Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
(هـ) أن يكون عمله رياءً محضاً، وبالرياء يحبط العمل بل ويأثم به الإنسان، لأن هناك أشياء تبطل العمل ولا يأثم صاحبها كخروج ريح أثناء الصلاة، ومن الناس من يرائي في الفتوى للأغنياء والوجهاء وقد يكون لضعفه أمامهم
وقال تعالى: (مَن كَان يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، ... أُوْلَئِكَ ... الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ﴿هود/١٥،١٦﴾
) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
(حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار.
[*] قال بعض السلف: ((إذا رأيت العالم على أبواب الغنى والسلطان فاعلم أنه لص))، أما الذي يذهب لقصد الإنكار والخير فلهو ما نوى.
(هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه:
(١) إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد فهذا عاجل بشرى المؤمنين.
(٢) رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤيته من هو أنشط منه.
(٣) تحسين وتجميل الثياب والنعل وطيب المظهر والرائحة.
(٤) كتم الذنوب وعدم التحدث بها، فبعض الناس يظن أنك حتى تكون مخلصاً لابد من الإخبار بالذنوب، نحن مطالبون شرعاً بالستر، وكتم الذنوب ليس رياءً بل هو مما يحبّه الله، بل إن ظن غير ذلك تلبيس من الشيطان وإشاعة للفاحشة وفضح للنفس.
(٥) اكتساب شهرة بغير طلبها، كعالم اشتهر وقصده منفعة الناس و بيان الحق ومحاربة الباطل والرد على الشبهات ونشر دين الله، فإن كانت هذه الأعمال وجاءت الشهرة تبعاً لها وليست مقصداً أصلياً فليس من الرياء.
(٦) ليس من الرياء أن يشتهر المرء ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!!
(علامات الإخلاص:
(١) الحماس للعمل للدين.
(٢) أن يكون عمل السر أكبر من عمل العلانية.
(٣) المبادرة للعمل واحتساب الأجر.
(٤) الصبر والتحمل وعدم التشكي.
(٥) الحرص على إخفاء العمل.
(٦) إتقان العمل في السر.
(٧) الإكثار من العمل في السر.
(ثانيا: متابعة السنّة:
стр. 1367
والشرط الثاني لقبول العمل أن يكون العمل مطابقاً لسنة النبى ﷺ :
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
(فهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، فكما أن حديث: " الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال فى باطنها فهو ميزان للأعمال فى ظاهرها فكما أن كل عمل لايراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو ردعلى عامله فقوله: "ليس عليه أمرنا" إشارة إلى أن أعمال العاملين كلها ينبغى أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جارياً تحت أحكام الشريعة موافقاً لها فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود.
وقد أوجب الله علينا طاعة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية ٧)
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: الآية ٣٦)
وجعل الله اتباع سنة رسول الله ﷺ علامة على محبته فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٣١)
وقد أوجب الله علينا طاعة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية ٧)
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: الآية ٣٦)
وجعل الله اتباع سنة رسول الله ﷺ علامة على محبته فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٣١)
стр. 1368
[*] قال الحسن البصرى: ادعى ناس محبة الله فابتلاهم بهذه الآية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ... الآية.
وقد أمرنا النبي ﷺ بالتمسك بالوحيين كلاهما الكتاب والسنة وجعل النجاة من الضلال منوط بالتمسك بهما كما في الأحاديث الآتية "
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.
﴿تنبيه﴾: (ويجب على طالب العلم أن يمسك بالوحيين كليهما (الكتاب والسنة) ولا ينزلق في هاوية من يتمسك بالقرآن ويدع السنة فإن ذلك ضلال وإضلال لأن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله تعالى إذ هو مبَّلغ الشرع عن الله تعالى.
(حديث المقدام بن معد يكرب في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه.
ومن المؤسف في زماننا هذا تجرئ بعض الجهلة على رسول الله ﷺ فيقولون إنه بشرٌ مثلنا هات الدليل من القرآن فقط وهذا يدل – ولا شك – على أن قائل هذه العبارة أضلُ من حمار أهله وأنه جاهلٌ جهل مركب، وقد أخبر النبي ﷺ أن ذلك سيقع في أمته
(حديث المقدام ابن معد يكرب في صحيحي أبي داوود وزالترمذي) أن النبي ﷺ قال: يوشِكُ الرجلُ متكئاً على أريكته يُحدثُ بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله.
قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل يقول دعنا من السنة وهات الكتاب فاعلم أنه ضال
[*] وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
دين النبي محمدٍ أخبارُ ... نعم المطيةُ للفتى الآ ثارُ
لا ترغبَّنَّ عن الحديثِ وأهله ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ
[*] قال الزهرى: الاعتصام بالسنة نجاة لأن السنة كما قال مالك: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
[*] وقال سفيان: لايقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة.
[*] وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نَسُكَ أن يوفقه الله إلى صاحب سنة يحمله عليها.
стр. 1369
كما أوصانا النبي ﷺ بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين ﵃ كما في الحديث الآتي:
(حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
باب حقيقة الموت:
[*] (عناصر الباب:
(حقيقة الموت:
(الموت أعظم المصائب:
(الموت موعد مجهول:
(الموت راحة للمؤمن وعذابٌ للكافر:
(لا يجوز تمني الموت لضرٍ نزل بالإنسان:
(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه:
(ما ورد في موت الفجأة:
(عبرة الموت:
(أعمار أمة محمد ﷺ :
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(حقيقة الموت:
مسألة: ما هي حقيقة الموت ؟
[*] (قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة: قال القرطبى ﵀ في التذكرة: قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب , وقد سماه الله تعالى مصيبة , فى قوله تعالى: فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:١٠٦] فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى.
قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر أهـ.
стр. 1370
ويخطئ من يظن أن الموت فناء محض وعدم تام ليس بعده حياة ولا حساب ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار، إذ لو كان الأمر كذلك لا نتفت الحكمة من الخلق والوجود، ولاستوى الناس جميعاً بعد الموت واستراحوا، فيكون المؤمن والكافر سواء، والقاتل والمقتول سواء، والظالم والمظلوم سواء، والطائع والعاصي سواء، والزاني والعفيف سواء، والفاجر والتقي سواء، وهذا مذهب الملاحدة الذين هم شر من البهائم، فلا يقول ذلك إلا من خلع رداء الحياء، ونادى على نفسه بالسفه والجنون ـ نعوذ بالله من الخبال ـ قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:٧]، وقال سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:٧٩،٧٨]
(ولله درُ من قال:
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي:
ولكنا إذا متنا بعثناونسأل بعده عن كل شيء
[*] (قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "يا أهل الدنيا إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للأبد والبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار".
فالموت هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، وبه تطوى صحف الأعمال، و تنقطع التوبة والإمهال كما في الحديث الآتي:
(حديث ابنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ».
(الموت أعظم المصائب:
مسألة: ما هي حقيقة الموت؟
[*] (قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة: قال القرطبى ﵀ في التذكرة: قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب , وقد سماه الله تعالى مصيبة , فى قوله تعالى: فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:١٠٦] فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى.
قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر أهـ.
(ولله درُ من قال:
стр. 1371
مضى العمر وفات ... يا أسير الغفلات
حصّل الزاد وبادر ... مسرعاً قبل الفوات
فإلى كم ذا التعامي ... عن أمور واضحات
وإلى كم أنت غارق ... في بحار الظلمات
لم يكن قلبك أصلا ... بالزواجر والعظات
بينما الإنسان يسأل ... عن أخيه قيل مات
وتراهم حملوه ... سرعة للفلوات
أهله يبكوا عليه ... حسرة بالعبرات
أين من قد كان يفخر ... بالجياد الصافنات
وله مال جزيل ... كالجبال الراسيات
سار عنها رغم أنف ... للقبور الموحشات
كم بها من طول مكث ... من عظام ناخرات
فاغنم العمر وبادر ... بالتقى قبل الممات
واطلب الغفران ممن ... ترتجي منه الهبات
مضى العمر وفات ... يا أسير الغفلات
حصّل الزاد وبادر ... مسرعاً قبل الفوات
فإلى كم ذا التعامي ... عن أمور واضحات
وإلى كم أنت غارق ... في بحار الظلمات
لم يكن قلبك أصلا ... بالزواجر والعظات
بينما الإنسان يسأل ... عن أخيه قيل مات
وتراهم حملوه ... سرعة للفلوات
أهله يبكوا عليه ... حسرة بالعبرات
أين من قد كان يفخر ... بالجياد الصافنات
وله مال جزيل ... كالجبال الراسيات
سار عنها رغم أنف ... للقبور الموحشات
كم بها من طول مكث ... من عظام ناخرات
فاغنم العمر وبادر ... بالتقى قبل الممات
واطلب الغفران ممن ... ترتجي منه الهبات
وكلٌ إنسان يندم عند نزول الموت، فإذا كان العبد طائعاً ونزل به الموت ندم أن لا يكون ازداد وإذا كان العبد مسيئاً ندم على التفريط وتمنى العودة إلى دار الدنيا، ليتوب إلى الله تعالى، ويبدأ العمل الصالح من جديد، ولكن هيهات هيهات!! قال تعالى: وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:٢٤]، وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٠٠،٩٩]
(الموت موعد مجهول:
(أخي الحبيب:
إذا علمت أنك ميت لا محالة، وأن موعد الموت غيب لا يعلمه إلا الله، فلا أحد يعلم متى ينتهي أجله ولا أين توافيه منيته، وإنما هو غيب غيبه الله عن العباد فلا يعلمه إلا هو (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [لقمان: ٣٤] .. أدركت عندئذ غُرر الفوائد ودُررِ الفرائد من أمر النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الموت كما في الأحاديث الاتية: (
стр. 1372
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي ﷺ فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
فإن كثرة ذكر الموت تعطيك ثلاث فوائد: تعجيل التوبة، والرضا بالقليل، وعدم مزاحمة أهل الدنيا في دنياهم.
كما وأن نسيان الموت والغفلة عنه يورث أشياء ثلاثة: قسوة القلب. وتسويف التوبة. وحب الدنيا التي من أحبها وتعلق قلبه بها أورثته شغلاً لا يفرغ منه أبدًا فهي رأس كل بلية ومصدر كل سوء.
