← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قال تعالى: (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىَ * عِندَهَا جَنّةُ الْمَأْوَىَ) [النجم ١٤، ١٥] (حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن عيسى عبده و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه و أن الجنة حق و النار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل. مسألة: هل الجنة والنار موجودان الآن؟ نعم الجنة والنار موجودان الآن قال تعالى: (وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ) [سورة: آل عمران - الآية: ١٣٣] و قال تعالى في النار (فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ) [سورة: البقرة - الآية: ٢٤] (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداةِ و العشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة و إن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. (حديث عمران بن حُصَين في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء و اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا أنا بامرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرا. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

стр. 1612

لم يزل أصحاب رسول الله والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم إليها وأخبروا بها إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله وأنه ينبغي له أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا وقاسوه على خلقه في أفعالهم فهم مشبهة في الأفعال ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلةً في الصفات وقالوا خلق الجنة قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مُددا متطاولة ليس فيها سكانها قالوا ومن المعلوم أن ملكا لو أتخذ دارا واعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من الناس ولم يمكنهم من دخولها قرونا متطاولة لم يكن ما فعله واقعا على وجه الحكمة ووجد العقلاء سبيلا إلى الاعتراض عليه فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وشبهوا أفعاله بأفعالهم وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب أو حرفوها عن مواضعها وضللوا وَبَدَّعُوا من خالفهم فيها والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء. مسألة: هل الجنة والنار يفنيان؟ الجنة والنار لا يفنيان أبداً قال تعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [سورة: التوبة - الآية: ١٠٠] و قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاّ طَرِيقَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً) [النساء ١٦٨، ١٦٩]

стр. 1613

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت ثم قرأ قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [سورة: مريم - الآية: ٣٩]. (الشفاعة: مسألة: ما معنى الشفاعة، وما المقصود بالشفاعة المثبتة والمنفية؟ الشفاعة هي التوسط للغير بجلب المنفعة أو دفع مضرة المقصود بالشفاعة المثبتة: التي أثبتها الله تعالى في كتابه وهي لأهل الإخلاص. المقصود بالشفاعة المنفية: التي من غير الله تعالى أو بغير إذنه أولأهل الشرك به. مسألة: ماهي شروط الشفاعة؟ شروط الشفاعة: [١] إذن الله للشافع [٢] ورضاه عن المشفوع له مسألة: ما هي أنواع الشفاعة المثبتة؟ أنواع الشفاعة المثبتة: [١] الشفاعة العظمي، حيث يشفع في أهل الموقف إلى الله ليقضي بينهم، بعد أن تطلب الشفاعة من آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسي عليهم الصلاة والسلام فلا يشفعون، حتى تنتهي إلى النبي ﷺ فيشفع فيقبل الله منه. وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله بقوله: (عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودا) (الإسراء: من الآية٧٩). وأمرنا النبي ﷺ أن نسأل الله تعالى له هذا المقام بعد كل أذان (حديث جابر في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة. (حديث ابن عمر في صحيح البخاري) قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.

стр. 1614

(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد ﷺ فيأتونني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل. [٢] شفاعة النبي ﷺ في استفتاح باب الجنة وهذه الشفاعةُ أيضاً خاصةٌ بالنبي ﷺ (حديث أنس في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الناس تبعاً. (حديث أنس في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. [٣] الشفاعة في إخراج الموحدين من النار: (حديث أنس في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: يخرج قومٌ من النار بعد ما مسهم منها سفعٌ فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين. (حديث أبي سعيد في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. [٤] شفاعة في زيادة درجات الجنة لمن دخلها [٥] شفاعة فيمن يستحق دخول النار أن لا يدخلها [٦] الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار وهذه خاصة بنبينا ﷺ في عمه أبي طالب

стр. 1615

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه ٠فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه - يعني أبا طالب -. مسألة: من أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ ؟ أسعدُ الناس بشفاعة النبي ﷺ من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه (حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا مخلصا من قلبه. مسألة: هل يخرج أقوامٌ من النار برحمة الله تعالى بدون شفاعة الشافعين؟ نعم دلَّت السنة الصحيحةُ على حصول ذلك (حديث أبي سعيدٍ في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبضُ قبضةً من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا فيُلقون في نهرٍ بأفواه الجنة يُقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل. مسألة: اذكر الدليل على الشفاعة المنفية؟ الدليل قوله تعالى: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشّافِعِينَ) (المدثر/ ٤٨) وقد وبَّخ الله تعالى اعتقاد المشركين الذين أشركوا مع الله تعالى من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، وقد قطع الله تعالى الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعا، وتفصيل ذلك كالآتي: أن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلةٌ من أربع خصال هي: (١) إما أن يكون مالكاً لما يريده عابده منه (٢) فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك (٣) فإن لم يكن شريكاً للمالك كان معيناً له وظهيراً (٤) فإن لم يكن معينا ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده وقد نفى الله تعالى هذه المراتب الأربع نفياً مرتباً منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى قال تعالى (سبأ / ٢٣) مسألة: ما هي أقسام الناس في الشفاعة؟ (انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام كالتالي: القسم الأول: قسمٌ نفوْا الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة حيث نفوْا الشفاعة لأهل الكبائر القسم الثاني: قسمٌ أثبتوا الشفاعة للأصنام وهم المشركون القسم الثالث: قسمٌ أثبتوا الشفاعة بثلاثةِ شروط هي ١) إذن الله تعالى للشافع ٢) رضاه تعالى عن المشفوع له باب الترغيب في الجنة: [*] (عناصر الباب: (الترغيب في الجنة: (إدامة ذِكْرِ الجَنَّة: (من أعظم الغبن أن تبيع الجنة بالدنيا الفانية:

стр. 1616

(حُفَّت الجنة بالمكاره: (نعيم الجنة فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال: (نعيم الجنة يُنسي بؤس الدنيا: (مفتاح الجنة: (وجود الجنة الآن: (مكان الجنة وأين هي: (درجات الجنة: (أعلى درجاتها واسم تلك الدرجة: (ارتقاء العبد و هو في الجنة من درجة إلى درجة أعلى منها: (أعلى أهل الجنة منزلة: (أدنى أهل الجنة منزلة: (آخر أهل الجنة دخولا إليها: (ثمن الجنة: (طلب أهل الجنة لها من ربهم وطلبها لهم: (أسماء الجنة ومعانيها: (عدد الجنات: (أبواب الجنة وخزنتها: (خزنة الجنة: (عدد أبواب الجنة: (سعة أبواب الجنة: (صفة أبواب الجنة وأنها ذات حلق: (أول من يقرع باب الجنة: (أول من يدخلون الجنة وصفاتهم: (صفات أول من يدخلون الجنة: (سبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة: (أصناف أهل الجنة وأوصافهم: (أكثر أهل الجنة هم أمة محمد ﷺ : (النساء في الجنة أكثر من الرجال وكذلك هم في النار: (من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب: (ذكر حثيات الرب ﵎ الذين يدخلهم الجنة: (عرض الجنة: (ذكر بناء الجنة وملاطها وحصباؤها و تربتها: (غُرف الجنة وقصورها: (معرفة أهل الجنة لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة: (كيفية دخول أهل الجنة الجنة: (سوق الجنة و ما اعد الله تعالى فيه لأهلها: (صفة أهل الجنة في خَلْقِهِم وَخُلُقِهم: (سِنُ أهلِ الجنة: (تحفة أهل الجنة إذا دخلوها: (ريح الجنة ومن مسيرة كم ينشق: (الأذان الذي يؤذن به مؤذن الجنة: (أشجار الجنة وبساتينها وظلالها: (ثمار الجنة وتعداد أنواعها وصفاتها: (في زرع الجنة: (أنهار الجنة وعيونها وأصنافها: (طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه: (آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها ويشربون: (لباس أهل الجنة وحليهم: (مناديل أهل الجنة: (لبسهم التيجان على رؤسهم: (فُرُشُ أهل الجنة: (بُسُطُ أهل الجنة وزرابيهم: (خيام أهل الجنة وسررهم وأرائكهم وبشخاناتهم: (مطايا أهل الجنة و خيولهم و مراكبهم: (غلمانُ أهل الجنة وخدمُهم: (وصف الحور العين: (غناء الحور العين و ما فيه من الطرب و اللذة: (الحور العين يطلبن أزواجهن أكثر مما يطلبهن أزواجهن: (هل في الجنة حمل و ولادة: (مُلكُ الجنة و أن أهلها كلهم ملوك فيها: (أهل الجنة لا ينامون: (ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة: (تزاور أهل الجنة ومراكبهم: (رؤية أهل الجنة لله تعالى بأبصارهم جهرة: (تكليم الله تعالى لأهل الجنة:

стр. 1617

(أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد: (الجنة تتكلم: (صفات من يستحقُّ الجنة في القرآن والسنة: (الطريق إلى الجنة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (الترغيب في الجنة: ما أحسن الحديث عن النعيم المقيم والإيمان الراسخ بالمنزل الكريم من الغفور الرحيم هو سلوة الأحزان، وحياة القلوب، وحادي النفوس، ومهيجها إلى القرب من ربها ومولاها. الحديث عن النعيم والرضوان لا يسأمه الجليس، ولا يمله الأنيس، عزت دار الفردوس من دار، وجل فيها المبتغى والمرام، دار وجنان تبلغ فيها النفوس مناها، قصور مبنية طابت للأبرار، غرسها الرحمن بيده، وملأها برضوانه ورحمته، وموضع السوط فيها خير من الدنيا وما فيها. (أخي الحبيب: المسلم في كل أحواله لا يفكر إلا بالجنان، يصلي من أجل رضا ربه ودخولها، يصوم الهواجر طلباً لها، يبذل الخير أينما كان من أجل أراضي الجنان، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الطائع والعاصي يتمنى أن تكون الجنة هي المقام، جعلها أناس نصب أعينهم يتذكرونها في أفراحهم وأحزانهم، وشغلهم وفراغهم، وفي سفرهم وإقامتهم، لأنهم قرءوا في كتاب ربهم وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:٤٣]. وفي يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يقف العالم بأكمله وقفة ما أشدها من وقفة، وقفة تحمل الخوف والرجاء، والنور والظلام، تحمل الألم والأمل، إنها وقفة تحمل دعاء واحداً، اللهم سلم سلم .. اللهم سلم سلم. وبعد الفصل بينهم تعلن أسماء الفائزين والفائزات والخاسرين والخاسرات فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥]. تخيلوا أيها المؤمنون ذلك المؤمن كان في خوف وهلع، فيؤمر بدخول الجنان والخلود فيها، ويفرح بالنجاة من لهيب النار وحرها. ثم هاهو صاحبنا يطأ أرض الجنان، وينتقل في رياضها مع المتحابين، ويدخل حدائقها نزهة المشتاقين، وينظرُ لأول مرة إلى تلك الخيام اللؤلؤية وهي منصوبة على ضفاف الأنهار في أرض خضراء، ومناخ بهيج، ورائحة أزكى من المسك والزعفران، ثم يمعن النظر فيرى قصراً مشيداً به أنوار تتلألأ، وحوله فاكهةٌ كثيرةٌ لا مقطوعة ولا ممنوعة، تخيلوا أيها الأخوة شعور ذلك المؤمن في هذه اللحظات، ويعلم أنه خالد مخلد في ذلك النعيم. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح في وصف الجنة:

стр. 1618

وكيف يقدر قدر دار غرسها الله بيده و جعلها مقرا لأحبابه و ملأها من رحمته و كراماته و رضوانه و وصف نعيمها بالفوز العظيم وَمُلْكُها بالمُلك الكبير وأودعها جميع الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة و نقص فإن سألت عن أرضها و تربتها فهي المسك و الزعفران و إن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن و إن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر و إن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ و الجوهر و إن سألت عن بنائها فلبنة من فضة و لبنة من ذهب و إن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب و فضة لا من الحطب و الخشب و إن سألت عن ثمرها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل و إن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل و إن سألت عن أنهارها فانهار من لبن لم يتغير طعمه و انهار من خمر لذة للشاربين و انهار من عسل مصفى و إن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون و لحم طير مما يشتهون و إن سألت عن شرابهم فالتسنيم و الزنجبيل و الكافور و إن سألت عن آنيتهم فآنية الذهب و الفضة في صفاء القوارير و إن سألت عن سعة أبوابها فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام و ليأتين عليه يوم و هو كظيظ من الزحام و إن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها و إن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها و إن سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في ملكه و سرره و قصوره و بساتينه مسيرة ألفي عام و إن سألت عن خيامها و قبابها فالخيمة الواحدة من درة مجوفة طولها ستون ميلا من تلك الخيام و إن سألت عن علاليها و جواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار و إن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار و إن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير و الذهب و إن سألت عن فرشها فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب و إن سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها البشخانات و هي الحجال مزررة بأزرار الذهب فما لها من فروج و لا خلال و إن سألت عن وجوه أهلها و حسنهم فعلى صورة القمر وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاث و ثلاثين على صورة آدم ﵇ أبي البشر و وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين و أعلى منه سماع أصوات الملائكة و النبيين و أعلى منهما خطاب رب العالمين و إن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب إن شاء الله مما شاء يسير بهم حيث شاءوا من

стр. 1619

الجنان و إن سألت عن حليهم و شارتهم فأساور الذهب و اللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان و إن سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون و إن سألت عن عرائسهم و أزواجهم فهن الكواعب الأتراب اللاتي جرى في أعضائهن ماء الشباب فللورد و التفاح ما لبسته الخدود و للرمان ما تضمنته النهود و اللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور و للرقة و اللطافة ما دارت عليه الخصور تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت و يضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين و إذا حادثته فما ظنك بمحادثة الحبين و إن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآة التي جلاها صقلها و يرى مخ ساقها من وراء اللحم و لا يستره جلدها و لا عظمها و لا حللها لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا و لاستنطقت أفواه الخلائق تهليلا و تكبيرا و تسبيحا و لتزخرف لها ما بين الخافقين و لا غمضت عن غيرها كل عين و لطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم و لا من من على ظهرها بالله الحي القيوم و نصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها و وصالها أشهى إليه من جميع أمانيها لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسنا و جمالا و لا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالا مبرأة من الحبل و الولادة و الحيض و النفاس مطهرة من المخاط و البصاق و البول و الغائط و سائر الأدناس لا يفنى شبابها و لا تبلى ثيابها و لا يخلق ثوب جمالها و لا يمل طيب وصالها قد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمح لأحدٍ سواه و قصر طرفه عليها فهي غاية أمنيته و هواه، إن نظر إليها سرته و إن أمرها بطاعته أطاعته و إن غاب عنها حفظته فهو معها في غاية الأماني و الأمان هذا و لم يطمثها قبله إنس و لا جان، كلما نظر إليها ملأت قلبه سرورا و كلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤا منظورا ومنثورا و إذا برزت ملأت القصر والغرفة نورا، و إن سألت عن السن فأترابٌ في أعدل سن الشباب، و إن سألت عن الحُسْنِ فهل رأيت الشمس و القمر و إن سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور، و إن سألت عن القدود فهل رأيت أحسن الأغصان و إن سألت عن النهود فهن الكواعب نهودهن كألطف الرمان و إن سألت عن اللون فكأنه الياقوت و المرجان و إن سألت عن حسن الخلق فهن الخيرات الحسان اللاتي جمع لهن بين الحسن و الإحسان فأعطين جمال الباطن والظاهر فهن أفراح النفوس قرة النواظر و إن سألت عن حسن

