ولمَّا بدأت الحرب الشيشانية الثانية كان تفاعله أشد، ومتابعته أكثر، وأحسب أن له نصيباً وافراً من قول الله تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) [الأنفال: ٧٢]، ونصيباً وافراً من قول النبي ﷺ : " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله " [٣]. وكنا نتعهده بآخر الأخبار، ونشرح له تفاصيل الواقع العسكري، وكان يسأل عن قتلى العدو، وعن السلاح المستخدم، وعن حال المجاهدين وأسرهم ومعاناتهم. فإذا تأخرنا عنه اتصل بنا يسأل ويتابع، وقد يتصل أحياناً في ساعة متأخرة بعد الثانية عشرة ليلاً، وإذا تحدث معنا فإنك تشعر في كلامه بصدق التفاعل وبالحرقة والحزن والألم. كان يألم لألمنا، ويفرح لفرحنا، ويبشرنا بفضل الله تعالى وكرمه، وكان يتأسف كثيراً من تقصير الأمة بكافة فئاتها في نصرة إخوانهم، ومن جهة أخرى كان شيخنا ﵀ يحث الناس على التبرع للمجاهدين في الشيشان، ويدفع زكاة ماله للمجاهدين، وقد حدثنا من نثق به من خاصة طلابه أنه كان يقرأ عليهم أخبار المجاهدين، ويطلعهم على أحوالهم، ويحثهم على نصرتهم والتعاون معهم)) (١)
مؤلفات محمد بن صالح العثيمين وكتبه رحمه الله تعالى:
(١) فتح البرية بتلخيص الحمويّة (٢)(٢) تفسير آيات الأحكام - لم يكمل
(٣) شرح عمدة الأحكام - لم يكمل
(٤) مصطلح الحديث
(٥) الأصول من علم الأصول
(٦) رسالة في الوضوء والغسل والصلاة
(٧) رسالة في كفر تارك الصلاة
(٨) مجالس رمضان
(٩) الأضحية والذكاة
(١٠) المنهج لمريد الحج والعمرة
(١١) تسهيل الفرائض
(١٢) شرح لمعة الاعتقاد
(١٣) شرح العقيدة الواسطية
(١٤) عقيدة أهل السنة والجماعة
(١٥) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى
(١٦) رسالة في الطلاق الثلاث واحدة ولو بكلمات
(١٧) تخريج أحاديث الروض المربع
(١٨) رسالة حجاب
(١٩) رسالة في الصلاة والطهارة لأهل الأعذار
(٢٠) رسالة في مواقيت الصلاة
(٢١) رسالة في سجود السهو
(٢٢) رسالة في أقسام المداينة
(٢٣) رسالة في وجوب زكاة الحليّ
(٢٤) رسالة في أحكام الميت وغسله
(٢٥) تفسير آية الكرسي
стр. 1297
(٢٦) نيل الأرب من قواعد ابن رجب
(٢٧) القواعد الفقهية. نظم على بحر الرجز
(٢٨) الضياء اللامع من الخطب الجوامع
(٢٩) الفتاوى النسائية
(٣٠) زاد الداعية إلى الله
(٣١) المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين (١٥ مجلد)
(٣٢) حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة
(٣٣) الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه
(٣٤) من مشكلات الشباب
(٣٥) رسالة في المسح على الخفين
(٣٦) رسالة في قصر الصلاة للمبتعثين
(٣٧) أصول التفسير
(٣٨) رسالة في الدماء الطبيعية للنساء
(٣٩) أسئلة مهمة
(٤٠) الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع
(٤١) إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار
(٤٢) شرح أصول الإيمان
(٤٣) شرح رياض الصالحين (٤ أجزاء)
(٤٤) الشرح الممتع على زاد المستنقع
(٤٥) القول المفيد شرح كتاب التوحيد
(٤٦) التعليقات على كشف الشبهات
(٤٧) شرح ثلاثة الأصول
(٤٨) شرح نزهة النظر
(٤٩) شرح منظومة أصول الفقه
(٥٠) شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث
(٥١) أثر المعاصي على الفرد والمجتمع
مرض محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
قال أحد أبناء الشيخ ﵀ وهو عبد الله الصالح العثيمين:
стр. 1298
لقد جاء اكتشاف مرض الشيخ ﵀ متأخراً، وكان اكتشافه أول الأمر في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني، وقد قام المستشفى - إدارة ومختصين - بما يُشكرون عليه من عناية، ثم أجريت له فحوصات أخرى في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ونال من إدارته والمختصين به كل عناية ورعاية، فجزى الله الجميعَ في المستشفيين خير الجزاء، وقد اختلفت آراء الأطباء سواء من كشفوا عليه أو من اطلعوا على التقارير عنه، واستشيروا حولها في طريقة علاجه، فكان منهم من رأى علاجه بالأشعة والكيماوي، ومنهم من لم ير ذلك، وفي تلك الظروف كان الشيخ محمد متردداً لِما رآه من اختلاف وجهات نظر الأطباء، ولمزيد من الاطمئنان - تشخيصا وعلاجا - جاءت مشورة ولاة الأمر في هذا الوطن له كي يسافر إلى أمريكا، حفظهم الله ورعاهم وجزاهم أفضل ما يجزي به عباده الصالحين على ما أبدوه تجاهه من عطف وما قاموا به من رعاية، وقد أكدت الفحوصات هناك ما تُوصل إليه من تشخيص في المملكة، واستقر الرأي الطبي على أن يعالج مدةً بالأشعة، مع جرعات مخففة بالكيماوي، ثم يبدأ العلاج بالكيماوي وحده، وسُرَّ الشيخ محمد بذلك، وقدم إلى الوطن ليبدأ في مستشفى الملك فيصل التخصصي ما استقر الرأي الطبي عليه، [وعولج] بالأشعة فعلا، على أن الأطباء رأوا أخيراً أن سلبيات علاجه بالكيماوي أوضح من إيجابياته، ففضلوا عدم علاجه به، وقبِل الشيخ ما فضَّلوه.
كتبه في جريدة الجزيرة - الطبعة الأولى - محليات الخميس ٢٣،شوال ١٤٢١، العدد١٠٣٣٩
الدرس الأخير لمحمد بن صالح العثيمين ﵀ في الحرم المكي:
قال بعض إخواني الشباب ممن حضروا ذلك الدرس:
الدرس الأخير لفقيد الأمة وفقيد العلم في الحرم كان درس العبرات .. !!
كنت ممن استمع إلى درسه الأخير - قدس الله روحه - في ليلة الثلاثاء المتمم للثلاثين من رمضان لهذا العام ١٤٢١هـ.
وكان لحضور هذا الدرس أهمية في نفسي لسببين:
أولهما: أنه قبل ذلك اليوم بيومين أخذ المرجفون يشيعون بالهاتف والإنترنت خبراً كاذباً عن وفاة الشيخ - قدس الله روحه - فنكذّب الخبر بصفتنا قد استمعنا للدرس في الحرم.
والثاني: أننا نعلم حقيقة ما ألمَّ بالشيخ من داء عضال، أجمع الأطباء قديما وحديثا على أن من وصلت حالته إلى ما وصلت إليه حالة الشيخ قد أصبحت أيامه معدودة إلا أن يشاء الله شيئاً
стр. 1299
وكان صوت الشيخ - قدس الله روحه - يشير [لما] وصلت إليه حاله من تدهور في الصحة العامة، ونحول شديد في جسمه نقله عنه كل من رآه، لا سيما وأن مرض السرطان - أجارنا الله وإياكم - معروف عنه أنه يسبب آلاماً رهيبة ومبرحة للمصاب به لا يمكن التغلب عليها إلا بجرعات كثيرة من دواء مخدر (كالمورفين)، ولا أشك في أن الشيخ - قدس الله روحه - وكما سمعنا أيضا - قد رفض تعاطي ذلك الدواء وآثر الاحتساب فعلى الله أجره ولله الأمر من قبل ومن بعد ..
كنت أستشف من خلال صوت الشيخ مقدار ما يعانيه، ولكنه كان مصرّاً على إلقاء درسه كالعادة حتى لو لم يستمر إلا ثلث ساعة أو أقل من ذلك، [وعندما] تشتد وطأة المرض عليه يغيب عن الحرم .. وقد افتقدناه حوالي أربعة أيام من الشهر لشدة ما ألم به، ثم عاد ونحن بين خوف ورجاء ..
كان درس ليلة الثلاثين درساً عجيباً مفرحاً ومحزناً اختلطت فيه الفرحة بالخوف، واختنقت فيه العبرات .. !!
كانت الفرحة بسماع صوت الشيخ المُتعب وتمثل الفرح في أنني تأكدت من كذب خبر وفاته المشاع يومها ..
بدأ الشيخ بالحديث بصوت أثقلته الآلام، فتحدث عن العيد وأن الله جعل للمسلمين ثلاثة أعياد - الأضحى والفطر والجمعة - حق للمسلمين أن يفرحوا فيها بما أنعم الله عليهم من توفيق للأعمال الصالحة، وفصّل فيها قليلا، ثم انتقل إلى الإجابة على الأسئلة ..
وقد أطال الشيخ - قدس الله روحه - درسه تلك الليلة على غير ما اعتدناه في هذه السنة من اختصار حتى أن الدرس في الأيام السابقة لذلك اليوم ربما لم يكد يستغرق العشرين دقيقة، إلا أن الدرس الأخير أخذ أكثر من خمس وثلاثين دقيقة أجاب فيه - قدس الله روحه - على أسئلة كثيرة .. !!
ثم اقتربت النهاية، وتسارعت الأنفاس، واضطربت نبضات القلوب خوفاً من أن هذا الدرس ربما يكون آخر العهد بشيخنا الحبيب الذي طالما ارتوينا من معينه، واستنرنا بنور علمه وفقهه!!
لا أدري كيف كان حال من حولي حيث أخذت أتخيل أننا ربما لا نلقى حبيبنا بعد عامنا هذا بل بعد درسنا هذا!!
لا أدري عما كانت آخر الفتاوى لانشغال الفكر بالتفكير في أن هذا ربما كان آخر العهد، ولكن سرعان ما انتبهت على انتهاء الأسئلة وقال الشيخ بعدها قولة حُفرت في الذاكرة!!
نعم لا زلت أذكر آخر كلمات نطق بها الشيخ فأوشك على البكاء وأبكى من استمع له .. !!
стр. 1300
قال الشيخ بصوته المتعب: وحيث أن هذه الليلة هي ليلة الثلاثين من رمضان فسيكون هذا آخر درس لهذا العام!!
يا للهول آخر درس!!! لقد قال الشيخ: آخر درس؟؟!! نعم قالها، ولكن قال بعدها وخنقته العبرة: لهذا العام، ولكن كان لسان الحال يقول: بل آخر درس إلى الأبد .. !!!
