← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وهو للحافظ العلامة شيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)، وشرحه من أعظم شروح البخاري بل هو أمير تلك الشروح كلها فلا يدانيه شرح ولا هجرة بعد الفتح كما قال العلامة الشوكاني، وقد استغرق تأليفه خمساً وعشرين عاماً إذ بدأ فيه سنة (٨١٧هـ) وأكمله سنة (٨٤٢هـ) قبل وفاته بعشر سنين، وأولم وليمة كبرى لما أكمله أنفق فيها خمسمائة دينار، ولم يتخلف عنها من وجهاء المسلمين إلا اليسير، وقد لقي هذا الشرح ما يستحق من الشهرة والقبول حتى إنه كان يشترى بنحو ثلاثمائة دينار، وانتشر في الآفاق حتى غطت شهرته سائر الشروح، وهو يقع في ثلاثة عشر مجلداً ومقدمة في مجلد ضخم مسماة بهدي الساري لمقدمة فتح الباري. وقد جاء هذا الشرح مكملاً لأصله، جمع مؤلفه فيه أقوال أكثر من سبقه ممن تعرض لمسائل من العلم ذات صلة بصحيح البخاري، وناقشها مناقشة العالم الحاذق الفذ، فبين رسوخ قدمه في العلم، واطلاعاً واسعاً منه على كتب من سبقه، حتى ليظن الناظر في كتابه أنه نشر فيه كتبهم وأقوالهم، فناقش وقارن ورجح ما صح عنده، كما امتاز هذا الشرح بجمع طرق الحديث التي تبين لها ترجيح أحد الاحتمالات شرحاً وإعراباً. (٢) عمدة القاري في شرح البخاري: وهو للعلامة بدر الدين محمود بن أحمد العينى الحنفي المتوفى سنة (٨٥٥هـ)، وهو شرح كبير بسط الكلام فيه على الأنساب واللغات والإعراب والمعاني والبيان واستنباط الفوائد من الحديث والأجوبة والأسئلة. (٣) إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري: وهو شرح شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني القاهري الشافعي المتوفى سنة (٩٢٣هـ) وهو في الحقيقة تلخيص لشرحي ابن حجر و العيني، وهو متداول مشهور. (٤) الكواكب الدرارى في شرح صحيح البخاري: هو شرح شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني المتوفى سنة (٧٨٦هـ) وهو شرح مفيد جامع قد أكثر النقل عنه الحافظان ابن حجر و العيني. قال الحافظ ابن حجر: هو شرح مفيد على أوهام فيه في النقل لأنه لم يأخذه إلا من الصحف (٥) شرح الإمام ناصر الدين على بن محمد بن المنير الإسكندراني: وهو شرح كبير في نحو عشر مجلدات. (٦) شرح صحيح البخاري: لأبي الحسن على بن خلف بن عبد الملك المشهور بابن بطال القرطبي المالكي المتوفى سنة (٤٤٩هـ)، إلا أن غالبه في فقه الإمام مالك. (٧) التوشيح شرح الجامع الصحيح:

стр. 1122

وهو شرح للإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (٩١١هـ) وكان من المكثرين في التأليف وقد عنى عناية كبيرة بعلم الحديث دراية ورواية في مختلف مجالاته، وشرحه هذا بمثابة تعليق لطيف على صحيح البخاري ضبط فيه ألفاظ الحديث، وفسر الغريب، وبين اختلاف الروايات التي وردت فيه، مع تسمية المبهم، وإعراب المشكل إلى غير ذلك، وقال عنه: أنه لم يفته من الشرح إلا الاستنباط. (٨) التلويح في شرح الجامع الصحيح: وهو شرح الحافظ علاء الدين مغلطاى بن قليج التركي المصري الحنفي المتوفى سنة (٧٦٢هـ) وهناك شروح كثيرة لصحيح البخاري غير هذه الشروح، منها شروح لم تتم كشرح الحافظ ابن كثير، و ابن رجب الحنبلي، و النووي وغيرهم. ومن مؤلفاته أيضاً: الأدب المفرد, ورفع اليدين في الصلاة, والقراءة خلف الإمام, وبر الوالدين, والتأريخ الكبير, والأوسط, والصغير, وخلق أفعال العباد, والضعفاء, والجامع الكبير, والمسندالكبير, والتفسير الكبير, وكتاب الأشربة, وكتاب الهبة, وأسامي الصحابة, إلى غير ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي أورد كثير منها الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة فتح الباري (٦) عناية العلماء بترجمته ونقل أخباره ﵀: لما قام الإمام البخاري ﵀ بالعناية التامة في تدوين سنة النبي ﷺ وتنقيتها من الشوائب وتجريد الأحاديث الصحيحة جعل الله له لسان صدق في الآخرين فما زال الناس منذ عصره ولا يزالون يثنون عليه ويترحمون عليه ويولون كتابه الجامع الصحيح العناية التامة وما من مؤلف في التاريخ وتراجم الرجال إلا ويزين مؤلفه بذكر ترجمته والتنويه بشأنه ونقل أخباره ﵀. فهذا الحافظ الذهبي ﵀ يترجم له في تذكرة الحفاظ ويقول بعد نقل شيء من مناقبه: "قلت: قد أفردت مناقب هذا الإمام في جزء ضخم فيه العجب". وهذا الحافظ ابن حجر يترجم له في تهذيب التهذيب ويقول في ترجمته: "قلت: مناقبه كثيرة جدا قد جمعتها في كتاب مفرد ولخصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعاليق الجامع الصحيح". وقد ترجم له أيضا في آخر كتاب هدي الساري مقدمة فتح الباري ونقل شيئا من ثناء مشائخه وأقرانه عليه ثم قال: "ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحر لا ساحل له".

стр. 1123

وذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في أعيان سنة ست وخمسين ومائتين وقال: "وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه ولنذكر هنا نبذة يسيرة من ذلك", فذكرها في ثلاث صفحات. وترجم له ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وعّدد شيئا من مناقبه ثم قال: "واعلم أن مناقب أبي عبد الله كثيرة فلا مطمع في استيعاب غالبها والكتب مشحونة به وفيما وردناه مقنع وبلاغ". وفاة البخاري ﵀: انتقل الإمام البخاري في أخريات حياته إلى خرتنك وهى قرية على مقربة من سمرقند حيث توفى بها سنة ٢٥٦ للهجرة. - سيرة مسلم ﵀: الإمام مسلم حجة الإسلام وهو إمام من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين: اسم مسلم ﵀ ونسبه: مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨ والقشيري: بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين وفي آخرها راء هذه النسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قبيلة كبيرة ينسب إليها كثير من العلماء منهم .. الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري. الأنساب لأبي سعد السمعاني ٤/ ٥٠١، واللباب في تهذيب الأنساب لعز الدين بن الأثير٣/ ٣٧. وهل هو من أنفسهم أو مولى؟ وقال ابن الصلاح في المقدمة ص١٦٠: من أنفسهم، وقال في صيانة صحيح مسلم ص١٢١٥: القشيري النسب ... عربي صليبة. ووافقه النووي في شرح مسلم ١/ ١٢٢، و تهذيب الأسماء ٢/ ٣٩٥. وقال التجيبي في برنامجه ص ٩٣: أخبرنا العلامة النسابة شرف الدين أبو محمد التوني ـ أعجوبة زمانه في حفظ الأنساب ـ[عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ت٧٠٥هـ] بقراءتي عليه في بعض تخاريجه، ومجموعاته إثر حديث وقع له مصافحة لمسلم ﵀ قال فيه: لكأني شافهت فيه الإمام الناقد أبا الحسين مسلم بن الحجاج المضري القيسي الهوازني العامري القشيري مولى قشير بن كعب أخو عقيل بن كعب .. الخ. وقد سبق الدمياطيَّ السمعانيُّ في الأنساب [ص ٤٥٣ ب و٣٥٤ أ] صورة المخطوط بعناية المستشرق د. س. مرجليوث] فقد ساقه ضمن المنتسبين لهم ولاء. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨: فلعله من موالي قشير. اهـ. وكل من رأيته ترجم له نسبه لبني قشير، ولم يشر لكونه مولى سوى من ذكرت.

