← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

توحيدُ الأ لوهية هو (إفرادُ الله بالعبادة)، أي لا معبود بحقٍ إلا الله. والدليلُ قوله تعالى قال تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران /١٨) وقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / ١٩). (حديثُ عُبَادةَ ابن الصامت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من شهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له وأن محمداً عبدُ الله ورسولُه وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه والجنةُ حقٌ والنارُ حقٌ أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل. [٤] توحيد الأسماءِ والصفات: توحيدُ الأسماء ِ والصفات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الأسماء ِ الحسنى والصفاتِ العُلى. ﴿تنبيه﴾: (في هذا النوع من التوحيد ضابطين أساسيين: (١) لا نصفُ الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ . قال الإمامُ أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسَه أو وَصفَه به رسوله لا يتجاوزُ القرآن والحديث. ٢) أن يكون وصفنا لله تعالى بغيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكيفٍ ولا تمثيل. مسألة: ما معنى التحريف؟ التحريفُ نوعان: (النوع الأول: تحريفٌ لفظي كتغيير حرفٍ بحرف، أو زيادة حرف كمن يقول (استوى على العرش) استولى، وقوله حطه أي حنطه. نعوذ بالله من الضلال والخبال. (النوعُ الثاني: تحريفٌ معنوي وهو التأويلُ بغير دليل، لأي صرف النص عن ظاهره بغير دليلٍ شرعي وهو ما يُسمى بالتأويلِ الفاسد، كحا لِ بعض الفرق الضالة الذين يفسرون قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فيفسرون يداه بالسماوات والأرض، نعوذ بالله من الضلالِ والخبال. مسألة: ما معنى التعطيل؟ التعطيلُ هو إنكارُ صفاتِ الله تعالى إما كلها أو بعضها، وكون الإنكارُ عن طريقتين: إما التحريف أو التكذيب ﴿تنبيه﴾: (التعطيلُ أعم من التحريف، يكون تعطيلٌ وتحريف، وإن كان التعطيلُ بالإنكار يكون تعطيلٌ فقط. مسألة: ما معنى التكييف؟ التكييف ذكرُ كيفيةٍ للصفة، وهذا منهيٌ عنه، ولما سُئلَ الإمامُ مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال:

стр. 1332

الاستواء غيرُ مجهول (أي من حيثُ المعنى) والكيفُ غير معقول (أي لا تدركه العقول) والإيمانُ به واجب (لأنه سبحانه أثبته لنفسه) والسؤالُ عنه بدعة (لأن الصحابة َلم يسألوا عنه وهم أحرصُ الناسِ على الخير وأعلم الناسِ بما يجيزه الشرع. مسألة: ما معنى التمثيل؟ التمثيلُ هو مماثلة صفات الله تعالى بصفاتِ المخلوقين، وهذا من الضلالِ والخبال لأن الله تعالى يقول (ليس كمثلهِ شئٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى / ١١] ﴿تنبيه﴾: (التكييف أعم من التمثيل، لأن التكييفَ إن كان له مماثل كان تكييفاً وتمثيلاٌ، وإن لم يكن له مماثل كان تكييفاٌ فقط. [*] قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: وكلِ ما لهُ من الصفاتِ ... أثبتها في محكمِ الآياتِ أوْصَحَّ فيما قاله الرسولُ ... فحقَّهُ التسليمُ والقبولُ نُمِرُّها صريحةً كما أتتْ ... مع اعتقادنا لما له اقتدتْ من غيرِ تحرِيفٍ ولا تعطيلِ ... وغيرِ تمثيلٍ ولا تكييفِ ثانياً: أثر معرفة الله تعالى حق معرفته على ترقيق القلب: إن من أعظم أبواب الرقائق باب معرفة الله وأسمائه وصفاته واقتضاء هذه المعرفة لآثار هذه الأسماء الحسنى والصفات العلا من العبودية، فإذا عرف الإنسان ربه .. كيف يعصيه؟ كيف يعصي ربه وهو يعلم أنه صائر إليه موقوف بين يديه؟ وكذلك يعرف أسماء الله وصفاته حق المعرفة بأن يؤمن بها ويستحضرها في قلبه، يستحضرها في قلبه عند الطاعة فيقبل إليها، وعند المعصية فيحجم عنها. ومعرفة أسماء الله وصفاته ترقق القلب، فإذا علم بسمع الله تعالى وبصره وعلمه المطلق حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل مالا يرضي الله، [*] قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/ ٩٠): (وعلمه ـ ويقصد العبد ـ بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله و يرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح " اهـ. وإذا عرف أن الله هو الجبار العزيز شديد العقا ب لم يجرؤ أن يبارزه بالمعصية وإذا علم أن الله هو الرحمن الرحيم الغفور الودود رجا رحمة ربه وأحب خالقه.

стр. 1333

فإذا عرف الله بأسمائه وصفاته أحب ربه سبحانه وخافه ورجاه فلا يكون في قلبه مكان لحب غيره أو مكان لخوف غيره أو مكان لرجاء غيره. وليس من معرفة أسماء الله وصفاته أن نجعلها دافعا لنا للمعصية فنقول: إن الله غفور رحيم مما يدفعنا إلى أن نعصيه وننسى أنه أيضا سبحانه شديد العقاب. الحجاب الثاني: البدعة: فمن ابتدع حجب عن الله ببدعته .. فتكون بدعته حجابا بينه وبين الله حتى يتخلص منها، فالبدعة حجاباً تمنع وصول العمل إلى الله .. وبالتالي تمنع وصول العبد .. فتكون حجاباً بين العبد وبين الرب .. لأن المبتدع إنما عبد على هواه .. لا على مراد مولاه .. فهوا حجاب بينه وبين الله .. من خلال ما ابتدع مما لم يشرّع الله .. فالعامل للصالحات يمهد لنفسه .. أما المبتدع فإنه شرّ من العاصي. [*] وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. ثم إن الموافقه للسنة إحدى شرطي قبول العمل المتلازمين: مسألة: ما هي شروط قبول العمل: لقبول العمل شرطان متلازمان إذا فقد أحدهما أو كلاهما صار العمل مردوداً على صاحبه والعياذ بالله. الشرط الأول: إخلاص النية لله تعالى فإن فقد العمل إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، وانقلب من نورٍ إلى نار ولا شيء يحطم العمل مثل: الرياء؛ رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع؛ بأن يقول مسمعاً: علمت وحفظت، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه. قال تعالى: (وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة / ٥] والله تعالى يقول (مَن كَان يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ ... الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ﴿هود/١٥،١٦﴾

стр. 1334

(حديث عمر بن الخطاب ﵁ في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. (حديثُ أبي هريرةَ صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال - قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وشركه. ) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار. ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمى الحمى. (حديثُ جندب ابن عبد الله في الصحيحين): أن النبي ﷺ قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به. (حديثُ أبي أُمامة صحيح النسائي): أن النبي ﷺ قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ. الشرط الثاني: متابعة السنة أي موافقة السنة: لأنه لا يمكن للإنسان أن يؤدي أي عملٍ شرعي على وجه المشروع حسبما أراد الله تعالى إلا باتباع السنة مع القرآن وذلك لأن السنة هي التي تفسِّر مبهم القرآن وتفصِّل مجمله وتخصص عمومه وتبين الناسخ من المنسوخ، ولذا كان هناك قاعدة شرعية حُقَّ لها أن تكتب على الصدور بماء الذهب، وهذه القاعدة هي (إتباع السنة أولى من كثرة العمل)، وذلك لأن العمل مهما كان كثيراً وليس مطابقاً للسنة كان مردوداً لا يقبله الله تعالى. (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. الحجاب الثالث: الكبائر الباطنة:

стр. 1335

وهي كثيرة كالخيلاء .. والفخر .. والكبر .. والغرور .. هذه الكبائر الباطنة أكبر من الكبائر الظاهرة .. أعظم من الزنا وشرب الخمر والسرقة .. هذه الكبائر الباطنة إذا وقعت في القلب .. كانت حجاباً بين قلب العبد وبين الرب. ذلك أن الطريق إلى الله إنما تُقْطَعُ بالقلوب .. ولا تُقْطَعُ بالأقدام .. والمعاصي القلبة قطاع الطريق. قال ابن القيّم ﵀: وقد تستولي النفس على العمل الصالح .. فتصيره جنداً لها .. فتصول به وتطغى .. فترى العبد: أطوع ما يكون .. أزهد ما يكون .. وهو عن الله أبعد ما يكون .. ) فتأمل .. !! الحجاب الرابع: حجاب أهل الكبائر الظاهرة: كالسرقة .. وشرب الخمر .. وسائر الكبائر .. ﴿تنبيه﴾: (يجب أن نفقه في هذا المقام .. أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار .. والإصرار هو الثبات على المخالفة .. والعزم على المعاودة .. وقد تكون هناك معصية صغيرة فتكبر بعدة أشياء وهي ستة: (١) بالإصرار والمواظبة: مثاله: رجل ينظر إلى النساء .. والعين تزني وزناها النظر .. لكن زنا النظر أصغر من زنا الفرج .. ولكن مع الإصرار والمواظبة .. تصبح كبيرة .. إنه مصر على ألا يغض بصره .. وأن يواظب على إطلاق بصره في المحرمات .. فلا صغيرة مع الإصرار. (٢) استصغار الذنب: مثاله: تقول لأحد المدخنين: اتق الله .. التدخين حرام .. ولقد كبر سنك .. يعني قد صارت فيك عدة آفات: أولها: أنه قد دب الشيب في رأسك. ثانياً: أنك ذو لحية. ثالثاً: أنك فقير. فهذه كلها يجب أن تردعك عن التدخين .. فقال: هذه معصية صغيرة. (٣) السرور بالذنب: فتجد الواحد منهم يقع في المعصية .. ويسعد بذلك .. أو يتظاهر بالسعادة .. وهذا السرور بالذنب أكبر من الذنب .. فتراه فرحاً بسوء صنيعه .. كيف سب هذا؟؟ .. وسفك دم هذا؟ .. مع أن (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر﴾ كما في الحديث الآتي: (حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. أو أن يفرح بغواية فتاة شريفة .. وكيف استطاع أن يشهر بها .. مع أن الله يقول: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم [النور:١٩] انتبه .. سرورك بالذنب أعظم من الذنب. (٤) أن يتهاون بستر الله عليه:

стр. 1336

[*] قال عبد الله بن عباس ﵄: (يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته .. ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته .. قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال ـ وأنت على الذنب ـ أعظم من الذنب .. وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب .. وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب .. وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك ـ وأنت على الذنب ـ ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب). (٥) المجاهرة بالمعاصي: أن يبيت الرجل يعصي .. والله يستره .. فيحدث بالذنب .. فيهتك ستر الله عليه .. يجيء في اليوم التالي ليحدث بما عصى وما عمل!! .. فالله ستره .. وهو يهتك ستر الله عليه. [*] وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه. (حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله و ليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نُقِمْ عليه كتاب الله. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة وهي كل قول أو فعل يستفحش أو يستقبح لكن المراد هنا الفاحشة يعني الزنا لأنه لما رجم ماعزاً ذكره سميت قاذورة لأن حقها أن تتقذر فوصفت بما يوصف به صاحبها أفاده الزمخشري (التي نهى الله عنها) أي حرمها (فمن ألمَّ) بالتشديد أي نزل به والإلمام كما في الصحاح مقاربة المعصية من غير مواقعة وهذا المعنى له لطف هنا يدرك بالذوق (بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله) بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود (فإنه) أي الشأن (من يبد) بضم المثناة تحت وسكون الموحدة (لنا صفحته) أي ظهر لنا فعله الذي حقه الإخفاء والستر وصفحة كل شيء جانبه ووجهه وناحيته كنى به عن ثبوت موجب الحد عند الحاكم (نقم) نحن معشر الحكام

стр. 1337

(عليه كتاب الله) أي الحد الذي حده الله في كتابه والسنة من الكتاب فيجب على المكلف إذا ارتكب ما يوجب لله حداً الستر على نفسه والتوبة فإن أقر عند حاكم أقيم عليه الحد أو التعزير، وعلم من الحديث أن من واقع شيئاً من المعاصي ينبغي أن يستتر وحينئذ فيمتنع التجسس عليه لأدائه إلى هتك الستر قال الغزالي: وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر بحيطانه قال فلا يجوز استراق السمع على داره ليسمع صوت الأوتار ولا الدخول عليه لرؤية المعصية إلا أن يظهر عليه ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار كصوت آلة اللهو والسكارى ولا يجوز أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يستخبر جيرانه ليخبروه بما جرى في داره وقد أنشد في معناه: لا تلتمس من مساوي الناس مستتراً * فيكشف الله سترا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا * ولا تعب أحداً منهم بما فيكا. (٦) أن يكون رأساً يقتدى به: فهذا مدير مصنع .. أو مدير مدرسة أو كلية .. أو شخصية مشهورة .. ثم يبدأ في التدخين .. فيبدأ باقي المجموعة في التدخين مثله .. ثم بعدها يبدأ في تدخين المخدرات .. فيبدأ الآخرون يحذون حذوه. هكذا فتاة قد تبدأ لبس البنطلون الضيق يتحول بعدها الموضوع إلى اتجاه عام. وهكذا يكون الحال إذا كنت ممن يُقتدى بك .. فينطبق عليك قوله ﷺ : من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، وهاك الحديث: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. الحجاب الخامس: حجاب أهل الصغائر: إن الصغائر تعظم .. وكم من صغيرة أدت بصاحبها إلى سوء الخاتمة .. والعياذ بالله. فالمؤمن هو المعظم لجنايته يرى ذنبه ـ مهما صغر ـ كبيراً لأنه يراقب الله تعالى، لا ينظر إلى صِغَرِ المعصية بل ينظر إلى عِظَمِ من عصى .. كما أنه لا يحقرن من المعروف شيئاً لأنه يرى فيه منّه وفضله .. فيظل بين هاتين المنزلتين حتى ينخلع من قلبه استصغار الذنب واحتقار الطاعة .. فيقبل على ربّه الغفور الرحيم التواب المنان المنعم فيتوب إليه فينقشع عنه هذا الحجاب. الحجاب السادس: حجاب الشرك:

стр. 1338

وحجاب الشرك من أعظم الحجب وأغلظها إثما .. وقطعه وإزالته بتجريد التوحيد لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته: (توحيد الربوبيةِ: هو إفرادُ الله بالخلق ِ والملك ِ والتدبير. والدليلُ قوله تعالى (ألا له الخلقُ والأمر) ﴿الأعراف / ٥٤﴾ والأمرُ هنا معناه التدبير. وقوله تعالى (لله ملك السموات والأرض) ﴿المائدة / ١٧﴾ الشاهد: تقديم ما حقَّه التأخير يفيدُ الحصر ﴿تنبيه﴾: (التدبير الذي يختصُ به الله تعالى نوعان هما: (١) تدبيرٌكوني: فالله تعالى يدبرُ أمور الكون وما فيه، هو المحيي المميت الخافض الرافع المعطي المانع المعز المذل يُولج الليل في النهار ويلج النهار في الليل قال تعالى: (قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ﴿آل عمران / ٢٦، ٢٧﴾ (٢) تدبيرٌ شرعي: يحلل ويحرِّم. (توحيد الأ لوهية: توحيدُ الأ لوهية هو (إفرادُ الله بالعبادة)، أي لا معبود بحقٍ إلا الله. والدليلُ قوله تعالى قال تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران /١٨) وقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / ١٩). (حديثُ عُبَادةَ ابن الصامت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من شهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له وأن محمداً عبدُ الله ورسولُه وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه والجنةُ حقٌ والنارُ حقٌ أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل. (توحيد الأسماءِ والصفات: توحيدُ الأسماء ِ والصفات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الأسماء ِ الحسنى والصفاتِ العُلى. ﴿تنبيه﴾: (في هذا النوع من التوحيد ضابطين أساسيين:

стр. 1339

(١) لا نصفُ الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ . قال الإمامُ أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسَه أو وَصفَه به رسوله لا يتجاوزُ القرآن والحديث. ٢) أن يكون وصفنا لله تعالى بغيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكيفٍ ولا تمثيل. مسألة: ما معنى التحريف؟ التحريفُ نوعان: (النوع الأول: تحريفٌ لفظي كتغيير حرفٍ بحرف، أو زيادة حرف كمن يقول (استوى على العرش) استولى، وقوله حطه أي حنطه. نعوذ بالله من الضلال والخبال. (النوعُ الثاني: تحريفٌ معنوي وهو التأويلُ بغير دليل، لأي صرف النص عن ظاهره بغير دليلٍ شرعي وهو ما يُسمى بالتأويلِ الفاسد، كحا لِ بعض الفرق الضالة الذين يفسرون قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فيفسرون يداه بالسماوات والأرض، نعوذ بالله من الضلالِ والخبال. مسألة: ما معنى التعطيل؟ التعطيلُ هو إنكارُ صفاتِ الله تعالى إما كلها أو بعضها، وكون الإنكارُ عن طريقتين: إما التحريف أو التكذيب ﴿تنبيه﴾: (التعطيلُ أعم من التحريف، يكون تعطيلٌ وتحريف، وإن كان التعطيلُ بالإنكار يكون تعطيلٌ فقط. مسألة: ما معنى التكييف؟ التكييف ذكرُ كيفيةٍ للصفة، وهذا منهيٌ عنه، ولما سُئلَ الإمامُ مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال: الاستواء غيرُ مجهول (أي من حيثُ المعنى) والكيفُ غير معقول (أي لا تدركه العقول) والإيمانُ به واجب (لأنه سبحانه أثبته لنفسه) والسؤالُ عنه بدعة (لأن الصحابة َلم يسألوا عنه وهم أحرصُ الناسِ على الخير وأعلم الناسِ بما يجيزه الشرع. مسألة: ما معنى التمثيل؟ التمثيلُ هو مماثلة صفات الله تعالى بصفاتِ المخلوقين، وهذا من الضلالِ والخبال لأن الله تعالى يقول (ليس كمثلهِ شئٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى / ١١] ﴿تنبيه﴾: (التكييف أعم من التمثيل، لأن التكييفَ إن كان له مماثل كان تكييفاً وتمثيلاٌ، وإن لم يكن له مماثل كان تكييفاٌ فقط. [*] قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: وكلِ ما لهُ من الصفاتِ ... أثبتها في محكمِ الآياتِ أوْصَحَّ فيما قاله الرسولُ ... فحقَّهُ التسليمُ والقبولُ نُمِرُّها صريحةً كما أتتْ ... مع اعتقادنا لما له اقتدتْ من غيرِ تحرِيفٍ ولا تعطيلِ ... وغيرِ تمثيلٍ ولا تكييفِ (خطر الشرك والعياذ بالله:

стр. 1340

إن الشرك والعياذ بالله خطره عظيم وأمره خطير وشره مستطير بل هو الداء الوبيل لأن الشركَ هو الذنبُ الذي لا يُغْفرُ إذا لم يتبْ الإنسانُ منه، قال الله تعالى: (إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً) [سورة: النساء (النساء / ٤٨) ويترتبُ على ذلك: الحرمانُ من الجنةِ والخلودُ في النارِ وإحباطُ العمل. قال الله تعالى) إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (المائدة / ٧٢) وقال تعالى (وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر / ٦٥) ولخطورة الشرك كان سيدنا إبراهيم ﵇ خليل الرحمن يخافُ من الشرك: فقد دعا الله سبحانه أن يُجنبه وبنيه عبادة الأصنام، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هََذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ) (إبراهيم / ٣٥) الشاهد من الآية: إذا كان إبراهيمُ ﵇ الذي هو خليلُ الرحمن وإمامُ الحنفاء، والذي جعله الله أمة والذي ابتلاه بكلماتٍ فأتمهن، وأمره بذبحِ ابنه وفلذةِ كبده طاعةً لله وامتثالاً لأمره، والذي كسَّرَ الأصنام واشتد نكيرُه على أهلِ الشرك، يخافُ من الشرك، فمن بابِ أولى أن نخافَ على أنفسنا من الشرك. والشركَ في أمتنا أخفى من دبيبِ النمل على الصفا ِ: (حديثُ ابن عباس في صحيحِ الجامع) أن النبي ﷺ قال: الشركُ في أمتي أخفى من دبيبِ النملِ على الصفا. ومن أخطر أنواع الشرك: الشرك الخفي وذلك لخفائه وخطورته وهو الشرك الأصغر الذي يحبط العمل والعياذ بالله حتى يقول الله عن صاحبه: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون * ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون [الأنعام:٢٢ - ٢٤]. (حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ ". قالوا: بلي. قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يري من نظر رجل.

стр. 1341

(حديث محمود بن لبيد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء. فجاهد أخي في تجريد التوحيد .. سل الله العافية من الشرك .. واستعذ بالله منه فقد كان من دعائه ﷺ : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه. هنا يزول الحجاب .. مع الاستعاذة .. والإخلاص .. وصدق اللجأ الى الله. الحجاب السابع: حجاب أهل الفضلات والتوسع في المباحات: قد يكون حجاب أحدنا بينه وبين الله بطنه .. فإن الأكل حلال .. والشرب حلال .. لكن النبي ... ﷺ أخبرنا أنه [ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «مَا مَلأَ آدَمِىٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً) أَيْ ظَرْفًا (شَرًّا مِنْ بَطْنٍ) صِفَةُ وِعَاءٍ، جَعَلَ الْبَطْنَ أَوَّلًا وِعَاءً كَالْأَوْعِيَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ ظُرُوفًا لِحَوَائِجِ الْبَيْتِ تَوْهِينًا لِشَأْنِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ شَرَّ الْأَوْعِيَةِ؛ لِأَنَّهَا الجزء السابع اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا هِيَ لَهُ وَالْبَطْنُ خُلِقَ لِأَنْ يَتَقَوَّمَ بِهِ الصُّلْبُ بِالطَّعَامِ وَامْتِلَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَكُونُ شَرًّا مِنْهَا (بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ) مُبْتَدَأٌ أَوِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ وَقَوْلُهُ (أُكُلَاتٌ) بِضَمَّتَيْنِ خَبَرُهُ نَحْوُ قَوْلِهِ: بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ أَيْ يَكْفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَإِمْسَاكِ الْقُوَّةِ (يُقِمْنَ) مِنَ الْإِقَامَةِ

стр. 1342

(صُلْبَهُ) أَيْ ظَهْرَهُ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ، كِنَايَةً عَنْ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا يَحْفَظُهُ مِنَ السُّقُوطِ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ (فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ، أَيْ إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّجَاوُزِ عَمَّا ذَكَرَ فَلْتَكُنْ أَثْلَاثًا (فَثُلُثٌ) أَيْ فَثُلُثٌ يَجْعَلُهُ (لِطَعَامِهِ) أَيْ مَأْكُولِهِ (وَثُلُثٌ) يَجْعَلُهُ (لِشَرَابِهِ) أَيْ مَشْرُوبِهِ (وَثُلُثٌ) يَدَعُهُ (لِنَفَسِهِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ يُبْقِي مِنْ مِلْئِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّنَفُّسِ وَيَحْصُلُ لَهُ نَوْعُ صَفَاءٍ وَرِقَّةٍ وَهَذَا غَايَةُ مَا اخْتِيرَ لِلْأَكْلِ وَيَحْرُمُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ حكمه. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ عَمَّا يُقَامُ بِهِ صُلْبُهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ الْبَتَّةَ التَّجَاوُزَ فَلَا يَتَجَاوَزُ عَنِ الْقَسْمِ الْمَذْكُورِ. أهـ ثم إن المعدة إذا امتلأت .. نامت الفكرة .. وقعدت الجوارح عن الخدمة (حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: قَالَ تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعاً فِى الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (تَجَشَّأَ رَجُلٌ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ يُخْرِجُ الْجُشَاءَ مِنْ صَدْرِهِ وَهُوَ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ عِنْدَ الشِّبَعِ، وَقِيلَ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ. قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: الرَّجُلُ هُوَ وَهْبٌ أَبُو جُحَيْفَةَ السَّوَائِيُّ. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ﴿أَكَلْتُ ثَرِيدَةً مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَتَجَشَّأُ﴾ قُلْتُ قَدْ أَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَسَتَقِفُ عَلَى لَفْظِهِ وَمُخَرِّجِيهِ

стр. 1343

(فَقَالَ كُفَّ عَنَّا) أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنَ الْكَفِّ بِمَعْنَى الصَّرْفِ وَالدَّفْعِ وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ: أَقْصِرْ مِنْ جُشَائِكَ (جُشَاءَكَ) بِضَمِّ الْجِيمِ مَمْدُودًا، وَالنَّهْيُ عَنِ الْجُشَاءِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الشِّبَعِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْجَالِبُ لَهُ (فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الشِّبَعُ بِالْفَتْحِ وَكَعِنَبٍ ضِدُّ الْجُوعِ وَشَبِعَ كَسَمِنَ خُبْزًا وَلَحْمًا مِنْهُمَا. (حديث فاطمة الزهراء ﵂ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الذين يأكلون ألوان الطعام و يلبسون ألوان الثياب و يتشدقون في الكلام. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً، فأسلم، فكان يأكل أكلاً قليلاً، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (إن المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء). (وقد يكون الحجاب بين العبد وبين الله ملابسه: قد يعشق المظاهر .. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار، و عبد الدرهم، و عبد الخميصة،، إن أُعطِيَ؛ رضي، وإن لم يُعط، سخط، تعس وأنتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسُه، مغبَّرةٌ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن أستأذن، لم يؤذن له، وأن شفع، لم يشفع " الشاهد: قوله ﷺ [تعس عبد الدينار، و عبد الدرهم، و عبد الخميصة] فسماه عبداً لهذا فهي حجاب بينه وبين ربه .. تقول له: قصّر ثوبك قليلاً .. امتثالاً للحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار. يقول: أنا أخجل من لبس القميص القصير .. ولماذا أصنع ذلك؟ هل تراني لا أجد قوت يومي؟!

стр. 1344

فالمقصود أن هذه الأعراف .. والعادات .. والفضلات .. والمباحات .. قد تكون حجاباً بين العبد وبين ربه .. وقد تكون كثرة النوم حجاباً بين العبد وبين الله .. قد يكون الزواج وتعلق القلب به حجاب بين العبد وبين الله .. وهكذا الاهتمام بالمباحات .. والمبالغة في ذلك .. وشغل القلب الدائم بها .. قد يكون حجاباً غليظاً يقطعه عن الله. نسأل الله ألا يجعل بيننا وبينه حجاباً .. الحجاب الثامن: حجاب أهل الغفلة عن الله: والغفلة تستحكم في القلب حين يفارق محبوبه جل وعلا .. فيتبع المرء هواه .. ويوالي الشيطان .. وينسى الله قال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف:٢٨] .. ولا ينكشف حجاب الغفلة عنه إلا بالانزعاج الناشئ عن انبعاث ثلاثة أنوار في القلبهي ما يلي: (١) نور ملاحظة نعمة الله تعالى في السر والعلن .. حتى يغمر القلب محبته ﷻ . فإن القلوب فطرت على حب من أحسن إليها. (٢) نور مطالعة جناية النفس .. حتى يوقن بحقارتها .. وتسببها في هلاكه .. فيعرف نفسه بالازدراء والنقص .. ويعرف ربه بصفات الجمال والكمال .. فيبذل لله .. ويحمل على نفسه في عبادة الله .. لشكره وطلب رضاه. (٣) نور الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام .. فيدرك أن عمره رأس ماله. فيشمّر عن ساعد الجدّ حتى يتدارك ما فاته في يقسة عمره. فيظل ملاحظا لذلك كله .. فينزعج القلب .. ويورثه ذلك يقظة تصيح بقلبه الراقد الوسنان .. فيهب لطاعة الله .. .. فينكشف هذا الحجاب .. ويدخل نور الله قلب العبد .. فيستضيء. الحجاب التاسع: حجاب اهل العادات والتقاليد والأعراف: إن هناك أناسا عبيد للعادة .. تقول له: لم تدخن؟!! .. يقول لك: عادة سيئة .. أنا لا أستمتع بالسيجارة .. ولا ضرورة عندي إليها .. وإنما عندما أغضب فإني أشعل السيجارة .. وبعد قليل أجد أني قد استرحت. ولما صار عبد السيجارة .. فصارت حجابا بينه وبين الله .. ولذلك أول سبيل للوصول الى الله خلع العادات .. ألا تصير لك عادة .. فالإنسان عدو عادته فلكي تصل الى الله، فلا بد أن تصير حرا من العبودية لغير الله. [*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" ولا تصح عبوديته ما دام لغير الله فيه بقية" .. فلا بد أن تصير خالصا لله حتى يقبلك. الحجاب العاشر: حجاب المجتهدين المنصرفين عن السير إلى المقصود:

стр. 1345

هذا حجاب الملتزمين .. أن يرى المرء عمله .. فيكون عمله حجابا بينه وبين الله .. فمن الواجب ألا يرى عمله .. وإنما يسير بين مطلعة المنّة .. ومشاهدة عيب النفس والعمل .. يطاع منّة الله وفضله عليه أن وفقه وأعانه .. ويبحث في عمله .. وكيف أنه لم يؤده على الوجه المطلوب .. بل شابه من الآفات ما يمنع قبوله عند الله .. فيجتهد في السير .. وإلا تعلق القلب بالعمل .. ورضاه عنه .. وانشغاله به عن المعبود .. حجاب .. فإن رضا العبد بطاعته .. دليل على حسن ظنه بنفسه .. وجهله بحقيقة العبودية .. وعدم علمه بما يستحقه الرب ﷻ .. ويليق أن يعمل به .. وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها .. وعيوب عمله .. وجهله بربه وحقوقه .. وما ينبغي أن يعامل به .. يتولد منها رضاه بطاعته .. وإحسان ظنه بها .. ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات .. ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة .. فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها .. ولله درّ من قال: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به .. ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر .. وعمله عرضة لكل آفة ونقص .. كيف يرضى الله نفسه وعمله؟! وكلما عظم الله في قلبك .. صغرت نفسك عندك .. وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيل رضاه .. وكلما شهدت حقيقة الربوبية. وحقيقة العبودية .. وعرفت الله .. وعرفت النفس .. تبين لك أن ما معك من البضاعة .. لا يصلح للملك الحق .. ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته .. وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله .. ويثيبك عليه بكرمه وجوده وتفضله. فحينها تتبرأ من الحول والقوة .. وتفهم أن لا حول ولا قوة إلا بالله .. فينقشع هذا الحجاب. هذه هي الحجب العشرة بين العبد وبين الله .. كل حجاب منها أكبر وأشد كثافة من الذي قبله. أرأيت يا عبد الله كم حجاب يفصلك اليوم عن ربك ؟! .. قل لي بربك: كيف يمكنك الخلاص منها؟! فاصدق الله .. واصدق في اللجوء إليه .. لكي يزيل الحجب بينك وبينه .. فإنه لا ينسف هذه الحجب إلا الله .. [*] قال ابن القيّم ﵀: (فهذه عشرة حجب بين القلب وبين الله .. تحول بينه وبين السير إلى الله .. وهذه الحجب تنشأ عن أربعة عناصر .. أربعة مسميات هي: النفس .. الشيطان .. الدنيا .. الهوى .. ). فلا يمكن كشف هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب البتة .. لا بد من نزع تلك الأربعة لكي تنزع الحجب التي بينك وبين الله.

стр. 1346

باب شرطي قبول العمل: [*] (عناصر الباب: (أهمية العلم بشرطي قبول العمل: (شرطي قبول العمل: (أولاً الإخلاص: (تعريف الإخلاص: (الفرق بين الرياء والسمعة وإرادة العبد بعمله الدنيا: (فضائل الإخلاص: (المجاهدة في إخفاء العمل: (ماذا قال بعض العلماء في الإخلاص .. ؟ (فضل النيّة: (خطورة ترك العمل خوف الرياء: (هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه: (علامات الإخلاص: (ثانيا: متابعة السنّة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (أهمية العلم بشرطي قبول العمل: هذا الباب له أهمية بالغة، فهو من العلم بمنزلة الرأس من الجسد، وهو رأس الأمر وعموده وزروة سنامه، وبدون العلم به قد يكون العمل مردوداً على صاحبه أو يصبح هباءاً منثورا والعياذ بالله، وهذا الباب هو الذي طَيَّشَ عقول الصديقين وأطار نوم المتقين، ونغَّصَ عيش الصالحين خشية أن يرد عليهم أعمالهم، ولذا كان هذا الباب له الأثر البالغ في ترقيق القلوب وإنابتها نحو علاَّم الغيوب. (شرطي قبول العمل: لا يقبل الله عملاً من الأعمال حتى يتوفر فيه شرطان فالأول: هو الإخلاص وهو شرط الباطن، والثاني: هو متابعة سنة الرسول ﷺ وهو شرط الظاهر، ودل على هذا الكتاب والسنة الصحيحة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (الملك: من الآية٢). [*] قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل. وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف من الآية: ١١٠). (فالعمل الصالح هو الموافق للسنة وعدم الشرك هو الإخلاص. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (النساء: من الآية ١٢٥). فإسلام الوجه هو الإخلاص، والإحسان هو متابعة سنة النبي ﷺ . (أولاً الإخلاص: (تعريف الإخلاص: مسألة: ما هو الإخلاص لغةً وشرعا؟

стр. 1347

الإخلاص لغةً: خلص خلوصاً خلاصاً، أي صفى وزال عنه شوبه، وخلص الشيء صار خالصاً وخلصت إلى الشيء وصلت إليه، وخلاص السمن ما خلص منه. فكلمة الإخلاص تدل على الصفاء والنقاء والتنزه من الأخلاط والأوشاب. والشيء الخالص هو الصافي الذي ليس فيه شائبة مادية أو معنوية. وأخلص الدين لله قصد وجهه وترك الرياء. وقال الفيروز أبادي: أخلص لله ترك الرياء، وكلمة الإخلاص كلمة التوحيد، والمخلصون هم الموحدون والمختارون. والإخلاص شرعا: هو أن تبتغي بعملك وجه الله تعالى، فإن قصدت بعملك غيره تعالى لم يقبله فهو سبحان أغني الشركاء عن الشرك، فهو تجريد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب. (والإخلاص هو أهم أعمال القلوب وأعلاها وأساسها، هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل ﵈ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (البينة: من الآية ٥). و قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] (والإخلاص هو لب العبادة وروحها [*] قال ابن حزم: النية سر العبودية وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه، فهو جسد خراب. (والإخلاص شرط لقبول العمل الصالح الموافق لسنة رسول الله ﷺ ، وقد أمرنا الله به فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (البينة: من الآية ٥). وإليك الأدلة من السنة الصحيحة على ذلك: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: " أنا أغني الشركاء عن الشرك، ومن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشِركَه ". (حديث جندب بن عبد الله في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من سمَّع سمَّع الله به ومن يرائي يرائي ... الله به. ) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار.

стр. 1348

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار. (حديث أبي أمامة في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه. (حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ ". قالوا: بلي. قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يري من نظر رجل. ﴿تنبيه﴾: (قوله: [أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال] وإنما كان كذلك، لأن التخلص منه صعب جداً، ولذلك قال بعض السلف: " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص "، وقال النبي ﷺ : " أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " (الفرق بين الرياء والسمعة وإرادة العبد بعمله الدنيا: مسألة: ما الفرق بين الرياء والسمعة وإرادة العبد بعمله الدنيا؟ ((الرياء والسمعة) مقصودهما أن يحمد العبد في العبادة، أما إرادة العبد بعمله الدنيا فإنه يريد أمراً مادياً محضاً كمن أذن ليأخذ راتب المؤذن، أو حج ليأخذ المال. ٢ - أن يريد المرتبة، كمن تعلم في كلية وأخذ شهادة الدكتوراة لأجل الشهادة والمنزلة فقط وليس للتقرب إلى الله تعالى.

стр. 1349

قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلََئِكَ الّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إِلاّ النّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [سورة: هود - الآيتان:١٥،١٦] قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا). أي: البقاء في الدنيا. قوله: (وزينتها). أي المال، والبنين، والنساء، والحرث، والأنعام، والخيل المسومة، كما قال الله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ [آل عمران: ١٤]. قوله: (نوف إليهم). فعل مضارع معتل الآخر مجزوم بحذف حرف العلة الياء، لأنه جواب الشرط. والمعني: أنهم يعطون ما يريدون في الدنيا، ومن ذلك الكفار لا يسعون إلا للدنيا وزينتها، فعجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمعتم بها﴾ [الأحقاف: ٢٠]. ولهذا لما بكي عمر حين رأي النبي ﷺ قد أثر في جنبه الفراش، فقال: " ما يبكيك؟ ". قال يا رسول الله! كسري وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من نعيم وأنت على هذا الحال. فقال رسول الله ﷺ : " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم " (١) وفي الحقيقة هي ضرر عليهم، لأنهم إذا انتقلوا من دار النعيم إلى الجحيم، صار عليهم أشد وأعظم في فقد ما متعوا به في الدنيا. قوله: (وهم فيها إلا يبخسون). البخس: النقص، أي: لا ينقصون مما يجازون فيه، لأن الله عدل لا يظلم، فيعطعون ما أرادوه. قوله: (أولئك). المشار إليه يريدون الحياة الدنيا وزينتها. قوله: (ليس لهم في الآخرة إلا النار). فيه حصر وطريقة النفي والإثبات، وهذا يعني أنهم لن يدخلوا الجنة، لأن الذي ليس له إلا النار محروم من الجنة والعياذ بالله. قوله (وحبط ما صنعوا فيها). الحبوط: الزوال، أي: زال عنهم ما صنعوا في الدنيا. قوله: (وباطل ما كانوا يعملون). (باطل): خبر مقدم لأجل مراعاة الفواصل في الآيات والمبتدأ " ما " في قوله: (ما كانوا يعملون)، فأثبت الله أنه ليس لهؤلاء إلا النار، وأن ما صنعوا في الدنيا قد حبط، وأن أعمالهم باطلة.

стр. 1350

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار، و عبد الدرهم، و عبد الخميصة،، إن أُعطِيَ؛ رضي، وإن لم يُعط، سخط، تعس وأنتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسُه، مغبَّرةٌ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن أستأذن، لم يؤذن له، وأن شفع، لم يشفع " قوله: " تَعِس ". بفتح العين أو كسرها، أي: خاب وهلك. قوله: " عبد الدينار" الدينار: هو النقد من الذهب، وسماه عبد الدينار، لأنه تعلق به تعلق العبد بالرب فكان أكبر همه، وقدمه على طاعة ربه، ويقال في عبد الدرهم ما قيل في عبد الدينار، والدرهم هو النقد من الفضة. قوله: " [و عبد الخميصة]، وهذا من يعنى بمظهره، لأن الخميصة كساء جميل، ليس له هم إلا هذا الأمر، فإذا كان عابداً لهذه الأمور لأنه صرف لها جهوده وهمته، فكيف بمن أراد بالعمل الصالح شيئاً من الدنيا فجعل الدين وسيلة للدنيا؟! فهذا أعظم. قوله: " إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ". يحتمل أن يكون المعطي هو الله فيكون الإعطاء قدرياً، أي: إن قدر الله له الرزق والعطاء رضي وانشرح صدره، وإن منع وحرم المال سخط بقلبه وقوله، كأن يقول: لماذا كنت فقيراً وهذا غنياً؟ وما أشبه ذلك، فيكون ساخطاً على قضاء الله وقدرة لأن الله منعه. والله يعطي ويمنع لحكمةٍ بالغةً قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها، ويعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين لمن يحب. والواجب على المؤمن أن يرضي بقضاء الله وقدره، إن أعطي شكر، وإن منع صبر. ويحتمل أن يراد بالإعطاء هنا الإعطاء الشرعي، أي: إن أعطي من مال يستحقه من الأموال الشرعية رضي، وإن لم يعط سخط، وكلا المعنيين حق، وهما يدلان على أن هذا الرجل لا يرضي إلا للمال ولا يسخط إلا له، ولهذا سمّاه الرسول ﷺ عبداً له. قوله:" تعس وانتكس ". تعس، أي: خاب وهلك، وانتكس، أي: أنتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له، فكلما أراد شيئاً انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد، ولهذا قال: وإذا شيك فلا انتقش" أي: إذا أصابته شوكة، فلا يستطيع أن يزيل ما يؤذيه عن نفسه.

стр. 1351

وهذه الجمل الثلاث يحتمل خبراً منه ﷺ عن حال هذا الرجل، وأنه في تعاسة وانتكاس وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء على من هذه حاله، لأنه لا يهتم إلا للدنيا، فدعا عليه أن يهلك، وأن لا يصيب من الدنيا شيئاً، وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه، وقد يصل إلى الشرك عندما يصده ذلك عن طاعة الله حتى أصبح لا يرضي إلا للمال ولا يسخط إلا له. قوله: " طوبي لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ". هذا عكس الأول، فهو لا يهتم للدنيا، وإنما يهتم للآخرة، فهو في استعداد دائم للجهاد في سبيل الله. و" طوبى " فُعْلى من الطيب، وهي اسم تفضيل، فأطيب للمذكر وطوبي للمؤنث، والمعني: أطيب حال تكون لهذا الرجل، وقيل إن طوبي شجرة في الجنة، والأول، أعم، وقوله: " آخذ بعنان فرسه ". أي ممسك بمقود فرسه الذي يقاتل عليه. قوله: " في سبيل الله ". ضابطه أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا للحمية أو الوطنية أو ما أشبه ذلك، لكن إن قاتل وطنية وقصد حماية وطنه لكونه بلداً إسلامياً يجب الذود عنه، فهو في سبيل الله، وكذلك من قاتل دفاعاً عن نفسه أو ماله أو أهله؛ فإن النبي ﷺ قال: " من قتل دون ذلك، فهو شهيد "، فأما من قاتل للوطنية المحضة، فليس في سبيل الله لأن هذا قتال عصبية يستوي فيه المؤمن والكافر، فإن الكافر يقاتل من أجل وطنه. قوله: [أشعثٌ رأسه، مغبَّرة قدماه] أي: رأسه أشعث من الغبار في سبيل الله، فهو لا يهتم بحاله ولا بدنه مادام هذا الآمر ناتجاً عن طاعة الله وقدماه مغبرة في السير في سبيل الله، وهذا دليل على أن أهم شيء عنده هو الجهاد في سبيل الله، أما أن يكون شعره أو ثوبه أو فراشه نظيفاً، فليس له هم فيه. قوله: [إن كان في الحراسة، فهو في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة] المعنى أنه يُنكر ذاته فالأمر يستوي عنده سواء كان في المنزلة العليا كمرتبة الحراسة التي تكون في مقدمة الجيش أو في المنزلة الدنيا كالسقي ال ... ي يكون في مؤخرة الجيش فهو لا يحرص على مكانة دنيوية حتى إنه إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع. قوله:" إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع ". أي: هو عند الناس ليس له جاه ولا شرف، حتى إنه إن استأذن لم يؤذن له، وهكذا عند أهل السلطة ليس له مرتبه، فإن شفع لم يُشَفّع، ولكنه وجيه عند الله وله المنزلة العالية، لأنه يقاتل في سبيله.

стр. 1352

والشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. والاستئذان: طلب الإذن بالشيء. ﴿تنبيه﴾: (ولا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص لقول الله : ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: الآية ٨٣). وروى أن أحد الصالحين كان يقول لنفسه: " يانفس أخلصى تتخلصى ". وكل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قلّ أم كثر، إذا تطرق إلى العمل، تكدربه صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط فى حظوظه، منغمس فى شهواته، قلما ينفك فعلٌ من أفعاله، وعبادةٌ من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس، فلذلك قيل: " من سلم له من عمره لحظةٌ واحدةٌ خالصةٌ لوجه الله نجا "، وذلك لعزة الإخلاص، وعُسْرِ تنقية القلب عن الشوائب، فالإخلاص: تنقية القلب من الشوائب كلها، قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصدُ التقرب فلا يكون فيه باعثُ سواه، وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق لحب الدنيا من قلبه قرارٌ، فمثل هذا لو أكل، أو شرب، أو قضى حاجته، كان خالص العمل، صحيح النية، ومن ليس كذلك فبابُ الإخلاص مسدودٌ عليه إلا على الندور. وكما أن مَنْ غلب عليه حب الله، وحب الآخرة، فاكتسبت حركاتهُ الاعتيادية صفة همه، وصارت إخلاصاً، فالذى يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرياسة، وبالجملة غير الله، اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة، فلا تسلم له عبادةٌ من صومٍ، وصلاة وغير ذلك إلا نادراً. فعلاج الإخلاص كسرُ حظوظ النفس، وقطعُ الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر به الإخلاص، وكم من أعمل يتعب الإنسان فيها، ويظن أنها خالصةٌ لوجه الله، ويكون فيها من المغرورين، لأنه لم يَرَ وجهَ الآفة ِ. كما حُكى عن بعضهم: أنه كان يصلى دائماً فى الصف الأول، فتأخر يوماً عن الصلاة فصلى فى الصف الثانى، فاعترتْه خجلةٌ من الناس حيث رأوْه فى الصف الثانى، فَعَلم أن مسرته وراحة قلبه منِ الصلاة فى الصف الأول كانت بسبب نظر الناس إليه، وهذا دقيقٌ غامضٌ قَلّما تسلم الأعمال من أمثاله، وقلّ من ينتبه له إلا من وفقه الله تعالى، والغافلون عنه يَرَوْنَ حسناتهم يوم القيامة سيئات، وهم المقصودون بقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ (الزمر: من الآيتين ٤٧،٤٨).

стр. 1353

وبقوله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: الآية ١٠٣ - ١٠٤). (فضائل الإخلاص: للإخلاص أهمية قصوى فهو منتهى أمل العبد وأقصى غايته للأسباب الآتية: (١) النجاة تكون بسببه في الآخرة لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه. (حديث أبي أمامة في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه. (٢) اجتماع القلب في الدنيا وزوال الهم لا يكون إلا به: (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له. [من كانت الآخرة همّه]: يعني: أي شغله الشاغل، يعمل لها ويرغب فيها عن الآخرة، كان جزائه ما يلي: جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة: [ومن كانت الدنيا همّه]: فالإنسان مخلوق من أجل العبادة، فإذا نسي هذا الأمر وأصبح نهماً على الدنيا يريد أن يجمعها من أي جهة كانت، وأصبحت هذه الدنيا همه الوحيد فهذا جزاؤه [جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] [جعل الله فقره بين عينيه]: يعني: أنه دائماً مستحضر الفقر يرى الفقر بين عينيه، مهما وجد معه من المال، [وفرَّق عليه شمله]: فالذي يجمع لك الأمور ويؤلف بين القلوب هو الله ، فالإنسان يجمع من شمال ويمين وربنا يفرق عليه هذا كله ما دام همه الوحيد. [ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له]: فلا تتعب نفسك وتحملها فوق طاقتها فتقصر في عبادة الله سبحانه، وتقول: المال المال، ولكن ابحث عن المال من حلال، واحذر الحرام، واحذر أن تضيع الدين وتضيع الطاعة فيضيع منك الجميع الدنيا والآخرة. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: من جعل الهموم هماً واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك.

стр. 1354

من جعل الهموم هماً واحدا هم المعاد: ولو أن كلاً منا في قلبه الآخرة، فسيدرك أن الله سبحانه على كل عمل يقوم به، فإنه إذا قام للصلاة تذكر: الله سيحاسبني على هذه الصلاة فيحسنها، وإذا صام أحسن الصيام، وإذا عمل أي عمل من الأعمال أتقن ذلك العمل، ولا من أجل أن يأخذ الجزاء من الناس، ليس من أجل أن يترقى، ولكن ابتغاء مرضات الله ؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، فإذا كانت الآخرة على بال الإنسان دائماً فإن الله سوف يكفيه أمر دنياه، قال: (كفاه الله هم دنياه). ومن تشعبت به الهموم: يعني: نسي الآخرة وبدأ يفكر يريد أن يأكل ويشرب ويلبس ويريد كذا وكذا، ويعمل طول النهار وهو يفكر في أمور الدنيا، ناسياً ربه سبحانه فهذا يكون حاله كما في الحديث: (لم يبال الله في أي أوديته هلك): يعني: في أي مكان هلك لا يبالي الله به. فالمؤمن قريب من الله، والله يحبه ويفرح بتوبته وبإقباله عليه، أما الإنسان البعيد عن الله فإن يهلك في أي واد لا يبالي الله به. سادساً: أن محبها أشد الناس عذاباً بها، وهو معذب فى دوره الثلاث: يعذب فى الدنيا بتحصيلها والسعى فيها ومنازعة أهلها، وفى دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها، وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبداً، ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه، فهذا أشد الناس عذاباً فى قبره، يعمل الهمّ والحزنُ والغم والحسرة فى روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض فى جسمه. والمقصود: أن محب الدنيا يعذب فى قبره، ويعذب يوم لقاء ربه قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة: الآية: ٥٥). [*] قال بعض السلف: " يعذبهم بجمعها، وتزهق أنفسهم بحبها، وهم كافرون بمنع حق الله فيها ". (٣) مصدر رزق عظيم للأجر وكسب الحسنات: كما في الحديث الآتي: (حديث عن سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِيْ امرأتك). (٤) ينجي من العذاب العظيم يوم الدين: كما في الأحاديث الآتي: )

стр. 1355

حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار. (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار. (٥) كذلك الإخلاص هو أساس أعمال القلوب، وأعمال الجوارح تبع ومكمل له، الإخلاص يعظم العمل الصغير حتى يصبح كالجبل، كما أن الرياء يحقر العمل الكبير حتى لا يزن عند الله هباء قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٦) الإخلاص مهم جداً لأن أغلب الناس يعيشون في صراعات داخلية ويعانون من أشياء فحرموا البركة والتوفيق إلا من ﵀، فكيف يكون النصر و تعلم العلم إلا من المخلصين، الإخلاص مهم في إنقاذنا من الوضع الذي نعيش فيه، فقد أصبح عزيزاً نادراً قليلاً، مشاريع ودعوات تلوثت بالرياء، حركات إسلامية دمرت بسبب افتقاد الإخلاص وبعد أن أريد بها الرئاسة والجاه والمال، وقد بين النبي ﷺ أن حرص الإنسان على المال والجاه يفسد الدين فساداً كبيراً أكبر من الفساد الحاصل من إطلاق ذئبان جائعان على غنم وتأمل في الحديث الآتي بعين الاعتبار: (

стр. 1356

(حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ما) بمعنى ليس (ذئبان جائعان) صفة له وفي رواية عاديان والعادي الظالم المتجاوز للحد (أرسلا في غنم) الجملة في محل رفع صفة (بأفسد) خبر ما والباء زائدة أي أشد فساداً والضمير في (لها) للغنم واعتبر فيه الجنسية فلذا أنث وقوله (من حرص المرء على المال والشرف) عطف على المال والمراد به الجاه والمنصب (لدينه) اللام فيه للبيان، نحوها في قوله ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فكأنه قيل هنا بأفسد لأي شيء؟ قيل لدينه، ذكره الطيبي، (فمقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً، قال الحكيم: وضع اللّه الحرص في هذه الأمة ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص يحتاجه الآدمي لكن بقدر معلوم وإذا لم يكن لحرصه وثاق وهبت رياحه استفزت النفس فتعدى القدر المحتاج إليه فأفسد وعرف بعضهم الحرص بأنه مدد القوة الموضوعة في الآدمي ومثيرها وعمادها. أهـ [*] يقول ابن أبي جمرة وهو من كبار العلماء: وددت لو أنه كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإذا تورع في الرياسة حامي عليها وعادي. (٧) ومن فوائد الإخلاص أنه يقلب المباحات إلى عبادات وينال بها عالي الدرجات، قال أحد السلف: إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي ونومي ودخولي الخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله. لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب للمهمات مطلوب شرعاً. فالنية عند الفقهاء: تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات عن بعضها البعض، إرادة وجه الله عز و جل. (٨) الإخلاص سبب للمغفرة الكبيرة للذنوب.

стр. 1357

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه فيغفر فيه كبائر، وإلا فأهل الكبائر كلهم يقولون لا إله إلا الله. كالبغي التي سقت كلباً فقد حضر في قلبها من الإخلاص ما لا يعلمه إلا الله فغفر الله لها. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: غُفِرَ لأمرأة مُومِسَة، مرت بكلب على رأس َرِكيٍّ، يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فَغُفِرَ لها بذلك. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (غُفِرَ) بالبناء للمفعول بضبط المصنف أي غفر اللّه (لامرأة مُومِسَة) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بضبطه (مرت بكلب على رأس َرِكيٍّ) بفتح الراي وكسر الكاف وشد التحتية بئر (يلهث) أي يخرج لسانه من شدة الظمأ (كاد يقتله العطش) لشدته وفي رواية يأكل الثرى من العطش أي التراب الندي (فنزعت خفها) من رجلها (فأوثقته) أي شدته (بخمارها) بكسر الخاء أي بغطاء رأسها والخمار ككتاب ما يغطى به الرأس (فنزعت) جذبت وقلعت (له من الماء) أي بالبئر فسقته (فَغُفِرَ لها بذلك) أي بسبب سقيها للكلب على الوجه المشروح فإنه تعالى يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير إذا شاء فضلاً منه. قال ابن العربي: وهذا الحديث يحتمل كونه قبل النهي عن قتل الكلاب وكونه بعده فإن كان قبله فليس بناسخ لأنه إنما أمر بقتل كلاب المدينة لا البوادي على أنه وإن وجب قتله يجب سقيه ولا يجمع عليه حرّ العطش والموت، ألا ترى أن المصطفى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أمر بقتل اليهود شكوا العطش فقال: لا تجمعوا عليهم حرّ السيف والعطش فسقوا واستدل به على طهارة سؤر الكلب لأن ظاهره أنها سقت الكلب من خفها ومنع باحتمال أن تكون صبته في شيء فسقته أو غسلت خفها بعد أو لم تلبسه على أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، ولو قلنا به فمحله ما لم ينسخ (فائدة) قال شيخنا الشعراني: سقط على قلب زوجتي شيء فوصلت لحالة الموت فصاحت أهلها وإذا بقابل يقول وأنا بمجاز الخلاء خلص الذبابة من ضبع الذباب من الشق الذي تجاه وجهك ونحن نخلص لك زوجتك فوجدته عاضاً عليها فخلصتها فخلصت زوجتي حالاً. (٩) تنفيس الكروب لا يحدث إلا بالإخلاص، والدليل على ذلك حديث الثلاثة الذين حبستهم صخرة ففرج الله همّهم وتأمل في هذا الحديث بعين البصيرة: (

стр. 1358

(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب، فآتي أبواي فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته، وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطيني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم). (١٠) وبالإخلاص يرزق الناس الحكمة، ويوفقون للحق والصواب: قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] (١١) وبالإخلاص يدرك الأجر على عمله وإن عجز عنه بل ويصل لمنازل الشهداء والمجاهدين وإن مات على فراشه. قال تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ كان في غزاة، فقال: إن أقواما بالمدينة خلفنا، ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر.

стр. 1359

(حديث أبي كبشة الأنماري الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ. (١٢) وبالإخلاص يؤجر المرء ولو أخطأ كالمجتهد والعالم والفقيه، وهو نوى بالاجتهاد استفراغ الوسع وإصابة الحق لأجل الله، فلو لم يصب فهو مأجور على ذلك .. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران و إذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر. (١٣) والمرء ينجو من الفتن بالإخلاص، ويجعل له حرز من الشهوات ومن الوقوع في براثن أهل الفسق والفجور، لذلك نجى الله يوسف ﵇ من امرأة العزيز قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] لقد مر في الأمة كثير من المخلصين كانت سيرتهم نبراساً لمن بعدهم وقدوة وخيراً، لذلك أبقى الله سيرتهم وذكرهم حتى يقتدي بهم من بعدهم وعلى رأس هؤلاء الأنبياء، النبي محمد ﷺ وحواريو الأنبياء والصحابة الذين فتحوا البلاد بإخلاصهم ومن بعدهم من التابعين .. [*] يقول عبدة بن سليمان: كنا مع سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فلما التقى ساعة فطعنه ازدحم الناس عليه ليعرفوا من هو فإذا هو يلثم وجهه، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال لائماً أأنت يا أبا عمر ممن يشنع علي.

стр. 1360

[*] ويقول الحسن: إن كان الرجل جمع القرآن ولما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولما يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبداً. لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] [*] يقول علي بن مكار البصري الزاهد: ((لأن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقى فلاناً أخاف أن أتصنع له فأسقط من عين الله)) فقد كان السلف يخشون من قضية المجاملات. [*] قال الذهبي: يقول ابن فارس عن أبي الحسن القطان: ((أصبت ببصري وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أثناء الرحلة)) قال الذهبي: صدق والله فإنهم كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام وإظهار المعرفة. [*] قال هشام الدستوائي: ((والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله ). [*] يقول عمر بن الخطاب ﵁: ((فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وما بين الناس)). (ومن عجائب المخلصين ما حصل لصاحب النفق، حاصر المسلمون حصناً واشتد عليهم رمي الأعداء، فقام أحد المسلمين وحفر نفقاً فانتصر المسلمون، ولا يُعرَف من هو هذا الرجل، وأراد مَسْلَمَة أن يعرف الرجل لمكافأته، ولما لم يجده سأله بالله أن يأتيه، فأتاه طارق بليل وسأله شرطاً وهو أنه إذا أخبره من هو لا يبحث عنه بعد ذلك أبداً، فعاهده، و كان يقول: ((اللهم احشرني مع صاحب النفق)). (وعمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا يعلم عنها زوجة ولا غيرها، امتثالاً للحديثين الآتيين: (حديث الزبير بن العوام في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: من استطاع منكم أن يكون له خَبِءٌ من عمل صالح فليفعل. خَِبٌِء من عمل صالح: أي من الأعمال الخفيّة التي لا يطّلع عليها أحد من الناس, خالية من الرياء, فتكون خالصة لله تبارك و تعالى مثل صلاة النافلة في جوف الليل أو صدقة السر أو أي عمل آخر من الأعمال الصالحة. (حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.

стр. 1361

الغني: الغني عن الناس الخفي: من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه. الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه. (المجاهدة في إخفاء العمل: [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: بلغني أن العبد يعمل العمل سراً فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيكتب في العلانية، ثم لا يزال الشيطان به حتى يحب أن يحمد عليه فينسخ من العلانية فيثبت في الرياء. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لا يترك الشيطان الإنسان حتى يحتال له بكل وجه، فيستخرج منه ما يخبر به من عمله، لعله يكون كثير الطواف فيقول: ما كان أجلي الطواف الليلة، أو يكون صائما فيقول ما أثقل السحور أو ما أشد العطش، فإن استطعت أن لا تكون محدثاً ولا متكلماً ولا قارئاً، وإن كنت بليغاً، قالوا: ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته، فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغا ولا حسن الصوت قالوا ليس يحسن يحدث وليس صوته بحسن أحزنك وشق عليك، فتكون مرائيا، وإذا جلست فتكلمت ولم تبال من ذمك ومن مدحك من الله فتكلم. [*] يقول حماد بن زيد: كان أيوب ربما حدث في الحديث فيرقّ وتدمع عيناه، فيلتفت و ينتخط ويقول ما أشد الزكام!!، فيظهر الزكام لإخفاء البكاء. [*] قال الحسن البصري: ((إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام وذهب وبكى في الخارج)). [*] يقول محمد بن واسع التابعي: ((إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم)). (وللإمام الماوردي قصة في الإخلاص في تصنيف الكتب، فقد ألف المؤلفات في التفسير والفقه وغير ذلك ولم يظهر شيء في حياته لما دنت وفاته قال لشخص يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي وإنما إذا عاينت الموت و وقعت في النزع فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء فاعمد إليها وألقها في دجلة بالليل وإذا بسطت يدي فاعلم أنها قبلت مني وأني ظفرت بما أرجوه من النية الخالصة، فلما حضرته الوفاة بسط يده، فأظهرت كتبه بعد ذلك. (وكان علي بن الحسن يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين بالظلمة، فالصدقة تطفيء غضب الرب، وكان أهل بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم، فلما مات عرفوا، و رأوا على ظهره آثاراً مما كان ينقله من القرب والجرب بالليل فكان يعول مائة بيت.

стр. 1362

(وهكذا كان أحدهم يدخل في فراش زوجته فيخادعها فينسل لقيام الليل وهكذا صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله فكان يأخذ إفطاره ويتصدق به على المساكين ويأتي على العشاء .. مسألة: متى يكون إظهار العمل مشروعاً؟ [*] قال ابن قدامة: ﴿فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات﴾ قال: وفي الإظهار فائدة الإقتداء، ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي بل ينوي الإقتداء به ﴿إذاً ينبغي أن نحسن نياتنا في الأعمال المظهرة لندفع الرياء وننوي الإقتداء لنأخذ الأجر﴾، قال ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، ومثل الذي يظهره وهو ضعيف كمثل إنسان سباحته ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل إليهم فتشبثوا به وغرقوا جميعاً. (وفصل الخطاب في هذه المسألة أنها على التفصيل الآتي: (١) الأعمال التي من السنة أن يكون عملها سرّاً يسرّ. (٢) الأعمال التي من السنة أن يظهرها يظهرها. (٣) الأعمال التي من الممكن أن يسرها أو يظهرها، فإن كان قوياً يتحمل مدح الناس وذمهم فإنه يظهرها وإن كان لا يقوى فيخفي لأن السلامة لا يعدلها شيء فليس له أن يكون كالمصباح يضيء للناس ويحرق نفسه، فإذا قويت نفسه فلا بأس في الإظهار لأن الترغيب في الإظهار خير. ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يظهرون بعض أعمالهم الشريفة ليقتدى بهم كما قال بعضهم لأهله حين الاحتضار ((لا تبكوا علي فإني ما لفظت سيئة منذ أسلمت)). [*] قال أبو بكر بن عياش لولده ((يا بني إياك أن تعصي الله في هذه الغرفة فإني ختمت القرآن فيها اثنتا عشرة ألف ختمة)) من أجل موعظة الولد، فمن الممكن أن يظهر المرء أشياء لأناس معينين مع بقاء الإخلاص في عمله لقصد صالح. (لله درَ أقوامٍ نُعِّمُوا في الدنيا بالإخلاص في الطاعة، وفازوا يوم القيامة بالربح في البضاعة، وتنزهوا عن التقصير والغفلة والإضاعة، ولبسوا ثياب التقى وارتدوا بالقناعة، وداموا في الدنيا على السهر والمجاعة، فيا فخرهم إذا قامت الساعة. (لله در أقوام أخلصوا الأعمال وحققوها، وقيدوا شهواتهم بالخوف وأوثقوها، وسابقوا الساعات بالطاعات فسبقوها، وخلصوا أعمالهم من أشراك الرياء وأطلقوها، وقهروا بالرياضة أغراض النفوس الردية فمحقوها. (ماذا قال بعض العلماء في الإخلاص .. ؟

стр. 1363

[*] قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبداً أحب الشهرة. [*] قال بعضهم: ينبغي للعالم أن يتحدث بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت وإن أعجبه الصمت فلينطق. فإن خشي المدح فليصمت ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء. [*] وسُئِل سهل بن عبد الله التستوري: أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. فمع الإخلاص تنسى حظوظ النفس. [*] وقال سفيان: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي إنها تنقلب علي. إذا أراد أن يجاهد نفسه يجد تقلبات، ولا يدري أهو في إخلاص أم رياء، وهذا طبيعي أن يشعر أنه في صراع لا تسلم له نفسه دائماً فهو يتعرض لهجمات من الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، وهذا فيه خير، أما من اطمأنت نفسه بحاله فهذه هي المشكلة. [*] قال ابن يحيى بن أبي كثير: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل. [*] قال الزبيد اليامي: إني أحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب. [*] عن داود الطائي: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيراً وإن لم تنضب. أي حتى وإن لم تتعب فإن ما حصلته من اجتماع نفسك لله وإخراج حظوظ النفس من قلبك، هذا أمر عظيم. [*] قال يعقوب: " المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ". [*] قال السوسي: " الإخلاص فَقْدُ رؤية الإخلاص، فإن مَنْ شاهد فى إخلاصه الإخلاص فَقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص ". وما ذكر إشارة إلى تصفية العمل من العُجْب بالفعل، فإن الإلتفات إلى الإخلاص، والنظر إليه عٌجْب، وهو من جملة الآفات، والخالص ما صفا عن جميع الآفات. [*] قال أيوب: " تخليص النيات على العُمّال أشد عليهم من جميع الأعمال ". [*] وقال بعضهم: " إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكنّ الإخلاص عزيزٌ". [*] وقيل لسهل: أى شىء أشد على النفس؟ قال: " الإخلاص، إذ ليس لها فيه نصيب ". [*] وقال الفُضَيْل: " ترك العمل من أجل الناس رياء، والعملُ من أجل الناس شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما ". (فضل النيّة: [*] عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " أفضل الأعمال أداءُ ما افترض الله تعالى، والورعُ عما حرّم الله، وصدقٌ النية فيما عند الله تعالى ". [*] وقال بعض السلف: رب عملٍ صغيرٍ تعظمه النية، وربّ عمل كبير تصغيره النية. [*] وعن يحيى بن أبى كثير: " تعلّموا النية، فإنها أبلغ من العمل ".

стр. 1364

[*] وصحّ عن ابن عمر أنه سمع رجلاً عند إحرامه يقول: اللهم إني أريد الحج والعمرة فقال له: " أتُعْلم الناس، أوَ ليس الله يعلم ما فى نفسك": وذلك لأن النية هي: قصد القلب، ولا يجب التلفظ بها في شيء من العبادات وإنما يشرع في الحج والعمرة أن يقول: لبيك اللهم بحجة أو بعمرة أو بعمرة وحجة إن كان قارناً، وهو الذي يسمى بالإهلال. [*] قال داود: البر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوماً نيته إلى أصلها. [*] قال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. [*] قيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة فقال: كما أنت حتى أنوي. أي انتظر حتى أجاهد نفسي. [*] قال الفضيل: إنما يريد الله منك نيتك وإرادتك. ومن أصلح الله سريرته أصلح الله علانيته ومن أصلح ما بينه وما بين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله في صفحات وجهه وفلتات لسانه. والمخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ومن شاهد في إخلاصه الإخلاص فإن إخلاصه يحتاج إلى إخلاص. ﴿تنبيه﴾: (من أعظم الأشياء التي تكون عوناً بعد الله تعالى في حصول الإخلاص إخفاء العمل، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبهما موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي. الغني: الغني عن الناس الخفي: من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه. الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: بلغني أن العبد يعمل العمل سراً فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيكتب في العلانية، ثم لا يزال الشيطان به حتى يحب أن يحمد عليه فينسخ من العلانية فيثبت في الرياء. (خطورة ترك العمل خوف الرياء: هذا منزلق كشفه الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما. [*] قال النووي رحمه الله تعالى:

стр. 1365

من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مرائي" لأنه ترك لأجل الناس" لكن لو ترك العمل ليفعله في الخفاء. فمن ترك العمل بالكلية وقع في الرياء، وكذلك من كان يستحب في حقه إظهار العمل فليظهره كأن يكون عاملاً يقتدى به أو أن العمل الذي يعمله المشروع فيه الإظهار. ﴿تنبيه﴾: (من دعا إلى كتم جميع الأعمال الصالحة من جميع الناس؛ هذا إنسان خبيث وقصده إماتة الإسلام، لذلك المنافقون إذا رؤوا أمر خير وسموه بالرياء، فهدفهم تخريب نوايا المسلمين وأن لا يظهر في المجتمع عمل صالح، فهؤلاء ينكرون على أهل الدين والخير إذا رؤوا أمراً مشروعاً مظهراً خصوصاً إذا أظهر عمل خير معرض للأذى فيظهره احتسابا لإظهار الخير فيستهدفه هؤلاء المنافقون فليصبر على إظهاره ما دام لله، قال تعالى: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم)). (وينبغي أن نفرق بين الرياء ومطلق التشريك في العمل، فمتى يبطل العمل؟ إذا حصل تشريك فيه، ومتى يأثم؟ ومتى لا يأثم؟ وفصل الخطاب أن المسألة على التفصيل الآتي: (١) أن يعمل لله ولا يلتفت إلى شيء آخر (أعلى المراتب). (٢) أن يعمل لله ويلتفت إلى أمر يجوز الالتفات إليه، مثل رجل صام مع نية الصيام لله أراد حفظ صحته، ورجل نوى الحج والتجارة، ورجل جاهد ونظر إلى مغانم، ورجل مشى إلى المسجد وقصد الرياضة، ورجل حضر الجماعة لإثبات عدالته وأن لا يتهم، فهذا لا يبطل الأعمال ولكن ينقص من أجرها ـ والأفضل أن لا تكون موجودة ولا مشركة في العمل ولا داخلة فيه أصلاً. (٣) أن يلتفت إلى أمر لا يجوز الالتفات إليه من الرياء والسمعة وحمد الناس طلباً للثناء ونحو ذلك فيكون علي التفصيل الآتي: (أ) إذا كان في أصل العمل فإنه يبطله كأن يصلي الرجل لأجل الناس. (ب) أن يعرض له خاطر الرياء أثناء العمل فيدافعه ويجاهده، فعمله صحيح وله أجر على جهاده. (جـ) أن يطرأ عليه الرياء أثناء العمل ولا يدافعه و يستمر معه وهذا يبطل العمل. (د) أن يكون عمله الصالح للدنيا فقط، فيصوم لأجل الحمية والرجيم ولا يطلب الأجر، ويحج للتجارة فقط، ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة، فهؤلاء أعمالهم باطلة قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]

стр. 1366

(هـ) أن يكون عمله رياءً محضاً، وبالرياء يحبط العمل بل ويأثم به الإنسان، لأن هناك أشياء تبطل العمل ولا يأثم صاحبها كخروج ريح أثناء الصلاة، ومن الناس من يرائي في الفتوى للأغنياء والوجهاء وقد يكون لضعفه أمامهم وقال تعالى: (مَن كَان يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، ... أُوْلَئِكَ ... الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ﴿هود/١٥،١٦﴾ ) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار. [*] قال بعض السلف: ((إذا رأيت العالم على أبواب الغنى والسلطان فاعلم أنه لص))، أما الذي يذهب لقصد الإنكار والخير فلهو ما نوى. (هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه: (١) إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد فهذا عاجل بشرى المؤمنين. (٢) رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤيته من هو أنشط منه. (٣) تحسين وتجميل الثياب والنعل وطيب المظهر والرائحة. (٤) كتم الذنوب وعدم التحدث بها، فبعض الناس يظن أنك حتى تكون مخلصاً لابد من الإخبار بالذنوب، نحن مطالبون شرعاً بالستر، وكتم الذنوب ليس رياءً بل هو مما يحبّه الله، بل إن ظن غير ذلك تلبيس من الشيطان وإشاعة للفاحشة وفضح للنفس. (٥) اكتساب شهرة بغير طلبها، كعالم اشتهر وقصده منفعة الناس و بيان الحق ومحاربة الباطل والرد على الشبهات ونشر دين الله، فإن كانت هذه الأعمال وجاءت الشهرة تبعاً لها وليست مقصداً أصلياً فليس من الرياء. (٦) ليس من الرياء أن يشتهر المرء ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!! (علامات الإخلاص: (١) الحماس للعمل للدين. (٢) أن يكون عمل السر أكبر من عمل العلانية. (٣) المبادرة للعمل واحتساب الأجر. (٤) الصبر والتحمل وعدم التشكي. (٥) الحرص على إخفاء العمل. (٦) إتقان العمل في السر. (٧) الإكثار من العمل في السر. (ثانيا: متابعة السنّة:

стр. 1367

والشرط الثاني لقبول العمل أن يكون العمل مطابقاً لسنة النبى ﷺ : (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. (فهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، فكما أن حديث: " الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال فى باطنها فهو ميزان للأعمال فى ظاهرها فكما أن كل عمل لايراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو ردعلى عامله فقوله: "ليس عليه أمرنا" إشارة إلى أن أعمال العاملين كلها ينبغى أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جارياً تحت أحكام الشريعة موافقاً لها فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود. وقد أوجب الله علينا طاعة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية ٧) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: الآية ٣٦) وجعل الله اتباع سنة رسول الله ﷺ علامة على محبته فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٣١) وقد أوجب الله علينا طاعة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية ٧) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: الآية ٣٦) وجعل الله اتباع سنة رسول الله ﷺ علامة على محبته فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٣١)

стр. 1368

[*] قال الحسن البصرى: ادعى ناس محبة الله فابتلاهم بهذه الآية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ... الآية. وقد أمرنا النبي ﷺ بالتمسك بالوحيين كلاهما الكتاب والسنة وجعل النجاة من الضلال منوط بالتمسك بهما كما في الأحاديث الآتية " (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض. ﴿تنبيه﴾: (ويجب على طالب العلم أن يمسك بالوحيين كليهما (الكتاب والسنة) ولا ينزلق في هاوية من يتمسك بالقرآن ويدع السنة فإن ذلك ضلال وإضلال لأن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله تعالى إذ هو مبَّلغ الشرع عن الله تعالى. (حديث المقدام بن معد يكرب في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه. ومن المؤسف في زماننا هذا تجرئ بعض الجهلة على رسول الله ﷺ فيقولون إنه بشرٌ مثلنا هات الدليل من القرآن فقط وهذا يدل – ولا شك – على أن قائل هذه العبارة أضلُ من حمار أهله وأنه جاهلٌ جهل مركب، وقد أخبر النبي ﷺ أن ذلك سيقع في أمته (حديث المقدام ابن معد يكرب في صحيحي أبي داوود وزالترمذي) أن النبي ﷺ قال: يوشِكُ الرجلُ متكئاً على أريكته يُحدثُ بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله. قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل يقول دعنا من السنة وهات الكتاب فاعلم أنه ضال [*] وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: دين النبي محمدٍ أخبارُ ... نعم المطيةُ للفتى الآ ثارُ لا ترغبَّنَّ عن الحديثِ وأهله ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ [*] قال الزهرى: الاعتصام بالسنة نجاة لأن السنة كما قال مالك: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك. [*] وقال سفيان: لايقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة. [*] وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نَسُكَ أن يوفقه الله إلى صاحب سنة يحمله عليها.

стр. 1369

كما أوصانا النبي ﷺ بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين ﵃ كما في الحديث الآتي: (حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة. باب حقيقة الموت: [*] (عناصر الباب: (حقيقة الموت: (الموت أعظم المصائب: (الموت موعد مجهول: (الموت راحة للمؤمن وعذابٌ للكافر: (لا يجوز تمني الموت لضرٍ نزل بالإنسان: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه: (ما ورد في موت الفجأة: (عبرة الموت: (أعمار أمة محمد ﷺ : وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (حقيقة الموت: مسألة: ما هي حقيقة الموت ؟ [*] (قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة: قال القرطبى ﵀ في التذكرة: قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب , وقد سماه الله تعالى مصيبة , فى قوله تعالى: فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:١٠٦] فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى. قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر أهـ.

стр. 1370

ويخطئ من يظن أن الموت فناء محض وعدم تام ليس بعده حياة ولا حساب ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار، إذ لو كان الأمر كذلك لا نتفت الحكمة من الخلق والوجود، ولاستوى الناس جميعاً بعد الموت واستراحوا، فيكون المؤمن والكافر سواء، والقاتل والمقتول سواء، والظالم والمظلوم سواء، والطائع والعاصي سواء، والزاني والعفيف سواء، والفاجر والتقي سواء، وهذا مذهب الملاحدة الذين هم شر من البهائم، فلا يقول ذلك إلا من خلع رداء الحياء، ونادى على نفسه بالسفه والجنون ـ نعوذ بالله من الخبال ـ قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:٧]، وقال سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:٧٩،٧٨] (ولله درُ من قال: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي: ولكنا إذا متنا بعثناونسأل بعده عن كل شيء [*] (قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "يا أهل الدنيا إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للأبد والبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار". فالموت هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، وبه تطوى صحف الأعمال، و تنقطع التوبة والإمهال كما في الحديث الآتي: (حديث ابنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ». (الموت أعظم المصائب: مسألة: ما هي حقيقة الموت؟ [*] (قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة: قال القرطبى ﵀ في التذكرة: قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب , وقد سماه الله تعالى مصيبة , فى قوله تعالى: فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:١٠٦] فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى. قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر أهـ. (ولله درُ من قال:
следующие страницы →