كان صوت لسان الحال أعلى من ذلك الصوت المثقل بالآلام فكأن الشيخ لم يقل: لهذا العام، وكأننا ما سمعناه قال إلا: آخر درس إلى الأبد!!!
إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها!!
نعم والله .. كان هذا ما شعرت به وشعر به من حضر ذلك الدرس الذي لا يُنسى أبد الدهر .. !!
حتى لقد رأيتُ من نقل عن الشيخ - قدس الله روحه - قوله هذا (آخر درس لهذا العام)، ولكن الناقل قد أسقط الكلمة الأخيرة وما قال إلا (آخر درس)!! ولا أشك في أنه لقي ما لقينا ونقل عن الفقيد ما قال لسان الحال لا ما قال هو .. !!
إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها!!
أعظم الله أجرنا وأجركم في فقيد الأمة وفقيد العلم والعلماء ..
على مثل ابن العثيمين فلتبك البواكي ..
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شيخ ... يموت لموته خلق كثير
أ. هـ
آخر ساعات محمد بن صالح العثيمين كانت مع كتاب الله:
تحدث الدكتور " عامر رضوي " عن آخر ساعة في حياة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين بأنه كان يقرأ القرآن الكريم، ثم دخل في غيبوبة وبعدها بساعة انتقل إلى جوار ربه الكريم.
وقد وصف د. رضوي - الطبيب المعالج - الأيام التي قضاها بجوار الشيخ بأنه كان يحس بالألم لمرض الشيخ وأنه يتعامل معه مثلما يتعامل الابن مع أبيه، وقال: وكنت أدعو الله له بالشفاء ولكن قدر الله كان أسرع.
وذكر د. رضوي بأن الشيخ ﵀ كان قليل الكلام، كثير الحمد والاستغفار، وقد سمعه يقرأ سورة الفاتحة وفي مرات أخرى كان يتمتم لصعوبة حالته الصحية وعندما سأل أبناءه عن ما يتمتم به الشيخ ذكروا بأنه يقرأ القرآن.
وفاة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
стр. 1301
لم يكتشف مرضّه إلا في شهر صفر من العام ١٤٢١ هـ، أثناء مراجعته لمستشفى الملك فهد بالرياض، وقد ظل الشيخ ﵀ صابراً محتسباً رافضاً للعلاج الكيماوي، ونزولاً عند رغبة ولاة الأمر بالإلحاح عليّه بالعلاج، سافر إلى بضعة أشهر إلى أمريكا للعلاج، ورغم ذلك لم تفتر عزيمته في سبيل نشر العلم ففي رحلته العلاجيّة تلك، وقبل ستة أشهر من وفاته نظم العديد من المحاضرات في المراكز الإسلامية والتقى بجموع المسلمين من الأمريكيين وغيرهم ووعظهم وأرشدهم كما أمهم في صلاة الجمعة.
وكان يحمل هم الأمة الإسلامية وقضاياها في مشارق الأرض ومغاربها وقد واصل -رحمه الله تعالى- مسيرته التعليمية والدعوية بعد عودته من رحلته العلاجية فلم تمنعه شدة المرض من الاهتمام بالتوجيه والتدريس في الحرم المكي حتى قبل وفاته بأيام.
أصابه المرض فتلقى قضاء الله بنفس صابرة راضية محتسبة، وقدم للناس نموذجاً حياً صالحاً يقتدي به لتعامل المؤمن مع المرض المضني، نسأل الله تعالى أن يكون في هذا رفعة لمنزلته عند رب العالمين.
توفي الشيخ ﵀ يوم الأربعاء ١٥ شوال ١٤٢١هـ وكانت وفاته في الساعة السادسة مساءً بمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدّة إثر إصابته بسرطان القولون الذي ظل يعاني منه لفترة طويلة وهو محتسب ذلك عند الله.
جنازة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
قال بعض إخواننا الذي حضورا جنازة الشيخ ﵀:
هكذا كان مشهد الرحيل ... الذي ودعنا فيه شيخنا ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه ليبدأ فيه رحلة الدار الآخرة.
لقد كان مشهداً يبعث على الرهبة والإجلال لذلك العالم الفذ الذي ملأ الدنيا بعلمه مسموعاً ومرئيّاً ومقروءاً.
стр. 1302
آه! لو رأيت تلك الجموع التي توافدت من كل صوب لتحضر الصلاة والدفن على شيخنا الجليل ... . وجوه واجمة حزينة تتعجل وصولها إلى الحرم منذ وقت مبكر ... .. غص الحرم على غير عادته في مثل هذا الوقت فالصلاة صلاة عصر وليس موسم إجازة، بل هو موسم اختبارات ومع ذلك فقد كنت تشعر أن المسجد الحرام قد امتلأ بالمصلين ... وتتيقن تماما حينما تجد الأعناق تشرئب لتنظر إلى ذلك المسجى أَمام الإمام، فقد وضعت الجنازة منذ الساعة الثالثة تقريباً تحت حراسة مكثفة - وليس لهم سبيل أن يضعوها إلا في ذلك الوقت فقد كان الحرم يغص غصّاً بالناس - وما عدت ترى في الصحن إلا شباباً، وتوقفت حركة المطاف نهائيّاً، وما أن انتهت صلاة العصر وتقدم بالجنازة ليصلي عليها إمام الحرم - حفظه الله - ونادى المنادي " الصلاة على الأموات يرحمكم الله " حتى تحس كأن القلوب انخلعت من أماكنها، وسرى خشوع عجيب، وصمت رهيب، لا تكاد ترى أحداً لم يقم ولم يصل ... فقد كان الحديث عن الجنازة يملأ أرجاء الحرم قبل الأذان وبعده.
وصُلِّي عليه رحمه الله تعالى، وما أن فرغ الإمام من الصلاة عليه حتى تسابقت الجموع لحمله ... .. أنى لك يا " نور " - كاتب المقال - أن تصل إليه فتحمله، [هناك] مئاتٌ كلٌّ يريد حمل ذلك الجثمان رحمة الله تعالى عليه، وانطُلق به إلى مقبرة " العدل " بسيارة إسعاف من طريق خاص حيث قد أغلقت الطرق ولا تستطيع أن تصل إلى المقبرة إلا عن طريق طويل، والجموع قد سبقت بالسيارات، وجموع منتظرة في المقبرة، لفيف عظيم من كل المستويات: علماء، وطلبة علم، وعوام، غصت بهم مقبرة " العدل " بمكة المكرمة، وازدحمت الشوارع المحيطة بالمقبرة بسياراتهم ولك أن تتخيل ذلك الجو الكئيب الذي سيطر على الجميع، فلا تكاد تسمع إلا " أحسن الله عزاءنا في شيخنا، وعوض الأمة خيراً في فقده ".
حفر له قبره، ولحُِّد، وأهيل التراب عليه رحمة الله تعالى عليه، ولم تستطع قوات الطوارئ الكثيفة المتواجدة بالمقبرة أن تمنع الشباب [من] أن يصلوا إلى قبر الشيخ، فقد غلبتهم كثرة الناس فما عاد لهم إلا أن يقفوا مع الواقفين، ووقفت تلك الجموع في رهبة عظيمة ترفع أيديها لمولاها أن يسبغ على الشيخ واسع رحمته وأن يسكنه فسيح جنته، فلم تعد تسمع إلا همهمة دعاء وابتهال متضرع وسؤال خاشع يسألون له الرحمة.
وما انتهت مراسم الدفن إلا في الساعة الخامسة والنصف عصراً من زحمة الناس.
стр. 1303
هنيئاً لذلك الجثمان الطاهر الذي عاش لأجل غيره فعاش كبيراً ومات كبيراً.
اختفى عن الأنظار لكنه لم يتزحزح من القلوب ... .. بقيت كلماته مدوية في الآذان وعلمه مبسوط للناس وما مات من كان ذلك شأنه مثل الشيخ ابن عثيمين يفرح له فقد قدم للإسلام الشيء الكثير وشهد له البشر بالخير والعلم والفضل والبذل لا ينكر ذلك إلا حاقد ... . وعلى أمثالنا فلتبك البواكي ... رحمة الله تعالى عليك فقد كنت لنا جميعا نعم الأب والمعلم. أ. هـ
بيان الديوان الملكي بوفاة الشيخ ﵀
انتقل إلى رحمة الله تعالى مساء أمس في جدة فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عضو هيئة كبار العلماء اثر مرض عانى منه طويلا وسيصلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة عصر اليوم "الخميس" الموافق ١٦/ ١٠/١٤٢١هـ إن شاء الله ومن ثم يوارى الثرى بمكة المكرمة.
نسأل الله جل وعلا أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جنته، وأن يلهم أسرته وذويه الصبر ويجزل لهم الأجر ويعوض المسلمين بفقده خيراً، والحمد لله على قضائه وقدره.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ما حصل عند تغسيل محمد بن صالح العثيمين ﵀:
ذكر المغسلون الذين قاموا بتغسيل الشيخ ﵀ وتكفينه انهم شاهدوا نورا وبشاشة في الوجه وسهوله في التغسيل، حتى أن المغسلين تفاجئوا من نظافة الشيخ عندما أتوا به وكانوا يعتقدون أنه قد غسل قبل مجيئه، وبسبب ارتخاء في الفكين كان فم الشيخ مفتوحا ظاهرة أسنانه وكأنه مبتسم فحاول ابنه عبد الرحمن قفل فم الشيخ لمدة نصف ساعة ومع ذلك لم يستطيعوا ..
ولعل هذا بإذن الله من المبشرات ومن علامة حسن الخاتمة وهذا ما نرجوه للشيخ غفر الله له ولنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. اللهم آمين.
ذكرت هذه الحادثة في مجلة " الدعوة " عدد رقم (١٧٦٦).
رؤى في الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
روى أحد طلاب الشيخ ابن عثيمين وهو فضيلة الشيخ عبد العزيز بن فوزان الفوزان عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام معهد القضاء العالي والمدرس حالياً في معهد العلوم الإسلامية في أمريكا رؤيا رآها في الشيخ ﵀، حيث قال في خطبة صلاة الجمعة في أمريكا - نقلها بعض الإخوة ممن سمع الخطبة -:
стр. 1304
رأيتُ أنني ذهبت إلى منزل الشيخ المعروف في " عنيزة " كعادتي ورأيت منزلا غير الذي أعرفه؛ رأيت قصراً ضخماً لا أستطيع أن أصف لكم ما به من زينه وجمال؛ لأنه يفوق ما نعرفه، ودخلت القصر ورأيت الشيخ أمامي في أحسن حال وأجمل صورة، أطول من قامته المعروفة، وفي صحة كاملة فرحب بي فجعلت أبكي وأقبِّله عن يمينه وشماله حتى هدأ روعي، ثم أخذني وخرجنا من القصر وإذ أنا أمام الحرم المكي؛ الناس تصلي وإذا بمجنزرات ضخمة لم تُصنع حتى الآن تهدم البيوت المجاورة للحرم الشريف من أجل توسعة الحرم، ثم دخلنا القصر وذهبنا إلى المجلس فوالله لا ترى آخره وفيه من النمارق والفرش والزينة مالا يتخيله أحد، ثم ذهبت أقضي حاجةً للشيخ طلبها لنفسه، ومن حبي للشيخ ترنمت بأبيات أمدحه فيها، وإذ هو يسمعني فضحك.
