Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فتكلم. فلما قارب الزوال قال لهم: قوموا ثم حبس عبد الرحمن ابن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول: أما تعرف صالحاً الرشيدي كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالساً وأشار إلى ناحية من الدار قال فتكلم وذكر القرآن فخالفني فأمرت به فسحب ووطئ ثم جعل يقول لي ما أعرفك ألم تكن تأتينا، فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك وهو ملازم لمنزله. قال: فجعل يقول: والله إنه لفقيه وإنه لعالم وما يسوءني أن يكون معي يرد على أهل الملك، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، لأطأن عقبه ولأركبن إليه بجندي. قال: ثم يلتفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول، قال: فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ . فلما طال بنا المجلس ضجر فقام فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه ثم وجه إلي برجلين إحداهما وهما صاحب الشافعي وغسان من أصحاب ابن أبي دؤاد يناظراني فيقيمان معي حتى إذا حضر الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام فجعلا يأكلان وجعلت أتعلل حتى ترفع المائدة، وأقاما إلى غدو في خلال ذك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد يقول لك أمير المؤمنين ما تقول، فأقول له: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ حتى أقول به، فقال لي ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه والله ليس السيف إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول فأرد عليه نحواً مما رددت عليه. ثم يأتيني رسوله فيقول أين أحمد بن عمار أجب الرجل الذي أنزلت في حجرته فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول فأرد عليه نحواً مما رددت على ابن أبي دؤاد فلا تزال رسله تأتي أحمد بن عمار وهو يختلف فيما بيني وبينه، ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
стр. 1087
قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه وكلموه، قال: فجعلوا يتكلمون هذا من هاهنا وهذا من هاهنا فأرد علي هذا وهذا فإذا جاؤا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟ قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا وثب وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا، قال: فيقول: ناظروه ثم يقول: يا أحمد إني عليك شفيق. فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله فقال له: ما تقول في قول الله تعالى: قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ) [النساء: ١١]. فقال: خص الله بها المؤمنين، قال: فقلت له: ما تقول إن كان قاتلا أو عبداً أو يهودياً أو نصرانياً فسكت،
стр. 1088
قال أبي: وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن ولقوله تنتحل الحديث وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين والله لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار ومائة ألف دينار فيعدد ما شاء الله من ذلك. ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام وخلا بي وبعبد الرحمن فيدور بيننا كلام كثير وفي خلال ذلك يقول ندعو أحمد ابن دؤاد؟ فأقول ذلك إليك فيوجه إليه فيجيء فيتكلم. فلما طال بنا المجلس قام ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس فجعلا يتكلمان فدار بيننا كلام كثير فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو ما أتي به في أول ليلة فأفطروا فتعللت وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار فيمضي إليه فيأتيني برسالة على نحو ما كان لي أول ليلة، وجاء ابن أبي دؤاد فقال إنه قد حلف أن يضربك ضرباً وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس، فقلت له: فما صنع؟ حتى إذا كدت أن أصبح قلت لخليق أن يحدث في هذا اليوم من أمري شيء، وقد كنت خرجت تكتي من سراويلي فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليه فقلت لبعض من كان معي الموكل بي أريد لي خيطاً، فجاءني بخيط فشددت به الأقياد وأعدت التكة في سراويلي ولبستها كراهية أن يحدث شيء من أمري فأتعرى. فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور فجعلت أدخل من دار إلى دار وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك من الزي والسلاح وقد حشيت الدار بالجند ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء حتى إذا صرت إليه قال ناظروه وكلموه فعادوا لمثل مناظرتهم فدار بيننا وبينهم كلام كثير حتى إذا كان في الوقت الذي كان يخلو بي فيه فجاءني ثم اجتمعوا فشاورهم ثم نحاهم ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن فقال لي: ويحك يا أحمد وأنا والله عليك شفيق وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني، فأجبني، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . فلما ضجر وطال المجلس قال عليك لعنة الله لقد طمعت فيك، خذوه اخلعوه واسحبوه. قال فأخذت فسحبت ثم خلعت ثم قال العقابين والسياط، فجيء بعقابين والسياط.
стр. 1089
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرتان من شعر النبي ﷺ فصررتهما في كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت شعر من شعر النبي ﷺ . فسعى بعض القوم إلى القميص ليحرقه في وقت ما أقمت بين القابين فقال لهم لا تحرقوه وانزعوه عنه قال أبي فظنت أنه بسبب الشعر الذي كان فيه. ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي وجيء بكرسي فوضع له وابن أبي دؤاد قائم على رأسه والناس اجتمعوا وهم قيام ممن حضر فقال لي إنسان ممن شدني خذ أي الخشبتين بيدك وشد عليها. فلم أفهم ما قال. قال فتخلعت يدي لما شدت ولم أمسك الخشبتين قال أبو الفضل ولم يزل أبي ﵀ يتوجع منها من الرسغ إلى أن توفي ثم قال للجلادين تقدموا فنظر إلى السياط فقال ائتوا بغيرها، ثم قال لهم تقدموا فقال لأحدهم أدنه أوجع قطع الله يدك. فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى، فلم يزل يدعو واحداً بعد واحد فيضربني سوطين ويتنحى ثم قام حتى جاءني وهم محمقون به فقال: ويحك يا أحمد تقتل نفسك. ويحك أجبني حتى أطلق عنك بيدي. فقال فجعل بعضهم يقول ويحك إمامك على رأسك قائم، قال: وجعل يعجب وينخسني بقالم سيفه ويقول تريد أن تغلب هؤلاء كلهم وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول ويلك الخليفة على رأسك قائم: قال ثم يقول بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي قال ثم رجع فجلس على الكرسي ثم قال للجلاد: أدنه شد ـ قطع الله يدك ـ ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني سوطين ويتنحى وهو يقول له شد قطع الله يدك ثم قام لي الثانية فجعل يقول: يا أحمد أجبني وجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لي: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين وهذا أبو خيثمة وابن أبي ...... وجعل يعدد علي من أجاب، وجعل هو يقول: ويحك أجبني، قال: فجعلت أقول نحواً مما كنت أقول لهم، قال: فرجع فجلس ثم جعل يقول للجلاد: شد ـ قطع الله يدك ـ
قال أبي: فذهب عقلي وما عقلت إلا وأنا في حجرة طلق عني الأقياد، فقال إنسان ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك سارية ودسناك،
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذلك. قال: فجاؤني بسويق، فقالوا لي: اشرب وتقيا، فقلت: لا أفطر ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم،
стр. 1090
قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر، قال ابن سماعة صليت والدم يسيل من ضربك. فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً فسكت ثم خلى عنه ووجه إليه برجل ممن يبصر الضرب والجراحات ليعالج فيها، فنظر إليه فقال لنا: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط ما رأيت ضرباً أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه ثم أدخل ميلا في بعض تلك الجراحات، وقال: لم يثعب فجعل يأتيه ويعالجه وقد كان أصاب وجهه غير ضربة ثم مكث يعالجه ما شاء الله ثم قال: إن هاهنا شيئاً أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه وهو صابر لذلك يحمد الله في ذلك فبرأه منه ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيناً في ظهره إلى أن توفي ﵀.
قال أبو الفضل: سمعت أبي يقول: والله لقد أعطت المجهود من نفسي ولوددت إن أنجو من هذا الأمر كفافاً لا علي ولا لي،
قال أبو الفضل: فأخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه وقد كان هذا الرجل ـ يعني صاحب الشافعي ـ صاحب حديث قد سمع ونظر ثم جاءني بعد، فقال لي: يا ابن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحداً يشبهه، قد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع مسغبة، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحاً فيه ماء وثلج فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه،
قال: فجعلت أعجب إليه من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول، قال أبو الفضل: وكنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاماً أو رغيفاً أو رغيفين في هذه الأيام فلم أقدر على ذلك وأخبرني رجل حضره، قال: تفقدته في هذه الأيام وهم يناظرونه ويكلمونه فما لحن في كلمة وما ظننت أن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
стр. 1091
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد بن الفرج: كنت أتولى شيئاً من أعمال السلطان فبينما أنا ذات يوم قاعد في مجلس إذا أنا بالناس قد أغلقوا أبواب دكاكينهم وأخذوا أسلحتهم، فقلت: مالي أرى الناس قد استعدوا للفتنة. فقالوا: إن أحمد بن حنبل يحمل ليمتحن في القرآن، فلبست ثيابي وأتيت حاجب الخليفة وكان لي صادقاً، فقلت: أريد أن تدخلني حتى أنظر كيف يناظر أحمد الخليفة؟ فقال: أتطيب نفسك بذلك؟ فقلت: نعم فجمع جماعة وأشهدهم علي وتبرأ من إثمي ثم قال لي: امض فإذا كان يوم الدخول بعثت إليك. فلما أن كان اليوم الذي أدخل فيه أحمد على الخليفة أتاني رسوله، فقال: البس ثيابك واستعد للدخول فلبست قباء فوقه قفطان وتمنطقت بمنطقة وتقلدت سيفاً وأتمت الحاجب فأخذ بيدي وأدخلي إلى الفوج الأول مما يلي أمير المؤمنين وإذا أنا بابن الزيات وإذا بكرسي من ذهب مرصع بالجوهر قد غشي أعلاه بالديباج فخرج الخليفة فقعد عليه ثم قال: أين هذا الذي يزعم أن الله يتكلم بجارحتين؟ علي به. فأدخل أحمد وعليه قميص هروي وطيلسان أزرق وقد وضع يداً على يد وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى وقف بين يدي الخليفة، فقال: أنت أحمد بن حنبل، فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل، فقال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؟ من أين قلت هذا؟ قال أحمد: من كتاب الله تعالى وخبر نبيه ﷺ .
