← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، إِغْرَاءً لَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى المُنْكَرِ، وَتَثْبِيطاً لِعَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ: لاَ تَخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ فِي الحَرِّ. فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ الَّتِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهَا، هِيَ أَشَدُّ حَرّاً مِنْ قَيْظِ الصَّحْرَاءِ الذِي فَرُّوا مِنْهُ. وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ وَيَعْقِلُونَ لَمَا خَالَفُوا وَقَعَدُوا، وَلَمَا فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ. وعن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى كَعْبِ الأَحْبَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَجَلَسَ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: وَيْحُك يَا كَعْبُ، خُوِّفْنَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ النَّارَ لَتُقَرَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، حَتَّى إِذَا أُدْنِيَتْ وَقُرِّبَتْ، زَفَرَتْ زَفْرَةً مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلاَ صِدِّيقٍ، وَلاَ شَهِيدٍ، إِلاَّ وَجَثَا لِرُكْبَتَيْهِ سَاقِطًا، حَتَّى يَقُولَ كُلُّ نَبِيٍّ، وَكُلُّ صِدِّيقٍ، وَكُلُّ شَهِيدٍ: اللَّهُمَّ لاَ أُكَلِّفُك الْيَوْمَ إِلاَّ نَفْسِي، وَلَوْ كَانَ لَكَ يَابْنَ الْخَطَّابِ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا، لَظَنَنْت أَنْ لاَ تَنْجُوَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنَّ الأَمْرَ لَشَدِيدٌ. (١)

стр. 1892

وعن كعب قال: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَهُ: " يَا كَعْبُ خَوِّفْنَا " قَالَ: فَقُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَلَيْسَ فِيكُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَحِكْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ " قَالَ: " بَلَى، وَلَكِنْ يَا كَعْبُ خَوِّفْنَا " قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ لَوْ وَافَيْتَ الْقِيَامَةَ بِعَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَازْدَرَأْتَ عَمَلَكَ مِمَّا تَرَى " قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَأَنْكَسَ وَنَكَّسَ قَالَ: ثُمَّ أَفَاقَ قَالَ: " زِدْنَا يَا كَعْبُ زِدْنَا " قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ فُتِحَ مِنْ جَهَنَّمَ قَدْرُ مِنْخَرِ ثَوْرٍ بِالْمَشْرِقِ وَرَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ لَغَلَا دِمَاغُهُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْ حَرِّهَا " قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَنُكِّسَ قَالَ: ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: " زِدْنَا يَا كَعْبُ " قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَفْرَةً مَا بَقِيَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُصْطَفًى إِلَّا عَلَى رُكْبَتَيْهِ " قَالَ: " وَيَقُولُ: رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي " قَالَ: عُمَرُ قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَلَيْسَ تَجِدُونَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ " قَالَ: " كَيْفَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: " قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ " (١) مليا: وقتا طويلا. خر: سقط وهوى بسرعة. الجثو: الجلوس على الركبتين. أطرق: أمال رأسه إلى صدره وسكت فلم يتكلم. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:

стр. 1893

(ناركم جزء): زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد ﷺ حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس ﵄ هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد أهـ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: أترونها حمراء كناركم هذه لهي أشد سوادا من القار. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن كعب الأحبار أنه قال لعمر بن الخطاب لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حره. - وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال عبد الملك بن عمير: لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها. وقال عبد الله بن أحمد أخبرت عن سيار عن ابن المعزى وكان من خيار الناس قال بلغني أن رجلا لو خرج منها إلى نار الدنيا لنام فيها ألفي سنة. • زمهرير جهنم: إن زمهرير جهنم بيت يتميز فيه الكافر من برده يعني يتقطع ويتمزع. [*] • وروى ابن أبي الدنيا من طريق الأعمش عن مجاهد قال إن في النار لزمهريرا ولم يغلون فيه فيهربون منها إلى ذلك الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع نقيض.

стр. 1894

[*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مجاهد قال الزمهرير الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الملك بن عمير قال بلغني أن أهل النار يسألون خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فيخرجهم فيقتلهم البرد والزمهرير حتى يرجعوا إليها فيدخلوها مما وجدوا من البرد. [*] • وروى أبو نعيم باسناده عن ابن عباس أن كعبا قال إن في جهنم بردا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهم. • ذكر سجر جهنم وتسعيرها: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: قال لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها قال فرجع إليه قال فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره فقال ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها. • تسجر جهنم كل يوم نصف النهار: تسجر جهنم كل يوم نصف النهار، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عمرو بن عبسة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: صَلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل فإن الصلاة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفئ فَصَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار.

стр. 1895

(حديث صفوان بن المعطل ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان فإذا طلعت فصل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تعتدل على رأسك مثل الرمح فأمسك فإن تلك الساعة التي تسجر فيها جهنم و تفتح فيها أبوابها حتى ترتفع الشمس على حاجبك الأيمن فإذا زالت عن حاجبك الأيمن فصل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة. • تسجر جهنم بخطايا بني آدم: [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن قتادة يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم خرجه ابن أبي حاتم وهذا يقتضي أن تسعير جهنم حيث سعرت إنما سعرت بخطايا بني آدم التي تقتضي غضب الله عليهم فتزداد جهنم حينئذ تلهبا وتسعرا يكون وهذا كما أن بناء دور الجنة غرس الأشجار يحصل بأعمال بني آدم الصالحة من الذكر وغيره وكذلك حسن ما فيها من الزوجات وغيرهن يتزايد بتحسين الأعمال الصالحة فكذلك جهنم تسعر وتزداد آلات العذاب فيها بكثرة ذنوب بني آدم وخطاياهم وغضب الرب تعالى عليهم نعوذ بالله من غضب الله ومن النار وما قرب إليها من قول وعمل بمنه وكرمه. • وتسجر جهنم أيضا يوم القيامة: قال تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعّرَتْ * وَإِذَا الْجَنّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مّآ أَحْضَرَتْ) [التكوير ١٢ - ١٤] وقرئ سعرت وسعرت بالتشديد والتخفيف قال الزجاج المعنى واحد إلا أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة قال قتادة وإذا الجحيم سعرت أوقدت وقال السدي أحميت. • تسجر جهنم على أهلها بعد دخولهم إليها: قال تعالى: (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىَ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مّأْوَاهُمْ جَهَنّمُ كُلّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً) [الإسراء: ٩٧] [*] • قال ابن عباس ﵄: كلما طفئت أوقدت وقال ابن عباس خبت سكنت.