فتنبهت من نومي، وسألتُ أهل العلم في هذا الحلم فأفادوا: أن الشيخ إن شاء الله وجد من الله الجزاء الحسن، وأن التوسعة حول الحرم إنما يدل على انتشار الإسلام في جميع أنحاء العالم.
هذا ما سمعته بأذني من الشيخ في خطبة الجمعة ١٢ يناير ﵀ شيخنا ابن عثيمين وأسكنه فسيح جناته، وغفر الله لشيخنا عبد العزيز الفوزان وأطال الله في عمره. أ. هـ
مقال كتبته قبل وفاة الشيخ
وقد كتبتُ مقالاً قبل وفاة الشيخ بنحو ستة أشهر - وذلك لما ذهب الشيخ ﵀ للعلاج في " أمريكا " -، أرى أن فيه فائدة أجعله في أواخر كتابتي هذه:
" أعَلَى مثل مشايخنا: ابن باز والألباني وابن عثيمين نبكي؟ فلنبكِ على أنفسنا "!
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فإن كان منَّا بكاء فليكن على أنفسنا، لا على مشايخنا وأئمتنا؛ ذلك أنهم لقوا ربهم وقد قدموا لأنفسهم ما يفرحون به.
فالشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ مات وقد نصر العقيدة السلفية، وبيَّن المنهج الحق الواضح، وألَّف عشرات الرسائل، وأفتى آلاف الفتاوى، وله مئات الأشرطة العلمية النافعة، مات وقد حج أكثر من خمسين حجة وأضعافها من العُمَر، ومئات الطلبة النابغين النابهين، مات وأمامه شفاعات شفع فيها لمستحقيها، وأموال قدَّمها لمحتاجيها، وعمل خير لا يمكن إحصاؤه ها هنا.
أمثل هذا يُبكَى عليه؟؟
وشيخنا الألباني ﵀ نصرَ السنة، وقمع البدعة، وأوضح المحجة، وبيَّن صحيح السنَّة مِن ضعيفها، وألان للناس الحديث، وله عشرات الكتب النافعة، وآلاف الأشرطة العلمية الشرعية.
أمثل هذا يُبكَى عليه؟؟
стр. 1305
وهذا رفيق دربهم وثالث أئمتنا الشيخ ابن عثيمين، يلقى ربه - إن شاء الله - ولم يترك فنّاً إلا وشرحه وبيَّنه، وله آلاف الفتاوى والأشرطة، ومئات الطلبة بل آلاف منهم من تتلمذ عليه مباشرة ومنهم من تتلمذ على أشرطته، ألان للناس الفقه، فقرأ الناس الفقه وفهموه بعد كان لا يجرؤ عليه إلا الخاصَّة.
يموت الشيخ وهو صاحب همَّة عالية، لم يمنعه مرض من إفتاء، ودروس، وخطبة جمعة، لم يبع دينه بعرض من الدنيا، أتته الدنيا وهي راغمة فركلها برجله، وُهبت له أبنيةٌ فجعلها وقفاً على طلبة العلم، وأُعطي الأموال الطائلة فجعلها للنفقة عليهم، أفتى ودرَّس الطلبة والمعتمرين والحجاج، لم تأت عليه سنة إلا وفيها عدة عُمَرٍ وحجة، كان فيها العابد والمعلِّم والمربِّي والمنفق في سبيل الله.
أمثلُ هذا يُبكَى عليه؟؟
إخواني:
إنما يُبكى على من مات مقصِّراً لاهياً تاركاً أمر الله، أما من مات على عقيدة صحيحة، ومنهج صحيح، وتعليم وتوجيه وتربية: فهنيئاً له هذه الميتة مع كثرة فتن هذا الزمان.
أسألكم بالله ألا تحبون أن تموتوا على مات عليه هؤلاء الأئمة؟؟
فلم لا نعمل عملهم؟ ولا نقدم لأنفسنا مثل ما قدَّموا؟؟
وإنه وإن في القلب لوعة وحسرة على فقدان أئمة الهدى، فإن فيه فرحاً بأنهم يقدمون على ربٍّ غفور رحيم كريم، أسأله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة وأن يسكنهم الفردوس، وأن يبدلنا خيراً منهم، وأن يلحقنا بهم على خير.
والحمد لله أولاً وآخراً
أ. هـ
﴿الخاتمة﴾:
اعلموا أحبتي في الله تعالى " أن الله تعالت صفاته، وتقدست أسماؤه، يختص من أحب ممن آمن به وتوكل عليه لحملة دينه ونشر سنة نبيه ﷺ ، فيتفضل عليهم فيعلمهم الكتاب والحكمة، ويفقههم في الدين، ويعلهم التأويل ويرفعهم بالعلم ويزينهم بالحلم " (١).
وهذه الكوكبة من العلماء التي دونّا سيرهم الموجزة ممن أختارهم الله لحملة دينه ونشر هدي وسنة نبيه ﷺ ، وما كان عليّه السلف الصالح من أخلاق وآداب وسنن - نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحد.
стр. 1306
فمع مداد دموع المحبين " سقط القلم من بين أصابع تلك الثلّة الطيبة من العلماء، وذاب صوتهم القوي النديّ اللطيف، الذي ملأ طباق الأرض علماً، وسكتت ألسنتهم التي جالت الحكمة من فوقه، وأطبقت الشفاة التي طالما تحركت بالتوحيد والتفسير والتأويل والفقه، وحيل بين الثرى وبين الثُريا برحيلهم، وحزن الكثير ممن لم يلتحق بحِلَق درسهم ومتابعة علومهم والتلقي بين أيديهم ... وتنفست الصعداء صدور تربع الحقد والحسد من فوقها، واستبشرت النفوس المريضة التي أعياها السوء والبغضاء أن عجزت إدراك الفضيلة التي نلتموها، وما هيأ الله لكم من القبول التي سعت إليه نفوس طلاب العلم خاصّة والناس عامّة من شتى أقطار الأرض فكنتم بها بحق مجددين لعصركم ناشرين به علمكم الذي علمكم الله ... " (١) فرحمكم الله رحمة واسعة، وألحقكم بالأنبياء والشهداء والصالحين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والحمد لله وحده أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
﴿تم بحمد الله تعالى ومنته﴾
[*] مراجع الكتاب:
(١) القرآن الكريم
(٢) صحيح البخاري
(٣) صحيح مسلم
(٤) صحيح أبي داود
(٥) صحيح الترمذي
(٦) صحيح النسائي
(٧) صحيح ابن ماجة
(٨) صحيح الأدب المفرد
(٩) صحيح الجامع
(١٠) السلسلة الصحيحة
(١١) صحيح الترغيب والترهيب
(١٢) كتاب الزهد لابن المبارك
(١٣) أبو بكر الصديق شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(١٤) عمر ابن الخطاب شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(١٥) عثمان ابن عفان شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(١٦) علي ابن أبي طالب شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(١٧) إحياء علوم الدين للغزالي.
(١٨) كن من الزاهدين لأمير بن محمد المدري.
(١٩) تزكية النفوس للدكتور أحمد فريد
(٢٠) سير أعلام النبلاء للذهبي
(٢١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم
(٢٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير
(٢٣) الترغيب والترهيب، للمنذري.
(٢٤) جامع العلوم الحكم لابن رجب.
(٢٥) جلاء الأفهام لابن القيم.
(٢٦) الجواب الكافي، لابن القيم.
(٢٧) رياض الصالحين، للنووي.
(٢٨) الروح، لابن القيم.
(٢٩) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم.
стр. 1307
(٣٠) عون المعبود بشرح سنن أبى داود، لشمس الحق أبادي.
(٣١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر.
(٣٢) مدارج السالكين، لابن القيم.
(٣٣) مفتاح دار السعادة، لابن القيم.
(٣٤) موعظة المؤمنين، للقاسم.
(٣٥) الوابل الصيب، لابن القيم.
(٣٦) كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي
(٣٧) سلسلة أعمال القلوب للشيخ محمد المنجد.
(٣٨) "حلية الأولياء" للحافظ أبو نُعيم
(٣٩) أسد الغابة لابن الأثير
(٤٠) "صفة الصفوة" لابن الجوزي:
(٤١) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني
(٤٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر
٤٣) تذكرة الحفاظ للذهبي
٤٤) طبقات الحفاظ للإمام السيوطي
٤٥) حياة الصحابة للكاندهلوى
٤٦) اللآلئ الحِسَان بِذِكر مَحاسِن الدعاةِ والأعلام لمهنا نعيم مصطفى نجم.
(٤٧) المورد العذب المعين من آثار أعلام التابعين لمحمد خلف سلامة.
(٤٨) مرآة الجنان وعبرة اليقظان لليافعي
(٤٩) أخبار القضاة لوكيع
(٥٠) طبقات الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين للبرديحي
(٥١) طبقات الحنابلة لأبي يعلى الحنبلي
(٥٢) طبقات المفسرين للسيوطي
(٥٣) طبقات المفسرين لأحمد الأدنروي
(٥٤) طبقات الفقهاء للشيرازي
(٥٥) البداية والنهاية لابن كثير
(٥٦) تهذيب الكمال للمزي
(٥٧) الآداب الشرعية لابن مفلح
(٥٨) أدب الدنيا والدين للماوردي
(٥٩) صور من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفت باشا
(٦٠) ذم الهوى لابن الجوزي
(٦١) ذم الهوى والنفس للشيخ عبد الهادي حسن وهبي
(٦٢) تهذيب الكمال للحافظ المزي.
(٦٣) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي.
(٦٤) الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي.
(٦٥) مختصر تاريخ دمشق للإمام محمد بن مكرم المعروف بابن منظور تحقيق: إبراهيم الزيبق.
(٦٦) تاريخ أمراء المدينة المنورة تأليف عارف أحمد عبد الغني.
(٦٧) طبقات الفقهاء تأليف: أبو إسحاق الشيرازي.
(٦٨) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان.
(٦٩) غاية النهاية في طبقات القراء محمد بن محمد بن الجزري.
(٧٠) رجال حول الرسول لخالد محمد خالد.
(٧١) خلاصة تهذيب الكمال لأحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري.
(٧٢) الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي.
(٧٣) تاريخ الإسلام للذهبي.
