← Тараджим

Тараджим · id 36357

لسان الميزان - ت أبي غدة

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (5 296 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب حوى تراجم رواة الحديث بالأصالة وتعرض للقراء والمفسرين والفقهاء والأصوليين والشعراء واللغويين والمتصوفة والمؤرخين

стр. 2

مناجاة كَمْ يا أبي لك من يدٍ … عندي وكَمْ لَكَ مِن أثَرْ أَنْتَ الذي ربَّيْتَني … ورَعَيْتَني مُنْذُ الصِّغَرْ وَأَفَدْتَني العِلْمَ الَّذِي … هُوَ كَنْزُ مَالِيْ المُدَّخَرْ هذي عَوَارِفُكَ الحِسَان … وتِلْكَ أَيْدِيكَ الغُرَرْ هِيَ يا أبي دَيْنٌ عَلَيَّ … أَرُدُّهُ عِنْدَ الكِبَرْ ابنُك سَلمان

стр. 3

مقدمة من أقوال العلماء في الحافظ وكتابه ١ - الشيخ الحافظ، المحدِّث المُتْقن المحقِّق. [الإمام سراج الدِّين البُلْقيني (ت ٨٠٥)] ٢ - الشيخ الإمام العالِم، الكامل الفاضل، المحدِّث المُفيد المُجيد، الحافظ المتقن الرَّحَّال، الضَّابط الثِّقة المأمون، جَمَع الرُّواةَ والشُّيوخَ، وميَّز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال، وميَّز بين الثِّقات والضعفاء من الرجال، وأفرط بجدِّه الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصَّل في الزَّمن اليسير، على علم غزير. [الإمام الحافظ العراقيّ (ت ٨٠٦)] ٣ - وهذا الكتابُ اختصر فيه "الميزان" للذَّهبي، وزاد عليه زيادات في أثناء التراجم، وزيادات بتراجم مُستقلَّة، وهو كتابٌ بديعٌ. [الإمام الحافظ المؤرِّخ التقى الفاسيّ (ت ٨٣٢)] ٤ - حَضَرتُ على العماد ابن كثير، وعلى غيره من شيوخ الحافظ العراقيِّ، فلم أر فيهم أحفظ من ابن حجر. [الإمام المقرئ ابن الجزريّ (ت ٨٣٣)] ٥ - وهذا الرَّجل في غاية ما يكونُ من استحضار الرِّجال والكلام فيهم، وله مؤلَّفاتٌ كثيرةٌ في تراجمهم، وله كتاب "لسان الميزان" كتابٌ حَسَنٌ فيه فوائدُ، وأما الحديث فله معرفةٌ تامةٌ برجاله المتقدِّمين والمتأخِّرين، لا أستحضرُ أنِّي رأيت مثلَه في معرفة رجاله المتقدِّم والمتأخِّر، والله أعلم. [الإمام سبط ابن العجمي (ت ٨٤١)]

стр. 4

٦ - الإمامُ العلَّامة الحافظ، فريدةُ الوقت، مَفخرةُ الزمان، بقيَّة الحفاظ، عَلَم الأئمَّة الأعلام، عُمدة المحقِّقين، وخاتمة الحفَّاظ المبرِّزين، والقُضاة المشهورين. كان في حال طلبه مفيدًا في زِيّ مُستفيد، إلى أن انفرد في المشبوبيَّة بين علماء زمانه بمعرفة فنون الحديث، لا سيَّما رجاله وما يتعلَّق بهم، فألَّف التواليف المفيدة، المليحة الجليلة السَّائرة، الشَّاهدة له بكلِّ فضيلة، الدَّالة على غزارة فوائده، والمُعْربة عن حُسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه جنسًا ونوعًا، التي شنَّفت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإجماع، ورُزق فيها الحظَّ السَّامي عن اللَّمس، وسارتْ بها الركبان سيرَ الشمس، وهو حافظٌ محقِّق، متين الدِّيانة، حَسَنُ الأخلاق، لطيف المحاضرة، حَسَنُ التعبير، عديمُ النظير. [الحافظ المؤرِّخ التقيّ ابن فهد (ت ٨٧١)] ٧ - فريدُ زمانه، وحامل لواء السُّنَّة في أوانه، ذهبيُّ هذا العصر ونُضارُه، وجوهره الذي ثبت به على كثير من الأعصار فَخَارُه، إمام هذا الفن للمقتدين، ومقدَّم عساكر المحدِّثين، وعُمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظمُ الشُّهود والحكَّام في بابَي التعديل والتجريح. [الحافظ المتفنِّن السيوطي (ت ٩١١)] ٨ - الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعِلَلِه في الأزمنة المتأخّرة، شَهِد له بالحفظ والإتقان القريبُ والبعيدُ، والعدوُّ والصَّديق، حتى صار إطلاقُ لفظ (الحافظ) عليه كلمةَ إجماع، رَحَل الطَّلَبَة إليه من الأقطار وطارت مؤلَّفاته في حياته. [العلَّامة الشوكانيّ (ت ١٢٥٠)]

стр. 5

تقدمة القائم على طبع الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الحيّ القيُّوم الذي تفرّد بالبقاء، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد أفضل الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأخيار الأطهار الأمناء، وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم اللقاء، أما بعد:- فهذا كتاب "لسان الميزان " للحافظ الجِهْبِذ الشهير، والإمام الناقد النِّحرير، شيخ الإسلام أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر العسقلانيّ المتوفى سنة ٨٥٢، ﵀ وقدّس روحه (١): الذي كان إخراجه أملًا قديمًا في فؤاد سيّدي العلّامة الوالد رحمه الله تعالى، يلهجُ بذكره وتحقيقه، ويسعى لخدمته وتدقيقه، سعيًا دؤوبًا دائمًا، يستسهل في ذلك الصعاب، ويسترخص الغالي والعزيز (٢)، ويسابق الزمن والأجل، جاهدًا وراغبًا في إخراجه على الشكل _________ (١) تقدمت طائفة من ثناء فحول العلماء عليه، لكن اعلم أن كلمتي الإمام البُلقيني والحافظ العراقي العاليتين الغاليتين صدرتا منهما والحافظ في شبابه (في حدود الثلاثين من عمره)! اللهم لا تحرمنا أجرهم! ولا تفتنا بعدهم! واغفر لنا ولهم! يا رحمن يا رحيم. (٢) أذكر من ذلك قوله لي، وهو طريح الفراش في مستشفى العيون، بشأن إحضار نسخة ابن قمر التي هي مسوَّدة الحافظ ابن حجر للكتاب: لا تهتم بأمر التكلفة، فإنه ينبغي إحضارها مهما كلفت، وتعدُّد سؤاله- وهو على فراش الموت- عن وصول تجارب الكتاب، أملًا منه أن يقوم بالإشراف على تصحيحه، وأن ينظر فيه النظرة الأخيرة، كما هي عادته في كتبه ﵀ وغفر له.

стр. 6

اللائق بالكتاب، والميَسَّر لطلّاب العلم والباحثين. وأحمد الله أنه لم يغادر هذه الدنيا الفانية الزائلة، إلَّا وقد متَّع ناظريه، وكحّل عينيه برؤية هذا السِّفْر الضخم العظيم مكتملًا ماثلًا للطبع. وأحمده سبحانه أن مكَّنه وأكرمه -وهو في مرضه وآلامه- من أن ينظر فيه نظرةً أولى ويهيّئه للطبع، ففارق الحياة وهو قرير العين إذ أنجز هذا العمل الضخم، وحقّق ذلك الأمل القديم، خدمةً لحديث رسول الله ﷺ ، ورجاءَ دعوة صالحة ممن ينتفع به، إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها (١). فاللهم أنزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور، وأمطر جَدَثه بسحائب رحماتك ورضوانك وعفوك وغفرانك، وتقبّل منه عمله هذا وسائر أعماله، وعظِّمها له كما يليق بجلالك وعظمتك وكرمك! سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك! وبعد وفاة والدي ﵀ وجدت نفسي أمام مجموعة من الكتب معلقة في المطبعة تنتظر الإخراج والنظر والتنقيح، فضلًا عما لم يدفع للطبع. وكان واسطة العقد فيها هذا الكتابَ الضخم الفخم، المبسوط الموسوعي، مضافًا إليه رسالتي التي أحضِّرها لنيل درجة الماجستير في الحديث الشريف (٢)، التي كنت تأخرت فيها قليلًا بسبب مرض الوالد ووفاته وانشغالي _________ (١) تأمل- رحمك الله- أنه كتب مقدمته قبل عشرين يومًا من وفاته! فهي كتابة من كان يعاني الآلام ويتحرَّق على كتابة كلمة أو سطر زيادة في خدمة هذا الكتاب! (٢) وعنوانها: "الكامل في ضعفاء الرجال" للحافظ ابن عدي الجرحاني (٢٧٧ - ٣٦٥) من أول ترجمة عبد الله بن معاذ الصنعاني إلى آخر ترجمة عبد الرحمن بن سعد المُقْعَد- تحقيق ودراسة. =

стр. 7

معه، فسألت الله العون والتوفيق، وشمّرت عن ساعد الجد والتحقيق، وصرت أقتنص أوقات فراغي في أثناء عملي بالرسالة، فأعمل فيه، قراءة وتنقيحًا وَتصحيحًا، حتى فرغت من رسالتي فتوجهت إليه بالكلية. وكان من منهج الوالد ﵀ في إخراج الكتاب قراءتُه مرتين على الأقل، فلذا قمت بإعادة قراءته وتصحيح ما وقفت عليه من أخطاء مطبعية لم تكن لتفوت الوالد ﵀ لولا مرضه الشديد وضعف بصره في آخر أيامه. ودأبت عليه نهارَ مساءَ متفرغًا له، قرابة سنتين، حتى انتهيت منه، والله يعلم كم تعبت وبذلت فيه من جهد ووقت، وكم سهرت عليه من ليالٍ، وواصلت فيه من أيام، مع كثرة الصوارف والعوالق، ودوام الإلحاح والطلب والاستحثاث من المحبين على سرعة إخراجه (١). لا يعرِف الشوقَ إلا من يُكَابِدُه … ولا الصبابةَ إلَّا من يقاسيها! وقد قمت بمقابلة الكتاب مرة ثانية بمخطوطة الأصل، للاطمئنان على صحة النص، وحرصت أن أدقق في خدمته وتصحيحه على النقطة والفاصلة، رغبةً وأملًا في خروج الكتاب على نحوٍ تقرُّ به عين الوالد ﵀، وأسأل الله أن أكون قد وفّقت لإخراجه كما كان يأمل هو، وكما يرتضيه الحافظ ابن حجر قدّس الله روحه، وكما يستحقه هذا الكتاب العجاب، إخراجًا تطيب وتنشرح به صدور أهل الحديث، وتقرّ به أعين العلماء والطلبة، وما ذكرت ذلك إلَّا رغبة في دعوة بظهر الغيب -ولو مرة واحدة- من المنتفعين به، والله يجزي المتصدقين. _________ = وقد تمت مناقشتها وإجازتها بدرجة ممتاز بفضل الله تعالى في ١/ ١٢/ ١٤٢٠ هـ- ٢٨/ ٤/ ١٩٩٩ م من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. (١) أذكر منهم: ريحانة الحجاز فقيد مكة المكرمة سيدي الشيخ العالم النقي الصفي الشريف الهاشمي المكي منصور بن عَوْن العَبْدَلي، المولود سنة ١٣٦٥ والمتوفى سنة ١٤١٩، والمدفون في البقيع الشريف قدّس الله روحه.

стр. 8

وأشير إلى أن الوالد غمر الله قبره بالرحمة والمغفرة جعل جُلَّ همّه في خدمته لهذا الكتاب: ضبطَ النص وإخراجه سليمًا محررًا، دون التوسع في التعليق، من تتبع الأحاديث وتخريجها وبيان مراتبها، أو الترجمة للأعلام المذكورين في أثناء التراجم، أو تحرير حال الرواة المترجمين ودراستهم بشكل مفصَّل، أو استيعاب الأقوال فيهم، أو الاستدراك على الحافظ ما فاته ونحو ذلك. وإن كان وقع له شيء من ذلك فهو قليل ونادر، والنادر لا حكم له، ولذلك أمرني ﵀ أن أكتب على الغلاف: (اعتنى به) لا (حققه)، وكان يقول: هذا الكتاب يمكن أن يخدم على ثلاثة أوجه (درجات)، وخِدْمَتُه له كانت على نهج الإيجاز لا البسط أو التوسط. كما أشير إلى أنه ﵀ اعتنى بشكل المُشْكِل، وما تركه منه غير مشكول فهو مما لم يقف على ضبطه. كما أودُّ أن أشير إلى أن هذا الكتاب المكنوز المليء بالفوائد والفرائد يحتاج لفهارس موسعة تخدمه وتُظهر درره المكنونة، وقد أراد الوالد رحمه الله تعالى القيام بتلك الفهارس، وأشار إلى ذلك في آخر تقدمته إلَّا أن المنية اخترمته دون أن يفعل شيئًا من ذلك، وقد قمت -بعون الله- بإعدادها وإخراجها، راجيًا من الله التوفيق والسداد، ومن المنتفعين بها صالح الدعاء. ولقد كانت حياة سيدي العلامة الوالد ﵀ حَلْقة متقنة من العلم والعمل والدعوة والأدب والبحث والتحقيق والتأليف، وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني ويسددني لإخراج ما بقي من كتبه المؤلفة أو المحققة مما أنجزه قبل وفاته، وعاجله الأجل قبل إخراجه.

стр. 9

وقد أثبتُّ بعد هذه المقدمة ترجمة موجزة للوالد طيّب الله ثراه، مرجئًا التوسُّع في ترجمته إلى كتاب مستقل أخرجه عنه إن شاء الله تعالى. وفي الختام أسأل الله أن يتقبل خير قبول من مؤلف الكتاب الحافظ ابن حجر ومن والدي رحمهما الله تعالى ومن العبد الضعيف هذا الجهد، وأن يجزي خير جزاء من ساعد في إخراج هذا الكتاب وأعان عليه، وأخص بالذكر منهم أخي الكبير الأستاذ محمد زاهد، وأخي الكريم الطبيب أيمن أكرمهما الله بالرضا والقبول، وفتح عليهما أبواب العلم والخير، وصرف عنهما أبواب السوء والشر. اللهم انفعني وارفعني بالقرآن العظيم، ووفقني لاتّباع نهجك القويم وسنة نبيك الكريم، واحشرني مع الأنبياء والعلماء والصالحين، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. وكتبه طالب العلم الفقير إليه تعالى سلمان بن عبد الفتاح أبو غدة الرياض ٥ ربيع الأول سنة ١٤٢٠ (١) _________ (١) كنت أنهيت قراءة الكتاب وكتابة مقدمته في هذا التاريخ، ثم أنهيت الفهارس في غرة رجب ١٤٢١ كما هو مذكور في آخرها. ثم ضاعت التصحيحات الأخيرة المرسلة إلى المطبعة لأمر يريده الله! وشغلت عن إعادتها فتعطل الكتاب نحو ستة شهور، حتى منَّ الله بإعادة استخراجها وتنفيذها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ١٣٠/ جمادى الأولى/ ١٤٢٢.

стр. 10

ترجمة المعتني بالكتاب: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بقلم ابنه سلمان مضى (والدي) حينَ لم يبقَ مشرقٌ … ولا مغربٌ إلَّا له فيه مادحُ وما كنتُ أدري ما فواضلُ عِلْمِهِ … على الناسِ حتى غيَّبَته الصفائحُ فأصبح في لحدٍ من الأرض ميِّتًا … وكانت به حيًا تضيقُ الصحاصحُ سأبكيك ما فاضت دموعي فإِنْ تَغِضْ … فَحسبُك منِّي ما تُجِنُّ الجوانحُ فما أنا من رزءٍ وإن جَلَّ جازعٌ … ولا بسرورٍ بعدَ موتِكَ فارحُ كأَنْ لَمْ يمت حَيٌّ سواك ولم تَقُمْ … على أحدٍ إلَّا عليك النوائحُ لئنْ حَسُنَتْ فيكَ المراثي وذكرُها … لقد حسُنَتْ من قبلُ فيك المدائحُ (١) * اسمه وكنيته ونسبه ونسبته: هو أبو زاهد وأبو الفتوح عبدُ الفتاح بنُ محمدِ بنِ بشيرِ بنِ حسنِ أبو غدة، الحلبيُّ بلدًا، الحنفي مذهبًا، القرشي المخزومي الخالدي نسبًا، المنسوب إلى سيدِنا خالد بن الوليد المخزومي ﵁ ونفعنا بحبه، والسير على نهجه ودربه. وذلك كما جاء في شجرة النسب التي تحفظ نسب الأسرة، وكما سمعته منه مرارًا وتكرارًا. * ميلاده: وُلد ﵀ في منتصف رجب عام ١٣٣٦ هـ، الموافق ١٩١٧ م، كما سمع من والدته رحمهما الله تعالى، وذلك بمدينة حلب الشَّهْبَاء. _________ (١) الأبيات للأشجع بن عمرو السُّلمي بتصرف يسير، كما في "الحماسة" لأبي تمام ١: ٤١٣.

стр. 11

* أسرته: كانت أسرتُه متوسطة الحال، ذاتَ بُروزٍ في محيطها. وكان والده وجده رحمهم الله تعالى يحترفان التجارة بصنع المنسوجات الغَزْلِيَّة، التي كانت تسمَّى (الصَّايَات) وهي قماشٌ ينسج بالنَّوْل اليدوي، تارة لُحْمَتُه وسَدَاه غَزْل، وتارة لحمته وسداه حرير. وكانت منتوجاتُهما أعلى المنتوجات جودةً وإتقانًا ورونقًا ومتانة، فكانت تُطْلب من السوق بعينها لذاتها، ويُصدَّر منها المئات إلى تركيا في الأناضول، فكان أهل بر الأناضول رجالًا ونساءً يلبسون منها. كان والدُه وجدُّه يتَّجران بهذه الصناعة والتجارة، وكانا يعدان من أهل اليسر المحدود لا الغنى الطافح المشهود، وكانا من أهل السِّتر والعفاف وأهل التمسك بالدين وشعائره والمواظبة على الذكر وقراءة القرآن، ونَشَّأوا أبناءهم على ذلك، فجزاهم الله عنهم خير الجزاء. وبعد كساد صناعة (الصَّايَات) بسبب تحول اللباس عند الأتراك من الثياب إلى (البدلة) الإفرنجية، تحوَّل والده إلى متجر في سوق الزَّهْر بحلب المتفرع من شارع بَانْقُوسَا، كان يبيع فيه الأقمشة المختلفة مما يلبسه أهل الريف الحلبي. ومن الطريف أنه يوم وُلد والدي ﵀ باعا (جده ووالده) ألفَ صَايَة (دَرْجَة) ففرحا كثيرًا. وأطلقا على المولود اسم عبد الفتاح لما فتح الله عليهما به يوم مولده. وقد كان أساس سُكنى العائلة بحي الجُبَيْلَة، وقد كانت هناك أرض عليها دارٌ متواضعةٌ، وهي بالأصل لآل غدة وبعض أقاربهم وِرْثَة، فأخذ جده بشير - وقد كان من الوجهاء العقلاء الفصحاء النبلاء الفطنين الرزينين- هذه الأرضَ

стр. 12

مراضاةً، حيث أتى بكاتب شرعي من المحاكم الشرعية، وبعضِ الوجهاءِ، ثم دعا من له حصة في هذه الأرض، وأعطاهم ما طلبوا حتى أرضاهم واستملك الأرض، ثم جَدَّد هذا البيت وعَمَره عِمَارة جميلة، فأصبح فيه سبعُ غُرَف وأربعةُ أَقْبَاء (جمع قبو وهو الغرفة التي تكون تحت مستوى الأرض)، وكان واسعًا رحبًا جميلًا حتى إن بعض الناس كان يقيم الأعراس فيه لجماله ورحابته، وقد أدرك والدي عملية التملك هذه وهو بين ٦ - ٨ سنين. وقد قال والدي عن جده بشير: إنه كان أبعد نظرًا من ابنه محمد. وقد توفي جده عن قرابة ٨٥ سنة، وكان عمر والدي قرابةَ عشرين سنة، وكان برًا بجده يحمله إلى حيث يريد بعدما أُقعد، ولما توفي كان والدي في مبدأ طلبه العلم، وقد طلب والدي العلم متأخرًا وعمره ١٩ سنة تقريبًا. وتوفي والده ﵏ جميعًا ليلة الامتحان وهو في المدرسة الخُسْرُوية قبل ذهابه إلى الأزهر بسنتين، وعمره قرابة ٢٥ سنة، أي سنة ١٣٦١ هـ- ١٩٤٢ م. وكان لجدي ﵀ خمسة أولاد: ثلاثة أبناء وابنتان، فأما الأبناء فهم: عبد الكريم وهو أكبرهم وكان ممن قاوم الفرنسيين ودوَّخهم، ومن أولاده الدكتور عبد الستار له مؤلفات ومشاركات في العلم الشرعي، وبخاصة في قضايا المعاملات والبنوك الإسلامية. وعبد الغني ومن أولاده الدكتور حسن صاحب كتاب "أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام" أول مؤلف في هذا الباب، وغيره من الكتب. ووالدي ﵏ جميعًا. وأما البنات فهما شريفة وزوجها الحاج محمد سالم بيرقدار ﵀، ونَعِيْمَة وزوجها الحاج علي خيَّاطة متعهم الله بالصحة والعافية.

стр. 13

* نشأته وتحصيله العلمي: نشأ والدي في حِجْر والده الذي كان كثير تلاوة القرآن والمحافظة على قراءته في المصحف، والمحب للعلماء المتقصد لحضور مجالسهم ودروسهم، والاقتباس من علمهم وإرشادهم. ثم لما دخل في السنة الثامنة من العمر أدخله جده ﵀ المدرسة العربية الإسلامية الخاصة، وكانت ذات تكاليف وأقساط مرتفعة، كما كانت ذات سمت عال، وإدارة حازمة، ومتانة في التعليم والأخلاق، فكان لا يدخلها إلَّا عِلْية القوم، ووجهاؤهم. فدرَس فيها من الصف الأول حتى الرابع دراسة حسنة، وتعلّم فيها ما محا منه الأمية، وأكسبه صحة القراءة والكتابة مع ضعف الخط عنده. وكان لحسن قراءته وسدادها الفِطْري يدعوه كبارُ أهل الحي ووجهاؤه إلى سهراتهم الأسبوعية الدورية ليقرأ لهم من كتاب "تاريخ فتوح الشام" المنسوب للواقدي وغيره من الكتب التي كان الناس يسمرون على قراءتها، فحظي بصحبة الكبار الوجهاء والنخبة العقلاء الفضلاء، وهو في سن العاشرة وما بعدها، يعد من صغار أولاد الحي. فكان يجلس في مجلس سَمَر كبارهم لحسن قراءته وخِفَّة ظِلِّه (لصغر سنه)، ورفعة مقام جده ووالده في الحي. وبعدما ترك المدرسة توجّه إلى تعلُّم الخط الحسن، فدخل مدرسة الشيخ محمد علي الخطيب بحلب، وكان شيخًا صاحب مدرسة خاصة تُعَلِّم القرآن والفقه وحُسن الخط فقط، فتحسَّن خطه بعض الشيء، لكنه لم يصبر على الاستمرار في تعلم تحسين الخط طويلًا، فترك المدرسة بعد أشهر. فرأى جدُّه ووالدُه -وكان قد صَلُب عوده- أن يتعلم حِرْفَةً أو صَنْعَةً،

стр. 14

وقالا له: صنعة أو حرفة في اليد أمان من الفقر. ولم يكن في ذلك الوقت فقيرًا، ليسر أسرته ولله الحمد، لكن جده ووالده أرادا أن يكون بيده حرفة خشية تحول الأيام وتقلبها على الكرام، فتعلم حرفة الحِيَاكَة: النَّوْل اليدوي، ولم يكن هناك نول آلي، وأحسَن المعرفة بهذه الحرفة، وقد تعلمها أخواه عبد الكريم وعبد الغني من قَبله رحم الله الجميع، وكانت هذه الحرفة تُدِرُّ موردًا حسنًا يُفْرَح به، فتعلمها ﵀ وادَّخر بعض الليرات الذهبية العثمانية، فكانت له خاصة، ونفقته وعيشه متكفل به أبوه تمام التكفل رحم الله الجميع، وبقي في هذه الحرفة عاملًا ناجحًا لنحو سنتين أو ثلاث. ثم بدا لجده ووالده أن يتعلم التجارة، فاختارا له أن يتعلم التجارة والبيع والشراء عند صديقَيْهما التاجر (عبد السلام قُدُّو) التاجر في سوق الطَّيْبية قرب باب الجامع الكبير الشمالي، فجلس عنده، وكان تاجرًا يبيع القمصان والملابس المصنوعة بالجملة والمُفَرَّق، وأمضى عنده نحو سنتين وزيادة عليها، وكان رجلًا دينًا مستقيمًا عفيفًا يشتري من عنده النساء والرجال، فاستملح وجود والدي عنده لصغر سِنِّه، فكان والدي ﵀ يراقب حال بعض المشترين أو المشتريات الذين يُخْشى أن تكون منهم أو منهن سرقة لما يستعرضنه للشراء. ثم انتقل من عنده إلى تاجر آخر من أصدقاء جده ووالده وبعض أرحامه، وهو (الحاج حسن التّبَّان) رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح الجنان، وكان تاجرًا بالجملة والمفرق في متجره في (سوق الجُوخ العَرِيض) من أسواق مدينة حلب المسقوفة. فتعلم منه ما زاده معرفة بالتجارة وعرضها للمشتري من الرجال أو النساء، وبقي عنده ثلاث سنين، ثم رأى جده ووالده أن يستقل بالتجارة وقد قارب السادسة عشرة، فأدخلاه شريكًا في العمل دون المال مع التاجر (الحاج محمد دُنْيَا) الذي كان تاجرًا بسوق الزَّهْر المتفرع من شارع (بَانْقُوسَا)، فشاركه

стр. 15

نحو سنتين، وكان يتولى عنه البيع أكثر النهار، ويقوم بشراء ما نفِد من البضاعة من متاجر الجملة من تجار المدينة في (خان الكُمْرُك) وغيره. ثم لما بلغ والدي التاسعة عشرة، أراد طلب العلم بالدخول في المدرسة الخُسْرُويَّة التي أنشأها الوزير العثماني الصدر خُسْرُو باشا ﵀، والتي سميت بعدما ضَعُف شأنها: الثانوية الشرعية. فلم يرضَ جدي في بدء الأمر، فشَفّع والدي عنده بعض معارفه من الوجهاء، فقالوا لجدي: ينبغي أن تُشَجِّعه لشرف هذا الأمر فسمح له. ثم إن والدي لما أراد الدخول في المدرسة الخسروية قبلوه أول الأمر ثم رفضوه لأن عمره ١٩ سنة، فشَفَّع صهرَه الحاج محمد سالم بيرقدار ﵀ لدى بعض أصدقائه، وكان مديرَ الأوقاف في حينه، فكلَّم المسؤولين في لجنة القَبول فقبلوه، وكان الوالد والشيخ عبد الوهاب جَذْبَة رحمهما الله يتنافسان على القَبول، فمن يقْبَل يبقى الآخر إلى السنة التالية، فقُبل والدي، وكان بينهما مودة، وكان الشيخ عبد الوهاب يُلَقِّب والدي بالأصمعي لما يراه من اشتغاله بعلم اللغة. وكان هناك رجل فاضل في الحي اسمه محمود سَلْحَدَار يحرِص على إقراء القرآن في المنزل وختمه كل يوم، وتسمى (رَبْعَة) ويعطي من يفعل ذلك ليرة ذهبية، فكان والدي في أثناء دراسته في الخسروية يشارك في هذه القراءة. وقد دَرس والدي ﵀ في الخسروية ست سنين من سنة ١٩٣٦ م إلى سنة ١٩٤٢ م، وكان متفوقًا على أقرانه في تلك السنوات الست. ثم انتقل إلى الدراسة في الأزهر الشريف فدخل كلية الشريعة في الجامع الأزهر بمصر في عام ١٩٤٤ م، وتخرّج في عام ١٩٤٨ م حائزًا على شهادة العالمية من كلية الشريعة. ثم درَس في "تخصص أصول التدريس" في كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر

стр. 16

أيضًا لمدة سنتين وتخرَّج سنة ١٩٥٠ م، مع حصوله على إجازة في علم النفس. ثم عاد بعد ذلك إلى موطنه. وقد أمْلقَ والدي ﵀ بعد وفاة والده رحمهما الله تعالى حتى مرَّ به يوم وهو لا يملك إلَّا اللباس الذي عليه، كما أنه منع نفسه من الفاكهة في أثناء الطلب بمصر حتى يشتري بثمنها كتبًا عوضًا عنها. * مذهبه: كان ﵀ حنفيًا، متقنًا للمذهب الحنفي الذي نشأ عليه ودرَسه على عدد من المشايخ ولا سيما الفقيهان الشيخ مصطفى الزرقا والشيخ المفتي أحمد الحجي الكردي الحنفي مفتي الأحناف في حلب، كما كانت له قراءات ومطالعات فردية كثيرة يغوص فيها في أعماق الكتب ويُوَشِّي على صفحاتها ملاحظاته وآراءه. وكانت له مشاركة قوية واطلاع جيد على المذهب الشافعي، وهما المذهبان السائدان في بلاد الشام. قال تلميذه الكبير الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله في "الاثنينية" (١): وأحفظ _________ (١) ١١: ٦٢٠. والاثنينية: نسبة إلى يوم الاثنين، حفلة تكريم يقيمها الوجيه الحجازي سعادة الشيخ عبد المقصود بن محمد سعيد خُوْجَه يوم الاثنين في قصره بمدينة جُدَّة، يكرِّم فيها علماء وأدباء وشخصيات هذه الأمة الذين لا يُحِسُّ كثير من الناس بمكانتهم إلَّا بعد أن يصبحوا جزءًا من التاريخ، وينتقلوا إلى الدار الآخرة. فقام الشيخ عبد المقصود أحسن الله إليه بفرض الكفاية هذا خير قيام، ثم إنه طبع وقائع حفلات الاثنينية في مجلدات أنيقة لتدوَّن في التاريخ. وعادته في تلك الحفلة أن يرحب بالضيف المكرَّم ويعرف به، ثم يدعو بعض أصدقاء الضيف ومعارفه للكلام عنه وذكر معرفتهم به، ومآثره وفضائله، ثم يلقي الضيف كلمته، ثم يترك المجال للأسئلة والأجوبة.

стр. 17

لفضيلته مواقف عديدة كان ينبه فيها السائل إلى فروع دقيقة في زوايا حواشي الفقه الشافعي. ثم إنه شارك مشاركة قوية في الفقه الإسلامي عامة، ورفد ذلك منه اشتغاله الطويل بتدريس أحاديث الأحكام، ولذلك يرى القريب منه سعةَ صدر في الأحكام، وسماحة -لا تساهلًا- في الفتوى والتطبيق، لكنه يكره تتبع الرخص، والأخذ بشواذ الأقوال. اهـ. قلت: كان الوالد ﵀ يكره تتبع الرخص والأخذ بشواذ الأقوال كما ذكر الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله، كما أنه لم يكن حرفيًا متعصبًا للمذهب الحنفي، بل كان يكره ذلك جدًّا ويَعيبُه، وله في ذلك مواقف عديدة في خروجه عن المذهب الحنفي منها ما كان بيني وبينه، ومنها ما حصل أمامي، وقد أخرج ﵀ في ذلك رسالتين: "رسالة الألفة بين المسلمين" لابن تيمية، و "رسالة الإمامة" لابن حزم، في موضوع الاختلافات الفقهية. وقد سُئِل ﵀ في "الاثنينية" (١) السؤال التالي: إن هناك دائمًا خلافات بين العلماء على مسائل فقهية، وكل واحد منهم ينتمي إلى مذهب من _________ = ثم يهدي الشيخ عبد المقصود الضيف لوحة تذكارية، وهي عبارة عن قطعة على حذو كسوة الكعبة الشريفة زادها الله شرفًا ورفعة، فيكون في ذلك إكرام بعد إكرام. جزاه الله خير الجزاء وأجزله. وقد كانت حفلة تكريم الوالد ﵀ في ١٥/ ١١/ ١٤١٤ هـ، وكانت الاثنينية الثانية والخمسين بعد المئة. وتكلم فيها عن الوالد المشايخ والأساتذة: علي الطنطاوي، مصطفى الزرقا، محمد علي الهاشمي، محمد عوَّامة، أحمد البراء الأميري، أمين عبد الله القرقوري، محمد ضياء الصابوني. وهي في الجزء الحادي عشر من مجلدات الاثنينية ص ٥٩٦، المطبوع بعد وفاة الوالد رحمه الله تعالى. (١) ١١: ٦٣٩.

стр. 18

المذاهب الأربعة، ولا يريد أن يحيد عن فتوى مذهبه إلى درجة التشبث به، مما جعل الأمور الفقهية والفتاوى فيها أكثر تعقيدًا، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟ فأجاب: أولًا التشبث بالمذاهب الفقهية والتعلق بها، هذا واجب على كل من لم يكن من أهل الاجتهاد والمعرفة التامة بحكم الشريعة وفروعها وأصولها، فهذا ما أوجبه الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أما التشبث والتيبس في أمر المذهب الواحد، فهذا ليس بواجب في الشرع، فيسوغ لِيَ أن أتعلم هذه المسألة أو أعمل في هذه المسألة بالمذهب الحنبلي، وإذا وجدت مسألة أخرى أعمل بالمذهب الشافعي، وإذا وجدت في هذه المسألة شدة أو صعوبة في المذهب الحنبلي أن أنتقل وأعمل بها في المذهب الحنفي، كل هذا معناه أَخْذُها بهدي الله وبهدي نبيّه ﷺ وما كان هناك افتراق بين هؤلاء الأئمة، فكل واحد من هؤلاء الأئمة حرص كل الحرص أن يكون اجتهاده أقرب إلى كلام الله وكلام رسوله ما قَدِروا على ذلك، فلذلك نجدهم إذا وصل الواحد منهم إلى حكم من الأحكام في هذا اليوم، ثم وجد الحكم بعد أيام أو شهور أو سنين، ولاح له وجه آخرُ في المسألة ووجد المسألة على وجه آخرَ، يتحول عنها ولا غَضَاضة، وإذا لم يعلمها يقول: لا أعلمها ولا غضاضة، لماذا؟ لأن الشريعة عنده أغلى من وجوده. فالإمام مالك ﵁ جاء إليه رجل من العراق بأربعين مسألة، فقدَّمَها إليه وسأله عنها، فأجابه الإمام مالك ﵁ بست مسائل، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله أنا طويت الأرض ومشيتُ الفَيَافيَ والقِفَارَ إليك وأنت عالم المدينة، أريد أن أعرف هذه المسائل كلها، فبماذا أرجع للناس وأقول لهم؟ قال: قل لهم قال مالك: لا أدري! لا يضيره أن يقال عنه: قال: لا أدري، لأن الدين عنده أغلى من أن يخجل في سبيله.

стр. 19

فالتمسك بالمذهب من حيث هو إذا كان على عصبية أو غيرِ معرفة، فهذا من النقص في الإنسان، ولا يصح للإنسان أن يعتقد أنه إذا كان والده حنبليًا ينبغي أن يكون حنبليًا، أو شافعيًا أن يكون شافعيًا، يمكن أن يكون هكذا وهكذا وهكذا، وهذا من سِعَة الإسلام، لأن اتباع أي مذهب هو اتّباع للكتاب والسنَّة، وهذا الاجتهاد ظني، فيجوز للإنسان أن يأخذ به من قول هذا العالم أو قول هذا العالم، أما التعصب والتحزب فهذا ليس من مبدأ المسلمين، ليس من مبدأ الإسلام وليس من مبدأ الفقه، لذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ خالفه أصحابه ودونوا خلافاتهم بوجوده ولا حرج، لأن هذا دين الله ينبغي الاجتهاد في تحصيل الأصح منه، فلذلك هذا الَّذي يقال فيه تعصب أوتحزب، أو تمسُّك ببعض المذاهب ولا يحيد الإنسان عنها، هذا من النقص النفسي، فينبغي للإنسان أن يعدِل عنه ويكون واسع الصدر، واسع الرأي، واسع القلب، يقدِّر كل إمام بفضله وكرمه وعلمه ومقامه العظيم … ، فليس أحد من الأئمة أفضل من الآخر، وكلهم من رسول الله ﷺ مقتبس وملتمس، والله أعلم. اهـ كلامه رحمه الله تعالى. * شيوخه: بلغ عدد شيوخ والدي ﵀ قرابة مئة وعشرين عالمًا، أكثرهم من علماء حلب والأزهر ببلديِّيْه وزائريه، ثم من علماء الهند وباكستان والمغرب، ثم من علماء الحجاز ونجد. وليس ذا مقام بسطهم واستيعابهم فقد جمعهم واستوفاهم الصاحب المقرّب لوالدي الأخ الكريم الفاضل الأستاذ محمد بن عبد الله الرشيد في كتابه الماتع "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويّات الشيخ عبد الفتاح"، وإنما هي كلمات عاجلة في تعدادهم مع ذكر شيء من مناقبهم وعلاقته بهم.

стр. 20

فمن أشهر شيوخه في حلب: ١ - العلامة المؤرخ الأديب المحدِّث الداعية الغيور على دين الأمة وتراثها الشيخ محمد راغب الطباخ المتوفى سنة ١٣٧٠ ﵀. وكان الوالد يحبه ويكثر من ذكره وتَعَلُّمِه منه التواضع، وشيئًا من فن التأليف والتحقيق وقد درَس عليه في الثانوية الشرعية، واستمرت علاقته به طوال حياة الشيخ ﵀. ٢ - العلامة الفقيه المربي الصالح الشيخ عيسى بن حسن البَيَانُوني دفين البقيع المتوفى سنة ١٣٦٢ ﵀. قال عنه والدي في "الاثنينية" (١) لما سُئل عن أكثر الناس تأثيرًا في حياته: فأوَّل ما درَستُ تأثرتُ بفضيلة الشيخ عيسى البيانوني، وكان من كبار شيوخي ﵀، كان فقيهًا شافعيًا، وأديبًا في أخلاقه وعلمه وتقواه، فتأثرت به، وكان من قرب بيتنا لبيته فائد كبيرةٌ، وكنتُ أصلي عنده وأستفيد منه، فتأثرت به كثيرًا. اهـ كلامه ﵀. وكثيرًا ما كنت أسمع والدي ﵀ يذكر عنه صلاحًا وصفاءً ونقاءً ومحبة عالية للنبي ﷺ ، رحم الله الجميع. ٣ - الشيخ الفقيه المتقن الحنفي محمد الرشيد. ٤ - الشيخ المفتي محمد بن عبد القادر الحكيم. ٥ - الشيخ الفقيه محمد أسعد عِبَجِي، مفتي السادة الشافعية. ٦ - الشيخ الفقيه أحمد الحَجِّي الكردي، مفتي السادة الحنفية. ٧ - الشيخ الفَرَضي محمد الناشد. _________ (١) ٦٤٨:١١.

стр. 21

٨ - العلّامة الفقيه المعمَّر الشيخ إبراهيم بن محمد السَّلْقيني. ٩ - العلامة الفقيه الصالح الناصح النقي محمد بن سعيد بن أحمد الإدلبي. ١٠ - العلامة الشيخ محمد زين العابدين بن أحمد الكردي الأنطاكي. ١١ - العلامة شيخ العلوم العقلية والمنطقية الشيخ فيض الله الأيوبي الكردي. ١٢ - الفقيه الشيخ أحمد بن محمد الشمَّاع. ١٣ - الشيخ المقرئ الفرضي محمد نجيب خَيَّاطة. ١٤ - الداعية الواعظ الشيخ محمد جميل بن ياسين العقاد. ١٥ - الفقيه النحوي الشيخ محمد شهيد. ١٦ - الشيخ النحوي الفقيه عبد الله حمّاد. ١٧ - الشيخ الصالح الفقيه أحمد بن محمد بن سعيد بن أحمد الإدلبي. ١٨ - الشيخ العلامة المفسِّر الفقيه محمد نجيب سراج رحمهم الله تعالى. ١٩ - الشيخ محمد بن إبراهيم الشَلْقِيني ﵀ (١)، قال الشيخ محمد عوامة في "الاثنينية" (٢): ولقد عرض مرة سفر لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد السلقيني حفظه الله تعالى وعافاه -وهو من شُبَّان شيوخ شيخنا- فرغب إلى سيدي الشيخ النيابة عنه في دروسه في المدرسة الخُسْرُوية -وهي المدرسة التي تلقى فيها شيخنا العلم الشريف- فقام بذلك خير قيام، ولما رجع فضيلة الشيخ السلقيني، قال له الطلبة: يا أستاذ أكان الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تلميذًا لكم؟ فقال الشيخ بكل تواضع -كما هو شأنه حفظه الله- أمام تلامذته الناشئة: نعم، ولكنّي أنا الآن تلميذه، كنت أقرأ له النحو في "شرح الآجرومية" وكان هو يطالع الدروس في "مغني اللبيب". اهـ كلامه حفظه الله بتصرف. _________ (١) توفي إلى رحمة الله في ٢ صفر ١٤٢٢، ﵀ وأكرم نزله. (٢) ١١: ٦٢٠.

стр. 22

وقد سمعت بنفسي من فضيلة الشيخ السلقيني ﵀ ثناءً على والدي ﵀، وأنه كان أجود تلاميذه لمّا درّسه. ٢٠ - الأستاذ الكبير حجة العصر فقهًا ولغة الشيخ مصطفى أحمد الزرقا ﵀ وتغمده بواسع رحمته (١٣٢٢ - ١٤٢٠) (١). قال والدي ﵀ عنه لما سُئل في "الاثنينية" (٢) عن أكثر الناس تأثيرًا في حياته، بعد حديثه عن الشيخ عيسى البيانوني ﵀: وتأثرت أيضًا بفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا فتعلمت منه العلم والفقه والعقل، وهذا شيء لا يوجد في الكتب، تَعَلُّم الإدراك، تَعَلُّم البصيرة، تَعَلُّم المعرفة، تَعَلُّم وزن الأمور، تَعَلُّم إيرادها وإصدارها. اهـ كلامه ﵀. قلت: كلُّ من جالس الأستاذ الزرقا رأى منه الرزانة والحَصَافة، وقد كان والدي يُجِلُّه ويحترمه حتى وفاته، ويقبِّل يدَه كلما زاره، وقد حزن الشيخ الزرقا عند وفاة والدي ﵀ حزنًا شديدًا، وقال عنه لما بكاه: إنه لا يعلم له مثيلًا في هذا العصر. وقد أخذ الشيخ مصطفى الزرقا ﵀ الفقه والعقل عن والده الشيخ أحمد الزرقا ﵀، فإنه كان فقيهًا رزينًا، رجل علم وعقل وإدارة ودولة. وقد حضر والدي على الشيخ أحمد الزرقا ﵀ وتَلْمَذَ عنده لمامًا إلَّا أن حضوره على ابنه الشيخ مصطفى كان أكثر، وتلمذته عليه كانت أطول، فدرس عليه الفقه الحنفي في المدرسة الخسروية، وجوانب من الفقه العام المقارن، وجانبًا من كتاب "الموافقات" للشاطبي، وذلك كله قبل سفر الوالد ﵀ إلى مصر. _________ (١) كانت فاجعتنا بالشيخ مصطفى في ١٩ ربيع الأول ١٤٢٠، والكتاب ماثل للطبع. (٢) ٦٤٨:١١.

стр. 23

هؤلاء هم أشهر شيوخه بحلب، ومن أشهر شيوخه بمصر من أهلها والواردين عليها -وقد دَرَجوا إلى رحمة الله-: ٢١ - العلامة الأصولي اللغوي الداعية شيخ الأزهر الشيخ محمد الخضر حسين. ٢٢ - الشيخ العلامة عبد المجيد دَرَاز. ٢٣ - الشيخ العلامة عبد الحليم محمود شيخ الأزهر. ٢٤ - الشيخ العلامة محمود شلتوت شيخ الأزهر. ٢٥ - الشيخ العلامة حسنين مخلوف. ٢٦ - الشيخ محمود خليفة. ٢٧ - الشيخ الفقيه الأصولي عيسى مَنُّون. ٢٨ - الشيخ عبد الرحيم الفَرْغلي. ٢٩ - الشيخ محمد عبد الرحيم الكِشْكَي. ٣٠ - الشيخ أحمد أبو شُوْشَة، وكان الوالد ﵀ يذكر عنه صلاحًا. ٣١ - الشيخ الأصولي عبد الوهاب خَلَّاف. حضر محاضراته ولم يدرس عليه. ٣٢ - الشيخ الفقيه العلامة محمد أبو زهرة. حضر محاضراته ولم يدرس عليه، وكانت بينهما مراسلات وِدِّية. ٣٣ - الشيخ عبد الوهاب حَمُّودة. حضر محاضراته ولم يدرس عليه. ٣٤ - الشيخ العلامة الأصولي يوسف الدُّجوي. ٣٥ - الشيخ العلامة الأصولي عبد الغني عبد الخالق. ٣٦ - الشيخ العلامة المحدث أحمد محمد شاكر، وكانت بينهما مراسلات بعد عودة والدي إلى حلب. ٣٧ - الشيخ العالم الصالح الناصح محمد عبد الوهاب بُحَيْري. رحم الله الجميع.

стр. 24

٣٨ - الشيخ العلامة أحمد بن الصدِّيق الغماري ﵀. أخذ عنه عندما زار حلب سنة ١٣٧٧. ٣٩ - الشيخ المحدث عبد الله بن الصدِّيق الغماري، درس عليه خارج الأزهر في أثناء وجوده بمصر، وكانت بينهما مراسلات بعد ذلك، حتى وفاة الشيخ عبد الله رحمهما الله تعالى. ٤٠ - شيخ الإسلام في الدولة العثمانية الشيخ العلامة مصطفى صبري ﵀. وكان متميزًا في العلوم العقلية على وجه الخصوص كما كان يقول الوالد ﵀، وكان محبًا للوالد مُجِلًّا له. ٤١ - وكيل شيخ الإسلام في الدولة العثمانية الشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري ﵀، وكان له عليه تتلمذ خاص، وتعلق ومحبة. ٤٢ - الإمام الملهم الموهوب الداعية الراشد الشيخ حسن البنا، ولقد التقى به وجالسه وحضر دروسه من أول دخوله إلى مصر إلى حين استشهاده ﵀. ولمّا رحل والدي ﵀ إلى الهند وباكستان سنة ١٣٨٢= ١٩٦٢ م لمدة نحو ثلاثة أشهر رحلة علمية شخصية، التقى بأجلة الشيوخ والعلماء في تلك الديار وتَلْمَذَ لهم فمنهم: ٤٣ - الشيخ العلامة محمد شفيع مفتي باكستان. ٤٤ - الشيخ المفتي عتيق الرحمن كبير علماء دهلي بالهند. ٤٥ - الشيخ العلامة الداعية محمد يوسف الكاندهلوي أمير جماعة التبليغ، وصاحب كتاب "حياة الصحابة". ٤٦ - الشيخ محمد زكريا السهارنفوري.

стр. 25

٤٧ - الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي. ٤٨ - الشيخ المحدث العلامة الصالح محمد يوسف البنوري. ٤٩ - الشيخ العلامة المحقق أبو الوفاء محمود شاه بن مبارك الأفغاني رئيس دائرة المعارف النعمانية. ٥٠ - العلامة المحدث الفقيه محمد بدر عالم المِيْرْتَهي. ٥١ - الأستاذ المفكر الداعية أبو الأعلى المودودي. ٥٢ - الشيخ الداعية أبو الليث الإصلاحي الندوي. ٥٣ - الشيخ العلامة المحدث حبيب الرحمن الأعظمي. ﵏ جميعًا. وأخذ قبل استقراره بالرياض لما كان يحجُّ ويعتمر عن طائفة من علماء الحجاز والعلماء الواردين عليه، فمنهم: ٥٤ - الشيخ العلامة الفقيه علوي بن عباس المالكي. ٥٥ - الشيخ المؤرِّخ محمد العربي التَبَّاني. ٥٦ - الشيخ العلامة الفقيه محمد نور سيف. ٥٧ - الشيخ العلَّامة محمد أمين كُتْبي. ٥٨ - الشيخ العلامة حسن بن محمد المَشَّاط. ٥٩ - الشيخ العلامة الفقيه الأصولي محمد يحيى أَمَان. رحم الله الجميع. ٦٠ - ولما استقر به المقام بمدينة الرياض التقى بسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ العلامة الصالح القدوة الداعي إلى الله بحاله ومقاله محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وحرص على حضور دروسه المقامة بين المغرب والعشاء، ووصفه بالإمام، وترجم له في مجلة الدارة، ثم ترجم له في كتاب "تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر" الذي توفي والدي ﵀ وهو في المطبعة على وشك الصدور.

стр. 26

ورحل والدي طيَّب الله ثراه إلى مثوى أحبابه ومحبِّيه أرض هَجَر (البحرين) المسماة الآن الأحساء، فتلقى عن ثلة من فضلاء علمائها البدور، منهم: ٦١ - الشيخ الفقيه المربي محمد بن أبي بكر المُلَّا. ٦٢ - الشيخ الفقيه محمد بن إبراهيم آل الشيخ مبارك. ٦٣ - الشيخ المفتي المسنِد أحمد بن عبد العزيز آل الشيخ مبارك. ﵏ جميعًا. هذه ثلة من مشايخ والدي ﵀ وإياهم، وهم كما تقدم قرابة المئة والعشرين، بل إنهم ينيفون عن المئة والستين، إذا حسبنا شيوخه بالإجازة. * تلاميذه: تلقَّى عن والدي جمع غفير من طلبة العلم جلهم من الديار الشامية والنجدية ومن نزل بهما وافدًا. فمن أشهر وأجل تلاميذه بحلب: ١ - الشيخ محمد عوامة. ٢ - الشيخ محمود ميرة. ٣ - الشيخ ناجي عَجَم. ٤ - الشيخ محمد أبو الفتح البيانوني. ٥ - الشيخ صلاح الدين الإدلبي. ٦ - الشيخ عدنان سرميني. ٧ - الشيخ عبد الستار أبو غدة. ٨ - الشيخ مجد مكي. ٩ - الشيخ عبد الله عزام ﵀. ١٠ - الشيخ تميم العدناني ﵀.

стр. 27

ولما درَّس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض قرابة ٢٣ سنة تَلْمَذَ له في كلية الشريعة وكلية أصول الدين طائفة من المشايخ النبهاء الذين هم الآن عمداء علم في كلياتهم الزاهرة، فمن أولئك: ١١ - الشيخ العلامة صالح الأَطْرَم. ١٢ - الشيخ زاهر عوَّاض الألمعي. ١٣ - الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري. ١٤ - الشيخ فهد بن عبد الرحمن الرُّومي. ١٥ - الشيخ عبد الله الحَكَمي. ١٦ - الشيخ عبد العزيز السُّدَيري. ١٧ - الشيخ عبد الوهاب الطُرَيْري. ١٨ - الشيخ إبراهيم الصُّبَيْحي. وغيرهم كثير. ١٩ - وممن لزم الوالد ﵀ في آخر سني حياته الأستاذ محمد بن عبد الله الرشيد، فكان تلميذًا محبًّا بازًا، وألَّف بعد وفاة الوالد ﵀ ثبتَه "إمداد الفتاح"، وقد أجاد فيه وأبدع وابتكر، فجزاه الله خيرًا. ومن تلاميذه رحمه الله تعالى: ٢٠ - الشيخ العالم المحقق أحمد بن معبد عبد الكريم المصري. ٢١ - الشيخ عبد الرحيم بن محمد جميل المُلَّا. ٢٢ - الشيخ السيد إبراهيم بن عبد الله الخليفة الهاشمي الحسني، الأحسائيان. ٢٣ - الشيخ العالم محمد رفيع بن محمد شفيع العثماني. ٢٤ - الشيخ العالم محمد تقي بن محمد شفيع العثماني، الباكستانيان.

стр. 28

٢٥ - الشيخ محمد عبد المالك بن محمد شمس الحق الكَمُلَّائي البنغلاديشي. ٢٦ - الشيخ سلمان الندوي الحسني. ٢٧ - الشيخ محمد عبيد الله الأسعدي الندوي. ٢٨ - الشيخ محمد أكرم الندوي، الهنود البررة. ٢٩ - الشيخ حسن بن رامز قاطرجي. وهو من كبار تلاميذه. ٣٠ - الشيخ قاسم بن علي سعد. ٣١ - الشيخ جمال بن حمدي الذهبي. ٣٢ - الشيخ عبد الرحمن بن محمد الحلو. ٣٣ - الشيخ ماجد درويش. ٣٤ - الشيخ مالك الجُدَيْدَة، اللبنانيون. ٣٥ - الشيخ الحسين بن محمد شَوَّاط. ٣٦ - الشيخ محمد شكري اللَّزَّام، التونسيان. ٣٧ - الشيخ محمد طلحة بن بلال مِنْيَار المكي. ٣٨ - الشيخ أحمد بن عبد الملك عاشور المكي. ٣٩ - الشيخ عصام البشير السوداني. ٤٠ - الشيخ جاسم بن مهلهل الياسين. ٤١ - الشيخ محمد بن ناصر العجمي، الكويتيان. ٤٢ - الشيخ نظام يعقوبي البحريني. * رحلاته: رحل والدي ﵀ إلى بلدان عديدة ومدن كثيرة، فبالإضافة إلى مدن بلده الشام، زار الأردن، وفلسطين قبل احتلالها، والعراق، والسعودية،

стр. 29

والكويت، وقطر، والإمارات، والبحرين، واليمن، ومصر، والسودان، والصومال، وتونس، والجزائر، والمغرب، وجنوب أفرقيا، وأندونيسيا، وبروناي، والهند، وباكستان، وأفغانستان، وأُزْبَكِستان، وتركيا، وبلدان كثيرة في أوروبا وأمريكا. ورحلاته هذه إما أن تكون علمية لرؤية المشايخ والالتقاء بالعلماء، وتحصيل العلم، وزيارة المكتبات ودور المخطوطات. وإما دعوية لحضور المؤتمرات وإلقاء الخطب والمحاضرات والدعوة إلى الله، وكثيرًا ما كان يجمع بين الأمرين، ﵀ وغفر له. * علاقته بعلماء ونبلاء وفضلاء عصره: فمنهم من كان شيخًا له استمرت علاقته به، بعد تلمذته عنده، ومنهم من يعد من طبقة أعلى منه، ومنهم من يعد من أقرانه ومنهم من يعد في طبقة تلاميذه. وأنا سأرد أسماءهم دون تفصيل، فإن ذلك يطول. ١ - الشيخ الصالح الفقيه المربي أحمد عز الدين البيانوني الحلبي ﵀، وكان كلاهما محب مولع بالآخر. ٢ - الشيخ الفقيه الأديب مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى. ٣ - الشيخ العلامة محمد فوزي فيض الله، وهو زميل الدراسة في الخسروية، ثم في كلية الشريعة بمصر أدام الله النفع به. ٤ - الشيخ الفقيه محمد علي المراد الحموي، وهو أيضًا زميل الدراسة في الخسروية، ثم في كلية الشريعة بمصر ﵀ وغفر له (١). ٥ - الشيخ محمد بهجة بن محمود الأثري البغدادي. ٦ - الشيخ أمجد الزهاوي. _________ (١) كانت فاجعتنا به في ٢٦ صفر ١٤٢١.

стр. 30

٧ - الشيخ محمد محمود الصوَّاف، الموصليان رحمهم الله تعالى. ٨ - الشيخ محمد أبو زهرة. ٩ - الشيخ محمد حسنين مخلوف. ١٠ - الشيخ عبد الرزاق عفيفي. ١١ - الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري، المصريون رحمهم الله تعالى. ١٢ - الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري القطري. ١٣ - الشيخ محمد الشاذلي النِّيْفر التونسي. ١٤ - الشيخ عبد الله بن الصديق المغربي. ١٥ - الشيخ عبد العزيز بن محمد عيون السُّوْد الحمصي. ١٦ - الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق الدمشقي. ١٧ - الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الموريتاني. ١٨ - الشيخ عبد العزيز بن حَمَد آل الشيخ مبارك الأحسائي ثم الإماراتي، رحمهم الله تعالى. ١٩ - الأستاذ الأديب أحمد بن علي آل الشيخ مبارك الأحسائي حفظه الله تعالى. ٢٠ - الأستاذ الكبير والشيخ الجليل علي الطنطاوي الدمشقي رحمه الله تعالى (١٣٢٧ - ١٤٢٠)، وكان محبًّا ومجلًّا لوالدي ﵀ (١). ٢١ - الشيخ أحمد سَحْنُون الجزائري حفظه الله تعالى. ٢٢ - دولة الدكتور معروف الدواليبي الحلبي حفظه الله تعالى. ٢٣ - معالي الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله تعالى. ٢٤ - الشيخ عبد الله بن علي المُطَوِّع الكويتي حفظه الله تعالى. ٢٥ - الدكتور محمد حميد الله الهندي رحمه الله تعالى. _________ (١) كانت فاجعتنا بالشيخ علي والكتاب ماثل للطبع في ٥ ربيع الأول ١٤٢٠.

стр. 31

٢٦ - الشيخ مناع بن خليل القطان المصري رحمه الله تعالى (١). ٢٧ - الشيخ يوسف القرضاوي المصري حفظه الله تعالى. ٢٨ - الشيخ محمد نمر الخطيب الفلسطيني حفظه الله تعالى. ٢٩ - الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني الباكستاني رحمه الله تعالى (٢). ٣٥ - الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى (٣). ٣١ - الشيخ شعيب الأرنؤوط الألباني ثم الدمشقي حفظه الله تعالى. ٣٢ - الشيخ أحمد بن عبد الله الدُّوْغَان الأحسائي حفظه الله تعالى. ٣٣ - الشيخ محمد الحبيب بن الخوجهْ التونسي حفظه الله تعالى. ٣٤ - الشيخ الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري الحضرمي حفظه الله تعالى. ٣٥ - الشيخ محمد أمين سراج التركي حفظه الله تعالى. ٣٦ - الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى، وغيرهم كثير. * وظائفه ومحاضراته ودروسه: بعد عودة والدي ﵀ من مصر إلى موطنه تقدم لمسابقة اختيار مُدَرِّسي الديانة والثقافة الإسلامية في وزارة المعارف لعام ١٩٥١ م، فكان الناجح الأول فيها. فدرّس لمدة ١١ سنة في ثانويات حلب مادة التربية الإسلامية، كما درّس علوم الشريعة المختلفة في المدرسة الشعبانية والثانوية الشرعية التي تخرّج منها. _________ (١) كانت فاجعتنا بالشيخ مناع في ١٢ ربيع الآخر سنة ١٤٢٠، وقد ولد ﵀ سنة ١٣٤٥. (٢) كانت فاجعتنا به في أول يوم من جمادى الأولى ١٤٢٠ وقد ولد سنة ١٣٣٣. (٣) كانت فاجعتنا به في ٢٣ رمضان المبارك ١٤٢٠ وقد ولد سنة ١٣٣٢. فإلى الله المشتكى من سنة ١٤٢٠ سنة العلماء!

стр. 32

كما أنه زاول في تلك الفترة الخطابة في جامع الحَمَوي ثم في جامع الثانوية الشرعية بحلب، كما كان له دَرْس بعد صلاة الجمعة نحو ساعة سمّاه (جلسة التَّفَقه في الدين)، كان مهوى أفئدة الشباب المسلم واستفاد منه أمم من الناس، وكان يقصد من أطراف مدينة حلب وضواحيها، بل كان يأتيه أناس من محافظة اللاذقية التي تبعد عن مدينة حلب ١٨٠ كم بطريق وعر. وكان له درس ثانٍ للفقه ليلة الاثنين، ودرس ثالث يوم الخميس في الحديث والتربية والأخلاق، هذا سوى الدروس الخاصة التي كان يقوم بها للنبهاء من طلاب العلم الشرعي. كما كان يلقي بعض المحاضرات العامة في دار الأرقم. ثم انتخب عضوًا في المجلس النيابي بسورية في سنة ١٩٦٢ م للمدة التي سمحت الظروف السياسية فيها ببقاء المجلس النيابي. وكان انتخابه نائبًا عن مدينة حلب بأكثرية كبيرة، على الرغم من تآلب الخصوم عليه من كل الاتجاهات والملل. ثم انتدب للتدريس في كلية الشريعة بجامعة دمشق في نفس السنة، ودرَّس في كلية الشريعة بجامعة دمشق لمدة ثلاث سنوات (١٩٦٢ - ١٩٦٤ م): الفقه الحنفي وأصول الفقه والفقه المقارن بين المذاهب. وفي سنة ١٣٨٥ تعاقد مع كلية الشريعة بالرياض التي غدت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لاحقًا، ودرّس فيها وفي المعهد العالي للقضاء، ثم درَّس نحو عشر سنوات في الدراسات العليا في كلية أصول الدين من الجامعة نفسها الحديث الشريف وعلومه، وبقي يعمل مع جامعة الإمام مدة ٢٣ سنة إلى عام ١٤٠٨، ولقي فيها من إدارة الجامعة ومنسوبيها كل تكريم وتقدير، ثم تعاقد مع جامعة الملك سعود بالرياض، فدرّس علوم الحديث في كلية التربية لمدة سنتين في السنة الأخيرة من الكلية وفي الدراسات العليا، ثم تقاعد عن التدريس في سنة ١٤١١.

стр. 33

وكان ينتدب للتدريس في أثناء تدريسه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فقد انتُدب أستاذًا زائرًا للتدريس في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان عام ١٣٩٦، وأستاذًا زائرًا لليمن عام ١٣٩٨، وأستاذًا زائرًا عام ١٣٩٩ لجامعة ندوة العلماء في لكنو بالهند التي يرأسها سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى وغفر له. واختير عضوًا في المجلس العلمي في جامعة الإمام محمد بن سعود، والمجمع العلمي بالعراق، والمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وشارك في مؤتمرات وندوات كثيرة جدًّا في سورية والعراق واليمن وقطر والسودان والصومال والمغرب والهند وباكستان وأفغانستان وتركيا وجنوب أفريقيا وفي أوروبا وأمريكا وغيرهما. كما انتخب مراقبًا عامًا (رئيسًا) للإخوان المسلمين في سورية مرتين، من عام ١٩٧٢ م إلى عام ١٩٧٦ م، ومن عام ١٩٨٦ م إلى عام ١٩٩٠ م، وكان ذلك في ظروف صعبة وخاصة، فقبل الوالد ﵀ القيام بذلك المنصب بعد إلحاح شديد ودون رغبة أو تطلع، لاجئًا إلى الاستقالة في أول فرصة ممكنة، وذلك أنَّ الوالد ﵀ كان يؤثر العلم والبحث على أي أمر آخر، فكان أحب وقتٍ إليه وقتٌ يقضيه في تحقيق مسألة أو شرح معضلة أو مذاكرة علم ﵀ وغفر له. ومما درّسه والدي في كلية الشريعة مادة أصول الفقه، وقد كان متقنًا في تدريسه لها، مفهمًا إياها لطلابه رغم صعوبتها المعروفة، يشهد له بذلك تلاميذه. كما درّس في كلية أصول الدين لعموم الطلاب، وطلاب الدراسات

стр. 34

العليا علوم الحديث بأنواعها، كمصطلح الحديث، والحديث التحليلي وغير ذلك. * صفاته: إذا كان بعض الأدباء يجعل (مفتاحًا) لكل شخصية يدرسها ويترجم لها، فإن مفتاح شخصية الوالد ﵀ حبُّه الكمال في كل شؤونه، والترقي من الحسن إلى الأحسن، وبخاصة ما يلزم لرفعة المسلمين من سلوك وآداب وتجارة وصناعة وعلم ومعرفة، حتى يكون المسلم أولًا في كل شيء. فكان ﵀ مجمع الفضائل والشمائل كريمًا غاية في الكرم، يحرص على إكرام ضيفه بما يستطيع، ويبذل في ذلك جهده وغايته. وكان ﵀ حليمًا كثيرًا ما يعفو ويصفح. وكان أديبًا خلوقًا لا يؤذي أحدًا بكلامه، بل يحترمه ويثني عليه، ويختار في ذلك الألفاظ الراقية. وكان عاقلًا حصيفًا أريبًا لا تخرج الكلمة منه إلَّا بوزن وفي موضعها المناسب، ولا يقوم بأمر إلَّا ويزنه بعقله، وطالما قال لي: استعمل عقلك في كل ما تقوم به. وكان ظريفًا خفيف الروح يمازح جلساءه بالقدر المناسب، ويضفي على مجلسه العلمي والطبعي روح اللطافة والظرافة، بما يناسب مقام المجلس، ويخفف من وطاة الوقار، لكن في ظل التأدب والاحترام. وكان ذَوَّاقةً جدًّا في ملبسِه ومشربِه ومسكنِه، وكُتبه ترتيبًا وكتابة وتأليفًا، حتى في صَفِّه لحذاءه وتنعله. وهكذا تراه في كل حركة وسَكَنَة عاقلًا ذَوَّاقًا. وكان عفيف اللسان لا يشتم أحدًا، ولا أذكر أني سمعت منه كلمة

стр. 35

نابية إلَّا من أندر النادر، وحينما يغضب جدًّا، وأكثر غضبه لله . وكان عفيف النفس لا يطلب من مسؤول أمرًا لذاته، وإنما لأحبابه وإخوانه. وكان صبورًا على الطاعة والابتلاء، حريصًا على الصلاة حرصًا شديدًا، مؤديًا لها في أول وقتها، في الحضر والسفر، والتعب والمرض، غارسًا ذلك في أولاده وأحفاده، فإذا كان نائمًا أو متعبًا ونُبِّه إلى الصلاة، انتفض وقام مسرعًا، وطالما ذكر قصة عمر بن الخطاب ﵁ في وفاته، وقولَه: (لَا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة). وكان خِدْنًا للقرآن، له ورد صباحي يومي، لا يدعه إلَّا مضطرًا، مع إكثاره من الأذكار والأوراد، فلا تجده جالسًا بدون عمل علمي من تأليف أو تحقيق أو تعليم أو مذاكرة أو إفتاء، إلَّا وجدته يسبح ويحمدل ويهلل ويكبر. وكان رقيق القلب، سريع الدمعة، كثير العبرة، يفيض دمعه عند قراءة القرآن وذكر الله، وقصص السلف والصالحين، وفي المواقف الروحانية، وعلى مآسي المسلمين وآلامهم، وعندما يُمْدَح، ومن حضر حفل تكريمه عند الشيخ عبد المقصود خوجهْ المسمى "الاثنينية" رآه كيف قطع الحفل كله بالبكاء. وكان يألم ويحترق على مآسي هذه الأمة وأحوالها، وقد فقد سمعه بأذنه اليمنى بعد أن زاره شخص وحكى له عن مآسي المسلمين في بلد من البلدان، فحزن حزنًا شديدًا وبات ليلته حزينًا مهمومًا، وفي اليوم التالي شعر بدم يسيل من أذنه ثم ذهب سمعه. وكم وكم أرق الليالي حزنًا وتفكيرًا بأحوال المسلمين. ولقد ابتلاه الله بعد فَقْد سمعه في أذنه اليمنى بضعف بصره في عام ١٤١٠،

стр. 36

فما رأيته شكَى أو تشكَّى، ولا ثناه ذلك عن الإنتاج العلمي، بل تجمَّل بالصبر والتسليم، والمثابرة على التأليف والتحقيق، مخافة أن يدركه الأجل، ولم يخرج ما في صدره من الكتب. ثم في آخر حياته وقبل أربعة أشهر من وفاته أصيب بانفصال الشبكية في عينه اليمنى، وفَقَد بصره فيها، ثم أُجري لها عملية جراحية لم تكلل بالنجاح، وإنما أعقبته ألمًا شديدًا في عينه ورأسه، وصَفَه كرمي السِّهام، فما سمعته صرخ أو تأوَّه، وإنما كان يقول إذا اشتد الألم كثيرًا جدًّا: يا الله! لا إله إلَّا الله! وكان جَلْدًا على العلم قراءة ومطالعة وتأليفًا لا يغادره القلم والقِمَطْر في حله وسفره وصحته ومرضه، وقد ألَفَ وأنهى بعض كتبه في أسفاره الكثيرة كما دوّن في مقدمات بعض كتبه، وقبل دخوله المستشفى بيوم كان -وهو يعارك الآلام- يضيف في كتابه الماتع "الرسول المُعَلَّم ﷺ وأساليبه في التعليم "، كما كان يكثر السؤال وهو في المستشفى عن كتاب "لسان الميزان "، كما أنه كتب مقدمة "لسان الميزان" قبل عشرين يومًا من وفاته! وكان قليل النوم يستكثر ساعات نومه مع قلتها، وكان في شبابه يواصل اليوم واليومين، كما ذكر لي عدة مرات. وهاتان الصفتان الأخيرتان تدلان على صفة أخرى، وهي: حرصه على الوقت، فهو حريص على وقته أشد من حرصه على ماله، كما تدلُّ الأخيرة على نهمه العلمي الشديد. وكان لا يأمر بأمر إلَّا ويأتيه، ولا ينهى عن شيء إلَّا ويجتنبه. وكان ﵀ ذكيًا ألمعيًا ذا حافظة قوية، وذهن متقد مع عمل بالعلم، وعبادة وتقوى وصلاح وورع، وتواضع جمٍّ لطلّابه وتلاميذه، عوضًا عن مشايخه وعلماء الإسلام، فلا يرى نفسه في جنبهم شيئًا يذكر.

стр. 37

ولما مدحه شاعر طيبة الأستاذ محمد ضياء الدين الصابوني سدده الله في "الاثنينية" (١)، بقوله: أبو حنيفة في رأي وفي جدلٍ … يسمو بهمَّتهِ لأرفع الرُّتبِ عقَّب على ذلك والدي ﵀ بقوله: وكذلك الإخوة الَّذين تكلموا وتفضلوا بهذه الكلمات عني، فقد أغدقوا، ولكنهم أوسعوا وأرهقوا، حتى دخلت مع أبي حنيفة ﵁ بالمواجهة كما قال أخي الشاعر ضياء الدين الصابوني، فهذا شيء لا يبلغ من قدري أن أكون ذرَّة رمل أو تراب في جنب أبي حنيفة، من أبو حنيفة؟ أبو حنيفة رحمة من رحمات الله أهداها الله لهذه الأمة كما أهدى الإمام مالكًا، والإمام أحمد، والإمام الشافعي ﵁ والإمام ابن جرير … ، فهؤلاء الأئمة … فإن صلحت أن أكون رملة صغيرة في جنب هؤلاء فهذا وسام عظيم وفضل كريم، لا أستطيع الشكر عليه، فأعتذر عن مثل هذه الكلمات التي وجهت في جنب الحديث عني، فإنها لا تستطيع نفسي سماعها ولا قَبولها، وإن صدرت من أخ محب صادق في نية حسنة، ولكن الحق أحق أن يتبع. اهـ. وكانت له نظرة في الرجال وفَرَاسة فما رأيته وصف شخصًا بوصفٍ أو مَدْحٍ أو قَدْحٍ إلَّا وجدتُه فيه ولو بعد حين. وكذا نَظرتُه في الأمور تجدها مسددة، ولو بعد حين، وظني أنه مسدد بتقواه وعقله، كما كان يصف الإمام حسن البنا رحم الله الجميع. وكان محببًا إلى زوجه وأولاده وأحفاده، موجِّها ومربِّيًا لهم باللطف والذوق والحكمة والحُنكة، فما رحل عنهم إلَّا وهو عزيز وغالٍ يودون لو يفدونه بأرواحهم وأولادهم وأموالهم. _________ (١) ١١: ٦٣٣ و ٦٣٦.

стр. 38

وهذا حال كثير من محبيه الذين بكوه بكاء الثكالى في أنحاء المعمورة. أسُكَّانَ بطنِ الأرضِ لو يُقبل الفِدَى … فَدَينا، وأعطينا بكم ساكنَ الظَّهْرِ! فهو كما يقال مجمع الفضائل، ويصدق عليه قول القائل: وتُوجز في قارورة العطر روضةٌ … ويُوجَز في كأس الرحيق كرومُ * كتبه ومشاركاته العلمية: صدر لوالدي ﵀ ٦٧ كتابًا ما بين مؤلَّف ومحقَّق، وما بين صغير وكبير وغلاف ومجلد، ولن أطوِّل المقام بذكرها كلِّها، فهي معروفة لدى طلاب العلم ومحبي الشيخ، وهي مذكورة في آخر كل كتاب من كتبه ﵀ وغفر له. وإنما سأذكر أولًا بعض مؤلفاته ومشاركته العلمية المغفول عنها، ثم أذكر منهجه في الكتابة والتأليف بإيجاز، ثم أسلِّط الضوء على مؤلفاته في الحديث وعلومه. ألَّف ﵀ خلال تدريسه لمادة الديانة في حلب ابتداء من عام ١٩٥١ م وما بعده ستة كتب دراسية للمرحلة الثانوية، بالاشتراك مع خليله الحميم الأستاذ الشيخ أحمد عز الدين البيانوني رحمه الله تعالى. وكذلك اشتركا رحمهما الله بتأليف كتاب لطيف الحجم، يُعدُّ من أولِّ ما ألَّفه سيدي الوالد رحمه الله تعالى، سمّياه: "قَبَسات من نور النبوة"، كتباه في تلك الآونة ردًا على رجل يُدعى أبو شلباية، ذكر في سياق الازدراء بالنبي الكريم ﷺ أنه كان راعي غنم! كما أنه أتم وأنجز كتاب "معجم فقه المحلى لابن حزم الظاهري" في أثناء انتدابه للتدريس في كلية الشريعة بدمشق، وكان قد سبقه إلى العمل فيه أستاذان ولم يتماه، فأتمه ونسّقه وأنهى خدمته على الوجه المطلوب، وطبعته جامعة دمشق ضمن مطبوعاتها في مجلدين كبيرين.

стр. 39

كما أنه شارك في وضع مناهج وخطط دراسية في سورية، ثم مناهج المعهد العالي للقضاء وكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم مناهج الدراسات العليا في كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية من جامعة الملك سعود. وقد توفي ﵀ عن عدد من الكتب في المطبعة، وكتب أخرى لم تدفع إليها، وكتب كانت في صدره ولم يقم بها كاملة، ﵀ وأقرّ عينه بخروجها، وهو القائل: يندُر أن يموت العالم دون أن تكون في صدره حسرةٌ على كتب لم يخرجها. أما منهجه في التأليف والتحقيق فيتمثل في عدة نقاط: ١ - الغَيْرَة على الكلمة، والسعيُ وراءها: أي جودةُ ومتانة التحقيق والتأليف، فقلَّ أن تجد في ما يحقّقه أو يؤلّفه إغلاقًا لم يُحَلَّ، أو غامضًا لم يُبَيَّن، أو ضعيفًا في سنده أو في قبول معناه لم يُعَلِّق عليه. وكم وكم أخذ تحقيق كلمة واحدة منه أوقاتًا وأزمانًا، وكان ربما تذاكر فيها مع غيره من أهل العلم والاختصاص، كل ذلك برحابة صدر وسعادة وهناء، ولا عجَب فشأنه ودَيْدَنه: خدمة العلم وأهله. ٢ - الحرص على تشكيل وضبط الكلمات والألفاظ المُشْكِلة في عموم كتبه: مع توسُّعه في ذلك في الكتب العامة (الثقافية) أكثر من الكتب الخاصة (التخصصية)، ككتاب "صفحات من صبر العلماء" وكتاب "قيمة الزمن عند العلماء" ونحوهما، رغم أن ذلك يتعِبه ويأخذ وقته وجهده! قال في مقدمته لكتابه اليتيم العظيم "صفحات من صبر العلماء": "وربما يرى بعضُ الفضلاء أني قد توسَّعتُ بعضَ الشيء في شَكْلِ بعضِ الكلمات، وهذا أمر قصدتُه رعايةً لبعض القراء الذين لا يتقنون العربية، ليكون ذلك عونًا

стр. 40

لهم على القراءة الصحيحة والضبطِ السليم للعبارة ومفرداتها، وعونًا على سرعة الفهم أيضًا". وقال: "وضبطتُ بالشكل: أسماء الأعلام والبلدان والأماكن، وكلَّ لفط قدّرتُ يمكن أن يغلط فيه غالط، أويتردد في قراءته متردِّد، ليستمرَّ ذهن القارئ في قراءة الخبر دون تلكؤٍ في فهمِه، أو خطأ في لفظِه إن شاء الله تعالى". ٣ - الزيادة في كل طبعة: فالكتاب دائمًا بين يديه يزيد فيه، وينقّح ويوضّح، حتى قيل: إنَّ كل طبعة لكتاب من كتبه تعد بمثابة كتاب جديد. إلَّا أني أشير إلى أمر، وهو أنه في الآونة الأخيرة لما كثرت عليه الكتبُ مع ضعف الجسم وكِبر السن، صار يُصدِر بعض الكتب النافدة مما سبق خروجه تصويرًا لئلا تُفقد من أيدي طلبة العلم، وإن كان الكتاب المصوَّر قد زاد عليه وأضاف ونقّح، لكنه لم يتفرغ لإخراجه مزيدًا في طبعة جديدة، لانشغاله بغيره مما لم يخرج سابقًا، فهو وإن طُبع تصويرًا إلَّا أنه في حقيقة الأمر مزيد بين يديه، ﵀ وغفر له، وسأسعى لنشر كلِّ ما تركه وما كان ينوي القيام به بمشيئة الله وعونه. ٤ - الإفادات النادرة، واللفتات اللطيفة: فربما تجده عَلَّق على كلمة مّا بسطر، لكن هذا السطر كلّفه ثلاث ليال بل أسبوعًا من البحث والتمحيص. كما أن هذا السطر جاء ثمرةَ مطالعةِ واطلاعِ سنين طوال، وحصيلةَ تنقيبٍ مستمر دائم. كما يتجلى ذلك أيضًا في إيراده بعضَ النقول من غير مظانها، ومن مصادر لا يُتوقع أنها فيها. ثم إن له ذوقًا رفيعًا وفهمًا ثاقبًا في انتقاء النصوص وكيفية إيرادها
следующие страницы →