Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[طريقك إلى تقوية إيمانك]ـ
المؤلف: أسماء بنت راشد الرويشد
الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تمهيد:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحابته وسلم تسليماً كثيراً وبعد:
فإن من أهم المهمات وأوجب الواجبات تحقيق الإيمان وتكميله؛ إذ أن كل خير في الدنيا والآخرة متوقف على وجوده وصحته وكماله.
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
من هنا شمر المشمرون وتنافس المتنافسون في تحقيق الإيمان وتكميله وتقويته، ومن أولئك سلف الأمة وصدرها الذين كانوا يتعاهدون إيمانهم ويتفقدون أعمالهم ويتواصون بينهم.
стр. 3
فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: "هلموا نزداد إيماناً" وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول: "هلموا بنا نؤمن ساعة".
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول في دعائه: "اللهم زدني إيماناً ويقيناً وفقهاً" فالإيمان يقوى ويضعف ويزيد وينقص ويبلى كما يبلى الثوب فيحتاج إلى تجديد، لذا كان السلف يتعاهدونه بالرعاية والمراقبة .. قال أبو الدرداء ﵁: "من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص".
لذلك كان لابد من الحديث عن الإيمان وأهمية تفقده وتكميله إذ هو المنة العظمى كما قال تعالى ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وبتكميل الإيمان تحصل سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
стр. 4
حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٩٧) سورة النحل.
والإيمان شرط لقبول العمل قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (٩٤) سورة الأنبياء.
وعلى قدر تحصيل الإيمان وتحقيقه يحصل الثبات للإنسان أمام مغريات الفتن وتيارات المحن.
قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٢٧) سورة إبراهيم.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌٍ﴾ (١٧٣) سورة آل عمران.
стр. 5
ما هو الإيمان وما حقيقته ؟
الإيمان هو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار والإذعان للأحكام.
فلا يكفي في تحقيق الإيمان المعرفة وحدها أو التصديق القلبي فقط، فلو أن رجلاً أقر بالله تعالى وبصحة نبوة محمد ﷺ ولكنه لم يقبل ويستسلم لما بلغه من أحكام الإسلام فإنه كافر وليس بمؤمن.
لأجل ذلك قال الله تعالى عن الكفار من أهل الكتاب ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠) سورة الأنعام.
وعلى ذلك فالإيمان إقرار بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فأعمال الجوارح تبع لأعمال القلب. والإيمان يزيد حيث إقرار القلب وطمأنينته وسكونه.
والإنسان يجد ذلك من نفسه، فتارة تدمع العين من تلاوة آية واحدة وتارة لا تدمع ولو طالت القراءة. وكذلك عندما يحضر مجلس
стр. 6
ذكر فيه موعظة فإنه يزداد إيمانه ويشعر بإقبال على الخير، وعندما توجد الغفلة يخف ذلك اليقين في قلبه والإقبال.
وقد جاء في القرآن ما يثبت أن الإيمان يزيد وينقص قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٣١) سورة المدثر.
وقال تعالى ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١٢٤) سورة التوبة.
قال الشافعي ﵀: "كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر" .. نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى.
بينما هناك من يخطئ خطأ فاحشاً فيعتقد أن الإيمان وهو التصديق القلبي المجرد من قول اللسان وعمل الأركان، وذلك هو
стр. 7
في الأصل فكر الإرجاء الذي ما زال يفتك بالأمة والذي يقوم على مبدأ أن الإيمان الذي في القلب لا تؤثر فيه المعاصي ولا تنقص منه وأن العمل الصالح ليس شرطاً في صحة الإيمان، ومن صوره الواقعية في العصر الحاضر تبرير العاصي لمعصيته ودفع اللوم عنه بقوله: الإيمان في القلب والمهم هو عقيدة القلب وإيمانه. والبعض يقول: دينك في قلبك، فيفضلون بين الإيمان الذي في القلب بزعمهم وبين العمل الظاهر وأنه لا ارتباط بينهما في الزيادة والنقص أو الوجود والعدم.