(٧٤) جذوة المقتبس للحافظ أبي عبد الله الحميدي.
(٧٥) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للإمام السخاوي.
(٧٦) كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي:
(٧٧) غاية النهاية في طبقات القُراء لابن الجزري:
стр. 1308
كتاب الرقائق
إن الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَ لَه ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار شهادةٌ أدخرها ليومٍ تذهل فيه العقول وتشخصُ فيه الأبصار شهادةٌ أرجو بها النجاةَ من دار البوار وأؤمل بها جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، هو الأولُ فليس قبله شيء والآخرُ فليس بعده شيء والظاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء، ليس كمثلهِ شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمد عبده ورسوله المصطفى المختار الماحي لظلام الشرك بثواقب الأنوار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار صلاةً تدوم بتعاقب الليل والنهار.
(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢]
(يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاً)
[النساء/ ١]
(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب ٧٠ - ٧١]
أما بعد
стр. 1309
لما كان الداعية إلى الله تعالى يحتاج إلى الزهد حاجةً مُلِّحَةً مَاسَّةً لأن الزهد ليس من نافلة القول، بل هو أمر لازم لكل من أراد رضوان الله تعالى والفوز بجنته، فالزهد طريق النجاة، وسلم الوصول، ومنهاج القاصدين، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وطريق السالكين إلى مرضاة رب العالمين، والزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين ودربُ من دروب عباد الله الصالحين، وهو مسلكٌ شريف لنيل حب الله تعالى الذي هو منتهى أمل العبد وأقصى غايته لأنه من نال حب الله تعالى نال السعادة في الدارين، فنيل محبة الله تعالى هو الغاية القصوى وغايةُ النهاية من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، وهو مسلك للتأسي بالنبي ﷺ لأن النبي ﷺ كان إمام العابدين وسيد الزاهدين، والزهد كذلك هو سبيل النجاة من حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة ومصدر كل شر وأساس كل بلية، وهو أكبر عَوْنٍ بعد الله تعالى في الرغبة في الآخرة إذ لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، فالدنيا دار سفر لا دار إقامة، ومنزل عبور لا موطن حبور، وينبغي للمؤمن أن يكون فيها على جناح سفر، يهيئ زاده ومتاعه للرحيل المحتوم، والسعيد من وُفَّق لرؤية الأشياء على حقيقتها واتخذ لهذا السفر زاداً يبلغه إلى رضوان الله تعالى والفوز بالجنة والنجاة من النار.
стр. 1310
(ولما كان المسلمون بأسرهم المتعلم منهم والأمي والمتحضر والبدوي والمدنَّي والقروِّي يحتاجون حاجةً مُلًّحةً ماسَّة إلى ما يُرَقَّق قلوبهم ويتسبب في خشوعها وإنابتها إلى ربها في زمن قست فيه القلوب، وظهرت فيه الذنوب، ولم يستحي الكثير من علام الغيوب فطفقوا يبارزونه بالإثم والحوب، وفي وقت كثرت فيه الدعوات الأرضية المضلة، واشتد فيه الظلام وظهر الباطل على الحق ظهورا آنيا، وسيطرت فيه المادية حتى تغيرت كثير من القيم السامية، فما أشد حاجة العبد المسلم إلى الرقائق التي تثبت قلبه في زمن حار فيه الكثير من الناس فانغمسوا في القيم الهابطة التي غزت العقول والقلوب والمجتمعات، فقد أصبحنا نعيش في مجتمع طغت عليه المادية وانتشرت الشهوات بكل لون وفي كل وقتٍ وحين حتى صار الإنسان غارقاً في الشهوات إلى الأذقان وبلغ فسقه عنان السماء ـ إلا ما رحم ربي ـ، فأصبحنا في أيام الصبر الذي أخبر عنها النبي ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث أبي ثعلبة الخُشَنِّي ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم.
стр. 1311
ـ وأيام الصبر هي أيام الإبتلاء في الدين والشهوات المستعرة والشبهات المستحكمة ومع ذلك المرء صابر لدينه. فسماها أيام الصبر لأنه لا يستعمل فيها إلا الصبر ولا حلّ إلا الصبر، والصبر هو القائد وهو الملاذ والحصن الحصين، الذي من دخله عُصِم ـ بخلاف من كان قبلنا كانوا يعيشون في محيطٍ إسلامي والمنكرات تُسْتَتَر، أما الآن فالمنكرات كثرة مما يزيد من احتمال تأثر المؤمن بها من حيث لا يريد، فتكون الرقائق بمثابة الوقود التي تعطي المسلم طاقة في مواجهة هذه المنكرات، لأن الرقائق تعطي قوة دفع للمسلم لامتثال ما يؤمر به والانتهاء عما ينهى عنه، فمثلا كان أول ما أنزل ذكر الجنة والنار وما فيهما وما أعد لأهلهما، ثم نزلت الأحكام بعد أن تهيأت النفوس للقبول، تقول عائشة: "أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبدا"، فالرقائق تقوي الإيمان الذي يعين المسلم على الثبات في مواجهة الشهوات، ومن المعلوم أن الشهوات سببت ضعف إيمان كثير من المسلمين لأن مخاطبة العقل وحده قد لا تكفي ما لم تكن ممزوجة بإثارة العاطفة، إذ أن مخاطبة العقل وحده قد لا تنتج إلا معلومات نظرية جافة لا حياة فيها، أما مخاطبة العقل والعاطفة فتؤدي إلى الإقناع والتطبيق العملي، ثم إن العناية بالرقائق تجنب طالب العلم بإذن الله الإصابة بالأمراض الفتاكة التي تفتك بدين المسلم كآفة العجب أو الحسد أو الهوى أو غيرها والعياذ بالله.
стр. 1312
(ولما كان المسلم بحاجة ماسةٍ إلى سلوك الأدب وتحقيقه بين الأفراد لأن الناس إذا تحلوا بمراعاة الأدب بينهم حصل الاطمئنان والأمن بينهم، فحقوقهم مكفولة وسمعتهم محترمة ومكانتهم محفوظة، فيطمئنون على أنفسهم لأن الأدب ينزع الأحقاد من صدور الناس وإذا التزم الناس بالآداب الشرعية صَفت النفوس فسادت الأخوّة والمحبة والألفة المجتمع، ثم إن الداعيةُ إلى الله تعالى يحتاجُ إلى التحلي بالآداب سيراً على منهج السلفِ الصالحِ في التعلم حيث كان منهجهم في التعلم (أن يتلقوْا العلمَ مع الأدب) لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه لأن الأدب طريقُ العلم النافع: فطالب العلم لن ينال العلم وبركته بدون أدب لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه، وقد حذّر السلف كثيراً من طلب العلم بدون أدب، فقال الإمام البوشنجي الفقيه المالكي (ت:٢٩١هـ) (من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٨٦) للذهبي، وأورد الإمام بن الجزري في غاية النهاية في طبقات القُراء عن ابن المبارك قال: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم، أورد ابن الجوزي في صفة الصفوة عن ابن المبارك قال: كاد الأدب يكون ثلثي العلم،،وقال بكر أبو زيد في حلية طالب العلم صـ٦ (لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلّي بمحاسن الأدب ومكارم الأخلاق سِمةُ أهل الإسلام وأن العلم لا يصل إليه إلا المُتحلي بآدابه المتخلي عن آفاته) أهـ، فالحاصل أن الأدب مهم جداً للفرد وللمجتمع وخاصةً طالب العلم، وإنما أعني بالآداب أدب الدين والدنيا لأن َأَعْظَمُ الأمور خَطَرًا وَقَدْرًا وَأَعُمُّهَا نَفْعًا وَرِفْدًا مَا اسْتَقَامَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَانْتَظَمَ بِهِ صَلاَحُ الآخرة والأولى؛ لِأَنَّ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ، وَبِصَلاَحِ الدُّنْيَا تَتِمُّ السَّعَادَةُ.
стр. 1313
لهذه الأسبابِ الثلاثةِ مجتمعة رأيت أن أقدم هذا الجهدَ المُقل المسمى (فَصْلُ الخِطَابِ في الزُهْدِ والرَقَائِقِ والآداب) مبتدأ بـ (الزهد) ثم (الرقائق)، ثم أنتقل إلى (الآداب) ليتحلى بها طالب فيكون الداعيةُ إلى الله بعد دراسته لهذا الكتاب قد عمل على تزكية نفسه وتهذيبها فيكون زاهداً رقيقَ القلبِ متحلياً بالآداب مما يُؤهله إلى الدعوة إلى الله على بصيرة امتثالاً لقوله تعالى: (قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة: يوسف - الآية: ١٠٨].
(عملي في هذا الكتاب:
(١) إيراد لُباب النقول من الكتب الفحول في الزهد والرقائق والآداب، بادئاً بكتاب الزهد فأقدم زُبْدَةَ مسائله في إيجازٍ غيرِ مُخِّل فَأُبَيِّنُ حقيقة الدنيا وذم التنافس على الدنيا ثم أقسام الناس في حبهم للدنيا وبيان أضرار حب الدنيا ثم بيان حقيقة الموت ثم أورد تعريف الزهد وبيان حقيقة الزهد ودرجات الزهد وأقسامه وحكم الزهد وفضائل الزهد وحاجة الناس إلى الزهد وبيان كيف يزهد العبد في الدنيا ويرغب في الآخرة وما هي خصال الزهد وعلامات الزهد و متعلقات الزهد وما ليس بزهد وَيُتَوَهَمُ أنه زهد ثم أختم كتاب الزهد ببيان الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا.
(ثم أنتقل إلى كتاب الرقائق فأقدم زُبْدَةَ مسائله تعريفاً وَحُكْمَاً في إيجازٍ غيرِ مُخِّل، فأقوم بتعريف الرقائق ثم بيان حاجة الناس إلى الرقائق، ثم بيان الأشياء التي تسبب رقة القلب من معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته واقتضاء هذه المعرفة لآثار هذه الأسماء الحسنى والصفات العلا من العبودية، وذكر الجنة والنار، وذكر الموت وما بعده من عذاب القبر ونعيمه، والتفكر في أهوال يوم القيامة، وزيارة القبور وما لها من أثر بالغ في ترقيق القلوب، واستحضار سوء الخاتمة وحسنها، وتذكر الذنوب السابقة، ومعرفة الدنيا وما جُبِلَت عليه من التقلب، والتفكر في آيات الله الكونية، ومجالسة الصالحين، والاستكثار من الأعمال الصالحة، ثم أتطرق إلى تزكية النفوس وهو من أعظم أبواب الرقائق لأنه يحصل بتزكية النفس تطهيرها وتطييبها، حتى تستجيب لربها وتفلح فى دنياها وآخرتها كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٩،١٠).