стр. 1896

[*] • وقال ابن قتيبة: خبت النار إذا سكن لهبها فاللهب يسكن والجمر يعمل وقال غيره من المفسرين تأكلهم فإذا صاروا فحما ولم تجد النار شيئا تأكله أعيد خلقهم خلقا جديدا فتعود لأكلهم. وقوله (زِدْنَاهُمْ سَعِيراً): أي نارا تتسعر وتتلهب. • ذكر تغيظ النار وزفيرها: قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنّا الْحُسْنَىَ أُوْلََئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا) [الأنبياء ١٠١، ١٠٢] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن وهب بن منبه قال إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضا. و قال تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً) [الفرقان ١١، ١٢] و قال تعالى: (وَلِلّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ عَذَابُ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيّزُ مِنَ الغَيْظِ) [الملك ٦ - ٨] والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار قال الربيع بن أنس الشهيق في الصدر. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشفير ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. [*] • وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الضحاك قال إن لجهنم زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر ساجدا يقول رب نفسي نفسي. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبيد بن عمير قال تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه يقول رب نفسي نفسي. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال عمر ﵁ لكعب خوفنا قال والذي نفسي بيده إن النار لتقرب يوم القيامة لها زفير وشهيق حتى إذا دنت وقربت زفرت زفرة ما خلق الله من نبي ولا شهيد إلا وجب لركبتيه ساقطا حتى يقول كل نبي وكل صديق وكل شهيد اللهم لا أكلفك اليوم إلا نفسي ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبيا لظننت أن لا تنجو قال عمر والله إن الأمر لشديد.

стр. 1897

[*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مطرف بن الشخير عن كعب قال كنت عند عمر فقال يا كعب خوفنا فقلت يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقي ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر ساجدا على ركبتيه حتى إن ابراهيم خليله ﵇ ليخر جاثيا ويقول نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي قال فأطرق عمر مليا قال قلت يا أمير المؤمنين أو لستم تجدون هذا في كتاب الله قال عمر كيف قلت يقول الله في هذه الآية (يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا وَتُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [النحل: ١١١] وقال مجاهد في قوله (وَهِيَ تَفُورُ) قال تغلي بهم كما يغلي القدر. وقال ابن عباس: (تَمَيّزُ) تفرق وعنه قال يكاد يفارق بعضها بعضا وتتفطر. وعن الضحاك تميز تفطر وقال ابن زيد التميز التفرق من شدة الغيظ على أهل معاصي الله غضبا له وانتقاما له. [*] • وكان سعيد الجرمي يقول في موعظته إذا وصف الخائفين كأن زفير النار في آذانهم. [*] • وعن الحسن أنه قال في وصفهم إذا مروا بآية فيها ذكر الجنة بكوا شوقا وإذا مروا بآية فيها ذكر النار ضجوا صراخا كأن زفير جهنم عند أصول آذانهم. [*] • وروى ابن أبي الدنيا عن أبي وائل قال خرجنا مع ابن مسعود ومعنا الربيع بن خيثم فأتينا على تنور على شاطئ الفرات فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوف قرأ هذه الآية (إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً * وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان ١٢، ١٢] فصعق الربيع بن خثيم فاحتملناه إلى أهله فرابطه عبد الله حتى صلى الناس الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله. • ذكر طعام أهل النار وشرابهم: • طعام أهل النار نار، شراب أهل النار نار. • أولاُ طعام أهل النار: قال تعالى: (إِنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) [الدخان ٤٣: ٤٦] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: يقول تعالى مخبرًا عما يعذب به [عباده] الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ﴾

стр. 1898

والأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر. وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به. (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه؟ [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (لو أن قطرة من الزقوم) شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم والريح ويكره أهل النار على تناولها (قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه) قال: حين قرأ (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ) [آل عمران: ١٠٢] قال أبو الدرداء: يلقى عليهم الجوع حتى يعدل ما بهم من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة وعذاب أليم، والقصد بهذا الحديث وما أشبهه التنبيه على أن أدوية القلوب استحضار أحوال الآخرة وأحوال أهل الشقاء وديارهم فإن النفس مشفولة بالتفكر في لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات وما من أحد إلا وله في كل حالة ونفس من أنفاسه شهوة سلطت عليه واستزقته فصار عقله مسخراً لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته وصارت لذته في طلب الحيلة أو مباشرة قضاء الشهوة فعلاج ذلك أن تقول لقلبك ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت وما بعده من أهوال الموقف ثم عذاب جهنم وطعام أهلها وشرابهم فيها يورد على فكرة مثل هذا الحديث ويقول كيف تصبر على مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على أدنى آلام الدنيا أهـ. [*] • قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة تعليقاً على هذا الحديث: أسفاً لأهل النار قد هلكوا وشقوا، لا يقدر الواصف أن يصف ما قد لقوا، كلما عطشوا جيء بالحميم فسقوا، وهذا جزاؤهم إذ خرجوا عن الطاعة وفسقوا، قطعوا والله بالعذاب ومزقوا، وأفرد كل منهم عن فريقه وفرقوا، فلو رأيتهم قد كبلوا في السلاسل وأوثقوا، واشتد زفيرهم وتضرع أسيرهم وقلقوا، وتمنوا أن لم يكونوا وتأسفوا كيف خلقوا، وندموا إذا أعرضوا عن النصح وقد صدقوا، فلا اعتذارهم يسمع ولا بكاؤهم ينفع ولا أعتقوا. أهـ • وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلئ منها بطونهم فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم وهو الماء الذي قد انتهى حره ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم. [*] • قال ابن عباس ﵄: الهيم الابل العطاش.