[*] (قال عمر بن عبد العزيز: "أكثر من ذكر الموت، فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك، وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك".
[*] (قال إبراهيم التيمي: "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله ".
[*] (قال الحسن: "ما رأيت عاقلاً قط إلا أصبته من الموت حذرًا وعليه حزينًا".
[*] (وكان الربيع بن خيثم قد حفر قبرًا في داره، فكان ينام فيه كل يوم مرات، وكان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد.
(أخي الحبيب:
اجعل الموت منك على بال، واستعد له في كل لحظة فإنك معرض له. واجعل حاديك في كل زمان ذاك الرجل الذي كان يخرج كل ليلة فينادي الرحيل الرحيل، فلما مات سأل عنه الأمير فقالوا: مات. فقال:
مازال يلهج بالرحيل وذكره ... حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه متيقظًا ومشمرًا ... ذا أهبة لم تلهه الآمال
(الموت راحة للمؤمن وعذابٌ للكافر:
مسألة هل الموت راحة ؟
الموت راحة للمؤمن وعذابٌ للكافر:
(حديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين) أن رسول الله ﷺ مُرَّ عليه بجنازة، فقال: (مستريح ومستراح منه). قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب).
стр. 1373
(لا يجوز تمني الموت لضرٍ نزل بالإنسان:
مسألة: هل يجوز تمني الموت ؟
الذي دلت عليه السنة الثابتة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة أن المسألة على التفصيل الآتي:
(١) لا يجوز تمني الموت لضرٍ نزل بالإنسان:
(حديث نس الثابت في الصحيحين) قال قال رسول الله ﷺ * لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.
(٢) يجوز تمني الموت خوف ذهاب الدين:
(حديث ابنِ عَبّاسٍ الثابت في صحيح الترمذي) قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ وتَرْكَ المُنْكَرَاتِ وحُبّ المَسَاكِينِ وإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ.
وقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالىعنه: اللهم قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مُضيعٍ ولا مقصر، فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض رضي الله تعالىعنه.
(من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه:
مسألة: هل يجوز لنا أن نكره الموت ؟
(حديث عبادة بن الصامت الثابت في الثابت في الصحيحين) عن النبي ﷺ قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).
قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه).
(ما ورد في موت الفجأة:
مسألة: ما حكم موت الفجأة ؟
الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه أن المسألة على التفصيل الآتي:
(١) موت الفجأة أخذة أسف للعاصي وعليه يحمل الحديث الآتي:
(حديث عبيد الله بن خالد السلمي الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ... موت الفجأة أخذةُ أسف.
(أخذةُ أسف): أي أخذةُ غضب مستفاداً من قوله تعالى: (فَلَمّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) [سورة: الزخرف - الآية: ٥٥]
والمعنى أن موت الفجأة أخذةُ غضب من الله تعالى على عبده لأنه أخذه فجأة فلا يتركه ليستعد لمعاده بالتوبة ولم يمرضه ليكون كفارة لذنوبه.
стр. 1374
(٢) أما غير العاصي فلا يعد موت الفجأة أخذةُ غضب وعليه يحمل الحديث الآتي: (لحديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال * يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم.
(عبرة الموت:
يروى أن أعرابياً كان يسير على جمل له، فخر الجمل ميتاً، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه، ويقول: ما لك لا تقوم؟
مالك لا تنبعث؟
هذه أعضاؤك كاملة!!
وجوارحك سالمة!!
ما شأنك؟
ما الذي كان يحملك؟
ما الذي صرعك؟
ما الذي عن الحركة منعك؟
ثم تركه وانصرف متعجباً من أمره، متفكراً في شأنه!!
[*] (قال ابن السماك: بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك، إذ رمى بشبكته في البحر، فخرج فيها جمجمة إنسان، فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي ويقول:
عزيز فلم تترك لعزك!!
غني فلم تترك لغناك!!
فقير فلم تترك لفقرك!!
جواد فلم تترك لجودك!!
شديد لم تترك لشدتك!!
عالم فلم تترك لعلمك!!).
يردد هذا الكلام ويبكي.
(أخي الحبيب:
إذا مررت بالموتى فنادهم إن كنت مناديا , وادعهم إن كنت داعياً ومر بعسكرهم , وانظر
إلى تقارب منازلهم , سل غنيهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي من فقره؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان، وأكلت اللحان وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقارة، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم [وكأنهم] ما وطئوا فراشاًولا وضعوا هنا متكأ، ولا غرسوا شجراً ولا أنزلوهم من اللحد قراراً، أليسوا في منازل الخلوات؟
стр. 1375
أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، أو وصالهم ممزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، ودبت دواب الأرض في أجسادهم، ففرقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا إلا يسيراً حتى عادت العظام رميماً، فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق، قد تزوجت نساءهم، وترددت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وقراهم، فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته، يا ساكن القبر غداً ما الذي غرك من الدنيا أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك الينعة؟ وأين رقاق ثيابك وأين طيبك ونحورك، وأين كسوتك لصيفك ولشتاءك؟؟ أما رأيته قد زل به الأمر، فلما يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقاً ويتلمظ عطشاً، يتقلب في سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، هيهات: يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفن الميت ويا مدخله في القبر، وراجعاً عنه، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي.
(كيف بك أخي وقد حلت بك السكرات ونزل بك الأنين والغمرات، وأنت تسمع الخطاب ولا تقدر على الجواب.
(كيف بك إذا أتاك ملك الموت لا يقرع لك بابا ولا يهاب صاحبا،
لا يُفْزِعْه جبار، وليس لأحدٍ من قبضته فِرار
ولا يقبل منك بديلا، ولا يأخذ منك كفيلا
ولا يرحم لك صغيرا، ولا يُوَقِّر لك كبيرا.
(أم كيف بك إذا وُسِّدت التراب، وبكى عليك الأهل والأحباب، وكثر عليك الأهل والأحباب، وكثر عليك البكاء والانتحاب.
وقفوا ساعةً عليك وأيسوا من النظر إليك.
(أم كيف بك إذا انتقلت من الدور والقصور إلى القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور
(احتوشتك أعمالك، وأحاطت بك خطايك وأوزارك
(كيف بك أخي وقد حل الموت بساحتك، وملك الموت واقف عند رأسك حشرج صدرك، تغرغرت روحك، ثقل منك اللسان، و انهدت الأركان، وشخصت العينان، عرق منك الجبين، وكثر حولك البكاء ومنك الأنين.
(أين دارك الفيحاء، أين طيبك وبخورك؟ أين خدمك وحشمك؟ أين وجهك الناعم؟ كيف بك بعد ثلاث ليال من دفنك وقد عاثت فيك الهوام والديدان.
стр. 1376
خرّقت الأكفان ومحت الألوان وأكلت اللحم ونخرت العظم وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء وسالت الحدق على الوجنات.
(كيف بك وقد أخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك وجردوك من أثوابك، ثم غسلوك وألبسوك الأكفان، وبكى عليك الأهل والجيران، وفقدت الأصحاب والإخوان، وصِرت إلى العدم بعد الوجدان، فبادر بالخيرات ما دمت في زمن الإمكان، وتعرض لنفحات الرحمن قبل فوات الأوان اللهم ارحم عربتنا في القبور وما فيها من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور، وآمنا يوم البعث والنشور، وارزقنا فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور يا عزيزُ يا غفور.
(ويحك أخي:
كيف أمنت هذه الحالة: وأنت صائرٌ إليها لا محالة
أم كيف ضيعت حياتك: وهي مطيتك إلى مماتك
أراك ضعيف اليقين: يا مؤثر الدنيا على الدين
(عباد الله أما تشاهدون أيها الناس مواقع المنايا بينكم وحلول الآفات والرزايا بكم وكيف أفلح المتقون وخسر المبطلون.
أين من كان قبلكم في الأوقات الماضية، أما وافتهم المنايا وقضت عليهم القاضية، وهذه دورهم فيها سواهم، وهذا صديقهم قد نسيهم وجفاهم،
(أخبارهم تزعج الألباب، وتصدِّع قلوب الأحباب، وأحوالهم عبرةً للمعتبرين، فتأملوا أحوال الراحلين، واتعظوا بالأمم الماضين، لعل القلب القاسي يلين.
(لَمَّا احتضر عبد الملك بن مروان قال: والله لوددت أنَّي عبد رجلٍ من تهامة أرعى غنيمات في جبالها وأني لم ألِ ٠
وجعل المعتضد يقول عند موته: ذهبت الحيل فلا حيلة حتى صمت.
(دخل أبو العتاهية على الرشيد حين بنى قصره، وزخرف مجلسه، واجتمع إليه خواصه،
فقال له: صف لنا ما نحن فيه من الدنيا فقال:
عش ما بدا لك آمناً.:. في ظلّ شاهقة القصور
فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال:
يسعى إليك بما اشتهيت: لدى الرواح وفي البكور
فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تغرغرت: في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً.:. ما كنت إلاّ في غرور
فبكى الرشيد بكاء شديداً حتى رُحِم، فقال له الفضل بن يحيى: بعث إليك المؤمنين
لتسره فأحزنته، فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى.] أ. هـ.
(يا غافلاً عن الموت وقد دنا إليه: يا ساعياً إلى ما يضره بقدميه
(ألا ربَّ فرحٍ بما يؤتى: قد خرج اسمه في الموتى
(ألا ربَّ مُعْرِضٍ عن سبيل رشده: قد آن أوان شق لحده
(ألا ربَّ مُقيمٍ على جهله: قد أزف رحيله عن أهله
(ألا ربَّ مشغولٍ في جمع حطامه: قد دنا تشتت عظامه.
стр. 1377
(إخواني: انظروا إلى من جمع الدنيا قبلكم، ما هو إلا قليلا حتى أصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً، وإما جنةً أو عذاباً وثبورا.
فتأملوا أحوال الراحلين، واتعظوا بالأمم الماضين، لعل القلب القاسي يلين.
أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر.