стр. 1314
مما يعمل على ترقيق القلب لا محالة، فأورد صفوة مسائل تزكية النفوس مبتدأً بشرطي قبول العمل، ثم فضل العلم والعلماء، وحكم تعلم العلم و آداب طالب العلم، ثم أنواع القلوب وأقسامها، و سموم القلب الأربعة، و أسباب حياة القلب وأغذيته النافعة من ذكر الله وتلاوة القرآن والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ والدعاء، ثم قيام الليل وفضله، ثم أحوال النفس ومحاسبتها، ثم التفكر، ثم الصبر والشكر، ثم التوكل، ثم مقامات الإيمان من المحبة والخوف والرجاء، ثم التوبة، ثم التقوى، ثم الورع وترك الشبهات، وغيرها.
стр. 1315
(ثم أنتقل إلى كتاب الآداب فأقدم زُبْدَةَ مسائله تعريفاً وَحُكْمَاً في إيجازٍ غيرِ مُخِّل، فأقوم بتعريف الأدب، ثم بيان منزلته وفضله، وبيان حاجتنا إلى الأدب، وما هي مراتبه وأنواعه وكيف نكتسب الأدب الشرعي، وإنما أعني بالآداب أدب الدين والدنيا لأن َأَعْظَمُ الأمور خَطَرًا وَقَدْرًا وَأَعُمُّهَا نَفْعًا وَرِفْدًا مَا اسْتَقَامَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَانْتَظَمَ بِهِ صَلاَحُ الآخرة والأولى؛ لِأَنَّ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ، وَبِصَلاَحِ الدُّنْيَا تَتِمُّ السَّعَادَةُ، ثم أقوم بشرح كل أدب على حدة في إيجازٍ غير مُخِل، وما أحَسَنَ تقسيم الإمام الماوردي رحمه الله تعالى في ذلك في كتاب أدب الدين والدنيا، فإنه كتاب عظيم النفع جداً في الآداب فقد جذبني إليه إنجذاب الحديد للمغناطيس مما جعلني أصنف كتاب الآداب على تصنيفه على أبواب خمسة هي: الْبَابُ الأوَّلُ فَضْلُ الْعَقْلِ وَذَمُّ الْهَوَى، الْبَابُ الثَّانِي أَدَبُ الْعِلْمِ، الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ، الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا، الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ، غير أني لم أقتصر على ما فيه من علم رغم سعة علمه وغزارة فهمه ودقة استنباطه بل أضفت إليه زُبدة كتب الآداب مثل الآداب الشرعية لابن مفلح، لباب الآداب لأسامة بن منقذ ﵀ توفي سنة (٥٨٤)، الأدب المفرد للإمام البخاري ﵀، وأخلاق النبي ﷺ وآدابه للحافظ بن حيان الأصبهاني (توفي ٣٦٩هـ) محقق في أربعة مجلدات، وكتاب الآداب لفؤاد بن عبد العزيز الشلهوب، وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (توفي ٧٥١هـ)، وغيرها فاجتمع عندي لُباب النقول من الكتب الفحول، أسأل الله تعالى أن يُلْبسها حُلل القبول وأن يرزقني وإياكم الثواب المأمول إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1316
(٢) إن هذا الكتاب خلاصةٌ انتَخَلْتها وزبدةٌ استخلصتها بفضل الله تعالى ومعونته وَمِنَتِه من صفوة الكتب في الزهد والرقائق والآداب، عدا كتب التفسير والحديث والفقه ونحوها، جمعت منها غرر الفوائد، ودرر الفرائد، وأخذتُ منها لباب النقول من الكتب الفحول، أهديها لكل ِلسَانٍ سَؤوْلٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ، سائلاً الله تعالى أن يُلْبِسَها حُلَل القبول وأن يرزقني وإياكم الثواب المأمول، وهآنذا أضع هذا الجهد المُقِل بين يدي القارئ الكريم من باب الذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، يجد فيه وصايا ذهبية صادرة عن إخلاصٍ وحُسنِ طوية لكل من أراد أن تكون نفسه زاكيَةً عليَّةً، تقيةً نقيةً عفيفةً حييًّةً حرةً أبيَّة مُشَمِّراً في الطاعة حتى تأتيه المَنِيِّة، راجياً منه أن يُعِرْها سمعه وَفِكْرَه وأن تجد له في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقِعاً عسى الله أن ينفعه بها ويُوَفِقْه إلى تطبيقها.
(٣) أنني لا أورد حديثاً إلا عزوته إلى بعض الكتب الصحيحة على المنهج الآتي: (
стр. 1317
ما كان في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بذلك، وما لم يكن في الصحيحين أو أحدهما أعزوه إلى صحيح السنن الأربعة إن كان موجوداً بها كلها، وإن كان موجوداً في بعضها فإنني أعزوه إلى كتابين فقط منهم وإن كان موجوداً في ثلاث، وإن كان موجوداً في كتاب واحد منهم أعزوه إليه، وهكذا تجدني أيها القارئ الكريم أُقَدِّمُ الكتبَ الستةَ على غيرها لأنها عماد طالب العلم في الحديث ـ بعد الله تعالى ـ، وما لم يكن في الكتب الستة فإنني أعزو الحديث إلى غيرها من الكتب الصحيحة مثل صحيح الجامع، صحيح الأدب المفرد، السلسلة الصحيحة، صحيح الترغيب والترهيب، صحيح السيرة النبوية، كما أنك تجدني أيها القارئ الكريم أحيل في تصحيح الحديث وتضعيفه على العلامةِ الضياءِ اللامعِ والنجم الساطع الشيخ الألباني ﵀، ونحن حينما نحيل على الشيخ الألباني فإننا ـ ولاشك ـ نُحِيْلُُ على مليٍّ لأنه كوكبُ نظائره وزهرةُ إخوانه في هذا الشأن في زماننا، هذا العالم الجليل الذي وسَّع دائرةَ الاستفادةِ من السنة بتقديمه مشروع (تقريب السنة بين يدي الأمة) ذلك المشروع الذي بذل فيه أكثر من أربعين سنة، ومن أراد أن يعرف هذه الفائدة العظيمة فلينظر على سبيل المثال إلى السنن الأربعة التي ظلَّت مئات السنين محدودة الفائدة جداً حيث كانت الاستفادة منها مقتصرة على من كان له باع في تصحيح الحديث وتضعيفه ولكن بعد تقديم الشيخ الألباني لصحيح السنن الأربعة اتسعت دائرة الاستفادة حتى تعم كل طالب أراد أن يستفيد، وهذا ولا شك فائدة عظيمة جداً عند من نور الله بصيرته وأراد الإنصاف، ومن المؤسف في زماننا هذا أن نرى بعض طلبة العلم ممن لا يقام لهم وزناً في العلم يتطاولون على الشيخ الألباني ويجترئون عليه ويترقبون له الهفوات ويتصيدون له الأخطاء ويلتمسون العثرات ليشهروا به، وهذا ـ ولا شك ـ يدل على فسادِ النية وسوء الطوية وسقامةِ الضمائر ولؤم السرائر ويدل كذلك على أن قلبه أخلى من جوف البعير، إذ لو تعلم العلم لَعَلِمَ أن من أدب العلم التوادَ فيه، ولقد كان ابن عباس – ﵄ يأخذ بركاب زيد ابن ثابت ﵁ ... ـ ويقول هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء، وكان الشافعي ﵀ يقول لعبد الله ابن الإمام أحمد: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل يوم عند السحر، ولا أدري كيف سوَّلت لهم أنفسهم أن يتطاولوا على عالمٍ صاحب حديث رسول الله أكثر من نصف قرن؟!، أما كان يجب عليهم أن
стр. 1318
يدعوا له في كل سجدةٍ يسجدونها لله تعالى جزاءاً لما وفقه الله تعالى في هذا العمل الجليل تجاه السنة المُشَرَّفة بدلاً من أن يتجرئوا عليه، نعوذ بالله تعالى من الخبال!، ثم ماذا ينقمون عليه؟! فقد كان رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، وكان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، وكان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان ﵀ ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسيَ القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه.
،
стр. 1319
ولا أدري كيف يتطاولون على العالم والكتاب والسنة طافحين بما يدل على احترام أهل العلم وتوقيرهم، ألا فليحذر طالب العلم من أن يكون سيئ الخلق ناطحاً للسحاب يترقب للعالم الهفوات ويلتمس العثرات لِيُشَهِّرَ به فإن ذلك ينقصُ من مقدار التقوى عنده مما يكون سبباً في حرمانه من العلم، بل ينبغي لطالب العلم أن يكون كريمَ الطباع حميدَ السجايا مهذبَ الأخلاق سليمَ الصدر مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر إذا تكلم غَنِم وإذا سكت سَلِم وينبغي له أن يعرف أن العالم مع جلالته وسعة علمه قد يخطأ في اجتهاده فإن لكل جوادٍ كبوة ولكل عالمٍ هَفْوَة وسبحان من له الكمال، فلا يكن خطأ العالم سبب لانتقاصك لحقه أو فرصة للنيلِ منه، وليكن نصب عينيك ومحط نظرك وقِبْلة قلبك أن العالم مثابٌ على اجتهاده سواء أصاب أم أخطأ وحسبُك حديث النبي ﷺ الثابت في الصحيحين عن عبد الله ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.، ثم عليك بعد ذلك أن تترك العالم هو الذي يحكم على العالم واخرج من بين النسور ولا تناطح السحاب.
(٤) أنا أقدم هذا الكتاب كتمرين لطالب العلم على حفظ المسألة بأدلتها من الكتاب والسنة الصحيحة حتى ينشأ طالب العلم على هذا النحو وحتى يصل إلى أن يكون ذلك طبعاً له لا تكلفاً ويكون الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعض عليهما بالنواجذ، لأن ذلك سبيل النجاةِ من الضلال لقول النبي ﷺ فيما ثبت في صحيح الجامع عن أبى هريرة ﵁ (تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)
ولسان حاله يقول: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا خالفت الوحيين الشريفيين الكتاب والسنة الصحيحة.
стр. 1320
ويجب التنبيه على طالب العلم أن يتمسك بالوحيين كليهما (الكتاب والسنة) وليس الكتاب فقط لقول النبي ﷺ فيما ثبت في صحيح أبي داوود عن المقدام ابن معد يكرب ﵁ (ألا وإني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه) ومن المؤسف فى زماننا هذا تجرئ بعض الجهلة على النبي ﷺ فيقولون إنه بشر مثلنا هات الدليل من القرآن فقط ـ وهذا يدل ولا شك ـ على أن قائل هذه العبارة جاهل جهلا مركباً بل هو أضل من حمار أهله، وقد أخبر النبي ﷺ أن هذا سيقع في أمته فقال فيما ثبت في صحيحي أبى داود والترمذي عن المقدام ابن معد يكرب ﵁ (يوشك الرجل متكئاً على أريكته يُحَدَثُ بحديثٍ من حديثٍ فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرم الله)
ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يدعون إلى التمسك بالوحيين كليهما ويُضَلِلُون من يتمسك بالكتاب فقط، قال أبو قلابة: إذا رأيت رجل يقول هات الكتاب ودعنا من السنة فاعلم أنه ضال.