стр. 1899

[*] • وقال السدي: هو داء يأخذ الإبل فلا تُرْوَى أبداً حتى تموت فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبدا. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سعيد بن جبير قال إذا جاع أهل النار استغاثوا من الجوع فأغيثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فانسلخت وجوههم حتى لو أن ماراً مَرَّ عليهم يعرفهم لعرف جُلودَ وجوههم فإذا أكلوا منها ألقي عليه العطش فاستغاثوا من العطش فأغيثوا بماء كالمهل والمهل الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم أنضج حره الوجوه فيصهر به ما في بطونهم ويضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور وقوله تعالى ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم [الصافات ٨٦] أي بعد أكل الزقوم. [*] • قال سلام بن مسكين سمعت الحسن تلا هذه الآية إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم قال إنها هناك قد حميت عليها جهنم. و قال تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزّقّومِ * إِنّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لّلظّالِمِينَ * إِنّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيَ أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنّهُ رُءُوسُ الشّيَاطِينِ * فَإِنّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمّ إِنّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمّ إِنّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ) [الصافات ٦٢ - ٦٨] [*] • قال قتادة: في قوله فتنة للظالمين [الصافات ٦٣] قال زادتهم تكذيبا حين أخبرهم أن في النار شجرة قال يخبرهم أن في النار شجرة والنار تحرق الشجر فأخبرهم أن غذاءها من النار. و قال تعالى: (ثُمّ إِنّكُمْ أَيّهَا الضّآلّونَ الْمُكَذّبُونَ * لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هََذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدّينِ) [الواقعة ٥١: ٥٦] و قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرّؤيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً) [الإسراء: ٦٠] قال تعالى: (إِنّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً) [المزمل ١٢، ١٣] [*] • قال ابن عباس ﵄ في قوله (وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ) قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج.

стр. 1900

وقال تعالى: (لّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاّ مِن ضَرِيعٍ * لاّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ) [الغاشية ٦، ٧] [*] • قال ابن عباس ﵄ في قوله (لّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاّ مِن ضَرِيعٍ) قال: شجر في جهنم. وقال مجاهد: الضريع الشبرق اليابس. قال تعالى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاّ يَأْكُلُهُ إِلاّ الْخَاطِئُونَ) [الحاقة ٣٥ - ٣٧] [*] • قال ابن عباس ﵄: من غسلين قال هو صديد أهل النار. • ثانياً شرابُ أهل النار: فهذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم وقد ذكرها الله في كتابه: • (النوع الأول) الحميم. قال تعالى: (وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطّعَ أَمْعَآءَهُمْ) [محمد: ١٥] و قال تعالى: (هََذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) [ص ٥٧، ٥٨] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارا شديد الحر، لا يستطاع. ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذا بالله من ذلك. [*] • قال ابن عباس ﵄: الحميم الحار الذي يحرق. [*] • وقال الحسن والسدي رحمهما الله تعالى: الحميم الذي قد انتهى حره. [*] • وقال الضحاك ﵀: يسقى من حميم يغلي يوم خلق الله السموات والأرض إلى يوم يسقونه ويصب على رؤوسهم. [*] • وقال ابن وهب عن ابن زيد: الحميم دموع أعينهم في النار يجتمع في حياض النار فيسقونه. و قال تعالى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: ٤٤] [*] • قال ابن عباس ﵄: (حَمِيمٍ آنٍ) الذي قد انتهى غليه. وقال تعالى: (تُسْقَىَ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) [الغاشية: ٥] [*] • قال مجاهد رحمه الله تعالى: قد بلغ حرها وحان شربها. [*] • وقال الحسن رحمه الله تعالى: كانت العرب تقول للشيء إذا انتهى حره حتى لا يكون شيء أحر منه قد آن حره، فقال الله من عين آنية يقول قد أوقد الله عليها جهنم منذ خلقت وآن حرها وعنه قال إن طبخها منذ خلق السموات والأرض. [*] • وقال السدي رحمه الله تعالى: انتهى حرها فليس بعده حر. • (النوع الثاني) الغساق.

стр. 1901

[*] • قال ابن عباس ﵄: الغساق ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه وعنه قال الغساق الزمهرير البارد الذي يحرق من برده ويدل عليه قوله تعالى: (لاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً) [النبأ ٢٤، ٢٥] فاستثنى من البرد الغساق ومن الشراب الحميم. [*] • و قال عبد الله بن عمرو ﵄: الغساق القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهرق في المغرب لأنتنت أهل المشرق ولو أهرقت في المشرق لأنتنت أهل المغرب. [*] • قال مجاهد رحمه الله تعالى: غساق الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. [*] • وقال كعب غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه ويجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه. [*] • قال السدي رحمه الله تعالى: الغساق الذي يسيل من أعينهم من دموعهم يسقونه مع الحميم. [*] • وقال بلال بن سعد رحمه الله تعالى: لو أن دلوا من الغساق وضع على الأرض لمات من عليها، وعنه قال لو أن قطرة منه وقعت على الأرض لأنتن من فيها. • (النوع الثالث) الصديد. قال تعالى: (مّن وَرَآئِهِ جَهَنّمُ وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ) [إبراهيم ١٦، ١٧] [*] • قال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى (وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ) [ابراهيم ١٦] قال يعني القيح والدم. [*] • قال قتادة رحمه الله تعالى: (وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ) قال ما يسيل من بين لحمه وجلده. وقال (يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ) قال: هل لكم بهذا يدان أم لكم على هذا صبر طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله. (حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار.

стр. 1902

(حديث بنُ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يقبل الله لَهُ صَلاَة أرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، فإنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلْ الله لَهُ صَلاَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ تابَ الله عَلَيهِ فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صبحاً فإن تاب تاب الله عليه. فإنْ عَادَ الرابعة لَمْ يَقْبَل الله لَهُ صَلاَةُ أرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ لَمْ يَتُبْ الله عَلَيْهِ وسقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ. قِيلَ يا أبَا عَبْدِ الرحمَنِ ومَا نَهْرُ الْخَبَالِ؟ قالَ: نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أهْلِ النّارِ». • (النوع الرابع) الماء الذي كالمهل: وقال تعالى: (وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: ٢٩] [*] • قال ابن عباس ﵄: (بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ) غليظ كدردي الزيت. [*] • قال علي بن أبي طالب عن بن عباس أسود كمهل الزيت وكذا قال سعيد بن جبير وغيره. [*] • قال مجاهد رحمه الله تعالى: (بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ) مثل القيح والدم أسود كعكر الزيت. • ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها: قال تعالى: (فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ) [الحج: ١٩] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابراهيم التيمي أنه كان إذا تلا هذه الآية يقول سبحان من خلق من النار ثيابا. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال يقطع للكافر ثياب من نار حتى ذكر القباء والقميص والكمة. قال تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مّقَرّنِينَ فِي الأصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىَ وُجُوهَهُمْ النّارُ) [إبراهيم ٤٩: ٥٠] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: وقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم من قطران، وهو الذي تُهنأ به الإبل، أي: تطلى، قاله قتادة. وهو ألصق شيء بالنار. ويقال فيه: "قَطِران"، بفتح القاف وكسر الطاء، وبفتح القاف وتسكين الطاء، وبكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه قول أبي النجم. كأنّ قِطْرانًا إذَا تَلاهَا ... تَرْمي به الرّيح إلى مَجْراها.