يا مُطْلَقاً اذكر قيودهم، ويا متحركاً قد عرفت همودهم
خلِّص نفسك من أسرِ الذنوب، وتأهب لخلاصك فأنت مطلوب.
وارجع إلى علام الغيوب، عساه أن يغفر الإثم والحوب.
(إخواني: ما أسرع انصرام العمر ومرور الأيام فخذوا في الجد والاهتمام فمن كان منكم أحسن فعليه بالتمام ومن كان منكم أساء فليختم بالحسنى فالعمل بالختام.
(أما آن لكم أن ترجعوا إلى ربكم ذي الجلال والإكرام وأن تخشوْا يَومًا تُزَلْزَلُ فِيهِ الأَقْدَامُ، وَتُرعدُ فِيهِ الأَجْسَامُ، وَتَتَضَاعَفُ فِيهِ الآلامُ، وَتَتَزَايَدُ فِيهِ الأَسْقَامُ. وَيَطُولُ فِيهِ الْقِيَامُ،
(أما علمتم أن السعي للجنة لا يكون بالكلام، ولا بالأماني والأحلام، ولكن بالجِدِ والاهتمام
(لله درُ أقوامٍ: أخمصوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام، وطووا الفرش وقاموا جوف الظلام، وطلبوا الحور الحسان من الحي الذي لا ينام، وتقربوا إلى الله بمداومة الصيام والقيام، فكل زمانهم رمضان، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، عساهم أن يدخلوا الجنة بسلام.
(يا من قد امتطى بجهله مطايا المطالع، لقد ملأ الواعظ في الصباح المسامع،
стр. 1378
(تالله لقد طال المدى فأَين المدامع، أَين الذين بلغوا المنى فما لهم في المنى منازع، رمتهم المنايا بسهامها في القوى والقواطع فعلموا أن أيام النعم في زمان الخوادع ما زال الموت يدور على الدوام حتى طوي الطوالع، صار الجندل فراشهم بعد أن كان الحرير فيما مضى المضاجع، ولقوا والله غاية البلاء في تلك البلاقع، جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا، وبنوا مساكنهم فما سكنوا فكأَنهم بها ظعناً لما استراحوا ساعة ظعنوا، لقد أُمكنتَ الفرصة أيها العاجز ولقد زال القاطع، وارتفع الحاجز ولاح نور الهدى فالمجيب فائز، وتعاظمت الرغائب وتفاقمت الجوائر فأَين الهمم العالية وأَين النجائز، أَما تخافون هادم اللذات والمنى والمناجز، أما اعوجاج القناة دليل الغامز، أما الطريق طويل وفيه المفاوز، أما عقاب العتاب تحوى الهزاهز، أَما القبور قنطرة العبور فما للمجاوز، أما يكفي في التنقيص حمل الجنائز، أَما العدد كثير فأَين المبارز، أما الحرب صعب والهلك ناجز، والقنا مسوغ والطعن واجز والأمر عزيز والرماح البوس نواكز، تالله بطلت الشجاعة من بني العجائز وتريد إِصلاح نادك والأمر ناشز، إِن لم يكن سبق الصديق فليكن توبة ماعز ٠
(أخي الحبيب:
أفق من نومك وانتبه من غفلتك: قبل أن يفاجئك هاذم اللذات ومُفَرِّق الجماعات وميتم البنين والبنات، فلا تقدلا على استدراك ما فات، فورب السموات والأرض إن ما توعدون لات.
(عجبت لمن كان الموت يطلبه كيف يقرُّ له قرار، وكيف يملأ عينيه بالنوم وهو لا يدري أيساق إلى جنة أم إلى نار
- البقاء في الدنيا مستحيل لابد من الرحيل فتزود للسفر الطويل لابد من الإرتحال ليومٍ شديد الأهوال فأعدَّ له صالح الأعمال قبل طي الآجال
(العمر قصير ولم يبق منه إلا اليسير، فتزود للسفر الطويل، ولا تقل بغير تفكير ولا تعمل بغير تدبير، ولا يشغلنك أحدٌ عن جد المسير، ولا تضيع الأوقات النفيسة في الفعال الخسيسة، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة فَرَوِّضْهَا القناعة.
(أو ما علمت أن معالي الأُمور لا تنال بالفتور، وإنما تنال بالجد والاجتهاد والتشمرِ ليومِ المعاد، وخلعِ الراحة واستفراغ الوسع في الطاعة، أو ما علمت أن من جد وجد ومن زرع حصد، وليس من سهر كمن رقد والأمور تحتاج إلى وثبة أسد، فإذا عزمت فبادر وإذا هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من كان في الصف الآخر.
стр. 1379
(الآمال تُطوى والأعمارُ تُفنى، والأبدان تحت التراب تُبلى، والأيام تُقرب كل بعيد وتُبلي كل جديد.
(جديرٌ بمن الموت مصرعه والتراب مضجعه والدود أنيسه ومنكر ونكير جليسه والقبر مَقَرَّه وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده والجنة والنار مورده أن يستعد بصالح الأعمال قبل طي الآجال، وأن يعمل ليومٍ يشيب فيه الولدان ويُتركُ فيه ما عز وهان، فإن المُفَرِّط يجتمع له عند موته حسرةُ الفَوْت وسكرةُ الموت.
(اللهم ارحمنا إذا عرق الجبين وكثر الأنين، وأيس منا القريبُ والطبيب، وبكى علينا الصديق والحبيب.
(اللهم ارحمنا إذا وارنا التراب، وودعنا الأحباب وفارقنا النعيم وانقطع منا النسيم.
(سبحان من كتب الفناء على هذه الدار، وجعل الجنة عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار
(سبحان من كتب الموت على الإنس والجان وجميع الحيوان، فلا مفر من الموت ولا أمان، كل من عليها فان.
(هو الموت ما منه فوت .
(أعمار أمة محمد ﷺ :
مسألة: ما هي أعمار أمة محمد ﷺ ؟
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «أَعْمَارُ أُمّتِي مَا بَيْنَ السّتّينَ إلى السَبْعِينَ وَأَقَلّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ».
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(أَعْمَارُ أُمّتِي مَا بَيْنَ السّتّينَ إلى السَبْعِينَ): أَيْ نِهَايَةُ أَكْثَرِ أَعْمَارِ أُمَّتِي غَالِبًا مَا بَيْنَهُمَا
стр. 1380
(وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ) أَيْ يَتَجَاوَزُ السَّبْعِينَ فَيَصِلُ إِلَى الْمِائَةِ فَمَا فَوْقَهَا قَالَ الْقَارِي: وَأَكْثَرُ مَا اطَّلَعْنَا عَلَى طُولِ الْعُمُرِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ فِي الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ سِنُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مَاتَ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مَاتَتْ وَلَهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَلَمْ يَقَعْ لَهَا سِنٌّ وَلَمْ يُنْكَرْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ وَأَزْيَدُ مِنْهُمَا عُمُرُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ مَاتَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً عَاشَ مِنْهَا سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَكْثَرُ مِنْهُ عُمُرًا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَقِيلَ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
باب كل نفس ذائقة الموت:
[*] (عناصر الباب:
(كل نفس ذائقة الموت:
(رُسُلُ ملك الموت:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(كل نفس ذائقة الموت:
كل نفس ذائقة الموت، هو الموتُ ما منه فَوْت، الموت أمرٌ محتوم، وقدر سابق معلوم، سبحان من كتب على عباده الموت والفناء، وتفرد سبحانه بالحياة والبقاء، فليس مخلوق إلا وهو ميت، يموت الصالحون والطالحون، يموت النبيون والمرسلون، يموت الملائكة المقربون، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران: ١٨٥] (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: ٨٨].
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون.
(أخي الحبيب:
стр. 1381
كيف تكتحل عينك بنوم حتى ترى حالك بعد اليوم، وكيف تبيتُ وأنت مسرور وأنت لا تعلم عاقبة الأمور.، الموت لا ريب فيه، ويقين لا شك فيه وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:١٩]، فمن يجادل في الموت وسكرته؟! ومن يخاصم في القبر وضمته؟! ومن يقدر على تأخير موته وتأجيل ساعته؟ لكل واحد منا مع الموت موعدًا مضروبًا، وأجلاً معدودًا، ووقتًا محسوبًا، وأنه إذا جاء فلا محيد عنه ولا محيص منه قال تعالى:! فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:٣٤]
وقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون: ١٠، ١١].
فمهما عاش الإنسان في هذه الحياة ومهما طال به البقاء بها، ومهما استمتع بشهواتها وملذاتها، فإن المصير واحد والنهاية محتومة، ولابد لكل إنسان من نهاية، وهذه النهاية هي الموت الذي لا مفر منه، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:١٨٥]
(ولله درُ من قال:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آله حدباء محمول
إنه لابد من يوم ترجع فيه الخلائق إلى الله جل وعلا ليحاسبهم على ما عملوا في هذه الدنيا، قال تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ [البقرة:٢٨١]، يومٌ طالما نسيناه، يوم هو آخر الأيام، يوم تغص فيه الحناجر، فلا يوم بعده ولا يوم مثله، إنه اليوم العظيم يوم كتبه الله على كل صغير وكبير، وكل جليل وحقير، إنه اليوم المشهود واللقاء الموعود.
ثم إنه قبل هذا اليوم لحظة ينتقل فيها الإنسان من دار الغرور إلى دار السرور، كلٌ بحسب عمله، تلك اللحظة التي يلقي فيها الإنسان آخر النظرات على الأبناء والبنات والإخوان، يلقي فيها آخر النظرات على هذه الدنيا، وتبدو على وجهه معالم السكرات، وتخرج من صميم قلبه الآهات والزفرات.
(ولله درُ من قال:
مضى العمر وفات ... يا أسير الغفلات
حصّل الزاد وبادر ... مسرعاً قبل الفوات
فإلى كم ذا التعامي ... عن أمور واضحات
وإلى كم أنت غارق ... في بحار الظلمات
لم يكن قلبك أصلا ... بالزواجر والعظات
بينما الإنسان يسأل ... عن أخيه قيل مات
стр. 1382
وتراهم حملوه ... سرعة للفلوات
أهله يبكوا عليه ... حسرة بالعبرات
أين من قد كان يفخر ... بالجياد الصافنات
وله مال جزيل ... كالجبال الراسيات
سار عنها رغم أنف ... للقبور الموحشات
كم بها من طول مكث ... من عظام ناخرات
فاغنم العمر وبادر ... بالتقى قبل الممات
واطلب الغفران ممن ... ترتجي منه الهبات
مضى العمر وفات ... يا أسير الغفلات
حصّل الزاد وبادر ... مسرعاً قبل الفوات
فإلى كم ذا التعامي ... عن أمور واضحات
وإلى كم أنت غارق ... في بحار الظلمات
لم يكن قلبك أصلا ... بالزواجر والعظات
بينما الإنسان يسأل ... عن أخيه قيل مات
وتراهم حملوه ... سرعة للفلوات
أهله يبكوا عليه ... حسرة بالعبرات
أين من قد كان يفخر ... بالجياد الصافنات
وله مال جزيل ... كالجبال الراسيات
سار عنها رغم أنف ... للقبور الموحشات
كم بها من طول مكث ... من عظام ناخرات
فاغنم العمر وبادر ... بالتقى قبل الممات
واطلب الغفران ممن ... ترتجي منه الهبات
إنها اللحظة التي يعرف الإنسان فيها حقارة هذه الدنيا، إنها اللحظة التي يحس الإنسان فيها بالحسرة والألم على كل لحظة فَرَّطَ فيها في جنب الله تعالى، فهو يناديه: رباه، رباه: رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:١٠٠،٩٩]
إنها اللحظة الحاسمة والساعة القاصمة التي يدنو فيها ملك الموت لكي ينادي، فيا ليت شعري هل ينادي نداء النعيم أو نداء الجحيم؟!!
إن الغربة الحقيقة إنما هي غربة اللحد والكفن، فهل تذكرت انظراحك على الفراش، وإذا بأيدي الأهل تقلبك، فأشتد نزعك وصار الموت يجذبك من كل عرق، ثم أسلمت الروح إلى بارئها، والتفت الساق بالساق، ثم قدموك بعد ذلك ليصلي عليك، ثم أنزلوك في القبر وحيداً فريداً، لا أم تقيم معك، ولا أب يرافقك، ولا أخ يؤنسك.
وهناك يُحِسُ المرء بدار غريبة ومنازل رهيبة عجيبة، وفي لحظة واحدة ينتقل العبد من دار الهوان إلى دار النعيم المقيم إن كان ممن تاب وأمن وعمل صالحا، أو ينتقل إلى دار الجحيم والعذاب الأليم إن كان ممن أساء العمل وعصى المولى جل وعلا.
стр. 1383
لقد طويت صفحات الغرور، وبدا للعبد هول البعث والنشور وما فيه من دواهي المور، مضت الملهيات والمغريات وبقيت التبعات .. فلا إله إلا الله من ساعة تطوى فيها صحيفة المرء إما على الحسنات أو على السيئات، ويحس بقلب متقطع من الألم والحسرة على أيام غفل فيها كثيرا عن الله واليوم الآخر، فها هي الدنيا بما فيها قد انتهت وانقضت أيامها سريعا، وها هو الآن يستقبل معالم الجد أمام عينيه، ويسلم روحه لباريها، وينتقل إلى الدار الآخرة بما فيها من الأهوال العظيمة. في لحظة واحدة أصبح كأنه لم يك شيئاً مذكوراً ... فلا إله إلا الله من ساعة ينزل فيها الإنسان أول منازل الآخرة ويستقبل الحياة الجديدة، فإما عيشة سعيدة، أو عيشة نكيدة والعياذ بالله.
ولا إله إلا الله من دار تقارب سكانها، وتفاوت عمارها، فقبر يتقلب في النعيم والرضوان المقيم، وقبر في دركات الجحيم والعذاب الأليم، فهو ينادي ولكن لا مجيب، وهو يستعطف ولكن لا مستجيب.
ثم يأتي بعد ذلك اللقاء الموعد واليوم المشهود، اليوم الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون، وصاح الصائح بصيحته فخرج الموتى من تلك الأجداث وتلك القبور إلى ربهم حفاةً عراةً غرلا، فلا أنساب، ولا أحساب، ولا جاه ولا مال، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ (١٠١) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤]
إنه اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، إنه اليوم الذي تتبدد عنده الأوهام والأحلام، إنه اليوم الذي تنشر فيه الدواوين وتنصب فيه الموزاين، إنه اليوم الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، واليوم الذي يود المجرد لو يفتدي فيه من العذاب ببنيه وصحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه.
(أخي الحبيب:
стр. 1384
يا من تعصي الله تصور نفسك وأنت واقف بين الخلائق ثم نودي باسمك: أين فلان ابن فلان؟ هلم إلى العرض على الله تعالى، فقمت ترتعد فرائصك، وتضطرب قدمك وجميع جوارحك من شدة الخوف، قد تغير لونك، وتحل بك من الهم والغم والقلق العميم ما الله به عليم، حتى صِرْتَ في قلقٍ دءوبٍ وهمٍ مستمر وحَيْرَةٍ لا تنقطع.
وتصور وقوفك بين يدي بديع السموات والأرض، وقلبك مملوء من الرعب، وطرفك خائف، وأنت خاشع ذليل. قد أمسكت صحيفة عملك بيدك، فيها الدقيق والجليل، فقرأتها بلسان كليل، وقلب منكسر، وداخلك الخجل والحياء من الله الذي لم يزل إليك محسنا وعليك ساتراً. فبالله عليك، بأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فلعلك وعظيم جرمك؟ وبأي قدم تقف غدا بين يديه؟ وبأي طرف تنظر إليه؟ وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل، ومسائلته وتوبيخه؟
وكيف بك إذا ذكرّك مخالفتك له، وركوبك معاصيه، وقلة اهتمامك بنهيه ونظره إليك، وقلة اكتراثك في الدنيا بطاعته؟!
ماذا تقول إذا قال لك: يا عبدي، ما أجللتني، أما استحييت مني؟! استخففت بنظري إليك؟! ألم أحسن إليك؟! ألم أنعم عليك؟! ما غرك بي؟
(أخي الحبيب:
تذكر أهل الصالحات حين يخرجون من قبورهم وقد ابيضت وجوههم بآثار الحسنات، خرجوا بذلك الأثر العظيم من الله الكريم، وما عظم المقام عليهم، تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ... تذكر عندما يقول الرب ﵎ بحقهم: يا ملائكتي، خذوا بعبادي إلى جنات النعيم، خذوهم إلى الرضوان العظيم، فأصبحوا بحمد الله في عيشة راضية، وفتحت لهم الجنان، وطاف حولهم الحور والولدان، وذهب عنهم النكد والنصب، وزال العناء والتعب.
стр. 1385
وتذكر في المقابل تلك النفس الظالمة المعرضة عن منهج الله تعالى العاصية له، عندما يقول الله ﵎ بحقها: يا ملائكتي، خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني، فوقفت تلك النفس الآثمة الظالمة على نار تلظى وجحيم تغيظ وتزفر، وقد تمنت تلك النفس أن لو رجعت إلى الدنيا لتتوب إلى الله وتعمل صالحاً، لكن هيهات هيهات أن ترجع، فكبكبت على رأسها وجبينها، وهوت في تلك المهاوي المظلمة، وتقلبت بين الدركات والجحيم، والحسرات والزفرات ... فلا إله إلا الله ما أعظم الفرق بين هؤلاء وأولئك بين من كان في النعيم المقيم ومن كان في الجحيم والعذاب الأليم. وصدق الله تعالى إذ يقول: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:١٤،١٣]
(أخي الحبيب: كم من ظالمٍ تعدى وجار، فما راعى الأهل ولا الجار، بينا هو عقد الإصرار، حل به الموت فحل من حلته الأزرار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:٢]
(ما صحبه سوى الكفن، إلى بيت البلى والعفن، ولو رأيته وقد حلت به المحن، وشين ذلك الوجه الحسن، فلا تسأل كيف صار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:٢]
(أين مجالسة العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الخالية؟ كم تسفى على قبره سافية!! ذهبت العين وأخفيت الآثار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:٢]
(تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الجندل والتراب، وربما فتح له في اللحد باب إلى النار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:٢]
(نادم بلا شك ولا خفا، باك على ما زل وهفا، يود أن صافي اللذات ما صفا، وعلم أنه كان يبني على شفا جُرِفٍ هار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:٢]
(أخي الحبيب:
قف قليلا وحاسب نفسك كثيراً: فإن كنت ممن يسارع في الطاعات والقربات ويتجنب المعاصي والمخالفات فاحمد الله على ذلك، واسأله الثبات حتى الممات، وهنيئا والله لك ما أنت مقدم عليه بإذن الله.
стр. 1386
وإن كنت غير ذلك فتب إلى الله وارجع إلى الهدى ما دمت في زمن الإمكان، ولا داعي للعناد والإصرار على المعاصي التي ستعرضك لعذاب الله، فإنك والله لأعجز من أن تطيق شيئا من هذا العذاب، إن الجبال الشم الراسيات لو سيرت بالنار لذابت من شدة حرها! فأين أنت أيها الإنسان الضعيف من تلك الجبال؟ إنك تصبر على الجوع والعطش، وتصبر على الضر وعلى التكاليف، لكن والله الذي لا إله إلا هو لا صبر لك على النار ... ألا فأنقذ نفسك من النار ما دمت في زمن الإمهال قبل أن تندم ولات ساعة مندم، واعلم أن الصبر عن محارم الله في هذه الدنيا أيسر والله بكثير من الصبر على عذابه يوم القيامة.
(ثم اعلم أخي أن طريق الاستقامة والالتزام ليس فيه تعقيد وكبت حرية كما يظنه البعض، بل إن طريق الاستقامة والالتزام كله سعادة، كله لذة، كله راحة، كله طمأنينة، وماذا يريد الإنسان في هذه الحياة غير ذلك؟! أما حياة المعصية والآثام فكلها قلق ونكد وحسرة في الدنيا، ثم عذاب وهوان في الآخرة.
فجرب يا أخي هذا الطريق من الآن ولا تتردد، فإني والله لك من الناصحين، وعليك من المشفقين.
(رُسُلُ ملك الموت:
ورد في بعض الأخبار أن نبيا من الأنبياء ﵈ قال لملك الموت: أما لك رسول تقدمه بين يديك، ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم، لي والله رسل كثيرة: من الإعلال، والأمراض، والشيب، والهموم، وتغير السمع والبصر.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستين سنة).
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
اختلف أهل التفسير فيه فالأكثر على ان المراد به الشيب لأنه يأتي في سن الكهولة فما بعدها وهو علامة لمفارقة سن الصبي الذي هو مظنة اللهو.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أعذر الله إلى امرئ) أي سلب عذر ذلك الإنسان فلم يبق له عذراً يعتذر به كأن يقول: لو مدّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به، فالهمزة للسلب، أو بالغ في العذر إليه عن تعذيبه حيث
(أخَّر أجله) يعني أطاله
стр. 1387
(حتى بلغ ستين سنة) لأنها قريبة من المعترك وهو سن الإنابة والرجوع وترقب المنية ومظنة انقضاء الأجل فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار ولزوم الطاعات والإقبال على الآخرة بكليته، ثم هذا مجاز من القول فإن العذر لا يتوجه على الله وإنما يتوجه له على العبد، وحقيقة المعنى فيه أن الله لم يترك له شيئاً في الاعتذار يتمسك به، وهذا أصل الإعذار من الحاكم إلى المحكوم عليه، وقيل لحكيم: أي شيء أشد؟ قال دنو أجل وسوء عمل. قال القشيري: كان ببغداد فقيه يقرئ اثنين وعشرين علماً فخرج يوماً قاصداً مدرسته فسمع قائلاً يقول: إذا العشرون من شعبان ولت * فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار * فقد ضاق الزمان على الصغار فخرج هائماً على وجهه حتى أتى مكة فمات بها.
(وأكبر الأعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم، ليتم حجته عليهم كما قال سبحانه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء:١٥]، وقال سبحانه: وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:٣٧]، قيل: هو القرآن وقيل: الرسل وقال ابن عباس: هو الشيب.
باب ذِكْرُ الموت:
[*] (عناصر الباب:
(كيف تتناسى الموت ؟
(الإكثار من ذِكْرِ الموت:
(فوائد ذكر الموت:
(الأسباب الباعثة على ذكر الموت:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(كيف تتناسى الموت؟
إن الناس في هذه الحياة في غفلة، وأملهم فيها عريض، ولا بد من إلجام النفس بتذكيرها بمصيرها، لتعمر الآخرة بالدنيا، وإن الموت حقيقة قاسية رهيبة، تواجه كل حي فلا يملك لها رداً، وهي تتكرر في كل لحظة ويواجهها الجميع دون استثناء، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:٥٧]، إنها نهاية الحياة واحدة فالجميع سيموت لكن المصير بعد ذلك يختلف، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:٧]، وفي الموت عظة وتذكير وتنبيه وتحذير، وكفى به من نذير، والموت هو الخطب الأفظع والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وأنه الحادث الأهدم للذات والأقطع للراحات والأمنيات.
стр. 1388
ولكننا مع الأسف الشديد نسيناه أو تناسيناه وكرهنا ذكره ولقياه مع يقيننا أنه لا محالة واقع وحاصل، والعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه وكيف يطيب عيشه! وكيف لا يستعد له! إن المنهمك في الدنيا، المُكِّبَ على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت، وإذا ذُكّر به كرهه ونفر منه، ومن لم يتذكر الموت اليوم ويستعد له فاجأه في غده وهو في غفلة من أمره وفي شغل عنه.
[*] (كتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه: يا أخي احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده.
[*] (وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
[*] (وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله .
[*] (وقال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها.
[*] (وقال أشعث: كنا ندخل على الحسن فإنما هو ذكر النار وأمر الآخرة وذكر الموت.
[*] (وقالت صفية ﵂: إن امرأة اشتكت إلى عائشة ﵂ قسوة قلبها. فقالت لها: أكثري ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت فرق قلبها فجاءت تشكر عائشة ﵂.
[*] قال مالك بن ينار: لو يعلم الخلائق ماذا يستقبلون غداً ما لذوا بعيش أبداً.
وما خاف مؤمن اليوم إلا أمن غداً بحسن اتعاظه وصلاح عمله وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث شداد بن أوس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: وعزتي و جلالي لا أجمع لعبدي أمنين و لا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمعُ عبادي و إن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمعُ عبادي.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
стр. 1389
(قال اللّه تعالى وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين: إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي) فمن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس وذلك لأن من أعطى علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهواله بقلبه فذاق من الخوف وركب من الأهوال ما لا يوصف فيضعه عنه غداً ولا يذيقه مرارته مرة ثانية وهذا معنى قول بعض العارفين لأنه لما صلى حر مخالفة القوى في الدنيا لم يذقه اللّه كرب الحر في العقبى. قال القرطبي: فمن استحى من اللّه في الدنيا مما يصنع استحى اللّه عن سؤاله في القيامة ولم يجمع عليه حياءين كما لم يجمع عليه خوفين وقال الحرالي: نار الحق في الدنيا للمعترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ومحمد ﵊ يعطى الأمن يوم القيامة حتى يتفرغ للشفاعة وما ذاك إلا من الخوف الذي كان علاه أيام الدنيا فلم يجتمع عليه خوفان فكل من كان له حظ من اليقين فعاين منه ما ذاق من الخوف سقط عنه من الخوف بقدر ما ذاق هنا قال العارفون: والخوف خوفان خوف عقاب وخوف جلال والأول يصيب أهل الظاهر والثاني يصيب أهل القلوب والأول يزول والثاني لا يزول أهـ.
ولكن كثيراً من الناس مع الأسف الشديد يضيع عمره في غير ما خلق له، ثم إذا فاجأه الموت صرخ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:٩٩] ولماذا ترجع وتعود لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:١٠٠] وأين أنت عن هذا اليوم أيها الغافل؟ ألا تعمل وأنت في سعة من أمرك وصحة في بدنك، ولم يدن منك ملك الموت بعد.
إن ما نراه في المقابر أعظم وأكبر معتبر، فحامل الجنازة اليوم محمول غداً لا محالة، ومن يرجع من المقبرة إلى بيته اليوم سيرجع عنه غداً ويُترك وحيداً فريداً في قبره مرتهناً بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وحيداً فريداً في التراب وإنما ... قرين الفتى في القبر ما كان يعمل
ولكن ما أقل من اتعظ وما أنذر من اجتهد، إن كان من قصر أمله، وجعل الموت أمام ناظريه عمل بلا شك للآخرة واستفاد من كل لحظة من لحظات عمره في طاعة ربه وتحسر على كل وقت أضاعه بدون عمل صالح يقربه إلى الله، وهو لما قدم من عمل فرح مسرور بالانتقال إلى الدار الآخرة وهذا هو المغبوط حقاً.
قال لقمان لابنه: (يا بني أمرٌ لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفجأك.
стр. 1390
[*] وقال بعض السلف: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديراً بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيق بأن يطول فكره ويعظم له استعداده، كيف ونحن نعلم أن وراء الموت القبر وظلمته، والصراط ودقته والحساب وشدته، أهوال وأهوال لا يعلم عظمها إلا بالله.
للموت فاعمل بجد أيها الرجل ... واعلم بأنك من دنياك مرتحل
إلى متى أنت في لهو وفي لعب ... تمسي وتصبح في اللذات مشتغل
اعمل لنفسك يا مسكين في مهل ... ما دام ينفعك التذكار والعمل
(الإكثار من ذِكْرِ الموت:
إن الموت حقيقة لم يجادل بها أحد والجميع مقتنع تمام الاقتناع بأنه سيموت ولكن قُلْ: من يضع الموت نصب عينيه؟ وذكر الموت يرقق القلب ويزهد في الدنيا، ولذا أمرنا النبي ﷺ بالاكثار من ذكر الموت كما في الأحاديث الآتية:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَوْلُهُ: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ قَاطِعَهَا.، قَالَ مَيْرَكُ صَحَّحَ الطِّيبِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ حَيْثُ قَالَ شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ, ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا, يَشْتَغِلَ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ انْتَهَى كَلَامُهُ، لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْقَاطِعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. أهـ
стр. 1391
[*] (قال الإمام القرطبي ﵀: "قال علماؤنا: قوله ﵇: أكثروا ذكر هاذم اللذات كلام مختصر وجيز، وقد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة، تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله ﵊: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) مع قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:١٨٥]، ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه". أهـ
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع وبمهملة مزيل وليس مراداً هنا كذا في روض السهيلي قال ابن حجر وفي ذا النفي نظر
(اللذات) الموت
стр. 1392
(فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) قال العسكري لو فكر البلغاء في قول المصطفى ﷺ ذلك لعلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووصف به نظماً ونثراً ولهذا كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الموت يقطر جلده دماً قيل ولا يدخل ذكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قسم لهم وقال أبو نواس. ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا * أما واللّه ما ماتوا لتبقى وقال أبو حمزة الخراساني: من أكثر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان. وقال القرطبي: ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين ضيق وسعة ونعمة ومحنة فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها. وقال الغزالي: الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل مشغول بالشهوات فلا ينجع ذكره فيه فالطريق أن يفرغ قلبه عن كل شيء إلا ذكر الموت الذي هو بين يديه كمن يريد السفر فإذا باشر ذكر الموت قلبه أثر فيه فيقل حركته وفرحه بالدنيا وينكسر قلبه وأنفع طريق فيه أن يذكر أشكاله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في أحوالهم ومناصبهم التي كانوا عليها في الدنيا ويتأمل كيف محى التراب حسن صورهم وتبددت أجزاؤهم في قبورهم ويتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت مجالسهم وانقطعت آثارهم.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي ﷺ فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
فإذا تفكر الإنسان أنه سينتقل من قصره إلى قبره، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن الفراش الوثير إلى المصرع الوبيل، وأن الدود سيكون أنيسه، ومنكر ونكير جليسه. إذا تفكر في سكرات الموت وأنها أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض.
[*] (كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل. فلما توفي فقد صوته أمير المدينة، فسأل عنه فقيل: إنه قد مات فقال:
стр. 1393
ما زال يلهج بالرحيل وذكره ... حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه مستيقظاً متشمراً ... ذا أهبة لم تلهه الآمال
[*] (وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى ربك عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ مَن الموت طالبه .. والقبر بيته .. والتراب فراشه .. والدود أنيسه .. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر .. كي يكون حاله؟) ثم يبكي ﵀.
[*] (وقال التميمي ﵀: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى.
[*] (وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يجمع العلماء فيتذكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازةَ!!
[*] (وقال الدقاق رحمه الله تعالى: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة.
[*] (وقال الحسن رحمه الله تعالى: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عشياً لا موت فيه.
إخواني: أكثروا من ذكر هاذم اللذات، وتفكروا في انحلال بناء الذات، وتصوروا مصير الصور إلى الرفات، وأَعدوا عدةً تكفي في الكفات، واعلموا أن الشيطان لا يتسلط على ذاكر الموت وإنما إذا غفل القلب عن ذكر الموت دخل العدو من باب الغفلة ٠
[*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال:: إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لُب به فرحاً.
(وقال أيضاً:
[*] (قال يزيد بن تميم: من لم يردعه الموت والقرآن ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع ٠
[*] وسُئل ابن عياض عن ما بال الآدمي تُستنزع نفسه وهو ساكت وهو يضطرب من القرصة قال: لأن الملائكة توقفه ٠
يا بن آدم مثل تلك الصرعة قبل أن تذر كل غرة فتتمنى الرجعة وتسأَل الكرة كَم من محتضر تمنَّى الصحة للعمل هيهات حقر عليه بلوغ الأَمل أَو ما يكفي في الوعظ مصرعه أو ما يشفي من البيان مضجعه ٠٠ أما فاته مقدوره بعد إِمكانه ٠٠ أَما أنت عن قليل في مكانة أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر ٠
стр. 1394
(عباد الله هذه الأيام مطايا، فأين العدة قبل المنايا، أين الأنفة من دار الأذايا، أين العزائم أرضيتم بالدنايا، إن بلية الهوى لا تشبه البلايا، وإن خطيئة الإصرار لا كالخطايا، يا مستورين ستظهر الخبايا، سرية الموت لا تشبه السرايا، قضية الزمان ليست كالقضايا، راعي السلامة يقتل الرعايا، رامي المنون يصمي الرمايا، ملك الموت لا يقبل الهدايا.
(أين آباؤك مروا وسلكوا، أين أقرانك أما رحلوا وانصرفوا، أين أرباب القصور أما أقاموا في القبور وعكفوا، أين الأحباب هجرهم المحبون وصدفوا، فانتبه لنفسك فالمتيقظون قد عرفوا، فستحملك الأهل إلى القبور وربما مروا فانحرفوا.
(يا من لا يتعظ بأبيه ولا بابنه، يا مؤثراً للفاني على جودة ذهنه، يا متعوضا عن فرح ساعة بطول حزنه، يا مسخطاً للخالق لأجل المخلوق ضلالاً لإفنه، أمالك عبرة فيمن ضعضع مشيد ركنه، أما رأيت راحلاً عن الدنيا يوم ظعنه، أما تصرفت في ماله أكف غيره من غير إذنه، أما انصرف الأحباب عن قبره حين دفنه، أما خلا بمسكنه في ضيق سجنه، تنبه والله من وسنه لقرع سنه، ولقى في وطنه ما لم يخطر على ظنه، يا ذلة مقتول هواه يا خسران عبد بطنه.
(أوَ مَا علمت الموت للخلائق مبيد أما تراه قد مزقهم في البيد أما داسهم بالهلاك دوس الحصيد لا بالبسيط ينتهون ولا بالتشديد، أين من كان لا ينظر بين يديه، أين من أبصر العبر ولم ينتفع بعينيه، أين من بارز بالذنوب المطلع عليه.
(كم من ظالم تعدى وجار، فما راعى الأهل ولا الجار بينا هو يعقد عقد الإصرار حل به الموت فحل من حلته الأزرار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(ما صحبه سوى الكفن إلى بيت البلى والعفن لو رأيته وقد حلت به المحن وشين ذلك الوجه الحسن فلا تسأل كيف صار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(سال في اللحد صديده وبلى في القبر جديده وهجره نسيبه ووديده وتفرق حشمه وعبيده والأنصار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(أين مجالسه العالية أين عيشته الصافية أين لذاته الحالية كم كم تسفى على قبره سافية ذهبت العين وأخفيت الآثار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(تقطعت به جميع الأسباب وهجره القرناء والأتراب وصار فراشه الجندل والتراب وربما فتح له في اللحد باب النار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
стр. 1395
(خلا والله بما كان صنع واحتوشه الندم وما نفع وتمنى الخلاص وهيهات قد وقع وخلاه الخليل المصافي وانقطع واشتغل الأهل بما كان جمع وتملك الضد المال والدار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(تدبروا أموركم تدبر ناظر أين السلطان الكبير القاهر كم جمع في مملكته من عساكر وكم بنى من حصون ودساكر وكم تمتع بحلل وأساور وكم علا على المنابر ثم آخر الأمر إلى المقابر العاقل.
(أين الوالدون وما ولدوا، أين الجبارون وأين ما قصدوا، أين أرباب المعاصي على ماذا وردوا، أما جنوا ثمرات ما جنوا وحصدوا، أما قدموا على أعمالهم في مآلهم ووفدوا، أما خلوا في ظلمات القبور بكوا والله وانفردوا، أما ذلوا وقلوا بعد أن عتوا ومردوا، أما طلبوا زادا يكفي في طريقهم ففقدوا، أما حل الموت فحل عقد ما عقدوا، عاينوا والله كل ما قدموا ووجدوا، فمنهم أقوام شقوا وأقوام سعدوا.
(أيها المتيقظون وهم نائمون، أتبنون مالا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، كونوا كيف شئتم فستنقلون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(يا مقيمين سترحلون، يا مستقرين ما تتركون، يا غافلين عن الرحيل ستظعنون، أراكم متوطنين تأمنون المنون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(طول نهاركم تلعبون، وطول ليلكم ترقدون، والفرائض ما تؤدون، وقد رضيتم عن الغالي بالدون، لا تفعلوا ما تفعلون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(أما الأموال فتجمعون، والحق فيها ما تخرجون وأما الصلاة فتضيعون وإذا صليتم تنقرون أترى هذا إلى كم يكون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(أين العتاة المتجبرون، أين الفراعنة المتسلطون أين أهل الخيلاء المتكبرون قدروا أنكم صرتم كهم أما تسمعون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(ما نفعتهم الحصون، ولا رد المال المصون، هبت زعزع الموت فكسرت الغصون، قدروا أنكم تزيدون عليهم ولا تنقصون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(تقلبوا من اللذات في فنون، وأخرجهم البطر إلى الجنون، فأتاهم ما هم عنه غافلون، (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(لو حصل لكم كل ما تحبون، ونما جميع ما تؤتون، ونلتم من الأماني ما تشتهون، أينفعكم حين ترحلون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(إلى متى وحتى متى تنصحون، وأنتم تكسبون الخطايا وتجترحون أأمنتم وأنتم تسرحون ذئب هلاك فلا تبرحون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
стр. 1396
(لا تفرحوا بما تفرحون، فإنه لغيركم حين تطرحون، وإياكم من يراكم من يراكم تمرحون، قد خسرتم إلى الآن فما تربحون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(أخي الحبيب:
أذكر الموت ولا أرهبه ... إن قلبي لغليط كالحجر
أطلب الدنيا كأني خالد ... وورائي الموت يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظاً ... لمن الموت عليه قدر
والمنايا حوله ترصده ... ليس ينجي المرء منهن المفر
(فوائد ذكر الموت:
لذكر الموت له فوائد لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلةمنها ما يلي:
(١) أنه يحث على الاستعداد للموت قبل نزوله.
(٢) أن ذكر الموت يقصر الأمل، وطول الأمل من أعظم أسباب الغفلة.
(٣) أنه يزهد في الدنيا ويرضي بالقليل منها وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع وبمهملة مزيل وليس مراداً هنا كذا في روض السهيلي قال ابن حجر وفي ذا النفي نظر
(اللذات) الموت
стр. 1397
(فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) قال العسكري لو فكر البلغاء في قول المصطفى ﷺ ذلك لعلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووصف به نظماً ونثراً ولهذا كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الموت يقطر جلده دماً قيل ولا يدخل ذكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قسم لهم وقال أبو نواس. ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا * أما واللّه ما ماتوا لتبقى وقال أبو حمزة الخراساني: من أكثر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان. وقال القرطبي: ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين ضيق وسعة ونعمة ومحنة فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها. وقال الغزالي: الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل مشغول بالشهوات فلا ينجع ذكره فيه فالطريق أن يفرغ قلبه عن كل شيء إلا ذكر الموت الذي هو بين يديه كمن يريد السفر فإذا باشر ذكر الموت قلبه أثر فيه فيقل حركته وفرحه بالدنيا وينكسر قلبه وأنفع طريق فيه أن يذكر أشكاله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في أحوالهم ومناصبهم التي كانوا عليها في الدنيا ويتأمل كيف محى التراب حسن صورهم وتبددت أجزاؤهم في قبورهم ويتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت مجالسهم وانقطعت آثارهم.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي ﷺ فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
فإذا تفكر الإنسان أنه سينتقل من قصره إلى قبره، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن الفراش الوثير إلى المصرع الوبيل، وأن الدود سيكون أنيسه، ومنكر ونكير جليسه. إذا تفكر في سكرات الموت وأنها أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض.
فأكثر أخي الكريم، من ذكر هادم اللذات، واعلم أنه آت لا محالة، واستعد للحساب وامتحان القبر.
(٤) أنه يرغّب في الآخرة وَيُنَشِطُ في العبادة.
стр. 1398
(٥) أنه يهوّن على العبد مصائب الدنيا.
(٦) أنه يمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا.
(٧) أنه يحث على التوبة واستدراك ما فات.
(٨) أنه يرقق القلوب ويدمع الأعين، ويجلب باعث الدين، ويطرد باعث الهوى.
(٩) أنه يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم.
(١٠) أنه يدعو إلى سل السخائم ومسامحة الإخوان وقبول أعذارهم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ قال: من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير: أولها المبادرة إلى التوبة، والثانية القناعة برزق يسير، والثالثة النشاط في العبادة. ومن حرص على الدنيا فإنه لا يأكل فوق ما كتب الله له ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال: أولها أن تراه أبداً غير شاكر لعطية الله له، والثاني لا يواسي بشيء مما قد أعطى من الدنيا. والثالث يشتغل ويتعب في طلب ما لم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين.
(الأسباب الباعثة على ذكر الموت:
(١) زيارة القبور:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
(حديث البراء ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
(٢) زيارة مغاسل الأموات ورؤية الموتى حين يغسلون.
(٣) مشاهدة المحتضرين وهن يعانون سكرات الموت وتلقينهم الشهادة.
(٤) تشييع الجنائز والصلاة عليها وحضور دفنها.
(٥) تلاوة القرآن، ولا سيما الآيات التي تذكر بالموت وسكراته كقوله تعالى: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:١٩]
(٦) الشيب والمرض، فإنهما من رسل ملك الموت إلى العباد.
(٧) الظواهر الكونية التي يحدثها الله تعالى تذكيراً لعباده بالموت والقدوم عليه سبحانه كالزلازل والبراكين والفيضانات والانهيارات الأرضية والعواصف المدمرة.
(٨) مطالعة أخبار الماضين من الأمم والجماعات التي أفناهم الموت وأبادهم البلى.
باب كيف نستعد للموت ؟
(كيف نستعد للموت؟
(أخي الحبيب:
стр. 1399
أما وقد عرفت أن لحظة الاحتضار، لحظة امتحان، الموت ما منه فَوْت، الموت أمرٌ محتوم وقدرٌ سابقٌ معلوم كيف تكتحل عينك بنوم حتى ترى حالك بعد اليوم، وكيف تبيتُ وأنت مسرور وأنت لا تعلم عاقبة الأمور.
[*] (قال القرطبي ﵀: وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم، وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعداً لذلك.
أين استعدادك للقاء ملك الموت؟ .. أين استعدادك لما بعده من أهوال .. في القبر .. وعند السؤال .. وعند الحشر .. والنشر .. والحساب .. والميزان .. وعند تطاير الصحف .. والمرور على الصراط .. والوقوف بين يدي الجبار جل وعلا؟!.
[*] (وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه صيد الخاطر:
الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه، و لا يدري متى يستدعى؟
وإني رأيت خلقاً كثيراً غرهم الشباب، و نسوا فقد الأقران، و ألهاهم طول الأمل.
وربما قال العالم المحض لنفسه: أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غداً، فيتساهل في الزلل بحجة الراحة، و يؤخر الأهبة لتحقيق التوبة، و لا يتحاشى من غيبة أو سماعها، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع.
وينسى أن الموت قد يبغت. فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه، فإن بغته الموت رؤى مستعداً، و إن نال الأمل ازداد خيراً.
(إخواني الأيام لكم مطايا، فأين العدة قبل المنايا، أين الأنفة من دار الأذايا، أين العزائم أترضون الدنايا، إن بلية الهوى لا تشبه البلايا، وإن خطيئة الإصرار لا كالخطايا، وسرية الموت لا تشبه السرايا، وقضية الأيام لا كالقضايا، راعي السلامة يقتل الرعايا، رامي التلف يصمي الرمايا، ملك الموت لا يقبل الهدايا، يا مستورين ستظهر الخبايا، استغفروا الله خجلاً من العثرات، ثم اسكبوا حزناً لها العبرات، عجباً لمؤثر الفانية على الباقية ولبائع البحر الخضم بساقية، ولمختار دار الكدر على الصافية، ولمقدم حب الأمراض على العافية، أيها المستوطن بيت غروره تأهب لإزعاجك، أيها المسرور بقصوره تهيأ لإخراجك، خذ عدتك وقم في قضاء حاجتك قبل فراق أولادك وأزواجك، ما الدنيا دار مقامك بل حلبة إدلاجك.
(ولله درُ من قال:
إلى كم ذا التراخي والتمادي ... وحادي الموت بالأرواخ حادي
فلو كنا جمادا لا تعظنا ... ولكنا أشد من الجماد
تنادينا المنية كل وقت ... وما نصغي إلى قول المنادى
وأنفاس النفوس إلى انتقاص ... ولكن الذنوب إلى ازدياد
стр. 1400
إذا ما الزرع قارنه اصفرار ... فلس دواؤه غير الحصاد
(ولله درُ من قال:
فما لك ليس يعمل فيك وعظ ... ولا زجر كأنك من جماد
ستندم إن رحلت بغير زادٍ ... وتشقى إذ يناديك المنادي
فلا تأمن لذي الدنيا صلاحا ... فإن صلاحها عين الفساد
ولا تفرح بمال تقتنيه ... فإنك فيه معكوس المراد
أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد؟!
[*] ذكر الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه "عدة الصابرين" عن يزيد بن ميسرة قال: كان رجل ممن مضى جمع مالاً فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله فقال: أنعم سنين!! فأتاه ملك الموت فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه فقال: ادعوا لي صاحب الدار. فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلاً. ثم عاد فقرع الباب وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمع سيدهم قعد فزعاً، وقال: لينوا له الكلام. قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك؟ قال: لا. فدخل عليه فقال: قم فأوص ما كنت موصياً فإني قابض نفسك قبل أن أخرج. قال: فصرخ أهله وبكوا. ثم قال: افتحوا الصناديق، وافتحوا أوعية المال. ففتحوها جميعا، فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول: لعنت من مال، أنت الذي أنسيتني ربي، وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي.
فتكلم المال فقال: لا تسبني! ألم تكن وضيعاً في أعين الناس فرفعتك؟ ألم ير عليك من أثري؟ أما كنت تحضر مجالس الملوك والسادة فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى؟ ولو أنفقتني في سبيل الله لم أتعاص عليك .. أنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق ببر، ومنطلق بإثم .. هكذا يقول المال فاحذروا.
[*] (كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل. فلما توفي فقد صوته أمير المدينة، فسأل عنه فقيل: إنه قد مات فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذكره ... حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه مستيقظاً متشمراً ... ذا أهبة لم تلهه الآمال
[*] (وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى ربك عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ مَن الموت طالبه .. والقبر بيته .. والتراب فراشه .. والدود أنيسه .. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر .. كي يكون حاله؟) ثم يبكي ﵀.
стр. 1401
[*] (أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن محمد بن السماك قال: يا بن آدم أنت في حبس منذ كنت أنت محبوس في الصلب ثم في البطن ثم في القماط ثم في المكتب ثم تصير محبوساً في الكد على العيال فاطلب لنفسك الراحة بعد الموت لا تكون في حبس أيضاً.
[*] (أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن أبي حازم أنه كان يقول اضمنوا لي اثنين أضمن لكم الجنة عملاً بما تكرهون إذا أحبه الله وتركا لما تحبون إذا كرهه الله وقال انظر كل عمل كرهت الموت لأجله فاتركه ولا يضرك متى مت يا رضيع الهوى وقد آن فطامه يا طالب الدنيا وقد حان حمامه أللدنيا خلقت أم بجمعها أمرت.
[*] (أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن ابن عبد الوهاب قال: قال رجل لداود الطائي أوصني فدمعت عيناه وقال يا أخي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة ً بعد مرحلة حتى ينتهي ذلك إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم كل يوم زاداً لما بين يديك فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك فتزود لنفسك واقض ما أنت قاض فكأنك بالأمر قد بغتك إني لأقول لك هذا وما أعلم أحداً أشد تقصيراً مني ثم قام وتركه.
(يا عظيم الشقاق يا عديم الوفاق، يا من سيبكي كثيراً إذا انتبه وفاق والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذٍ المساق، أين صديقك المؤانس أين رفيقك المجالس أما نزل تحت الأطباق، من لك إذا رحلت كما رحلوا، كيف تكون وأهوال القبر لا تطاق.
(يا من يؤمر بما يصلحه فلا يقبل، أما الشيب نذير بالموت قد أقبل، أما أنت الذي عن أفعاله تسأل، أما أنت تخلو في اللحد بما تعمل، ستعلم يوم الحساب عند العتاب من يخجل، يا مبادرا بالخطايا توقف لا تعجل، يا مفسدا ما بيننا وبينه لا تفعل.
стр. 1402
(إخواني أيامكم قلائل وآثامكم غوائل، ومواعظكم قوائل وأهواؤكم قواتل، فليعتبر الأواخر بالأوائل، يا من يوقن أنه لا شك راحل، وما له زاد ولا رواحل، يا من لج في لجة الهوى متى يرتقي إلى الساحل، هل لا تنبهت من رقاد شامل، وحضرت المواعظ بقلب قابل، وقمت في الدجى قيام عاقل، وكتبت بالدموع سطور الرسائل، تحف بها زفرات الندم كالوسائل، وبعثتها في سفينة دمع سائل لعلها ترسى بساحل، هل من سائل واأسفا لمغرور غفول جاهل، قد أثقل بعد الكهولة بالذنب الكاهل، وضيع في البضاعة وبذر الحاصل، وركن إلى ركن لو رآه مائل، يبني الحصون ويشيد المعاقل، وهو عن شهيد قبره متثاقل، ثم يَدَّعِي بعد هذا أنه عاقل، تالله لقد سبقه الأبطال إلى أعلى المنازل، وهو يؤمل في بطالته فوز العامل، هيهات ما علق بطال بطائل.
(يا كثير الذنوب متى تفضي، يا مقيما وهو في المعنى يمضي، أفنيت الزمان في الهوى ضياعاً، وساكنت غرورا من الأمل وأطماعا، وصرت في طلب الدنيا خبيرا صناعا، تصبح جامعا وتمسي مناعا، فتش على قلبك ولبك فقد ضاعا، تفكر في عمرك فقد ذهب نهبا مشاعا، اترك الهوى محمودا قبل أن يتركك مذموما، إن فاتتك قصبات السبق في الزهد فلا تفوتنك ساعات الندم في التوبة.
(يا من أغصان إخلاصه ذاوية، وصحيفته من الطاعات خاوية، لكنها لكبار الذنوب حاوية، يا من همته أن يملأ الحاوية، كم بينك وبين البطون الطاوية، كم بين طائفة الهدى
والغاوية، اعلم أن أعضاءك في التراب ثاوية، لعلها تتفرد بالجد في زاوية، قبل أن تعجز عند الموت القوة المقاوية، وترى عنق الميزان لقلة الخير لاوية.
(يا من أهلكك الغفلات والفتور والغرور، يا من كان قلبه خربٌ وبور وما فيه من نور، أما لو تفكرت في قبركِ المحفور، وما فيه من الدواهي والأمور، تحت الجنادلِ والصخور، لعلمت موقناً أنك ما كنت إلا في غرور، فتندم ندماً لا يخطرُ على الصدور، ولا يُكْتَبُ بالسطور، لكنه ندمٌ لا ينفعُ في أي أمرٍ من الأمور.
стр. 1403
(لو تصورت النفخ في الصور والسماء تتغير وتمور، والنجوم تنكدر وتغور والصراط ممدود ولا بد من عبور، وأنت متحير في الأمور، تبكي على خلاف المأمور ستحاسب على الأيام والشهور، وترى ما فعلته من فجور، في النهار والديجور، ستحزن بعد السرور على تلك الشرور، إذا وفيت الأجور وبان المواصل من المهجور، ونجا المخلصون دون أهل الزور، تصلي ولكن بلا حضور، وتصوم والصوم بالغيبة مغمور، لو أردت الوالدان والحور، لسألتهم وقت السحور، كم يتلطف بك الله يا نقور، كم ينعم عليك يا كفور، كم بارزت بالقبيح الرحيم الغفور.
(كم ليلة سهرتها في الذنوب، كم خطيئة أمليتها في المكتوب، كم صلاة تركتها مهملاً للوجوب، كم أسبلت ستراً على عتبة عيوب، يا أعمى القلب بين القلوب، ستدري دمع من يجري ويذوب، ستعرف خبرك عند الحساب والمحسوب، أين الفرار وفي كف الطالب المطلوب، تنبه للخلاص أيها المسكين، أعتق نفسك من الرق يا رهين، اقلع أصل الهوى فعرق الهوى مكين، احذر غرور الدنيا فما للدنيا يمين، يا دائم المعاصي سجن الغفلة سجين، تثب على الخطايا ولا وثبة تنين، كأنك بالموت قد برز من كمين، وآن الأمر فوقعت في الأنين، واستبنت أنك في أحوال عنين، كيف ترى حالك إذا عبثت
الشمال باليمين، ثم نقلت ولقبت بالميت الدفين، وا أسفا لِعِظَمِ حَيْرَتِك ساعة التلقين، يا مستورا على الذنوب غداً تنجلى وتبين، متى هذا القلب القاسي يرعوي ويلين، عجبا لقسوته وهو مخلوق من طين.
(ويح العصاة لقد عجلوا، لو تأملوا العواقب ما فعلوا، أين ما شربوا أين ما أكلوا بماذا يجيبون إذا أحضروا وسئلوا (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ)
(ما نفعتهم لذاتهم إذ خرجت ذواتهم لقد جمعت زلاتهم فحوتها مكتوباتهم فلما عاينوا أفعالهم خجلوا (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ)
(فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ) ذهبت من أفواههم الحلاوة وبقيت آثار الشقاوة وحطوا إلى الحضيض من أعلى رباوة وحملوا عدلي الموت والفوت والحسرة علاوة فأعجزهم والله ما حملوا (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ)
(اجتمعت كلمة إلى نظرة، إلى خاطر قبيح وفكرة، في كتاب يحصى حتى الذرة، والعصاة عن المعاصي في سكرة، فجنوا من جنى ما جنوا ثمار ما غرسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ)
(كم تنعم بمال المظلوم الظالم، وبات لا يبالي بالمظالم، والمسلوب يبكي ويبكي الحمائم، وما كفاهم أخذ ماله حتى حبسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ)
стр. 1404
(أين ما كانوا جمعوه، كم ليموا وما سمعوه، كم قيل لهم لو قبلوه، ذهب العرض غير أن العرض دنسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ)
(كم كاسب للمال من حرامه وحلاله، كان يحاسب شريكه على عود خلاله، ولا ينفق منه شيئا في تقويم خلاله، فلما وقع صريعا بين أشباله، اشتغلوا عنه بانتهاب ماله، ثم في اللحد نكسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ) جعلنا الله وإياكم من الذين عرفوا الحق فاتبعوه وزجروا الهوى عنهم وردعوه إنه قريب مجيب
(كم ناداك مولاك وما تسمع، وكم أعطاك ولكن ما تقنع، لقد استقرضك مالك فمالك تجمع، وضمن أن تنبت الحبة سبعمائة وما تزرع، ليكن همك في طلب المال الإفضال، به فإن الشريف الهمة لا يطلب الفضل إلا للفضل.
(يا من لا يتعظ بسلف آبائه، يا من لا يعتبر بتلف أو دائه، يا أسير أغراضه وقتيل أهوائه، يا من عجزت الأطباء عن إصلاح دائه، يا مشغولا بذكر بقائه عن ذكر فنائه، يا مغرورا قد حل الممات بفنائه، يا معجبا بثوب صحته يمشي في خيلائه، يا معرضا عن نصيحه مشمتاً، لأعدائه يا من يلهو بأمله ويا من أجله من ورائه، يجمع العيب إلى الشيب وهذا من أقبح رائه، كم رأيت مستلباً من سرور ونعمائه، كم شاهدت مأخوذا عن أحبابه وأبنائه، بينا هو في غروره دب الموت في أعضائه، بينا جرع اللذة فيه شرق بمائه، بينا ناظر النظير يعجبه صار عبرة لنظرائه، ماله ضيع ماله وبقي في بلائه.
(يا من لا يترك ذنباً يقدر عليه، يا من يسعى إلى ما يضره بقدميه، كم ضيعت في المعاصي عصرا، كم حملت على كاهلكَ وزراً، أترضى أن تملأ الصحائف عيبا وخسرا، أما يكفي سلب القرين وعظا وزجرا، لقد ضيعت شطرا من الزمان فاحفظ شطرا، ما أبقت لك الصحة حجة ولا تركت عذرا، كم نعمة نزلت بك وما قرنتها شكرا، تقابلها بالمعاصي فتبدل العرف نكرا، كم سترك على الخطايا وأنت لا تقلع دهرا، كان الشيب هلالا وقد صار بدرا، تعاهد ولا تفي إلى كم غدرا، أطال عليك الأمد فصار القلب صخرا، إنما بقي القليل فصبرا يا نفس صبرا.
(أين من يعمل لذلك اليوم، أين المتيقظ من سِنَةِ النوم، أين من يلحق بأولئك القوم، جدوا في الصلاة وأخروا في الصوم، وعادوا على النفوس بالتوبيخ واللوم، ليتك إن لم تقدر على الإشمام لطريقتهم حصلت الروم.
стр. 1405
(يا من ذنوبه كثيرةٌ لا تُعَد، ووجه صحيفته بمخالفته قد اسود، كم ندعوك إلى الوصال وتأبى إلا الصد، أما الموت قد سعى نحوك وَجَد، أما عزم أن يلحقك بالأب والجَد، أما ترى منعما أترب الثرى منه الخد، كم عاينت متجبرا كف الموت كفه الممتد، فاحذر أن يأتي على المعاصي فإنه إذا أتى أبى الرد، إلى كم ذا الصبا والمراح، أأبقى الشيب موضعا للمزاح، لقد أغنى الصباح عن المصباح، وقام حرب المنون من غير سلاح، اعوجت القناة بلا قنا ولا صفاح، فعاد ذو الشيبة بالضعف ثخين الجراح، ونطقت ألسن الفناء بالوعظ الصراح، واأسفا صمت المسامع والمواعظ فصاح، لقد صاح لسان التحذير يا صاح يا صاح، وأنى بالفهم لمخمورٍ غير صاح، لقد أسكرك الهوى سكرا شديداً لا يُزاح، وما تفيق حتى يقول الموت لا براح.
(إلى كم يا ذا المشيب، أما الأمر منك قريب، كم تعب في وعظك خطيب، كم عالجك طبيب، إنه لمرضٌ عجيب، إنه لداءٌ غريب، عظمٌ واهن وقلبٌ صليب، يا هذا لا شيء أقل من الدنيا ولا أعز من نفسك وها أنت تنفق أنفاس النفس النفيسة على تحصيل الدنيا الخسيسة، متى يقنعك الكفاف، متى يردك العفاف، متى يقومك الثقاف، إنك لتأبى إلا الخلاف، مقاليدك ثقال وركعاتك خفاف، يا قبيح الخصال يا سيء الأوصاف، يا مشترياً بسني الخصب السنين العجاف، قف متدبراً لحالك فالمؤمن وقاف، وتذكر وعيد العصاة ويحك أما تخاف.
(يا مُطْلِقَاً نفسه فيما يشتهي ويريد، اذكر عند خطواتك المبدئ المعيد، أما تعلم أنه بالمرصاد أما آن لك أن تحيد، أما تذكرت قوله (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
(مَنْ للعاصي إذا دُعِيَ فحضر، ونشر كتابه ونظر، لم يُسْمَعْ عذره، وقد اعتذر وناقشه المولى فما غفر آه لراحلٍ لم يتزود للسفر، ولخاسرٍ إذا ربح المتقون افتقر، ولمحرومِ جنةِ الفردوس حَلَّ في سقر، ولفاجرٍ فضحه فجورِه فاشتهر، ولمتكبرٍ بالذلِ بين الكلِ قد ظهر، وإلى محمولٍ إلى جهنم فلا ملجأ له ولا وزر، آه مِنْ يومٍ تُكَوَّرُ فيه الشمسُ والقمر، يا كثيرَ الرياء قل إلى متى تُخْلِص، يا ناسيَ الأنكال متى على الخير تحرص، يا أسير الهوى أما علمت أن الهوى ظل والظل متقلص.
следующие страницы →