[*] وقال الإمام احمد ﵀:
دين النبي محمدٍ أخبارُ ... نعم المطيةُ للفتى الآثارُ
لا ترغبَّنَّ عن الحديثِ وأهله ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ
[*] وقال الشافعي ﵀
كُلُ العلومِ سوى القرآنِ مشغلةٌ ... إلا الحديثِ وعلم الفقه في الدين
العلمُ ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواسِ الشياطين
(٥) أختم الكتاب بفهرس مزود بأرقام الصفحات لسهولة الحصول على العنصر المراد من الكتاب.
стр. 1321
«فيا أيها الناظر فيه لك غُنمه وعلى مؤلفه غُرمه ن ولك صفوه وعليه كَدره، وهذه بضاعته المزجاة تُعْرَضُ عليك وبناتُ أفكاره تزف إليك، فإن صادفت كفؤا كريما لم تعدم منه أمساكاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان، وإن كان غيره فالله المستعان، وما كان منه من صواب فمن الواحد المنان وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله برئ منه ورسوله وأنا راجعٌ عنه بإذن الله، هذا والله أسأل أن أن يُعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما عَلَّمنا، وأن يزيدنا عِلمًا، وأن يجعل هذا الكتاب حجةً لنا لا علينا وأن يتقبله عنده بقبولٍ حسن وأن ينفع به من انتهى إليه إنه خير مسئول وأكرم مأمول، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم وسبباً لنيلِ جناتِ النعيم وأن يعصمني وقارئه من الشيطان الرجيم، كما أسأله سبحانه الله أن يحملنا على فضله ولا يحملنا على عدله إنه سبحانه على من يشاءُ قدير وبالإجابة جدير وهو حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه»
أبو رحمة / محمد نصر الدين محمد عويضة
المدرس بالجامعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة فرع مدركة ورهاط وهدى الشام
٢٢/ ١٠/١٤١٨ هجرية
﴿كتاب الرقائق﴾
باب تعريف الرقائق:
الرقائق التي نتكلم عنها ـ وتسمى الرقاق أيضا والمعنى واحد ـ: جمع رقيقة وهي ما تحدث في القلب رقة، والرقة: الرحمة واللين. قال الراغب: متى كانت الرقة في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسي القلب.
باب أسباب الكلام في الرقائق:
(للكلام على الرقائق أسباب جوهرية أهمها ما يلي:
(١) أن الرقائق من العلم وليست خارجة عن دائرة العلم كما يعتقده بعض الناس.
(٢) إقبال الدنيا وتزينها في هذا العصر حتى أصبحت هم الناس.
(٣) حاجة الناس لما يرقق قلوبهم ويزيل عنهم الغشاوة و القساوة.
(٤) أهمية هذا الموضوع في هذا الزمن المادي الذي يقدس الأساس التحليلي والإقناع العقلاني.
(٥) إغفال هذا الموضوع من قبل الملتزمين؛ وذلك راجع إلى:
(٦) اعتقاد أن مثل هذا الموضوع شأن العامة أو المبتدئين من الملتزمين، وأما الملتزم
منذ زمن فعليه بالأشياء الأخرى كالمناقشات الفكرية ونحوها.
(٧) اعتقاد أن الكلام في هذا الموضوع أو الاهتمام به من شأن الصوفية.
(٨) أن هذا العصر عصر مادي يحتاج إلى الإقناع العقلاني ولا يهتم بالعاطفة.
باب حاجتنا إلى الرقائق:
стр. 1322
لما كان المسلمون بأسرهم المتعلم منهم والأمي والمتحضر والبدوي والمدنَّي والقروِّي يحتاجون حاجةً مُلًّحةً ماسَّة إلى ما يُرَقَّق قلوبهم ويتسبب في خشوعها وإنابتها إلى ربها في زمن قست فيه القلوب، وظهرت فيه الذنوب، ولم يستحي الكثير من علام الغيوب فطفقوا يبارزونه بالإثم والحوب، وفي وقت كثرت فيه الدعوات الأرضية المضلة، واشتد فيه الظلام وظهر الباطل على الحق ظهورا آنيا، وسيطرت فيه المادية حتى تغيرت كثير من القيم السامية، فما أشد حاجة العبد المسلم إلى الرقائق التي تثبت قلبه في زمن حار فيه الكثير من الناس فانغمسوا في القيم الهابطة التي غزت العقول والقلوب والمجتمعات، فقد أصبحنا نعيش في مجتمع طغت عليه المادية وانتشرت الشهوات بكل لون وفي كل وقتٍ وحين حتى صار الإنسان غارقاً في الشهوات إلى الأذقان وبلغ فسقه عنان السماء ـ إلا ما رحم ربي ـ، فأصبحنا في أيام الصبر الذي أخبر عنها النبي ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث أبي ثعلبة الخُشَنِّي ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم.
стр. 1323
ـ وأيام الصبر هي أيام الإبتلاء في الدين والشهوات المستعرة والشبهات المستحكمة ومع ذلك المرء صابر لدينه. فسماها أيام الصبر لأنه لا يستعمل فيها إلا الصبر ولا حلّ إلا الصبر، والصبر هو القائد وهو الملاذ والحصن الحصين، الذي من دخله عُصِم ـ بخلاف من كان قبلنا كانوا يعيشون في محيطٍ إسلامي والمنكرات تُسْتَتَر، أما الآن فالمنكرات كثرة مما يزيد من احتمال تأثر المؤمن بها من حيث لا يريد، فتكون الرقائق بمثابة الوقود التي تعطي المسلم طاقة في مواجهة هذه المنكرات، لأن الرقائق تعطي قوة دفع للمسلم لامتثال ما يؤمر به والانتهاء عما ينهى عنه، فمثلا كان أول ما أنزل ذكر الجنة والنار وما فيهما وما أعد لأهلهما، ثم نزلت الأحكام بعد أن تهيأت النفوس للقبول، تقول عائشة: "أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبدا"، فالرقائق تقوي الإيمان الذي يعين المسلم على الثبات في مواجهة الشهوات، ومن المعلوم أن الشهوات سببت ضعف إيمان كثير من المسلمين لأن مخاطبة العقل وحده قد لا تكفي ما لم تكن ممزوجة بإثارة العاطفة، إذ أن مخاطبة العقل وحده قد لا تنتج إلا معلومات نظرية جافة لا حياة فيها، أما مخاطبة العقل والعاطفة فتؤدي إلى الإقناع والتطبيق العملي، ثم إن العناية بالرقائق تجنب طالب العلم بإذن الله الإصابة بالأمراض الفتاكة التي تفتك بدين المسلم كآفة العجب أو الحسد أو الهوى أو غيرها والعياذ بالله.
وتتضح أهمية الرقائق أو حاجتنا إلى الرقائق في النقاط التالية:
(١) أن من كان قبلنا كانوا يعيشون في محيط إسلامي والمنكرات تستتر، أما الآن فالمنكرات كثرة مما يزيد من احتمال تأثر المؤمن بها من حيث لا يريد، فتكون الرقائق بمثابة الوقود التي تعطي المسلم طاقة في مواجهة هذه المنكرات.
(٢) أن الرقائق تعطي قوة دفع للمسلم لامتثال ما يؤمر به والانتهاء عما ينهى عنه، فمثلا كان أول ما أنزل ذكر الجنة والنار وما فيهما وما أعد لأهلهما، ثم نزلت الأحكام بعد أن تهيأت النفوس للقبول. تقول عائشة: "أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر
لقالوا: لا ندع الخمرة أبدا".
стр. 1324
(٣) الرقائق تقوي الإيمان الذي يعين المسلم على الثبات في مواجهة الشهوات، ومن المعلوم أن الشهوات سببت ضعف إيمان كثير من المسلمين.
(٤) أن مخاطبة العقل وحده قد لا تكفي ما لم تكن ممزوجة بإثارة العاطفة، إذ إن مخاطبة العقل وحده قد لا تنتج إلا معلومات نظرية جافة لا حياة فيها، أما مخاطبة العقل والعاطفة فتؤدي إلى الإقناع والتطبيق العملي.
(٥) الرقائق تجدد الإيمان في القلب.
(٦) طلبة العلم والدعاة بحاجة إلى الرقائق، وذلك لما يلي:
أ- العناية بالرقائق تجنب طالب العلم بإذن الله الإصابة فإنه تصيبه في مقتل، كآفة العجب أو الحسد أو الهوى أو غيرها.
ب- طالب العلم والدعية يدعو الآخرين إلى طاعة الله والإنابة إلى الله والإخبات إليه والخشوع والخضوع مما يجعل هذه الأمور لابد من توفرها في هذا الداعية إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه والذي يوفر هذه الأشياء في نفس الداعية الرقائق.
ج- طالب العلم والداعية قدوة للآخرين فيستفيدون منه والاستفادة من فعله أبلغ من الاستفادة من قوله، لذا لابد أن يكون رقيق القلب، وقد كان السلف يعنون عند طلبهم للعلم بانتقاء الشيخ الذي يتعلمون منه ويأخذون عنه فينظرون إلى عبادته وهديه وسمته فإن أحسن هذه الأشياء أخذوا عنه وإلا تركوه.
د- الداعية يتعرض للامتحان والابتلاء والذي يعينه على الثبات بإذن الله الرقائق.
باب العناية بالرقائق:
لقد اعتنى رسول الله ﷺ بما يُرَقِّقُ قلوبَ أصحابه ويدفعهم للامتثال، بل وجدوا منه ﷺ قدوة عملية في ذلك، إذ كان أرقهم قلباً وأشدهم خشيةً لله وخوفاً منه، وأحرصهم على ما يُرَقِّقُ قلبه، وكان ﷺ يستعيذ من قلب لا يخشع، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 1325
(حديث حنظلة بن الربيع الأُسيدي الثابت في صحيح مسلم) قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات.
والشاهد من هذا قوله: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين.
والتذكير بالجنة والنار من الرقائق.
وقد قال الله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) (الحديد:١٦).
قال ابن مسعود: ((ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين)).
ولذا رَقَّتْ قلوب الصحابة واعتنوا بما يُرَقِّق قلوبهم وابتعدوا عما يسبب قسوتها، لقد تعلموا الإيمان قبل أن يتعلموا القرآن، فلما تعلموا القرآن ازدادوا به إيمانا، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديثُ جندب ابن عبد الله صحيح ابن ماجة) قال كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيانٌ حزَاوِرَة، فتعلمنا الإيمانَ قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآنَ فازددنا به إيمانا.
