: ولكني بقيت دهرًا طويلًا أجاهد نفسي وأمعن في تربيتها وترويضها، حتى استطعت أن أسمو بها عما كانت عليه من التعلق بهذه المشتهيات، والطبائع الذميمة، فهي اليوم لا ترغب إلا فيما يرضي الله، ولا تنفر إلا مما يرضي الله. هل صرت ملكًا: يجب أن يقال لصاحب هذه الدعوى: إن صح ما تقول فبشريتك قد غاصت بل غابت عنك، وتحولت إلى ملك من الملائكة الذين يجوبون في ملكوت الله . وهذا ما يخالف الوصف الذي وصف الله به الإنسان .. أيًا كان. ألم تقرأ قول الله : ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. ألا ترى كيف أن الحكم جاء بهذه الصفة القبيحة على عموم الأنفس دون استثناء ولا تخصيص، وعندما أثنى على من تساموا بسلوكهم على هذه الصفة لم ينسب ذلك إلى نفوسهم، بل نسبة إلى وقاية الله لهم، مع بقاء أنفسهم على ما هي عليه، فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].

стр. 95

مفهوم التكليف: ويستطرد البوطي في رده على من يظن أن نفسه قد صارت تأمره بفعل الخير فيقول: إن صح ما تقول، فأنت لم تعد مكلفًا من قبل الله بشيء، لأنك لن تشعر بأي كلفة فيما يأمرك به، إذ أصبحت نفسك سباقة بكامل رغبتها وسرورها إلى هذا الذي يأمرك الله به .. ولابد أن يصبح أمره عندئذ عبثًا، وثوابك عليه باطلًا .. ولكن أمر الله نافذ وسيظل نافذًا في حق عباده أجمعين، وثوابه جار ومهيأ لجميع المحسنين، ولا يكون ذلك إلا لأنهم مكلفون، ولايكونون مكلفين إلا عندما تكون التكاليف الإلهية مخالفة لرغبات نفوسهم، متشاكسة مع تطلعاتها وأهوائها. وإن جميع الربانيين من عباد الله الصالحين، وأوليائه المقربين، ظلوا في جهاد دائب مع أنفسهم حتى أتاهم اليقين الذي نقلهم إلى رحاب مولاهم الجليل. وإنما كان مصدر الأجر الذي وعدهم الله به وادخره لهم: مخالفتهم الدائبة لأهواء نفوسهم، وتطلعاتهم الشهوانية. إذن فالنفس البشرية تظل نزاعة إلى شهواتها وأهوائها مادامت باقية. ما أقبح الرضا عن النفس: ويقول البوطي: فإذا كان الإنسان راضيًا عن نفسه، فليس يعنى رضاه عنها إلا انقياده لما تحبه وتدعو إليه، ولابد أن تورده عندئذ المهالك، وأول هذه المهالك إعجابه بنفسه الأمارة بالسوء، وادعاؤه أنها مزكاة من النقائص، متسامية على الرذائل والقبائح من الطباع، وهو نقيض ما قد أمر الله، أو نهي عنه، إذ قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩].

стр. 96

والاستفهام في الآية استنكاري، أي: ألا ترى إلى قباحة شأنهم إذ يمدحون أنفسهم، ويعبرون عن إعجابهم بها ورضاهم عنها؟! (١). إذن فنسظل في جهاد مع أنفسنا حتى الموت، وكما قال أحد الصالحين: يموت المؤمن وسيفه يقطر دما. كيف نتعامل مع أنفسنا ؟ من هنا يتضح لنا - كما يقول الماوردي -: أنه لابد من تأديب النفس، فإن أغفل تأديبها تفويضًا إلى العقل، أو توكلًا على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع: أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه التوكل ندم الخائبين (٢). وأولى مقدمات أدب الرياضة: أن لا يسبق إلى حسن الظن بنفسه، فيخفى عليه مذموم شيمه، ومساوئ أخلاقه، لأن النفس بالشهوات آمرة، وعن الرشد زاجرة (٣). فإن كان الأمر كذلك فلابد إذن من القيام بمثل هذه الأعمال: ١ - سوء الظن الدائم بالنفس ودوام الحذر منها. ٢ - إلجامها بلجام الخوف لتسهل قيادتها. ٣ - مقاومة إلحاحها للإعجاب بها. ٤ - محاسبتها. ٥ - دوام التوبة. ١ - سوء الظن بالنفس: فعلينا ألا نركن لأنفسنا أو نحسن الظن بها، فهي لن تأمرنا بخير، ولتأكيد هذا المعنى: علينا بتتبع خواطر النفس وحديثها لنا بتضييع أو تأخير القيام بحق من