стр. 1620

العشرة و لذة ما هنالك فهن العرب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبعل التي تمتزج بالروح أي امتزاج فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها و إذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها و إذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة و إن خاصرته فيا لذة تلك المعانقة و المخاصرة و حديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل و إن هي حدثت ود المحدث أنها لم توجز و إن غنت فيا لذة الأبصار و الأسماع و إن آنست و أمتعت فيا حبذا تلك المؤانسة و الإمتاع و إن قبلت فلا شيء أشهى إليه من ذلك التقبيل و إن نولت فلا ألذ و لا أطيب من ذلك التنويل هذا، و إن سألت عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد و رؤية وجهه المنزه عن التمثيل و التشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة و القمر ليلة البدر كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه و ذلك موجود في الصحاح و السنن و المسانيد. فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة و يا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة و يا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة وجوه يوم ناضرة إلى ربها ناظرة و وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى و فيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا و نسلم (إدامة ذِكْرِ الجَنَّة: كان أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم, يديمون ذكر الجنة, والشوق إليها, وتخيل ما فيها وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 1621

(حديث حنظلة بن الربيع الأُسيدي الثابت في صحيح مسلم) قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات. (من أعظم الغبن أن تبيع الجنة بالدنيا الفانية: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

стр. 1622

ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا، إليه وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفذ بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوب بالنغص ممزوج بالغصص إن أضحك قليلا أبكى كثيرا وإن سر يوما أحزن شهورا ألآمه تزيد على لذاته وأحزانه أضعاف مسراته أوله مخاوف وآخره متآلف، فيا عجبا من سفيه في صورة حليم ومعتوه في مسلاخ عاقل آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار وأبكارا عُرُبا أترابا كأنهن الياقوت والمرجان بقذراتٍ دنسات سيآت الأخلاق مسالخات أو متخذات أخذان وحورا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام وأنهارا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، ويوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونداء المنادي يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا وتحيوا فلا تموتوا وتقيموا فلا تظعنوا وتشبوا فلا تهرموا بغناء المغنين، وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسر والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا وسيق المجرمون إلى جهنم وردا، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولي بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام وادخر لهم من الفضل والإنعام وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر «لَعَلِمَ أي بضاعة أضاع وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع» وعلم أن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعترية الآفات ولا يلحقه الزوال وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال فهم في روضاتِ الجنة يتقلبون، وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون وبالحور العين يتنعمون وبأنواع الثمار يتفكهون، يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب

стр. 1623

وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعلمون، يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون، تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد فما قلب ولا أسنام! إلا أفراد من العباد فوا عجبا لها كيف نام طالبها وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها وكيف قَرَّ للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها، وكيف قرت دونها أعين المشتاقين وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين، وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين. ثم ذكر الإمام ابن القيم أروع قصيدةٍ في وصف الجنة: وما ذاك إلا غيرة أن ينالها ... سوى كفئها والرب بالخلق أعلم وإن حجبت عنا بكل كريهة ... وحفت بما يؤذي النفوس ويؤلم فلله ما في حشوها من مسرة ... وأصناف لذات بها يتنعم ولله برد العيش بين خيامها ... وروضاتها والثغر في الروض يبسم ولله واديها الذي هو موعد أل ... مزيد لوفد الحب لو كنت منهم بذيالك الوادى يهيم صبابة ... محب يرى أن الصبابة مغنم ولله أفراح المحبين عندما ... يخاطبهم من فوقهم ويسلم ولله أبصار تري الله جهرة ... فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم ولله كم من خيرة إن تبسمت ... أضاء لها نور من الفجر أعظم فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت ... ويا لذة الأسماع حين تكلم ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ... ويا خجلة الفجرين حين تبسم فإن كنت ذا قلب عليل بحبها ... فلم يبق إلا وصلها لك مرهم ولا سيما في لثمها عند ضمها ... وقد صار منها تحت جيدك معصم تراه إذا أبدت له حسن وجهها ... يلذ به قبل الوصال وينعم تفكه منها العين عند اجتلائها ... فواكه شتى طلعها ليس يعدم عناقيد من كرم وتفاح جنة ... ورمان أغصان به القلب مغرم وللورد ما قد ألبسته خدودها ... وللخمر ما قد ضمه الريق والفم تقسم منها الحسن في جمع واحد ... فيا عجبا من واحد يتقسم لها فرق شتى من الحسن أجمعت ... بجملتها إن السلو محرم تذكر بالرحمن من هو ناظر ... فينطق بالتسبيح لا يتلعثم إذا قابلت جيش الهموم بوجهها ... تولى على أعقابه الجيش يهزم فيا خاطب الحسناء إن كنت راغبا ... فهذا زمان المهر فهو المقدم ولما جرى ماء الشباب بغصنها ... تيقن حقاً أنه ليس يهرم وكن مبغضا للخائنات لحبها ... فتحظى بها من دونهن وتنعم وكن أيما ممن سواها فإنها ... لمثلك في جنات عدن تايم

стр. 1624

وصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صوم وأقدم ولا تقنع بعيش منغص ... فما فاز باللذات من ليس يقدم وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ... ولم يك فيها منزل لك يعلم فحي على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبى العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم وقد زعموا أن العدو إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم وحي على السوق الذي فيه يلتقي ال ... محبون ذاك السوق للقوم يعلم فما شئت خذ منه بلا ثمن له ... فقد أسلف التجار فيه وأسلموا وحي على يوم المزيد الذي به ... زيارة رب العرش فاليوم موسم وحي على واد هنالك أفيح ... وتربته من إذفر المسك أعظم منابر من نور هناك وفضة ... ومن خالص القيان لا تتقصم وكثبان مسك قد جعلن مقاعدا ... لمن دون أصحاب المنابر يعلم فبينا همو في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم إذا هم بنورٍ ساطع أشرقت له ... بأقطارها الجنات لا يتوهم تجلى لهم رب السماوات جهرة ... فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم ... بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما ... تريدون عندي أنني أنا أرحم فقالوا جميعا نحن نسألك الرضا ... فأنت الذي تولى الجميل وترحم فيعطيهمو هذا ويشهد جمعهم ... عليه تعالى الله فالله أكرم فيا بائعا هذا ببخس معجل ... كأنك لا تدرى؛ بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة ... وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم (حُفَّت الجنة بالمكاره: (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». مسألة: ما معنى حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ؟ ِالْمَكَارِهِ: هي الأمور التي تكرهها النفس لمشقتها، فلا يصل إلى الجنة أحدٌ إلا إذا تجرَّع من غصص هذه المكاره التي تحيط بها، فالطريق إليها سهلاً, بل هو طريق وعرٌ محفوف بالمتاعب والآلام والدموع والعرق والدم والتضحيات, وبذل كل ما في الوسع, ليس طريقًا مليئًا بالمتع والشهوات والنزوات, فمن أراد الجنة ونعيمها فليوطِّن نفسه لتحمل هذه المكاره التي حُفت بها الجنة والتي ينبغي على من يريد الجنة أن يؤديها ويقوم بها خير قيام كالصبر على المحن والبلايا والمصائب, والصبر على الطاعات التي تشق على النفس كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك.

стр. 1625

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: قال لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها قال فرجع إليه قال فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره فقال ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل جبريل ﵇ عندما رأى ما أعده الله تعالى من النعيم المقيم لعباده في الجنة, ظنّ أن كل من يسمع بالجنة ونعيمها سيعمل من أجل أن يدخلها, لذا قال" فوعزتك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها".