стр. 1326
كانت السورة تَنْزِلُ فيتعلَّمون حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها. (كما في: بيان مشكل الآثار للطحاوي ٤/ ٤٤ عن ابن عمر ﵄.) حتَّى لقد ورد عن عمر ﵁ أنه تعلَّم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة. (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٧٦، ط: دار الكتاب العربي بيروت).
يقول ابن مسعود ((إنما العلم خشية الله)).
لقد أكثروا من عبادة ربهم العبادة المشروعة فقد كان يسمع لهم في الليل دوي كدوي النحل من قراءة القرآن والتهجد به، لقد كانوا يبكون من خشية الله ولهم في ذلك القصص، وكذلك من بعدهم.
وصنف العلماء في الرقائق كتبا مستقلة واعتنوا بها، بل إنك لا تكاد تجد كتابا صنف في الحديث إلا وأفرد للرقائق والزهد كتابا أو بابا.
وكانوا يعدون خشية الله ورقة القلب هي العلم الحقيقي وأن العلم الحقيقي هو ما يورث الخشية ورقة القلب. يقول الحسن: إن كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده.
باب: التوازن في الرقائق
مما يجب التنبيه عليه أنه لابد من التوازن بين علم الرقائق وغيره من أبواب العلم، وأن لا نتجاوز به حد الاعتدال الذي شرعه الله ، وكان هديه ﷺ المثل الأعلى في ذلك ولا يجوز لأحد من أمته ﷺ أن يزيد عليه أو أن يظن أنه أكمل عبادة من رسول الله ﷺ وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
стр. 1327
ولا يظن ظان أن الكلام في الرقائق يعني الدروشة وترك العلم، هذا غير صحيح أبدا، هذا بمعزلٍ عن الصواب وبمنأى عن جادة الطريق، فالرقائق باب من أبواب العلم، والعالم لابد أن يكون قدوة في خشيته لله وهديه وسمته ولو لم يكن فيه ذلك لما قام بواجب العلم، والعلم يؤدي إلى رقة القلب وخشية الله قال تعالى: (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨] إن العلم إذا كان مبنيا على نهج الكتاب والسنة فإنه وسيلة لترقيق القلب، وليس صحيحاً أن الرقائق لا يعتني بها إلا المبتدئون أو الدراويش، بل أولى من يعتني بها العلماء وطلبة العلم والدعاة، فإن القلب إذا رق ولان لخالقه وتوجه إلى ربه بصفاء روح وجد لذة تتضاءل بجانبها اللذات الدنيوية
[*] قال محمد بن أحمد المعروف بابن رزقويه:
والله ما أحب الحياة في الدنيا لكسب ولا تجارة ولكن لذكر الله ولقراءتي عليكم الحديث.
باب ما الأشياء التي يمكن أن نطلق عليها رقائق ؟
الأشياء التي يمكن أن نطلق عليها رقائق هي الأشياء التي تسبب رقة القلب وهي موضوع كتاب الرقائق، وهي كما يلي جملةً وتفصيلا:
(أولاً ذكر أبواب الرقائق جملةً:
باب هتك الحُجُبُ التي تحول بين العبد وربه:
باب شرطي قبول العمل:
باب حقيقة الموت:
باب كل نفس ذائقة الموت:
باب ذِكْرُ الموت:
باب كيف نستعد للموت؟
باب استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة:
باب ساعة الاحتضار:
باب وجوب الصبر والاسترجاع لأهل الميت:
باب ما ورد في البكاء على الميت:
باب غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه:
باب أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور:
باب القيامة الكبرى وما يجري فيها:
باب الترغيب في الجنة:
باب التخويف من النار:
باب معرفة حقيقة الدنيا:
باب حال المؤمن في الدنيا:
باب ذم طول الأمل:
باب مجالسة الصالحين:
باب المواظبة على قراءة القرآن الكريم:
باب اغتنام كنوز الحسنات:
باب تزكية النفوس:
(ثانياً: ذكر أبواب الرقائق تفصيلا:
باب هتك الحُجُبُ التي تحول بين العبد وربه:
إن من أعظم ما يُرَقِّق القلب قيام العبد بهتك الحُجُبُ التي تحول بين العبد وربه فيزيل عن قلبه الكَدَر وعن بصره الغَبَش فيصير قلبه صافياً رقيقاً، ويكون ذا بصيرةٍ نافذه، فيقبل على ربه بعقله وفِكْرِه وقلبه وَقَالِبِه مما يُرْجَى له التوفيق والسداد.
مسألة: ماهي الحُجُبُ التي تحول بين العبد وربه؟
الحُجُبُ التي تحول بين العبد وربه هي عشرة كما يلي: (
стр. 1328
الحجاب الأول: الجهل بالله:
الحجاب الثاني: البدعة:
الحجاب الثالث: الكبائر الباطنة:
الحجاب الرابع: حجاب أهل الكبائر الظاهرة:
الحجاب الخامس: حجاب أهل الصغائر:
الحجاب السادس: حجاب الشرك:
الحجاب السابع: حجاب أهل الفضلات والتوسع في المباحات:
الحجاب الثامن: حجاب أهل الغفلة عن الله:
الحجاب التاسع: حجاب اهل العادات والتقاليد والأعراف:
الحجاب العاشر: حجاب المجتهدين المنصرفين عن السير الى المقصود:
وإليك تفصيل ذلك:
الحجاب الأول: الجهل بالله:
إن أغلظ الحجب هو الجهل بالله وإلا تعرفه .. فالمرء عدو ما يجهل، وإن الذين لا يعرفون الله يعصونه، ويعبدون الشيطان من دونه.
ولذلك كان نداء الله بالعلم أولاً: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [محمد:١٩]
والدواء أن تعرف الله حق المعرفة، وفصل الخطاب في معرفة الله تعالى حق معرفته أنه يتضمن قسمين أساسين:
(أولاً: معرفة الله تعالى حق معرفته:
(ثانياً: أثر معرفة الله تعالى حق معرفته على ترقيق القلب
وهاك تفصيل ذلك:
(أولاً: معرفة الله تعالى حق معرفته:
فمن عرف الله حق معرفته أحبه كما ينبغي أن يحبه سبحانه، ومن لم يعرف ربه حق معرفته لم يستطع أن يحب ربه سبحانه كما ينبغي أن يحبه، لذلك كان أغلظ الحُجُبِ بين العبد وربه هو الجهل بالله تعالى، وكان أهل السنة فعلا طلبة العلم حقا هو أولياء الله الذين يحبهم ويحبونه،
واعلم رحمك الله تعالى أنه لا يتم معرفة الله تعالى حق معرفته إلا بالإيمان بأربعة أمور متلازمة هي:
(١) الإيمان بوجوده .
(٢) الإيمان بربوبيته، أي: الانفراد بالربوبية.
(٣) الإيمان بانفراده بالألوهية.
(٤) الإيمان بأسمائه وصفاته. لا يمكن أن يتحقق الإيمان إلا بذلك.
فمن لم يؤمن بوجود الله، فليس بمؤمن، ومن آمن بوجود الله لا بانفراده بالربوبية، فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية، فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية والألوهية لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته، فليس بمؤمن، وإن كان الأخير فيه من يسلب عنه الإيمان بالكلية وفيه من يسلب عنه كمال الإيمان.
(الإيمان بوجود الله:
مسألة: إذا قال قائل: ما الدليل على وجود الله ؟
قلنا: الدليل على وجود الله: العقل، والحس، والشرع.
стр. 1329
ثلاثة كلها تدل على وجود الله، وإن شئت، فزد: الفطرة، فتكون الدلائل على وجود الله أربعة: العقل، والحس، والفطرة، والشرع. وأخرنا الشرع، لا لأنه لا يستحق التقديم، لكن لأننا نخاطب من لا يؤمن بالشرع.
ـ فأما دلالة العقل، فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟
فإن قلت: وجدت بنفسها، فمستحيل عقلاً ما دامت هي معدومة؟ كيف تكون موجودة وهي معدومة؟! المعدوم ليس بشيء حتى يوجد، إذاً لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها وإن قلت: وجدت صدفة، فنقول: هذا يستحيل أيضاً، فأنت أيها الجاحد، هل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها، هل وجد هذا صدفة؟! فيقول: لا يمكن أن يكون. فكذلك هذه الأطيار والجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والجمر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة أبداً.
ويقال: إن طائفة من السمنية جاؤوا إلى أبي حنيفة ﵀، وهم من أهل الهند، فناظروه في إثبات الخالق ، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فجاءوا، قالوا: ماذا قلت؟ أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرسلت في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون.
قالوا: تفكر بهذا؟! قال: نعم. قالوا: إذاً ليس لك عقل! هل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول! قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه هذا أو معناه. وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟
ولهذا قال الله : ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥].
فحينئذ يكون العقل دالاً دلالة قطعية على وجود الله.
(وأما دلالة الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسه، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين. وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا، أن الله استجاب الله.
وفي القرآن كثير من هذا، مثل: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣) فاستجبنا له﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤] وغير ذلك من الآيات.
стр. 1330
(وأما دلالة الفطرة، فإن كثيراً من الناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله، حتى البهائم العجم تؤمن بوجٍٍٍٍِود الله، وقصة النملة التي رويت عن سليمان ﵊، خرج يستسقي، فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا سقياك.
فقال: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم، فالفطر مجبولة على معرفة الله وتوحيده.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وإذ أخذ ربكم من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (١٧٢) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾ [الأعراف: ١٧٢: ١٧٣]، فهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على شهادته بوجود الله وربوبيته وسواء أقلنا: إن الله استخرجهم من ظهر آدم واستشهدهم، أو قلنا: إن هذا هو ما ركب الله تعالى في فطرهم من الإقرار به، فإن الآية تدل على أن الإنسان يعرف ربه بفطرته.
هذه أدلة أربعة تدل على وجود الله .
(وأما دلالة الشرع، فلأن ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق يدل على أن الذي أرسل بها رب رحيم حكيم، ولا سيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله.
[٢] توحيد الربوبيةِ:
هو إفرادُ الله بالخلق ِ والملك ِ والتدبير.
والدليلُ قوله تعالى (ألا له الخلقُ والأمر) ﴿الأعراف / ٥٤﴾
والأمرُ هنا معناه التدبير.
وقوله تعالى (لله ملك السموات والأرض) ﴿المائدة / ١٧﴾
الشاهد: تقديم ما حقَّه التأخير يفيدُ الحصر
﴿تنبيه﴾: (التدبير الذي يختصُ به الله تعالى نوعان هما:
(١) تدبيرٌكوني: فالله تعالى يدبرُ أمور الكون وما فيه، هو المحيي المميت الخافض الرافع المعطي المانع المعز المذل يُولج الليل في النهار ويلج النهار في الليل
قال تعالى: (قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ﴿آل عمران / ٢٦، ٢٧﴾
(٢) تدبيرٌ شرعي: يحلل ويحرِّم.