стр. 97

الحقوق، وكذلك ارتكاب معصية من المعاصي .. فلهذا الأمر دور كبير في معرفة النفس ودوام الحذر منها. ألا تذكر كم من مرة حدثتك نفسك بعدم الاستيقاظ لصلاة الفجر طلبًا للراحة؟ وألا تذكر كذلك كم من مرة جعلتك نفسك تطلق بصرك فيما حرم عليك؟! ومن الأمور المعينة على دوام الحذر من النفس: تتبع هذا الموضع في القرآن لنرى كيف فعلت النفس بمن سبقنا كإخوة يوسف، وامرأة العزيز، والسامري، وثمود، وفرعون .. ٢ - الخوف من الله: كما أن للنفس قابلية للفجور والطغيان، فلها كذلك قابلية للسكون والحذر كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]. والنفس - كما يقول الآجري-: إذا أطعمت طمعت، وإذا آيستها أيست. وإذا أقنعتها قنعت، وإذا أرخيت لها طغت. وإذا فوضت لها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت (١). وأفضل لجام تساق به النفس: لجام الخوف من الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهي النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. ووسائل استجلاب الخوف من الله كثيرة يقف على رأسها كثرة ذكر الموت، وتذكر الآخرة وزيارة المقابرة، وكتابة الوصية، وشراء الكفن، والاستماع إلى المواعظ، والقراءة في كتب الرقائق.

стр. 98

٣ - مقاومة خواطر العُجب: ستظل النفس - أي نفس - تلح على صاحبها بحمدها والإعجاب بها عند كل موقف إيجابى يقوم به، أو كلمة طيبة تخرج من فمه .. فعلينا أن لا نسترسل مع تلك الخواطر، وأن نقاومها غاية جهدنا، وألا نسكن إليها لما في ذلك من خطورة .. ومما يعين على هذه المقاومة تذكيرها بعواقب العُجب من مقت الله وغضبه وإحباطه للعمل. قال السري: لو أن رجلًا دخل بستانًا فيه من جميع خلق الله من الأشجار والأطيار، فخاطبه كل طائر بلغته، وقال: السلام عليكم يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك، كان في أيديها أسيرًا (١). ومن الوسائل المعينة على ذلك أيضًا: الإنفاق مما نحب من مال وغيره كلما ضعفنا أمام إلحاحها. ٤ - محاسبة النفس: لمحاسبة النفس مجالات كثيرة، تشمل كل ما أمرنا الله به أو نهانا عنه، والذي يعنينا في موضوع علاج العُجب: محاسبة النفس على الوفاء بحق الله كعلاج أكيد للتخلص من هذا الداء. يقول ابن القيم: ومما ينفى عن العبد العُجب ورؤية عمله: النظر في حق مولاه عليه أولًا، ثم نظره: هل قام به كما ينبغي ثانيًا. فمن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية: تلاشت حسناته عنده، وصغرت جدًا في عينه، وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه، وأن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية أمر آخر (٢).

стр. 99

تأمل حال موسى ﵇ وقد نظر إلى حق ربه أولًا قبل أن ينظر إلى عمله، فقال: يارب كيف لي أن أشكرك، وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك، لا يجازي بها عملي كله، فأتاه الوحي: يا موسى الآن شكرتني (١). والذي يعين على هذه المحاسبة هو التفكر في النعم، والعمل على إحصائها - كما سبق بيانه -، ومن أهم جوانب النعم الذي ينبغي التفكر فيها عند القيام بهذه المحاسبة: نِعم الاجتباء وسبق الفضل من الله للعبد. ٥ - دوام التوبة: التوبة هي النتيجة الطبيعية للمحاسبة الناجحة، التي نظر صاحبها إلى حق الله وعدم قدرته على الوفاء به، فيهرع إلى مولاه يطلب منه المسامحة والعفو .. وكلما ازددنا معرفة بحقه سبحانه، وشهدنا تقصيرنا في أدائه، عظمت توبتنا، واشتد خوفنا وازدراؤنا لأنفسنا. وهذا ما يوضح سبب خوف الصحابة والسلف الشديد مع شدة اجتهادهم. فهذا أبو بكر الصديق يقول: ليتني خضرة تأكلني الدواب (٢). وهذا ابن عباس يقول لعمر بن الخطاب: مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال عمر: وددت أني أنجو، ولا أجر ولا وزر. وقال عثمان بن عفان: لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا، قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. وقال رجل عند عبد الله بن مسعود: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إليّ، فقال عبد الله: لكن ههنا رجل ودَّ أنه إذا مات لم يُبعث .. يعني نفسه (٣).

стр. 100

الخلاصة: .. من هنا يتضح لنا أن من أهم وسائل استصغار النفس ورؤية العمل بعين النقص: معرفة الله ومعرفة النفس. يقول ابن القيم: من تمكن من قلبه شهود الأسماء والصفات، وصَفا له علمه وحاله، اندرج عمله جميعه، وأضعاف أضعافه في حق ربه تعالى، ورآه في جنب حقه أقل من خردلة بالنسبة إلى جبال الدنيا، فيسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه لاحتقاره له، وقلته عنده، وصغره في عينه (١). ويلخص الدبوسي أهمية معرفة الله، ومعرفة النفس فلا علاج العُجب فيقول: والنجاة من العُجب عزيزة، فالنفس مدعية للملك والإمرة والإحسان والقدرة .. ما ترجع إلا بالرجوع إلى معرفة عجزها وافتقارها، وبالوقوف على أسرارها، ومعرفة قدرة خالقها ومنته عليها في جميع طرائقها .. قل وردد: بالله أستعين، وبه أعوذ، وإياه أستهدي، وإليه ألوذ, تبارك من مقدر لا يتحرك العبد ولا يسكن ولا يتكلم ولا يسكت إلا بنعمة من الله جديدة مضمومة إلى منة قديمة .. فلله الحمد سرمدًا، والشكر متواليًا أبدًا (٢).

стр. 101

الفصل الرابع تكلف التواضع * مفهوم التواضع. * ضرورة التواضع. * التواضع علم أو عمل. * صور وأعمال التواضع: ° مع الله. ° مع النفس. ° مع الناس.

стр. 102

تكلف التواضع مفهوم التواضع: كما أن التكبر هو أن يكون المرء عند نفسه كبيرًا، فيظهر ذلك في تعاملاته مع الآخرين، فإن التواضع عكس ذلك: أي أن تكون عند نفسك صغيرًا، وأن تترجم تعاملاتك مع الآخرين هذه الحقيقة .. فالتواضع إذن حالة قلبية يعيشها العبد مع نفسه وتظهر آثارها في سلوكه. قال أبو سليمان: لا يتواضع عبد حتى يعرف نفسه. وقال الحسن: التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليه فضلًا (١). وقيل لأبي يزيد: متى يكون الرجل متواضعًا؟ فقال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا، ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه .. فمن يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب، وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه ومعرفته بنفسه (٢). ويؤكد الإمام الشافعي على نفس المعنى فيقول: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلًا من لا يرى فضله (٣). ضرورة التواضع: يقول المحاسبي: اعلم أن الكبر لا يليق إلا بالله وحده، وأن العبد إذا تكبر صار ممقوتًا عند الله، وقد أحب الله منه أن يتواضع، وقال له: إن لك عندي قدرًا مالم تر لنفسك قدرًا، فإن رأيت لنفسك قدرًا، فلا قدر لك عندي,

стр. 103

فمن عقل ذلك: فلابد وأن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه، وهذا يزيل الكبر والعُجب من قلبه، وإن كان يرى نفسه مقصرًا. فبمثل هذا زال التكبر عن الأنبياء ﵈ إذ علموا أنه من نازع الله تعالى رداء الكبر قصمه. وقد أمرهم الله أن يصغروا في أنفسهم حتى يعظم عند الله محلهم، فهذا أيضًا مما يبعث على التواضع لا محالة. قال ﷺ : " إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد " (١). التواضع علم وعمل: فإن كانت حقيقة التواضع هي أن يرى العبد نفسه صغيرًا، فإن هذا المفهوم يحتاج إلى عمل يرسخ مدلوله في القلب، ويعمق معناه في النفس، وهذا هو ما أشار إليه أبو حامد الغزالى بقوله: لا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل (٢). وتجدر الإشارة إلى أن تكلف المرء لأفعال المتواضعين دون أن يكون منطلقها هذه الحالة القلبية من استصغار النفس قد يؤدي إلى عكس المطلوب، فيكون هذا التواضع الظاهري سببًا لزيادة إعجاب المرء بنفسه واستعظامه لها، فيعجب بتواضعه، ويظن أن عنده شيئًا ليس عند غيره. قال ابن عمر: رأس التواضع أن ترضى بالدون من المجالس، لا لحظ نفسك، فقد يجلس أحدهم عند النعال ومعه من الكبر ما الله به عليم، وما حمله على مجلسه ذلك إلا ليقال: إنه متواضع (٣).

стр. 104

من هنا يتضح لنا أن استخدام هذه الوسيلة في العلاج ينبغي أن تكون بعد استخدام الوسائل السابقة، والتي تضع في القلب بذرة معرفة العبد بربه ومعرفته بنفسه، ليأتي التواضع بعد ذلك فينميها ويزيدها رسوخًا وعظمًا. صور وأعمال التواضع: للتواضع صور كثيرة منشؤها استصغار المرء بنفسه .. هذه الصورة تشمل كل العلائق: سواء كانت علاقة العبد بربه، أو علاقته بنفسه، أو علاقته بالآخرين.

стр. 105

مع الله تواضع العبد في علاقته مع ربه، ومعاملته له تنطلق من رؤيته لحقيقته وأصله، وأنه مخلوق عاجز، ضعيف، جاهل .. أصله هو التراب والماء المهين. وتنطلق معاملة العبد لربه كذلك من استشعاره لعظمته - سبحانه - وجلاله وكماله، وعظيم فضله عليه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين. هذه الحالة القلبية ينبغي أن يترجمها العبد في صورة تذلل ومسكنة وخضوع لله ، وإظهار عظيم افتقاره وحاجته إليه، وأنه مهما أوتي من أشكال الصحة والقوة والجمال والجاه والمال فهو كما هو، عبد ذليل لرب جليل، وأن هذه الأشياء لم تغير من حقيقته شيئًا. وهذا ما كان يفعله رسولنا ﷺ وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان .. كانوا يظهرون خضوعهم وانكسارهم لربهم كلما ازدادوا رفعة في الدنيا. فهذا رسولنا ﷺ يدخل مكة فاتحًا بعد أن أخرجه منها أهلها .. فماذا كان حاله وقت دخوله؟! أقبل ﷺ حتى وقف بذي طوى، وهو معتجر ببرد حبرة. فلما اجتمعت عليه خيوله، ورأى ما أكرمه الله به، تواضع لله حتى إن عنثوته (ذقنه) لتمس واسطة رحله (١). وهذا النجاشي يلبس ملابس رثة، ويجلس على التراب بعد أن بلغه انتصار المسلمين في بدر، فقال له جعفر بن أبى طالب: ما بالك تجلس على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق، قال: إنما نجد فيما أنزل الله على عيسى ﵇: إن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما أحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله نصر نبيه، أحدثت هذا التواضع (٢).

стр. 106

وأخرج ابن أبى حاتم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " ما رفع سليمان ﵇ رأسه إلى السماء تخشعًا، حيث أعطاه الله ما أعطاه ". كيف دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس ؟!: وهذا عمر بن الخطاب يدخل بيت المقدس فاتحًا .. فماذا كان حاله؟! كان بينه وبين الغلام الذي معه مناوبة .. فلما قرب من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء، ونعله تحت إبطه اليسرى، وهو آخذ بزمام الناقة، فخرج أبو عبيدة وكان أميرًا على الشام، وقال: يا أمير المؤمنين إن عظماء الشام يخرجون إليك، فلا يحسن أن يروك على هذا الحال، فقال عمر: إنما أعزنا الله بالإسلام، فلا نبالي بمقالة الناس (١). وعند موته ﵁ قال لابنه عبد الله: اطرح وجهي يا بني بالأرض لعل الله يرحمني .. قال: فمسح خديه بالتراب (٢). ألا ترى في هذا الموقف مدى تذلل عمر وانكساره لربه، وهو يمسح خديه بالتراب، وكيف كانت آماله كلها متعلقة برحمته سبحانه؟! وعلى نفس الدرب سار عمر بن عبد العزيز الذي ما كان يسجد إلا على التراب (٣) .. وكان يلبس ثيابًا عجيبه عند قيامه الليل! عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان لعمر بن عبد العزيز سفط، فيه دراعة من شعر وغل، وكان له بيت في جوف بيت، يصلي فيه لا يدخل فيه أحد، فإذا كان في آخر الليل، فتح ذلك السفط ولبس تلك الدرعة، ووضع الغل في عنقه، فلا يزال يناجي ربه ويبكي حتى يطلع الفجر، ثم يعيده إلى السفط (٤).

стр. 107

التواضع عند الرِفعة: إذن فعندما نبتلى بمنصب أو جاه بين الناس علينا أن نكثر من أعمال التواضع، لأن النفس في هذه الحالة تريد أن تشمخ وتخلع جلباب العبودية، وتلبس لباس التيه والفخر، وبالمبالغة في التواضع تعود إلى أصلها. انظر إلى أبي بكر الصديق ﵁ وقد استمر في حلب الأغنام لجيرانه بعد توليه الخلافة، ويقول لهم بعد أن ظنوا أنه لن يستمر في ذلك: بل لعمري لأحلبها لكم، وإني لأجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه خلق كنت عليه، فاستمر يحلب لهم (١). ولما بعث عمر أبا هريرة أميرًا للبحرين دخلها وهو راكب على حمار، وجعل يقول: طرقوا للأمير، طرقوا للأمير (٢). ورئي عثمان بن عفان على بغلة، وخلفه عليها غلامه نائل وهو خليفة، ورئي كذلك نائمًا في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٣). قال أيوب السختياني: ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعًا لله (٤). ويحكي ابن الحاج في المدخل عن الشيخ الزيات - الذي كان من أكابر العلماء الصلحاء في وقته ببلاد المغرب - أنه كان إذا جلس إلى الدرس يجتمع له نحو من أربعمائة أو ستمائة من الفقهاء يحضرون إليه، فإذا فرغ من مجلسه قام ودخل بيته، وأخرج ما يحتاج إليه على رأٍسه أو في يده من قمح أو عجين يخبزه، أو شراء خضرة أو حاجة من السوق، أو حصاد لزرعه بيده، أوغسل ثياب إلى غير ذلك من الحوائج (٥).

стр. 108

التواضع عند ورود النعم: ومن المواضع التي يتأكد عندها التواضع لله : ورود النعم. قال كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة من الدنيا فشكرها لله، وتواضع بها لله، إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها لله، إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له طبقًا من النار يعذبه إن شاء، أو يتجاوز عنه (١). ومن صور التواضع لله: كثرة السجود: من أجَل صور التواضع لله: السجود، فمن خلاله يكون العبد في وضع يظهره بمظهر الذليل، المنكسر، المستكين، وهذا ما يريده الله منه، من هنا يتبين لنا قوله ﷺ : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء " (٢). فلنكثر من السجود، ولنظهر فيه انكسارنا واستكانتنا وخضوعنا لمولانا. قال طاووس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، فسمعته يقول في سجوده: عُبَيدك بفنائك، ومسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك (٣). إظهار المسكنة في الدعاء: إظهار المسكنة في الدعاء صورة من صور تواضع العبد لربه .. أخرج الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ ، ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين. وفى حديثه أيضًا أن النبي ﷺ قال في دعائه عشية عرفه: " أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، الوجل، المشفق، المقر، المعترف بذنبه، أسالك مسألة

стр. 109

المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم لك أنفه ". التواضع عند الشدة والكرب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. فذم - سبحانه - من لا يستكين لربه عند الشدة. فمع ضرورة استكانة قلب المؤمن لربه وخشوعه له وإظهاره الفقر والمسكنة إليه في كل أحواله، إلا أن هذه الحالة ينبغي أن تتأكد عند الشدة والكرب. فهذا رسولنا ﷺ يخرج عند الاستسقاء متواضعًا، متخشعًا متمسكنًا متبذلًا (١). وحبس لمطرف بن عبد الله قريب له، فلبس خلقان ثيابه، وأخذ بيده قصبة وقال: أتمسكن لربي لعله يشفعني فيه (٢).

стр. 110

مع النفس حقيقة التواضع مع النفس هو استصغار المرء لها، ورؤيتها بعين النقص، كحال موسى ﵇ عندما استصغر نفسه، واستكثر أن يتحمل الرسالة بمفرده ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] مع أن الواقع يدل على أنه ﵇ قد قام بها على خير وجه. وهذا إبراهيم ﵇ يقول في دعائه: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] قال الشوكاني: وإنما قال ﵇ ذلك هضمًا لنفسه (١). وتأمل ما قاله يوسف ﵇ في مناجاته لربه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وكانت أحب كلمة تقال لعيسى ﵇: كان هذا المسكين (٢). وكذلك كان رسولنًا ﷺ ، يقول القاضي عياض: وحسبك أنه خُيِّر بين أن يكون نبيًا ملكًا أونبيًا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًا عبدًا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع (٣). ومن صور تواضعه مع نفسه قوله ﷺ : " رحم الله أخي يوسف لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة حين قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ (٤) [يوسف: ٥٠].
следующие страницы →