стр. 1626

بعد أن قال جبريل ﵇ ذلك, أمر الله تعالى بالجنة فحفّت بالمكاره, ثمّ قال لجبريل: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها, فرجع إليها, فإذا هي قد حفّت بالمكاره. فعلم بذلك أنّه لم يعد الطريق إليها سهلاً, بل هو طريق وعرٌ محفوف بالمتاعب والآلام والدموع والعرق والدم والتضحيات, وبذل كل ما في الوسع, ليس طريقًا مليئًا بالمتع والشهوات والنزوات, فمن أراد الجنة ونعيمها فليوطِّن نفسه لتحمل هذه المكاره التي حُفت بها الجنة ـ وهي الأمور التي تكرهها النفس لمشقتها ـ فلا يصل إلى الجنة أحدٌ إلا إذا تجرَّع من غصص هذه المكاره التي تحيط بها, ففي الحديث الشريف قد شبه حال التكاليف الشاقة على النفس ـ التي حُفت بها الجنة ـ والتي ينبغي على من يريد الجنة أن يؤديها ويقوم بها خير قيام كالصبر على المحن والبلايا والمصائب, والصبر على الطاعات التي تشق على النفس كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك, شبّه كل ذلك بحال أسوار ٍكثيفةٍ من الأشواك التي يكمن فيها كل حيوان ضارٍّ من الوحوش والحيات والعقارب, وهذه الأسوار الكثيفة الكريهة محيطة ببستان ٍعظيم ٍتلتف به من كل مكان بحيث لا يستطيع أن يصل أحدٌ إلى هذا البستان ولا يحظى بالتنعم بما فيه إلا بعد أن يتخطى هذه الأسوار البغيضة, ويتجشم المشاق التي تلحقه حين سلوكه فيها, ولا شك أن ذلك يحتاج إلى جهادٍ طويل شاق, وصبر ٍدائم, كذلك الجنة لا ينالها ويحظى بنعيمها الدائم إلا من تخطى شدائد دنياه, مجاهدًا نفسه, صابرًا على ما يصيبه, راضيًا بقضاء الله تعالى, قائمًا بتكاليف الإسلام خير قيام, مضحيًا بالنفس والمال في سبيل نيل مطلوبه, فالجنة هي الثمن الذي اشترى الله به نفوس المؤمنين وأموالهم, قال تعالى: (إنّ اللهَ اشترى من المؤمنين أنفُسَهمْ وأموالَهمْ بأنَّ لهمُ الجنّة َيُقاتِلون في سبيل ِاللهِ فيَقتُلونَ ويُقتَلونَ وعْدًا عليهِ حقًا في التوراةِ والإنجيل ِوالقرآن ِومَنْ أَوْفَى بعهدِهِ مِنَ اللهِ فاسْتَبشِرُوا بِبَيْعكمُ الذي بايَعْتُمْ به وذلك هو الفوزُ العظيمُ) ﴿التوبة:١١١﴾ قال شمر بن عطية: ما من مسلم ٍإلا لله في عنقه بيعة, وفَّّى بها أو مات عليها ثمّ تلا الآية السابقة (١).

стр. 1627

بل أكدَّ الله تعالى الوعد الذي ذكره في هذه الآية وأخبر بأنّه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه العظيمة: التوراة والإنجيل والقرآن, ثمّ بشَّر من قام بمقتضى هذا العقد, ووفََّّى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم. ومن هنا يتضح معنى قول النبي ﷺ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله الْجَنّةُ». (ولله درُ من قال: يا سلعةَ الرحمن ِلست رخيصة ... بل أنتِ غالية ٌعلى الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالُها ... في الألفِ إلا واحدٌ لا اثنان يا سلعة الرحمن أين المشتري ... فلقد عُرِضتِ بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن هل من خاطب ... فالمهرُ قبل الموتِ ذو إمكان يا سلعة الرحمن لولا أنَّها ... حُجِبَتْ بكلِّ مكاره ِالإنسان ِما كان قطُّ من متخلفٍ ... وتَعَلتْ دارُ الجزاءِ الثاني لكنَّها حُجِبَتْ بكلِّ كريهةٍ ... ليُصدَّ عنها المبطلُ المتواني وتنالها الهممُ التي تَسْمُو ... إلى ربِّ العلا بمشيئةِ الرحمن فاتْعَبْ ليوْم ِمعادِك الأدنى ... تَجِدْ راحاتهِ يومَ المعادِ الثاني ولنذكرـ الآن ـ طرفًا من بعض التكاليف التي قد حُفَّت بها الجنة مع مشقتها على النفس: (١) الجهاد في سبيل الله: وهو فرض كفاية على المسلمين ليكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام, ولنشر تعاليم الدين السمحة, وفضله عظيم، وهاك غيضاً من فيض ونقطةً من بحر مما ورد في فضل الجهاد في سبيل الله: (١) َفَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً بنص القرآن الكريم: قال تعالى: (لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَ وَفَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) [سورة: النساء - الآية: ٩٥] (٢) وعد الله تعالى لمن قتل في سبيله أن يدخله الجنة وليس هناك فوزيعدل الجنة كما هو معلوم شرعاً وعقلاً وبداهةً.

стр. 1628

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل). (حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أن رجلا كان قبلكم، رغسه الله مالا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته. (حديث عبد الرحمن بن جبرالثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (ما أُغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم. (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله. (٣) ليس هناك عملٌ يعدل الجهاد في سبيل الله تعالى بنص السنة الصحيحة: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: (لا أجده). قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر). قال: ومن يستطيع ذلك. قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليَسْتَنُ في طِوَلِه، فيكتب له حسنات. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كل كَلْمٍ يُكْلَمْهُ المسلم في سبيل الله تعالى يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طُعِنت تُفَجَّرُ َدما و اللون لون الدم و العَرْفُ عَرْفُ مسك. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقا بوعده، فإن شِبْعَهُ وَرِيهَ ورَوَثَه وبَوله في ميزانه يوم القيامة). (٤) بين النبي ﷺ أن الغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها:

стр. 1629

(حديث أنس الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها. (٥) بين النبي ﷺ أن الدعاء عند البأس والقتال مستجاب. (حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا. (٦) بين النبي ﷺ أن ترك الجهاد يكون سبباً في حصول الذل والعياذ بالله. (حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: إذا تبايعتم بالعينة و أخذتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». (منزلة الجهاد في الإسلام: (حديث معاذ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: ألاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الاْسْلاَمُ، وَعُمودُهُ الصّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ في سبيل الله. ﴿تنبيه﴾: (والجهاد مع فرضيته وفضيلته إلا أنه مكروه على النفس, وذلك لأنَّ فيه مشقة وشدة, فإنَه إما أن يُقتل الإنسان أو يجرح, مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء, ومع أن النفس تكرهه إلا أنه خيرٌ لها, لذا قال تعالى: (كُتِبَ عليكم القتالُ وهو كُرْهٌ لَّكُم وعَسى أنْ تَكرهوا شَيْئًا وهو خَيرٌ لَّكم وعسى أنْ تُحبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكم والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون) ﴿البقرة:٢١٦﴾.

стр. 1630

كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِنْفَاقِ عَلَى اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ لِحِمَايَةِ المُجْتَمَعِ مِنْ دَاخِلِهِ، كَذلِكَ فَرَضَ اللهُ الجِهَادَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَمُحَارَبَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، لِيَكُفُّوا عَنْ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ شَرَّ أَعْدَائِها. وَالجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَة إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الأُمَّةِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ، وَالجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَزا أَوْ قَعَدَ، فَالقَاعِدُ عَلَيهِ أَنْ يُعينَ إِذا اسْتَعَانَ بِهِ النَّاسُ، وَأَنْ يُغيثَ إِذَا اسْتَغَاثُوا بِهِ، وَأَنْ يَنْفِرَ إِذا اسُتُنْفِرَ. وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ الجِهَادَ فِيهِ كُرْهٌ وَمَشَقَّةٌ عَلَى الأَنْفُسِ، مِنْ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، إِلَى مَخَاطِرِ الحُرُوبِ وَمَا فِيهَا مِنَ جَرْحٍ وَقَتْلٍ وَأَسْرٍ، وَتَرْكٍ لِلْعِيَالِ، وَتَرْكٍ لِلتِّجَارَةِ وَالصَّنْعَةِ وَالعَمَلِ. . إلخ، وَلكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الخَيْرُ لأَنَّهُ قَدْ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ بِالأَعْدَاءِ، وَالاستِيلاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَبِلاَدِهِمْ. وَقَدْ يُحِبُّ المَرْءُ شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَهُ، وَمِنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهَادِ، فَقَدْ يَعْقُبُهُ استِيلاءُ الأَعْدَاءِ عَلَى البِلادِ وَالحُكْمِ، وَاللهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُها العِبَادُ. (٢) الصبر على النوائب, والرضا بقضاء الله: قال تعالى: (أَمْ حَسِبتمْ أن تَدْخلُوا الجنَّة َوَلَمَّا يعلمِ اللهُ الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين) ﴿آل عمران:١٤٢﴾ وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ، وَقِتَالِ أًَعْدَائِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ. وقال تعالى: (أَمْ حَسبْتُمْ أن تَدْخُلوا الجنَّة َوَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْا من قبلِكم مَّسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضراءُ وزُلْزِلُوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنُوا مَعَهُ مَتَى نصرُ اللهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللهِ قريبٌ) ﴿البقرة:٢١٤﴾

стр. 1631

يُخَاطِبَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ هَدَاهُمْ إِلى السِّلْمِ، وَإِلَى الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الاخْتِلاَفِ، إِلى نُورِ الوِفَاقِ، بِاتِّبَاعِهِمْ هُدَى الكِتَابِ زَمَنَ التَّنْزيلِ، الذِينَ يَظُنُّونَ مِنْهُمْ أَنَّ انْتِسَابَهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ فِيهِ الكِفَايَةُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلُوا الشَّدَائِدَ وَالأَذَى فِي سَبيلِ الحَقِّ، وَهِدَايَةِ الخَلْقِ، جَهْلاً مِنْهُمْ بِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الهُدَى مُنْذُ أَنْ خَلَقَهُمْ. فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ تُبْتَلَوا وَتُخْتَبَرُوا كَمَا فُعِلَ بِالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ ابْتُلُوا بِالفَقْرِ (البَأَسَاءُ)، وَبِالأَسْقَامِ وَالأَمْرَاضِ (الضَّرَّاءُ)، وَخُوِّفُوا وَهُدَّدُوا مِنَ الأَعْدَاءِ (زُلْزِلُوا)، وَامتُحِنُوا امْتِحَاناً عَظِيماً، وَاشْتَدَّتِ الأُمُورُ بِهِمْ حَتَّى تَسَاءَلَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ قَائِلِينَ: مَتَى يَأْتِي نَصْرُ اللهِ. وَحِينَما تَثْبُتُ القُلُوبُ عَلَى مِثْلِ هذِهِ المِحَنِ المُزَلْزِلَةِ، حِينَئِذٍ تَتِمُّ كَلِمَةُ اللهِ، وَيَجِيءُ نَصْرُهُ الذِي يَدَّخِرُهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أَنْ لاَ نَصْرَ إِلاَّ نَصْرُ اللهِ. إنه مدخر لمن يستحقونه. ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية. الذين يثبتون على البأساء والضراء. الذين يصمدون للزلزلة. الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة. الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله. وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى ﴿نصر الله﴾، لا إلى أي حل آخر، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله. ولا نصر إلا من عند الله. بهذا يدخل المؤمنون الجنة، مستحقين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان، والصبر والثبات، والتجرد لله وحده، والشعور به وحده، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه.

стр. 1632

إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة، ويرفعها على ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهب العقيدة عمقاً وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها. وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجاً كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين. . على أنه ـ حتى إذا لم يقع هذا ـ يقع ما هو أعظم منه في حقيقته. يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة، والحرص على الحياة نفسها في النهاية. . وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء. كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون، والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته. وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف. وهذا هو الطريق. هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى، وللجماعة المسلمة في كل جيل. هذا هو الطريق: إيمان وجهاد. . ومحنة وابتلاء. وصبر وثبات. . وتوجه إلى الله وحده. ثم يجيء النصر. ثم يجيء النعيم. . وابتلاء الله تعالى للعباد وامتحانهم إنَّما يكون لتنقيتهم وترقيتهم وليميز الخبيث من الطيب, قال تعالى: (ألم* أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفتنون*ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذين صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذبين) ﴿العنكبوت:١ - ٣﴾. إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب. هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾. .

стр. 1633

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله. فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه! ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين. إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة. فهي أمانة كريمة؛ وهي أمانة ثقيلة؛ وهي من أمر الله يضطلع بها الناس؛ ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء. ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله؛ ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة؛ ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان. وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة. ولكنها ليست أعنف صور الفتنة. فهناك فتن كثيرة في صور شتى، ربما كانت أمر وأدهى. هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً. وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم؛ وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك. وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير. وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة. وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً.

стр. 1634

وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة؛ وهو وحده موحش غريب طريد وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام. فتنة أن يجد المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، متحضرة في حياتها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان. ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة لله! وهنالك الفتنة الكبرى. أكبر من هذا كله وأعنف. فتنة النفس والشهوة. وجاذبية الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدعة والاطمئنان. وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصورات أهل الزمان! فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى. وكان الابتلاء أشد وأعنف. ولم يثبت إلا من عصم الله. وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان. وما بالله حاشا لله أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة. ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق؛ وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء. والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع. وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل. وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً؛ وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلَّمون الراية في النهاية. مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار. وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن؛ وبما بذلوا لها من الصبر على المحن؛ وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات. والذي يبذل من دمه وأعصابه، ومن راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذاته. ثم يصبر على الأذى والحرمان؛ يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل؛ فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام.

стр. 1635

فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفل به وعد الله. وما يشك مؤمن في وعد الله. فإن أبطأ فلحكمة مقدرة، فيها الخير للإيمان وأهله. وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله. وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من يرد الله به خيرا يصب منه. (حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة. (حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوك عليه قطيفة فوضع يده فوق القطيفة فقال ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر ثم قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء قال: ثم من؟ قال العلماء، قال: ثم من؟ قال الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله ويبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء. (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء و إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا و من سخط فله السخط. (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء.

стр. 1636

(حديث خبَّاب بن الأرتِّ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مثل المؤمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها فإذا سكنت اعتدلت و كذلك المؤمن يكفأ بالبلاء و مثل الفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله تعالى إذا شاء. (حديث حذيفة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا وكيف يذل نفسه قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ (أَنْ يُذِلَّ) مِنَ الْإِذْلَالِ (قَالَ يَتَعَرَّضُ) أَيْ يَتَصَدَّى (مِنَ الْبَلَاءِ) بَيَانٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ مَا لَا يُطِيقُ. (٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهي عبادة شاقة على النفس , وغالبًا ما يحدث للقائم بها شدائد ومشاكل وصعوبات كثيرة, لذا بعدما أوصى لقمان ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاه بالصبر لما سيقابله بسبب ذلك من إيذاء ومشقة, كما حكاه القرآن الكريم: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة َوَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) ﴿لقمان:١٧﴾.

стр. 1637

ثُمَّ قَالَ لُقمَانُ لابنِهِ، يَا بُنَيَّ أَدِّ الصَّلاَة في أَوْقَاتِها، وَأَتْمِمْهَا بِرُكُوعِها وَسُجُودِها وَخُشُوعِها، لأَنَّ الصَّلاةَ تُذَكِّرُ العَبْدَ بِرَبِّهِ، وَتَحْملُهُ عَلَى فِعْلِ المَعْرُوفِ، والانْتِهَاءِ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ، وإِذا فَعَلَ الإنسَانُ ذلِكَ تَصْفُو نَفْسُهُ وَتَسْمُو، وَيَسْهُلُ عَلَيها احْتِمَالُ الصِّعَابِ في اللهِ، ثمَّ حَثَّ لُقْمَانُ ابْنَهُ عَلَى احتِمَالِ أَذَى النَّاسِ إِذا قَابَلُوه بِالسُّوءِ والأَذى عَلَى حَثِّهِ إِيًَّاهُمْ عَلَى فِعْلِ الخَيرِ، والانْتِهَاءِ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ هذا الذي أَوْصَاهُ بِهِ هُوَ مِنَ الأمُورِ التي يَنْبَغِي الحِرْصُ عَليها، والتَّمَسُّكُ بِهَا (مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). (٤) وغير ذلك من تكاليف الإسلام: فالصلاة ـ مثلاً ـ أثقل شيءٍ على المنافقين, وعلى النفوس الضعيفة قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ) ﴿البقرة:٤٥﴾. يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالاسْتِعَانَةِ عَلَى أَدَاءِ التَّكَالِيفِ، وَمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، بِالصَّبْرِ عَلَى الفَرَائِضِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنِ المَعَاصِي، وَبِالصَّلاةِ، لَعَلَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَا يُؤمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَيُنَبِّهُهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ القِيَامَ بِهذِهِ الوَصِيَّةِ التِي يَطْلبُ مِنَ النَّاسِ الأَخْذَ بِهَا مِنْ صَبْرٍ وَصَلاةٍ. . . أَمْرٌ شَاقٌ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ، إِلاَّ النُّفُوسَ المُؤْمِنَةَ الخَاشِعَةَ المُسْتَكِينَةَ لِطَاعَةِ اللهِ، المُتَذَلِّلَةَ مِنْ مَخَافَتِهِ. والزكاة والصدقة ثقيلتان وشاقتان على البخلاء والحريصين على جمع المال , ولا تخفى مشقة الحج وما يتطلبه من جهدٍ وسفر وصعوبات وإنفاق وصبر ٍوجَلَد, والصيام وما يتطلبه من صبر ٍعلى الجوع والعطش والشهوةِ نهارًا, وغير ذلك من المشقات.

стр. 1638

ولعلي أكون قد بيَّنتُ جانبًا من المكاره التي حُفت بها الجنة, والتي على المسلم أن يتحمل ما يعرض له منها ويصبر على ذلك ليفوز بنعيم الجنة, وهي وإن كانت تكاليف شاقَّة إلا أنّه لا يُدرك الغالي إلا بالعمل الشاق, وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله الْجَنّةُ». ولعلَّ هذا هو السبب الذي جعل جبريل-﵇ بعدما رأى حقيقة الجنة وقد حُفت بالمكاره يخشى ألا يدخلها أحد, لذا قال لربّه تعالى: "وعزَّتك لقد خفتُ ألا يدخلها أحد". (نعيم الجنة فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال: الجنة فوق ما يخطر على البال أو يدور في الخيال فهل أعددت لها صالح الأعمال قبل طي الآجال، لقد عرفنا الله الجنة .. ترغيباً فيها .. وبين لنا بعضاً من نعيمها وأخفى عنا بعضاً, زيادة في الترغيب والتشويق. لذلك فإن نعيم الجنة مهما وصف, لا تدركه العقول لأن فيها من الخير مالا يخطر ببال أو يدور في الخيال، فهل عرفت الجنة؟! إنها دار خلود وبقاء .. لا فيها بأس ولا شقاء, ولا أحزان ولا بكاء .. لا تنقضي لذاتها ولا تنتهي مسراتها .. كل ما فيها يذهل العقل ويسحر الفكر .. ويسكر الرشد .. ويصرع اللب .. هي جنة طابت وطاب نعيمها: فنعيمها باق وليس بفان هي نور يتلألأ, وريحانة تهتز. وقصر مشيد ونهر مطرد .. وفاكهة نضيجة .. وزوجة حسناء جميلة .. وحلل كثيرة في مقام أبداً, في حبرة ونضرة, في دور عالية سليمة بهية تتراءى لأهلها كما يتراءى الكوكب الدري الغائر في الأفق. قال تعالى: (تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مّآ أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [السجدة ١٦، ١٧] و تأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس و كيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقوموا إلى صلاة الليل بقرة الأعين في الجنة.

стр. 1639

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: قال الله ﵎: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مّآ أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرّةِ أَعْيُنٍ). (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة لشجرة، يسير الركب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾. (حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها). (حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (اطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا. (فَبَدَا) أَيْ ظَهَرَ (أَسَاوِرُهُ) جَمْعُ أَسْوِرَةٍ جَمْعِ سِوَارٍ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَسَاوِرِهِ. (لَطَمَسَ) أَيْ مَحَا ضَوْءُ أَسَاوِرِهِ. (ضَوْءَ الشَّمْسِ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الجنة بناؤها لبنة من فضة و لبنة من ذهب ومِلاطُها المسك الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللؤلؤ والياقوت و تربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم و لا يفنى شبابهم. اللَّبِنَة: واحدة اللَّبِن وهي التي يُبْنَى بها الجِدَار. الملاط: الطين الذي يكون بين اللبنتين، أو التراب الذي يخالطه الماء. الأذفر: ذو الرائحة القوية الفواحة. الحصباء: الحجارة الصغيرة. الياقوت: حجر كريم من أجود الأنواع وأكثرها صلابة بعد الماس، خاصة ذو اللون الأحمر. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (الجنة بناؤها لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أَيْ بِنَاؤُهَا مُرَصَّعٌ مِنْهُمَا

стр. 1640

(وَمِلَاطُهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مَا بَيْنَ اللَّبِنَتَيْنِ مَوْضِعُ النُّورَةِ، فِي النِّهَايَةِ: الْمِلَاطُ الطِّينُ الَّذِي يُجْعَلُ بَيْنَ سَاقَتَيِ الْبِنَاءِ يُمَلَّطُ بِهِ الْحَائِطُ أَيْ يُخْلَطُ. (الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ) أَيِ الشَّدِيدُ الرِّيحِ. (وَحَصْبَاؤُهَا) أَيْ حَصْبَاؤُهَا الصِّغَارُ الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ قَالَهُ الْقَارِي. وَقَالَ صَاحِبُ أَشِعَّةِ الجزء السابع اللُّمَعَاتِ: أَيْ حَصْبَاؤُهَا الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الْعُمُومُ (اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ) أَيْ مِثْلُهَا فِي اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ (وَتُرْبَتُهَا) أَيْ مَكَانَ تُرَابِهَا (الزَّعْفَرَانُ) أَيِ النَّاعِمُ الْأَصْفَرُ الطَّيِّبُ الرِّيحِ فَجَمَعَ بَيْنَ أَلْوَانِ الزِّينَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَيَتَكَمَّلُ بِالْأَشْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ بِالْخُضْرَةِ. وَلَمَّا كَانَ السَّوَادُ يَغُمُّ الْفُؤَادَ خُصَّ بِأَهْلِ النَّارِ. (مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ) بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا فِي الْقَامُوسِ: الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ بَؤُسَ كَكَرُمَ بَأْسًا وَبَئِسَ كَسَمِعَ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ (يَخْلُدُ) أَيْ يَدُومُ فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا (ولَا يَمُوتُ) أَيْ لَا يَفْنَى بَلْ دَائِمًا يَبْقَى (َلَا تَبْلَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ أَيْ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ (ثِيَابُهُمْ) وَكَذَا أَثَاثُهُمْ (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أَيْ لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يُخَرِّفُونَ وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ. (حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة ضوء وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب دري في السماء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها.

стр. 1641

(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لغدوةٍ في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها وَلَقَاب قَوْسِ أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا و ما فيها ولو اطَّلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما و لنصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها. (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها) جمع كم بالكسر وعاء الطلع قال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن في دار النبي ﷺ وفي كل دار وغرفة لم يخلق اللّه لوناً ولا زهرة إلا فيها منها إلا السواد ولا يخلق اللّه فاكهة ولا ثمرة إلا فيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح اللّه بأنواع التسبيح. انتهى. (أخي الحبيب: هل يعقل أن يدرك عقل المرء هذا النعيم ثم يزهد فيه؟ هذا داعي الخير يناديك .. ويحرك فيك نشاط التنافس والمسارعة قال تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ) [آل عمران: ١٣٣] فسارع إلى المغفرة والملك العظيم. فقد دعاك البشير .. (ولله درُ من قال: يا طالب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأقذار دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غداً تبا ًلها من دار

стр. 1642

فاللبيب من باع الدنيا بالآخرة. قال تعالى: (وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لّكَ مِنَ الاُولَىَ) [الضحى: ٤] والكيس من صنع السعادة بيده فبحث عن طريق الجنة فسلكه وإنما طريقها توحيد الله واتباع رسوله ﷺ , وأداء الفرائض والواجبات والبعد عن الفواحش والكبائر والمحرمات والتقرب إلى الله بالنوافل وصالح الطاعات, والإنابة والتوبة إلى الله في الظلمات والخلوات والاستغفار من الخطايا والزلات والتنور بنور العلم وسليم الفهم والعمل بذلك وملازمة الإخلاص والصدق مع الله, فإن السالك لهذا الطريق لا يخيب ظنه ولا يعرقل سيره ولا يضيع سعيه: قال تعالى: ﴿(وَالْعَصْرِ * إِنّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ) [العصر١: ٣] (ولله درُ من قال: تدري أخي ما طريق الجنة: ... طريقه القرآن ثم السنة (مناديل أهل الجنة: (حديث البراء ابن عازب ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها فقال أتعجبون من لين هذه لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه ههنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا يأخذه في الله لومة لائم وختم الله له بالشهادة وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وعشيرته وخلفائه ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سموات ونعاه جبريل إلى النبي يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك. (ومن ملابسهم التيجان على رؤسهم: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيقال اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

стр. 1643

قَوْلُهُ: (يَا رَبِّ حَلِّهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ التَّحْلِيَةِ، يُقَالُ حَلَّيْتُهُ، أُحَلِّيهِ تَحْلِيَةً: إِذَا أَلْبَسْتُهُ الْحِلْيَةَ. وَالْمَعْنَى يَا رَبِّ زَيِّنْهُ (اقْرَأْ) أَمْرٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَيِ اتْلُ (وَارْقَأْ) أَمْرٌ مِنْ رَقَأَ يَرْقَأُ رَقْئًا أَيِ اصْعَدْ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: رَقَأَ فِي الدَّرَجَةِ صَعِدَ وَهِيَ الْمَرْقَأَةُ وَتُكْسَرُ. أَيْ ﴿يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ وَاصْعَدْ عَلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ﴾ وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ عَنْ قَرِيبٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح في وصف الجنة:

стр. 1644

وكيف يقدر قدر دار غرسها الله بيده و جعلها مقرا لأحبابه و ملأها من رحمته و كراماته و رضوانه و وصف نعيمها بالفوز العظيم وَمُلْكُها بالمُلك الكبير وأودعها جميع الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة و نقص فإن سألت عن أرضها و تربتها فهي المسك و الزعفران و إن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن و إن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر و إن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ و الجوهر و إن سألت عن بنائها فلبنة من فضة و لبنة من ذهب و إن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب و فضة لا من الحطب و الخشب و إن سألت عن ثمرها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل و إن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل و إن سألت عن أنهارها فانهار من لبن لم يتغير طعمه و انهار من خمر لذة للشاربين و انهار من عسل مصفى و إن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون و لحم طير مما يشتهون و إن سألت عن شرابهم فالتسنيم و الزنجبيل و الكافور و إن سألت عن آنيتهم فآنية الذهب و الفضة في صفاء القوارير و إن سألت عن سعة أبوابها فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام و ليأتين عليه يوم و هو كظيظ من الزحام و إن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها و إن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها و إن سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في ملكه و سرره و قصوره و بساتينه مسيرة ألفي عام و إن سألت عن خيامها و قبابها فالخيمة الواحدة من درة مجوفة طولها ستون ميلا من تلك الخيام و إن سألت عن علاليها و جواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار و إن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار و إن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير و الذهب و إن سألت عن فرشها فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب و إن سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها البشخانات و هي الحجال مزررة بأزرار الذهب فما لها من فروج و لا خلال و إن سألت عن وجوه أهلها و حسنهم فعلى صورة القمر وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاث و ثلاثين على صورة آدم ﵇ أبي البشر و وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين و أعلى منه سماع أصوات الملائكة و النبيين و أعلى منهما خطاب رب العالمين و إن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب إن شاء الله مما شاء يسير بهم حيث شاءوا من

стр. 1645

الجنان و إن سألت عن حليهم و شارتهم فأساور الذهب و اللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان و إن سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون و إن سألت عن عرائسهم و أزواجهم فهن الكواعب الأتراب اللاتي جرى في أعضائهن ماء الشباب فللورد و التفاح ما لبسته الخدود و للرمان ما تضمنته النهود و اللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور و للرقة و اللطافة ما دارت عليه الخصور تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت و يضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين و إذا حادثته فما ظنك بمحادثة الحبين و إن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآة التي جلاها صقلها و يرى مخ ساقها من وراء اللحم و لا يستره جلدها و لا عظمها و لا حللها لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا و لاستنطقت أفواه الخلائق تهليلا و تكبيرا و تسبيحا و لتزخرف لها ما بين الخافقين و لا غمضت عن غيرها كل عين و لطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم و لا من من على ظهرها بالله الحي القيوم و نصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها و وصالها أشهى إليه من جميع أمانيها لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسنا و جمالا و لا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالا مبرأة من الحبل و الولادة و الحيض و النفاس مطهرة من المخاط و البصاق و البول و الغائط و سائر الأدناس لا يفنى شبابها و لا تبلى ثيابها و لا يخلق ثوب جمالها و لا يمل طيب وصالها قد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمح لأحدٍ سواه و قصر طرفه عليها فهي غاية أمنيته و هواه، إن نظر إليها سرته و إن أمرها بطاعته أطاعته و إن غاب عنها حفظته فهو معها في غاية الأماني و الأمان هذا و لم يطمثها قبله إنس و لا جان، كلما نظر إليها ملأت قلبه سرورا و كلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤا منظورا ومنثورا و إذا برزت ملأت القصر والغرفة نورا، و إن سألت عن السن فأترابٌ في أعدل سن الشباب، و إن سألت عن الحُسْنِ فهل رأيت الشمس و القمر و إن سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور، و إن سألت عن القدود فهل رأيت أحسن الأغصان و إن سألت عن النهود فهن الكواعب نهودهن كألطف الرمان و إن سألت عن اللون فكأنه الياقوت و المرجان و إن سألت عن حسن الخلق فهن الخيرات الحسان اللاتي جمع لهن بين الحسن و الإحسان فأعطين جمال الباطن والظاهر فهن أفراح النفوس قرة النواظر و إن سألت عن حسن

стр. 1646

العشرة و لذة ما هنالك فهن العرب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبعل التي تمتزج بالروح أي امتزاج فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها و إذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها و إذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة و إن خاصرته فيا لذة تلك المعانقة و المخاصرة و حديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل و إن هي حدثت ود المحدث أنها لم توجز و إن غنت فيا لذة الأبصار و الأسماع و إن آنست و أمتعت فيا حبذا تلك المؤانسة و الإمتاع و إن قبلت فلا شيء أشهى إليه من ذلك التقبيل و إن نولت فلا ألذ و لا أطيب من ذلك التنويل هذا، و إن سألت عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد و رؤية وجهه المنزه عن التمثيل و التشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة و القمر ليلة البدر كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه و ذلك موجود في الصحاح و السنن و المسانيد. فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة و يا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة و يا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة وجوه يوم ناضرة إلى ربها ناظرة و وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى و فيها المخيم و لكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا و نسلم. (أهل الجنة لا ينامون: (حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة. (حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: النوم أخو الموت و لا يموت أهل الجنة. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (النوم أخو الموت) لانقطاع العمل فيه

стр. 1647

(ولا يموت أهل الجنة) فلا ينامون، قاله لمن سأل أينام أهل الجنة؟ وفيه إشارة إلى ذمّ كثرة النوم لكثرة مفاسده الأخروية بل والدنيوية فإنه يورث الغفلة والشبهات وفساد المزاج الطبيعي والنفساني ويكثر البلغم والسوداء ويضعف المعدة وينتن الفم ويولد دود القرح ويضعف البصر والباه حتى لا يكون له داعية للجماع ويفسد الماء ويورث الأمراض المزمنة في الولد المتخلق من تلك النطفة حال تكوينه ويضعف الجسد، هذا في النوم في غير وقت العصر والصبح فإنه فيهما أعظم ضرراً لأنه يفسد كيموس صحة حكم عين المزاح المادي والصوري ولا يمكن استقصاء مفاسده في العقل والنفس والروح ومنها أنه يورث ضعف الحال بحكم الخاصية وعدم الإيمان بالبعث والنشور، قال بعضهم: إياكم وكثرة النوم تبعاً لما ترونه من بعض العارفين فإن لهم أحكاماً خلافكم فإن بعضهم يخلع عليه القوة على خلع نفسه عنه متى شاء وسراحها إلى أي وجه شاء من غير ارتباط بعالم الخيال. (تنبيه) النوم بالنهار أكثر ضرراً من النوم بالليل طباً. قال ابن سينا: النوم بالنهار رديء جداً وتركه لمن اعتاده أردأ. (نعيم الجنة يُنسي بؤس الدنيا: (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا بن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط. [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (فيصبغ في النار صبغة): الصبغة بفتح الصاد أي يغمس غمسة. والبؤس: بالهمز هو الشدة والله أعلم. (مفتاح الجنة: واعلم أن مفتاح الجنة هو توحيد الله جل وعلا وتحقيق لا إله إلا الله، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث معاوية الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة. وسئل الحسن البصري:" أن ناسا ًيقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال من قالها وأدى حقها وفرضها". مسألة: ما هي شروطُ كلمةِ التوحيد؟

стр. 1648

(لكلمةِ التوحيدِ شروطٌ سبعة لا ينتفعُ قائلها إلا بعد أن يستكملها وهي: ١) العلمُ المنافي للجهل ٢) اليقينُ المنافي للشك ٣) القبولُ المنافي للرد ٤) الانقياد، ويتمُ ذلك بأداء حقوقها وهي الأعمالُ الواجبة إخلاصاً للهِ وطلباً لمرضاته. ٥) الصدقُ المنافي للنفاق ٦) الإخلاصُ المنافي للشرك. ٧) المحبةُ لهذه الكلمة ولما دلَّت عليه والسرورُ بذلك بخلاف ما عليه المنافقون. [*] قال الشيخُ حافظُ الحكمي في سُلمِ الوصول: وبشروطٍ سبعةٍ قد قُيِدتْ ... وفي نصوصِ الوحي حقاً وردت فإنه لم ينتفعْ قَائِلُها ... بالنطقِ إلا حيثُ يستكمِلُها العلمُ واليقينُ والقبولُ ... والانقيادُ فادرِ ما أقولُ والصدقُ والإخلاصُ والمحبةْ ... وفقك الله لما أحبَّه مسألة: ما الفرق بين القبولِ والانقياد؟ (القبولُ يكونُ بالأقوال، والانقياد يكونُ بالأفعال. مسألة: ما معنى تحقيق التوحيد؟ معنى تحقيق التوحيد: تخليصُه وتصفيته من الشرك. ﴿تنبيه﴾: (لا يتحقق التوحيد إلا بشيئين متلازمين (١) إثباتُ التوحيد لله (٢) نفيُ الشرك والبراءة من أهله مسألة: ما المقصود بإثبات التوحيد لله؟ المقصودُ بإثبات ِالتوحيدِ لله إفرادُ الله بما يختصُ به من توحيدِ الربوبيةِ والألوهيةِ والأسماءِ والصفات. مسألة ما معنى توحيد الربوبيه؟ توحيد الربوبيةِ هو إفرادُ الله بالخلق ِ والملك ِ والتدبير. والدليلُ قوله تعالى (ألا له الخلقُ والأمر) ﴿الأعراف / ٥٤﴾ والأمرُ هنا معناه التدبير. وقوله تعالى (لله ملك السموات والأرض) ﴿المائدة / ١٧﴾ الشاهد: تقديم ما حقَّه التأخير يفيدُ الحصر ﴿تنبيه﴾: (التدبير الذي يختصُ به الله تعالى نوعان هما: (تدبيرٌ كوني: فالله تعالى يدبرُ أمور الكون وما فيه، هو المحيي المميت الخافض الرافع المعطي المانع المعز المذل يُولج الليل في النهار ويلج النهار في الليل قال تعالى: (قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ﴿آل عمران / ٢٦، ٢٧﴾ (تدبيرٌ شرعي: يحلل ويحرِّم. مسألة: ما معنى توحيد الألوهية؟

стр. 1649

توحيدُ الأ لوهية هو ﴿إفرادُ الله بالعبادة﴾، أي لا معبود بحقٍ إلا الله. والدليلُ قوله تعالى قال تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران /١٨) وقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / ١٩) مسألة ما معنى توحيد الأسماءِ والصفات؟ توحيدُ الأسماء ِ والصفات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الأسماء ِ الحسنى والصفاتِ العُلى. ﴿تنبيه﴾: (في هذا النوع من التوحيد ضابطين أساسيين: (١) لا نصفُ الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ قال الإمامُ أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسَه أو وَصفَه به رسوله لا يتجاوزُ القرآن والحديث. (٢) أن يكون وصفنا لله تعالى بغيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكيفٍ ولا تمثيل. مسألة: ما معنى التحريف؟ التحريفُ نوعان: (النوع الأول: تحريفٌ لفظي كتغيير حرفٍ بحرف، أو زيادة حرف كمن يقول (استوى على العرش) استولى، وقوله حطه أي حنطه. نعوذ بالله من الضلال والخبال. النوعُ الثاني: تحريفٌ معنوي وهو التأويلُ بغير دليل، لأي صرف النص عن ظاهره بغير دليلٍ شرعي وهو ما يُسمى بالتأويلِ الفاسد، كحا لِ بعض الفرق الضالة الذين يفسرون قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فيفسرون يداه بالسماوات والأرض، نعوذ بالله من الضلالِ والخبال. مسألة: ما معنى التعطيل؟ التعطيلُ هو إنكارُ صفاتِ الله تعالى إما كلها أو بعضها، وكون الإنكارُ عن طريقتين: إما التحريف أو التكذيب ﴿تنبيه﴾: (التعطيلُ أعم من التحريف، يكون تعطيلٌ وتحريف، وإن كان التعطيلُ بالإنكار يكون تعطيلٌ فقط. مسألة: ما معنى التكييف؟ (التكييف ذكرُ كيفيةٍ للصفة، وهذا منهيٌ عنه، ولما سُئلَ الإمامُ مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال: الاستواء غيرُ مجهول (أي من حيثُ المعنى) والكيفُ غير معقول (أي لا تدركه العقول) والإيمانُ به واجب (لأنه سبحانه أثبته لنفسه) والسؤالُ عنه بدعة (لأن الصحابة َلم يسألوا عنه وهم أحرصُ الناسِ على الخير وأعلم الناسِ بما يجيزه الشرع. مسألة: ما معنى التمثيل؟

стр. 1650

التمثيلُ هو مماثلة صفات الله تعالى بصفاتِ المخلوقين، وهذا من الضلالِ والخبال لأن الله تعالى يقول (ليس كمثلهِ شئٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى / ١١] ﴿تنبيه﴾ التكييف أعم من التمثيل، لأن التكييفَ إن كان له مماثل كان تكييفاً وتمثيلاٌ، وإن لم يكن له مماثل كان تكييفاٌ فقط. [*] قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: وكلِ ما لهُ من الصفاتِ ... أثبتها في محكمِ الآياتِ أوْصَحَّ فيما قاله الرسولُ ... فحقَّهُ التسليمُ والقبولُ نُمِرُّها صريحةً كما أتتْ ... مع اعتقادنا لما له اقتدتْ من غيرِ تحرِيفٍ ولا تعطيلِ ... وغيرِ تمثيلٍ ولا تكييفِ مسألة: ما الدليل على أنه لا يتحققُ التوحيدُ إلا بنفي الشركِ والبراءةِ من أهله؟ (الدليلُ على نفي الشرك قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ فَمِنْهُم مّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُمْ مّنْ حَقّتْ عَلَيْهِ الضّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ) (النحل / ٣٦) وقوله تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) (النساء / ٣٦) والدليلُ على البراءةِ من أهلِ الشرك قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنّنِي بَرَآءٌ مّمّا تَعْبُدُونَ) (الزخرف / ٢٦) وقوله تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة / ٢٢) مسألة: ما هو فضل التوحيد؟ للتوحيدِ فضلٌ عظيمٌ وأجرٌ جسيم وهاك بعضَ فضائله: (١) أصحابُ التوحيدِ يفوزون بخيري الدنيا والآخرة
следующие страницы →