← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

(الاسم العاشر: مقعد الصدق قال تعالى: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مّقْتَدِرِ) [القمر ٥٤: ٥٥] فسمى جنته مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها كما يقال مودة صادقة إذا كانت ثابتة تامة وحلاوة صادقة وحملة صادقة ومنه الكلام الصدق لحصول مقصوده منه وموضع هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال ومنه الصدق في الحديث والصدق في العمل والصديق الذي يصدق قوله بالعمل والصدق بالفتح الصلب من الرماح ويقال للرجل الشجاع أنه لذو مصدق أي صادق الحملة وهذا مصداق هذا أي ما يصدقه ومنه الصداقة لصفاء المودة والمخالة ومنه صدقني القتال وصدقني المودة ومنه قدم صدق ولسان صدق ومدخل صدق ومخرج صدق وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه بخلاف الكذب الباطل الذي لا شيء تحته وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط وفسر قوم صدق بالجنة وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك والتحقيق أن الجميع حق فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله وأدخر لهم جزاءها يوم القيامة ولسان الصدق وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع وأنه إثناء بحق لا بباطل ومدخل الصدق ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله وهو دخوله وخروجه بالله ولله وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد فإنه لا يزال داخلا في أمر وخارجا من أمر فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق واخرج مخرج صدق والله المستعان. (عدد الجنات: عدد الجنات وأنها نوعان جنتان من ذهب وجنتان من فضة. الجنة اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدا كما كما في الحديث الآتي: (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: أصيب الحارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: (ويحك، أو هبلت، أو جنة واحدة هي، إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس). قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ) [الرحمن: ٤٦]

стр. 1682

وقد قال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فذكرهما ثم قال ومن دونهما جنتان فهذه أربع. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر، على وجهه في جنة عدن. وثبت في رواية حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد لا أعلمه إلا قد رفعه قال جنتان من ذهب للمقربين ومن دونهما جنتان من ورق لأصحاب اليمين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم ورجاله ثقات. (أبواب الجنة وخزنتها: هيا بنا نطرق أبواب الجنة لنسيح بفكرنا في ملكوت الله فيها وما أودع فيها من بديع الأسرار لعباده الأخيار. قال تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ) [ص:٥٠] وَهَذَا المآبُ الحَسَنُ هُوَ جَنّاَتُ اسْتِقْرَارٍ وَإِقَامَةٍ مُفَتَّحَةٌ أَبْوَابُهَا إِكْرَاماً لَهُمْ لِيَدْخُلُوهَا آمِنِينَ. وعن الحسن، وذكر أبواب الجنة، فقال: أبواب يُرى ظاهرها من باطنها، فَتكلم وتَكلم، فتهمهم انفتحي انغلقي، فتفعل. (١) قال تعالى: (وَسِيقَ الّذِينَ اتّقَوْاْ رَبّهُمْ إِلَى الّجَنّةِ زُمَراً حَتّىَ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: ٧٣] والخزنة جمع خازن ومثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه. (حديث أنس في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. (حديث سهل بن سعد الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها بابٌ يُسمى الريَّان لا يدخله إلا الصائمون)

стр. 1683

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟. قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم. وَقَوْله: (فِي سَبِيل اللَّه) قِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع وُجُوه الْخَيْر، وَقِيلَ: هُوَ مَخْصُوص بِالْجِهَادِ، وَالْأَوَّل أَصَحّ وَأَظْهَر. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي. قَوْله ﷺ : (نُودِيَ فِي الْجَنَّة: يَا عَبْد اللَّه هَذَا خَيْر) قِيلَ: مَعْنَاهُ: لَك هُنَا خَيْر وَثَوَاب وَغِبْطَة. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَذَا الْبَاب فِيمَا نَعْتَقِدهُ خَيْر لَك مِنْ غَيْره مِنَ الْأَبْوَاب لِكَثْرَةِ ثَوَابه وَنَعِيمه، فَتَعَالَ فَادْخُلْ مِنْهُ، وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ كُلّ مُنَادٍ يَعْتَقِد ذَلِكَ الْبَاب أَفْضَل مِنْ غَيْره. قَوْله ﷺ : (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصَّلَاة دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاة) وَذَكَرَ مِثْله فِي الصَّدَقَة وَالْجِهَاد وَالصِّيَام. قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ فِي عَمَله وَطَاعَته ذَلِكَ. قَوْله ﷺ فِي صَاحِب الصَّوْم: (دُعِيَ مِنْ بَاب الرَّيَّان) قَالَ الْعُلَمَاء: سُمِّيَ بَاب الرَّيَّان تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعَطْشَان بِالصَّوْمِ فِي الْهَوَاجِر سَيُرْوَى وَعَاقِبَتُهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّيِّ (١). (حديث عمر في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ما من أحدٍ يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.

стр. 1684

(حديث عمر صحيحي أبي داوود الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء. (حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: " فَأُقَعْقِعُهَا " أَيْ أُحَرِّكُهَا لِتُصَوِّتَ وَالْقَعْقَعَةُ حِكَايَةُ حَرَكَةِ الشَّيْءِ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ " [*] (أورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح عن خليد عن الحسن مفتحة أبوابها قال أبواب ترى وذكرا أيضا عن خليد عن قتادة قال أبواب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها تتكلم وتكلم وتفهم ما يقال لها انفتحي انغلقي. [*] (وأورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح عن الفزاري قال لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب فباب يدخل عليه منه زواره من الملائكة وباب يدخل عليه منه أزواجه من الحور العين وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟. قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم. (خزنة الجنة: خزنة: جمع خازن , كحفظة: جمع حافظ قال تعالى: (وَسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) ﴿الزمر ٧٣﴾

стр. 1685

وَيُوِجَّهُ المُتَّقُونَ إِلَى الجَنَّةِ جَمَاعَاتٍ إِثْرَ جَمَاعَاتٍ: المُقَرَّبُونَ، ثُمَّ الأَبْرَارُ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ. . فَإِذَا وَصَلُوا الجَنَّةَ تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا لاسْتِقْبَالِهِمْ، وَيَسْتَقْبِلُهُمْ حُرَّاسُهَا (خَزَنُتهَا) بالتَّحِيَةِ وَالسَّلاَمِ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: طَابَتْ أَعْمَالُكُمْ وَأَقْوَالُكُمْ، وَطَابَ سَعْيُكُمْ وَجَزَاؤُكُمْ، فَادْخُلُوا الجَنَّةَ لِتَمْكُثُوا فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً. وهذه الآية الكريمة تثبت وجود خزنة للجنة, وهم من الملائكة، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آتِى بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لاَ أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» (١). وهذا الحديث كما يثبت وجود خزنة للجنَّة, يثبت كذلك فضل النبي ﷺ وكرامته. (حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: ما من عبد مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده قلت وكيف ذلك قال إن كانت إبلا فبعيرين وإن كانت بقرا فبقرتين. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: قد سمى الله كبير هذه الخزنة رضوان وهو اسم مشتق من الرضا وسمى خازن النار مالكا وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه. (عدد أبواب الجنة: إنَّ جنة عالية غالية عظيمة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها وتدل على علو منزلتها وقدرها، وعدد أبوابها ثمانية: (حديث سهل بن سعد الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها بابٌ يُسمى الريَّان لا يدخله إلا الصائمون)

стр. 1686

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟. قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم. (حديث عمر في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ما من أحدٍ يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. (حديث عمر صحيحي أبي داوود الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء. (حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل. (سعة أبواب الجنة: إنَّ جنة عالية غالية عظيمة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها وتدل على علو منزلتها وقدرها، وعدد أبوابها ثمانية: (حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن ما بين مصراعين في الجنة لمسيرة أربعين سنة.

стр. 1687

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كنا مع النبي في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك يجمع لله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك لله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته

стр. 1688

وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده «إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وَبُصْرَى». [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (المصراعان) بكسر الميم جانبا الباب , (وهجر) بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين , قال الجوهري في صحاحه: (هجر) اسم بلد مذكر مصروف قال: والنسبة إليه (هاجري) , وقال أبو القاسم الزجاجي في الجمل: (هجر) يذكر ويؤنث قلت: وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث " إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر " تلك قرية من قرى المدينة كانت القلال تصنع بها وهي غير مصروفة , وقد أوضحتها في أول شرح المهذب. وأما (بُصْرَى) فبضم الباء وهي مدينة معروفة بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل , وهي مدينة حوران بينها وبين مكة شهر. (صفة أبواب الجنة وأنها ذات حلق: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: " فَأُقَعْقِعُهَا " أَيْ أُحَرِّكُهَا لِتُصَوِّتَ وَالْقَعْقَعَةُ حِكَايَةُ حَرَكَةِ الشَّيْءِ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ "

стр. 1689

[*] (أورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح عن خليد عن الحسن مفتحة أبوابها قال أبواب ترى وذكرا أيضا عن خليد عن قتادة قال أبواب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها تتكلم وتكلم وتفهم ما يقال لها انفتحي انغلقي. [*] (وأورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح عن الفزاري قال لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب فباب يدخل عليه منه زواره من الملائكة وباب يدخل عليه منه أزواجه من الحور العين وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء. (أول من يقرع باب الجنة: (حديث أنس في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. (أول من يدخلون الجنة وصفاتهم: - «أول الناس دخولاً الجنة هو النبي محمد ﷺ ثم أمته» (حديث أنس في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد. فهذه الأمة المحمدية أسبق الأمم خروجاً من الأرض, وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف, وأسبقهم إلى ظلّ العرش , وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم, وأسبقهم إلى جواز الصراط , وأسبقهم إلى دخول الجنة. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: فهذه الأمة أسبق الأمم خروجا من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم واسبقهم إلى الجوار على الصراط وأسبقهم إلى دخول الجنة فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته.

стр. 1690

(صفات أول من يدخلون الجنة: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء. ومعنى (رشحهم المسك) أي: عرقهم كالمسك في طيب رائحته, و (المجامر): جمع [مِجْمَر] و [مُجْمَر] ,والأول: هو الذي يوضع فيه النار للبخور, والثاني: هوالذي يُتبخر به وأُعدّ له الجمر. ومعنى (الألوة):العود الهندي الذي يُتبخر به, وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: الألنجوج هو العود الذي يُتبخر به, ولفظ (الألنجوج) هنا تفسير (الألوة) , و (العود) تفسير التفسير وقوله (ستون ذراعًا في السماء) أي: في العلو والارتفاع" (١) وَقَدْ يُقَال إِنَّ رَائِحَة الْعُود إِنَّمَا تَفُوح بِوَضْعِهِ فِي النَّار وَالْجَنَّة لَا نَار فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث الْمَذْكُور: يُنْظَر هَلْ فِي الْجَنَّة نَار؟ وَيُجَاب بِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْتَعِل بِغَيْرِ نَار بَلْ بِقَوْلِهِ: كُنْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مِجْمَرَة بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الْأَصْل، وَيُحْتَمَل أَنْ يَشْتَعِل بِنَارٍ لَا ضَرَر فِيهَا وَلَا إِحْرَاق، أَوْ يَفُوح بِغَيْرِ اِشْتِعَال وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَدْ يُقَال أَيّ حَاجَة لَهُمْ إِلَى الْمُشْط وَهُمْ مُرْد وَشُعُورهمْ لَا تَتَّسِخ؟ وَأَيّ حَاجَة لَهُمْ إِلَى الْبَخُور وَرِيحهمْ أَطْيَب مِنْ الْمِسْك؟

стр. 1691

قَالَ: وَيُجَاب بِأَنَّ نَعِيم أَهْل الْجَنَّة مِنْ أَكْل وَشُرْب وَكِسْوَة وَطِيب وَلَيْسَ عَنْ أَلَم جُوع أَوْ ظَمَأ أَوْ عُرْي أَوْ نَتْن، وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّات مُتَتَالِيَة وَنِعَم مُتَوَالِيَة، وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنَعَّمُونَ بِنَوْعِ مَا كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ تَنَعُّم أَهْل الْجَنَّة عَلَى هَيْئَة تَنَعُّم أَهْل الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَيْنهمَا مِنَ التَّفَاضُل فِي اللَّذَّة، وَدَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى أَنَّ نَعِيمهمْ لَا اِنْقِطَاع لَهُ (١). (حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله قالوا الله ورسوله أعلم قال الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فيقول الله لمن يشاء من ملائكته ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم قال إنهم كانوا عبادا يعبدوني ولا يشركون بي شيئا وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء قال فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. (سبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمس مائة عام. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: قَوْلُهُ: (وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ) فَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا. مسألة: كيف نجمع بين الحديثين السابقين فأحدهما يقول «بنصف يوم وهو خمس مائة عام» والآخر «بأربعين خريفا» [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح تعليقاً على حديث «بأربعين خريفا»

стр. 1692

فإما أن يكون هو المحفوظ وإما أن يكون كلاهما محفوظا وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم من يسبق بأربعين ومنهم من يسبق بخمسمائة كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب أحوالهم والله أعلم، ولكن هنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول والدليل على هذا أن من الأمة من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفا وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم والغني إذا حوسب على غناه فَوُجِد قد شكر الله تعالى فيه وتقرب إليه بأنواع البر والخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم يكن له تلك الأعمال ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها والله لا يضيع أجر من أحسن عملا فالمزية مزيتان مزية سبق ومزية رفعة وقد يجتمعان وينفردان فيحصل الواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر ويحصل لآخر السبق دون الرفعة ولآخر الرفعة دون السبق وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه وبالله التوفيق. (أصناف أهل الجنة وأوصافهم: (أصناف أهل الجنة: أهل الجنة أربعة أصناف ذكرهم الله في قوله قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُوْلََئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً) [النساء: ٦٩] فنسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه. (أوصاف أهل الجنة: إن الذي يمعن النظر في «الوحيين الشريفين» الكتاب والسنة الصحيحة يجد أنهما طافحان بأوصاف أهل الجنة منها ما يلي: (أولاً أوصاف أهل الجنة في القرآن الكريم:

стр. 1693

قال تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ * وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلََئِكَ جَزَآؤُهُمْ مّغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران ١٣٣: ١٣٦] فأخبر سبحانه أنه أعد الجنة للمتقين دون غيرهم ثم ذكر أوصاف المتقين فذكر بذلهم للإحسان في حالة العسر واليسر والشدة والرخاء فإن من الناس من يبذل في حال اليسر والرخاء ولا يبذل في حال العسر والشدة ثم ذكر كف أذاهم عن الناس بحبس الغيظ بالكظم وحبس الانتقام بالعفو، ثم ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم وأنها إذا صارت منهم قابلوها بذكر الله والتوبة والاستغفار وترك الإضرار فهذا حالهم مع الله وذاك حالهم مع خلقه. وقال تعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ١٠٠] فأخبر تعالى أنه أعدها للمهاجرين والأنصار وأتباعهم بإحسان فلا مطمع لمن خرج عن طريقتهم فيها. وقال تعالى قال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال ٢: ٤] فوصفهم بإقامة حقه باطنا وظاهرا وبأداء حق عباده. (ثانياً أوصاف أهل الجنة في السنة الصحيحة:

стр. 1694

(حديث عمر بن الخطاب ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ فقالوا فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ثم قال رسول الله ﷺ يا بن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون قال فخرجت فناديت ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة و إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. (حديث عياض بن حمار ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال. (حديث حارثة بن وهب ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ جعظري مستكبر. (حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون. (حديث أنس ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله ، ونساؤكم من أهل الجنة: الودود الولود العؤود على زوجها؛ التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذق غمضا حتى ترضى. (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ : (وجبت). ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: (وجبت) فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض).

стр. 1695

(حديث أبي زهير الثقفي ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار قالوا بم ذاك يا رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله بعضكم على بعض. (أكثر أهل الجنة هم أمة محمد ﷺ : (حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى وما هم بسكرى، ولكنَّ عذاب الله شديد). فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ قال: (أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجلاً، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة). قال: فحمدنا الله وكبَّرنا، ثم قال: (والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرُقْمة في ذراع الحمار). (حديث بريدة بن الحصيب ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: قَوْلُهُ: (أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ) أَيْ قَدْرُهَا أَوْ صُوِّرُوا صُفُوفًا. (ثَمَانُونَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ. (مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ كَائِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (وَأَرْبَعُونَ) أَيْ صَفًّا. (مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ) وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ تَكْثِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّهُمْ ثُلُثَانِ فِي الْقِسْمَةِ.

стр. 1696

قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ ﷺ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ ﷺ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عدة أمة الإسلام﴾ (١)، قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَانُونَ صَفًّا مُسَاوِيًا فِي الْعَدَدِ لِلْأَرْبَعَيْنِ صَفًّا، وَأَنْ يَكُونُوا كَمَا زَادَ عَلَى الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ كَرَامَةً لَهُ ﷺ . وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ ﵀ فِي اللُّمَعَاتِ: لَا يُنَافِي هَذَا قَوْلُهُ ﷺ ﴿أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ﴾ (٢) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجَاؤُهُ ﷺ ذَلِكَ ثُمَّ زِيدَ وَبُشِّرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَانُونَ صَفًّا مُسَاوِيًا لِأَرْبَعَيْنِ صَفًّا فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ (أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ) أَنْ يَكُونَ الصُّفُوفُ مُتَسَاوِيَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: لا تنافي بينها وبين حديث الشطر لأنه رجا أولا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله سبحانه رجاءه وزاد عليه سدسا أخر. (النساء في الجنة أكثر من الرجال وكذلك هم في النار:

стр. 1697

ثبت في الصحيحين من حديث أيوب بن محمد بن سيرين قال أما تفاخروا وأما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة الرجال أم النساء فقال أبو هريرة ألم يقل أبو القاسم أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة عزب فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال وإن كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر والظاهر أنهن من الحور العين. مسألة: كيف نجمع بين هذا الحديث وبين الحديثين الآتيين: (حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر فمرَّ على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للبَّ الرجل الحازم من إحداكن قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال أليس شهادةُ المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن بلى. قال فذلك نقصان من عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟ قلن بلى. قال فذلك من نقصان دينها. (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. الجواب: أن نساء الدنيا أكثر أهل النار و أقل أهل الجنة لقوله ﷺ «فإني أريتكن أكثر أهل النار» وقوله «واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» والنساء في الجنة أكثر بالحور العين التي خلقن في الجنة. بدلالة الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا. (من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب:

стр. 1698

(حديثُ ابن عباس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: عُرِضت عليَّ الأمم فجعل يمرُ النبي معه الرجل والنبيُ معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فرجوتُ أن تكون أمتي فقِيل هذا موسى وقومه، ثم قِيل ليَ انظر هكذا وهكذا فرأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فقِيل هؤلاء أمتُك ومع هؤلاءِ سبعون ألفاً يدخلون الجنةَ بغيرِ حساب فتفرَّقَ الناسُ ولم يبينْ لهم، فتذاكرَ أصحابُ النبيِ ﷺ فقالوا نحن وُلدنا في الشرك ولكن هؤلاء أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال ﴿هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون﴾ فقام عُكَّاشةُ ابن مِحصن فقال: أمنهم أنا يا رسولَ الله؟ قال: أنت منهم، فقام آخر فقال أمنهم أنا؟ قال: سبقك بها عُكَّاشة. (حديث أَبَي أُمَامَةَ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «وعدني رَبِّىأَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِى سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ ربيِ». مسألة: هل كل من حقَّق التوحيد يدْخُل الجنة بغيرِ حساب؟ (المسألةُ على التفصيلِ الآتي: (١) من حقَّق التوحيدِ واتصف بالصفاتِ الأربعةِ التي ذكرها النبي ﷺ بكونهم لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، فهؤلاء يدخلون الجنةَ بغيرِ حساب (حديثُ ابن عباس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: عُرِضت عليَّ الأمم فجعل يمرُ النبي معه الرجل والنبيُ معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فرجوتُ أن تكون أمتي فقِيل هذا موسى وقومه، ثم قِيل ليَ انظر هكذا وهكذا فرأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فقِيل هؤلاء أمتُك ومع هؤلاءِ سبعون ألفاً يدخلون الجنةَ بغيرِ حساب فتفرَّقَ الناسُ ولم يبينْ لهم، فتذاكرَ أصحابُ النبيِ ﷺ فقالوا نحن وُلدنا في الشرك ولكن هؤلاء أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال ﴿هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون﴾ فقام عُكَّاشةُ ابن مِحصن فقال: أمنهم أنا يا رسولَ الله؟ قال: أنت منهم، فقام آخر فقال أمنهم أنا؟ قال: سبقك بها عُكَّاشة.

стр. 1699

(٢) من حقَّقَ التوحيدِ الخالص ولكن نقصه بعض الصفاتِ الأربع كمن يسترقي أو يكتوي فهذا لا يدخلُ الجنةَ بغيرِ حساب ولكنه يدخلُ الجنةَ دون أن تمسَّه النار فقد حرَّمه الله تعالى على النار (حديثُ أنس في الصحيحين) أن رسولَ الله ﷺ ومعاذَ رَدِيفُه على الرحل قال يا مُعاذ، قال لبيك يا رسولَ الله وسعديك. قال يا مُعاذ، قال لبيك يا رسولَ الله وسعديك ثلاثاً، قال: ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله صِدقاً من قلبه إلا حرَّمه الله على النار، فقلتُ يا رسولَ الله أفلا أُخْبر به الناسَ فيستبشرون؟ قال: إذاً يتكلوا. وأخبربها معاذ عند موته تأثماً. (٣) من حقَّق التوحيدَ ولكن له معاصي أوبقتْه فهذا لايُخَلدُ في النار ولكنه تحت مشيئةِ الإله النافذة إن شاء عفا عنه وإن شاء آخذه ولكنه يدخلُ الجنةَ يوماً من الأيام أصابه قبل ذلك اليوم ما أصابه. (حديثُ أبي ذرٍ في الصحيحين) قال أتيتُ النبيَ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنةَ، قلتُ وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلتُ وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلتُ وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رَغمِ أنفِ أبي ذر. (حديثُ أنس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يخرجُ من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزنُ شُعَيْرَةٍ من خير، ويخرجُ من النارِ من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزنُ بُرَةٍ من خير ويخرجُ من النارِ من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرةٍ من خير. (حديثُ أبي سعيدٍ في صحيحِ الترمذي) أن النبي ﷺ قال يخرجُ من النارِ من كان في قلبه مِثقالُ ذرةٍ من إيمان. (مسألة: ما هو التطيرُ وما حكمه؟ التطيرُ هو التشاؤم بمسموعٍ أو مرئيٍ أو معلوم، وسُمِّىَ بالتطير لأن غالبَ التشاؤم عند العرب كان بالطير، كانوا يزجرون الطير فإذا ذهب يميناً يتفاءلون وإذا ذهب يساراً يتشاءمون. (حكمُ التطير: التطيرُ محرَّمٌ شرعاً (حديثُ أبي هريرةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا طِيَرَة ولا هامةُ ولا صفر وفرَّ من المجذومِ فرارك من الأسد. مسألة: هل التطيرُ يُنافي التوحيد؟ (التطيرُ ينافي التوحيدَ من وجهين:

стр. 1700

(١) التطيرُ يقطعُ التوكلَ على الله الذي هو نصفُ الدين، قال الله تعالى (إياك نعبدُ وإياك نستعين) والاستعانة في الحقيقة ما هي إلا ثمرةُ التوكل. (٢) أن المتطيرَ تعلقَ بشئٍ لاحقيقةَ له، واعتقد أن الطِيَرَةَ تملكُ الضرَ والنفع وهذا شرك والعياذُ بالله. (حديثُ ابن مسعود في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال الطِيَرَة شرك – ثلاثاً – وما منا إلا ٠٠٠ ولكن يُذْهبه الله بالتوكل. (حديثُ عبد الله ابن عمرو في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال من ردَّتْه الطِيَرَةُ عن حاجته فقد أشرك. قلتُ فما كفارةُ ذلك؟ قال: أن تقول اللهم لاخيرَ إلا خيْرُك ولا طَيرَ إلا طَيْرُك ولا إله غيرُك. مسألة: ما معنى لا يكتوون وهل الكي جائز؟ (معنى لا يكتوون: أي لا يطلبون من يكويهم حكم الكي: جائز مع الكراهة لأن فيه تعذيبٌ للنفس (حديثُ أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن كان في شئٌ من أدويتكم شفاءٌ ففي شرْطةِ مِحْجَم أو شرْبةِ عسل أو لذعةِ نارٍ توافقُ الداء، وما أحبُ أن أكتوي. (حديثُ ابن عباس في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: الشفاء في ثلاث: شربةُ عسل أو شرطةُ مِحْجَم أو كيةُ نار وأنهى أمتي عن الكي. مسألة: هل من يكتوي ينافي تحقيق التوحيد؟ من يكتوي لا ينافي تحقيق التوحيد إلا أن تركه أفضل حتى يكون متعلقاً بالله وحده لا سواه. مسألة: ما معنى ولا يسترقون، وهل الإ سترقاء جائز؟ (معنى لا يسترقون: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيَهم حكم الإسترقاء: الإسترقاءُ جائزٌ ما دامت الرقيةُ شرعية إلا أن تركه أفضل لكمالِ التعلقِ بالله وحده، (والدليلُ على جواز الرقيةِ ما يلي: (حديثُ عائشةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ أمر أن يُسترقَى من العين. (حديثُ أمِ سلمةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعَةً فقال: استرقوا لها فإن بها النظرة. (حديثُ عائشةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ كان إذا أتى مريضاً أو أُتِيَ بهِ إليهِ قال: أذهب البأسَ ربِ الناس، اشفِ أنتَ الشافي لا شفاءَ إلا شفاءك، شفاءاً لا يغادرُ سَقَما. (حديثُ عائشةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ رخَّصَّ في الرقيةِ من كلِ ذِي حُمَة) ﴿تنبيه﴾: (ذي حُمًة: أي ذوات السموم

стр. 1701

(حديثُ أبي سعيدٍ في صحيح مسلم) أن جبريلَ ﵇ أتى النبي ﷺ فقال يا محمدُ اشتكيت؟ قال نعم. قال بسم الله أرقيكَ من كُلِ شئٍ يُؤذيك ومن شرِ كُلِ نفسٍ أو عين حاسدٍ الله يشفيْك بسم الله أرقيك. (حديثُ عائشةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ كان يقولُ للمريض: بسمِ اللهِ تُرْبَةُ أرضنا بِرِيقةِ بَعْضنا يُشْفَى سَقِيمُنا بإذن ربنا. (مسألة: هل الإسترقاء يُنافي التوحيد؟ الإسترقاء لا يُنافي التوحيد إلا أن تركه أفضل لكمالِ التعلقِ بالله وحده. مسألة: ما معنى التوكل؟ (التوكلُ هو: صدقُ الاعتماد على الله تعالى في جلب النفعِ أو دفع الضُرِ، وذلك بالأخذِ بالأسبابِ المشروعة دون التعلقِ بها ثم الرضا بالمقضي. ﴿تنبيه﴾: (لا يتمُ التوكلُ إلا بشيئين أساسيين: (١) قبل التفويضُ حدوثِ المقضي: فبعد أن يصدُق الإنسان في اعتماده على الله يُفَوِّضُ أمره إلى الله تعالى بمعنى أنه يُلقي أمره إلى الله يُصَرِّفْه كيف يشاء. (٢) حدوث المقضي: الرضا بعد فمن لم يرضى بالمقضي فتوكله فاسد، ولذا يحسن بالإنسان أن يقول بعد تحقيقِ أسبابِ التوكل [اللهم إنا فوضنا أمرنا إليك راضِين بما قضيت فاقدر لنا الخيرَ حيث كان] ﴿تنبيه﴾: (من لم يأخذ بالأسبابِ المشروعةِ فتوكله فاسد، فمثلاً لو أن إنسان زعم أنه صدق في اعتماده على الله تعالى في حصولِ الولد ولكنه لم يتزوج فهل يُعَدُ هذا متوكلاً على الله؟ بالطبع لا، ليس هذا توكلاً إنما هذا سفهٌ وحماقة. ولعل أوضح حديثٍ يبين ُ التوكلَ بشقَيْه قبل حدوث المقضي وبعده هو حديث الاستخارة. (حديثُ جابر في صحيح البخاري) قال كان رسولُ الله يُعلمُنا الاستخارة في الأمورِ كلها كالسورةِ من القرآن، إذا همَّ أحدكم بالأمرِ فليركع ركعتين من غيرِ الفريضةِ ثم يقول: اللهم إني أستخِيرُك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدرُ ولا أقدرُ وتعلمُ ولا أعلمُ وأنت علاَّمُ الغيوب، اللهم إن كنت تعلمُ أن هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري _ أو قال عاجل أمري وآجله _ فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمرَ شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري فاصرفْه عني واصرفني عنه ثم ارضِني به، ويُسَمِّي حاجته. (ذكر حثيات الرب ﵎ الذين يدخلهم الجنة:

стр. 1702

(حديث أَبَي أُمَامَةَ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «وعدني رَبِّى أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ ربيِ». مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً: أي الذين لا يحاسبون من أمته ـ مع كل ألف منهم سبعون ألفاً ـ. كم سيكون المجموع؟ أربعة ملايين وتسعمائة ألف غير الحثيات. وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ ربيِ: ذهب أهل العلم إلى أن الحثية من الله تعالى أكثر عددا من السبعين ألفا ومع كل واحد سبعين ألفا، وهذا من عظيم رحمة الله تعالى وفضله ومنِّه وكرمه، فهؤلاء من يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. مسألة: ما حكم أن يحثو الإنسان بيده وهو يذكر ذلك الحديث؟ الجواب: أن ذلك يتوقف والله أعلم على حال من يخاطبهم الإنسان، فإن خشي عليهم أن يقع في قلوبهم شيء من تشبيه الله بخلقه ـ والعياذ بالله ـ فإنه لا يفعل ذلك، أما إن لم يخش منهم ذلك وأراد أن يبين لهم معنى الحثية فحثا بيده لكي يعلموها فلا بأس إن شاء الله، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه ﷺ قال: يأخذ الله سماواته وأرضه بيديه فيقول أنا الله، أنا الملك أنا الملك) وأنه ﷺ كان يقبض أصابعه ويبسطها وهو يروي قول ربه ، وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة قال: (رأيت رسول الله قرأ هذه الآية إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... إلى قوله سميعاً بصيراً)، قال رأيت رسول الله يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينيه).

стр. 1703

ولم يكن «ولم يكن ذلك منه ﷺ تشبيهاً ولا تمثيلاً»،وإنما هو زيادة بيان وإيضاح، لعلمه ﷺ أن أصحابه لا يفهمون من فعله أن قبض الله تعالى السموات والأرض كقبض الإنسان للأشياء بيده، ولا أن سمع الله تعالى وبصره كسمعنا وبصرنا، أما إن كان فعل ذلك يترتب عليه فهم خاطيء لصفات المولى فإن علينا أن لا نفعل ذلك، وبنحو ما قلناه قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه على كتاب التوحيد المسمى بالمجموع المفيد حيث ذكر أن ذلك يختلف بحسب ما يترتب عليه فإن كان السامع لن يتقبل ذهنه ذلك إلا بأن يشعر بالتمثيل فينبغي أن نكف عن تلك الإشارة أمامه، لأن تلك الإشارة ليست بواجبة حتى نقول إنه يجب علينا أن نبلغ كما بلغ الرسول بالقول والفعل، أما إذا كنا نتكلم مع طلبة علم أو مع إنسان مكابر ينفي هذا ويريد أن يحول المعنى إلى غير الحقيقة فحينئذ نفعل كما فعل الرسول ﷺ . هذا والله تعالى أعلم. (عرض الجنة: قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾] البقرة:٢٥٥ [فنؤمن أن هناك خلقاً اسمه الكرسى, وليس بالطبع كرسياً نجلس عليه, ولكنه خلق أخبرنا به, كما أن هناك خلقاً آخر اسمه العرش, يقول الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] (حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال:» أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش, أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام». (حديث أبى ذر الغفاري ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكرسي فقال ﷺ :» والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، «كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض»، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفجَّر أنهار الجنة. (أخي الحبيب:

стр. 1704

أما آن لنا أن نتخيل الآتي بناءً على ما سبق: الكرة الأرضية التي هي الدنيا التي نعيش فيها, الشمس أكبر منها مليون وثلاثمائة ألف مرة, فأصبحت الدنيا صغيرة جداً بالنسبة للشمس تبعد عن الأرض بمائة وخمسين ألف مليون كيلو متر, ثم إن الشمس يوجد مثلها وأكبر منها فى مجرة دَرْب التبانة عدد مائة مليار نجم, وأن هذا العدد يتوزع فى فراغ ما بين كل نجم وآخر أربع سنوات ضوئية, السنة الضوئية مسافة ٩.٤٦ بليون كيلو متر, ثم تخيّل معى قطر مجرة درب التبانة مائة ألف سنة ضوئية, وأن سمكها يبلغ ألفين سنة ضوئية, فكم تكون المساحة التى تشغلها مجرة درب التبانة؟! ثم اسرح بخيالك معى إلى تخيّل الكون الذى علمه البشر أن فيه مائة بليون مجرة, ما بين كل مجرة وأخرى خمسة ملايين سنة ضوئية. وهل بذلك بلغوا السماء الدنيا أوهذا هو السماوات السبع؟ افترض أن ذلك هو السماوات والأرضين السبع, فأين الكرة الأرضية التى هى الدنيا؟؟؟ ثم افترض أن الكون المعلوم لنا هو السماوات السبع والأرضين السبع, وتخيّل الكرسي الذي وسع السماوات والأرض, وأنه بناء على الحديث النبوي تكون السماوات السبع بداخله مثل سبع دراهم ألقيت فى صحراء واسعة, فكم كون السماوات السبع بداخله مثل سبع دراهم ألقيت فى صحراء واسعة, حجم الكرسي؟؟؟ , ثم تخيّل العرش الذى يكون الكرسي بداخله كحلقة ـ خاتم أو أسورة ـ أُلقيت فى الصحراء, فكم تتخيّل حجم هذا الخلق الذي هو العرش؟؟؟ فأين الكرة الأرضية التي هي الدنيا؟؟؟ ثم تخيّل الفردوس الأعلى الذي سقفه عرش الرحمن, فكم تكون سعة الجنة؟؟؟ , فأين الكرة الأرضية التي هي الدنيا من الجنة؟؟ ولك الآن أن تدرك أن «الجنة فوق ما يخطر ببال أويدور في الخيال»، فهل أعددت لها صالح الأعمال قبل طي الآجال. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: قال الله ﵎: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مّآ أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرّةِ أَعْيُنٍ). (ذكر بناء الجنة وملاطها وحصباؤها و تربتها:

стр. 1705

توجد على وجه هذه البسيطة أبنية فخمة وقصور مشيدة ومساكن وغرف .. لكنها مهما علا قدرها وجمالها ومهما تطاول بنيانها وعلوها .. لا تشبه ما في الجنة من مساكن وبنايات إلا في الاسم فقط، ففي الجنة من سحر المساكن وجمال القصور وتعالي الغرف وتلألؤ الخيام, ما تقر به العين وتسكن إليه النفس وكيف لا وخيامها من لؤلؤ, وقصورها من ذهب وفيها من فاخر الأثاث وكواعب النساء وطيب الشراب ولذيذ الطعام مالا يخطر ببال أو يدور في الخيال، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الجنة بناؤها لبنة من فضة و لبنة من ذهب ومِلاطُها المسك الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللؤلؤ والياقوت و تربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم و لا يفنى شبابهم. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (الجنة بناؤها لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أَيْ بِنَاؤُهَا مُرَصَّعٌ مِنْهُمَا (وَمِلَاطُهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مَا بَيْنَ اللَّبِنَتَيْنِ مَوْضِعُ النُّورَةِ، فِي النِّهَايَةِ: الْمِلَاطُ الطِّينُ الَّذِي يُجْعَلُ بَيْنَ سَاقَتَيِ الْبِنَاءِ يُمَلَّطُ بِهِ الْحَائِطُ أَيْ يُخْلَطُ. (الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ) أَيِ الشَّدِيدُ الرِّيحِ. (وَحَصْبَاؤُهَا) أَيْ حَصْبَاؤُهَا الصِّغَارُ الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ قَالَهُ الْقَارِي. وَقَالَ صَاحِبُ أَشِعَّةِ الجزء السابع اللُّمَعَاتِ: أَيْ حَصْبَاؤُهَا الَّتِي فِي الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الْعُمُومُ (اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ) أَيْ مِثْلُهَا فِي اللَّوْنِ وَالصَّفَاءِ (وَتُرْبَتُهَا) أَيْ مَكَانَ تُرَابِهَا (الزَّعْفَرَانُ) أَيِ النَّاعِمُ الْأَصْفَرُ الطَّيِّبُ الرِّيحِ فَجَمَعَ بَيْنَ أَلْوَانِ الزِّينَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَيَتَكَمَّلُ بِالْأَشْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ بِالْخُضْرَةِ. وَلَمَّا كَانَ السَّوَادُ يَغُمُّ الْفُؤَادَ خُصَّ بِأَهْلِ النَّارِ.

стр. 1706

(مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ) بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا فِي الْقَامُوسِ: الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ بَؤُسَ كَكَرُمَ بَأْسًا وَبَئِسَ كَسَمِعَ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ (يَخْلُدُ) أَيْ يَدُومُ فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا (ولَا يَمُوتُ) أَيْ لَا يَفْنَى بَلْ دَائِمًا يَبْقَى (َلَا تَبْلَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ أَيْ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ (ثِيَابُهُمْ) وَكَذَا أَثَاثُهُمْ (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أَيْ لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يُخَرِّفُونَ وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ. مسألة: ما هي تربة الجنة؟ (تربة الجنة: المسك والزعفران والدرمكة البيضاء (الدقيق الحواري الخالص البياض). وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الجنة بناؤها لبنة من فضة و لبنة من ذهب ومِلاطُها المسك الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللؤلؤ والياقوت و تربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم و لا يفنى شبابهم. (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال لابن صياد: " ما تربة الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم, قال: صدقت". (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن بن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة فقال درمكة بيضاء مسك خالص، وثبت في السنة الصحيحة أن تربتها الزعفران كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الجنة بناؤها لبنة من فضة و لبنة من ذهب ومِلاطُها المسك الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللؤلؤ والياقوت و تربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم و لا يفنى شبابهم. (أخي الحبيب:

стр. 1707

إن كنت المحب لهذا العيش الرغيد ولتلك المساكن الطيبة, فاصبر نفسك على طاعة الله, واجتناب محارمه وأداء الصلوات والصيام والقيام في الظلمات .. (ولله درُ من قال: فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويدرك غب السير من هو صابر (غُرف الجنة وقصورها: وأما غرف الجنة فلا تسل عن قوة بنائها وإحكام أركانها وبهاء منظرها وتلألؤ مظهرها. قال تعالى: (لََكِنِ الّذِينَ اتّقَواْ رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ) [الزمر: ٢٠] فأخبر أنها «غرف فوق غرف وأنها مبنية بناء حقيقة» لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنها ينظر إليها عيانا ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها. وقال تعالى: (أُوْلََئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ) [الفرقان: ٧٥] والغرفة: جنس كالجنة وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فَبُدِّلُوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم. وقال تعالى: (وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلََئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ: ٣٧] وقال تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [الصف: ١٢] وقال تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت (رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ) [التحريم: ١١]

стр. 1708

﴿تنبيه﴾: (المساكن الطيبة فى جنات عدن ليست للوقاية من الحرّ أو البرد, وليست ليرتاح أهلها فيها, وليست للحفظ والستر, فإن الجنة لا حرَّ ولا برد فيها, ولا تعب ولا انكشاف فيها, إنها مساكن طيبة كما أخبر الله تعالى, جُعلت للبهجة والسرور, والاستمتاع والحبور, تتغيّر فيها الألوان فى كل آن, وتبسط فيها الوسائد والزرابى تكريماً وإحساناً, ويأنس فيها ولىّ الله بالأهل والوالدان, وتمدّ فيها الموائد فى كل الأركان ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ المساكن الطيبة فى جنات عدن ليست للوقاية من الحرّ أو البرد, وليست ليرتاح أهلها فيها, وليست للحفظ والستر, فإن الجنة لا حرَّ ولا برد فيها, ولا تعب ولا انكشاف فيها, إنها مساكن طيبة كما أخبر الله تعالى, جُعلت للبهجة والسرور, والاستمتاع والحبور, تتغيّر فيها الألوان فى كل آن, وتبسط فيها الوسائد والزرابى تكريماً وإحساناً, ويأنس فيها ولىّ الله بالأهل والوالدان, وتمدّ فيها الموائد فى كل الأركان ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.]﴾ الرحمن:٧٨ [ (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: (بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. والغابر: هو الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكواكب المسامت للرأس وهو أعلى فائدتان هما: أحدهما بعده عن العيون. والثانية أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى. (حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة لغرفا «يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها» فقام إليه أعرابي فقال لمن هي يا رسول الله قال هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام.

стр. 1709

فتأمل أخي الكريم: في مكان هذه الغرف .. إنها كالكواكب في علوها وتلألئها .. وانسيابها في الفضاء, نعم إنها عالية شامخة .. أعدها الله للمؤمنين لما استعلوا عن الكفر والفجور والفسق .. لما خضعوا لله في الدنيا بفعل الأوامر وترك النواهي, رفع الله قدرهم وأسكنهم في تلك الغرف المتعالية. واقرأ إن شئت ـ أخي الكريم ـ قول الله جل وعلا: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾ [الزمر٢٠] (أخي الحبيب: يا عبد الله فإن سلعة الله غالية, إن ثمنها تقوى الله وطاعته, وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه، واستبق هذا الخير العظيم, وهذا النعيم المقيم, فإنه لحمق وغرور, أن يستبدل المرء هذه الدنيا وهذا الخراب! بما عند الله من بديع الغرف الآمنة الهنيئة قال تعالى: ﴿فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون﴾ [سبأ٣٧] ﴿تنبيه﴾: (لا تَنْس أن قوانين الجنة لا تقاس على قوانين وسنن الدنيا, فالرؤية فى الجنة لا حدود لها, فولىّ الله يرى ما أمامه وما خلفه, ولا يغيب عنه من نعيمه شئ فى أى لحظه» يرى ظاهره من باطنه وباطنه من ظاهره» ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ]﴾ الواقعه: ٣٣ [فلا النعيم مقطوع ولا القدرة على التنعّم ممتنعة» يعطى للمؤمن من القوة ما يأتى على ذلك كله فى غداة واحدة». (حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب. [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وقوله ببيت من قصب قال جمهور العلماء: المراد به قصب اللؤلؤ المجوف كالقصر المنيف، وقيل قصب من ذهب منظوم بالجوهر، قال أهل اللغة: القصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف، قالوا: ويقال لكل مجوف قصب، وقد جاء في الحديث مفسراً ببيت من لؤلؤة محياة وفسروه بمجوفة، قال الخطابي وغيره: المراد بالبيت هنا القصر، وأما الصخب فبفتح الصاد والخاء وهو الصوت المختلط المرتفع، والنصب المشقة والتعب ويقال فيه نصب بضم النون وإسكان الصاد وبفتحهما لغتان حكاهما القاضي وغيره كالحزن والحزن والفتح أشهر وأفصح وبه جاء القرآن، وقد نصب الرجل بفتح النون وكسر الصاد إذا أعيا. (حديث عثمان ابن عفان الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة.

стр. 1710

(حديث أم حبيبة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة. (حديث عائشة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة أربع ركعات قبل الظهر و ركعتين بعده و ركعتين بعد المغرب و ركعتين بعد العشاء و ركعتين قبل الفجر. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. (خيام الجنة: والجنة مساكن تتلألأ .. فكما أن غرفها كالكواكب الغائرة, فكذلك خيامها لآلئ مجوفة، كما في الحديث الآتي: (حديث أبي موسى ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا. (أخي الحبيب: تأمل بعين البصيرة وانظر كيف سيكون إعجابك بها حين تدخلها .. وكيف تكون نشوتك وسعادتك وأنت ساكنها وحولك الحور العين تستأنس بهن وتسمع غناءهن ولحنهن الأخاذ .. وتنبه ـ أخي الحبيب ـ إلى أن ثمن دخولك هو الإيمان الذي يستلزم الانقياد لله سبحانه بفعل الخيرات وترك المنكرات والعبودية لله وحده, واعلم ـ أخي الحبيب ـ أن المؤمن لما زهد في الدنيا بقلبه, ولم يزين له حب الشهوات من ذهب وفضة, أثابه الله على ذلك الورع و الزهد بأن أسكنه جنته. (قصور الجنة: أما قصور الجنة فهي من ذهب ولؤلؤ وزبرجد وفضة .. فلا يعلم حسنها وبهاءها إلا الذي خلقها وبناها . (حديث جابر ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب، إلا ما أعلم من غيرتك). قال: وعليك أغار يا رسول الله؟ (أخي الحبيب: بادر بالطاعات قبل فوات الأوان .. واطمع فيما عند الله من جنات ونعيم .. فإنما الدنيا لحظات وثواني .. وإنما أنت عابر سبيل. (معرفة أهل الجنة لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

стр. 1711

قال تعالى: (وَالّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَن يُضِلّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنّةَ عَرّفَهَا لَهُمْ) [محمد ٤: ٦] قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم. وقال محمد بن كعب يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة هذا قول جمهور المفسرين. (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا. (كيفية دخول أهل الجنة الجنة: (حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف، متما سكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر. إذاً فالدخول جماعي، في صفوف كأنهم زحف مقدس فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥] يدخلون على منازل أولهم على صورة القمر ليلة أربع عشر، ثم على صورة الكواكب الدرية، ثم بعدها في البياض، هكذا تدريجياًَ كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء. (سوق الجنة و ما اعد الله تعالى فيه لأهلها:

стр. 1712

(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا. (حديث أنس ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ سُوقًا يَأْتُونَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ فِيهِ كُثْبَانُ الْمِسْكِ، فَتَهِيجُ رِيحُ شَمَالٍ فَتَحْثِي أَوْ فَتَسْفِي فِي وُجُوهِهِمُ الْمِسْكَ، فَيَأْتُونَ أَهْلِيهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ زَادَكُمُ اللَّهُ بَعْدَنَا أَوِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ قَدْ زَادَكُمُ اللَّهُ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً. (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة لسوقا كثبان مسك يخرجون إليها ويجتمعون إليها فيبعث الله ريحا فيدخلها بيوتهم فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم قد ازددتم حسنا بعدنا فيقولون لأهليهم قد ازددتم أيضا حسنا بعدنا. (صفة أهل الجنة في خَلْقِهِم وَخُلُقِهم: (أولاً صفة أهل الجنة في خَلْقِهِم: يدخل أهل الجنةِ الجنة، جُرْدَاً مُرْدَاً مُكَحَلِّين، أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين، عليهم التيجان، وإن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، ولو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا، لتزخرفت له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره، لطمس ضوءه ضوءَ الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم. وإذا فتحت الجنة أبوابها دخلت أول زمرة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، يسبحون الله بكرة وعشيا، لا يسقمون فيها ولا يموتون، ولا ينزفون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمنون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، آنيتهم من الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، أزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء، وبجمال يوسف، وقلب أيوب، وعُمْر عيسى، وخُلُق محمد، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

стр. 1713

لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء. «على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء» والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعا في السماء. (حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال يدخل أهل الجنة الجنة جُرْدَاَ مُرْدَاً مُكَحَلِين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: إن الله تعالى ينشئ أهل الجنة نشأة الملائكة أو أكمل من نشأتهم بحيث لا يبولون ولا يتغوّطون ولا ينامون ويلهمون التسبيح ولا يهرمون على تطاول الأحقاب ولا تنمو أبدانهم, بل القدر الذى الذى جُعلوا عليه لازم أبداً. ﴿تنبيه﴾: (وكذلك وصف الله نساءهم بأنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات لأنه أكمل سن القوة وَعِظَمِ الآت اللذة وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مئة عذراء، ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب والله أعلم. (ثانياً صفة أهل الجنة في خُلُقِهم: قد جعل الله أهل الجنة في أكمل صورة خلق عليها البشر, وهي صورة آدم ﵇, وما ذلك إلا لتكمل سعادتهم وغبطتهم في ذلك النعيم الخالد. وكما جمل الله صورهم فقد جمل أخلاقهم فكان أهل الجنة على خلق رجل واحد: كما في الحديث الآتي: (

стр. 1714

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء. (حديث المقدام ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يموت سقطا ولا هرما ـ وإنما الناس فيما بين ذلك ـ إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على نسخة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا، أو فخموا كالجبال. فما أعذب تلك الحياة .. وما ألذ عيشها .. حياة كلها مودة وصفاء وألفة وإخاء .. ومحبة وصدق ووفاء, قال تعالى: (وَهُدُوَاْ إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ) [الحج: ٢٤] و قال تعالى: (لاّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً) [الغاشية: ١١] و قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ) [الحجر ٤٧] فلا نكد ولا شقاء. ولا بغض ولا حسد ولا تشاجر ولا حروب, وإنما هو مجتمع يسوده الهدوء والسكينة والألفة والرحمة. (سِنُ أهلِ الجنة: (حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال يدخل أهل الجنة الجنة جُرْدَاَ مُرْدَاً مُكَحَلِين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة. (تحفة أهل الجنة إذا دخلوها:

стр. 1715

(حديث ثوبان مولى رسول الله ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله ﷺ إن اسمى محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله ﷺ أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله ﷺ بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس! < يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات >! فقال رسول الله ﷺ هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله ﷺ لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به. مسألة: ما معنى زيادة كبد الحوت؟ زيادة كبد الحوت: القطعة المنفردة المتعلقة بكبد الحوت، وهي أطيبها وألذها.

стр. 1716

(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله ﷺ وهو في أرض يحترف، فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول شرط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: (أخبرني جبريل آنفا). قال: جبريل؟ قال: (نعم). قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ) [البقرة: ٩٧]. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت). قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : (أي رجل عبد الله فيكم). قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام). فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. (ريح الجنة ومن مسيرة كم ينشق: للجنة ريحٌ طيبة, وجاءت السنة بإثبات ذلك, وأن بعض الذنوب تحرم صاحبها رائحة الجنة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا. البخت: واحدتها البختية وهى الناقة طويلة العنق ذات السنامين. (حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما).

стр. 1717

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: من قتل نفسا معاهدة بغير حقها، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة توجد من مسيرة مائة عام. (حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا. ﴿تنبيه﴾: (لا خلاف بين هذه الأحاديث فى ذكر المسافات التى يُشم منها رائحة الجنة, فإن ذلك يكون بحسب الجنات التى يدخلها المؤمن بقدر عمله وحسب درجته فإن رائحة الفردوس الأعلى تفوق رائحة أدنى أهل الجنة منزلة, لذلك تتفاوت الروائح والأبعاد الى تشم منها. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: قد أشهد الله سبحانه عباده فى هذه الدار آثاراً من آثار الجنة وأنموذجاً منها من الرائحة الطيبة, واللذات المشتهاة, والمناظر البهية, والفاكهة الحسنة, والنعيم والسرور. وقال: وريح الجنة نوعان: ريح يوجد منها فى الدنيا تشمّه الأرواح أحياناً لا تدركه كل العباد كما قال أحد أصحاب النبى ﷺ يوم أحد» واهاً لريح الجنة أجده دون أحد»] رواه البخارى ومسلم, قال: وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها, وهذا يدركه من شاء الله من أنبيائه ورسله, وهذا الذى وجده أنس بن النضر يوم أحد [. ﴿تنبيه﴾: (مسافات الآخرة لا يقاس بالأمتار, ولا بسرعة الضوء, إنها مسافات يفوت الخيال إدراكها, فهي فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، فإذا كنا فى الدنيا قد آمنا أن مخلوقًا قال لسيدنا سليمان النبى ﵊: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾] النمل: ٤٠ [وأحضر عرش بلقيس فعلاً في أقل من غمضة عين, كما أننا آمنا كما آمن أبو بكر الصديق رضى الله عنه أن النبى ﷺ أسرى به إلى بيت المقدس, وأعرج به إلى آفاق سدرة المنتهى ثم رأى ما رأى وعاد وفراشه لم يبرد, فكيف لا نؤمن بمسافات (كن فيكون).

стр. 1718

(الأذان الذي يؤذن به مؤذن الجنة: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله قال تعالى: (وَنُودُوَاْ أَن تِلْكُمُ الْجَنّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: ٤٣] (حديث صُهَيْبٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: في قَوْلِهِ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنّةِ الْجَنّةَ، نَادَى مُنَادٍ إِنّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِداً، قَالُوا أَلَمْ يُبَيّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجّينَا مِنَ النّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنّةَ؟ قَالُوا بَلَى، فَينكشفُ الْحِجَابُ، قالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنَ النظَرِ إِلَيْهِ». (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. (حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت ثم قرأ قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [سورة: مريم - الآية: ٣٩]. يشرئب: يرفع رأسه ويمد عنقه. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

стр. 1719

وهذا الأذان وإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار ولهم فيها نداء آخر يوم زيارتهم ربهم ﵎ يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك فيتسارعون إلى الزيارة كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها وذلك في مقدار يوم الجمعة. (أشجار الجنة وبساتينها وظلالها: ومن نعيم الجنة الخالد, كثرة الأشجار, ووفرة طيب الثمار, وغرائب الأطيار, فأشجارها لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها، من كثرة أغصانها وطول عمودها وانسياب أركانها وأعوادها, ولقد أودع الله فيها من جمال الشكل وحسن المنظر وبهاء اللون ورونق المظهر وامتداد الظل وطيب الثمار مالا يخطر على بال أو يدور في الخيال. أشجار الجنة من أنواع شتَّى, من يواقيت منوّعة, يغشاها ألوان بعد ألوان لا نهاية لألوانها وبهجتها , تتغيّر الألوان بغير أسباب, تهب ريح الجنة فتصفق الأوراق بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها, تَردُها طيور وعجائب بجمال ورَوَقْ لا تصفه الألسنة, فيتنعّم الرائى, والآكل, والسامع ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾] الأنسان:١٣, ١٤ [ وقال تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مّنضُودٍ * *وَظِلّ مّمْدُودٍ * وَمَآءٍ مّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة ٢٧: ٣٣] فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ: والمخضود الذي قد خضد شوكة أي نزع وقطع فلا شوك فيه وهذا قول بن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير وجماعة. وَطَلْحٍ مّنضُودٍ: فأكثر المفسرين قالوا إنه شجرة الموز. وَظِلّ مّمْدُودٍ: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها، واقرؤا إن شئتم: ﴿وَظِلّ مّمْدُودٍ﴾). وأشجار الجنة ساقها من ذهب كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب. ومن أشجار الجنة شجرة طوبى ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها كما في الحديث الآتي: (

стр. 1720

(حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها. وقال تعالى: (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) [الرحمن: ٤٨] وهو جمع فنن وهو الغصن. وقال تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ) [الرحمن: ٦٨] (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب موقوفاً) قال: نخل الجنة جذوعها من زمرد خضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم. (حديث عتبة ابن عبد السلمى ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) قال:» كنت جالساً مع رسول الله ﷺ فجاء أعرابى فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر فى الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكاً منها ـ يعني الطلح ـ , فقال رسول ﷺ : إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة (يعني من شجرة الطلح في الجنة) مثل خصية التيس الملبود ـ يعني المخصي ـ , فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون آخر». (حديث أ َبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ فَذَهَبْتُ أَتَنَاوَلُ مِنْهَا قِطْفًا أُرِيكُمُوهُ فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَثَلُ الْحَبَّةِ مِنَ الْعِنَبِ؟ قَالَ: " كَأَعْظَمِ دَلْوٍ فَرَتْ أُمُّكَ قَطُّ ". الدلو: إناء يُستقى به من البئر ونحوه قط: بمعنى أبدا. (أخي الحبيب: تصور نفسك وأنت تملك واحدة من تلك الأشجار, كيف ستكون نشوتك وكيف سيكون سرورك وفرحتك, وكيف وهي أشجار كثيرة, عديدة ومتنوعة, فمنها أشجار الرمان ومنها أشجار العنب ومنها أشجار السدر ومنها أشجار الطلح, ولا تظن أخي الحبيب, أن هذه الفاكهة هي نفسها التي نراها في الدنيا, بل إن فواكه الآخرة لا تشبه فواكه الدنيا سوى في الاسم فقط كما صح ذلك عن ابن عباس ﵁.
следующие страницы →