وفي ذلك إلغاء لمظهر الدين والشرع وإسراع في إزاحة الدين عن الواقع والحياة وغسل كل أثر طيب من آثار الإيمان ونفحاته، كما أن الانتماء إلى الفكر الإرجائي يشجع على الاسترسال في المعاصي والجرأة على المحرمات بحجة أنها لا تضر الإيمان الذي في القلب.
стр. 8
قال الزهري: "ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهلها من الإرجاء". وقال شريك القاضي عن المرجئة "هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله".
وهنا سؤال مهم جداً:
ما هو الإيمان الذي يعصم صاحبه من عذاب الله تعالى؟
الجواب: ذلك هو الإيمان الواجب الذي يمنع صاحبه من التقصير في الواجبات والوقوع في المحرمات على وجه الإصرار والاستهانة. لذلك جاءت النصوص بنفي الإيمان عن أهل الكبائر ويراد بها انتقاء الإيمان الواجب ولا يراد به انتفاء الإيمان كله كما في رواية مسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .. ". وحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له".
ولعظم مكانة المؤمن عند ربه فلقد خصه الله جل وعلا بفضائل كبيرة في الدنيا ولأجر الآخرة أكبر وأعظم.
стр. 9
١ - معية الله تعالى للمؤمن ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (١٢٨) سورة النحل. فهو معهم بالرعاية والكفاية والنصر والتأييد والهداية والتوفيق والتسديد وغير ذلك.
٢ - الدفاع عن المؤمن .. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (٣٨) سورة الحج. فيحفظهم من شر الأشرار وكيد الفجار بتأييده ونصره ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) سورة الروم.
٣ - تسديد المؤمن وتوفيقه للهداية: قال تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي يخرجهم من الضلالة إلى الهداية ومن الجهالة إلى الرشد.
٤ - وأما منزلة المؤمن في الآخرة: فهو رضوان الله وجناته ورؤية وجهه الكريم والأنس باستماع كلامه. وحسبنا أن نورد ما أخبر به النبي ﷺ في بيان منزلة المؤمن في الآخرة: "إن أهل
стр. 10
الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧٢) سورة التوبة.
وقد قسم ابن القيم القلوب إلى ثلاث أقسام على حسب ما يقوم بها من إيمان فقال رحمه الله تعالى:
стр. 11
القلوب ثلاثة: قلب خال من الإيمان وجميع الخير، فذلك قلب مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس فيه، لأنه قد أتخذه بيتا ووطنا، وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكين.
القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان، وأوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواطف الأهوية فللشيطان هناك إقبال وإدبار ومجالات ومطامع، فالحرب دول وسجال، وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة، فمنهم من أوقات غلبته لعدوه أكثر، ومنهم من أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم من هو تارة وتارة.
القلب الثالث: قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في قلبه إشراق ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس احترق به، فهو
стр. 12
كالسماء التي حرست بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رجم فاحترق.
مظاهر ضعف الإيمان
إن لضعف الإيمان في القلب علامات ظاهرة في أقوال العبد وأفعاله وسائر حاله، والشاهد على ذلك قول النبي ﷺ "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". وصلاح القلب وفساده يكون بقوة الإيمان وضعفه.
وإليكم بعضا من تلك العلامات والمظاهر، وقد خصت بالذكر لخطورتها وكثرة شيوعها وإن كانت أكثر من أن تحصر فمنها:
١ - اقتراف الذنوب مع استصغارها والإصرار عليها:
إن الاستهانة بالذنوب والتساهل مع النفس في مواقعتها علامة على ضعف الإيمان في القلب وقسوته.
стр. 13
فإصرار العاصي على الذنب ولو كان صغيرا علامة استهانته بالله الذي عصاه وضعف خوفه منه. بينما المؤمن قد يفرط منه معصية وقد تكون كبيرة من غير إصرار ولا يكون ذلك مؤشرا لضعف إيمانه؛ لأن إيمانه يدفعه لأن يتوب وينيب إلى الله تعالى.
والنبي ﷺ قد ربط بين المعصية وبين ضعف الإيمان بقوله "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن".
لذا ينبغي على المؤمن أن يحتاط بالإيمان حتى من الشبهات ليكون في مأمن من الوقوع في المحرمات التي حذرنا من الوقوع فيها النبي ﷺ فقال: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه". وفي رواية البخاري
стр. 14
"ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان".
ومن الذنوب التي قد يستصغرها بعض الناس: إطلاق البصر في الحرام كمشاهدة الأفلام والمسلسلات وغيرها والكذب والغيبة والنميمة وعدم المبالاة في طرق الكسب والتجارة.
وكذلك ذنوب الخلوات إذا غاب عن الرقيب البشري، إما في خيانة الأمانة أو ترك واجب، لكون الناس لا يرونه، أو ممارسة المحرمات الخفية التي يستحي من أن يراه الناس عليها، كإقامة العلاقات المحرمة، ونزع المرأة حجابها حين سفرها؛ لكونها ابتعدت عن مجتمعها وبلادها.
فالله مسؤول أن يغيث قلوبنا بالإيمان وأن يعيذنا من المعاصي والفتن ما ظهر منها وما بطن.
٢ - التقاعس عن الطاعات والتثبيط دونها:
الميل إلى الراحة والملذات من علامات ضعف الإيمان، كما أنها من علامات المنافقين، كما قال ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ
стр. 15
خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
وقد حذر من ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء:
١ - رد الحق لمخالفة الهوى، فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً.
٢ - التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فإنك تعاقب بالتثبيط والإقعاد والكسل، فمن سلم من هاتين الآفتين فلتهنه السلامة.
ومن صور ذلك تأخير الصلوات وخاصة صلاة الفجر والعصر وهجر كتاب الله والبخل بالمال عن الإنفاق في سبيل الله.
стр. 16
٣ - التنافس على الدنيا:
فمظهر التنافس على الدنيا والاشتغال بها والانخداع بزهرتها من علامات جهل العبد بحقيقتها وضعف إيمانه بالله والدار الآخرة، فمتى عظمت رغبة العبد في الدنيا وتعلق قلبه بها ضعفت رغبة العمل للآخرة ثم نقص الإيمان بحسب ذلك، قال ابن القيم "وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة".
أما أهل الإيمان فقد هانت عليهم الدنيا حتى أصبحت أهون من التراب الذي يمشون عليه كما قال الحسن البصري: "والله لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت، ذهبت إلى ذا أو ذهب إلى ذا" ومن الصور الانشغال بالدنيا الانشغال بجمع المال والانشغال بالمظاهر والمساكن وغير ذلك من أمور الدنيا انشغالا مفرطا يشغل عن أمور الدين ويوقع في المحرمات، ومن مظاهر
стр. 17
ذلك أيضا التشاحن على حطامها والتباغض لأجلها، يقول الحسن البصري "إذا نافسك أحد في الدين فنافسه وإذا نافسك أحد في الدنيا فألقها في نحره".
قال تعالى ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾.
٤ - الغفلة عن ذكر الله :
كما جاء في وصف ضعاف الإيمان ومرضى القلوب، وهم المنافقون، في قلة ذكرهم لله وطول غفلتهم ﴿يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال عمر بن حبيب الحطمي: "الإيمان يزيد وينقص فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه".
ومن صور ذلك هجر القرآن وترك أذكار أدبار الصلوات وإهمالها وقلة الصبر عليها، كذلك إهمال أذكار الصباح والمساء
стр. 18
وغيرها من مواطن ومناسبات الذكر وقلة الصلاة والسلام على النبي ﷺ والغفلة عن الاستغفار والانقطاع عن مجالس العلم والدروس وغير ذلك كثير.
٥ - إهمال محاسبة النفس:
عدم مؤاخذتها في تقصيرها فضعيف الإيمان يواقع الذنب تلو الذنب بلا ندم ولا شعور بقبح فعله، وما ذلك إلا بإهماله لمحاسبة نفسه وتركها على جنوحها من غير تقويم وتأديب.
لأجل ذلك أمر الله عباده المؤمنين بمحاسبة أنفسهم؛ لأن الإيمان الصحيح يقتضي أن يكون الإنسان محاسباً واقفا عليها بالمراقبة فناداهم بوصف الإيمان في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
فالمؤمن قوي الإيمان لا يزال محاسبا نفسه على تقصيرها وتفريطها.
стр. 19
كما يصف الحسن البصري نفس المؤمن، فلا ترى المؤمن إلا وهو يلوم نفسه: ماذا أردت بفعل كذا؟ ماذا أردت بكلمة كذا؟
٦ - عدم أو ضعف التأثر بالآيات والمواعظ:
وذلك من جراء قسوة القلب والكثافة التي تتابعت من توالي الذنوب والمعاصي كما قال تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
ولا سيما معاصي السمع والبصر واللسان، فإنها سبب سريع مباشر لقسوة القلب وضعف الإيمان ومن ثم تظهر شكوى عدم الخشوع في العبادة وضعف التأثر عند تلاوة آيات القرآن، وكذلك ضعف أثر المواعظ والذكر في القلب لأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾.
قال ابن الجوزي: استعن على صلاح قلبك بحفظ جوارحك.
стр. 20
ومن علامات ضعف الإيمان أن تمر الموعظة والنصيحة والمشهد المؤثر على قلب ضعيف الإيمان كما تمر قطرة الماء على الصفا بلا أثر وتأثر، ومن علامات ذلك جمود العين وعدم التأثر بآيات القرآن عند قراءتها وسماعها قال الله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال عثمان بن عفان ﵁ "لو طابت قلوبنا لما ملت كتاب الله".
٧ - ظهور الأخلاق السيئة:
يظهر ضعف الإيمان من خلال الأخلاق السيئة كالكبر والحسد والعجب والأثرة حب الذات، كما قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
стр. 21
ومن ذلك عدم رعاية الأمانة الخيانة، لا إيمان لمن لا أمانة له.
وكذلك ذهاب الحياء: "والحياء شعبة من الإيمان".
وسوء الجوار "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت".
كثرة الثرثرة والهذر "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" الوقوع في الغيبة "يا معشر من أمن بالله بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم
стр. 22
فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته".
٨ - الاستئناس بمجالس المعصية ومعاشرة أهلها:
قال قتادة: إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله فصاحبوا الصالحين من عباد الله، والله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم.
فخلطة أهل الغفلة وأهل الزيغ من أكبر أسباب مرض القلب وهبوط الإيمان ومظاهر نقصانه، قال الإمام ابن القيم ﵀: مثل القلب مثل الطائر كلما علا بعد عن الآفات وكلما نزل احتوشته الآفات.
قال ﷺ "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
стр. 23
فأضر الناس على إيمان الشخص قرناء السوء، لأن الطباع مجبولة على التأثر والاقتداء بمن يصاحب فمجالسة الحريص على الدنيا وكثير الحديث عنها والاهتمام بها تحرك في النفس الحرص على الدنيا، ومجالسة المبتدعة وأهل الأهواء تردي إلى مهاوي البدع وهكذا.
قال سفيان الثوري: ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب.
مظاهر قوة الإيمان:
فإنه كما تقرر سابقاً أن الإيمان يزيد ويقوى ولا شك أن ذلك يكون له علامات وظواهر جلية في أقوال صاحبه وأفعاله وسائر أحواله فالمؤمن الذي رسخ الإيمان في قلبه لا بد أن تتأثر بذلك جوارحه ويسري فيها مسرى الدم في العروق وتظهر آثار هذا الإيمان في أقواله وأفعاله وفي سلوكه وتصرفاته حتى في خواطره وأمنياته، ومن ذلك:
стр. 24
١ - سرعة الانقياد للشرع:
فأعظم آثار الإيمان في قلب المؤمن التزامه بشرع الله ومحافظته عليه وأن يكون واقفاً عند حدوده ونواهيه كما قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١، ٥٢].
بل قد نفى الإيمان عن أولئك الذين يتململون من أحكام الشريعة حتى ولو في بواطنهم فقال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقد ضرب المؤمنون حقاً وهم الصحابة رضوان الله عنهم أروع الأمثلة في التزامهم أمر الله ورسوله حتى قال قائلهم (لو أمرنا الله بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا) وحسبنا أن
стр. 25
نذكر موقف نساء الأنصار حين نزلت آيات الحجاب وكيف كان سرعة انقيادهن واستجابتهنّ بلا تردد.
وفي هذا تحدث عائشة ﵂: (إن لنساء قريش فضلاً وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار. وأشد تصديقاً لكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل لما نزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهم ما أنزل الله إليهم منها، يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما فيهنّ امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتاب فأصبحن وراء رسول الله ﷺ كأن على رؤوسهنّ الغربان).
٢ - اجتناب لوثات الشرك:
إن من آمن أن الله هو الخالق الرازق القوي القادر الذي بيده الأمر، علم يقيناً أن الخلق كلهم فقراء إليه وضعفاء من دونه لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولهذا فإنه إذا سأل، سأل الله وإذا استعاذ استعاذ
стр. 26
بالله وإذا توجه ولجأ لجأ إلى الله وحده وإذا توكل، توكل على الله، علم يقيناً وآمن حقاً أن الله تعالى كاف عبده المؤمن فتوكل عليه واطمأن به كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
حفظ قول ربه تصديقاً وإيماناً ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فسارع إلى ربه في ملماته وحوائجه.
وإذا حلف، حلف بالله لأنه يعلم أن: (من حلف بغير الله فقد أشرك).
لا يتطير ولا يتشاءم توكلاً على الله وحسن ظنه به ورضاءً بأمره (الطيرة شرك) والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.
стр. 27
فحري بالمؤمن أن يطهر نفسه من الشرك المخرج من الملة وأن يتعاهد قلبه وعمله بالمحاسبة حتى يطمئن إلى السلامة من الشرك بأنواعه.
وبالجملة فعمل المؤمن الحق ظاهراً وباطناً قائم على التوحيد سالماً من لوثات الشرك وأدرانه.
٣ - مدافعة الوساوس الشيطانية:
يقول الرسول ﷺ : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله ورسوله".
فالمؤمن إذا خطر بقلبه خواطر ووساوس شيطانية من الشك في الدين أو العبادة فعليه أن يدفعها مباشرة ولا يسترسل معها ولا يستسلم لها، بل يلجأ إلى الله تعالى في دفعها عنه حتى تزول عنه ويندحر الشيطان.
стр. 28
٤ - الحب في الله واستشعار الأخوة للمؤمنين:
من أجلِّ آثار قوة الإيمان وصحته حب المؤمن لإخوانه في الدين ولا سيما أهل الطاعة والخير، فيحب لهم ما يحبه لنفسه "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". فهو يسعى في حاجاتهم ويشعر بمصابهم ويحزن لآلامهم حتى يكون وإياهم كالجسد الواحد "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".
فهو ينزل إخوانه المؤمنين منزلة نفسه وأهل بيته، فما يحبه لنفسه وأهل بيته من حصول الخير ودفع الشر يحبه لهم،
стр. 29
وما يكرهه لنفسه وأهل بيته من حصول الشر وفوات الخير يكرهه لهم كذلك، وهذه حقيقة الإيمان وعلامة كماله وعليها تقاس درجة الإيمان.
وكم سطر المؤمنون الصادقون صوراً رائعة تتجسد من خلالها معاني الأخوة الإيمانية والحب في الله من سلف هذه الأمة إلى خلفها الصالح حتى عصرنا هذا.
٥ - بغض أعداء الله ومجانبتهم:
من أعظم مقتضيات الإيمان وآثاره التي يجب أن تظهر جلية في المؤمن ولاؤه لله ورسوله وللمؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
فالولاء لله هو: محبة الله ونصرة دينه ومحبة أهل طاعته ونصرتهم.
والبراء هو: بغض أعداء الله ومجاهدتهم.
كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ
стр. 30
أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... ﴾ قيل إنها نزلت في أبي عبيدة عامر بن الجراح حين قتل أباه المشرك يوم بدر ولهذا قال عمر: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته.
وقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله فهذا من كتب في قلبه الإيمان وزينه في بصيرته.
٦ - الخلق الحسن:
كما أن الإيمان قوة عاصمة عن الأخلاق الدنيئة، كذلك هو قوة دافعة إلى المكرمات والأخلاق الحسنة، وقد وضح النبي ﷺ أن الإيمان القوي يولد الخلق الكريم حتما، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان كما مر معنا، وبحسب ضعف الإيمان يتفاقم الشر ويزداد الانهيار الأخلاقي.
ومن ثم فإن الله تعالى إذا أراد أن يدعو عباده إلى الخير أو ينهاهم عن الشر كان يناديهم بوصف الإيمان الذي يقتضي
стр. 31
الاستجابة والسمع والطاعة لما يأمر به وينهى عنه، كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
٧ - الصمود في مواجهة الفتن:
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
فالله جل وعلا يختبر صدق إيمان عباده ويظهر حقائق معادن قلوبهم في مواقف الاختبار بالفتن من خير وشر ونعمة ومصيبة كما قال تعالى ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.
فالمؤمن متسلح بسلاح الإيمان في سرائه وضرائه وشدته ورخائه، شامخا بدينه لا يتنازل عنه ولو قليلا، في مواقف الشهوات والمجاملات ثابت على أرض الإيمان لا تهزه أعاصير الأهواء والأمزجة ولا تغير موقفه فتنة الناس ومجاراتهم، غير آبه
стр. 32
بردود أفعالهم وأقوالهم، مستصحبا تقوى الله ومخافته حيثما كان في كل المواقف والأحوال.
وهنا تظهر حكمة الله تعالى في توالي الفتن وكثرتها في آخر الزمان، وذلك لكثرة مدعي الإيمان المنطوين تحت لواء الإسلام وهم كغثاء السيل في الكثرة ولكنهم قلة في نصرة دينه وإعلاء كلمته والجهاد في مرضاته، فيأبى الله إلا أن يظهر الحقائق ويبتلي السرائر ويميز الخبيث من الطيب، كما قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
أي على ما أنتم عليه في حال الرخاء وجريان الأمر على العادة وادعاء دعوى الإيمان، إذ لابد من الاختبار والابتلاء لتظهر النتيجة ويتميز الصادق من الكاذب والخبيث من الطيب ﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
стр. 33
ونحن في هذا الزمان الذي يُحارب فيه الإسلام وأهله، وقد تكالبت عليهم الأمم المعادية كما تتكالب الأكلة على قصعتها، وما ذلك إلا من ضعف ضرب في قلوب كثير من المسلمين، إلا من تميَّز بصدق إيمانه وعزته بدينه ونصرته لعقيدته، في مواقف اتسمت بالصبر على التمسك بالدين والثبات عليه، مع كثرة المغريات والشهوات والشعارات المضللة، ومن صور ذلك ما نراه اليوم من تمسك بعض المسلمات بعفتهن وحجابهن وحفظهن لبيوتهن عزيزات مصونات في مقابل دعوات التحرر والتحضر والاختلاط بدعوى المشاركة في العطاء وإزالة التميز ضد المرأة، وغير ذلك من الدعوات الخطيرة المعاصرة التي اغتر بها الكثير من ضعاف الإيمان رجالا ونساء، فانساقوا وراءها مؤيدين ومطالبين ومطبقين.
стр. 34
أسباب زيادة الإيمان وتقويته
أولا: تعلم العلم النافع:
وهو العلم المستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ من مسائل العقائد والحلال والحرام والفضائل والمعارف المتنوعة، فمن وفق لهذا العلم، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان، ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة علم ذلك.
قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٥٤ سورة الحج).
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١ سورة المجادلة).
وفي الصحيحين من حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين".
стр. 35
وفي المسند وغيره من حديث أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
وفي الترمذي وغيره من حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير".
فهذه بعض ما ذكر من الآثار الحميدة والخصال الكريمة للعلم وأهله في الدنيا والآخرة.
стр. 36
قال الآجري في مقدمة كتابه أخلاق العلماء، إن الله وتقدست أسماؤه اختص من خلقه من أحب فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة، وفهمهم في الدين وعلمهم التأويل وفضلهم على سائر المؤمنين".
وينبغي التنبيه إلى أن العلم ليس مقصودا لذاته بل هو وسيلة لأعظم الغايات وهو التعبد لله بالعمل قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ (٢ سورة الزمر).
وكل ما ورد في فضل العلم إنما هو ثابت له من وجه ما هو مكلف به من العمل.
وقد جاءت النصوص بالوعيد لمن لم يعمل بعلمه وأن المتعلم يُسأل عن علمه ماذا عمل به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣ سورة الصف).
стр. 37
قال الحسن البصري: العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة الله على عباده.
بل إن الأعمال إنما تتفاوت في زيادتها ونقصها وحسنها وفضلها بل وقبولها وردها بحسب ما يقوم به صاحبها من العلم بها. كما قال ابن القيم ﵀: "والأعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له فالعمل الموافق للعلم هو المقبول، والمخالف له هو المردود، فالعلم هو الميزان وهو المحك".
والمؤمن لا بد له من علم بما جاء به الرسول ﷺ يكون يقينا له لا ريب عنده فيه ويكون سلاحا له ضد غارات الشبهات وتيارات الشهوات، لا سيما في هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن وتلاعبت بالناس الأهواء والآراء المجردة من الدليل، فلا نجاة للمؤمن بإيمانه ما لم يكن معه علم يدافع به عن إيمانه ويقويه.
стр. 38
وعلى هذه فزيادة الإيمان الحاصلة من جهة العلم تكون من وجوه متعددة:
١ - من جهة خروج صاحبه في طلبه.
٢ - جلوسه عليه في حلقة العلم والذكر ومذاكرة مسائله.
٣ - زيادة معرفته بالله وشرعه.
٤ - تطبيقه لما تعلمه.
٥ - من حيث تعليمه الجاهل ما تعلمه.
٦ - الصبر على تحصيله والدعوة إليه.
فهذه جوانب متعددة يزداد بها الإيمان بسبب العلم وتحصيله. أما أبواب العلم الشرعي التي يحصل بها زيادة الإيمان فكثيرة جدا منها:
١ - قراءة القرآن الكريم وتدبره:
لا شك أن أعظم أبواب العلم دراسة كتاب الله وتناوله بالفهم والتدبر، وبه يزداد الإيمان ويثبت ويقوى.
стр. 39
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢ سورة الأعراف).
وقد أخبر سبحانه أنه إنما أنزله ليدبر العباد آياته فقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩ سورة ص).
وقال تعالى مؤكدا أن القرآن يزيد المؤمنين إيمانا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢ سورة الأنفال).
قال ابن القيم ﵀: فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.
стр. 40
وقال محمد رشيد رضا "واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التدبر، بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه".
وكما بينا في شأن العلم سابقا فإن زيادة الإيمان التي تكون بقراءة القرآن لا تكون إلا لمن اعتنى بفهمه وتطبيقه والعمل به، وإلا فكم من قارئ للقرآن والقرآن حجيجه وخصيمه يوم القيامة، وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله: "والقرآن حجة لك أو عليك".
وقال قتادة: "لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان".
وكثير من الناس من اشتغل بحفظ القرآن وحسن ترتيله مع إهمال جانب العمل به والتخلق بأخلاقه فيصف الحسن البصري هذا النوع من الناس فيقول:
следующие страницы →