стр. 1903

وكان ابن عباس يقول: القَطران هو: النحاس المذاب، وربما قرأها: "سَرَابيلهم من قَطِران" أي: من نحاس حار قد انتهى حره. وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والحسن، وقتادة. وقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أهـ. وقال تعالى: (لَهُمْ مّن جَهَنّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف: ٤١] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن محمد بن كعب والضحاك والسدي وغيرهم [المهاد: الفراش والغواش اللحف]. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) [الإسراء: ٨] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن في قوله (وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) قال فراشا ومهادا. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن أنه كان إذا ذكر أهل النار قال في وصفهم قد حذيت لهم نعال من نار وسرابيل من قطران وطعامهم من نار وشرابهم من نار وفرش من نار ولحف من نار ومساكن من نار في شر دار وأسوء عذاب في الأجساد أكلا أكلاً وصهرا صهرا وحطما حطما. [*] • روى ابن أبي الدنيا بسنده عن وهب بن منبه قال أما أهل النار الذي هم أهلها فهم في النار لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون ويمشون على النار ويجلسون على النار ويشربون من صديد أهل النار ويأكلون من زقوم النار فرشهم ولحفهم نار وقمصهم نار وقطران وتغشى وجوههم النار وجميع أهل النار في سلاسل بأيدي الخزنة أطرافها يجذبون مقبلين ومدبرين فيسيل صديدهم إلى حفر في النار فذلك شرابهم قال ثم بكى وهب حتى سقط مغشيا عليه. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عطاء الخراساني أنه كان ينادي أصحابه في السفر يا فلان ويا فلان قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد ومقطعات الحديد ألواحا ثم ألواحا ثم ألواحا ثم يقبل على صلاته. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس في قوله (سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ) قال هو النحاس المذاب. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. كما في الحديث الآتي:

стр. 1904

(حديث المستورد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة. (حديث أبي موسى في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر بالأحساب و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. (حديث أبي موسى في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: النياحة من أمر الجاهلية وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعا من لهب النار. • فراش أهل النار وغطاؤهم: قال تعالى: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ﴿الأعراف:٤١﴾. وَلَهُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فُرُشٌ مِنْ تَحْتِهِمْ (مِهَادٌ)، وَلَهُمْ مِنْهَا أَغْطِيَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ تُغَطِّيهِمْ (غَوَاشٍ). وَبِمِثْلِ هَذَا الجَزَاءِ يَجْزِي اللهُ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ، المُضِلِّينَ لِلْنَّاسِ. ومقصود الآية: أنهم يفترشون النار, ويلتحفون بألحفةٍ من النار, والعياذ بالله. وقال تعالى: (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) ﴿الزمر:١٦﴾ يَصِفُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ الخَاسِرِينَ وَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِيهَا، وَمِنْ فَوْقِهِمْ طَبَقَاتٌ مُتَرَاكِمَةٌ مِنَ النَّارِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَكَأَنَّهَا الظُّلَلُ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ طَبَقَاتٌ مِثْلُهَا، فَتَغْمُرُهُمْ النَّارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُخَوِّفَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ ذَلِكَ اليومِ، فَيَزْدَجِرَ العُقَلاَءُ عَنِ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَيَعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ، فَيَا عِبَادَ الله اتَّقُوا رَبَّكُمْ تَعَالَى، وَبَالِغُوا فِي الخَوْفِ والحَذَرِ، وَلاَ تَرْتَكِبُوا مَا يُسْخِطُ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ.

стр. 1905

وحتى لا يتوهم أحدٌ أنَّ هذه الظلل المذكورة تقي من الحر والعذاب قال (ظللٌ من النار) فهي ظللٌ مُحرِِقة ,كما في قوله تعالى: (انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ* لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) ﴿المرسلات:٣٠ - ٣١﴾ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلِّ دُخَانِ نَارِ جَهَنَّمَ المُتَشَعِّبِ إِلَى ثَلاَثِ شُعَبٍ: شُعْبَةٍ عَنْ يَمِينِهِمْ، وَشُعْبَةٍ عَنْ شِمَالِهِمْ، وَشُعْبَةٍ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ. وَهَذَا الظِّلُّ لَيْسَ بِظَلِيلٍ، أَيْ إِنَّهُ لاَ يُعْطِي ظِلاًّ يَقِي مِنْ حَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلاَ يَدْفَعُ عَنْهُمْ حَرَّ لَهَبِ جَهَنَّمَ، الذِي هُمْ مُقِيمُونَ فِيهِ. وَنَارُ جَهَنَّمَ، التِي تُحْدِثُ هَذَا الظِّلَّ مِنَ الدُّخَانِ، يَتَطَايَرُ مِنْهَا شَرَرٌ مُتَفَرِّقٌ فِي جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَأَنَّهُ القَصْرُ عِظَما وَارْتِفَاعاً. وَكَأَنَّهُ الجِمَالُ الصُّفْرُ لَوْناً وَكَثرَةً. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَى (جِمَالَةٌ صُفْرٌ) هُوَ حِبَالُ السُّفُنِ الغَلِيظَةِ). • البحار تسجر يوم القيامة: المراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحرا واحدا ثم تسجر ويوقد عليها فتصير نارا وتزاد في نار جهنم وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجّرَتْ) [التكوير: ٦] بنحو هذا وروي المبارك بن فضالة عن كثير أبي محمد عن ابن عباس قال تسجر حتى تصير نارا، وروى مجاهد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس وإذا البحار سجرت قال تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر فيبعث الله عليها ريحا دبورا فتنفخه حتى يرجع نارا. • ذكر عِظَمِ خَلْقِ أهل النار فيها وَقُبْحِ صُوَرِهم وهيئاتهم: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب السريع. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وفخذه مثل البيضاء ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة. َ• الْبَيْضَاءُ: جَبَلٌ مِثْلُ أُحُدٍ َ• مثل الربذة: مِثْلُ الرَّبَذَةِ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّبَذَةِ

стр. 1906

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد و عرض جلده سبعون ذراعا و عضده مثل البيضاء و فخذه مثل ورقان و مقعده في النار ما بيني و بين الربذة. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وعضده مثل البيضاء) موضع في بلاد العرب يسمى البيضاء أو هو اسم جبل (ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة) قرية بقرب المدينة قال القاضي: يريد ما بين الربذة والمدينة والربذة على ثلاث مراحل منها بقرب ذات عرق. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا وإن ضرسه مثل أحد وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة. (حديث المقدام ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: من كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن أنه ذكر أهل النار فقال قد عظموا لجنهم مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن للراكب المسرع وإن ناب أحدهم مثل النخل الطوال وإن دبره لمثل الشعب مغلولة أيديهم إلى أعناقهم قد جمع بين نواصيهم وأقدامهم والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم يسوقونهم إلى جنهم فيقول الرجل منهم للملك ارحمني فيقول كيف أرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين. (حديث المقدام ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يموت سقطا ولا هرما ـ وإنما الناس فيما بين ذلك ـ إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على نسخة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا، أو فخموا كالجبال. • تفاوت أهل النار في العذاب: • أخي الحبيب: اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي دخلوا بها النار كما قال تعالى: (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مّمّا عَمِلُواْ) [الأنعام: ١٣٢] وقال تعالى: (جَزَآءً وِفَاقاً) [النبأ: ٢٦]

стр. 1907

[*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال وافق أعمالهم فليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك قال تعالى: (الّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) [النحل: ٨٨] قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٦] - وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر وقد يخفف عن بعضهم العذاب بحسنات أخر له أو بما شاء الله من الأسباب. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث سمرة بن جندب ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته. (حديث أبي سعيد في الصحيحين) أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه ٠فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه ـ يعني أبا طالب ـ. (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا رجل منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه مع أجزاء العذاب ومنهم من في النار إلى كعبيه مع أجزاء العذاب ومنهم من في النار إلى ركبتيه مع أجزاء العذاب, ومنهم من في النار إلى أرنبته مع إجراء العذاب, ومنهم من في النار إلى صدره مع إجراء العذاب ومنهم من قد اغتمر. (حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا رجلٌ في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم. (حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا.

стр. 1908

(حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ الثابت في الصحيحين) أنه قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال نعم هو في ضحضاح من نار ولولا ذلك كان في الدرك الأسفل من النار. (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه. • أنواع عذاب أهل النار: يوجد للمعذبين في النار أصناف متعددة من العذاب منها ما يلي: • تبديل جلودهم كلما نضجت: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً) ﴿النساء:٥٦﴾. يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: بِأَنَّهُ سَيُعَاقِبُ الكَافِرِينَ بِآيَاتِ اللهِ وَبِرُسُلِهِ، بِإِحْرَاقِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَكُلَّمَا احْتَرَقَتْ جُلُودُهُمْ أَبْدَلَهُمْ غَيْرَها لِيَسْتَمِرُّوا فِي تَحَسُّسِ العَذَابِ وَآلامِهِ، وَاللهُ عَزِيزٌ لاَ يَتَحَدَّاهُ أَحَدٌ، حَكِيمٌ فِي تَصَرُّفِهِ، يَعْرِفُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْعُقُوبَةِ فَيُعَاقِبُهُ، وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْثَّوَابِ فَيُثِيبُهُ. قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم ٍسبعين ألف مرةٍ , كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا, فيعودون كما كانوا. (١) • من عذاب أهل النار الصهر: ومن أنواع عذابهم الصهر قال تعالى: (هََذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ يُصَبّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) [الحج ١٩ - ٢١] [*] • قال مجاهد رحمه الله تعالى: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) يذاب به إذابة. [*] • وقال عطاء الخراساني رحمه الله تعالى: يذاب به ما في بطونهم كما يذاب الشحم. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان.

стр. 1909

• يضربون بمطارق من حديد: يضربون بمطارق من حديد, فتتفتت أبدانهم, ثم يعودون, قال تعالى: (وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) ﴿الحج:٢١﴾. • ومن عذاب أهل النار أن السلاسل والأغلال والأنكال: قال تعالى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل ١٢ - ١٣]. فهذه ثلاثة أنواع من العذاب: أحدها الأغلال وهي في الأعناق، الثاني الأنكال وهي القيود، الثالث السلاسل. قال الله تعالى ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة ٣٢] تدخل السلسلة من دبره حتى تخرج من فمه كما ينظم الدجاج في الحديد ليشوى. • ومن عذاب أهل النار أنها تلفح وجوه الكافرين: قال الله تعالى ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٤]. [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقال ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]. وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني عابسون. وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المُشَيَّط الذي قد بدا أسنانه وقَلَصت شفتاه. انتهى. • ومن عذاب أهل النار أن النار تأكله النار إلى فؤاده: قال تعالى: (كَلاّ لَيُنبَذَنّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ الّتِي تَطّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ) [الهمزة عند ٤، ٧]

стр. 1910

[*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن محمد بن كعب القرضي قال في قوله (تَطّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ) قال تأكله النار إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية ثم قال تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء لقد بلغ منهم العذاب ثم يبكي وقال الله (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ) [المدثر ٢٧: ٢٩] • ومن عذاب أهل النار أن النار لا تبقي ولا تذر: قال تعالى: (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ) [المدثر ٢٧: ٢٩] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن بريدة في قوله لا تبقي ولا تذر قال تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك. [*] • وقال السدي رحمه الله تعالى: لا تبقي من جلودهم شيئا ولا تذرهم من العذاب. [*] • وقال أبو رزين رحمه الله تعالى: في قوله (لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ) قال تلفح وجهه لفحة تدعه أشد سوادا من الليل. [*] • قال قتادة رحمه الله تعالى: (لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ) حراقة للجلد. • ومن عذاب أهل النار أن النار تنزع الجلد و تنزع اللحم ما دون العظم: قال تعالى: (كَلاّ إِنّهَا لَظَىَ * نَزّاعَةً لّلشّوَىَ) [المعارج ١٥، ١٦] [*] • قال مجاهد رحمه الله تعالى: في قوله (نَزّاعَةً لّلشّوَىَ) تنزع الجلد وعنه قال تنزع اللحم ما دون العظم. • ومن عذاب أهل النار سحبهم على وجوههم: قال تعالى: (إِنّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلَىَ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسّ سَقَرَ) [القمر ٤٧، ٤٨] و قال تعالى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأغْلاَلُ فِيَ أَعْنَاقِهِمْ والسّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر ٧٠ - ٧٢] [*] • قال قتادة رحمه الله تعالى: يسحبون في النار مرة وفي الحميم مرة. فيسحب على وجهه في النار فينتثر لحمه وعظامه ومخه.