стр. 1124

وعلى قول الدمياطي أيضا: هو عربي أصيل، فالله أعلم. والنيسابوري نسبة إلى بَلَدِه نيسابور من مدن خراسان. قال ياقوت في معجم البلدان ٥/ ٣٣١: مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء، ومنبع العلماء لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها. اهـ. وفي الإرشاد للخليلي ٢/ ٨٠٢: "نيسابور" قال هلال بن العلاء الرقي: شجرة العلم أصلها بالحجاز، ونقل ورقها إلى العراق، وثمرها إلى خراسان. اهـ. وكل من رأيته ترجم لمسلم لا يجاوز في عد آبائه جده: كوشاذ، بل كثير منهم لم يذكر إلا جده مسلما، ولم أر من زاد على هذه التسمية. كنية مسلم ﵀ ولقبه: كنيته أبو الحسين، ولم أجد له لقبا. مولد مسلم ﵀: اختلف أهل العلم في مولده: القول الأول: قال الذهبي في العبر ٢/ ٢٣: إنه مات وله ستون سنة. فعليه تكون ولادته عام ٢٠١هـ؛ لأنه لا خلاف أنه توفي عام ٢٦١هـ، وأظن أن هذا القول من العلامة الذهبي تخمينا، لأنه ﵀ قال في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٨٠: توفي عن بضع وخمسين. اهـ. وأما في تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩٠: فقال: يقال: إنه ولد سنة ٢٠٤ هـ. وبه جزم الحافظ ابن كثير في البداية ١١/ ٣٤ - ٣٥ ـ في وفيات سنة ٢٦١ه قال: وكان مولده في السنة التي توفي فيها الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين، فكان عمره سبعا وخمسين سنة. وكذا قال ابن حجر في تقريب التهذيب ص٥٢٩: مات سنة إحدى وستين، وله سبع وخمسون سنة، وهذا القول الثاني. والقول الثالث: قال ابن الصلاح في صيانة مسلم ص١٢١٦: مات مسلم ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وهذا مشهور لكن تاريخ مولده، ومقدار عمره كثيرا ما تطلب الطلاب علمه، فلا يجدونه، وقد وجدناه ـ ولله الحمد ـ فذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البيع الحافظ في كتاب "المزكين لرواة الأخبار" أنه سمع أبا عبد الله ابن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج ﵀ عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وهذا يتضمن أن مولده كان في سنة ست ومائتين، والله أعلم. وعنه النووي في شرح مسلم ١/ ١٢٣.

стр. 1125

فهذه ثلاثة أقول أضعفها الأول، أقواها الثالث لأن ابن الأخرم من أئمة هذا الشأن، وله عناية بمسلم، وذهب أكثر عمره في جمع المستخرج على مسلم، وهو أيضا قريب العهد جدا من مسلم فتوفي مسلم وعمره إحدى عشرة سنة، وهو بلديه، والحاكم قد ارتضى قوله، و الحاكم خبير بأهل بلده أيضا، وله فيهم تأريخه العظيم: تأريخ نيسابور. والله أعلم. ترجمة ابن الأخرم في تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٦٤. [*] مناقب مسلم ﵀: كان الإمام مسلم رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها. وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (١) أول سماع الإمام مسلم للحديث: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨: وأول سماعه في سنة ثمان عشرة [يعني: ومائتين] من يحيى بن يحيى التميمي اهـ. قلت: فيكون عمره أول سماعه ـ على القول الراجح ـ اثنتي عشرة سنة. (٢) شيوخ الإمام مسلم وتلاميذه: تلقى مسلم العلم عن جموع من العلماء من أبرزهم هؤلاء الأئمة: عبد الله بن مسلمة القعنبي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وسعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي كريب محمد بن العلاء، وأبي الربيع الزهراني، وأبي موسى محمد بن المثنى، وهناد بن السري، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، وعبد الله الدارمي، وإسحاق الكوسج، وخلق سواهم. انظر: صحيح مسلم، تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم، رجال مسلم لا بن منجويه، وتأريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، وتأريخ دمشق ٥٨/ ٨٥، و تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨. وقد ذكر مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال، وابن حجر في تهذيب التهذيب كلاهما عن كتاب " زهرة المتعلمين في أسماء مشاهير المحدثين " ـ لبعض المغاربة ـ عند كل شيخ روى عنه صاحبا الصحيح في كتابيهما عدد الأحاديث التي رواها عنه في صحيحه، فراجعها في مواضعها من الكتابين إن شئت.

стр. 1126

الإمام أبو عيسى الترمذي، والفقيه إبراهيم بن محمد بن سفيان، وأبو حامد أحمد بن حمدون، والحافظ أبو الفضل أحمد بن سلمة، وأبو حامد ابن الشرقي، والحافظ أبو عمرو الخفاف، والحافظ سعيد بن عمرو البرذعي، والحافظ صالح بن محمد البغدادي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو محمد القلانسي، ومكي بن عبدان، وخلق غيرهم. ... تأريخ دمشق ٥٨/ ٨٥، وتهذيب الكمال ٢٧/ ٥٠٤، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٢، وغيرها. (٣) مؤلفات الإمام مسلم: من أجل مؤلفاته الجامع المسند الصحيح، ولم يشتهر اسم كتاب مسلم ﵀ كما اشتهر غيره، بل غلب وصفه الصحيح على اسمه العلمي، حتى إنه خلت منه معظم النسخ، والشروح، ولم يذكره الناقلون عنه، ومعظم المترجمون له، بل يقتصرون على وصفه بـ "الصحيح " كما فعل الحاكم في مستدركه في مواضع، وابن عساكر في تاريخ دمشق في مواضع، والنووي في كتبه، وابن خلكان في الوفيات في مواضع، والمزي في تهذيب الكمال، وابن تيمية، والذهبي، وابن كثير، وابن القيم، وابن حجر، وأمم سواهم من أهل العلم لا يمكن حصرهم. ومنهم من وصفه بـ "الجامع" كالحافظ ابن حجر في التهذيب ٧/ ١٣٣ و١٠/ ١١٤، وحاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ٥٥٥، وغيرهم. وقال صديق خان في الحطة في ذكر الصحاح الستة ص٦٧ ـ في معرض ذكره لأنواع كتب الحديث نقلا عن المحدث عبد العزيز الدهلوي في العجالة النافعة ـ: الجامع: فالجامع ما يوجد فيه أنموذج كل فن من هذه الفنون المذكورة كالجامع الصحيح للبخاري، والجامع للترمذي. وأما صحيح مسلم، فإنه وإن كانت فيه أحاديث تلك الفنون لكن ليس فيه ما يتعلق بفن التفسير، والقراءة، ولهذا لا يقال له: الجامع كما يقال: لأختيه. قلتُ [القائل: صديق]: ولكن أورده صاحب كشف الظنون في حرف الجيم، وعبر عنه بالجامع، وكذا غيره في غيره من أهل الحديث، وقال المجد صاحب القاموس عند ختمه لصحيح مسلم قرأت بحمد الله جامع مسلم الخ. اهـ. أقول: قول الدهلوي: لا يوجد فيه ما يتعلق بالتفسير فيه نظر، بل في الصحيح كتاب التفسير، وهو آخر كتاب في الصحيح، وإن كان مختصرا. وذكر الإمام مسلم كتابه في مواضع وسماه:" المسند الصحيح ". كما في تأريخ بغداد ١٣/ ١٠١، وصيانة مسلم لابن الصلاح ص٦٧.

стр. 1127

وكذا سماه الحاكم في مواضع من المستدرك ١/ ٦٦ و ١٦٤و٢/ ١٦٢ وغيرها كثير، والخطيب البغدادي في تأريخ بغداد ١٣/ ١٠٠ وغيرهم. أقول: ولا مانع من هذه الأوصاف كلها [صحيح جامع مسند]، فالجامع ليس من شرطه أن يجمع كل الأبواب، بل إذا وجد فيه معظمها صح وصفه بالجامع كما في صحيح مسلم، فقد حوى على عدة كتب أخرجته عن وصف السنن إلى الجامع مثل: الإيمان، والرؤيا، والفضائل لنبينا، والأنبياء، والصحابة، والبر والصلة، و الآداب، والعلم، والذكر والدعاء، والرقاق، والتوبة، والجنة والنار، والفتن، والزهد، والتفسير وغيرها، فهو بوجود هذه الأبواب زيادة على أبواب السنن يسمى جامعا، وقيل عنه: مسندا؛ لأن الأحاديث تروى فيه بالإسناد، وهذا معروف مستعمل. قال الكتاني في الرسالة المستطرفة ص ٧٣: وقد يطلق المسند عندهم على كتاب مرتب على الأبواب، أو الحروف، أو الكلمات لا على الصحابة لكون أحاديثه مسندة، ومرفوعة، أو أسندت، ورفعت إلى النبي ﷺ ، كصحيح البخاري فإنه يسمى بالمسند الصحيح، وكذا صحيح مسلم. اهـ. ولكون مسلم التزم الصحة في كتابه سمي صحيحا فعلى هذا يصح وصفه، وتسميته: المسند الجامع الصحيح، وإن كان الأشهر وصفه فقط بصحيح مسلم، وهذا ـ والله أعلم ـ يطلق اختصارا، كما في كتاب شيخه البخاري، فإنه يكثر وصفه بصحيح البخاري، مع أنه لا خلاف، ولا إشكال في تسميته جامعا، وقد رأيت أبا عبد الله الحاكم في مستدركه يكثر من قوله في وصف كتاب البخاري بالجامع الصحيح، ووصف كتاب مسلم بالمسند الصحيح، ولعله فعل ذلك موافقة لما جاء عنهما. وللشيخ عبد الفتاح أبو غدة كتاب اسمه: تحقيق اسمي الصحيحين وجامع الترمذي، وليس بين يدي الآن فلعله يتيسر الوقوف عليه.

