ـ[الخشوع في الصلاة]ـ
المؤلف: أبو لطفي، محمَّد بن لطفي، بن عبد اللطيف، بن عمر الصبَّاغ
الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة - مصر، دار الوراق للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الخُشوع في الصلاة
د. محمد بن لطفي الصَّبَّاغ
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
دار الوراق للنشر والتوزيع
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثالثة
١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م
مكتبة الورّاق
المملكة العربية السعودية - الرياض - الرمز ١١٤١١ - ص. ب ٩
هاتف: ٤٥٥١١٤٢ - فاكس: ٤٥٣٠٠٧١
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
القاهرة - مصر ١٢٠ شارع الأزهر ص. ب ١٦١ الغورية
هاتف: ٥٩٣٢٨٥٠ - ٢٧٠٤٢٨٠ - ٢٧٤١٥٧٨ (٢٠٢) - فاكس: ٢٧٤١٧٥٠ (٢٠٢)
стр. 4
الخشوع في الصلاة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلاة على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، أرسله الله رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأخرج به الخلق من الظلمات إلى النور، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، وعلى من دعا بدعوته وهدى إلى سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد فاتحني كثير من الإخوان والأبناء أنهم لا
стр. 5
يخشعون في صلاتهم، وأن الخواطر الدنيوية تغزوهم في الصلاة وهم واقفون بين يدي الله، ولا يجدون فكاكاً منها، وكانوا يعرضون شكواهم متأثرين متألمين.
وقد رأيت كثيراً من الناس وهم في الصلاة يتحركون ويعبثون بحيث إذا أقبلت عليهم وتأملت وضعهم لم يخطر ببالك أنهم في صلاة أبداً؛ فهم في حركة دائمة، وقد يأتون بما لا يليق للمرء أن يأتي به وهو في مواجهة رجل كبير من الناس، من فرقعة الأصابع، وقضم الأظافر، وملء الساعة، وتعديل الثوب وغطاء الرأس، والالتفات، ونقر الركعات والسجدات، إلى غير ذلك.
فتبيّن لي ضرورة كتابة كلمة في الخشوع في الصلاة عملاً بالأصل الإسلامي الكبير وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وامتثالاً لقوله ﷺ : «الدنين النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين
стр. 6
وعامتهم» (١).
فكتبت هذه الكلمات راجياً أن أنتفع بها أنا أولاً، وأن ينفع بها من يراها من المسلمين.
وحبذا لو أن كل إنسان يرى من مصلٍّ نحو ما ذكرت، حبذا أن ينصحه وينكر عليه فعله اقتداءً برسول الله ﷺ الذي يقال للرجل المسيء صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» (٢).
إن التواصي بالخشوع وتوجيه الشباب والشابات إلى مراعاة ذلك أمر مهم، وهو من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو أيضاً من النصيحة التي جاء بها حديث رسول الله ﷺ الذي ذكرناه.
وإنه والله لا ينقضي عجبي من سكوت أهل
стр. 7
العلم والواعين عن هذه المخالفة.
إن الصلاة ليست عبثاً، وليست حركات مجردة من الروح والتدبر .. إنها مناجاة لله خالق السماوات والأرض ووقوف بين يديه .. يجد حلاوتها من سعى فيها إلى الخسشوع فأدركه، ويستريح فيها ولا يستريح منها، ويسعد عندما يخاطب ربه ﵎، ويعلم أن الله يجيبه ويستجيب له.
إنّ الصلاة عمود الدين، وركن من أهم أركان الإسلام، وهي العلامة على صدق الإيمان؛ فهي الحدّ الفاصل بين الكفر والإيمان، وتاركها هدف لأقصى العقوبات التي جاء بها الشرع المطهر في الدنيا والآخرة، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولا يمكن أن تحقق الصلاة أهدافها إلا إذا توافر
стр. 8
لها الخشوع وحضور القلب، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن نعوِّد عليها أنفسنا وأولادنا منذ أن يبلغ الناشئ سبع سنين، ولا تسقط عن المكلف بحال من الأحوال، ما دام متمتعاً بالعقل إلى أن يموت.
قال جل ثناؤه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. والصلاة صلة بين العبد وربِّه، وليس تكفي فيها الحركات والألفاظ إن خلت من الروح ومشاركة القلب لهذه الحركات والألفاظ، وروح الصلاة هو الخشوع، ولذلك أثبت ربنا ﵎ صفة الفلاح للمؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، فقال عز من قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
إن الحياة المادية التي غزتنا وسيطرت على عقولنا وتصرّفاتنا وإن الصوارف من الملاهي ووسائل الترفيه التي ملأت على كثير من الناس حياتهم .. إن ذلك كله يدعونا إلى أن نبيّن أهمية
стр. 9
الخشوع في الصلاة الذي يطرد الغفلة، وإلى أن نذكر الوسائل التي تعين المرء على التحلي بالخشوع.
إن الصلاة روضة يجد المرء فيها من راحة النفس وطمأنينة القلب ما يكسر حدة تلك النزعة المادية التي أشرنا إليها.
وقد سألني سائلون: كيف لنا أن نحقق الخشوع في صلاتنا، ونطرد الشرود فيها؟
وسأحاول أن أجيب عن هذا السؤال بهذه الرسالة الموجزة التي كتبتها لنفسي ثم قدمتها للطبع أول مرة، فنفدت من السوق، وطالبني بعض الأحبة بأن أعيد طباعتها، فنظرت فيها وأضفت إليها ما يتمم المقصود منها إن شاء الله.
وقد اطلعت على عدد من الرسائل التي بحثت في الخشوع في الصلاة فوجدتها تؤدي غرضاً مهماً، جزى الله مؤلفينا خير الجزاء، ولكني
стр. 10
وجدت بعضهم يملؤون جانباً من الرسالة بموضوعات تتصل بالصلاة ولا تعالج الخشوع نفسه باستيعاب، فيستطردون إلى موضوعات فقهية.
والحديث عن الصلاة حديث متسع الجوانب، فمكانة الصلاة في الدين عظيمة جداً، وأدلة فرضيتها كثيرة، وشروطها وأركانها وسننها وآدابها وهيئاتها ومكروهاتها ومبطلاتها وفوائدها وحِكَمها كثيرة جدا، وقد تولت كتب الفقه إيرادها بتفصيل واف، ومعرفة ذلك أمر مفيد، ولكن محل ذكرها هناك، وليس في رسالة أُلفت في الخشوع في الصلاة.
ووجدت بعضهم يتحدثون في هذه الرسائل عن موضوعات تتصل بالزهد والتفسير إذ يسترسلون في تفسير آيات من الكتاب الكريم، وكل هذا مفيد، ولكن الحاجة ماسَّة إلى التركيز على موضوع الخشوع.
стр. 11
من أجل هذا قصرت كلامي على ما يتصل بالخشوع ويحقق أسبابه.
وإني لأسأل الله أن ينفع بهذه الرسالة من يطلع عليها، وأن يغفر زللي ويتجاوز عن خطئي وأن يختم لي بالحسنى، وصلَّى الله عليه محمد وآله وسلّم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين.
محمد بن لطفي الصباغ
٦ المحرم سنة ١٤١٩ هـ
стр. 12
الخشوع في اللغة:
قال ابن فارس في «المقاييس»:
[الخاء والشين والعين أصلٌ واحد، يدل على التطامن. يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، يخشع خشوعاً. وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن ... والخشوع في الصوت والبصر].
وقال الفيّومي في «المصباح المنير»:
[خشع خشوعاً إذا خضع. وخشع في صلاته ودعائه: أقبل بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من
стр. 13
خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت].
وقال الفيروزابادي في «القاموس»:
[الخشوع: الخضوع كالاختشاع -والفعل كمنع- أو قريب من الخضوع. أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر. والخشوع: السكون والتذلّل].
وقال الراغب في «المفردات»:
[الخشوع: الضراعة. وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب. ولذلك قيل فيما رُوي: «إذا ضرع القلب خشعت الجوارح»].
الخشوع في القرآن:
وقد وردت هذه الكلمة في القرآن مرتبطة بالصلاة، ووردت مطابقة.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
стр. 14
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
وقد أُسند الخشوع في القرآن إلى الذوات من الكائنات فوصفت به تارة، وأسند إلى الأصوات والقلوب والأبصار تارة أخرى.
فمن الأول قوله تعالى: ... ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقوله ﵎: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
في حديث القرآن عن الأنبياء يقول تعالى: ﴿ ... إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
стр. 15
وقد أعدّ الله للخاشعين والخاشعات مغفرة وأجراً عظيماً.
ومن إسنادها إلى الذوات إسنادها إلى الجبل قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
ومن ذلك إسنادها إلى الأرض. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٧ - ٩].
стр. 16
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].
ومن ذلك قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣].
والمعنى الذي يدور في هذه الآيات هو السكون والخضوع والتذلل.
تعريف الخشوع:
من التعريفات التي أوردها ابن القيم في (مدارج السالكين):
«الخشوع: قيام القلب بين يدي الربّ بالخضوع والذلّ».
«الخشوع: الانقياد للحق، ومن علاماته أن العبد إذا خولف ورُدّ عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد».
стр. 17
وقال الجنيد: الخشوع تذلّل القلوب لعلاّم الغيوب (١).
ولعلّ التعريف الذي أورده ابن رجب هو أجودها. قال ابن رجب: «أصل الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته.
فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له» (٢).
محل الخشوع:
الخشوع محلّه القلب، ولا بدّ أن تظهر آثاره على الجوارح، على الوجه والجسم.
أما إذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح ولم يكن في القلب شيء منه فهذا خشوع النفاق.
قال حذيفة: إياكم وخشوع النفاق.
стр. 18
قيل: وما خشوع النفاق؟
قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع (١).
النمطية والاعتياد:
هناك أمران يترتب أحدهما على الآخر إن لم ينتبه المرء لذلك؛ فاعتياد الصلاة أمر حرص الشارع الحكيم على أن يكون في المكلّف؛ ولذلك أمرنا أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع وأن نضربهم عليها لعشر، حتى تتكوّن عندهم هذه العادة فتصبح جزءاً من تكوينهم. وهذا أمر طيب.
ولكن الذي يحصل أن ذلك يقود -في حال الغفلة- إلى النمطية، والنمطية تذهب الشعور بالجمال وتضعف الإحساس بالمعنى الكريم؛ إن ألفة العمل والمداومة عليه تقود إلى النمطية،
стр. 19
فيشرع المرء بالصلاة ويقرأ ما يقرأ دون أن يوافق ذلك تأثر وتدبُّر، ولذلك لا بُدّ من معالجة هذا الأمر. ولنبتعد عن النمطية يجب اتباع الوسائل التي تعين على الوصول إلى الخشوع، مما ذكرنا في هذه الرسالة. وفيه ما يساعد على ذلك إن شاء الله.
ونؤكد ما يأتي:
- تدبر معنى الأذكار وتدبّر معنى الآيات التي يقرؤها المصلّي أمر يعين على الخشوع، وسنذكر بعض هذه المعاني على سبيل المثال.
- ومما يساعد على التدبر أن يلزم المرء نفسه كل يوم بل كل صلاة أن يقرأ بعد الفاتحة آيات جديدة غير التي قرأها في الصلوات السابقة، أما الذي يفعله كثير من الناس وهو أن يقرأ الفاتحة وسورة الإخلاص -مثلاّ- في كل ركعة فهذا يجعل الصلاة عملاً آليًّا بعيداً عن التدبر والخشوع.
стр. 20
وإذا كان هذا مقبولاً من العامة الأميين، ومن الأعاجم فغريب أن يكون من المثقفين الذين يعرفون العربية ويفهمونها. وجدير بهؤلاء أن يكون نصيبهم من حفظ القرآن نصيباً موفوراً.
إن هذا مما يساعد المصلّي على الخشوع.
الخشوع ... واليقظة
إن اليقظة والنشاط أمران لا بد أن يتوافرا للمصلي حتى يحصل على الخشوع .. ولذلك ورد النهي عن الصلاة والمرء ناعس لأنه لا يدرك ما يقول.
فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلّى وهو ناعس لعلّه يذهب يستغفر فيسب نفسه» رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
стр. 21
ماجة، وابن حبان (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول» رواه أحمد والبخاري والنسائي (٢).
وفي هذا الحديث توجيه كريم إلى أن لا يؤخر الإنسان صلاة العشاء حتى يغلبه النعاس وهو في الصلاة، وإن كان الحديث فيه عموم.
وكذلك فيه توجيه إلى أن لا يسهر الإنسان السهر الطويل حتى إذا قام لصلاة الفجر بواسطة منبه الساعة -مثلاً- لا يدري ما يقول ويعجل
стр. 22
بصلاته عجلة تذهب كل معاني الخشوع.
الإمام ... والخشوع
وإذا كنت يا أخي إماماً في الصلاة فعليك أن تحرص على الخشوع أنت أولاً ثم عليك أن تعين إخوانك الذي يأتمُّون على الخشوع. وذلك بأن:
تصلي وتعطي أركان الصلاة حقها الشرعي من الطمأنينة والذكر.
وأن تحسن القراءة فتقرأ بصوت حسن وأن تجوّد القراءة وفق قواعد التجويد.
وأن لا تطيل إطالة تجعل من يقف وراءك طائر اللبّ ضجراً يتمنى بكل حرقة أن تخفف من قراءتك.
فعن أبي مسعود بن عمرو البدري الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما
стр. 23
يطيل بنا. فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشدّ مما غضب يومئذٍ. فقال: «يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أمّ فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة» (١).
وقد أورد ابن حجر (٢) الأثر الذي رواه البيهقي في «شعب الإيمان» بإسناد صحيح عن عمر ﵁ أنه قال: «لا تبغضوا الله إلى عباده؛ يكون أحدكم إماماً فيطوّل على القوم الصلاة، حتى يبغّض إليهم ما هم فيه».
وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصغير فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» (٣).
стр. 24
وجدير بك أيها الإمام أن لا تعجل في صلاتك؛ ففي الركعتين الآخيرتين من الصلاة الرباعية يعجل كثير من الأئمة بحيث لا يمكّنون المأمومين من قراءة الفاتحة فيفوّت ذلك عليهم الخشوع.
والاعتدال في ذلك هو المطلوب.
وقد ورد في «صحيح مسلم» وغيره أحاديث تذكر لنا القراءة المعتدلة.
ففي الظهر والعصر يقرأ بالليل إذا يغشى (مسلم ٤٥٩) وسبّح اسم ربك الأعلى (مسلم ٤٦٠).
وفي المغرب بالمرسلات عرفاً (مسلم ٤٦٢) وبالطور (مسلم ٤٦٣).
وفي العشاء بنحو والتين والزيتون (مسلم ٤٦٤).
وفي الفجر بـ ق (مسلم ٤٥٧) والتكوير (مسلم ٤٥٦) (١).
стр. 25
وقال ابن دقيق العيد كما نقل عنه ابن حجر (١): [وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي ألا يكون ذلك تطويلاً] انتهى كلام ابن دقيق العيد.
البكاء في الصلاة وفضله .. وصلته بالخشوع
واحرص يا أخي على التدبّر تدبّر ما تقرأ ومن مقتضى التدبّر أن توازن بين حالك وحال من يمرّ بك ذكرهم في آيات القرآن من أهل الجنة، لترى مدى تقصيرك.
وكذلك الموازنة بين حالك وحال من يمر بك ذكرهم من أهل النار، لتتحرى إن كان فيك شيء من خصالهم لتراجع نفسك ولتدرك عظيم
стр. 26
حاجتك لمغفرة الله وعفوه سبحانه.
وقد يحملك ذلك -وهو من الخشوع- على البكاء.
فالبكاء خشيةً من الله منزلة عالية قال ﷺ : في حديث السبعة الذين يلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلاّ له ... «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» رواه البخاري، ومسلم (١).
وقال ﷺ : «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي (٢).
ولقد كان ﷺ يبكي في الصلاة؛ فعن عبد الله بن الشِّخِّير قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو
стр. 27
يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء (١)، وفي رواية كأزيز الرحى، وأزيز الرحى صوتها وجرجرتها، وأزيز المرجل: غليانه، أي كغليان القدر.
وجاء في وصف أبي بكر: أنه كان إذا صلّى وقرأ القرآن غلبه البكاء حتى إن الناس لا يسمعون صوته ولا قراءته لرقة قلبه وخشوعه؛ فقد روى أحمد والبخاري ومسلم والنَّسائي أن رسول الله ﷺ لما اشتدّ مرضه قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، وفي رواية: إنه رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس، ولم يُسمع الناس من البكاء. قال: «مروا أبا بكر
стр. 28
فليصلّ بالناس»، فعادت، فعاد، ثم قال في الثالثة: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فإنكن صواحب يوسف» (١).
وجاء أيضاً في وصف قراءته خبر مهم جداًّ فحواه:
أن أبا بكر لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً فلقيه ابن الدغنى فسأله: أين تريد؟ فقال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: أنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة فطاف عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا
стр. 29
بكر لا يَخْرُج ولا يُخْرَجُ. أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين. فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه؛ فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلا
стр. 30
أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان ..
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال:
قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع لي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبا بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضي بجوار الله (١).
إن قراءة أبي بكر بما فيها من التأثر والخشوع هزت المجتمع القرشي هزًّا وألجأت ابن الدغنة أن يسترد جواره من أبي بكر.
стр. 31
صلاة النافلة .. والخشوع
يقول ﷺ : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١).
فعليك يا أخي إذا صليت النافلة من غير الرواتب كصلاة الضحى وقيام الليل أو النافلة من الرواتب في منزلك أن تختار مكاناً في البيت بعيداً عن الضجيج والصوارف والشواغل، وتخلو فيه، وتؤدي هذه النافلة وتأخذ بالأسباب الموصلة إلى الخشوع، فقد يكون هذا الجو محققاً لك الصفاء النفسي، والإشراق الروحي، والتألق الذهني .. فتذكر الله في هذه الخلوة فتفيض عيناك.
ذلك أن هذه الخلوة لا تتاح للمصلّي عندما يكون في جماعة، فقد يتشوش المصلّي إذا وقف
стр. 32
بجانبه إنسان لا يكفّ عن الحركة .. أو كان إلى جانبه إنسان تفوح منه روائح العرق المؤذية، أو روائح الدخان، أو الثوم أو البصل أو رائحة الطعام الزخم، فيقطعه ذلك عن الخشوع.
وربما كان من حكم ترغيب المرء في أن يصلي النوافل في بيته أن يتاح له هذا الجوّ من الخلوة والصفاء الذي يحقق له الخشوع، وهناك حكم أخرى كثيرة لهذا الأمر النبوي الكريم. فللصلاة في البيت فوائد، وللصلاة المكتوبة في المسجد مع الجماعة فوائد وحكم لا تخفى.
وقبيح بالمرء أن يتظاهر بالخشوع أمام الناس، ثم إذا صلّى وحيداً تعجل في الصلاة ونقرها نقر الديك.
بل إن كثيراً من الصالحين كانوا -إذا كانوا في سفر وأرادوا أن يصلّوا- يخفون صلاتهم النافلة عن الناس خوفاً من الرياء، ذكر ابن أبي حاتم عن
стр. 33
محمد بن أعين وكان صاحب ابن المبارك في الأسفار، وكان كريماً عليه؛ قال: كان ذات ليلة ونحن في غزاة الروم ذهب ليضع رأسه ليريني أنه ينام. فقلت أنا برمحي في يدي قبضت عليه ووضعت رأسي على الرمح كأني أنام كذلك. قال: فظن أني قد نمت، فقام فأخذ في صلاته، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمقه.
فلما طلع الفجر جاء فأيقظني وظن أني نائم وقال: يا محمد. فقلت: إني لم أنم.
قال: فلما سمعها مني، ما رأيته بعد ذلك يكلّمني ولا ينبسط إليّ في شيء من غزاته كلها، كأنه لم يعجبه ذاك مني لما فطنت له من العمل.
فلم أزل أعرفها فيه حتى مات. ولم أر رجلاً قطّ أسرَّ بالخير منه (١).
стр. 34
الخشوع والشيطان:
لقد أمرنا الله بأن نحذر الشيطان قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ونهانا أن نتبع خطواته فقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].
ومن مكره وكيده للإنسان أنه يحاول أن يصرفه عن الخشوع في الصلاة الذي هو سبب الفلاح، كما قرر الله ﵎؛ فيعمد إلى الوسوسة ويحاول أن يحول بين المرء وبين الصلاة والقراءة؛ يلبّسها عليه.
فإذا حصل شيء من ذلك فليستعذ العبد بالله.
عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه أتى النبي ﷺ -
стр. 35
فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي؛ يلبّسها عليّ.
فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ الله منه واتفل على يسارك ثلاثاً».
قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني (١).
فقد يلبس الشيطان على المرء في القراءة ويشكّكه في الصلاة حتى يصرفه عن الخشوع فليجأ المسلم عند ذلك إلى الله.
وقد يعمد الشيطان إلى إدخال الشكّ في وضوئه فيوسوس له بأنه انتقض وضوؤه، فيبقى في حيرة: أيقطع الصلاة ليتوضأ أم يمضي في صلاته؟
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ
стр. 36
قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم هو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره، فيمدها فيرى أنه قد أحدث، فلا ينصرفَنَّ حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (١).
وعن أبي هريرة –﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» رواه أبو داود والترمذي، ولفظ: «إذا كان في المسجد فوجد ريحاً بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» ورواه مسلم بلفظ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (٢).
стр. 37
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلّى أحدكم فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو قاعد، فإذا أتاه الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل: كذبت إلا ما وجد ريحاً بأنفه أو صوتاً بأذنه» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (١).
وعن سعيد بن المسيّب وعبّاد بن تميم عن عمه (عبد الله بن زيد) قال: شُكي إلى النبي الرجلُ يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة والترمذي (٢).
стр. 38
الخشوع المزوَّر:
هناك بعض المتصوفة ومن يقلّدهم من الجهلة يأتون بحركات وهم في الصلاة يدّعون فيها الخشوع، كأن يضرب أحدهم الأرض برجله ويصيح بصوت عالٍ جداً مدّعياً أن حالاً اعتراه. وبعضهم يضطرب (١).
وهذا لم يؤثر عن سيّد الخاشعين ولا عن الصحابة المرْضيين الطيبين.
وكذلك البكاء العالي والتشيج الذي يفعله كثير من الناس في الصلاة في رمضان.
كل هذا ليس بالخشوع الذي نتحدث عنه ونتواصى به.
стр. 39
وجوب الخشوع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀[ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضاً قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. أخبر سبحانه أن هؤلا هم الذين يرثون فردوس الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال؛ إذ لو كان فيها ما هو مستحبّ لكانت جنة الفردوس تورث بدونها، لأن الجنة تُنال بفعل الواجبات دون المستحبات، ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب] (١).
وقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: [بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب. اعلم أن
стр. 40
أدلة ذلك كثيرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضادُّ الذكر، فمن غفل في جميع صلاته: كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره؟
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. نهي، وظاهره التحريم. وقوله : ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. تعليل لنهي السكران. وهو مطّرد في الغافل المستغرق الهمّ بالوسواس وأفكار الدنيا ... قال ﷺ : «كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب» (١)، وما أراد به إلا الغافل، وقال ﷺ : «ليس للعبد من صلاته إلا ما