стр. 1911

[*] • قال ابن عباس ﵄: [يسحبون في الحميم] [غافر ٧١، ٧٢] قال ينسلخ كل شيء عليه من جلد ولحم وعروق وأعصاب حتى يصير في عقبيه جسد من لحمه مثل طوله وطوله ستون ذراعا ثم يكسى جلدا آخر ثم يسجر في الحميم. • ومن أهل النار من يعذب بالصعود إلى أعلى النار ثم يهوي فيها: ومنهم من يعذبُ بالصعود إلى أعلى النار, ثم يهوي فيها, قال تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودا) ﴿المدثر:١٧﴾. سُنُنْزِلُ بِهِ عَذَاباً شَاقّاً، يُرهِقُهُ وَلاَ يُطِيقُهُ، فَيَكُونُ حَالُهُ حَالَ مَنْ يُكَلَّفُ صُعُودَ جَبَلٍ وَعْرٍ شَائِكٍ. وَقِيلَ إِنَّهُ سَيُكَلِّفُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صُعُودَ جَبَلٍ مِنْ نَارٍ فِي جَهَنَّمَ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيه خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن تحسَّى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً). • ومن أهل النار من يدور في النار ويجر أمعاءه معه: (حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ويحك ما لك كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه. • ومن أهل النار من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة: ومنهم من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة الضيقة قال تعالى: (وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان: ١٣] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: وقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح أي: من ضيقه.

стр. 1912

وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أسيد -يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ -أنه سئل عن قول الله ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قال: "والذي نفسي بيده، إنهم ليُسْتَكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط". وقوله ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال أبو صالح: يعني مكتفين: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي: بالويل والحسرة والخيبة. انتهى. قال كعب إن في جهنم تنانير ضيقها كضيق زج رمح أحدكم ثم يطبق على أناس بأعمالهم. • ومن أهل النار من يجعل في توابيت من نار: [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن مسعود قال إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار ثم قذفوا في نار الجحيم فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم ثم تلا ابن مسعود (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ١٠٠] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل للرجل صندوقا على قدره من النار ولا ينبض عرق إلا فيه مسمار من نار ثم تضرم بينهما نار ثم بقفل من نار ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم تضرم بينهما نار ثم يقفل ثم يطرح أو يلقى في النار فذلك قوله تعالى (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر: ١٦] وقوله تعالى (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ١٠٠] قال فما يرى أن في النار أحدا غيره. • ومن عذاب أهل النار أنه يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت: قال تعالى: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم: ١٧] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه. قال ميمون بن مِهْرَان: من كل عظم، وعرق، وعصب. وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره. وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة، أي: من جسده، حتى من أطراف شعره.

стр. 1913

وقال ابن جرير: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من أمامه وورائه، وعن يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله ومن سائر أعضاء جسده. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، «وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكن لا يموت»؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ]﴾ [فاطر: ٣٦]. - ومعنى كلام ابن عباس ﵄: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من هذا العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال؛ ولهذا قال: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر. وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤ - ٦٨] انتهى. • ولأهل النار أنواع من العذاب لم يطلع الله عليها خلقه في الدنيا: [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن قال: ذَكَرَ الله السلاسل والأغلال والنار وما يكون في الدنيا ثم قرأ (وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) [ص: ٥٨] قال آخر لا ترى في الدنيا. [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس في قوله تعالى (زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) [النحل: ٨٨] قال هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل وبعضها في النار. • عذاب الكفار في النار متواصل أبدا لا يفتر عنهم ولا ينقطع ولا يُخَفَف.

стр. 1914

تأمل أخي الكريم حال أولئك التعساء وهم يتقلبون في أنواع العذاب ويعانون في جهنم ما لا تطيقه الجبال، وما يفتت ذكره الأكباد ولا تسأل عما يعانونه من ثقل السلاسل والأغلال. قال تعالى: (إِنّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنّمَ خَالِدُونَ * لاَ يُفَتّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [الزخرف ٧٤: ٧٥] و قال تعالى: (وَالّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنّمَ لاَ يُقْضَىَ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلّ كَفُورٍ) [فاطر: ٣٦] و قال تعالى: (فَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة: ٨٦] و قال تعالى: (وَقَالَ الّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنّمَ ادْعُواْ رَبّكُمْ يُخَفّفْ عَنّا يَوْماً مّنَ الْعَذَابِ * قَالُوَاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيّنَاتِ قَالُواْ بَلَىَ قَالُواْ فَادْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ) [غافر ٤٩، ٥٠] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن اسحاق بن ابراهيم لأنه قال على منبر دمشق لا يأتي على صاحب الجنة ساعة إلا وهو يزداد ضعفا من النعيم لم يكن يعرفه ولا يأتي على صاحب النار ساعة إلا وهو مستنكر لنوع من العذاب لم يكن يعرفه قال الله قال تعالى: (فَذُوقُواْ فَلَن نّزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً) [النبأ: ٣٠] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن قال: سألت أبا برزة عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار قال سمعت رسول الله ﵌ قرأ (فَذُوقُواْ فَلَن نّزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً) [النبأ: ٣٠] فقال أهلك القوم بمعاصيهم لله تعالى.

стр. 1915

أرأيت أخي حال أهل النار وما هم فيه من الشقاء، فتصور نفسك لو كنت منهم - نسأل الله أن لا تكون منهم - تصور نفسك عندما يؤمر بك إلى جهنم عندما تنظر إلى الصراط ودقته وهوله وعظيم خطره وأنت تنظر إلى الزالين والزلات من بين يديك ومن خلفك وقد تنكست هاماتهم وارتفعت على الصراط أرجلهم وثارت إليهم النار بطلبتها، وهم بالويل ينادون وبينما أنت تنظر إليهم مرعوباً خائفاً أن تتبعهم لم تشعر إلا وقد زلت قدمك عن الصراط فطار عقلك ثم زلت الأخرى فتنكست هامتك، فلم تشعر إلا والكلوب قد دخل في جلدك ولحمك، فجذبت به وبادرت إليك النار ثائرة غضبانة لغضب ربها، فهي تجذبك وأنت تنادي ويلي ويلي حتى إذا صرت في جوفها التحمت عليك بحريقها فتورمت في أول ما ألقيت فيها، ثم لم تلبث أن تقطر بدنك وتساقط لحمك، وتكسرت عظامك، وأنت تنادي ولا تُرحم وتتمنى أن تعود لتتوب فلا يجاب نداؤك. فتصور نفسك وقد طال فيها مكثك، فبلغت غاية الكرب، واشتد بك العطش فذكرت الشراب في الدنيا ففزعت إلى الحميم فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك فلما أخذته نشت كفك من تحته، وتفسخت لحرارته، ثم قربته إلى فيك فشوى وجهك، ثم تجرعته فسلخ حلقك ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك، فناديت بالويل والثبور وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته وتحسرت عليه، ثم آلمك الحريق فبادرت إلى حياض الحميم لتبرد فيها كما تعودت في الدنيا الاغتسال والانغماس في الماء إذا اشتد عليك الحر، فلما انغمست في الحميم تسلخ لحمك، من رأسك إلى قدميك، فبادرت إلى النار رجاء أن تكون هي أهون عليك ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم فأنت هكذا تطوف بينها وبين حميم آن وذلك مصداقاً لقول مولاك جل وعلا: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:٤٤]. فتطلب الراحة بين الحميم وبين النار، فلا راحة ولا سكون أبداً.