стр. 1128

ثم وقفت على كتاب أبي غدة، وفيه في ص٣٣: وقفتُ على نسخ مخطوطة فلم أجد اسمه العلمي عليها، ولا تعرض له شراحه الذين، وصلت إلينا كتبهم كالإمام المازري، والقاضي عياض، وابن الصلاح، والنووي، وأبي العباس القرطبي، والأبي، والسنوسي، والسندي، وسبب ذلك في ما يبدو حلول اسم الصحيح محل بقية الاسم الذي فيه بعض طول، ليدل على مضمون الكتاب، وأسسه التي أنشئ الكتاب عليها، وهو " المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ "، كما ذكره الحافظ ابن خير الإشبيلي في فهرسة ما رواه عن شيوخه، وقد وقفت على اسمه هذا في عدة مصادر، وأثبات، وفهارس؛ تحققت منها صحة اسمه هذا، فرأيت إيراد النصوص الدالة على ذلك بأسانيدها رغبة في نشر معرفة الاسم بتمامه لجملة فوائد في ذلك، ورجاء أن يثبت على وجه الكتاب فيما يجد من طبعاته ـ ثم ذكر وصف مسلم والحاكم، وابن منجويه، والخطيب للكتاب ـ "بالمسند الصحيح" وقال في هذا العنوان اختصار كبير، وكلهم اكتفوا بأول الاسم عن تمامه، وباقيه نظرا لأن المقام لا يقضي ذكر اسمه كاملا، ثم نقل الاسم كاملا عن فهرس ابن عطية. وقال أيضا: والكتب التي ورد فيها العنوان بلفظ "الجامع" فقط ـ ثم ذكرها .. ـ لم يورد فيها على أنه الاسم العلمي الذي سماه به مؤلفه، وإنما أورد بذلك الاسم لشهرته به، أو لمجرد الذكر، وملاحظة وجود معنى الجامع فيه باصطلاح المحدثين، فلا يكون له من الاعتبار ما للاسم، والعنوان المنقول عن مؤلفه بالأسانيد المتصلة، والروايات المتعددة الصحيحة. اهـ. قلتُ: والأمر في هذا يسير ـ إن شاء الله ـ فمؤلفه تجوز في تسميته، فغيره من باب أولى، لكن لو أثبت الاسم الصحيح على الكتاب لكان أحسن كما ذكر الشيخ أبوغدة. سبب تأليف الإمام مسلم لكتابه الجامع المسند الصحيح: سبب تأليف الإمام مسلم كتابه بناء على طَلَبٍ طُلِبَ منه، وهذا نص كلامه:

стр. 1129

[*] قال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح ١/ ٢: فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك ذكرت أنك هممت بالفحص عن تَعَّرُفِ جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله ﷺ في سنن الدين وأحكامه، وما كان منها في الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياء بالأسانيد التي بها نقلت، وتداولها أهل العلم فيما بينهم ـ إلى أن قال: ـ وللذي سألت أكرمك الله حين رجعتُ إلى تدبره، وما تؤول به الحال ـ إن شاء الله ـ عاقبة محمودة ومنفعة موجودة، وظننتُ حين سألتني تجشم ذلك أن لو عزم لي عليه، وقضي لي تمامه؛ كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس ـ إلى أن قال: ـ ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها؛ خف على قلوبنا أجابتك إلى ما سألت. مدة تأليف الإمام مسلم لكتابه الجامع المسند الصحيح: قال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٦، وطبقات علماء الحديث ٢/ ٢٨٨. مكان تأليف تأليف الإمام مسلم لكتابه الجامع المسند الصحيح: قال ابن حجر في مقدمة الفتح ١/ ١٢: إن مسلما صنف كتابه في بلده، بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق. وصف عام لكتاب الإمام مسلم الجامع المسند الصحيح: هو كتاب جامع في أحاديث النبي ﷺ ، واقتصر مؤلفه على ما صح، وتجنب الضعيف، ولا يعتني بذكر الموقوفات، والمقطوعات، وأقوال العلماء، وآرائهم الفقهية .. وإن كان بعض ذا قد يأتي بِقِلَةٍ لِعِلَةٍ.

стр. 1130

وقد ابتدأ كتابه بمقدمة ذكر فيها سبب تأليفه، وطريقته .. ، ثم ذكر مسائل في علوم الحديث، ثم أورد بعد المقدمة كتاب الإيمان ثم الطهارة، فالحيض، فالصلاة، فالمساجد، فصلاة المسافرين، فالجمعة، فالعيدين، فالاستسقاء، فالكسوف، فالجنائز، فالزكاة، فالصيام، فالاعتكاف، فالحج، فالنكاح، فالرضاع، فالطلاق، فاللعان، فالعتق، فالبيوع، فالمساقاة، فالفرائض، فالهبات، فالوصية، فالنذر، فالأيمان، فالقسامة والمحاربين والقصاص والديات، فالحدود، فالأقضية، فاللقطة، فالجهاد والسير، فالإمارة، فالصيد والذبائح، فالأضاحي، فالأشربة، فاللباس والزينة، فالآداب، فالسلام، فالألفاظ من الأدب، فالشعر، فالرؤيا، فالفضائل، ففضائل الصحابة، فالبر والصلة، فالقدر، فالعلم، فالذكر والدعاء، فالتوبة، فصفة المنافقين، فالقيامة، وصفة الجنة والنار، فالفتن وأشراط الساعة، فالزهد والرقائق، فالتفسير. وهذه أربعة وخمسون كتابا ـ في عدِّ محمد فؤاد عبد الباقي في طبعته، وفي تحفة الأشراف اثنان وأربعون كتابا لدخول بعض الكتب المذكورة هنا في بعض ـ وهذه الكتب كما ترى تغطي معظم أبواب الدين، فقد اشتملت على أمور العبادات، والمعاملات، والأخلاق، والسيرة، والفضائل، والزهد والرقائق، والجنة والنار، والتفسير .. وكل كتاب منها تحته أحاديث كثيرة، مفصلة على أبواب ـ وإن لم يترجم لها، كما فعل بقية أصحاب الكتب الستة ـ وقد رتبت الأبواب، و الأحاديث ترتيبا دقيقا، وقام بجمع الطرق الكثيرة للحديث في مكان واحد، ويحيل على الألفاظ. شرط الإمام مسلم في صحيحه: [*] قال ابن الصلاح في صيانة مسلم ص ١٢١٨: شرط مسلم في صحيحه: أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ، ومن العلة، وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف، فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته. وعنه النووي بحروفه ١/ ١٣٠.

стр. 1131

[*] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/ ٤٢: و أما شرط البخاري ومسلم، فلهذا رجال يروى عنهم يختص بهم، ولهذا رجال يروى عنهم يختص بهم، وهما مشتركان في رجال آخرين، وهؤلاء الذين اتفقا عليهم؛ عليهم مدار الحديث المتفق عليه، وقد يروى أحدهم عن رجل في المتابعات، والشواهد دون الأصل، وقد يروى عنه ما عرف من طريق غيره، ولا يروى ما انفرد به، وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له إن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح وليس الأمر كذلك. [*] وقال العلامة ابن رجب في شرح علل الترمذي ٢/ ٦١٣: وأما النسائي فشرطه ـ فذكره ـ وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه. اهـ وانظر: شروط الأئمة الستة للحافظ ابن طاهر المقدسي ص٨٦ - ٨٨ تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة، وتدريب الراوي ١/ ١٣٤ففيها فوائد، وزيادة تفصيل. والله أعلم. وفي اسمه الذي ذكره الشيخ أبوغدة: إشارة لشرطه. مسألة: هل شرط مسلم في الصحة في المقدمة كباقي الكتاب؟ [*] قال الإمام ابن القيم في "كتاب الفروسية " ص١٣٥: وأما قولكم: إن مسلما روى لسفيان بن حسين في صحيحه، فليس كما ذكرتم، وإنما روى له في مقدمة كتابه، ومسلم لم يشترط فيها ما شرطه في الكتاب من الصحة، فلها شأن، ولسائر كتابه شأن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك. اهـ. وكذا رمز الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال ١/ ١٤٩: لمن خرج له مسلم في المقدمة برمز:" مق "، ومن خرج له في الصحيح بـ:" م "، وكذا بعض الكتب التي تفرعت عنه كالتذهيب للذهبي، وإكمال مغلطاي، والتهذيب، والتقريب لابن حجر، والخلاصة للخزرجي. [*] قال الحاكم في المستدرك ١/ ١٠٣: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ بن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن أبي هانئ الخولاني عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال:" سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم". هذا حديث ذكره مسلم في خطبة الكتاب مع الحكايات، ولم يخرجاه في أبواب الكتاب وهو صحيح على شرطهما جميعا، ومحتاج إليه في الجرح والتعديل، ولا أعلم له علة. وفي ١/ ١١٢:

стр. 1132

حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا محمد بن نعيم ثنا محمد بن رافع ثنا علي بن جعفر المدائني ثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :"كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع". قد ذكر مسلم هذا الحديث في أوساط الحكايات التي ذكرها في خطبة الكتاب عن محمد بن رافع، ولم يخرجه محتجا به في موضعه من الكتاب. فظاهر صنيعه يدل على أنه يفرق بين المقدمة، والصحيح. عدد أحاديث كتاب صحيح مسلم: [*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٦: قال أحمد بن سلمة: .. وهو اثنا عشر ألف حديث، قلت [الذهبي]: يعني بالمكرر بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رمح يعدان حديثين اتفق لفظهما، أو اختلف في كلمة. اهـ. وقال أبو قريش الحافظ: كنت عند أبي زرعة، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه، وجلس ساعة، وتذاكرا، فلما أن قام، قلتُ له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح قال فلمن ترك الباقي .. صيانة مسلم ص١٢٢٦، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٨٠. قال ابن الصلاح: أراد، ـ والله أعلم ـ أن كتابه أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات. وقيل: غير ذلك .. وعددها حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي بدون المكرر (٣٠٣٣). وفي طبعة خليل مأمون شيحا بالمكرر (٧٤٧٩) وقد قابل كل سند منها بتحفة الأشراف، ووضع رقمه في التحفة في حاشية الصحيح. وعلى كلٍ فالعدُ اجتهادي تقديري، فيختلف من شخص لآخر، فلو عُدّت كما قال الذهبي في تعقيبه على رواية أحمد بن سلمة لاختلف العدد كثيرا. والله أعلم. وللتوسع ينظر: كتاب الدكتور محمد طوالبة " الإمام مسلم، ومنهجه في صحيحه" ص١٠٨ - ١١٤. المكررات في صحيح مسلم: معلوم أن مسلما يسوق الحديث في مكان واحد، و يجمع طرقه كما سيأتي ... لكنه كرر بعضها، قال محمد فؤاد عبد الباقي [في فهارس صحيح مسلم من طبعته] ٥/ ٦٠١: كرر مسلم في صحيحه ١٣٧ حديثا في مواضع متعددة منها ٧١ حديثا يضع الحديث منها في كتاب غير الكتاب الذي وضع الحديث فيه لأول مرة. زوائد مسلم على البخاري: جمع الشيخ عبد الله العبيلان زوائد مسلم على البخاري في كتاب سماه "إرشاد الساري إلى أفراد مسلم عن البخاري"، وقد حذف الأسانيد واقصر على الراوي الأعلى، و المتن، واعتمد تبويب النووي. وقد طبع في مجلد، ثم طبع مرة ثانية في مجلدين مع شيء من التصويبات للمحدث الألباني .. الجمع بين أحاديث صحيح مسلم وأحاديث صحيح البخاري:

стр. 1133

عني بجمع أحاديث الصحيحين جمع من العلماء، فحذفوا الأسانيد والمكررات، ورتبوا أحاديث الكتابين ... من تلك الكتب ما يلي: الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الإشبيلي، والجمع بين الصحيحين للحميدي ـ ورتبه على المسانيد ـ، وحديثاً: مسند الصحيحين لعبد الحق الهاشمي ـ ترتبه كالذي قبله ـ، والجمع بين الصحيحين لصالح الشامي، والجمع بين الصحيحين ليحيى اليحيى. وهذه كلها مطبوعة، وإن كان الأخير تداوله محدد فلم يطبع طبعة تجارية. و للشيخ صالح الشقيق كتاب مختصر اسمه " الموثق " جمع فيه أحاديث الأحكام من الصحيحين، معظمه من أحاديث بلوغ المرام. وجمع أحاديث الصحيحين مع أحاديث سنن أبي داود والترمذي والنسائي والموطأ: رزين العبدري في تجريد الأصول، وابن الأثير في جامع الأصول .. وغيرها انظر الرسالة المستطرفة ص١٧٣. وهناك كتب جمعت المتفق عليه فقط: ككتاب "عمدة الأحكام" للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، وهو مختصر في أحاديث الأحكام من الصحيحين، وهو من أشهر الكتب. وكتاب "زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم" جمع وشرح: محمد حبيب الله الجكني الشنقيطي، ورتبه على حروف المعجم، واقتصر على الأحاديث القولية، والأحاديث المصدرة بـ (كان) من شمائله ﷺ ، والمصدرة بـ (نهى)، وعدة أحاديثه ١٣٦٨ حديثا، وطبع في خمسة مجلدات. وكتاب "اللؤلؤ والمرجان" للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي جمع فيه الأحاديث المتفق عليها، ورتبها على الأبواب حسب ترتيب صحيح مسلم، وعدة أحاديثه حسب ما ذكر في المقدمة (٢٠٠٦) أحاديث، ولكن آخر حديث في الكتاب رقمه (١٩٠٦) أحاديث!، وطبع في ثلاثة أجزاء. ميزات كتاب الجامع الصحيح لمسلم: أنه مرتب على طريقة الكتب، والأبواب الفقهية، وأنه خاص بالأحاديث الصحيحة، ووجود المقدمة المفيدة في علوم الحديث، وحسن الترتيب، وجمع الطرق، وسردها في مكان واحد، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع، ولا رواية بمعنى، ومحافظته على صيغ الأداء، وغيرها مما سأنقله عن بعض العلماء في الثناء عليه. ثناء العلماء على الكتاب:

стр. 1134

[*] قال ابن الصلاح في صيانة مسلم ص١٢١٧ـ بتصرف ـ: هذا الكتاب ثاني كتاب صنف في صحيح الحديث، ووسم به، ووضع له خاصة سبق البخاري إلى ذلك، وصلى مسلم، ثم لم يلحقهما لاحق، وكتاباهما أصح ما صنفه المصنفون ... روينا عن مسلم ﵁ قال صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وبلغنا عن مكي بن عبدان، وهو أحد حفاظ نيسابور قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند ـ يعني مسنده الصحيح ـ ... وقال ابن الصلاح أيضا ص١٢٢٢: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب؛ فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، ... وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه، ووفاقه في الإجماع. [*] وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث. ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، ومنهم: ابن حزم. انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ١٠١، وتاريخ دمشق ٥٨/ ٩٢، وشرح النووي لمسلم ١/ ١٢٨، والنكت ص٦٢، وبرنامج التجيبي ص٩٣. [*] وقال النووي شرحه على مسلم ١/ ١٢٢: ومن حقق نظره في صحيح مسلم ﵀ واطلع على ما أورده في أسانيده، وترتيبه وحسن سياقته، وبديع طريقته من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق، وأنواع الورع، والاحتياط والتحري في الرواية، وتلخيص الطرق، واختصارها وضبط متفرقها، وانتشارها، وكثرة إطلاعه، واتساع روايته، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات، واللطائف الظاهرات، والخفيات علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقال أيضا ١/ ١٢٨ - ١٢٩: اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري، ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول .. ـ إلى أن قال ـ وقد انفرد مسلم بفائدة حسنه، وهي كونه أسهل متناولا، من حيث أنه جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها، وأورد فيه أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجهه، واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه.

стр. 1135

[*] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي٢٠/ ٣٢١: .. فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري، ومسلم، وإنما كان هذان الكتابان كذلك؛ لأنه جرد فيهما الحديث الصحيح. وقال في الفتاوي ١٨/ ٧٤: وأما كتب الحديث المعروفة مثل البخاري ومسلم، فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن. [*] وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٨: وهو كتاب نفيس كامل في معناه. [*] وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة ٢/ ٦٥٥: وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة منها جدا، وهم متفقون على لفظها، ومعناها كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ومعناه. [*] وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠/ ١١٤: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل، وذلك لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع، ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق عن النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إماما ممن صنف المستخرج على مسلم فسبحان المعطي الوهاب. [*] وقال ولي الله الدهلوي في كتابه الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ص٢٩٢ـ المطبوع ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم (٤) ـ: توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان، وتسهيل الاستنباط منها، فرتب ترتيبا جيدا، وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح اختلاف المتون، وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون، وجمع بين المختلفات، فلم يدع لمن له معرفة بلسان العرب عذرا في الإعراض عن السنة إلى غيرها. مسألة: هل خرج مسلم كل الأحاديث الصحيحة؟ لما عاتبَ أبو زرعة وابنُ واره مسلماً على تسمية كتابه بالصحيح، وأنه قد يحتجُ أهلُ البدع على أن ما ليس في كتابه ليس بصحيح كان جوابه: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلتُ: هو صحاح، ولم أقل إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعا عندي، وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل إن ما سواه ضعيف. سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي ٢/ ٦٧٤، وصيانة مسلم ص١٢٢٥، وشرح مسلم للنووي ١/ ١٤٤. وقال مسلم في صحيحه ٢/ ١٥: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.

стр. 1136

قلتُ: وحصل بتأليف الإمام مسلم لصحيحه نفع عظيم لهذه الأمة، فجزاه الله خيرا. الموازنة بين الصحيحين: اختلف العلماء في المقدم من الكتابين فالجمهور على ترجيح البخاري؛ لعدة أمور، وخالفهم أبو علي النيسابوري، وابن حزم، وغيرهم من علماء المغرب فقدموا مسلما ـ على خلاف أيضا في توجيه كلامهم ـ قال الحافظ العراقي: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصحيحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ وقال الحافظ ابن الديبع ـ كما في الحطة ص١٦٩ ـ: تنازع قومٌ في البخاري ومسلم ... لدي وقالوا أي ذين يُقَدَمُ فقلت لقد فاق البخاري صحة ... كما فاق في حسن الصناعة مسلم والغرض هنا الإشارة، ومن أراد التفصيل فلينظر: هدي الساري لابن حجر ١/ ١٠، والنكت على ابن الصلاح له أيضا ص٦٢: فهناك كلام نفيس جدا في التفضيل، والموازنة بين الصحيحين. وينظر: فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ٣٢١. شروح صحيح مسلم: لَقِيَ كتاب مسلم عناية من العلماء ـ وإن لم تكن كالعناية بأخيه صحيح البخاري ـ فشرح صحيح مسلم بشروح كثيرة لعل أجلها شرح الإمام النووي لصحيح مسلم. مختصرات صحيح مسلم: اختصر صحيح مسلم جمع من العلماء، ومن أشهر هذه المختصرات: تلخيص صحيح مسلم للحافظ أبي العباس القرطبي، وعمل على تلخيصه شرحا حافلا بالفوائد، وقد طبع التلخيص مفردا بتحقيق رفعت فوزي، وأحمد الخولي، وطبع مع الشرح بتحقيق محيي الدين مستو، وأصحابه، وهو محقق في رسائل دكتوراه في جامعة الإمام لكنها حبيسة الأدراج!. ومختصر صحيح مسلم للحافظ زكي الدين المنذري. وهو مطبوع بتحقيق المحدث الألباني، وطبع طبعة أخرى. واختصر مختصر المنذري عبد اللطيف أحمد يوسف وسماه "تحفة المسلم من صحيح مسلم". وللإمام مسلم رحمه الله تعالى مؤلفات أخرى منها ما يلي: التمييز، الكنى والأسماء، الطبقات، المنفردات والوحدان، رجال عروة بن الزبير، وهذه كلها قد طبعت. وله: كتاب العلل، كتاب الأفراد، كتاب الأقران، سؤالاته أحمد ابن حنبل، كتاب عمرو بن شعيب، كتاب الانتفاع بأهب السباع، كتاب مشايخ مالك، كتاب مشايخ الثوري، كتاب مشايخ شعبة، كتاب من ليس له إلا راو واحد، كتاب المخضرمين، كتاب أولاد الصحابة، كتاب أوهام المحدثين، أفراد الشاميين، الرد على محمد بن نصر. وغيرها. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٧٩، وطبقات علماء الحديث ٢/ ٢٨٨، وغنية المحتاج ص٤٠، تدريب الراوي ٢/ ٣٦٣.

стр. 1137

(٤) ثناء العلماء على الإمام مسلم: أثنى على مسلم كبار العلماء من شيوخه، وأقرانه، وتلاميذه، ومن جاء بعدهم من علماء الأمة، والثناء عليه كثير جدا منها ما يلي: [*] قال أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف ـ تأريخ دمشق ٥٨/ ٨٩ ـ: سمعت بندارا محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ومحمد بن إسماعيل ببخارى. [*] وقال الحسين بن منصور: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ـ وذكر مسلم بن الحجاج ـ، فقال: مردا كابن بوذ، قال المنكدري [شيخ الخطيب]: وتفسيره: أي رجل كان هذا؟! [*] وقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلما في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. تأريخ بغداد ١٣/ ١٠١ - ١٠٢. [*] وقال إسحاق الكوسج: لمسلم لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. تأريخ دمشق ٥٨/ ٨٩ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨. [*] وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٨/ ١٨٢: كتبت عنه بالري، وكان ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث. [*] وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة رجال محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٥. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨: مسلم بن الحجاج الإمام الحافظ حجة الإسلام. (٥) مهنة الإمام مسلم: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٧٠: قال الحاكم: كان متجرُ مسلم خان محمش ـ اسم موضع ـ، ومعاشه من ضياعه بأستوا. قلتُ: أستوا ناحية من نواحي نيسابور، كما في معجم البلدان ١/ ١٧٥. وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/ ١١٤: قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: كان مسلم من علماء الناس .. ، وكان بزازا. وفي العبر ٢/ ٢٩: وكان صاحب تجارة، وكان محسن نيسابور، وله أملاك وثروة. اهـ. فتجارته في البز، وكانت المزارع في أستوا المصدر الثاني له. (٦) صفة الإمام مسلم الخَلْقية: [*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٦: قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: رأيت شيخا حسن الوجه، والثياب عليه رداء حسن، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه، فقيل: هذا مسلم، فتقدم أصحاب السلطان، فقالوا: قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين فقدموه في الجامع، فكبر وصلى بالناس. وهذا الخبر عند ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٨/ ٨٩: ولفظه: يقول رأيت في منامي شيخا ..

стр. 1138

[*] وقال الذهبي ١٢/ ٥٧٠: قال الحاكم: وسمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج يحدث في خان محمش فكان تام القامة أبيض الرأس، واللحية يرخي طرف عمامته بين كتفيه. (٧) عقيدة الإمام مسلم: هي عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومما يدل على ذلك: أـ قوله في مقدمة صحيحه ١/ ٦: أعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع. اهـ. [*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٨: وأكثر عن علي بن الجعد لكنه ما روى عنه في الصحيح شيئا. اهـ قلتُ: هذا السبب: قال مكي بن عبدان: سألت مسلما عن علي بن الجعد؟ فقال: ثقة، ولكنه كان جهميا. سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٦٨. ب ـ وافتتح صحيحه بكتاب الإيمان، وضمنه أحاديث في تقرير مذهب أهل السنة في عدد من المسائل، والرد على أهل البدع من القدرية، والمرجئة، والخوارج، والجهمية، وغيرهم، وفيه الاحتجاج بخبر الواحد .. ، وأفرد كتابا للقدر .. ج ـ وموضوع كتابه كله على منهاج أهل السنة، وهو نقمة على أهل البدع. د ـ وذكر أبو عثمان الصابوني في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث ص١٢١ - ١٢٣: في آخر الكتاب .. ـ بعد أن ذكر عقيدة أهل السنة ـ أسماء جمع من أئمة أهل السنة منهم " مسلم بن الحجاج " وقال: من أحبهم فهو صاحب سنة، ثم قال: وهذه الْجُمَلُ التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم لم يخالف فيها بعضهم بعضا، بل أجمعوا عليها كلها، ولم يثبت عن أحد منهم ما يضادها. اهـ. ه قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٣٦

стр. 1139

وأما في معرفة ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم [جماعة ممن وقعوا في بدع المتكلمين] بذلك قاصرة، و إلا فمن كان عالما بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة، والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء ـ إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال ـ كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك، وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك [ثم سرد أسماء جموع من الأئمة منهم:] ومسلم بن الحجاج النيسابوري ... ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل؛ فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك. و- قال العلامة الذهبي في العلو ٢/ ١١٨٤: وممن لا يتأول ويؤمن بالصفات وبالعلو في ذلك الوقت .. الإمام الحجة مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح. زـ قال العلامة ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية " ص٢٤١: قول مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها، ولم يذكر لها تراجم كما فعل البخاري، ولكن سردها بلا أبواب، ولكن تعرف التراجم من ذكره للشيء مع نظيره فذكر في كتاب الإيمان كثيرا من أحاديث الصفات كحديث: الإتيان يوم القيامة، وما فيه من التجلي، وكلام الرب لعباده، ورؤيتهم إياه، وذكر حديث: الجارية، وأحاديث: النزول، وذكر حديث: إن الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على إصبع، وحديث: يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده، وأحاديث: الرؤية، وحديث: يضع الجبار فيها قدمه، وحديث: المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، وحديث: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، وغيرها من أحاديث الصفات محتجا بها، وغير مؤل لها، ولو لم يكن معتقدا لمضمونها لفعل بها ما فعل المتأولون حين ذكروها. اهـ ح ـ قال العلامة محمد السفاريني في كتابه "لوامع الأنوار البهية، وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية " ١/ ٢٢: [في سرده لعلماء أهل السنة .. ] ومسلم، وأبو داود ... ثم قال: وغير هؤلاء كلهم على عقيدة واحدة سلفية أثرية.

стр. 1140

وهذا يزيل إشكال عدم ذكر اللالكائي له في معرض سياقه من رسم بالإمامة في السنة، والدعوة، والهداية إلى طريق الاستقامة .. في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ٥١ - ٥٣ مع أنه ذكره في ١/ ٣٠٢: فيمن نقلوا كلاما في رد بدعة. قلتُ: فلعله لم يذكره لأنه لم يؤلف في الرد على أهل البدع .. ، أو يكون قد غفل عنه، أو سقط سهوا. ط ـ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوي ٢٠/ ٣٩ ـ هل البخاري ومسلم ـ وذكر جمعاً من العلماء ـ هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الأئمة أم كانوا مقلدين؟ وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة .. ؟ فأجاب جوابا طويلا جاء في آخره: وهؤلاء كلهم يعظمون السنة، والحديث. اهـ. ي ـ ومما يؤكد ذلك أيضا كونه تلميذا، وصاحباً لأئمة أهل السنة كأحمد، وإسحاق، والبخاري، وأبي زرعة وغيرهم، ومعلوم مكانة وشدة هؤلاء في السنة، وشدتهم على أهل البدع، حيث لم يكن لأهل البدع نصيب من مجالستهم. ك ـ كل من ذكره، وترجم له من العلماء ابتداء من شيوخه، وحتى اليوم قد أثنوا عليه، وذكروه بأحسن الذكر، ولم يَنقل أحد منهم أنه كان مخالفا لطريقة السلف، أو متلبسا ببدعة، وحاشاه من ذلك، بل كان متابعا متأسيا بسنة النبي ﷺ ، فرحمه الله رحمة واسعة. (٨) مذهب الإمام مسلم الفقهي: إذا نظرت في أسماء كتب الإمام مسلم تجدها كلها تقريبا في علم الحديث وفنونه، كما هو حال أكثر أهل الحديث في ذاك الزمان، ولذا لم يتضح منهجه الفقهي تماما، إلا أنه بلا شك من أهل العلم الكبار في زمانه في الحديث والفقه، وإن لم يكن من الأئمة المجتهدين كأحمد، والبخاري، و إلا لظهر رأيه، واختياره كما ظهر رأي غيره، والناظر في كتابه الصحيح، وانتقائه الأحاديث، وحسن ترتيبه يدرك أنه من فقهاء أهل الحديث، وأنه مطلع على اختلاف الفقهاء، ولذا قال الحافظ ابن حجر في التقريب ص٥٢٩: عالم بالفقه. وذكر حاجي خليفة مسلما في كتابه كشف الظنون ١/ ٥٥٥ فقال: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الشافعي. وأخذه بنصه صديق خان في الحطة ص ١٩٨. وقال الدهلوي في الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ص٣١٤ـ المطبوع ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم (٤) ـ: وأما مسلم والعباس الأصم .. فهم متفردون لمذهب الشافعي يناضلون دونه. قلتُ: وهذا القول: فيه نظر.

стр. 1141

ومما يدل على عنايته بالفقه، أن له سؤالات للإمام أحمد ﵀ قال القاضي أبو الحسين ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ٣/ ٣٠٩ - ٣١٥ ـ في ترجمة الحسن بن حامد ـ قال ابن أبي يعلى: قرأت في بعض تصانيفه [ابن حامد] قال: اعلم أن الذي يشتمل عليه كتابنا هذا من الكتب والروايات المأخوذة من حيث نقل الحديث والسماع منها كتاب الأثرم، وصالح، وعبد الله، وابن منصور ... ومسلم بن الحجاج ... ـ إلى أن قال ـ: وأما رواية مسلم بن الحجاج فأخبرناه أبو إسحاق المزكي قال حدثنا أبو حاتم مكي بن عبدان بن محمد بن بكر، عن مسلم بن الحجاج عنه. وبناء على هذا، وعلى رواية مسلم عن أحمد = ترجم له في طبقات الحنابلة ٢/ ٤١٣ وقال عنه: أحد الأئمة من حفاظ الأثر. قلتُ: ولا يعني ذلك أنه حنبلي، بل وصفه بالإمامة، وحفظ الأثر، وقد ترجم أيضا: لشيخي أحمد: وكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي؛ لكونهم حكوا شيئا عن أحمد. ولهذا السبب ترجم له غير واحد ممن ألف في طبقات الحنابلة بعد ابن أبي يعلى. [*] وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوي ٢٠/ ٣٩ ـ هل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود الطيالسي والدرامي والبزار والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة وأبو يعلى الموصلي هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الأئمة أم كانوا مقلدين؟ وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة؟ ... فأجاب: الحمد لله رب العالمين أما البخاري، وأبو داود؛ فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق بل هم يميلون إلى قول أئمة الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأمثالهم، ومنهم من له اختصاص ببعض الأئمة كاختصاص أبي داود، ونحوه بأحمد بن حنبل وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك، وأمثاله، أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق كأبي حنيفة والثوري ... وهؤلاء كلمهم يعظمون السنة والحديث .. اهـ باختصار. [*] وقال السخاوي في غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج ص٤٠ - ٤١:

стр. 1142

والظاهر أنه ﵀ كان على طريقة الأئمة من أهل الآثار في عدم التقليد بل سلك الاختيار مع إمكان الاستدلال بما وجد له من مقال لكونه مقتديا بإمامنا ابن إدريس الفائق في الاجتهاد، والتأسيس، فإنه قال في كتابه الانتفاع بجلود السباع، وقد ذكر قولة من عاب قوله: ورب عياب له منظر مشتمل الثوب على العيب. بل قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: بالغ مسلم في تعظيم الشافعي ـ رحمهم الله تعالى ـ في كتابه الانتفاع. وفي كتابه الرد على محمد بن نصر وعده في هذا الكتاب من الأئمة الذين يرجع إليهم في الحديث، وفي الجرح والتعديل. اهـ قلتُ: ومبالغته في تعظيم الشافعي ﵀ لا تعني أنه يقلده، فقد كان أحمد أيضا: يبالغ في تعظيمه فهل كان شافعيا؟ هذا الاستدلال فيه نظر، والله أعلم. ثم قال السخاوي: وكذا يمكن استدلال أصحاب أحمد بأنه كتب عن إمامهم مسائل تروى عنه، وتُعتمد. ولكن الميل بخلاف كل هذا أكثر مما هو أظهر ـ إلى أن قال ـ وممن قال إنه على مذهب أهل الحديث، وليس بمقلد لواحد بعينه من العلماء، ولا هو من المجتهدين على الإطلاع: التقي ابن تيمية رحمه الله تعالى، وإيانا. وفاة مسلم ﵀ وسببها: [*] قال ابن الصلاح في صيانة مسلم ص١٢١٦: وكان لموته سبب غريب نشأ عن غمرة فكرية علمية ـ ثم ساق سنده إلى الحاكم ـ قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب سمعت أحمد بن سلمة يقول: عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدموها، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر، ووجد الحديث. [*] قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا: أنه منها مرض، ومات. اهـ. وانظر: تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٣، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٨/ ٩٤، و تهذيب الكمال٢٧/ ٥٠٦. وكانت وفاته عشية يوم الأحد، ودفن الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ﵀ رحمة واسعة. انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٤١٧، وتاريخ دمشق ٥٨/ ٩٤، وصيانة مسلم ص١٢١٦، وشرح مسلم للنووي ١/ ١٢٣ و تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٠٧، والبداية والنهاية ١١/ ٣٤. - سيرة أبي داود ﵀:

стр. 1143

كان الإمام أبي داودإمام من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين: عصر أبي داود: ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره. والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف ﵀ أن يشهد نضج الحضارة الإسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الأفذاذ في شتى شؤون الفكر. ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية: ففي الحديث: كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي. وفي الفقه: كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم. وفي الشعر: كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز. وفي العلم بالأدب: كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير. وهكذا .. ولا شك في أنَّ أبا داود كان واحداً من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر. وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها. وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته. مولد أبو داود: ولد أبو داود سنة ٢٠٢هـ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاءوا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه. فبعد المأمون (ت٢١٨هـ) جاء للخلافة المعتصم (ت٢٢٧هـ) ثم الواثق (ت٢٣٢هـ) ثم المتوكل (ت٢٤٧هـ) ثم المنتصر (ت٢٤٨هـ) ثم المستعين (ت٢٥٢هـ) ثم المعتز (ت٢٥٥هـ) ثم المهتدي (ت٢٥٦هـ) ثم المعتمد على الله (ت ٢٧٩هـ). وهذا الأخير حَجَر عليه أخوه الموفق واستبدّ بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفاً منها فيما بعد. اسم أبي داود ونسبه: هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني. وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين. وأبو داود عربي صميم من الأزد، والأزد قبيلة معروفة في اليمن.

стр. 1144

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين. وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة. وذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب ﵀ في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان. ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب. وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان. [*] مناقب أبي داود ﵀: كان أبو داود رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها. هاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (١) نشأة أبي داود ﵀: ولد أبو داود سنة ٢٠٢هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً. [*] قال الخطيب: "وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين". وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من أُفُقِهِ وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي. والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي: سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري، وهراة، والكوفة التي دخلها سنة ٢٢١هـ كما ذكر الخطيب، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة ٢٧١هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج.

стр. 1145

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد. وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور. وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت. (٢) سعة علم أبي داود ﵀: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله ﷺ وفقهه وعلله ومتونه ورجاله. ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار: منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به. ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبد الله التستري جاء إلى أبي داود. فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه. فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان. قال: قد قضيتها مع الإمكان. قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله ﷺ حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله. وكان علمه متعدد الجوانب، فهو - مع تخصصه في الحديث - فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)).

стр. 1146

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستواً راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم. ومما يدل على سعة علمه وبصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله ﷺ : "الاعمال بالنيات". وقوله ﷺ "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه". والثالث قوله ﷺ "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه". والرابع قوله ﷺ "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات". (٣) ثناء العلماء على أبي داود ﵀: كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين: سعة علمه ودقة تحقيقه. وكرم أخلاقه وتقواه. فلقد كان ﵀ مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط. وسنورد شذرات من أقوالهم. [*] قال أبو بكر الخلال: "أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم". [*] وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي:

стр. 1147

"سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث". [*] وقال ابراهيم الحربي: "ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي ﵇ الحديد". وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني. [*] وقال موسى بن هارون الحافظ: "خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. ما رأيت أفضل منه". [*] وقال علان بن عبد الصمد: "كان من فرسان هذا الشأن". [*] وقال أبو حاتم بن حبان: "كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن". [*] وقال أبو عبد الله بن منده: "الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي". [*] وقال الحاكم: "أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة". [*] وقال محمد بن مخلد: "كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ". [*] وقال ابن ماكولا: "هو إمام مشهور". [*] وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله. [*] وقال الذهبي: "وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله". ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود. [*] ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود: "كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد". [*] وقال ابن الجوزي: "كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل". (٤) أساتذة أبي داود ﵀: إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من ثلاث مائة نفس. وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

стр. 1148

فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وعبد الله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني. ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم. وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره. وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري. وينبغي أن نخص واحداً من أساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الإمام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في أخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها. وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)). وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره. فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال: سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه. ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي: قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به. قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)). وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد. وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

стр. 1149

قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر. وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً. ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره. (٥) من أخذ الحديث عن أبي داود ﵀: روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً. ومنهم الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم إسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الإسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي. ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم. وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه. أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم: - أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي. - وأبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار. - وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي. - وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري. - وأبو أسامة محمد بن عبد الملك الرؤامي. - وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي. - وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري. (٦) وضع أبي داود الاجتماعي والمنزلي: كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان. وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا. وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبد الله.

стр. 1150

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا. نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه. وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً. فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟ فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك. قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً. وحصل له ذلك الجزء الأول. وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له. (٦) أخلاق أبي داود وصفاته ﵀: كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم. كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين. وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال. وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق. والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في إلقاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً. وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها.

стр. 1151

فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: [*] ذكر أبو يعلى أنّ محمد بن علي الآجري قال: قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟ قال: عمروٌ أعلى عندنا. عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي))). فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسوءه أن يعذب الله معاوية ﵁، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم. ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال: كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن. فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ فقال: خلال ثلاث. فقال: وما هي؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج. فقال: هذه واحدة. هات الثانية. قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟ قال: نعم. هات الثالثة. قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة. فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء. قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة. ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبد الله صاحب التصانيف. فقد قال عنه: ((ابني عبد الله كذَّابٌ)). (٧) من دُررِ مواعظ أبي داود ﵀: كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله ﷺ جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه. وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة. فمن ذلك قوله:

стр. 1152

الشهوة الخفية حب الرئاسة". وقوله: "خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن". وقوله: "من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ أراح جسده". وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة. (٨) كتب أبي داود ﵀: ١ - المراسيل: وقد طبع في القاهرة سنة ١٣١٠هـ. ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في ((تاريخ التراث العربي)). ٢ - مسائل الامام أحمد: وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الامام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخراً. وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت باحصاء تراثنا الاسلامي وذكر ابن حجر ان أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه. ٣ - الناسخ والمنسوخ: ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجار. ونقل السيوطي عن هذا الكتاب وذكره اسماعيل البغدادي بعنوان ((ناسخ القرآن ومنسوخه)). ٤ - إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري: قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه ((أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل)) كتاب مفيد وذكرها سزكين بعنوان: ((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس. وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)). ٥ - رسالته في وصف كتاب ((السنن)): وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنه ١٣٩٤هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة ١٣٦٩هـ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق. ٦ - كتاب الزهد: وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين. ٧ - تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث: وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الأخوة من أهل الأمصال)) وقال:

стр. 1153

"وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته ((تسمية الأخوة)) مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الاخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضاً". وذكر الاستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أن الرسالة تقع في ٧ ورقات وأن الورقة ٢٤ سطراً وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري. ٨ - أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء: قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة .. ، وينتهي بضعفاء المدينة". وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية. ٩ - كتاب القدر: وذكر ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل القدر)) وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري. وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه ((الاصابة)). ١٠ - كتاب البعث والنشور: ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق. ١١ - المسائل التي حلف عليها الامام أحمد: ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق. ١٢ - دلائل النبوة: ذكره إسماعيل البغدادي وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)). ١٣ - التفرد في السنن: ذكره اسماعيل البغدادي. ١٤ - فضائل الأنصار: ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)). ١٥ - مسند مالك: ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)). ١٦ - الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)). ١٧ - ابتداء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)). ١٨ - أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)). وفاة أبي داود ﵀: توفى أبو داود ﵀ يوم الجمعة ١٥ شوال من سنة ٢٧٥هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية. سيرة الترمذي ﵀: كان الإمام الترمذي من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين: اسم الترمذي ونسبه ومولده: هو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى السُّلمي الترمذي، والترمذي: نسبة إلى "تِرْمِذ" - بكسر التاء - مدينة مشهورة، ولد ﵀ سنة ٢٠٩هـ [*] مناقب الترمذي ﵀:

стр. 1154

كان الترمذي ﵀ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها. وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (١) طلب الترمذي للعلم وشيوخه وتلامذته: بدأ ﵀ طلب العلم في سن مبكرة؛ فمن أقدم شيوخه: أبو جعفر محمد بن جعفر السِّمناني (توفي قبل٢٢٠هـ) فيكون عمر الترمذي آنذاك أقل من عشر سنين، ثم إنه بعد أن تلقى العلم عن أهل بلده رحل وطوّف في البلاد؛ [*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:" ارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام" ويرجح الدكتور أكرم ضياء العمري في بحثه "تراث الترمذي العلمي" أن الترمذي دخل بغداد ولكن كان ذلك بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل ـ إذ أن الترمذي لم يسمع من الإمام أحمد ـ ومن أشهر الشيوخ الذين تلقى الترمذي عنهم وسمع الحديث منهم ما يلي: [١] قتيبة بن سعيد الثقفي البغلاني (ت٢٤٠هـ) وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة. [٢] علي بن حُجر المروزي (ت٢٤٤هـ) [٣] محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) وهو من أهم شيوخه. [٤] محمد بن بشار البصري الملقب بندار (٢٥٢هـ) [٥] محمد بن المثنى البصري العنزي الملقب بـ (الزمِن) (ت٢٥٢هـ) [٦] أحمد بن منيع البغوي الحافظ (ت٢٤٤هـ) [٧] محمود بن غيلان المروزي (٢٣٩هـ) [٨] عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ (٢٥٥هـ) [٩] إسحاق بن راهويه (٢٣٨هـ) وقد تلقى العلم عن الإمام الترمذي خلق كثير، من أشهرهم: [١] أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي. [٢] أبو سعيد الهيثم بن كُليب الشاشي. [٣] أبو ذر محمد بن إبراهيم الترمذي. [٤] أبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان. [٥] أبو حامد أحمد بن عبد الله المروزي التاجر. (٢) منزلة الترمذي عند العلماء: [*] قال الترمذي قال لي محمد بن إسماعيل: ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي. [*] وقال عنه المزي: "أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين" وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: الحافظ العلم الإمام البارع، وقال أيضا: جامعه قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه. [*] وقال عنه ابن كثير: هو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه وله المصنفات المشهورة ..

стр. 1155

﴿تنبيه﴾: وأما عن وصف ابن حزم له بأنه مجهول، فقد رد الأئمة عليه وخطؤوه في ذلك، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: "ثقة مُجمعٌ عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه .. فإنه ما عرفه ولا درى بوجود الجامع، ولا العلل اللذَين له" وذكر في السير في ترجمة ابن حزم أن جامع الترمذي وسنن ابن ماجه لم يدخلا الأندلس إلا بعد موته. وكذا ردّ عليه ابن كثير في البداية والنهاية، وكذا ردّ عليه ابن حجر. (٤) صفات الترمذي رحمه الله تعالى: كان الإمام الترمذي عالماً عاملاً ورعاً زاهداً، قال الحافظ عمر بن أحمد بن علَّك المروزي: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والزهد؛ بكى حتى عمِيَ. يُقال: أنه وُلد أعمى والصواب أنه أضرَّ في آخر عمره، ذكره الذهبي وابن كثير. وكان من أبرز صفاته التي عُرف بها: قوة الحفظ، فقد كان حافظاً بارعاً. (٥) بعض مؤلفات الإمام الترمذي: [١] الجامع، وهو أشهر مؤلفاته. [٢] العلل الصغير، وقد اختلف فيه هل هو من كتاب الجامع أو هو كتاب مستقل، والأشهر أنه من الجامع، وأنه كتبه كالخاتمة لكتاب الجامع. [٣] كتاب العلل الكبير [٤] الشمائل المحمدية. [٥] تسمية أصحاب رسول الله ﷺ . [٦] كتاب الزهد. [٧] كتاب الأسماء والكنى. [٨] كتاب التفسير. [٩] كتاب التاريخ. وفاة الترمذي ﵀: توفي في ترمذ، في ١٣/ رجب/ ٢٧٩هـ سيرة النسائي ﵀: كان الإمام النسائي من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين. [*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث. كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن. اسم النسائي ونسبه ومولده: هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي، ولد سنة ٢١٥هـ بنساء، وهي بلدة مشهورة بخراسان، وتوفي في مدينة الرملة بفلسطين في سنة ٣٠٣هـ. نشأة النسائي ﵀:

стр. 1156

ولد النسائي بنسا في سنة ٢١٥هـ وطلب العلم في صغره فارتحل إلى قتيبة في سنة ٢٣٠هـ فأقام عنده بمدينة بغلان سنة فأكثر عنه، ومن شيوخه إسحاق بن راهويه وهشام بن عمار ويروي عن رفقائه. شيوخ النسائي: شيوخ النسائي: قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عمار وهناد بن السري ومحمد بن بشار وعمرو بن علي الفلاس ومحمد بن آدم المصيصي ونصر بن علي الجهضمي ويعقوب الدورقي والحسن البزار وعمار بن خالد الواسطي ومحمد بن إسماعيل بن علية ومحمد بن النضر بن مساور وهارون بن عبد الله الحمال ويعقوب بن ماهان ومحمد بن معمر القيسي. تلاميذ النسائي: تلاميذ النسائي: سليمان بن أحمد الطبراني وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وأبو بشر الدولابي وأبو بكر بن السني o حمزة بن محمد الكناني ومحمد بن إسماعيل النحاس النحوي والحسن بن الخضر الأسيوطي والحسن بن رشيق ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي ومحمد بن موسى المأموني ومحمد بن حيوية النيسابوري ومحمد بن أحمد بن الحداد الشافعي وأبيض بن محمد بن أبيض. [*] مناقب النسائي ﵀: كان النسائي ﵀ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها. وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (١) ثناء العلماء على النسائي ﵀: كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف رحل في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن. حدث عنه أبو بشر الدولابي وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وغيرهم كثير. وهاك غيضاً من فيض ممن أثنوا عليه خيرا. [*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث. كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن. [*] قال الدار قطني: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.

стр. 1157

وقال الدار قطني أيضاً: كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث ولم يحدث عن غير النسائي وقال رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى. [*] وقال الحافظ ابن يونس: كان النسائي إمامًا حافظًا ثبتًا. [*] قال الحافظ ابن طاهر سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه فقلت قد ضعفه النسائي فقال يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم قلت صدق فإنه ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم. [*] وقال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه. [*] وقال ابن الأثير في أول جامع الأصول: كان شافعيا له مناسك على مذهب الشافعي وكان ورعا متحريا قيل إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره عليه قلنسوة وقباء وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان فخاف أن يكون عينا عليه فمنعه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ولذلك ما قال حدثنا الحارث وإنما يقول قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع. [*] قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه. [*] وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النسائي عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة قال فما حدث بها. [*] قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج. [*] قال الحافظ أبو علي النيسابوري: الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي. [*] قال أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا الصحيح وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة البخاري ومسلم وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي. [*] وقال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة؛ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان، وكيلجه، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.

стр. 1158

[*] يقول السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب السنن للنسائي: كتاب السنن أقل الكتب بعد لصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلاً مجروحًا. (٢) طلب النسائي للعلم وشيوخه وتلامذته: وطلب العلم في صغره، فارتحل إلى قتيبة في سنة ثلاثين ومئتين، فأقام عنده ببغلان سنة، فأكثر عنه. وسمع من: إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النضر بن مساور، وسويد بن نصر، وعيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن عبدة الضبي، وأبي الطاهر بن السرح، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن شاهين، وبشر بن معاذ العقدي، وبشر بن هلال الصواف، وتميم بن المنتصر، والحارث بن مسكين، والحسن بن صباح البزار، وحميد بن مسعدة، وزياد بن أيوب، وزياد بن يحيى الحساني، وغيرهم كثير، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: سمع من خلائق لا يحصون. وقد روى النسائي في " سننه " مواضع يقول: حدثنا أبو داود، فالظاهر أن أبا داود في كل الأماكن هو السجستاني، فإنه معروف بالرواية عن السبعة، لكن شاركه أبو داود سليمان بن سيف الحراني في الرواية عن بعضهم، والنسائي مكثر عن الحراني، وقد روى النسائي في كتاب " الكنى "، عن سليمان بن الأشعث، ولم يكنه، وذكر الحافظ ابن عساكر في "النبل" أن النسائي يروي عن أبي داود السجستاني. [*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: حدث عنه: أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النجوي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن السني، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي، والحسن بن رشيق، ومحمد بن عبد الله بن حيويه النيسابوري، ومحمد بن موسى المأموني، وأبيض بن محمد بن أبيض، وخلق كثير. (٣) صفات النسائي رحمه الله تعالى: قال الذهبي رحمه الله تعالى: وكان شيخنا مهيبا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة .. وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن ... ومع ذلك فكان يصوم صوم داود ويتهجد. (٤) عقيدة النسائي ﵀:

стр. 1159

قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: (إِنّنِيَ أَنَا اللّهُ لآ إِلََهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ) [طه: ١٤] مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك: صدق، قال النسائي: بهذا أقول. ﴿تنبيه﴾: وأما رمي به من التشيع والانحراف عن خصوم علي، فبسبب تأليفه لكتاب خصائص علي ﵁، فمن أحسن ما يعتذر له به ما قاله هو لما سُئل عن ذلك: قال الوزير ابن حنزابة: سمعت محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي قال: سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب: " الخصائص" لعلي ﵁، وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب: " الخصائص"، رجوت أن يهديهم الله تعالى. (٥) مذهب النسائي الفقهي ﵀: [*] قال ابن الأثير في أول " جامع الأصول ": كان شافعيا، له مناسك على مذهب الشافعي، وكان ورعا متحريا. (٦) مصنفات النسائي رحمه الله تعالى: ترك النسائي مجموعة نفيسة من الكتب حُقَّ لها أن تُكْتَب بماء الذهب وهي كما يلي: *السنن الكبرى * المجتبى * مسند علي * الكنى * خصائص علي * عمل اليوم والليلة * كتاب التفسير * كتاب الضعفاء * عشرة النساء. ، وأهمها كتاب السنن وهو الذي عرف به. [*] يقول السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب السنن للنسائي: كتاب السنن أقل الكتب بعد لصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلاً مجروحًا. فقد أطلق عليه اسم "الصحيح " كل من ابن منده وابن السكن وأبي علي النيسابوري والدارقطني وابن عدي والخطيب البغدادي، فلعل مقصودهم من هذه التسمية: تحريه وشدة شرطه إذا قورن بشرط غيره من أصحاب السنن، ويسمى " السنن الصغرى" تمييزاً له عن الكبرى. ويسمى " المجتبى" لأن النسائي اصطفاه وانتقاه من السنن الكبرى، ومنه قوله تعالى:] (فَاجْتَبَاهُ رَبّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ) [القلم: ٥٠] ويسمى " المجتنى" - بالنون- من: جنى الثمرة واقتطفها وجرّها إليه، ويصح إطلاق هذا الاسم على السنن الصغرى لأنه اقتطفها من السنن الكبرى.

стр. 1160

وقد وضع النسائي كتابًا كبيرًا جدًا حافلاً عرف بالسنن الكبرى، وهذا الكتاب (المجتبى) المشهور بسنن النسائي منتخب منه، وكتاب (المجتبى) هذا يسير على طريقة دقيقة تجمع بين الفقه وفن الإسناد، فقد رتب الأحاديث على الأبواب، ووضع لها عناوين تبلغ أحيانًا منزلة بعيدة من الدقة، وجمع أسانيد الحديث الواحد في موطن واحد. وقد جمع النسائي في كتابه أحاديث الأحكام، وقسمه إلى كتب، وعدد كتبه ثمانية وخمسين كتابًا، وقسم كل كتاب إلى أبواب، ولم يفعل فعل أبي داود و الترمذي في الكلام على بعض الأحاديث بالتضعيف، كما لم يتكلم على شيء من رجال الحديث بالجرح والتعديل، ولم ينقل شيئًا من مذاهب فقهاء الأمصار ... . والسبب الذي دعا أبا داود و الترمذي و النسائي إلى أن يذكروا في كتبهم أحاديث معللة هو احتجاج بعض أهل العلم والفقه بها، فيوردونها ويبينون سقمها لتزول الشبهة. وقد اشتهر النسائي بشدة تحريه في الحديث والرجال، وأن شرطه في التوثيق شديد. قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه: [*] قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه. [*] قال ابن رشيد: كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً، وهو جامع بين طريقي البخاري ومسلم مع حظٍ كبير من بيان العلل التي كأنها كِهانة من المتكلم. [*] قال السِّلفي: الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب. منهج الإمام النسائي في المجتبى: [*] قال السخاوي: ولعمري فكتابه بديعٌ لمن تدبره، وتفهَّم موضوعه وكرَّره، وكم من جواهرٍ اشتمل عليها، وأزاهر انتعشت الأرواح بالدخول إليها وذلك: (١) أنه يفسِّر الغريب أحيانا: كقوله في حديث الأعرابي الذي بال: " لا تزرموه" يعني: " لا تقطعوا عليه" ومرة: " لا تقطعوه" ... (٢) ويعيِّن المهمل: ـ كقوله فيما رواه من جهة بكر: ـ وهو بن مُضرـ وفيما رواه من جهة عبد الله: ـ وهو ابن القِبطية ـ وقد يذكره ـ أي المهمل ـ مع الشك. (٣) ويسمي المبهم في أصل السند: كإيراده حديث محمد بن عبد الرحمن عن رجل عن جابر ﵁ مرفوعا ... ثم ساقه من طريق محمد ـ أيضاً ـ فقال: (عن محمد بن عمرو بن حسن عن جابر.
следующие страницы →