[٣] توحيد الأ لوهية:
стр. 1331
توحيدُ الأ لوهية هو (إفرادُ الله بالعبادة)، أي لا معبود بحقٍ إلا الله.
والدليلُ قوله تعالى قال تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران /١٨)
وقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / ١٩).
(حديثُ عُبَادةَ ابن الصامت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من شهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له وأن محمداً عبدُ الله ورسولُه وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه والجنةُ حقٌ والنارُ حقٌ أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل.
[٤] توحيد الأسماءِ والصفات:
توحيدُ الأسماء ِ والصفات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الأسماء ِ الحسنى والصفاتِ العُلى.
﴿تنبيه﴾: (في هذا النوع من التوحيد ضابطين أساسيين:
(١) لا نصفُ الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ .
قال الإمامُ أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسَه أو وَصفَه به رسوله لا يتجاوزُ القرآن والحديث.
٢) أن يكون وصفنا لله تعالى بغيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكيفٍ ولا تمثيل.
مسألة: ما معنى التحريف؟
التحريفُ نوعان:
(النوع الأول: تحريفٌ لفظي كتغيير حرفٍ بحرف، أو زيادة حرف كمن يقول (استوى على العرش) استولى، وقوله حطه أي حنطه. نعوذ بالله من الضلال والخبال.
(النوعُ الثاني: تحريفٌ معنوي وهو التأويلُ بغير دليل، لأي صرف النص عن ظاهره بغير دليلٍ شرعي وهو ما يُسمى بالتأويلِ الفاسد، كحا لِ بعض الفرق الضالة الذين يفسرون قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فيفسرون يداه بالسماوات والأرض، نعوذ بالله من الضلالِ والخبال.
مسألة: ما معنى التعطيل؟
التعطيلُ هو إنكارُ صفاتِ الله تعالى إما كلها أو بعضها، وكون الإنكارُ عن طريقتين: إما التحريف أو التكذيب
﴿تنبيه﴾: (التعطيلُ أعم من التحريف، يكون تعطيلٌ وتحريف، وإن كان التعطيلُ بالإنكار يكون تعطيلٌ فقط.
مسألة: ما معنى التكييف؟
التكييف ذكرُ كيفيةٍ للصفة، وهذا منهيٌ عنه، ولما سُئلَ الإمامُ مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال:
стр. 1332
الاستواء غيرُ مجهول (أي من حيثُ المعنى)
والكيفُ غير معقول (أي لا تدركه العقول)
والإيمانُ به واجب (لأنه سبحانه أثبته لنفسه)
والسؤالُ عنه بدعة (لأن الصحابة َلم يسألوا عنه وهم أحرصُ الناسِ على الخير وأعلم الناسِ بما يجيزه الشرع.
مسألة: ما معنى التمثيل؟
التمثيلُ هو مماثلة صفات الله تعالى بصفاتِ المخلوقين، وهذا من الضلالِ والخبال لأن الله تعالى يقول (ليس كمثلهِ شئٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى / ١١]
﴿تنبيه﴾: (التكييف أعم من التمثيل، لأن التكييفَ إن كان له مماثل كان تكييفاً وتمثيلاٌ، وإن لم يكن له مماثل كان تكييفاٌ فقط.
[*] قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى:
وكلِ ما لهُ من الصفاتِ ... أثبتها في محكمِ الآياتِ
أوْصَحَّ فيما قاله الرسولُ ... فحقَّهُ التسليمُ والقبولُ
نُمِرُّها صريحةً كما أتتْ ... مع اعتقادنا لما له اقتدتْ
من غيرِ تحرِيفٍ ولا تعطيلِ ... وغيرِ تمثيلٍ ولا تكييفِ
ثانياً: أثر معرفة الله تعالى حق معرفته على ترقيق القلب:
إن من أعظم أبواب الرقائق باب معرفة الله وأسمائه وصفاته واقتضاء هذه المعرفة لآثار هذه الأسماء الحسنى والصفات العلا من العبودية، فإذا عرف الإنسان ربه .. كيف يعصيه؟ كيف يعصي ربه وهو يعلم أنه صائر إليه موقوف بين يديه؟
وكذلك يعرف أسماء الله وصفاته حق المعرفة بأن يؤمن بها ويستحضرها في قلبه، يستحضرها في قلبه عند الطاعة فيقبل إليها، وعند المعصية فيحجم عنها.
ومعرفة أسماء الله وصفاته ترقق القلب، فإذا علم بسمع الله تعالى وبصره وعلمه المطلق حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل مالا يرضي الله،
[*] قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/ ٩٠):
(وعلمه ـ ويقصد العبد ـ بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله و يرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح " اهـ.
وإذا عرف أن الله هو الجبار العزيز شديد العقا ب لم يجرؤ أن يبارزه بالمعصية وإذا علم أن الله هو الرحمن الرحيم الغفور الودود رجا رحمة ربه وأحب خالقه.
стр. 1333
فإذا عرف الله بأسمائه وصفاته أحب ربه سبحانه وخافه ورجاه فلا يكون في قلبه مكان لحب غيره أو مكان لخوف غيره أو مكان لرجاء غيره.
وليس من معرفة أسماء الله وصفاته أن نجعلها دافعا لنا للمعصية فنقول: إن الله غفور رحيم مما يدفعنا إلى أن نعصيه وننسى أنه أيضا سبحانه شديد العقاب.
الحجاب الثاني: البدعة:
فمن ابتدع حجب عن الله ببدعته .. فتكون بدعته حجابا بينه وبين الله حتى يتخلص منها، فالبدعة حجاباً تمنع وصول العمل إلى الله .. وبالتالي تمنع وصول العبد .. فتكون حجاباً بين العبد وبين الرب .. لأن المبتدع إنما عبد على هواه .. لا على مراد مولاه .. فهوا حجاب بينه وبين الله .. من خلال ما ابتدع مما لم يشرّع الله .. فالعامل للصالحات يمهد لنفسه .. أما المبتدع فإنه شرّ من العاصي.
[*] وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
ثم إن الموافقه للسنة إحدى شرطي قبول العمل المتلازمين:
مسألة: ما هي شروط قبول العمل:
لقبول العمل شرطان متلازمان إذا فقد أحدهما أو كلاهما صار العمل مردوداً على صاحبه والعياذ بالله.
الشرط الأول: إخلاص النية لله تعالى
فإن فقد العمل إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، وانقلب من نورٍ إلى نار ولا شيء يحطم العمل مثل: الرياء؛ رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع؛ بأن يقول مسمعاً: علمت وحفظت، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه.
قال تعالى: (وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة / ٥]
والله تعالى يقول (مَن كَان يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ ... الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ﴿هود/١٥،١٦﴾
стр. 1334
(حديث عمر بن الخطاب ﵁ في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
(حديثُ أبي هريرةَ صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال - قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وشركه.
) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
(حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار.
ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمى الحمى.
(حديثُ جندب ابن عبد الله في الصحيحين): أن النبي ﷺ قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به.
(حديثُ أبي أُمامة صحيح النسائي): أن النبي ﷺ قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ.
الشرط الثاني: متابعة السنة أي موافقة السنة:
لأنه لا يمكن للإنسان أن يؤدي أي عملٍ شرعي على وجه المشروع حسبما أراد الله تعالى إلا باتباع السنة مع القرآن وذلك لأن السنة هي التي تفسِّر مبهم القرآن وتفصِّل مجمله وتخصص عمومه وتبين الناسخ من المنسوخ، ولذا كان هناك قاعدة شرعية حُقَّ لها أن تكتب على الصدور بماء الذهب، وهذه القاعدة هي (إتباع السنة أولى من كثرة العمل)، وذلك لأن العمل مهما كان كثيراً وليس مطابقاً للسنة كان مردوداً لا يقبله الله تعالى.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
الحجاب الثالث: الكبائر الباطنة:
стр. 1335
وهي كثيرة كالخيلاء .. والفخر .. والكبر .. والغرور .. هذه الكبائر الباطنة أكبر من الكبائر الظاهرة .. أعظم من الزنا وشرب الخمر والسرقة .. هذه الكبائر الباطنة إذا وقعت في القلب .. كانت حجاباً بين قلب العبد وبين الرب.
ذلك أن الطريق إلى الله إنما تُقْطَعُ بالقلوب .. ولا تُقْطَعُ بالأقدام .. والمعاصي القلبة قطاع الطريق.
قال ابن القيّم ﵀: وقد تستولي النفس على العمل الصالح .. فتصيره جنداً لها .. فتصول به وتطغى .. فترى العبد: أطوع ما يكون .. أزهد ما يكون .. وهو عن الله أبعد ما يكون .. ) فتأمل .. !!
الحجاب الرابع: حجاب أهل الكبائر الظاهرة:
كالسرقة .. وشرب الخمر .. وسائر الكبائر ..
﴿تنبيه﴾: (يجب أن نفقه في هذا المقام .. أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار .. والإصرار هو الثبات على المخالفة .. والعزم على المعاودة .. وقد تكون هناك معصية صغيرة فتكبر بعدة أشياء وهي ستة:
(١) بالإصرار والمواظبة:
مثاله: رجل ينظر إلى النساء .. والعين تزني وزناها النظر .. لكن زنا النظر أصغر من زنا الفرج .. ولكن مع الإصرار والمواظبة .. تصبح كبيرة .. إنه مصر على ألا يغض بصره .. وأن يواظب على إطلاق بصره في المحرمات .. فلا صغيرة مع الإصرار.
(٢) استصغار الذنب:
مثاله: تقول لأحد المدخنين: اتق الله .. التدخين حرام .. ولقد كبر سنك .. يعني قد صارت فيك عدة آفات: أولها: أنه قد دب الشيب في رأسك. ثانياً: أنك ذو لحية. ثالثاً: أنك فقير.
فهذه كلها يجب أن تردعك عن التدخين .. فقال: هذه معصية صغيرة.
(٣) السرور بالذنب:
فتجد الواحد منهم يقع في المعصية .. ويسعد بذلك .. أو يتظاهر بالسعادة .. وهذا السرور بالذنب أكبر من الذنب .. فتراه فرحاً بسوء صنيعه .. كيف سب هذا؟؟ .. وسفك دم هذا؟ .. مع أن (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر﴾ كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
أو أن يفرح بغواية فتاة شريفة .. وكيف استطاع أن يشهر بها .. مع أن الله يقول: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم [النور:١٩]
انتبه .. سرورك بالذنب أعظم من الذنب.
(٤) أن يتهاون بستر الله عليه: