Полный текст (5 296 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فما رأيته شكَى أو تشكَّى، ولا ثناه ذلك عن الإنتاج العلمي، بل تجمَّل بالصبر والتسليم، والمثابرة على التأليف والتحقيق، مخافة أن يدركه الأجل، ولم يخرج ما في صدره من الكتب.
ثم في آخر حياته وقبل أربعة أشهر من وفاته أصيب بانفصال الشبكية في عينه اليمنى، وفَقَد بصره فيها، ثم أُجري لها عملية جراحية لم تكلل بالنجاح، وإنما أعقبته ألمًا شديدًا في عينه ورأسه، وصَفَه كرمي السِّهام، فما سمعته صرخ أو تأوَّه، وإنما كان يقول إذا اشتد الألم كثيرًا جدًّا: يا الله! لا إله إلَّا الله!
وكان جَلْدًا على العلم قراءة ومطالعة وتأليفًا لا يغادره القلم والقِمَطْر في حله وسفره وصحته ومرضه، وقد ألَفَ وأنهى بعض كتبه في أسفاره الكثيرة كما دوّن في مقدمات بعض كتبه، وقبل دخوله المستشفى بيوم كان -وهو يعارك الآلام- يضيف في كتابه الماتع "الرسول المُعَلَّم ﷺ وأساليبه في التعليم "، كما كان يكثر السؤال وهو في المستشفى عن كتاب "لسان الميزان "، كما أنه كتب مقدمة "لسان الميزان" قبل عشرين يومًا من وفاته!
وكان قليل النوم يستكثر ساعات نومه مع قلتها، وكان في شبابه يواصل اليوم واليومين، كما ذكر لي عدة مرات.
وهاتان الصفتان الأخيرتان تدلان على صفة أخرى، وهي: حرصه على الوقت، فهو حريص على وقته أشد من حرصه على ماله، كما تدلُّ الأخيرة على نهمه العلمي الشديد.
وكان لا يأمر بأمر إلَّا ويأتيه، ولا ينهى عن شيء إلَّا ويجتنبه.
وكان ﵀ ذكيًا ألمعيًا ذا حافظة قوية، وذهن متقد مع عمل بالعلم، وعبادة وتقوى وصلاح وورع، وتواضع جمٍّ لطلّابه وتلاميذه، عوضًا عن مشايخه وعلماء الإسلام، فلا يرى نفسه في جنبهم شيئًا يذكر.
стр. 37
ولما مدحه شاعر طيبة الأستاذ محمد ضياء الدين الصابوني سدده الله في "الاثنينية" (١)، بقوله:
أبو حنيفة في رأي وفي جدلٍ … يسمو بهمَّتهِ لأرفع الرُّتبِ
عقَّب على ذلك والدي ﵀ بقوله: وكذلك الإخوة الَّذين تكلموا وتفضلوا بهذه الكلمات عني، فقد أغدقوا، ولكنهم أوسعوا وأرهقوا، حتى دخلت مع أبي حنيفة ﵁ بالمواجهة كما قال أخي الشاعر ضياء الدين الصابوني، فهذا شيء لا يبلغ من قدري أن أكون ذرَّة رمل أو تراب في جنب أبي حنيفة، من أبو حنيفة؟ أبو حنيفة رحمة من رحمات الله أهداها الله لهذه الأمة كما أهدى الإمام مالكًا، والإمام أحمد، والإمام الشافعي ﵁ والإمام ابن جرير … ، فهؤلاء الأئمة … فإن صلحت أن أكون رملة صغيرة في جنب هؤلاء فهذا وسام عظيم وفضل كريم، لا أستطيع الشكر عليه، فأعتذر عن مثل هذه الكلمات التي وجهت في جنب الحديث عني، فإنها لا تستطيع نفسي سماعها ولا قَبولها، وإن صدرت من أخ محب صادق في نية حسنة، ولكن الحق أحق أن يتبع. اهـ.
وكانت له نظرة في الرجال وفَرَاسة فما رأيته وصف شخصًا بوصفٍ أو مَدْحٍ أو قَدْحٍ إلَّا وجدتُه فيه ولو بعد حين.
وكذا نَظرتُه في الأمور تجدها مسددة، ولو بعد حين، وظني أنه مسدد بتقواه وعقله، كما كان يصف الإمام حسن البنا رحم الله الجميع.
وكان محببًا إلى زوجه وأولاده وأحفاده، موجِّها ومربِّيًا لهم باللطف والذوق والحكمة والحُنكة، فما رحل عنهم إلَّا وهو عزيز وغالٍ يودون لو يفدونه بأرواحهم وأولادهم وأموالهم.
_________
(١) ١١: ٦٣٣ و ٦٣٦.
стр. 38
وهذا حال كثير من محبيه الذين بكوه بكاء الثكالى في أنحاء المعمورة.
أسُكَّانَ بطنِ الأرضِ لو يُقبل الفِدَى … فَدَينا، وأعطينا بكم ساكنَ الظَّهْرِ!
فهو كما يقال مجمع الفضائل، ويصدق عليه قول القائل:
وتُوجز في قارورة العطر روضةٌ … ويُوجَز في كأس الرحيق كرومُ
* كتبه ومشاركاته العلمية:
صدر لوالدي ﵀ ٦٧ كتابًا ما بين مؤلَّف ومحقَّق، وما بين صغير وكبير وغلاف ومجلد، ولن أطوِّل المقام بذكرها كلِّها، فهي معروفة لدى طلاب العلم ومحبي الشيخ، وهي مذكورة في آخر كل كتاب من كتبه ﵀ وغفر له.
وإنما سأذكر أولًا بعض مؤلفاته ومشاركته العلمية المغفول عنها، ثم أذكر منهجه في الكتابة والتأليف بإيجاز، ثم أسلِّط الضوء على مؤلفاته في الحديث وعلومه.
ألَّف ﵀ خلال تدريسه لمادة الديانة في حلب ابتداء من عام ١٩٥١ م وما بعده ستة كتب دراسية للمرحلة الثانوية، بالاشتراك مع خليله الحميم الأستاذ الشيخ أحمد عز الدين البيانوني رحمه الله تعالى.
وكذلك اشتركا رحمهما الله بتأليف كتاب لطيف الحجم، يُعدُّ من أولِّ ما ألَّفه سيدي الوالد رحمه الله تعالى، سمّياه: "قَبَسات من نور النبوة"، كتباه في تلك الآونة ردًا على رجل يُدعى أبو شلباية، ذكر في سياق الازدراء بالنبي الكريم ﷺ أنه كان راعي غنم!
كما أنه أتم وأنجز كتاب "معجم فقه المحلى لابن حزم الظاهري" في أثناء انتدابه للتدريس في كلية الشريعة بدمشق، وكان قد سبقه إلى العمل فيه أستاذان ولم يتماه، فأتمه ونسّقه وأنهى خدمته على الوجه المطلوب، وطبعته جامعة دمشق ضمن مطبوعاتها في مجلدين كبيرين.
стр. 39
كما أنه شارك في وضع مناهج وخطط دراسية في سورية، ثم مناهج المعهد العالي للقضاء وكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم مناهج الدراسات العليا في كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية من جامعة الملك سعود.
وقد توفي ﵀ عن عدد من الكتب في المطبعة، وكتب أخرى لم تدفع إليها، وكتب كانت في صدره ولم يقم بها كاملة، ﵀ وأقرّ عينه بخروجها، وهو القائل: يندُر أن يموت العالم دون أن تكون في صدره حسرةٌ على كتب لم يخرجها.
أما منهجه في التأليف والتحقيق فيتمثل في عدة نقاط:
١ - الغَيْرَة على الكلمة، والسعيُ وراءها: أي جودةُ ومتانة التحقيق والتأليف، فقلَّ أن تجد في ما يحقّقه أو يؤلّفه إغلاقًا لم يُحَلَّ، أو غامضًا لم يُبَيَّن، أو ضعيفًا في سنده أو في قبول معناه لم يُعَلِّق عليه.
وكم وكم أخذ تحقيق كلمة واحدة منه أوقاتًا وأزمانًا، وكان ربما تذاكر فيها مع غيره من أهل العلم والاختصاص، كل ذلك برحابة صدر وسعادة وهناء، ولا عجَب فشأنه ودَيْدَنه: خدمة العلم وأهله.
٢ - الحرص على تشكيل وضبط الكلمات والألفاظ المُشْكِلة في عموم كتبه: مع توسُّعه في ذلك في الكتب العامة (الثقافية) أكثر من الكتب الخاصة (التخصصية)، ككتاب "صفحات من صبر العلماء" وكتاب "قيمة الزمن عند العلماء" ونحوهما، رغم أن ذلك يتعِبه ويأخذ وقته وجهده!
قال في مقدمته لكتابه اليتيم العظيم "صفحات من صبر العلماء": "وربما يرى بعضُ الفضلاء أني قد توسَّعتُ بعضَ الشيء في شَكْلِ بعضِ الكلمات، وهذا أمر قصدتُه رعايةً لبعض القراء الذين لا يتقنون العربية، ليكون ذلك عونًا
стр. 40
لهم على القراءة الصحيحة والضبطِ السليم للعبارة ومفرداتها، وعونًا على سرعة الفهم أيضًا".
وقال: "وضبطتُ بالشكل: أسماء الأعلام والبلدان والأماكن، وكلَّ لفط قدّرتُ يمكن أن يغلط فيه غالط، أويتردد في قراءته متردِّد، ليستمرَّ ذهن القارئ في قراءة الخبر دون تلكؤٍ في فهمِه، أو خطأ في لفظِه إن شاء الله تعالى".
٣ - الزيادة في كل طبعة: فالكتاب دائمًا بين يديه يزيد فيه، وينقّح ويوضّح، حتى قيل: إنَّ كل طبعة لكتاب من كتبه تعد بمثابة كتاب جديد.
إلَّا أني أشير إلى أمر، وهو أنه في الآونة الأخيرة لما كثرت عليه الكتبُ مع ضعف الجسم وكِبر السن، صار يُصدِر بعض الكتب النافدة مما سبق خروجه تصويرًا لئلا تُفقد من أيدي طلبة العلم، وإن كان الكتاب المصوَّر قد زاد عليه وأضاف ونقّح، لكنه لم يتفرغ لإخراجه مزيدًا في طبعة جديدة، لانشغاله بغيره مما لم يخرج سابقًا، فهو وإن طُبع تصويرًا إلَّا أنه في حقيقة الأمر مزيد بين يديه، ﵀ وغفر له، وسأسعى لنشر كلِّ ما تركه وما كان ينوي القيام به بمشيئة الله وعونه.
٤ - الإفادات النادرة، واللفتات اللطيفة: فربما تجده عَلَّق على كلمة مّا بسطر، لكن هذا السطر كلّفه ثلاث ليال بل أسبوعًا من البحث والتمحيص.
كما أن هذا السطر جاء ثمرةَ مطالعةِ واطلاعِ سنين طوال، وحصيلةَ تنقيبٍ مستمر دائم.
كما يتجلى ذلك أيضًا في إيراده بعضَ النقول من غير مظانها، ومن مصادر لا يُتوقع أنها فيها.
ثم إن له ذوقًا رفيعًا وفهمًا ثاقبًا في انتقاء النصوص وكيفية إيرادها
стр. 41
ومواضع تعليقها، فليس هو من هواة تكبير الكتب ونفخ الحواشي وملء الفراغات.
٥ - الجمع قطرة قطرة: وهذا يتجلى واضحًا فيما يؤلفه، فمثلًا: كتاب "صفحات من صبر العلماء" جمعه في أكثر من عشرين سنة، كلّما وجد شيئًا يناسب الموضوع كَتَبه في قُصَاصة وجمَعه، حتى غدا كتابًا جميلًا ممتعًا للقارئ والمستمع، وكذا كتاب "قيمة الزمن عند العلماء"، وهكذا سائر مؤلفاته ومحققاته.
٦ - اهتمامه بالفهارس، وإتقانه لها: وذلك في وقت كانت الفهارس التفصيلية نادرةً وغيرَ مألوفة في المكتبة الإسلامية، فأصبح منهجه هذا حافزًا ومثالًا يُحْتَذى، فأبرَزَ ﵀ أهمية الفهرسة رافعًا سمت الكتب العلمية.
وشرطه في ذلك أن تزيد صفحات الكتاب عن مئة صفحة، فإن تحقق ذلك جعل للكتاب فهارس عامة تربو على خمسة فهارس وقد تزيد، وذلك ليكون الراجع إليه والباحث عن طَلِبته فيه سريع الوصول إلى مبتغاه منه بأيسر الطرق وأقصر الوقت، مع أن في ذلك جهدًا كبيرًا ومشقة عسيرة، شكى منهما الوالد ﵀ في مقدمة فهارس كتاب "الانتقاء"، ومع كون الفهرسة غدت ضَرْبًا من التاليف المستقلّ قلَّ من يخلص فيه ويتقنه.
٧ - الإخراج الفني الجميل في الطباعة والغلاف: ففي كل ذلك له ذوق وبصمة مميزة، وساعده في ذلك إخوة أكارم لمّاحين ذواقين كان يطبع عندهم كتبه.
ويعدُّ الوالد ﵀ مثالًا فريدًا ومدرسة مستقلة في فن الطباعة والفهرسة، وانظر في ذلك كتابَه "تصحيحُ الكتب وصنعُ الفهارس المعجمة".
٨ - الذوق في كل ما سبق: وله في كل ما ذكرت قصص أعرضت عن ذكرها لضيق المقام.
٩ - توجهه للتحقيق أكثر منه للتأليف: لتواضعه وهضمه لنفسه، ولأنه يرى أن "إتمام بناء الآباء خيرٌ مئة مرة من إنشاء البناء من الأبناء، فضلًا عن أنه
стр. 42
جزء من الحق الذي لهم علينا والوفاء، فهم الأصل الأصيل، والنور الدليل، والفهم المستقيم، والعلْم القويم، وما تركوا في آثارهم من بقايا فجوات طفيفة، لا يقتضي منا تخطيهم والإعراض عن آثارهم النفيسة"، كما صرّح به في مقدمة أول كتاب أخرجه، وهو كتاب "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" للإمام اللكنوي، فهذا منهجه من أول أمره.
مع العلم أن تحقيق النصوص كثيرًا ما يكون أشقَّ من التأليف المستأنف الجديد، كما ذكر في نفس المقدمة المذكورة.
ويتضح ذلك في أن له واحدًا وخمسين كتابًا محقَّقًا مقابل ثلاثة عشر كتابًا مؤلَّفًا.
فلم يكن يرى التأليف استقلالًا، إلَّا لأمر مستجَد لم يجد فيه للسابقين تصنيفًا، وإلَّا فإنه يتجه إليه ويخرجه بدلًا من إخراجه كتابًا من تلقاء نفسه.
١٠ - إفراده التعليقات الطويلة في آخر الكتاب (تتمات): وذلك حتى لا تأخذ من ذهن القارئ وتخرجه عن النص والموضوع، كما في "الموقظة" و "تحفة الأخيار" و "ظفر الأماني" و "الإحكام" و "رسالة المسترشدين" و "الإمام ابن ماجه وكتابه السنن".
وهذا من ذوقه الرفيع وأدبه العالي وعقله الرزين.
وأما كتبه التي عمادها الحديث الشريف وعلومه، أو فَهْرَسَتُه، فهي:
١ - كتاب السنن الصغرى للإمام النسائي، وهو أحد الكتب الستة المعتمدة لدى العلماء المحدثين وغيرهم في الرجوع إليها والاعتماد عليها، وقد قام الوالد ﵀ بفهرسة هذا الكتاب الجليل والمرجع الحفيل، فدرس الكتاب في أجزائه الثمانية، ووضع له فهرسًا عامًا شاملًا كاملًا أدخل هذا الكتاب في "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي" الذي صنعه
стр. 43
المستشرقون متعاقبين عليه في مدة ٥٥ سنة، وفي كتاب "مفتاح كنوز السنة" لمحمد فؤاد عبد الباقي، وكتاب "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للحافظ المزيِّ.
فصنع له ترقيمًا لأحاديثه وآثاره وكتبه وأبوابه ورواتها … ، فجاء من ذلك تسعة أنواع من الفهرسة، كما صنع فهرسًا شاملًا لأبواب كُتُب كل جزء بآخره، واستغرق في تدوينه وطبعه قريبًا من ثلاث سنين، وبلغت صفحات هذا الفهرس مجلدًا في ٣٦٤ صفحة.
وكان المستشرقون أحجموا عن صُنْعه لصعوبته، فقام الوالد ﵀ بهذه الخدمة الجُلَّى، وطَبع مجلد الفهارس هذا مع أجزاء الكتاب الثمانية، فصار كشف الحديث أو الأثر أو الراوي أو مروياته على طرف الثُمام. وطُبع هذا الكتاب ثلاث مرات في بيروت، كما سُرق ثلاث مرات، والله حسيب السارقين.
٢ - كتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح لإمام العصر في الهند الشيخ محمد أنور شاه الكشميري. وكان أصل هذا الكتاب في نحو ٢٠ صفحة فخرج بعد خدمته الوافية وتخريج أحاديثه وآثاره في نحو ٣٧٣ صفحة، وأدَّى هذا الكتاب خدمة جُلَّى في تجلية حَقِّية هذا الموضوع -وبخاصة زمن طبعته الأولى-، الذي كان ينكره أو يتردد فيه طائفة من كبار العلماء، وخرج الكتاب نافعًا للخواص والعوام ومصحِّحًا لأفكار الواهمين والمنكرين. وطبع بحلب وبيروت وباكستان ومصر خمس مرات.
٣ - مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل، وهو بحث مبتكر جديد في بابه يَهمُّ كلَّ مشتغل بهذا الفن، ويمثل نفَسًا من أنفاس الوالد التحقيقية، ذكر فيه الوالد ﵀ كلمةً عن منشأ
стр. 44
هذه الفتنة وأُسِّها وتاريخها، ثم بحث بإسهاب وإطناب عن أثرها وما ترتب عنها في صفوفِ رواة الحديث ونقَّاده والمتكلمين في الرجال وكتبِ الجرح والتعديل.
وقد طبعت في بيروت في جزء لطيف سنة ١٣٩١ هـ في ٢٦ صفحة، ثم رأى الوالد طيَّب الله ثراه إدراجها في حاشية كتاب "قواعد في علوم الحديث" فأدرجها في موضعها الملائم في أواخر الكتاب فجاءت في ١٩ صفحة، من ص ٣٦١ إلى ص ٣٨٥.
٤ - كتاب إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة للإمام اللكنوي. وهذا الكتاب أورد فيه مؤلفه جملة كبيرة من الأحاديث، فخرج بعد تخريج أحاديثه وآثاره والإضافة إليه، مما يشهد لموضوعه في ١٩٥ صفحة. وطُبع بحلب والقاهرة وبيروت.
وللوالد قدَّس الله روحه عليه زيادات وتعليقات مهمة تصدر إن شاء الله في طبعة مزيدة.
٥ - كتاب سباحة الفكر في الجهر بالذكر للإمام اللكنوي، وهو من أفضل الكتب في موضوعه، وتضمَّن من الأحاديث النبوية شطرًا كبيرًا للاستدلال على موضوعه، فحققه الوالد ﵀ وخرَّج أحاديثه باختصار. وطُبع في بيروت ولاهور ثلاث مرات في ١٢٠ صفحة.
٦ - كتاب قواعد في علوم الحديث للعلامة الجليل الشيخ ظَفَر أحمد التهانوي الهندي ثم الباكستاني، وهو مقدمة لكتاب حفيل عظيم فريد في بابه للعلامة التهانوي أيضًا، اسمه "إعلاء السنن" في عشرين جزءًا من القطع الكبير، وتكفل هذا الكتاب بجمع أدلة المذهب الحنفي في كافة أبواب الفقه، ردًا على بعض المتعصبين الهنود، الرامين المذهب الحنفي بالفقر من أدلة الكتاب
стр. 45
والسنة، فقام الكتاب بفرض الكفاية وأربى على الغاية، وجاء الكتاب بعد طبعه بتحقيق الوالد غفر الله له وتعليقاته النادرة في ٥٥٣ صفحة. وطُبع ست مرات في بيروت والهند وكراتشي والرياض والقاهرة.
٧ - كتاب الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة للإمام اللكنوي، تضمن هذا الكتاب النفيس مباحث شائكة ومسائل صعبة، تقدم بالسؤال عنها أحد كبار علماء الهند المعاصرين للكنوي، فأجاب عنها الشيخ اللكنوي بما شفى وكفى وزاد على الغاية، وكان أصل الكتاب صغيرًا في نحو ٢٠ صفحة، فغدا بعد تعليق الوالد رحمة الله عليه، وزيادة التحقيق لمسائله وإغناء الدارس له عن التلفت إلى غيره في ٣٠٢ صفحة، وطبع خمس طبعات في حلب والقاهرة وبيروت، وللوالد عليه زيادات وتنقيحات وتصحيحات تصدر لاحقًا إن شاء الله في طبعة سادسة مزيدة.
٨ - السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني، وهي رسالة نفيسة في نحو ٥٠ صفحة، فريدة في موضوعها، نبَّه الوالد ﵀ فيها إلى أخطاء سارية في فهم لفظ السنة الوارد في الأحاديث والآثار وقع فيها بعض العلماء، كما عرَّف فيها بحال "سنن الدارقطني" وبيَّن المفارقات بينها وبين السنن الأربعة سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجَهْ. وطبع ببيروت.
٩ - صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين، درَس الوالد ﵀ فيها نموذجًا من الأسانيد الحديثية للحافظ ابن الصلاح، واستوعب فيها كلَّ ما يتصل بهذا الموضوع، مع التراجم والفهارس، فلم تقتصر على كونها صفحةً مشرقةً فَحَسْب بل غَدَتْ كتابًا يُعرِّف الخلف بعناية السلف في نقل الكلمة العلمية وحفظها وضبطها وحِيَاطتها من التصحيف والتحريف، وطبع في بيروت في ١٤٥ صفحة.
стр. 46
١٠ - تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي، وهو موضوع له أهميته البالغة في تشخيص معالم هذه الكتب العظيمة والمصادر المعتبرة في رواية الحديث، ويكشف هذا الكتاب عن بُنى هذه الكتب وما أُسست عليه في تدوينها وتأليفها ومقاصدها، ويدفع عنها أوهامًا تسربت إلى بعض العلماء بسبب الغَفْلة عن أسمائها الكاملة الدقيقة وما اشتملت عليه، وطبع في بيروت.
ويعد الكتاب مثالًا حيًّا من أمثلة الوالد ﵀ في التحقيق والتنقيح والتأليف.
١١ - الإسناد من الدين، بيَّن فيه الوالد ﵀ فضل الإسناد واهتمام العلماء به في تلقي الحديث الشريف وغيره من العلوم، ونبَّه فيه إلى مباحث هامة تتصل بهذا الموضوع.
وهذا الكتاب فضلًا عن كونه بيانًا لعناية المحدثين بالإسناد الحافظ للسنة من الدَّخل والدَّغَل في حقيقته منافحةٌ وذبٌّ عن حياض الإسلام، فإن الدين الإسلامي شُرِّف وامتاز دون سائر الأديان بخصيصة الإسناد. وقد طبع في بيروت في ٨١ صفحة. وسُرق أكثر من مرة!
وقد كان للوالد غمر الله قبره بالرحمة اهتمام إلى جانب ما تقدم بعلم رجال الحديث وكتب رجال الحديث، فهي المرقاة الأولى التي يرقى بها المحدِّث إلى معرفة الصحيح من السقيم، فأخرج -سوى كتاب "لسان الميزان"-:
١٢ - كتاب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ الخزرجي اليمني، وهذا الكتاب من أفضل الكتب المختصرة في معرفة الرجال، كما شرح ذلك الوالد ﵀ في مقدمته له التي بلغت ٤٠ صفحة، وبيَّن مزاياه على مزايا "التقريب" للحافظ ابن حجر سوى ذكر الحكم على الراوي بتعيين حاله ضعفًا وقوة.
وكان هذا الكتاب مجهولًا تاريخ مؤلِّفه وتاريخ مُحشِّيه، فاهتدى الوالد
стр. 47
نوّر الله قبره بتنقيبه الدائب إلى ترجمة المؤلف بالإجمال، وإلى تعيين بلده، وإلى ترجمة مُحشِّيه والمعلَّق عليه باستيفاء، وترجم لهما في مقدمته للكتاب، وأتحف القراء بتصحيح أغلاط وتحريفات كثيرة خطيرة وقعت في طبعة الكتاب البولاقية، فذكر صفحات طوالًا في بيانها وكشف تحريفها دون قصد استيفائها، وطبع الكتاب أربع مرات في بيروت.
كما قد خدم الوالد طيّب الله ثراه علم مصطلح الحديث خدمة جُلّى، فنشر وحقق جملة واسعة من كتبه الهامة المتميزة، مع تحقيقات وتعليقات وحواشٍ محرِّرة مبصِّرة، ومنها:
١٣ - كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للإمام عبد الحي اللكنوي الهندي نادرة المحققين المتأخرين، الذي عاش ٣٩ سنة وأربعة أشهر، وترك من المؤلفات أكثر من ١١٥ مؤلَّف في علوم متعددة، وفي دقائق العلم ومباحثه العصيبة، وُلد سنة ١٢٦٤، وتوفي أول سنة ١٣٠٤. وكلُّ كتبه ورسائله تتميز بالتحقيق والإفادات الغالية.
وهو أول كتاب أُلِّف في موضوعه الهام، وأدى خدمة عظيمة لدارسي الحديث الشريف ورجاله وبخاصة معرفة قواعد الجرح والتعديل، فكان هذا الكتاب رائدًا فريدًا في بابه، وكانت حاشيته الضافية الوافية المتنوعة مجمع النفائس والفرائد والتحقيقات، وقد كان أصله في نحو ٢٠ صفحة، فخرج بعد الخدمة له والتعليق عليه في طبعته الأولى في ٢٧٢ صفحة، وفي طبعته الثانية ٣٩٤ صفحة، وفي طبعته الثالثة والرابعة ٥٦٤ صفحة، وسيصدر قريبًا إن شاء الله في طبعة مزيدة ومنقحة، وهو المرجع الرائد في موضوعه على كثرة ما تلاحق من التآليف بعده في موضوعه من المعاصرين المجيدين وغير المجيدين.
وقد استفاد واقتبس منه ونقل عنه كثيرون بعزوٍ وبدون عزوٍ!
١٤ - كتاب الموقظة في علم مصطلح الحديث للحافظ الذهبي، وهذا
стр. 48
الكتاب فريد للحافظ الذهبي في موضوع المصطلح، حققه الوالد ﵀ من مخطوطتين، وعلّق عليه وضبطه وأوفاه حقه، وألحق بآخره خمس تتمات تتصل بمباحثه، جاء فيها بالفريد المفيد، وبخاصة ما يتعلق بكتاب "صحيح مسلم" وشَرْط مسلم فيه، وردِّ مسلم على من خالفه في شرطه، وبيان اسمه وأثر هذا الاختلاف، وبيان وجاهة مذهب مسلم، وبخاصة أيضًا مسالة تكفير أهل البدع والأهواء، وخرج الكتاب بأبهى حلة قشيبة مع فهارسه في ٢٢٠ صفحة. وطبع في بيروت أربع مرات. وسرق مرة.
وللوالد عليه مزيد تعليقات وتحريرات نفيسة يسَّر الله إخراجها.
١٥ - كتاب قفو الأثر في صفو علوم الأثر للإمام العلامة ابن الحنبلي الحلبي الحنفي، في ١٤٠ صفحة، وهو كتاب استخلص فيه مؤلفه كتب المصطلح التي دوِّنت قبله، وحرَّرها ونقَّحها، وعرضها صافية شافية باختصار غير مُخِلٍّ، وباستيعاب غير مُمِلٍّ، حققه الوالد غفر الله له وطبعه في أبهى حلة وإخراج، وهو كتاب يصلح للدراسة الجامعية لتوسطه طولًا، واستيفائه بحوثًا، بتحرير وإتقان.
١٦ - كتاب بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب للإمام الحافظ المرتضى الزَّبيدي شارح "القاموس" و "الإحياء"، ترجم فيه الوالد ﵀ لمؤلفه ترجمة وافية شافية، وضَبَط نصوص الكتاب وشرح مُغْلَقه، وخدمه بعناية كاملة وإخراج جميل، وطبعه مع كتاب "قفو الأثر" في مجلد واحد. وطبع في بيروت في نحو ١٠٠ صفحة.
١٧ - جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل، وهي أسئلة مُشْكِلة، وجَّهها بعض كبار المحدثين من معاصري الحافظ المنذري له، ورغب في إجابته عنها، فاجاب عنها بأوفى بيان وجلَّاها خيرَ تجلية، فجاءت متممة سادة لثغرات كانت أمام المحدثين لا بد من الجواب عنها. وقد اعتنى الوالد ﵀ بهذه الأجوبة ووشّاها بتعليقات محرَّرة
стр. 49
محرَّرة. وطبع في بيروت في ١٠٠ صفحة. ومعه:
١٨ - رسالة أمراء المؤمنين في الحديث بقلم الوالد ﵀، جمع فيه أسماء من لُقِّبوا بلقب أمير المؤمنين في الحديث، من أول القرن الثاني إلى ما بعد القرن العاشر، فبلغوا ٢٦ عالمًا، وذكر فيه أيضًا أمراء المؤمنين في الفقه والعربية، فكان تحفة طريفة فريدة في موضوعها وطرافتها، طبع في بيروت في أكثر من ٥٠ صفحة.
١٩ - كتاب لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، من تأليف الوالد ﵀، وهو كتاب متميزٌ من ٢٥٢ صفحة، حوى مباحث من علوم الحديث في تاريخ بدء وضع الحديث، وأسبابه، ونتائجه، وكيف عالجه العلماء المحدثون ونبه إلى ما بذلوا في مقاومته من جهود عجيبة، فأحاطوا السنة المطهرة بسياج المناعة من أن يدخل عليها دخيل، أو يُعمَل فيها بحديث مختلَق مكذوب، ونبّه إلى سقطات وتحريفات بالغة وقعت لبعض العلماء. وطبع الكتاب أربع مرات في بيروت وباكستان.
وأخذ مضمونه كثيرون وعزوه لأنفسهم دون أدنى إشارة.
٢٠ - كتاب المصنوع في معرفة الحديث الموضوع للعلامة الشيخ المُلَّا علي القاري الهروي ثم المكي، الذي زادت مؤلفاته النافعة على أكثر من خمسين مؤلفًا، ومنها هذا الكتاب الهام. وقد تولى الوالد أكرمه الله بالرضوان تحقيق أحاديثه وبيان درجتها وذكر ما يغني من الحديث الصحيح عن الحديث الموضوع فيها، وقدّم له بمقدمة واسعة حافلة بلغت ٤٢ صفحة قرر فيها ضوابط وقواعد كانت سائبة عائمة، فجمعها وأسسها على منطلق صحيح ومعنى واضح، ونبَّه في تعليقاته على أغاليط وأوهام وقعت لبعض العلماء من الاعتماد في تصحيح الأحاديث على الكشف الذي يقول به بعض الصوفية، وهو بَهْرجٌ من القول مخالف لما أُسِّس عليه الدين والشرع المبين، وطُبع الكتاب أربع مرات في بيروت والقاهرة، في أكثر من ٣٤٠ صفحة.
стр. 50
٢١ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإِمام ابن القيم، وقد أحسن الوالد ﵀ جدًّا في خدمة هذا الكتاب وإخراجه، لأنه كتاب أراد مؤلفه حياطة السنة المطهرة من الحديث الموضوع وأكاذيب القصاص والوعاظ والمرتزقين بنشر الخرافات والبواطيل، وقد تميَّز هذا الكتاب الفريد على الكتب المؤلفة في الموضوعات بذكر قواعد وضوابط ترشد العالم إلى معرفة الحديث الموضوع والخبر المكذوب والأساطير المفتعلة، فإخراج هذا الكتاب وإحياؤه بالخدمة والعناية الجذابة يساعد على تنقية الثقافة الإسلامية من الشوائب والخرافات التي علِقت بأذهان كثير من الناس. وقد طبع أربع مرات في بيروت والرياض والقاهرة في ٢٢٤ صفحة. كما سُرق مرتين على الأقل.
٢٢ - كتاب ظَفَر الأماني في شرح مختصر السيد الشريف الجرجاني للإمام عبد الحي اللكنوي، وهذا الكتاب تميّز في علم مصطلح الحديث بالنقاش والمراجحة بين الأقوال في المسائل المعضِلة كمسألة "العمل بالحديث الضعيف" و "الحديث الحسن" و "الحديث المرسل" و "الحديث المنكر" وسواها من أبحاث المصطلح التي جرى للعلماء خلاف فيها بين المحدثين والفقهاء، كما أن فيه تعقبات دقيقة للحفاظ الجهابذة الكبار، كالعراقي وابن حجر والسخاوي وغيرهم.
وقد تميزت كتب اللكنوي بعامة، وهذا الكتاب بخاصة، بآثار إمامته وتحقيقه وحسن اختياره لما يرجحه ويختاره، ولِمَا تحلّى به هذا الكتاب الكبير من مزايا وفرائد، اعتنى الوالد ﵀ بخدمته وتحقيقه وضبط نصوصه وتقويم تحريفاته الواقعة في الأصل، وعلّق عليه بإيجاز حينًا، وبإطناب حينًا، حسبما يقتضيه المقام، وبلغ هذا الكتاب بفهارسه العامة ٦٢٠ صفحة. وطبع في بيروت.
وقد طبعت دار الكتب العلمية ببيروت هذا الكتاب بعد أن جرّدته من اسم الوالد ﵀ وتعليقاته، وأخذت الكتاب بما هو بفقراته وضبطه وشكله، بدون أدنى إشارة إلى عمل الوالد وجهده فيه، بل تعدت ذلك بحذفها تعليقات المؤلف ﵀، مخالفة في ذلك أصول التحقيق والأمانة العلمية، والله الموعد.
стр. 51
٢٣ - كتاب توجيه النظر إلى أصول الأثر للعلامة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي، وهذا الكتابُ أوسعُ كتابٍ أُلِّف في مصطلح علوم الحديث في القرن الماضي، ويتميز هذا الكتاب بتمحيص المسائل التي وقع فيها الخلاف للعلماء واضطربت فيها الأنظار، فحرَّرها المؤلف وأطال النفس في استيفاء أطرافها وترجيح الراجح منها، وطبع بهذه العناية من التحقيق والتعليق والتخريج لنصوصه ومصادره لأول مرة، وكانت طبعة المؤلف له من نحو ٨٠ سنة في ٤١٦ صفحة، ثم صُوِّر عن طبعته مرات نظرًا لشديد الحاجة إليه، حتى نهض الوالد طيّب الله ثراه بخدمته واعتنى به، ففصَّل مقاطعَه وجُمَله، وضبط ألفاظه وعباراته وعلّق عليه، وربط بين نصوصه وإحالاته، ووضع له الفهارس العامة ليسهل الرجوع إليه والاستفادة منه، ثم ألحق به رسالة الحافظ ابن الصلاح في وصل البلاغات الأربعة في موطأ الإِمام مالك، فخرج في مجلدين كبيرين بأبهى حلة وأنضر إخراج، بأكثر من ألف صفحة بفهارسه العامة. وطبع في بيروت.
٢٤ - رسالة الحافظ الذهبي: ذكرُ من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل وهي من تآليف الحافظ الذهبي التي تميزت بالجِدَّة والمتانة والاستيفاء، ذكر فيها ما يزيد على ٧١٥ عالم تكلموا في جرح الرواة وتعديلهم، من صدر الإِسلام إلى عصر الذهبي، وقد اعتنى بها الوالد برّد الله مضجعه من مخطوطتها الوحيدة، وضبط الأسماء والألقاب والكنى فيها حتى استكملت كمالَها وإفاداتِها بسهولة ويُسر لكل حديثِيِّ وعالم. وطبعت في بيروت ولاهور خمس مرات في ١٥٠ صفحة.
٢٥ - المتكلمون في الرجال للحافظ السخاوي، وهو في موضوع رسالة الحافظ الذهبي ومنتخب منه، اقتصر فيه السخاوي على أشهر علماء الجرح والتعديل من صدر الإسلام إلى عصره فبلغوا نحو ٢١٠ عالم. فترجم الوالد ﵀ لهؤلاء العلماء جميعًا بتراجم متوسطة عرَّفت بهم وبآثارهم الحديثية. وطبع في بيروت ولاهور والقاهرة في ٧٠ صفحة خمس مرات.
стр. 52
٢٦ - قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين للحافظ تاج الدين السبكي، شرح فيهما شروط الجرح والتعديل وما يُقبل منهما وما لا يُقبل، مع التمحيص لكل شرط وأساس في هذين العلمين: التاريخ، والجرح والتعديل، حققها الوالد غفر الله له وعلق عليها بإفاضة وإيفاء. وطبعت في بيروت والقاهرة ولاهور ست مرات في ٨٠ صفحة.
٢٧ - شروط الأئمة الخمسة للحازمي، وموقع هذا الكتاب عند المحدثين مرموق جدًّا، لما عُرف به الحافظ الحازمي من الدقة والإِتقان العالي، والإِفادات النفيسة. وهو من المراجع الهامة لمعرفة شروط البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وهذا الكتاب ولاحقه يبلغان نحو ١٥٠ صفحة.
٢٨ - شروط الأئمة الستة للحافظ ابن طاهر المقدسي، وهو من بابة الكتاب السابق، وعلى منواله، وكلاهما خدمهما الوالد ﵀ بالتحقيق والتعليق والمقابلة بأصول موثقة.
٢٩ - رسالة الإمام أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه، وهي ذات موقع عظيم في بابها، ولا يستغني عنها قارئ السنن، مقابلة بأكثر من أصل مخطوط، بعد التعليق عليها وخدمتها على الوجه الأمثل.
وقد صدرت هذه الرسائل الثلاثة الأخيرة بعد وفاة الوالد ﵀، في مجلد واحد بعنوان: ئلاث رسائل في علم مصطلح الحديث. كما صدر بعد وفاته ﵀:
٣٠ - كتاب الإِمام ابن ماجَهْ وكتابه السنن للشيخ العلامة المحدِّث محمد عبد الرشيد النعماني حفظه الله، وهو أوّل كتاب جامع في موضوعه، وقد جعل له مؤلفه مقدمة هامة حول تدوين الحديث وتاريخه في القرون الثلاثة الأول، مع تعرضه لشروط الأئمة الأربعة المجتهدين والأئمة الحفاظ أصحاب الكتب الستة، وإبرازه عناية العلماء بسنن ابن ماجه، ومؤلفاتهم فيه، كما أضاف عليه الوالد
стр. 53
﵀ تحقيقات وتعليقات نافعة جدًّا، وقد طبع ببيروت في ٢٩٠ صفحة.
وقد خدم الوالد ﵀ عددًا من الكتب الحديثية، وتوفي عنها، مثل:
٣١ - مبادئ علم الحديث وأصوله للعلامة المحقق شَبِّير أحمد العثماني الهندي ثم الباكستاني، مؤلف الكتاب الممتع الغني بالتحقيق "فتح المُلْهِم بشرح صحيح مسلم" وهذا الكتاب مقدمة هذا الشرح الجليل، اعتنى به الوالد ﵀ عناية بالغة في تخريج نصوصه وضَبْطها واستكمال ما يتصل بمباحثها، وهو في أكثر من ٥٠٠ صفحة.
٣٢ - مقدمة كتاب التمهيد للحافظ ابن عبد البر الأندلسي، بخدمةٍ وتعليق وافٍ على موضوعاته ومسائله، وهو من أقدم ما كُتِبَ في علم مصطلح الحديث، ويخرج في ١٢٠ صفحة. ويطبع مستقلًا عن التمهيد لأول مرة.
وغيرها مما أسأل الله العون في تيسير إخراجه، فهو أكرم الأكرمين وخير معين.
* تفننه في العلوم:
بدأ الوالد ﵀ طلب العلم بهمة عالية متوثبة، ونهمة شديدة، وذهن متقد، وذكاء ألمعي، فنهل من مختلف العلوم والفنون.
وكان له في بدء الطلب اهتمام بالنحو واللغة، حتى إن بعض أقرانه كان يسميه: (الأصمعي)، وآخر كان يسميه: (قاموسٌ ناطقٌ).
كما اهتم بالفقه والأصول، والسيرة والحديث الشريف.
ثم لمّا انتقل إلى مصر درس في الأزهر الأصول والفقه والحديث وغيرَ ذلك من الفنون بتوسع، فغدا ﵀ محدثًا فقيهًا أصوليًا نحويًا لغويًا أديبًا مؤرخًا ﵀ وغفر له.
وأضرب مثالًا لعلمه بالعربية: أن الوالد ﵀ أخرج ملاحظات لغوية على العلامة أبي فِهْر محمود شاكر في تعليقه على "طبقات فحول الشعراء" لابن سَلَّام، ومحمود شاكر يعد من أفراد هذا العلم في هذا العصر. رحمهما الله وغفر لهما.
стр. 54
وتعليقات الوالد ﵀ المنثورة في كتبه خير شاهد على تفننه في العلوم السابقة الذكر.
* مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
بناء على ما سبق من تفننه في العلوم ﵀، وجودته وإتقانه في خدمة كتب العلم، مع الذوق الرفيع، والعمل والصلاح، تبوَّأ ﵀ مكانة رفيعة عند علماء عصره، حتى عند بعض من كان يخالفه الرأي.
وسأسوق طائفة منثورة من ثناء العلماء عليه، مبتدئًا ومختتمًا بعلماء مكة زادها الله شرفًا وعمرها بالعلم والعلماء:
١ - قال الشيخ العلامة الفقيه الأصولي محمد يحيى أمان ﵀ مراسلًا الوالد ﵀ في عام ١٣٨٤: إلى محترم المقام الأستاذ الجليل والفاضل الكامل النبيل.
٢ - وقال العلامة الفقيه الشيخ علوي بن عباس المالكي رحمه اللّه تعالى مراسلًا الوالد ﵀ في عام ١٣٨٤ أيضًا: سيادة المحترم العالم العلامة الإِمام الدرَّاكة النبيل.
٣ - وقال العلامة الفقيه الشيخ حسن المشاط ﵀ مراسلًا الوالد ﵀ في عام ١٣٧٧: العلامة المحقق الدرَّاكة أستاذ حلب الشهباء وفاضلها، حامل لواء السُّنَّة المطهرة في ربوع الديار الشامية وناشرها، صديقنا الشهم الكريم، سيدي الشيخ عبد الفتاح أبو غدة أطال المولى عمره في خير وعافية يتمتع به الطالبون ويُروى به المتعطشون وجمعنا به في خير وعافية بمنّه وكرمه.
٤ - قال الشيخ العلامة المتفنن المحقق الكبير مفتي الديار المصرية حسنين مخلوف ﵀ في تقريظه للطبعة الأولى من كتاب "رسالة المسترشدين": الأستاذ العلامة المحقق، … ، وبعد فإني أحمد اللّه تعالى إليكم، إذ وفَّقكم لنشر "رسالة المسترشدين" للإِمام المحاسبي، بتحقيقكم القيِّم
стр. 55
الذي ألممتم فيه بما ينبئ عن غزير علمكم ودقيق بحثكم، وازدانت به "الرسالة" رُواءً وجمالًا، وازدادت به نفعًا وكمالًا …
كما وصف ﵀ الوالد في رسالة بعث بها إليه في ٤/ جمادى الأولى/ ١٣٨٩ بأنه: أحد العلماء النابهين الصالحين.
٥ - ووصفه الشيخ العلامة المحدث المدقق حبيب الرحمن الأعظمي ﵀ في رسالة أرسلها إليه: بالعلامة النحرير.
كما أنه ﵀ نظم بيتين في مدحه، وهما:
أهلًا بِمَقْدَمِكَ الهَنِيِّ ومرحبًا … يا عالمَ الشَّهْبَا إمامَ الشامِ
لم يحوِ علمَ الفقه والآثار شا … مي كجَمْعِكَ بعد ذاك الشامي
ويريد (بالشامي) الثاني: العلامة ابن عابدين صاحب "الحاشية"، فإن أهل الهند قاطبة يطلقون على ابن عابدين العلامة الشامي أو الشاميَّ.
كما أنه قال له ذات مرة: يا شيخُ إني أُجِلُّكَ إجلال الشيوخ (أي كما يُجِلُّ مشايخه) رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح جناته.
٦ - وقال الشيخ العلامة الفقيه محمد أبو زهرة في رسالة أرسلها للوالد رحمهما الله: أخي العزيز الأستاذ … الأكرم.
وبعد، فإن الأيام السعيدة التي قضيتها بصحبتك الطيبة الخالصة التي رأيت فيها إخلاص المتقين وظرف المؤمنين واصطبار الأصدقاء على بلاغة الأولياء، … ، وإن هذه أيام لا أنسَ ما بدا منها فيك من طبع سليم ولطف مودة وحسن صحبة.
٧ - وكتب إليه العلامة المحدث عبد الله بن الصديق الغماري ﵀ رسالة يثني فيها على بحث الوالد ﵀ "من ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وسكت عنه"، مع شيء من ملاحظاته، وصفه فيها: بالعلامة المحدث، وقال: أظهرتَ فيه (في البحث المذكور) اطلاعًا ومعرفة.
стр. 56
٨ - أما شيخه ومحبه القديم، العلامة الأفيق الفقيه المحقق الأديب المنقح الشيخ مصطفى الزرقا ﵀ وبارك في أثره وعلمه، فقال في تقريظه لكتاب "صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل": أخي الأثير الحبيب، الذي له في قلبي محبةٌ أكبر من قلبي، وله في نفسي وقارٌ وإن كان أصغر مني سنًا …
وقال في ترشيحه للوالد ﵀ لجائزة سلطان بروناي حسن البَلْقِيَا العالمية في الحديث الشريف وعلومه: وقد وازنت بين هؤلاء الجديرين الذين أعرفهم، فترجّح في نظري صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل العلامة الثَّبْت المحقق المدقق الثقة، الذي لا يجاريه في تحقيقاته ودقته فيها مُجارٍ، وهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة … ، وبالإِضافة إلى مؤهلاته العلمية يتمتع بأخلاق إسلامية عالية المستوى، وبمكانة محترمة، وتتوافر في شخصه أخلاق العلماء من التواضع والمتانة في الدين دون تساهل …
وقال لما زارنا معزّيًا: إنه لا يعلم له مثيلًا في هذا العصر.
٩ - وقال العلامة المحقق الشيخ السيد أحمد صقر ﵀: لو قيل للأخلاق تجسَّدي لكانت عبد الفتاح.
١٠ - وقال الشيخ العلامة محمد الشاذلي النيفر ﵀، في رسالة أرسل بها معزيًا: إن نبأ نعي العلامة الإِمام الفقيد العزيز الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وقع علينا كالصاعقة، لما له من دين وفضل وعلم جَمَّ …
وقال عنه: إنه من الأفذاذ الذين يفتخرُ بهم عصرهم.
١١ - وقال الشيخ العلامة أحمد سحنون حفظه الله في رسالة أرسلها إلى الوالد ﵀: الأخ الكريم والصديق الحميم، العالم النفاع والبحّاثة الملهم …
١٢ - وقال الأستاذ العلامة الفقيه المحقق محمد الحبيب ابن الخوجهْ
стр. 57
نفع الله به، في رسالة أرسلها للوالد ﵀: سماحة الشيخ الأستاذ العلامة حافظ السنة …
وقال في رسالة العزاء: تلقينا بغاية الأسى والحزن نعي شيخنا الجليل الفقيه المحدث …
١٣ - وقال الأستاذ العالم الرباني، والداعية المربي، الفاضل والعاقل، الشيخ أبو الحسن علي الندوي الحسَني ﵀ في تقريظه للطبعة الثانية من "صفحات من صبر العلماء": وبعد فيسعدني أن أكتب سطورًا في انطباعي عن كتاب "صفحات … "، في طبعته الثانية، للعالم الرباني المربي، تذكار علماء السلف في سُمُوِّ الهمة، وعلو النظر، والتفنن في العلوم، والإِتقان فيها …
وقال ﵀ لأحد تلامذته -وهو يقدمه ويعرّفه على الوالد ﵀: إنك في مستقبل الأيام ستذكر العلماء الذين لقيتَهم، وستعتز بهذه اللقيا، وستقول في يوم من الأيام: لقيتُ فضيلةَ الشيخِ عبدِ الفتاح أبو غدة.
١٤ - وقال الشيخ العلامة المحدث الفقيه محمد عبد الرشيد النعماني ﵀ في رسالة أرسلها للوالد ﵀: الشيخ العالم البحر زين الديار الحلبية المحقق العلامة النقادة، المحدث الناقد …
١٥ - وقال الشيخ العلامة المقرئ المتقن الورع الفقيه عبد الوهاب الحافظ المشهور بعبد الوهاب دِبْسٌ وزَيْتٌ الدمشقي ﵀: لو كان انتخاب المفتي بالاختبار لاستحق الإِفتاء الشيخ عبد الفتّاح أبو غدَّة.
١٦ - ووصفه الشيخ المقرئ كريّم سعيد راجح حفظه الله شيخ القراء في دمشق، في رسالة العزاء: بالعلامة.
١٧ - ووصفه علامة دمشق الشيخ أحمد نصيب المحاميد ﵀ (١)،
_________
(١) انتقل سيدي وشيخي إلى ضيافة الله في ٢/ ٨/ ١٤٢١ ﵀ وأكرم نزله.
стр. 58
في رسالة العزاء: بالعلامة المحقق المدقق المسنِد.
وقال عنه: هو عَلَمٌ من أعلام المحدِّثين والأصوليين والأدباء، لا يزال عالمًا ومتعلمًا ومعلِّمًا، قد تخلَّق بخُلُق ابن المبارك: من المحبرة إلى المقبرة.
١٨ - وقال عنه الشيخ العلامة المحدِّث المربي عبد الله بن عبد القادر التَّلِيْدي المغربي: العلامة الكبير المحدِّث المحقق المطَّلع، من محاسن العصر وأفراده ونوادره علمًا واطِّلاعًا وتحقيقًا وفضلًا وصلاحًا.
١٩ - ونعته الشيخ الفقيه الأصولي الدكتور عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان المكي، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، بالعلَّامة المحدِّث الفقيه، وقال عنه: كان ﵀ طرازًا فريدًا من العلماء الذين يجمعون بين علم الحديث رواية ودرايةً وعلم الفقه تأصيلًا وتفريعًا في معاصرة واعية ومرونة ملتزمة.
٢٠ - وقال عنه الشيخ الفقيه عبد الفتاح بن حسين رَاوَهْ المكي: العلامة المحدِّث، مما يتعجَّبُ منه علمًا وعملًا، وأدبًا وتواضعًا، ورواية ودراية، وتحقيقًا وإتقانًا، وسمتًا وهديًا.
* عوامل نبوغه وبروزه:
١ - أسرته المتدينة.
٢ - استقامته وتقواه وصلاحه.
٣ - ذكاؤه الفطري.
٤ - ذوقه الفطري.
٥ - أدبه الفطري.
٦ - لطفه وظرافته.
٧ - خُلقه الحسن.
стр. 59
٨ - تواضعه الجمّ.
٩ - تعقُّله وحَصافته وعدم تعصبه.
١٠ - حُبُّه للعلم، ونهمه في التحصيل.
١١ - الهمة العالية المتوثبة.
١٢ - تلقّيه ومخالطته لكبار علماء عصره في بلدان كثيرة.
١٣ - نباهته، وانتخابه عن كل شيخ أحسن ما عنده.
١٤ - رحلاف الكثيرة والمتنوعة.
١٥ - اشتغاله بالتصنيف والتحقيق.
١٦ - اشتغاله بالتدريس والتعليم.
١٧ - اشتغاله بالدعوة، مما أعطاه صبغة محلية وعالمية.
١٨ - حُسن هيئته ومظهره.
* ركائز شخصيته:
١ - الصلاح والتقوى.
٢ - الإِحساس المُرْهَف بالجمال.
٣ - الرغبة والمحبة الشديدة للكمال.
٤ - الذوق.
٥ - الأدب والخُلُقُ الحَسَن.
٦ - الحرص على الوقت.
٧ - الشغف بالعلم تحصيلًا وقراءةً وتأليفًا.
٨ - الذكاء الحاد.
٩ - الذاكرة القوية.
١٠ - العقلانية المنوَّرة بنور الشرع.
١١ - الحس الحار النيراني.
стр. 60
* من أقواله:
الإسلامُ ذوقٌ.
الكتابُ لا يعطيك سرهُ إلَّا إذا قرأته كلَّه.
ما جمع الله الخير كلَّه لأحد إلَّا للنبي ﷺ .
مَزِيَّةُ العالم أن يوقظ العقل بظل الشرع.
دِرهمُ مالٍ يحتاج قِنْطَارَ عَقْلٍ، ودِرهمُ علمٍ يحتاج قِنْطَاري عَقْلٍ.
العلم يُتَعَشَّقُ بالفهم.
* وفاته:
انتقل ﵀ إلى جوار ربه الكريم ورحمة خالقه الرحيم في سَحَر يوم الأحد ٩/ شوال/١٤١٧ هـ بمدينة الرياض، عن إحدى وثمانين سنة وثلاثة أشهر إلَّا ستة أيام، ﵀ وغفر له وقدَّس روحه ونوَّر ضريحه وبرَّد مضجعه وطيّب ثراه.
وصُلِّيَ عليه يوم الاثنين بعد صلاة الظهر في مسجد الراجحي بمدينة الرياض، ثم نُقِل بالطائرة إلى المدينة المنورة، حيث صُلِّي عليه بالمسجد النبوي الشريف عقب صلاة العشاء، ثم دفن في البقيع الشريف، وكانت جنازته مشهودة حضرها نحو ألف شخص ضاق بهم البقيع وازدحم، كلهم يثنون عليه خيرًا ويبكون ويترحمون عليه.
وقد صُلِّي عليه صلاة الغائب في عدد من مساجد تركيا والهند وقطر والمغرب.
جسدٌ لُفِّفَ في أكفانه … رحمةُ اللَّهِ على ذاك الجسدْ
стр. 61
وقد صحَّ في الحديث الشريف عن عائشة وأنس ﵄ مرفوعًا (ما من ميِّت تُصلِّي عليه أُمةٌ من المسلمين يبلغون مئةً، كلُّهم يشفعون له إلَّا شُفِّعوا فيه)، وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا (ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون باللّه شيئًا إلَّا شَفَّعهم الله فيه).
* مبشراته:
دخل الوالد ﵀ في شبه غيبوبة قبل وفاته بأربعة أيام، لعِلَّة في بطنه سبَّبت وفاته، وقد جاء في الحديث الصحيح (المبطون شهيد)، وكان قبل دخوله أجريت له عملية غسيل كلوي، ولمَّا دخلتُ عليه بعد عملية الغسيل كان لسانه يلهج بالشهادة كثيرًا دون فتور.
ثم إنه عندما فاضت روحه الشريفة إلى بارئها نطق بكلمة التوحيد مختتمًا بها عمرًا قضاه في خدمة الإِسلام والمسلمين، و (من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة).
وكانت أصبُعُه السبابة مرتكزة على الوسطى، كحال المرء لما يتشهّد، وبقيت على ذلك إلى حين تغسيله ودفنه.
* خاتمة:
أذكر فيها وقائع سامية حصلت منه في أواخر أيامه ﵀، فمن ذلك أنه قبل دخوله المستشفى بأيام زاره أحد الأدباء، وتداولا الحديث فذكر له ذلك الأديب أن هناك بحثًا عن كتاب "الاعتبار" لأسامة بن منقذ، وكان الوالد ﵀ قد اعتنى بهذا الكتاب، لكن لم يدفعه للطبع. فطلب ﵀ منه نسخة من ذلك البحث، وهو على فراش المرض يطارح الآلام والأسقام قدس الله روحه.
стр. 62
ومن ذلك أن إحدى إخواتي وفقهن الله كانت بجانب سرير الوالد ﵀، وهو في مرضه الأخير الشديد، فارادت أن تشرب، وأمسكت الكأس بيدها اليسرى من ذهولها بحاله ومرضه، فأشار إليها الوالد فلم تفهم مراده لذهولها وحزنها عليه، فأمسك بيدها وهزَّها لكونه لا يستطيع الكلام، ففهمت مراده، وأمسكت الكأس بيدها اليمنى! فللَّه درّه كم أتعب من بعده!
ومن ذلك أن من أواخر ما قرأتُه عليه ترجمة الإِمام القدوة الفذِّ عبد الله بن المبارك ﵀ من كتاب "سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي ﵀، وهو على فراش المرض في مستشفى العيون، فلما شرعتُ في أولها، ورأى طولها، أحالني على آخرها وطلب مني قراءة أبيات قالها بعضهم في رثاء ابن المبارك وتوقف عندها ﵀ وقدّس روحه، وفي هذه الأبيات موعظة لأولي الألباب، وهي:
مررتُ بقبرِ ابنِ المبارك غُدْوَةً … فأوسعني وَعْظًا وليسَ بناطقِ
وقدْ كنتُ بالعلمِ الذي في جوانحي … غَنيًّا وبالشَّيْبِ الذي في مَفَارقي
ولكنْ أرى الذكرى تُنبِّه غافلًا … إذا هي جاءت من رجالِ الحقائقِ
نعم أيها الحبيب: تنبِّه غافلًا إذا هي جاءت من رجال الحقائق، رحمك الله وجعل موتك ذكرى لقلوبنا الغافلة، وجمعنا وإياك في عِلِّيين في مقعدِ صدقٍ عنده مع النبيين والصديقين! اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله! إن العين لتجود وتدمع، وإن القلب ليحزن ويُكْلَم، ولا نقول إلَّا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا قرة العين لمحزونون!
* رثاؤه:
رثاه عدد من أحبابه وطلابه بقصائد عذبة رائقة رقيقة حزينة، أورد بعضها هنا:
стр. 63
فمن أولئك صهره وتلميذه الدكتور الفاضل الشاعر ابن الشاعر: أحمد البراء بن عمر بهاء الدين الأميري حفظه الله، وهي بعنوان: "حَنَانَيْكَ لا تَرْحلْ".
حنانيكَ، لا ترحلْ، فجُرحيَ لم يزلْ … سخيًّا، ونارُ الفَقدِ فيه تَضَرَّمُ
ولا تطعَنِ القَرحَ الذي نزَّ مِنْ دمي … ولا تُنطقِ الحُزنَ الذي هو أبْكمُ
ففقدي لأحبابي يَهيجُ مواجعي … ويُخرِسُ أشعاري التي تترنَّمُ
فإِن رُمتُ بيتًا يَنْدُبُ الحِبَّ خانني … بياني، وظلَّ الدمعُ في العين يَسْجُمُ (١)
فأَنْظِمُ دمعي في دُجايَ قصائدًا … فيُشرقُ ليلٌ في فؤاديَ مُظْلمُ
وتشهَقُ أنّاتي، وتزفِرُ أضلُعي، … وتُقبلُ أحزاني عليَّ تُسَلِّمُ
فأفتحُ صدري، للفؤادِ أضمُّها … فتسكنُ في أرجائِه، وتُخيِّمُ
حنانيكَ، لا ترحلْ، فقد كنتَ آسيًا … فمَنْ لجراحي اليومَ يأسو ويرحَمُ؟
وكنتُ إذا ما الهمُّ آدَ تصبُّري … وأزرى بآمالي العِطاشِ تجهُّمُ
أزوركَ والأنواءُ تصفَعُ مُهجتي … وعَصْفُ الرّياحِ الهُوْجِ يعوي ويحطِمُ
فما هو إلَّا أنْ أراكَ مُرَحِّبًا … بوجهٍ كنورِ الصُّبح، والعينُ تبسِمُ
فأنسى صَبَابَاتي (٢)، وترتاحُ مُهجتي … وتَسْكُنُ آلامي، وبالدّفءِ أنعَمُ
فما لَكَ تمضي اليومَ غَيْرَ مُودِّعٍ … تُفَطِّرُ أكبادًا لنا، وتُيتِّمُ
وتسكبُ فوقَ الجُرحِ في قلبِنا لظىً … يَؤُجُّ (٣)، ويَسْري في العروق، ويُؤلِمُ؟!
رحلتَ وخلَّفْتَ المحبِّينَ: مُقْصَدٌ … بسَهْمِ النّوى، أووالِهٌ يترحَّمُ
رفيقةُ دربِ العُمرِ قد لفَّها الجَوى … وأذهلَها فَقدٌ وجيعٌ مُئَيِّمُ (٤)
_________
(١) سَجَمَ الدمعُ: سال.
(٢) الصَّبابة: رقةُ الشّوق وحرارته.
(٣) يَؤُجُّ: يلتهب ويستعر.
(٤) أَيَّمَ المرأةَ: صيَّرها أيِّمًا، وهي التي فَقَدَت زوجَها.
стр. 64
تغشَّتْ بمثلِ اللَّيلِ -ثوبًا- سوادُهُ … أشدُّ سوادًا منه حُزن مُتَيِّمُ (١)
أَمِنْ بعدِ عُمْرٍ بالمحبَّةِ عامرٍ … وَوُدِّ كوقْعِ الطَّلِّ، بلْ هُوَ أَنْعَمُ
تخلِّفُها في وحشةِ الدَّربِ وَحْدَها … تُداري ضَنىً في قلبِها، وتكتِّمُ
وربّاتُ طهر قد أحَطْنَ بوالدٍ … يودِّعْنَهُ، والقلبُ في الصَّدرِ يُكْلَمُ
ذوى منه وجهٌ كان بالنُّور مُشْرقًا … وعينٌ خبا فيها الضِّيا (٢) والتبسُّمُ
تلفَّفْنَ بالصَّبرِ الجميلِ فلا ترى … سوى مَدْمعٍ يَهمي، وثغرٍ يُتمتِمُ (٣)
نماهُنَّ للتقوى حَياءٌ، ووالدٌ … أعزُّ من النُّعمى، وأوفى، وأرحَمُ
وأبناءُ بِرٍّ كالبُدور تحلَّقوا … وأوجهُهُم فيها الضَّراعةُ تُرسَمُ
أحقًّا أبا الإخلاص والفضلِ والتّقى … تُغادِرُنا، والوعدُ في الغيبِ مُبْرَمُ؟
تركتَ لنا بَيْتًا من العِزِّ شامخًا … وذِكْرًا هو الكنزُ المَصونُ وأكرمُ
فأنَّى رَحَلْنا قيل: أبناءُ سيِّدٍ … وأنّى التفتنا قيل: نِعْمَ المعلِّمُ!
رحلتَ، ففي دارِ الخلافةِ (٤) نادبٌ … وفي الهندِ محزونٌ، وفي مصرَ مُغْرَمُ (٥)
وفي المغربِ الأقصى وجومٌ وحسْرةٌ … وفي القُدسِ والأُرْدُنِّ حُزن مُخيِّمُ
وفي الشَّام إخوانٌ همُ الصِّدقُ والوفا … يُضحُّونَ بالأغلى لو أنكَ تسلَمُ
فجيعتُهُم في فقدِكَ اليومَ غُصَّةٌ … تُحدِّرُها عين، ويَزْفِرُها فَمُ
وفي كلِّ صُقْعٍ زُرتَه وسقيتَهُ … علومُكَ نَبْتٌ طيبُ النَّفحِ يفْغَمُ (٦)
_________
(١) يُقال: تيَّمه الهوى: استعبَدَهُ، وذهبَ بعقله.
(٢) إشارة إلى أن الوالد ﵀ فَقد البصر بعينه اليُمنى قُبيل وفاته.
(٣) كُنَّ أخواتي يُحطْنَ بسرير الوالد ﵀، وهُنَّ يدعون ويتلون القرآن همسًا.
(٤) أُقيمت على الفقيد صلاة الغائب في أقطار عدّة، منها: استامبول، دار الخلافة العثمانية.
(٥) الغُرْم: ما ينوبُ الإِنسانَ من ضررٍ بغير جنايةٍ منه، والغرام: العذابُ الدائم الملازِم.
(٦) فَغَمَ الزهرُ: تفتَّح. وفغمتِ الرائحةُ المكانَ: ملأتْه.
стр. 65
يُعزَّى بكَ المرءُ الذي لم يكن رأى … مُحَيّاك لكن طِيْبُ ذكرِكَ يَنْسِمُ (١)
ففي الشّرقِ أحزان عليكَ ومأتمٌ … وفي الغربِ أحزانٌ عليكَ ومأْتمُ
وداعًا أبا الإِخلاصِ والذَّوقِ والحِجَا … أخا العلمِ يَهدي لفتي هيَ أقْوَمُ
هنيئًا لكَ المثوى النّديُّ بطَيْبةٍ … فيا حُسْنها بُشرى تَجِلُّ وَتَكْرُمُ!
ومن أولئك ابنه وبِكْره أخي المهندس محمد زاهد أبو غدة حفظه الله، وهي بعنوان: "رَحل الحبيبُ".
أحقًّا أنّه رحل الحبيبُ … وأن الشمسَ أدرَكها المغيبُ
وأنِّي صرتُ بين الناس فَرْدًا … وحيدًا لو تداهِمُني الخُطوبُ
أحقًّا إِنْ وردتُ أريدُ رِيًّا … ورأياَ سوف يُصدرِني اللُّغوبُ (٢)
فلا "نعمُ" لها جرسٌ أثيرٌ … له نفسي إذا حنَّتْ تَذُوبُ (٣)
وأينَ بهاؤُه في النفس يسري … وأين حديثُه شهدٌ وطيبُ
ولي دعواتُه بالخير تَتْرى … وإثرَ دعائه غيثٌ سَكُوبُ
يقول لي الفؤادُ: مُحَالُ يمضي … وكيف تزول شمسٌ لا تغيبُ؟
وكيف وما تزال لديهِ كتبٌ … يحقِّقها ورأيٌ لا يخيبُ
أبيْ قُمْ "فالعِنَايَة" (٤) في انتظارٍ … لها من راحتيك كِسًا قشيبُ
أبيْ قُمْ فالمنابر باكيات … إذا ذكَرتكَ يعرُوها الوَجِيبُ (٥)
_________
(١) يُقال: نَسَمَتِ الرّيح: هبَّت.
(٢) صدر عن المكان: رجع وانصرف. واللُّغُوب: التعب والنَّصَب.
(٣) يشير إلى أن من عادة الوالد ﵀ أول ردِّه على الهاتف أن يقول: (نعم) لا (ألو) أو (هلو)، تكلُّمًا منه بالعربية!.
(٤) يريد كتاب "فتح باب العِنَايَة شرح كتاب النِّقَاية" للشيخ علي القاري، الذي خدم الوالد ﵀ ثُلثه تقريبًا ثم توفي، يسَّر الله للعبد إتمام خدمته وحسن إخراجه.
(٥) الوجيبُ: الاضطراب والاهتزاز.
стр. 66
أبيْ قُمْ فالمشايخُ في انتظارٍ … قد اجتمعوا وطالِعُكَ النقيبُ (١)
وأسأل طِبَّه: هل من علاجٍ؟ … فيبكي حين أسأله الطبيبُ (٢)
أتى أمرُ الإِله فكُلُّ أمرٍ … سواه لا يُفيد ولا يُصيبُ
إذا اختار العليمُ فلا خِيارَ … وبالتسليم يرتاح اللبيبُ
وحولَك مؤمناتٌ ضارعاتٌ … بآي الذكر مَبْسَمُهُنْ رطيبُ
ينازِلن الفجيعةَ صابراتٍ … ولولا اللَّهُ لارتفع النحيبُ
فيا أمَّاه صبرًا ثم صبرًا … على الَّلأْواءِ واللَّهُ الحسيبُ
حملتِ العبأَ صبرًا واحتسابًا … ولم تهزُزْكِ ضرَّاءٌ قَطوبُ
وكنتِ له على الأيام عونًا … إذا ما يشتكي أنتِ الحَدوبُ
فيا رباه أجزلْ كلَّ خيرٍ … فأنتَ اللَّهُ أفضلُ من يُثيبُ
مضى شيخ الشيوخ تُقَىً وفضلًا … وملءُ إهابه علمٌ رحيبُ
فؤادٌ عامرٌ بالله ذِكرًا … وإلهامٌ له يعنو النجيبُ
ووجهٌ طافحٌ بالور بِشرًا … وتقوىً، تنجلي فيه القلوبُ
ودمعٌ كم ترقرق في الليالي … على الإِسلام تنهشه النُّيُوبُ
تتابعتِ النوائبُ والرزايا … يحار إزاءها الفَطِنُ اللبيبُ
جراحٌ أثخنت، والركبُ أعمى … ورأيك في النوازل لا يخيبُ
حملتَ همومَ أمتنا جميعًا … وهمٌ واحدٌ منها يُذيبُ
وكنتَ النور في دَيْجُور (٣) جيلِ … تَحارُ به المسالك والدروبُ
كشفتَ له العَوارَ فذا يمينٌ … يجيعُكمو لتمتلئ الجيوبُ
_________
(١) النقيبُ: كبير القوم وسيدهم.
(٢) يريد أخي طبيب القلبية أيمن نوَّر الله قلبه بالإِيمان والقرآن الذي كان ملازمًا لوالدي في مرض موته.
(٣) الدَّيجُور: الظلمة.
стр. 67
وذاك يريدُ من (لينينَ) رشدًا … يزخرف قولَه وهو الكذوبُ
دعوتهمو إلى أمرٍ سواءٍ … به الدنيا -إذا اتَّبعوا- تطيبُ
بلادُ الشامِ تسأل مَنْ أتاها … أحقًّا ذلك النبأُ الرهيبُ
أغيَّبتِ البقيعُ إمامَ علم … له العلماء إنْ حاروا يؤوبوا
بكتكَ دمشقُ والشهباءُ ثكلى … وأهل الدين جمعهمو كئيبُ
فيا لكِ فرحةً دامت قليلًا … دهانا بعدها أمرٌ مهيبُ
قلوبٌ بالمحبة طافحاتٌ … أراها اليوم أحبطها الشُحُوبُ
وخاف المسلمون بكل أرضٍ … أَنبعُ العلم حلَّ به النُّضُوبُ؟
بكتك الهندُ حَبْرًا لا يجارى … وقَوَّامًا إذا هجعتْ جُنوبُ
وصلى الجمعُ في استانبولَ غيبًا … كم اجتمعوا وأنت بهم خطيبُ!
قضيتَ العمرَ في تحصيل علم … ولم يوهِنْكَ ضعفٌ أو مشيبُ
أتيتَ ربوعَه والقحطُ بادٍ … ويعلو فيه للبُوم النَّعِيبُ (١)
غذوتَ له من العلماء رهطًا … تولَّوا زرعه فهو الخصيبُ
وكم من مِعضَلٍ ثابرتَ فيه … ولم تعيا فأنتَ له دؤوبُ
كشفتَ غموضَه وأبنتَ فيه … فوائدَ لم يلاحظها الأريبُ
أفي مرضٍ وقد دَنتِ المنايا … تُنقّي عن كتابِكَ ما يعيبُ (٢)
إذا أَسَرَتكَ أوجاعٌ ثِقالٌ … فذهنُكَ في مسائِلِهِ يجوبُ
أيا أرضَ البقيعِ سُقيتِ غيثًا … به يخضرُّ تُربك والسُّهوبُ (٣)
لقد أودعتُ فيكِ أبي وحِبِّي … ومَنْ ذكراه في قلبي لَهيبُ
وددتُ فداءَه نفسي ومالي … ولو أنِّي قضيتُ ولا يغيبُ
_________
(١) النعيب: الصياح.
(٢) يريد تنقيحه في كتاب "الرسول المعلّم ﷺ "قبل دخوله المستشفى بيوم.
(٣) السُّهُوب: الأراضي الواسعة.
стр. 68
سألهجُ ما حييتُ بما غَذَاني … من الدِّين القويم فلا أحوبُ
حَبَاني ذَوقُه لطفًا وفضلًا … وشجَّعني لينطلق الأديب
سأذكرُه الحَياةَ فإن مضينا … لغايتنا وموعدنا قريبُ
فإن الملتقى جناتُ عدنٍ … بفضل الله والله المجيبُ
لي السلوى بأنك في جوارٍ … شفاعتُه تزول بها الذنوبُ
نشرتَ حديثَه وذببتَ عنهُ … فنلتَ جوارَه وهو الحبيبُ
ومن أولئك محبه الفاضل الأستاذ ياسين مرزا أكرمه الله، وهي بعنوان: "في ذمة الله أبا زاهد".
يا قلبُ حانَ من الحبجبِ فراقُ … كَمْ طَابَ من ذاكَ الحبيبِ عناقُ
قمْ للحبيبِ مودّعًا ومشيّعًا … ودعِ الدموعَ مع الوداعِ تراقُ
واللّه لا ينسى المودّة صادقٌ … لا يعتري قلبَ الصدوقِ نفاقُ
في ذمّة اللّه العظيمِ ممجَدٌ … قدْ شعّ منه النورُ والإِشراقُ
قدْ كان للإِسلام بدرًا في الدّجى … لم يعتريه الخسفُ والإمحاقُ (١)
لم يَحْنِ هَامًا لم يقدِّمْ ذِلَّةً … طَوْدٌ عظيمٌ إنّه العملاقُ
صاغَ العلومَ بحكمةٍ ومهارةٍ … فكساهُ إجلالًا بها الخلّاقُ
في مشرقِ الأرضِ الرحيب وغربها … راحتْ ترددُ علمَه الآفاقُ
كالسلسبيلِ مباركٌ يَهنى به … صادٍ يروّي قلبَهُ الرقراقُ
كالغيث يهطل في البلاد عميمُهُ … كانتْ تنادي باسمِه العشاقُ
(حلبٌ) تنهّل من مَعينِ صفائِه … بل و (الرياض) أصابَها التَرْيَاقُ
بحرٌ يروّي كلّ صُقْع في الدُّنى … بحرٌ يفيضُ وماؤه الدفَّاقُ
ما كنتُ أحسبني أعيشُ لكي أرى … بحرَ العلوم تحوطُه الأعناقُ
_________
(١) خسوف القمر: ذهاب ضوئه. والإمحاق: نقصان جُرْم القمر وضوئه بعد اكتماله بدرًا.
стр. 69
أحببتَ (طيبةَ) في الحياةِ وإنَّها … نِعْمَ المقرُّ هَنئتَ يا مشتاقُ
جارٌ لخير الخلق -أحمدَ- إنَّها … نِعَمٌ يقسّمها لنا الرّزاقُ
كم قد وقفتَ على (البقيع) مسلِّمًا … والدّمعُ قد جادت به الأحداقُ
والقلبُ يخفِقُ بالحنين لصحبةٍ … يا ليتهم -يوم الزِّحَام- رفاقُ
قدْ كان ما تدعوه فاهنأ إنّهم … فيهم ملاذٌ فيهمُ الإِشفاقُ
فاهنأ بروضِك في (البقيع) فإنّه … روضٌ يفوحُ وعطرُه العبّاقُ
إنّا على العهد القديم ويا له … للحقِّ للدين القويمِ وثاقُ
لا لن نبدّل منهجًا سرنا به … إنْ عمَّ إظلامٌ بهِ الإطباقُ
ومن أولئك محبه الفاضل الشاعر الشفاف المُجيد سليم عبد القادر زنجير رعاه لله، وهي بعنوان: "نجمٌ أَفَل".
غادرَ الأرضَ، من أحبَّ السماءَ … ورأى رحلةَ الحياةِ ابتلاءَ
ورأى العمرَ لمحةً، ليس إلَّا … فليكنْ كوكبًا بها وضّاءَ
هكذا مرَّ كالشِّهابِ بهيًّا … يسكُبُ النورَ هادئًا والصّفاءَ
خافقًا مشرقًا إذا ذُكِرَ اللَّهُ … ووجهًا يبكي تُقىً ورجاءَ
ثاقبَ الفكرِ، حاذقَ الفهمِ، بحرًا … من علومٍ، ولتسألوا العلماءَ
رَبَّ ذوقٍ، لله ما أعذبَ، ما أرقى، يشِفُّ عِطْرًا نقاءَ
إنه شيخُنا الكبيرُ، ألا فليبكِ … من شاءَ، أو يُخَلِّ البُكاءَ
من بكى، إنما بكى العلمَ … والإخباتَ، والطُّهرَ، والنُّهى، والحياءَ
من بكى، إنما على النفس يبكي … وعلى أمّةٍ تعاني الخَوَاءَ
وبكى راضيًا بصيرأ بأمرِ اللَّهِ … حُكمًا وحِكمَةً وقَضاءَ
من أبى ليس قسوةً، بل … لأنّ اللَّهَ أولى بالأصفياءِ لقاءَ
إنه شيخُنا الجليلُ، سواءٌ … عنده قولُ قائلٍ ما شاءَ
نال من مُهجةِ الزمانِ مكانًا … فانْسَ نجمَ الزمانِ والجوزاءَ
стр. 70
أتعبَ الحاسدين، وَهْو رحيمٌ … حين نال العُلا، وحاز الثَّناءَ
عاش لله، إنّ ذلك يكفي … ثم أعطى ما ينفعُ الأحياءَ
في ظلالِ الرسولِ أدرك … ما أدرك، علمًا، ورِفعةً، وإباءَ
زارعًا في الحياةِ نَبْتًا زكيًّا … ربما كان للحياة دواءَ
ومضى راحلًا إلى اللَّهِ حُبًّا … مثلما يشتهي المحبُّ النداءَ
فلتطِبْ نفسُه بجنةِ خُلدٍ … ضمّتِ المتقين والأنبياءَ
لا غُلُوًّا، بل حُسْنَ ظنٍّ بعبدٍ … مؤمنٍ، ربُّه يُحِبُّ العطاءَ
ومن أولئك تلميذه الفاضل الصالح الكريم الشيخ محمد مجاهد شعبان ﵀ (١)، وهي بعنوان: "وداعًا شيخي الحبيب".
أهلي ومالي والفؤادُ فِدَاكَ … أنا طولىَ عُمْري ما مللتُ هَوَاكَ
يا بحرَ عليم زاخرٍ يا طودَ فكـ … ـــــرٍ راسِخٍ أنَّى يُطالُ عُلاكَ
مَنْ بعدَ ثغْرِك للعلوم يَبُثُّها … بلْ مَنْ لإِسنادِ الحديثِ سواكَ
تبكيكَ عينُ محبٍّ فيكَ ساهرةٌ … ضَلَّ الطريقَ وهَدْيَهُ لولاكَ
لو كان أمرُ الموتِ يُدْفَعُ بالفِدى … دَفَع الكَثيرَ وللعدا أَبقاكَ
أو كانَ يُرجِعُه البُكا لبكيتُه … بغزيرِ دمع يُغْرِقُ الأفلاكَ
الشوقُ يحملني إليْك بطيْبَيةٍ … فأشَمُّ في تُرْبِ البقيعِ شَذاكَ
اللَّهُ ضَمَّك في جوارِ محمدٍ … فاهنأ هنيئًا فالجِوارَ حَباكَ
اللَّهُ يوليكَ الشفاعةَ مِنَّةً … ويجيبُ فيكَ دُعاءَ من حَيَّاكَ
وفي ختام هذه الترجمة العاطرة الناهضة أسوق أبياتًا شفافة رقيقة للأديب الكبير الشاعر الأستاذ محمد سعيد دفتردار رحمه الله تعالى (١٣٢٢ - ١٣٩٢) بتصرف يسير، يرثي بها ابن خالته الشيخ العلامة الفقيه الأديب عمر بن إبراهيم
_________
(١) انتقل إلى ضيافة الكريم وهو يدعو إليه في ١٩/ ٥/ ١٤٢١، ﵀ وأكرم نزله.
стр. 71
البَرِّي رحمه الله تعالى (١٣٠٩ - ١٣٧٨)، وهي تمثّل أمنية من أمنيات العبد الفقير إليه تعالى:
بيني وبينك يا أبي … هالوا الترابَ الغَرْ قديّا
سأجوزُه يومًا إليكَ … موسَّدًا نعشًا سويّا
فإذا أتيتُكَ هل أرا … كَ كما عهدتُكَ بي حفيّا؟
أبكيكَ لو تُطفي دمو … عي ذلكَ اللهبَ الوَرِيّا
أسقي به هذا الثرى … حتى يعودَ به نَدِيّا
ما ضرَّني لو قد فَدَ … يْتُك يا أبيْ وبقيتَ حيّا
تروي حديث المصطفى … وتذيعُه عطرًا سنيّا
والفقه أين الفقهُ بعـ … ـــــدك ناضرًا غضًّا طريّا
فانعم بأطْيبِ مرقدٍ … واطْعَمْ به واشرب هنيّا (١)
* * *
_________
(١) مجلة المنهل، المجلد ٢٠، العدد ٤، ربيع الآخرة ١٣٧٩.
стр. 72
تقدمة المعتني بالكتاب
قال الإِمام علي بن المديني: التَفَقّهُ في معاني الحديثِ نِصْفُ العلم، ومعرفةُ الرجالِ نِصْفُ العلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن خدمة كتب الحديث الشريف وعلومه من أفضل الأعمال وأشرفها، وقد قام العلماء السابقون بتدوينها واستيفاء شتى الجوانب فيها حتى اشتهرت الكلمة الصادرة عن بعضهم: "عِلْمُ الحديث عِلْمٌ نَضِجَ واحترق"، إيذانًا باستكمال مباحثها واستيفاء فنونها.
وكان من أجَلّ ما اهتموا به علمُ رجال الحديث، فدوَّنوا فيه واستقصَوا استقصاء عَجبًا، حتى يكاد يقال: لم يَفُتهم من الرواة راوٍ ثقةً كان أو ضعيفًا إلَّا ذكروه، بما وَصَل إليه علمُهم، فأحسنوا وأجادوا، وتَعِبوا وأفادوا، فجاء مَنْ بعدَهم فرأى كلَّ من يَمُرُّ به من الرواة مذكورًا مترجَمًا بما يَكشِفُ عن حاله جرحًا أو تعديلًا. فجزاهم الله خيرًا.
ويلاحظ القارئ لهذا الكتاب بتتبع وإمعان نظر وفكر، أن علماء الجرح والتعديل من المحدثين رحمهم الله تعالى، استقصَوا واستوعبوا في ذكر كل من
стр. 73
غُمِز أو لُمز بمغمز ولو غير صحيح، فذكروا ذلك في ترجمته، وأدخلوها -على الاحتمال الضعيف- في صف المُتكَلَّم فيهم بحق ويقين، وذلك بُغْيَة الاستقصاء في كشف حال النَّقَلة للسنة النبوية، والعلوم الإِسلامية، ليكون الأخلاف على بصيرة من حال رجال الأسلاف، أداءً للأمانة وصونًا للشريعة المطهرة، وحرصًا على الكلمة أن ينالها الزلل أو يبلغها الخلل، فكانوا بذلك أمناء لدينهم جِدَّ أمناء، ومخلصين للعلم أيَّ مخلصين، وهذه مزية وخَصِيصة لم تكن لغيرهم من الأمم، فمن هذا وأمثاله كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وقد شهد بذلك أحد المستشرقين الكبار وهو العالم الألماني المعروف بـ "اسبرنجر" في مقدمته بالإنجليزية على كتاب "الإِصابة" المطبوع في كلكتا سنة ١٨٥٣ م- ١٨٦٤ م، قال: "لم يعرف التاريخ في ماضيه ولا حاضره أمة أتت في علم الرجال بمثل ما أتى به المسلمون خدمة لحديث نبيهم ﷺ في هذا العلم العظيم الشأن الذي تناول سيرة وأحوال خمس مئة ألف إنسان" (١).
وقد تتابعت جهودهم في التأليف في الرجال بدءًا من منتصف القرن الثاني للهجرة تقريبًا إلى القرن التاسع، وقد حَظِي القرن الثامن والتاسع بأئمة مهرة في الحفظ والمعرفة والإِتقان ونقد الرجال كالحافظ المزي، وتلميذه الحافظ الذهبي، والحافظ العراقي وتلميذه الحافظ ابن حجر وغيرهم رحمة الله عليهم، فألَّفوا في الرجال كتبًا عظامًا ضخامًا مُحَرَّرة، جعلتْ مَنْ بعدَهم عالة على كتبهم في هذا العلم الخطير.
_________
(١) أورد ذلك فضيلة الشيخ العلامة الداعية المفضال أبو الحسن علي الحسني الندوي حفظه الله في مقدمته على كتاب مولانا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى "الأبواب والتراجم للبخاري".
стр. 74
وكان من أبرز ما ألَّفه الحافظ ابن حجر في رجال الحديث كتابُه الحافل العجاب: "لسان الميزان"، الذي دَوَّن فيه ما استفاده من كتب الأئمة الحفاظ سابقيه: كالذهبي والعراقي وسواهما فأصبح كتابُه هذا مرجعًا في بابه، إمامًا في محرابه، وحُقَّ له أن يحظى بهذه الرتبة العالية والمقام الرفيع.
وأذكر هنا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ألَّف كتابه "اللسان" قبل تأليفه كتابه "تهذيب التهذيب"، فقد فرغ من "اللسان" سنة ٨٠٥، وفرغ من "تهذيب التهذيب" سنة ٨٠٨، فلذلك كانت الإِحالة عنده في "اللسان" إلى "تهذيب الكمال" في أكثر الأحيان، وهذا مما تنبغي الإِشارة إليه والانتباه له.
وأذكر هنا أيضًا أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يذكر في كتابه "اللسان" أنه أراد استقصاء تراجم الرواة الضعفاء، وإنما اهتم باستيفاء تراجم "الميزان"، وأضاف إليها ما جاء في أصول "الميزان" ومتعلقاته، فيخطئ من ظنَّ أن "اللسان" قد استوفى جميع تراجم الرواة الضعفاء.
وقد تفنَّن المحدِّثون الكبار من معاصري الحافظ ابن حجر والتالين لعصره، بخدمة كتابه استدراكًا عليه واختصارًا له …
ولمَّا وجد شيوخ الحديث وكبار علماء المدرسة النِّظَامِيَّة في مدينة حيدرآباد الدَّكَّن بالهند: الحاجةَ الماسةَ إلى نشره وطبعه وتيسير وصول نسخه إلى أيدي العلماء والمُحَدِّثين والدارسين، نهضوا بهذا العبء الثقيل على قدر طاقتهم وإمكاناتهم المادية المحدودة، وتيسُّر وسائِل عصرهم، واعتمدوا على ما مَكَّنَتهم منه ظروفهم الضيقة بالحصول عليه من أصلٍ مخطوط، فطبعوا هذا الكتاب في مدة ثلاث سنين من سنة ١٣٢٩ حتى سنة ١٣٣١، وكان لهم الفضل العظيم في طبع هذا الكتاب الفريد قبل نحو تسعين سنة.
стр. 75
وعُدَّ الحصول على نسخة منه بعد طبعه فوزًا عظيمًا وظَفَرًا جسيمًا فرحمة الله عليهم ورضوانه العظيم.
وقد وقع في هذه الطبعة الهندية أخطاء كثيرة، وتحريفات عجيبة، وأسقاط مدهشة، ومرجعُ ذلك إلى سَقَم المخطوطة التي اتخذوها أصلًا ومعتمدًا، فإن المعهود في المطبوعات الهندية -سواء على الحجر أم بالحروف الحديدية- الصحَّةُ والسلامة من تلك المآخذ.
وقد أوضحتُ ذلك بإسهاب في مقدمتي لكتاب "مبادئ علم الحديث وأصوله" إذ تحدثت عن فضل علماء الهند في نشر كتب السنة وعلومها.
وكان حق هذا الكتاب "لسان الميزان" أن يحظى بالعناية التامة والخدمة اللائقة به منذ سنوات غير قليلة، بعد أن تيسَّرت سبل الطباعة، وتواصلت المعرفة بالكتب النفيسة المخطوطة ونُسَخِها في المكتبات شرقًا وغربًا، فيُعتمدَ في نشره على نسخة أو نسخ معتبرة صحيحة ويُعادَ طبعُه وتحقيقه، وتقويمُ نصوصه، فيَخرُجَ قويمًا سليمًا خاليًا من الأخطاء والمعايب التي وقعت في طبعته الهندية، ويُعطى من العناية ما يفي بمقامه وأهميته، ليكون (لسان الميزان) حقًّا.
وقد اهتممت به من أكثَرَ من عشر سنوات، وتوجهت إلى نشره والعناية بصدوره مخدومًا بَقدر طاقتي الضعيفة، فجمعت بعض النسخ المخطوطة، وانتخبت أصح النسخ التي وقفت عليها فاتخذتها أصلًا، وسواها من النسخ روادف وروافد لها. وقدمته إلى المطبعة من أكثر من سنتين، حتى يسَّر الله تعالى إتمامَ خدمته وطبعه في هذا العام ١٤١٧ والحمد للّه. وفي خلال عملي به صدرَتْ له طبعات لم تصل إلى المستوى اللائق بهذا الكتاب. تحدثت عنها في أواخر هذه التقدمة.
следующие страницы →