قال: وما قال النبي ﷺ ؟
стр. 1092
فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: إن الله كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة وثلاث عشرة كلمة فكان الكلام من الله والاستماع من موسى. فقال موسى: أي رب أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال الله تعالى: يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك، قال: كذبت على رسول الله ﷺ قال أحمد: فإن يك هذا كذباً مني على رسول الله ﷺ ، فقد قال الله تعالى: (وَلََكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنّي لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من غير الله فهو مخلوق، وإن كان مخلوقاً فقد ادعى حركة لا يطيق فعلها، فالتفت إلى أحمد وابن الزيات، فقال: ناظروه قالوا: يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في أعناقنا، قال فرفع يده فلطم حر وجهه فخر مغشياً عليه فتفرق وجوه قواد خراسان وكان أبوه من أبناء قواد خراسان، فخاف الخليفة على نفسه منهم فدعا بكوز من ماء فجعل يرش على وجهه. فلما أفاق رفع رأسه إلى عمه وهو واقف بين يدي الخليفة فقال: يا عم لعل هذا الماء الذي صب على وجهي غضب صاحبه عليه، فقال الخليفة: ويحكم ما ترون ما يهجم علي من هذا الحديث، وقرابتي من رسول الله ﷺ لا رفعت عنه السوط حتى يقول القرآن مخلوق. ثم دعا بجلاد يقال له أبو الدن، فقال: في كم تقتله؟ قال: في خمسة أو عشرة أو خمسة عشرة أو عشرين، فقال: أقتله فكلما أسرعت كان أخفى للأمر، ثم قال: جردوه، قال: فنزعت ثيابه ووقف بين العقابين وتقدم أبو الدن قطع الله يده فضربه بضعه عشر سوطاً فأقبل الدم من أكتافه إلى الأرض، وكان أحمد ضعيف الجسم، فقال إسحاق بن إبراهيم: يا أمير المؤمنين إنه إنسان ضعيف الجسم، فقال: قد سمعت قولي، وقرابتي من رسول الله ﷺ لا رفعت السوط عنه حتى يقول كما أقول. فقال: يا أبا عبد الله البشري إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول لا إله إلا الله. فقال أحمد: كلمة الإخلاص وأنا أقول لا إله إلا الله، فقال: يا أمير المؤمنين إنه قد قال كما تقول. فقال: خل سبيله. وارتفعت بالباب، فقال: أخرج فانظر ما هذه الضجة.
стр. 1093
فخرج ثم دخل فقال: يا أمير المؤمنين إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج أحمد بن حنبل إني لك من الناصحين فأخرج وقد وضع طيلسانه وقميصه على يده وكنت أول من وافى الباب، فقال الناس: ما قلت يا أبا عبد الله حتى نقول، قال: وما عسى أن أقول أكتبوا يا أصحاب الأخبار واشهدوا يا معشر العامة أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
قال أحمد بن الفرج: وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط ونزل السراويل فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك، فقال: نعم إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي واقفتني هذا الموقف فلا تهتكني على رءوس الخلائق فعاد السراويل كما كان.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق قال يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدا وإن عشت حميدا فقوى قلبي، قال صالح بن أحمد: قال أبي فلما صرنا إلى أذنة ورحلنا منها في جوف الليل وفتح لنا بابها إذا رجل قد دخل فقال البشرى قد مات الرجل يعني المأمون قال أبي وكنت أدعو الله أن لا أراه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: تبينت الإجابة في دعوتين دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون ودعوته أن لا أرى المتوكل فلم أر المأمون مات بالبذندون قلت وهو نهر الروم وبقي أحمد محبوسا بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه فرد أحمد إلى بغداد وأما المتوكل فانه نوه بذكر الإمام أحمد والتمس الاجتماع به فلما أن حضر أحمد دار الخلافة بسامراء ليحدث ولد المتوكل ويبرك عليه جلس له المتوكل في طاقة حتى نظر هو وأمه منها إلى أحمد ولم يره أحمد.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أَقْوَمُ بأمر الله من محمد بن نوح إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم يا أبا عبد الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدي بك قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا فمات وصليت عليه ودفنته أظن قال بعانة.
стр. 1094
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً، ما ذاق إلا مقدار ربع سويق، كل ليلة كان يشرب شربة ماء. وفي كل ثلاث ليال يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيت موقيه دخلتا في حدقتيه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن أبي سمينة عن شابا من التائب قال لقد ضرب أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته على فيل لهدته.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: قيل لي اكتب ثلاث كلمات ويخلى سبيلك فقلت هاتوا قالوا: اكتب الله قديم لم يزل قال فكتبت فقالوا اكتب كل شيء دون الله مخلوق وقالوا اكتب الله رب القرآن، قلت: أما هذه فلا ورميت بالقلم فقال بشر بن الحارث لو كتبها لأعطاهم ما يريدون.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المهتدي بالله محمد بن الواثق قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحدا أحضرنا فأتي بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه يعني ابن أبي داود قال فأدخل الشيخ فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال لا سلم الله عليك فقال يا أمير المؤمنين بئس ما ادبك مؤدبك قال الله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ إِنّ) [النساء: ٨٦] فقال ابن أبي داود الرجل متكلم قال له كلمه فقال يا شيخ ما تقول في القرآن قال لم ينصفني ولي السؤال قال سل قال ما تقول في القرآن قال مخلوق قال الشيخ: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ قال شيء لم يعلموه، فقال سبحان الله شيء لم يعلمه النبي ﷺ علمته أنت فخجل فقال أقلني قال المسألة بحالها قال نعم علموه فقال علموه ولم يدعوا الناس اليه قال نعم قال أفلا وسعك ما وسعهم قال فقام أبي فدخل مجلسا واستلقى وهو يقول شئ لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت سبحان الله شيء علموه ولم يدعوا الناس اليه أفلا وسعك ما وسعهم ثم أمر برفع قيوده وأن يعطي أربع مئة دينار وَيُؤْذَنُ له في الرجوع وسقط من عينه ابن أبي داود ولم يمتحن بعدها احدا.
стр. 1095
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حامد بن العباس عن رجل عن المهتدي أن الواثق مات وقد تاب عن القول بخلق القرآن.
قصة خروج أحمد بن حنبل من السجن:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن إبراهيم البوشنجي ذكروا أن المعتصم ألان في أمر أحمد لما علق في العقابين ورأى ثباته وتصميمه وصلابته حتى أغراه أحمد بن أبي داوود وقال يا أمير المؤمنين إن تركته قيل قد ترك مذهب المأمون وسخط قوله فهاجه ذلك على ضربه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي زرعة قال: دعا المعتصم بعم أحمد ثم قال للناس تعرفونه قالوا نعم هو أحمد بن حنبل قال فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن قالوا نعم ولولا انه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شيء لا يقام له قال ولما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكنوا.
قال الذهبي تعليقاً على هذا: قلت ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمر كبير كأنه خاف أن يموت من الضرب فتخرج عليه العامة ولو خرج عليه عامة بغداد لربما عجز عنهم.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنة وقميصاً وطيلسانا وقلنسوة وخفاً، فبينا نحن على باب الدار والناس في الميدان والدروب وغيرها وغلقت الأسواق إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار المعتصم في تلك الثياب وأحمد بن أبي داود عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم يعني نائب بغداد عن يساره فلما صار في الدهليز قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي داود اكشفوا رأسه فكشفوه يعني من الطيلسان وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس فقال لهم إسحاق خذوا به ها هنا يريد دجلة فذهب به إلى الزورق وحمل إلى دار إسحاق بن إبراهيم فأقام عنده إلى أن صليت الظهر وبعث إلى والدي والى جيراننا ومشايخ المحال فجمعوا وأدخلوا عليه فقال لهم هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرفه.
стр. 1096
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سماعة قال: حين دخل الجماعة لهم هذا أحمد بن حنبل وإن أمير المؤمنين ناظره في أمره وقد خلى سبيله وها هو ذا فاخرج على فراس لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس وهو منحن فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم فوقعت يدي على موضع الضرب فصاح فنحيت يدي فنزل متوكئا علي وأغلق الباب ودخلنا معه ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر أن يتحرك إلا بجهد ونزع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وتصدق بثمنه وكان المعتصم أمر إسحاق بن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره وذلك أنه ترك فيما حكي لنا عند الإياس منه وبلغنا أن المعتصم ندم وأسقط في يده حتى صلح فكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا كل يوم يتعرف خبره حتى صح وبقيت إبهاماه منخلعتين يضربان عليه في البرد فيسخن له الماء، ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس أحمد بن أبي داوود سماً إلى المعالج فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا وسمعته يقول كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعا وقد جعلت أبا إسحاق يعني المعتصم في حل ورأيت الله يقول ^ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم ^ وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح قال أبو عبد الله وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك.
تحديد إقامة الإمام أحمد في عهد الواثق:
وتولى الواثق الحكم بعد المعتصم في ربيع الأول سبع وعشرين ومائتين ولم يتعرض للإمام، وقد رأى أن التعذيب لا يفيد فيمن كانت إرادته كالحديد، وعرف فيه أنه عن الحق لا ولن يحيد، ورأى أتباعه في مزيد، ولكنه كتب إلى محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمعين، فلم يبق أحد فقيه ومحدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس وملئت السجون بمن أنكر المحنة، وأمر ابن أبي الليث أن يكتب على المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق"، فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد
وبعث إلى الإمام أحمد يحدد إقامته: "لا تساكني بأرض"، وقيل: أمره أن يخرج من بيته، ويظل الإمام أحمد متخفيا حتى مات الواثق، ووقاه الله شره، وأراه سبحانه ثمرة جهاده وصبره، فكرمه وأعلى ذكره، وخسف بأعدائه، وأذلهم وكان في ذلك عبرة.
стр. 1097
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: لم يزل أبو عبد الله بعد ان برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة ويحدث ويفتي حتى مات المعتصم وولي ابنه الواثق فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى أحمد بن أبي دواد وأصحابه فلما اشتد الأمر على أهل بغداد وأظهرت القضاة المحنة القرآن وفرق بين فضل الأنماطي وبين امرأته وبين أبي صالح وبين امراته كان أبو عبد الله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة اذا رجع ويقول تؤتى الجمعة لفضلها والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا هذا الأمر قد فشا وتفاقم ونحن نخافه على أكثر من هذا وذكروا ابن أبي دواد وأنه يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب القرآن كذا وكذا فنحن لا نرضى بإمارته فمنعهم من ذلك وناظرهم وحكى أحمد قصده في المناظرتهم وأمرهم بالصبر قال فبينا نحن في أيام الواثق اذ جاء يعقوب ليلا برسالة الأمير إسحاق بن ابراهيم إلى أبي عبد الله يقول لك الأمير إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك احد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها فاذهب حيث شئت من أرض الله قال فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق وكانت تلك الفتنة وقتل أحمد بن نصر الخزاعي ولم يزل أبو عبد الله مختفيا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن هاني: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام ثم قال: اطلب لي موضعاً حتى أتحول إليه. قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله، قال: إذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعاً فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام، ثم تحول، وليس ينبغي أن نتبع رسول الله ﷺ في الرخاء ونتركه في الشدة.
انتصار أهل السنة واندحار أهل البدعة:
стр. 1098
ففي عهد المتوكل بعد الواثق ـ وهو أبو الفضل جعفر بن المعتصم، وكانت ولايته في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ـ خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال والمناظرة في الآراء وعاقب عليهما، وأمر بإظهار الرواية للحديث فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق من كان قد اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس فاستبشر الناس بولايته، وأمر بالقبض على محمد بن عبد الملك الزيات الوزير، ووضعه في تنور إلى أن مات، وذلك في سنة ثلاث ومائتين، وابتلى الله أحمد بن أبي دؤاد بالفالج بعد موت الوزير بسبعة وأربعين يوما، فولي القضاء مكانه ولده أبو الوليد محمد، فلم تكن طريقته مرضية، وكثر ذاموه، وقل شاكروه، ثم سخط المتوكل على أحمد بن دؤاد وولده محمد في سنة تسع وثلاثين ومائتين، وأخذ جميع ضياع الأب وأمواله من الولد؛ مائة وعشرين ألف دينار وجواهر بأربعين ألف دينار، وسيره من بغداد من سر من رأى، وولى القضاء يحيى بن أكثم قاضي القضاة، فإنه كان من أئمة الدين وعلماء السنة، ثم مات أحمد بن أبي دؤاد بمرض الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين، ومات ولده محمد قبله بعشرين يوما، وكان بشر المريسي قد أهلكه الله ومات في ذي الحجة سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومائتين.
وقد أقبلت الدنيا على الإمام أحمد وهو زاهد فيها، لا يريد منصبا ولا جاها، ولا يريد طعاما فاخرا، أو خلعة سنية، أو مسكنا شاهقا في الدنيا الدنية، وهو يريد أخرى فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا يريد بعد صبره الطويل في محنته أن يبيع الآجلة بالعاجلة؛ إنه يرفض عطايا السلطان حتى لا يوجده عليه، ولكنه يتصدق بها، ويأتيه طعام الخليفة المتوكل الخاص فلا يأكل منه لقمة، رغم فقره المدقع، ولكن الغني غنى النفس؛ فيا لها من نفس أبية غنية!.
وعظمت مكانة الإمام أحمد لدى الخليفة المتوكل؛ فكان لا يولي أحدا إلا بمشورته، "ومكث الإمام إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره، رحمهما الله ورضي عنهما"
стр. 1099
وهكذا خرج من الاختبار رجلا صالحا، وقد تنوعت طرائق الاختبار، اختبره المأمون بالقيد، فساقه إليه مقيدا مغلولا يثقله الحديد مع بعد الشقة وعظم المشقة، واختبره المعتصم بالحبس والضرب، واختبره الواثق بالمنع والتضييق، فما نالوا من نفسه وما يعتقد، وبعد تلك البلايا ابتلي بالبلاء الأكبر، فساق إليه المتوكل بالنعم، فردها وهو عيوف النفس، وكان يشد على بطنه من الجوع، ولا يتناول مما يشك في حله أو يتورع منه، ثم ابتلي أحمد بعد كل هذا بأعظم بلاء ينزل بالنفس البشرية، وهو إعجاب الناس؛ فقد ابتلي بعد أن انتصر على كل الرزايا بإعجاب الناس، فما أورثه ذلك عجبا ولا ولاه بغرور، بل كان المؤمن المحتسب المتواضع لعزة الله وجلاله الذي لم يأخذه الثناء، وبذلك نجح في أعظم البلاء رحمه الله تعالى.
فضل ثبات أحمد بن حنبل في المحنة على المسلمين:
إن ثبات الإمام أحمد في المحنة صَوَّرَ تلك البطولة الفذة في مواجهة الجيوش الخاسرة أبدع تصوير وأصدقه، صور الزبد والحق؛ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد: ١٧]
، صور الجبروت والإيمان، صور سيف الحق، صور سجن الدار وحرية النفس، صور قيد الحديد وانطلاق القلب واللسان، صور أن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، صور واجب العلماء في مواجهة المنكر.
لقد كان ثبات الإمام أحمد في المحنة دليل الحيران في هذا الزمان، ومصباح الرشاد في بحر الظلمات، وكان نشره اليوم إسهاما في الدعوة إلى الله، ورسما للسلوك القويم، وما ينبغي أن يكون عليه الداعية من ثبات في العقيدة وقوة في الإيمان وصلابة في الحق"
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن إسحاق بن راهويه قال: حدثني أبي قال قال لي أحمد ابن حنبل تعال حتى أريك من لم ير مثله فذهب بي إلى الشافعي قال أبي وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل ولولا أحمد وبذل نفسه لذهب الإسلام يريد المحنة.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المديني قال أعز الله الدين بالصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هلال بن العلاء يقول: شيئان لو لم يكونا في الدنيا لاحتاج الناس إليهما، محنة أحمد بن حنبل، لولاها لصار الناس جهمية، ومحمد بن إدريس الشافعي فإنه فتح للناس الأقفال.
стр. 1100
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المزني قال: أحمد بن حنبل يوم المحنة أبو بكر الردة وعمر يوم السقيفة وعثمان يوم الدار وعلي يوم صفين.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن ابراهيم البوشنجي وذكر أحمد بن حنبل فقال هو عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري وذلك أن سفيان لم يمتحن بمثل ما امتحن به أحمد ولا عِلْم سفيان ومن يقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل لأنه كان أجمع لها وأبصر بأغاليطهم وصدوقهم وكذوبهم قال ولقد بلغني عن بشر بن الحارث انه قال قام أحمد مقام الانبياء وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء فكان فيهما معتصماً بالله.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن الفضل الأسدي قال لما حُمِلَ أحمد ليُضْرَب جاءوا إلى بشر بن الحارث وقالوا قد وجب عليك أن تتكلم فقال أتريدون مني أقوم مقام الأنبياء ليس ذا عندي حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه.
حال أحمد بن حنبل في دولة المتوكل:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: ولي المتوكل جعفر فأظهر الله السنة وُفُرِّجَ عن الناس وكان أبو عبد الله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل وسمعته يقول ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: ثم إن المتوكل ذكره وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه فجاء رسول إسحاق إلى أبي عبد الله يأمره بالحضور فمضى أبو عبد الله ثم رجع فسأله أبي عما دُعِيَ له؟ فقال قرأ علي كتاب جعفر يأمرني بالخروج إلى المعسكر يعني سر من رأى قال وقال لي إسحاق ابن إبراهيم ما تقول في القرآن؟ فقلت إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا، قال وخرج إسحاق إلى العسكر وقدم ابنه محمدا ينوب عنه ببغداد، قال أبو عبد الله وقال لي إسحاق بن إبراهيم لا تعلم أحدا أني سألتك عن القرآن فقلت له مسألة مسترشد أو مسألة متعنت قال بل مسترشد قلت القرآن كلام الله ليس بمخلوق.
стр. 1101
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد: قال أبي قال لي إسحاق بن إبراهيم اجعلني في حل من حضوري ضربك فقلت قد جعلت كل من حضرني في حل، وقال لي من أين قلت انه غير مخلوق فقلت قال الله ^ ألا له الخلق والأمر ^ ففرق بين الخلق والأمر فقال إسحاق الأمر مخلوق فقال يا سبحان الله أمخلوق يخلق خلقا قلت يعني إنما خلق الكائنات بأمره وهو قوله ^ كن ^ الأنعام قال ثم قال لي عمن تحكي أنه ليس بمخلوق قلت عن جعفر بن محمد قال ليس بخالق ولا مخلوق.
стр. 1102
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل ولم يكن عند أبي عبد الله ما يتحمل به أو ينفقه وكانت عندي مئة درهم فأتيت بها أبي فذهب بها اليه فأصلح بها ما احتاج اليه واكترى وخرج ولم يمض إلى محمد بن إسحاق بن ابراهيم ولا سلم عليه فكتب بذلك محمد إلى ابيه فحقدها إسحاق عليه وقال يا امير المؤمنين ان أحمد خرج من بغداد ولم يات مولاك محمدا فقال المتوكل يرد ولو وطئ بساطي وكان أحمد قد بلغ بصري فرد فرجع وامتنع من الحديث الا لولده ولنا وربما قرأ علينا في منزلنا ثم ان رافعا رفع إلى المتوكل ان أحمد ربص علويا في منزله يريد ان يخرجه ويبايع عليه قال ولم يكن عندنا علم فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف سمعنا الجلبة وراينا النيران في دار أبي عبد الله فأسرعنا واذا به قاعد في ازار ومظفر بن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل ورد على امير المؤمنين ان عندكم علويا ربصته لتبايع له وتظهره في كلام طويل ثم قال له مظفر ما تقول قال ما اعرف من هذا شيئا واني لا ارى له السمع والطاعة في عسري ويسري ومنشطي ومكرهي واثرة علي واني لادعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار في كلام كثير فقال مظفر قد امرني امير المؤمنين ان احلفك قال فاحلفه بالطلاق ثلاثا ان ما عنده طلبة امير المؤمنين ثم فتشوا منزل أبي عبد الله والسرب والغرف والسطوح وفتشوا تابوت الكتب وفتشوا النساء والمنازل فلم يروا شيئا ولم يحسوا بشي ورد الله الذين كفروا بغيظهم وكتب بذلك إلى المتوكل فوقع منه موقعا حسنا وعلم ان أبا عبد الله مكذوب عليه وكان الذي دس عليه رجل من اهل البدع ولم يمت حتى بين الله امره للمسلمين وهو ابن الثلجي فلما كان بعد ايام بينا نحن جلوس بباب الدار اذا يعقوب احد حجاب المتوكل قد جاء فاستأذن على عبد الله فدخل ودخل أبي وانا ومع بعض غلمانه بدرة على بغل ومعه كتاب المتوكل فقراه على أبي عبد الله انه صح عند امير المؤمنين براءة ساحتك وقد وجه اليك بهذا المال تستعين به فابى ان يقبله وقال مالي اليه حاجة فقال يا أبا عبد الله اقبل من امير المؤمنين ما امرك به فانه خير لك عنده فانك ان رددته خفت ان يظن بك سوءا فحينئذ قبلها فلما خرج قال يا أبا علي قلت لبيك قال ارفع هذه الانجانة وضعها يعني البذرة تحتها ففعلت وخرجنا فلما كان من الليل اذا ام ولد أبي عبد الله تدق علينا الحائط فقالت مولاي يدعو عمه فأعلمت أبي وخرجنا فدخلنا
стр. 1103
على أبي عبد الله وذلك في جوف الليل فقال يا عم ما اخذني النوم قال ولم قال لهذا المال وجعل يتوجع لأخذه وأبي يسكنه ويسهل عليه وقال حتى تصبح وترى فيه رأيك فإن هذا ليل والناس في المنازل فأمسك وخرجنا فلما كان من السحر وجه إلى عبدوس بن مالك والى الحسن ابن البزار فحضرا وحضر جماعة منهم هارون الحمال وأحمد بن منيع وابن الدورقي وأبي وأنا وصالح وعبد الله وجعلنا نكتب من يذكرونه من اهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة فوجه منها إلى أبي كريب وللاشج والى من يعلمون حاجته ففرقها كلها ما بين الخمسين إلى المئة والى المئتين فما بقي في الكيس درهم فلما كان بعد ذلك مات الامير إسحاق بن ابراهيم وابنه محمد ثم ولي بغداد عبد الله بن إسحاق فجاء رسول إلى أبي عبد الله فذهب اليه فقرا عليه كتاب المتوكل وقال له يامرك بالخروج يعني إلى سامراء فقال انا شيخ ضعيف عليل فكتب عبد الله بما رد عليه فورد جواب الكتاب ان امير المؤمنين يأمره بالخروج فوجه عبد الله اجنادا فباتوا على بابنا اياما حتى تهيأ أبو عبد الله للخروج فخرج ومعه صالح وعبد الله وأبي زميلة وقال صالح كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ثم إلى ان مات أبي قل يوم يمضي الا ورسول المتوكل يأتيه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح قال: وجه إسحاق إلى أبي الزم بيتك ولا تخرج إلى جماعة ولا جمعة والا نزل بك ايام أبي إسحاق.
صلة المتوكل لأحمد بن حنبل ﵀:
стр. 1104
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن الكلبي قال: أريد أن أفتش منزلك ومنزل أبيك فقام مظفر وابن الكلبي وامرأتان معهما ففتشوا ودلوا شمعة في البئر ونظروا ثم خرجوا فلما كان بعد يومين ورد كتاب علي بن الجهم أن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك وذكر نحوا من رواية حنبل قال حنبل فأخبرني أبي قال دخلنا إلى العسكر فإذا نحن بموكب عظيم مقبل فلما حاذى بنا قالوا هذا وصيف وإذا بفارس قد أقبل فقال لأبي عبد الله الأمير وصيف يقرئك السلام ويقول لك إن الله قد أمكنك من عدوك يعني ابن أبي داوود وأمير المؤمنين يقبل منك فلا تدع شيئا إلا تكلمت به فما رد عليه أبو عبد الله شيئا وجعلت أنا ادعو لأمير المؤمنين ودعوت لوصيف ومضينا فأنزلنا في دار ايتاخ ولم يعرف أبو عبد الله فسأل بعد لمن هذه الدار قالوا هذه الدار ايتاخ قال حولوني اكتروا لي دارا قالوا هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين قال لا أبيت ها هنا ولم يزل حتى اكترينا له دارا وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك فما ذاق منها أبو عبد الله شيئا ولا نظر إليها وكان نفقة المائدة في اليوم مئة وعشرين درهما وكان يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله وعلي بن الجهم يختلفون إلى أبي عبد الله برسالة المتوكل ودامت العلة بأبي عبد الله وضعف شديدا وكان يواصل ومكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب ففي الثامن دخلت عليه وقد كاد أن يطفا فقلت يا أبا عبد الله ابن الزبير كان يواصل سبعة وهذا لك اليوم ثمانية أيام قال إني مطيق قلت بحقي عليك قال فإني أفعل فأتيته بسويق فشرب ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فرده فقال له عبيد الله بن يحيى فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك قال هم مستغنون فردها عليه فأخذها عبيد الله فقسمها على ولده ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة الآف فبعث إليه أبو عبد الله إنهم في كفاية وليست بهم حاجة فبعث إليه المتوكل إنما هذا لولدك فما لك ولهذا فأمسك أبو عبد الله فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير وقال يا عم ما بقي من أعمارنا كأنك بالأمر قد نزل فالله الله فإن أولادنا إنما يريدون أن يأكلوا بنا وإنما هي أيام قلائل وإنما هذه فتنة قال أبي فقلت أرجو أن يؤمِنَّكَ الله مما تحذر فقال كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم لو تركتموها لتركوكم ماذا ننتظر إنما هو الموت
стр. 1105
فإما إلى جنة وإما إلى نار فطوبى لمن قدم على خير قال فقلت أليس قد أمرت ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس ولا مسألة أن تأخذه قال قد أخذت مرة بلا إشراف نفس فالثانية وألم تستشرف نفسك قلت أفلم يأخذ ابن عمر وابن عباس فقال ما هذا وذاك وقال لو أعلم أن هذا المال يؤخذ من وجهه ولا يكون فيه ظلم ولا حيف لم أبال، قال حنبل ولما طالت علة أبي عبد الله كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب فيصف له الأدوية ويدخل فلا ابن ما سويه فقال يا أمير المؤمنين ليست بأحمد علة إنما هو من قلة الطعام والصيام والعبادة فسكت المتوكل، وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد الله فقلت لابنها اشتهي أن أرى هذا الرجل فوجه المتوكل إلى أبي عبد الله يساله أن يدخل على ابنه المعتز ويدعو له ويسلم عليه ويجعله في حجره فامتنع ثم أجاب رجاء أن يطلق وينحدر إلى بغداد فوجه اليه المتوكل خلعة وأتوه بدابة يركبها إلى المعتز فامتنع وكانت عليه ميثرة نمور فقدم إليه بغل لتاجر فركبه وجلس المتوكل مع أمه في مجلس من المكان وعلى المجلس ستر رقيق فدخل أبو عبد الله على المعتز ونظر إليه المتوكل وأمه فلما رأته قالت يا بني الله الله في هذا الرجل فليس هذا ممن يريد ما عندكم ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله فائذن له ليذهب فدخل أبو عبد الله على المعتز فقال السلام عليكم وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة فسمعت أبا عبد الله بعد يقول لما دخلت عليه وجلست قال مؤدبه أصلح الله الأمير هذا هو الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك فقال الصبي إن علمني شيئا تعلمته قال أبو عبد الله فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره وكان صغيرا ودامت علة أبي عبد الله وبلغ المتوكل ما هو فيه وكلمه يحيى بن خاقان أيضا وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا فأذن له في الانصراف فجاء عبيد الله بن يحيى وقت العصر فقال إن أمير المؤمنين قد أذن لك وأمر أن يفرش لك حراقة تنحدر فيها فقال أبو عبد الله اطلبوا لي زورقا أنحدر الساعة فطلبوا له زورقا فانحدر لوقته، قال حنبل فما علمنا بقدومه حتى قيل أنه قد وافى فاستقبلته بناحية القطيعة وقد خرج من الزورق فمشيت معه فقال لي تقدم لا يراك الناس فيعرفوني فتقدمته قال فلما وصل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء وكان ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده فلما صار الينا من مال السلطان ما صار امتنع من ذلك حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى فشويت في تنور صالح فعلم فلم يستعملها ومثل هذا كثير.
стр. 1106
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقد ذكر صالح قصة خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه وتفتيش بيوتهم على العلوي وورود يعقوب بالبدرة وأن بعضها كان مئتي دينار وأنه بكى وقال سلمت منهم حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم عزمت عليك أن تفرقها غدا فلما أصبح جاءه حسن بن البزار فقال جئني يا صالح بميزان وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار وإلى فلان حتى فرق الجميع ونحن في حالة الله بها عليم فجاءني ابن لي فطلب درهما فأخرجت قطعة فأعطيته فكتب صاحب البريد أنه تصدق بالكل ليومه حتى بالكيس قال علي بن الجهم فقلت يا أمير المؤمنين قد تصدق بها وعلم الناس أنه قد قبل منك وما يصنع أحمد بالمال وإنما قوته رغيف قال صدقت.
﴿تنبيه﴾: إن في ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل لعبرة للذين يتصدون للبدع والمبتدعين، تظهر مكانة الإمام أحمد بن حنبل في إعلاء كلمة الدين، وكيف حقق الله له ولأتباعه المخلصين النصر المبين، فحفظ بمنه وكرمه للسنة مكانتها وأعلى رايتها.
وصية أحمد بن حنبل ﵀:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد أوصى أبي هذه هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله إلى أن قال وأوصى أنَّ علي لفوران نحوا من خمسين دينارا وهو مصدق فيما قال فيقضي من غلة الدار فإذا استوفى أعطي ولد عبد الله وصالح كل ذكر وأنثى عشرة دارهم شهد أبو يوسف وعبد الله وصالح ابنا أحمد.
وفاة أحمد بن حنبل ﵀:
توفي الإمام يوم الجمعة الموافق إثنى عشر من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة، وله من العمر سبع وسبعون سنة. وقد اجتمع الناس يوم جنازته حتى ملأوا الشوارع. وحضر جنازته من الرجال مائة ألف ومن النساء ستين ألفاً، غير من كان في الطرق وعلى السطوح. وقيل أكثر من ذلك.
وقد دفن الإمام أحمد بن حنبل في بغداد في جانب الكرخ قرب مدينة ماتسمى مدينة الكاظمية , قبره بين مقابر المسلمين وغير معروف سوى مكان المقبرة.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله قال: سمعت أبي يقول استكملت سبعا وسبعين سنة ودخلت في ثمان فحم من ليلته ومات اليوم العاشر.
стр. 1107
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين حُمَّ أبي ليلة الاربعاء وبات وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا وكنت قد عرفت علته وكنت أمرضه إذا اعتل فقلت له يا ابة على ما أفطرت البارحة قال على ماء باقلي ثم أراد القيام فقال خذ بيدي فأخذت بيده فلما صار إلى الخلاء ضعف وتوكأ علي وكان يختلف إليه غير متطبب كلهم مسلمون فوصف له متطبب قرعة تشوي ويسقي ماءها وهذا كان يوم الثلاثاء فمات يوم الجمعة فقال يا صالح قلت لبيك قال لا تشوي في منزلك ولا في منزل أخيك، وصار الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده فحجبته وأتى ابن علي بن الجعد فحبسته وكثر الناس فقال فما ترى قلت تأذن لهم فيدعون لك قال أستخير الله فجعلوا يدخلون عليه أفواجا حتى تمتليء الدار فيسألونه ويدعون له ويخرجون ويدخل فوج وكثر الناس وامتلأ الشارع وأغلقنا باب الزقاق وجاء جار لنا قد خضب فقال أبي إني لأرى الرجل يحيي شيئا من السنة فأفرح به فقال لي وجه فاشتر تمرا وكفر عني كفارة يمين قال فبقي في خريقته نحو ثلاثة دراهم فأخبرته فقال الحمد لله وقال اقرأ علي الوصية فقرأتها فأقرها، وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله وجعل يحرك لسانه ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه قال واجتمعت عليه أوجاع الحصر وغير ذلك ولم يزل عقله ثابتا فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي.
стр. 1108
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: مرض أحمد تسعة أيام وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده وتسامع الناس وكثروا وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما دخل من بعض الدور وطرز الحاكة وربما تسلق وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاءه حاجب ابن طاهر فقال إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال هذا مما أكره وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره قال وأصحاب الخبر يكتبون إلى العسكر والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون عليه وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم ودخل عليه شيخ فقال اذكر وقوفك بين يدي الله فشهق أبو عبد الله وسالت دموعه فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل قال فجعلوا ينضمون اليه وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع وأدخلت تحته الطست فرأيت بوله دماً عبيطاً فقلت للطبيب فقال هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه واشتدت علته يوم الخميس ووضاته فقل خلل الأصابع فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال هذه من شعر النبي ﷺ فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة وشعرة على لسانه ففعل ذلك عند موته.
يوم موت أحمد بن حنبل:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد ومطين وغيرهما قالوا: مات لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول يوم الجمعة وقال ذلك البخاري وعباس الدوري فقد غلط ابن قانع حيث يقول ربيع الاخر
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: أُخْرِجَتْ الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة.
стр. 1109
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد قال: وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامان معهما مناديل فيها ثياب وطيب فقالوا الأمير يقرئك السلام ويقول قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضره كان يفعله فقلت أقرئ الأمير السلام وقل له إن أمير المؤمنين قد أعفى أبا عبد الله في حياته مما يكره ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه فعاد وقال يكون شعاره فأعدت عليه مثل قولي وقد كان غزلت له الجارية ثوباً عشارياً قوم بمثانية وعشرين درهما ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وأخذنا من فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا وفرغ من غسله وكفناه وحضر نحو مئة من بني هاشم ونحن نكفنه وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير.
من صلى على أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله قال: صلى علي أبي محمد بن عبد الله بن طاهر غلبنا على الصلاة عليه وقد كنا صلينا عليه نحو الهاشميون في الدار وقال صالح وجه ابن طاهر الي من يصلي على أبي عبد الله قلت انا فلما صرنا إلى الصحراء إذا بابن طاهر واقف فخطا إلينا خطوات وعزانا ووضع السرير فلما انتظرت هنية تقدمت وجعلنا نسوي الصفوف فجاءني ابن طاهر فقبض هذا على يدي ومحمد بن نصر على يدي وقالوا الأمير فمانعتهم فنحياني وصلى هو ولم يعلم الناس بذلك فلما كان في الغد علموا فجعلوا يجيؤون ويصلون على القبر ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبيد الله بن يحيى بن خاقان قال: سمعت المتوكل يقول لمحمد بن عبد الله طوبى لك يا محمد صليت على أحمد بن حنبل رحمة الله عليه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الوهاب الوراق قال: ما بلغنا ان جمعا في الجاهلية ولا الإسلام مثله يعني من شهد الجنازة حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف وحزرنا على القبور نحوا من ستين ألف امرأة وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوء.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن بنان بن أحمد القصباني انه حضر جنازة أحمد فكانت الصفوف من الميدان إلى القنطرة باب القطعية وحزر من حضرها من الرجال بثمان مئة ألف ومن النساء بستين ألف امرأة ونظروا فيمن صلى العصر يومئذ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفا.
стр. 1110
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن هارون الحافظ قال: يقال أن أحمد لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ست مئة ألف أو أكثر سوى ما كان في الأطرف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن فتح بن الحجاج قال سمعت في دار ابن طاهر الأمير أن الأمير بعث عشرين رجلا فحزروا كم صلى على أحمد بن حنبل فحزروا فبلغ ألف ألف وثمانين ألفا سوى من كان في السفن.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي زرعة قال: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف عليه الناس حيث صلى على أحمد فبلغ مقام ألفي ألف وخمسة مئة ألف.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول قولوا لاهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي الخرقة لاشد بها لحييه فجعل يغرق ثم يفيق ثم يفتح عينيه ويقول بيده هكذا لا بعد لا بعد ثلاث مرات فلما كان في الثالثة قلت يا ابة أي شيء هذا الذي لهجت به في هذا الوقت فقال يا بني ما تدري قلت لا قال ابليس لعنه الله قائم بحذائي وهو عاض على انامله يقول يا أحمد فتني وأنا اقول لا بعد حتى اموت.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن محمد بن عمر قال سئل عبد الله بن أحمد هل عقل أبوك عند المعاينة قال نعم كنا نوضئه فجعل يشير بيده فقال لي صالح أي شيء يقول فقلت هو ذا يقول خللوا أصابعي فخللنا أصابعه ثم ترك الإشارة فمات من ساعته وقال صالح جعل أبي يحرك لسانه إلى أن توفي.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن داود الاحمسي قال رفعنا جنازة أحمد مع العصر ودفناه مع الغروب.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح قال: لم يحضر أبي وقت غسله غريب فأردنا ان نكفنه فغلبنا عليه بنو هاشم وجعلوا يبكون عليه ويأتون بأولادهم فيكبونهم عليه ويقبلونه ووضعناه على السرير وشددنا بالعمائم.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي صالح القنطري قال: شهدت الموسم أربعين عاما فما رأيت جمعا قط مثل هذا يعني مشهد أبي عبد الله.
стр. 1111
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الوهاب الوراق قال: أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السنة والطعن على أهل البدع فسر الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من العز وعلوا الاسلام وكبت أهل الزيغ ولزم بعض الناس القبر وباتوا عنده وجعل النساء يأتين حتى منعن وسمعت المروذي يقول عن علي بن مهرويه عن خالته قالت ما صلوا ببغداد في مسجد العصر يوم وفاة أحمد وقيل إن الزحمة دامت على القبر أياما.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح قال: وبعد أيام جاء كتاب المتوكل على الله إلى ابن طاهر يأمره بتعزيتنا وأمر بحمل الكتب قال فحملتها وقلت إنها لنا سماع فتكون في أيدينا وتنسخ عندنا فقال أقول لأمير المؤمنين فلم يزل يدافع الأمير ولم تخرج عن أيدينا والحمد لله.
بعض المنامات المبشرة بعد موت أحمد بن حنبل:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن مهران الجمال قال: رأيت أحمد بن حنبل في النوم كأن عليه بردا مخططا أو مغيرا وكأنه بالري يريد المصير إلى الجامع قال فاستعبرت بعض أهل التعبير فقال هذا رجل يشتهر بالخير وبه إلى الجمال قال فما أتى عليه إلا قريب حتى ورد من خبره من أمر المحنة.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن الحسين بن موسى قال: رأيت رجلا من أهل الحديث توفي فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي فقلت بالله قال بالله إنه غفر لي فقلت بماذا غفر الله لك قال بمحبتي أحمد بن حنبل.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الحسن بن عيسى عن اخي أبي عقيل قال رأيت شابا توفي بقزوين فقلت ما فعل بك ربك قال غفر لي، ورأيته مستعجلا فسألته فقال لأن أهل السموات قد اشتغلوا بعقد الألوية لاستقبال أحمد بن حنبل وأنا أريد استقباله وكان أحمد توفي تلك الايام.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الهيثم بن خالويه قال رأيت السندي في النوم فقلت ما حالك قال أنا بخير لكن اشتغلوا عني بمجيء أحمد بن حنبل.
стр. 1112
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن القواريري عبيد الله بن عمر قال جاءني شيخ فخلا بي فقال رأيت النبي ﷺ قاعدا ومعه أحمد بن نصر فقال على فلان لعنة الله ثلاث مرات وعلى فلان وفلان فانهما يكيدان الدين وأهله ويكيدان أحمد بن حنبل والقواريري وليس يصلان إلى شيء منهما إن شاء الله ثم قال اقرأ أحمد والقواريري السلام وقل لهما جزاكما الله عني خيرا وعن امتي.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي داود قالا: حدثني أبي قال رأيت في المنام أيام المحنة كأن رجلا خرج من المقصورة وهو يقول قال رسول الله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي أحمد بن حنبل وفلان وقال نسيت اسمه إلا أنه كان أيام قتل أحمد بن نصر يعني اقتدوا في وقتكم هذا.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن بندار ومحمد بن المثنى قالا كنا نقرأ على شيخ ضرير فلما أحدثوا ببغداد القول بخلق القرآن قال الشيخ إن لم يكن القرآن مخلوقا فمحى الله القرآن من صدري فلما سمعنا هذا تركناه فلما كان بعد مدة لقينا فقلنا يا فلان ما فعل القرآن قال ما بقي في صدري منه شئ قلنا ولا (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) قال ولا (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) إلا ان أسمعها من غيري يقرؤها.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن حرزان قال: رأى جار لنا روياً كأن ملكاً نزل من السماء ومعه سبعة تيجان فأول من توج من الدنيا أحمد بن حنبل.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن زكريا بن يحيى السمسار قال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام على رأسه تاج مرصع بالجوهر في رجليه نعلان وهو يخطر بهما قلت ما فعل الله بك قال غفر لي وأدناني وتوجني بيده بهذا التاج وقال لي هذا بقولك القرآن كلام الله غير مخلوق، قلت ما هذة الخطرة التي لم أعرفها لك في دار الدنيا قال هذة مشية الخدام في دار السلام.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابراهيم بن جعفر المروذي قال رايت أحمد بن حنبل يمشي في النوم مشية يختال فيها قلت ما هذة المشية يا أبا عبد الله قال هذة مشية الخدام في دار السلام.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال رأيت أحمد في النوم وعليه حلتان خضراوان وعلى رأسه تاج من النور وإذا هو يمشي مشية لم أكن أعرفها فقلت ما هذا قال هذة مشية الخدام في دار السلام.
стр. 1113
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن المروزي قال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام وعليه حلتان خضراوتان، وفي رجليه نعلان من النصب الأحمر، شركهما من الزمرد الأخضر، وعلى رأسه تاج من النور مرصع بالجوهر، وإذا هو يخطر في مشيته فقلت له: حبيبي يا أبا عبد الله تمشي مشية تختال فيها؟ فقلت: ما هذه المشية يا أبا عبد الله؟ قال هذه مشية الخدام في دار السلام.
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
ذكر شيخ الاسلام بإسناد طويل عن محمد بن يحيى الرملي قاضي دمشق قال دخلت العراق والحجاز وكتبت فمن كثرة الاختلاف لم ادر بأيها آخذ فقلت اللهم اهدني فنمت فرأيت النبي ﷺ وقد اسند ظهره إلى الكعبة وعن يمينه الشافعي وأحمد بن حنبل وهو يبتسم اليهما فقلت يا رسول الله بم آخذ فأوما إلى الشافعي وأحمد وقال (أُوْلََئِكَ الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ) [الأنعام: ٨٩]
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سلمة بن شبيب يقول كنا جلوسا مع أحمد بن حنبل إذ جاءه رجل فقال من منكم أحمد بن حنبل فسكتنا فقال أنا أحمد ما حاجتك قال صرت اليك من أربعة مئة فرسخ برها وبحرها جاءني الخضر في منامي فقال تعرف أحمد بن حنبل قلت لا قال ائت بغداد وسل عنه وقل له إن الخضر يقرئك السلام ويقول إن ساكن السماء الذي على عرشه راض عنك والملائكة راضون عنك بما صيرت نفسك لله فقال أحمد ما شاء الله لا قوة الا بالله ألك حاجة غير هذه قال ما جئتك إلا لهذا وانصرف.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أبي قرة قال رأيت في النوم كأني دخلت الجنة فإذا قصر من فضة فانفتح بابه فخرج أحمد بن حنبل وعليه رداء من نور فقال لي قد جئت قلت نعم فلم يزل يردد حتى انتهيت قال ورايت في النوم جبال المسك والناس مجتمعون وهم يقولون قد جاء الغازي فدخل أحمد بن حنبل متقلدا السيف ومعه رمح فقال هذه الجنة.
[*] قال الإمام الذهبي تعليقاً على هذه المنامات: ولقد جمع ابن جوزي فاوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة وأفرد ابن البناء جزءا في ذلك وليس أبو عبد الله ممن يحتاج تقرير ولايته إلى منامات ولكنها جند الله تسر المؤمن ولا سيما اذا تواترت.
- خامساً: نماذج من سير الزاهدين من أئمة الحديث أصحاب الكتب الستة .
стр. 1114
﴿تَقْدِمَة﴾: إن المقصود من ذكر سِيَرِ أصحاب الكتب الستة لتذكير طالب العلم بهذه الكتب لأنها عماد طالب العلم في الحديث بعد الله تعالى، فيجب عليه أن يتمسك بها وأن يعضَّ عليها بالنواجذ وأن يُقْبِلُ عليها إقبال الظامئ على المورد العذب، يستمد من نورها نوراً ومن ضيائها لمعاناً يضيئ له الطريق في الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، فليكن ذلك نُصب عينيك ومحط نظرك وقِبلة قلبك، فأبْصِرْ وَتعَلَم وإذا عَرفت الحقَ فالْزَم.
سيرة البخاري ﵀:
البخاري رحمه الله تعالى حافظ الإسلام، وإمام من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين:
اسم البخاري ونسبه:
هو محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري، فجده
بردزبه ضبط اسمه بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة
وسكون الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة بعدها هاء.
[*] قال الحافظ ابن حجر: "هذا هو المشهور في ضبطه، وتعنى كلمة بردزبه باللغة الفارسية الزراع كذا يقول أهل بخارى, وكان بردزبة
فارسيا على دين قومه" انتهى.
متى وأين ولد الإمام البخاري ﵀:
ولد ﵀ في ولد البخاري في إحدى قرى خراسان، في بُخَارَى وهي من أعظم مدن ما وراء النهر بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام) في يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة.
، عام ١٩٤ هجرية وينتمي البخاري بالولاء إلى قبيلة جعفة اليمنية، فقد أسلم جده المغيرة على يدي إسماعيل الجعفي والى خراسان، وكان أبوه إسماعيل من رجال الطبقة الرابعة من علماء الحديث، وهى الطبقة التي تلي تابعي التابعين، وتذكر كتب الحديث أن والد البخاري كان من الثقات، وقد كان له بالغ الأثر في توجيه الابن إلى الاهتمام بالسنة، بالرغم من انه مات والابن لا يزال في مرحلة الطفولة.
[*] مناقب البخاري ﵀:
كان البخاري رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى:
(١) نشأة البخاري وبدؤه طلب العلم:
стр. 1115
توجه البخاري إلى طلب العلم منذ نعومة أظفاره، وبدت عليه علائم الذكاء والبراعة منذ حداثته، فقد حفظ القرآن وهو صبي ثم استوفى حفظ حديث شيوخه البخاريين ونظر في الرأي وقرأ كتب ابن المبارك حين استكمل ست عشرة سنة ورحل في طلب الحديث إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والعراق والحجاز والشام ومصر وغيرها، وسمع من العلماء والمحدثين وأكب عليه الناس وتزاحموا عليه ولم تنبت لحيته بعد.
توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه وأقبل على طلب العلم منذ الصغر وقد تحدث عن نفسه فيما ذكره الفِرَبْري عن محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري قال: سمعت البخاري يقول:"ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب"، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟، قال: "عشر سنين أو أقل"، إلى أن قال: "فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء ـ يعني أصحاب الرأي ـ، قال: "ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج, فلما طعنت في ثمان عشرة سنة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين ثم صنفت التاريخ بالمدينة عند قبر النبي ﷺ وكنت أكتبه في الليالي المقمرة"، قال: "وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب".
(٢) رحلة البخاري في طلب العلم وسماعه الحديث:
اشتغل البخاري وهو صغير في طلب العلم وسماع الحديث فسمع من أهل بلده من مثل محمد بن سلام ومحمد بن يوسف البيكنديين وعبد الله بن محمد المسندي وابن الأشعث وغيرهم ثم حج هو وأمه وأخوه أحمد وهو أسن منه سنة عشر ومائتين فرجع أخوه بأمه وبقي في طلب العلم فسمع بمكة من الحميدي وغيره وبالمدينة من عبد العزيز الأويسي ومطرف ابن عبد الله وغيرهم ثم رحل إلى أكثر محدثي الأمصار في خراسان
والشام ومصر ومدن العراق وقدم بغداد مرارا واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علمي الرواية والدراية وسمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وغيره وبمرو من علي بن الحسن وعبد الله بن عثمان وغيرهما وبنيسابور من يحيى بن يحيى وغيره وبالري من إبراهيم بن موسى وغيره وببغداد من شريح بن النعمان وأحمد بن حنبل وغيرهما
стр. 1116
وبالبصرة من أبي عاصم النبيل ومحمد بن عبد الله الأنصاري وغيرهما وبالكوفة من طلق بن غنام وخلاد بن يحيى وغيرهما وبمصر من سعيد بن كثير بن عفير وغيره وسمع من أناس كثيرين غير هؤلاء ونقل عنه أنه قال: "كتبت عن ألف وثمانين نفسا ليس فيهم إلا صاحب حديث", وقال أيضا: "لم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل".
(٣) ذكاء البخاري وقوة حفظه:
كان ﵀ قوي الذاكرة سريع الحفظ، ذُكِرَ عنه المُطَّلِعون على حاله ما يتعجب منه الأذكياء ذوو الحفظ والإتقان فضلا عمن سواهم، ومن ذلك ما يلي:
[*] قال أبو بكر الكلذواني: " ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الحديث من مرة واحدة".
[*] وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلته في المصنف، قال: "لا يخفى علي جميع ما فيه",
[*] وقال محمد بن حمدوية: سمعت البخاري يقول: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح, ومائتي ألف حديث غير صحيح".
[*] وقال محمد بن الأزهر السجستاني: كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب فقيل لبعضهم: ماله لا يكتب فقال: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه,
ولعل من أعجب ما نقل عنه في ذلك ما قاله الحافظ أبو أحمد ابن عدي كما في تاريخ بغداد ووفيات الأعيان وغيرهما سمعت عدة مشائخ يحكون أن محمد
стр. 1117
بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: "لا أعرفه"، فسأله عن آخر فقال: "لا أعرفه", فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول: "لا أعرفه"، فكان الفُهَمَاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم, ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم, ثم انتدب رجل آخر من العشرة وسأله كما سأله الأول والبخاري ﵀ يجيب بما أجاب به الأول ثم الثالث والرابع حتى فرغ العشرة مما هيأوه من الأحاديث فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا وحديثك الثاني قلت كذا وصوابه كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، وعند ذكر هذه القصة يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا, بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة".
(٤) ثناء العلماء على البخاري ﵀:
قد أفاض العلماء في كل العصور في الثناء على البخاري ﵀ وتقريظه شخصا وكتابا، وقد كان البخاري ﵀ موضع التقدير من شيوخه وأقرانه تحدثوا عنه بما هو أهله وأنزلوه المنزلة التي تليق به وكذلك غيرهم ممن عاصره أو جاء بعده وقد جمع مناقبه الحافظان الكبيران الذهبي وابن حجر العسقلاني في مؤلفين خاصين كما ذكر ذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ وابن حجر في تهذيب التهذيب. ولعل من المناسب هنا ذكر بعض النماذج من ذلك:
[*] قال الإمام مسلم بن الحجاج له: إنك سيد المحدثين وطبيب الحديث في علله،
стр. 1118
[*] وقال الإمام الترمذي: لم أر أحدا في العراق ولا بخراسان في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد اعلم من محمد بن إسماعيل.
وقال أيضاً: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فقال له لما قام: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة فاستجاب الله تعالى له فيه" ..
[*] ويقول الإمام البخاري: "كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: "بيّن لنا غلط شعبة"
[*] وقال شيخه محمد بن بشار الحافظ: " حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، و مسلم بن الحجاج بنيسابور، و عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، و محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى"،
وقال أيضاً: " ما قدم علينا مثل البخاري "،
[*] وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: سمعت يحيى بن جعفر البيكندي يقول: "لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت فإن موتي يكون موت رجل واحد وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم" ..
[*] وقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل".
[*] ولما بلغ علي بن المديني قول البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني" قال لمن أخبره: "دع قوله؛ ما رأى مثل نفسه" ..
[*] وقال رجاء بن رجاء: "هو ـ يعني البخاري ـ آية من آيات الله تمشي على ظهر الأرض".
[*] وقال أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور: هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل" ..
[*] وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري" ..
[*] ويقول الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: وكان رأسا في الذكاء رأسا في العلم رأسا في الورع والعبادة"، ويقول في كتابه العبر: "وكان من أوعية العلم يتوقد ذكاء ولم يخلف بعده
مثله رحمة الله عليه.
[*] وقال الحافظ ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب: "أبو عبد الله البخاري جبل الحفظ وإمام الدنيا ثقة الحديث".
[*] وقال الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: هو إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه"، وقال: "وقد كان البخاري ﵀ في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء والرغبة في الآخرة دار البقاء"،
[*] وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "هو إمام المسلمين وقدوة الموحدين وشيخ المؤمنين والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين وحافظ نظام الدين"،
стр. 1119
[*] وقال محمد بن يعقوب الأخرم سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل سوى من ركب بغلا أو حمارا وسوى الرجالة". هذا غيض من فيض مما قيل في الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى برحمته الواسعة.
(٥) مصنفات البخاري رحمه الله تعالى:
وقد أتحف الإمام البخاري ﵀ المكتبة الإسلامية بمصنفات قيّمة نافعة أجلّها وعلى رأسها كتابه الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي.
تم تصنيف البخاري لكتابه الشهير (صحيح البخاري) نتيجة لعملية طويلة من الانتقاء والنقد،، وقد روى انه جمعه من ستمائة ألف حديث، ولشدّة تحريه لم يكن يضع فيه حديثًا إلا بعد أن يصلي ركعتين ويستخير الله، وصنفه في ست عشرة سنة، وقد قصد فيه إلى جمع أحاديث رسول الله ﷺ الصحاح المستفيضة المتصلة دون الأحاديث الضعيفة، ولم يقتصر في جمعه على موضوعات معينة، بل جمع الأحاديث في جميع الأبواب، واستنبط منها الفقه والسيرة، وبدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في مكة، ثم أكمله أثناء رحلاته الطويلة وبعد استقراره في موطنه، وقسم البخاري كتابه إلى سبعةٍ وتسعين كتاباً أو بابا، ويبدأ الكتاب بباب الوحي ثم الإيمان والعلوم، ثم الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج ثم كتب المعاملات مثل البيع ثم أبواب أخرى في فضائل قريش ومناقب الصحابة وتفسير، وهكذا اخذ البخاري بالتبويب الفقهي إلى جانب ذكر أبواب أخرى مثل الغزوات والحروب، وتبلغ أحاديث البخاري سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا كما يقول ابن حجر في مقدمة فتح الباري، لكن الأحاديث تتكرر في أكثر من باب، وعلى هذا فإن عدد الأحاديث بعد حذف المكرر لا يزيد على ألفين وسبعمائة وواحد وستين حديثا وقد اشترط البخاري على نفسه ألا يروى إلا الأحاديث الصحيحة أي الأحاديث المتصلة السند إلى رسول الله ﷺ مع توافر شروط العدالة والضبط في كل الرواة والشرط الثاني هو لقاء راوي الحديث مع من أخذ عنه حتى ولو كان اللقاء مرة واحده.
لهذه الأسباب تحققت للبخاري شهرة لا يدانيها أي كتاب آخر من كتب السنة والحديث، وقد كان الناس في مصر يقرأونه في المساجد كما يقرأون القرآن.
سبب تأليف صحيح البخاري:
стр. 1120
قال البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي ﷺ . قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح.
وهذا يدل على همة هذا الإمام الجليل حيث أخذت هذه الكلمة منه مأخذها، وبعثته للعمل على تأليف كتابه، وسماه كما ذكر ابن الصلاح و النووي الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه سلم وسننه وأيامه.
ولما أخرجه للناس وأخذ يحدث به، طار في الآفاق أمره، فهرع إليه الناس من كل فج يتلقونه عنه حتى بلغ من أخذه نحو من مائة ألف، وانتشرت نسخه في الأمصار، وعكف الناس عليه حفظًا ودراسة وشرحًا وتلخيصًا، وكان فرح أهل العلم به عظيمًا.
من فقه البخاري في صحيحه:
قصد البخاري في صحيحة إلى إبراز فقه الحديث الصحيح واستنباط الفوائد منه، وجعل الفوائد المستنبطة تراجم للكتاب (أي عناوين له) ولذلك فإنه يذكر متن الحديث بغير إسناد وقد يحذف من أول الإسناد واحد فأكثر، وهذان النوعان يعرفان بالتعليق، وقد يكرر الحديث في مواضع كثيرة من كتابه يشير في كل منها إلى فائدة تستنبط من الحديث، والسبب في ذلك أن الحديث الواحد قد يكون فيه من العلم والفقه ما يوجب وضعه في أكثر من باب، ولكنه غالبًا ما يذكر في كل باب الحديث بإسناد غير إسناده في الأبواب السابقة أو اللاحقة، وقد يختلف سياق الحديث من رواية لأخرى، وذكر في تراجم الأبواب علماً كثيراً من الآيات والأحاديث وفتاوى الصحابة والتابعين، ليبين بها فقه الباب والاستدلال له، حتى اشتهر بين العلماء أن فقه البخاري في تراجمه.
من شروح صحيح البخاري ... :
لم يحظ كتاب بعد كتاب الله بعناية العلماء مثل ما حظي كتاب صحيح البخاري، فقد اعتنى العلماء والمؤلفون به: شرحًا له واستنباطاً للأحكام منه وتكلماً على رجاله وتعاليقه وشرحاً لغريبه وبياناً لمشكلات إعرابه إلى غير ذلك، وقد تكاثرت شروحه حتى بلغ عدد شروحه والتعليقات عليه أكثر من مائة وثلاثين شرحاً، وأشهر هذه الشروح:
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري:
стр. 1121
وهو للحافظ العلامة شيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)، وشرحه من أعظم شروح البخاري بل هو أمير تلك الشروح كلها فلا يدانيه شرح ولا هجرة بعد الفتح كما قال العلامة الشوكاني، وقد استغرق تأليفه خمساً وعشرين عاماً إذ بدأ فيه سنة (٨١٧هـ) وأكمله سنة (٨٤٢هـ) قبل وفاته بعشر سنين، وأولم وليمة كبرى لما أكمله أنفق فيها خمسمائة دينار، ولم يتخلف عنها من وجهاء المسلمين إلا اليسير، وقد لقي هذا الشرح ما يستحق من الشهرة والقبول حتى إنه كان يشترى بنحو ثلاثمائة دينار، وانتشر في الآفاق حتى غطت شهرته سائر الشروح، وهو يقع في ثلاثة عشر مجلداً ومقدمة في مجلد ضخم مسماة بهدي الساري لمقدمة فتح الباري.
وقد جاء هذا الشرح مكملاً لأصله، جمع مؤلفه فيه أقوال أكثر من سبقه ممن تعرض لمسائل من العلم ذات صلة بصحيح البخاري، وناقشها مناقشة العالم الحاذق الفذ، فبين رسوخ قدمه في العلم، واطلاعاً واسعاً منه على كتب من سبقه، حتى ليظن الناظر في كتابه أنه نشر فيه كتبهم وأقوالهم، فناقش وقارن ورجح ما صح عنده، كما امتاز هذا الشرح بجمع طرق الحديث التي تبين لها ترجيح أحد الاحتمالات شرحاً وإعراباً.
(٢) عمدة القاري في شرح البخاري:
وهو للعلامة بدر الدين محمود بن أحمد العينى الحنفي المتوفى سنة (٨٥٥هـ)، وهو شرح كبير بسط الكلام فيه على الأنساب واللغات والإعراب والمعاني والبيان واستنباط الفوائد من الحديث والأجوبة والأسئلة.
(٣) إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري:
وهو شرح شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني القاهري الشافعي المتوفى سنة (٩٢٣هـ) وهو في الحقيقة تلخيص لشرحي ابن حجر و العيني، وهو متداول مشهور.
(٤) الكواكب الدرارى في شرح صحيح البخاري:
هو شرح شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني المتوفى سنة (٧٨٦هـ) وهو شرح مفيد جامع قد أكثر النقل عنه الحافظان ابن حجر و العيني.
قال الحافظ ابن حجر: هو شرح مفيد على أوهام فيه في النقل لأنه لم يأخذه إلا من الصحف
(٥) شرح الإمام ناصر الدين على بن محمد بن المنير الإسكندراني: وهو شرح كبير في نحو عشر مجلدات.
(٦) شرح صحيح البخاري: لأبي الحسن على بن خلف بن عبد الملك المشهور بابن بطال القرطبي المالكي المتوفى سنة (٤٤٩هـ)، إلا أن غالبه في فقه الإمام مالك.
(٧) التوشيح شرح الجامع الصحيح:
стр. 1122
وهو شرح للإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (٩١١هـ) وكان من المكثرين في التأليف وقد عنى عناية كبيرة بعلم الحديث دراية ورواية في مختلف مجالاته، وشرحه هذا بمثابة تعليق لطيف على صحيح البخاري ضبط فيه ألفاظ الحديث، وفسر الغريب، وبين اختلاف الروايات التي وردت فيه، مع تسمية المبهم، وإعراب المشكل إلى غير ذلك، وقال عنه: أنه لم يفته من الشرح إلا الاستنباط.
(٨) التلويح في شرح الجامع الصحيح:
وهو شرح الحافظ علاء الدين مغلطاى بن قليج التركي المصري الحنفي المتوفى سنة (٧٦٢هـ)
وهناك شروح كثيرة لصحيح البخاري غير هذه الشروح، منها شروح لم تتم كشرح الحافظ ابن كثير، و ابن رجب الحنبلي، و النووي وغيرهم.
ومن مؤلفاته أيضاً: الأدب المفرد, ورفع اليدين في الصلاة, والقراءة خلف الإمام, وبر الوالدين, والتأريخ الكبير, والأوسط, والصغير, وخلق أفعال العباد, والضعفاء, والجامع الكبير, والمسندالكبير, والتفسير الكبير, وكتاب الأشربة, وكتاب الهبة, وأسامي الصحابة, إلى غير ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي أورد كثير منها الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة فتح الباري
(٦) عناية العلماء بترجمته ونقل أخباره ﵀:
لما قام الإمام البخاري ﵀ بالعناية التامة في تدوين سنة النبي ﷺ وتنقيتها من الشوائب وتجريد الأحاديث الصحيحة جعل الله له لسان صدق في
الآخرين فما زال الناس منذ عصره ولا يزالون يثنون عليه ويترحمون عليه ويولون كتابه الجامع الصحيح العناية التامة وما من مؤلف في التاريخ وتراجم الرجال إلا ويزين مؤلفه
بذكر ترجمته والتنويه بشأنه ونقل أخباره ﵀.
فهذا الحافظ الذهبي ﵀ يترجم له في تذكرة الحفاظ ويقول بعد نقل شيء من مناقبه: "قلت: قد أفردت مناقب هذا الإمام في جزء ضخم فيه العجب".
وهذا الحافظ ابن حجر يترجم له في تهذيب التهذيب ويقول في ترجمته: "قلت: مناقبه كثيرة جدا قد جمعتها في كتاب مفرد ولخصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعاليق الجامع الصحيح".
وقد ترجم له أيضا في آخر كتاب هدي الساري مقدمة فتح الباري ونقل شيئا من ثناء مشائخه وأقرانه عليه ثم قال: "ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحر لا ساحل له".
стр. 1123
وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في أعيان سنة ست وخمسين ومائتين وقال: "وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه ولنذكر هنا نبذة يسيرة من ذلك", فذكرها في ثلاث صفحات.
وترجم له ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وعّدد شيئا من مناقبه ثم قال: "واعلم أن مناقب أبي عبد الله كثيرة فلا مطمع في استيعاب غالبها والكتب مشحونة به وفيما وردناه مقنع وبلاغ".
وفاة البخاري ﵀:
انتقل الإمام البخاري في أخريات حياته إلى خرتنك وهى قرية على مقربة من سمرقند حيث توفى بها سنة ٢٥٦ للهجرة.
- سيرة مسلم ﵀:
الإمام مسلم حجة الإسلام وهو إمام من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين:
اسم مسلم ﵀ ونسبه:
مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري.
سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨
والقشيري: بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين وفي آخرها راء هذه النسبة إلى قشير
بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قبيلة كبيرة ينسب إليها كثير من العلماء منهم .. الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري.
الأنساب لأبي سعد السمعاني ٤/ ٥٠١، واللباب في تهذيب الأنساب لعز الدين بن الأثير٣/ ٣٧.
وهل هو من أنفسهم أو مولى؟
وقال ابن الصلاح في المقدمة ص١٦٠: من أنفسهم، وقال في صيانة صحيح مسلم ص١٢١٥: القشيري النسب ... عربي صليبة.
ووافقه النووي في شرح مسلم ١/ ١٢٢، و تهذيب الأسماء ٢/ ٣٩٥.
وقال التجيبي في برنامجه ص ٩٣: أخبرنا العلامة النسابة شرف الدين أبو محمد التوني ـ أعجوبة زمانه في حفظ الأنساب ـ[عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ت٧٠٥هـ] بقراءتي عليه في بعض تخاريجه، ومجموعاته إثر حديث وقع له مصافحة لمسلم ﵀ قال فيه: لكأني شافهت فيه الإمام الناقد أبا الحسين مسلم بن الحجاج المضري القيسي الهوازني العامري القشيري مولى قشير بن كعب أخو عقيل بن كعب .. الخ.
وقد سبق الدمياطيَّ السمعانيُّ في الأنساب [ص ٤٥٣ ب و٣٥٤ أ] صورة المخطوط بعناية المستشرق د. س. مرجليوث]
فقد ساقه ضمن المنتسبين لهم ولاء.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨: فلعله من موالي قشير. اهـ.
وكل من رأيته ترجم له نسبه لبني قشير، ولم يشر لكونه مولى سوى من ذكرت.
стр. 1124
وعلى قول الدمياطي أيضا: هو عربي أصيل، فالله أعلم.
والنيسابوري نسبة إلى بَلَدِه نيسابور من مدن خراسان.
قال ياقوت في معجم البلدان ٥/ ٣٣١: مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء، ومنبع العلماء لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها. اهـ.
وفي الإرشاد للخليلي ٢/ ٨٠٢: "نيسابور" قال هلال بن العلاء الرقي: شجرة العلم أصلها بالحجاز، ونقل ورقها إلى العراق، وثمرها إلى خراسان. اهـ.
وكل من رأيته ترجم لمسلم لا يجاوز في عد آبائه جده: كوشاذ، بل كثير منهم لم يذكر إلا جده مسلما، ولم أر من زاد على هذه التسمية.
كنية مسلم ﵀ ولقبه:
كنيته أبو الحسين، ولم أجد له لقبا.
مولد مسلم ﵀:
اختلف أهل العلم في مولده:
القول الأول: قال الذهبي في العبر ٢/ ٢٣: إنه مات وله ستون سنة. فعليه تكون ولادته عام ٢٠١هـ؛ لأنه لا خلاف أنه توفي عام ٢٦١هـ، وأظن أن هذا القول من العلامة الذهبي تخمينا، لأنه ﵀ قال في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٨٠: توفي عن بضع وخمسين. اهـ.
وأما في تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩٠: فقال: يقال: إنه ولد سنة ٢٠٤ هـ. وبه جزم الحافظ ابن كثير في البداية ١١/ ٣٤ - ٣٥ ـ في وفيات سنة ٢٦١ه
قال: وكان مولده في السنة التي توفي فيها الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين، فكان عمره سبعا وخمسين سنة.
وكذا قال ابن حجر في تقريب التهذيب ص٥٢٩: مات سنة إحدى وستين، وله سبع وخمسون سنة، وهذا القول الثاني.
والقول الثالث: قال ابن الصلاح في صيانة مسلم ص١٢١٦: مات مسلم ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وهذا مشهور لكن تاريخ مولده، ومقدار عمره كثيرا ما تطلب الطلاب علمه، فلا يجدونه، وقد وجدناه ـ ولله الحمد ـ فذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البيع الحافظ في كتاب "المزكين لرواة الأخبار" أنه سمع أبا عبد الله ابن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج ﵀ عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وهذا يتضمن أن مولده كان في سنة ست ومائتين، والله أعلم. وعنه النووي في شرح مسلم ١/ ١٢٣.
стр. 1125
فهذه ثلاثة أقول أضعفها الأول، أقواها الثالث لأن ابن الأخرم من أئمة هذا الشأن، وله عناية بمسلم، وذهب أكثر عمره في جمع المستخرج على مسلم، وهو أيضا قريب العهد جدا من مسلم فتوفي مسلم وعمره إحدى عشرة سنة، وهو بلديه، والحاكم قد ارتضى قوله، و الحاكم خبير بأهل بلده أيضا، وله فيهم تأريخه العظيم: تأريخ نيسابور. والله أعلم.
ترجمة ابن الأخرم في تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٦٤.
[*] مناقب مسلم ﵀:
كان الإمام مسلم رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى:
(١) أول سماع الإمام مسلم للحديث:
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨: وأول سماعه في سنة ثمان عشرة [يعني: ومائتين] من يحيى بن يحيى التميمي اهـ.
قلت: فيكون عمره أول سماعه ـ على القول الراجح ـ اثنتي عشرة سنة.
(٢) شيوخ الإمام مسلم وتلاميذه:
تلقى مسلم العلم عن جموع من العلماء من أبرزهم هؤلاء الأئمة: عبد الله بن مسلمة القعنبي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وسعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي كريب محمد بن العلاء، وأبي الربيع الزهراني، وأبي موسى محمد بن المثنى، وهناد بن السري، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، وعبد الله الدارمي، وإسحاق الكوسج، وخلق سواهم.
انظر: صحيح مسلم، تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم، رجال مسلم لا بن منجويه، وتأريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، وتأريخ دمشق ٥٨/ ٨٥، و تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨.
وقد ذكر مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال، وابن حجر في تهذيب التهذيب كلاهما عن كتاب " زهرة المتعلمين في أسماء مشاهير المحدثين " ـ لبعض المغاربة ـ عند كل شيخ روى عنه صاحبا الصحيح في كتابيهما عدد الأحاديث التي رواها عنه في صحيحه، فراجعها في مواضعها من الكتابين إن شئت.
следующие страницы →