стр. 1916

فلما اشتد بك الكرب والعطش وبلغ منك المجهود ذكرت الجنان فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفاً على جوار الله وحزناً على نعيم الجنة الذي أضعته بنفسك بسبب الذنوب والمعاصي، ففزعت إلى الله بالنداء بأن يردك إلى الدنيا لتعمل صالحاً فمكث عنك دهراً طويلاً لا يجيبك هواناً بك، ثم ناداك بعد ذلك بالخيبة منه أن اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٨] ثم أراد أن يزيدك إياساً وحسرة فأطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها فيا إياسك ويا إياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم، فعلموا عند ذلك أن الله إنما أطبقها لئلا يخرج منها أحد أبداً، فتقطعت قلوبهم إياساً وانقطع الرجاء منهم أن لا فرج أبداً، ولا مخرج منها، ولا محيص من عذاب الله أبداً، خلودٌ فلا موت. وعذابٌ لا زوال له عن أبدانهم، وأحزان لا تنقضي، وسقم لا يبرأ، وقيود لا تحل، وأغلال لا تفك أبداً وعطش لا يروون بعده أبداً، لا يُرحم بكاؤهم، ولا يُجاب دعاؤهم، ولا تقبل توبتهم فهم في عذاب دائم وهوان لا ينقطع، ثم يبعث الله بعد ذلك الملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار، وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق وتشد بتلك المسامير، وتمد بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيها روح ولا يخرج منه غم، وينساهم الرحمن بعد ذلك نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:٦٧] فذلك قوله تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ [الهمزة:٩،٨] ينادون الله ويدعونه ليخفف عنهم هذا العذاب فيجيبهم بعد مدة اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٨] قال الحسن: (هذا هو آخر كلام يتكلم به أهل النار وما بعد ذلك إلا الزفير والشهيق وعواء كعواء الكلاب ... )، فما أشقى والله هذه الحياة وما أشقى أصحابها - نسأل الله أن لا نكون منهم - وما أعظمها والله من خسارة لا تجبر أبداً، ويا حسرة والله على عقولٍ تسمع بكل هذا العذاب وهذا الشقاء وتؤمن به ثم لا تبالي به ولا تهرب عنه بل تسعى إليه برضاها واختيارها. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1917

فيا أخي الحبيب: يا من تعصي الله تصور نفسك لو كنت من أهل النار؟ هل سترضى بشيء من هذا العذاب؟ لا أعتقد ذلك، إذاً فتب إلى الله وارجع عما يكرهه وتقرب إليه بالأعمال الصالحة عسى أن يرضى عنك، وابك من خشيته عسى أن يرحمك ويقيل عثراتك، فإن الخطر عظيم والبدن ضعيف، والموت منك قريب، والله ﷻ مُطَلِّعٌ عليك ويراك فاستحِ منه وأجِّله ولا تَسْتَخِّف بنظره إليك، ولا تستهين بمعصيته ولا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من تعصيه وهو الله ﷻ وتقدست أسماؤه، واملأ قلبك من خشيته قبل أن يأخذك بغتة، ولا تتعرض له وتبارزه بالمعاصي فإنك لا طاقة لك بغضبه ولا قوة لك بعذابه، ولا صبر لك على عقابه، فتدارك نفسك قبل لقائه لعله أن يرحمك ويتجاوز عنك، واعلم أنه من أيقن الموت خاف الفوت، فكأنك بالموت قد نزل بك وحينها لا ينفعك ندم ولا استدراك ما مضى. • أعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله تعالى: وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة. قال تعالى: (كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * كَلاّ إِنّهُمْ عَن رّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لّمَحْجُوبُونَ * ثُمّ إِنّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمّ يُقَالُ هََذَا الّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ) [المطففين ١٤ - ١٧] فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من العذاب حجابهم عنه ثم صليهم الجحيم ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا ووصفهم بالران على قلوبهم وهو صدأ الذنوب الذي سود قلوبهم فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته وهذا بخلاف حال أهل الجنة قال تعالى: (لّلّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَىَ وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلّةٌ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [يونس: ٢٦] والذين أحسنوا هم أهل الاحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه كما فسره النبي ﵌ لما سأله عنه جبريل ﵇ فجعل جزاء الإحسان الحسنى وهو الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله كما فسره بذلك رسول الله ﵌ كما في الحديث الآتي:

стр. 1918

(حديث صُهَيْبٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: في قَوْلِهِ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنّةِ الْجَنّةَ، نَادَى مُنَادٍ إِنّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِداً، قَالُوا أَلَمْ يُبَيّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجّينَا مِنَ النّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنّةَ؟ قَالُوا بَلَى، فَينكشفُ الْحِجَابُ، قالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنَ النظَرِ إِلَيْهِ». وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. • ما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها: ما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها أجارنا الله منها بمنه وكرمه. قال الله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة ٥١ – ٥٦] والنزل هو ما يعد للضيف عند قدومه. فدلت هذه الآيات على أن أهل النار يتحفون عند دخولها بالأكل من شجر الزقوم، والشرب من الحميم، وهم إنما يساقون إلى جهنم عطاشا، كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٦]. • تخاصم أهل النار:

стр. 1919

قال تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص/٥٩ - ٦٣] يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ أَهْلِ النَّارِ، وَكَيْفَ يَتَنَكَّرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَكَيْفَ يَتَشَاتَمُونَ وَيَتَلاَعَنُونَ، وَيُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَحِينَمَا يَرَى جَمَاعَةُ الكُبَرَاءِ، الذِينَ دَخَلُوا النَّارَ، فَوْجاً يَدْخُلُهَا مِنَ الأَتْبَاعِ الذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا فَوْجٌ مِنَ الكَفَرَةِ الضَّالينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ مَعَكُمْ، فَلاَ مَرْحَباً بِهِمْ، إِنَّهُمْ َسَيَذُوقُونَ عَذَابَ النَّارِ، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرَهَا. فَيَردُّ عَلَيْهِمُ الأَتْبَاعُ الدَّاخِلُونَ قَائِلِينَ لَهُمْ، وَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَهُمْ: بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ فَأَنْتُمْ الذِينَ أَضْلَلْتُمُونَا وَدَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا فَيَقُولُ الأَتباعُ دَاعِينَ عَلَى رُؤُوسِ الضَّلاَلَةِ: رَبَّنَا عَذِّبْ مَنْ كَانَ السَّبَبَ فِي وُصُولِنَا إِلَى هَذَا العَذَابِ وأذِقْهُ عَذَاباً مُضَاعَفاً فِي النَّارِ: عَذَاباً لِضَلاَلِهِ، وَعَذَاباً آخَرَ لإِضْلاَلِهِ غَيْرَهُ. ثُمَّ يَلْتَفِتُ أَهْلُ النَّارِ لِيَبْحَثُوا بِأنْظَارِهِمْ فِي النَّارِ عَنْ فُقَرَاءِ المُؤْمِنِينَ، وَضُعَفَائِهِمْ، الذِينَ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَعُدُّونَهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ، فَلاَ يَرَوْنَهُمْ فِي النَّارِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِمَاذَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ أَشْرَاراً فِي الدُّنْيَا، وَكُنَّا نَسْخَرُ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِيَّانَا إِلى الإِيْمَانِ؟ (وَهُمْ يَقْصِدُونَ فَقَرَاءَ المُؤْمِنِينَ).

стр. 1920

ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلِ اتَّخَذْنَاهُمْ مَوْضُوعاً لِلْهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلاً لِذَلِكَ، فَكَانُوا عَلَى حَقٍّ، وَكُنَّا عَلَى بَاطِلٍ، فَفَازُوا بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَلَمْ يَدْخُلُوا النَّارَ مَعَنَا، أَمْ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ مَعَنَا وَلَكِنَّ أَبْصَارَنَا زَاغَتْ عَنْهُمْ، فَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِمْ؟ وَهَذَا الذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ النَّارِ وَتَخَاصُمِهِمْ وَتَلاَعُنِهِمْ، لَحَقٌّ وَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَع. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب/٦٤ - ٦٨] إن الله طرد الكافرين من رحمته في الدنيا والآخرة، وأعدَّ لهم في الآخرة نارًا موقدة شديدة الحرارة، ماكثين فيها أبدًا، لا يجدون وليًّا يتولاهم ويدافع عنهم، ولا نصيرًا ينصرهم، فيخرجهم من النار. يوم تُقَلَّب وجوه الكافرين في النار يقولون نادمين متحيِّرين: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا رسوله في الدنيا، فكنا من أهل الجنة. وقال الكافرون يوم القيامة: ربنا إنا أطَعْنا أئمتنا في الضلال وكبراءنا في الشرك، فأزالونا عن طريق الهُدى والإيمان. ربنا عذِّبهم من العذاب مثلَيْ عذابنا الذي تعذبنا به، واطردهم من رحمتك طردًا شديدًا. وفي هذا دليل على أن طاعة غير الله في مخالفة أمره وأمر رسوله، موجبة لسخط الله وعقابه، وأن التابع والمتبوع في العذاب مشتركون، فليحذر المسلم ذلك. وقال تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم/٢١]

стр. 1921

وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَبْرُزُ الخَلاَئِقُ كُلُّهَا لِلوَاحِدِ القَهَّارِ، وَتَجْتَمِعُ فِي بَرَازٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ المَكَانُ الوَاسِعُ الخَالِي الذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ)، فَيَقُولُ الأَتْبَاعُ (الضُّعَفَاءُ) لِلقَادَةِ الذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ: لَقَدْ كُنَّا تَابِعِينَ لَكُمْ نَأْتَمِرُ بِأَمْرِكُمْ، وَقَدْ فَعَلْنَا مَا أَمَرْتُمُونَا بِهِ، فَهَلْ تَدْفَعُونَ عَنَّا اليَوْمَ شَيْئاً مِنَ العَذَابِ ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا﴾؟ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمُ القَادَةُ الكُبَرَاءُ قَائِلِينَ: لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانَا لَهَدَيْنَاكُمْ مَعَنَا، وَلَكِنَّنَا ضَلَلْنَا فَضَلَلْتُمْ مَعَنَا، فَحَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الصَّبْرِ لأنَّ الجَزَعَ لاَ يُفِيدُ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا فَلاَ نَجَاةَ لَنَا مِنَ النَّارِ، وَلاَ مَصْرِفَ لَنَا عَنْهَا. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ [غافر/٤٧ - ٥٠] وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ أَهْلُ النَّارِ فِي الحِجَاجِ وَالخِصَامِ، فَيَقُولُ الأَتْبَاعُ لِلْقَادَةِ: إِنَّا أَطَعْنَاكُمْ فِيمَا دَعَوْتُمُونَا إِلَيهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الكُفْرِ والضَّلاَلِ، فَهَلْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا عَنَّا قِسْطاً مِنَ العَذَابِ فَتُخَفِّفُوهُ عَنَّا؟ فَقَدْ كُنَا لَكُمْ أَتْبَاعاً، وَإِنَّمَا دَخَلْنَا النَّارَ بِسَبَبِ إِطَاعَتِنَا لَكُمْ.

стр. 1922

وَيَقُولُ الكُبَرَاءُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ: إِنَّهُمْ جَمِيعاً فِي النَّارِ يَذُوقُونَ العَذَابَ، وَقَدْ فَصَلَ اللهُ بِقَضَائِهِ بَيْنَ العِبَادِ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ، فَلاَ يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِذَنْبِهِ، وَإِنَّهُمْ جَمِيعاً كَافِرُونَ وَقَدِ اسْتَحَقُّوا العَذَابَ بِسَبَبِ كُفِرِهِمْ. وَلَمَّا يَئِسَ المُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَنْ يَحْمِلَ السَّادَةُ الذِينَ كَانُوا سَبَبَ كُفْرِهِمْ، وَإِدْخَالِهِمْ فِي النَّارِ، شَيْئاً مِنَ العَذَابِ عَنْهُمْ، اتَّجَهُوا إِلَى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ يَسْأَلُونَهُمْ الاتِّجَاهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ لِيُخَفِّفَ عَنْهُمْ شَيْئاً مِنَ العَذَابِ فِي النَّارِ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ يُقَرِّعُونَهُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: أَلَمْ تَأْتِكُمْ رُسُلُ رَبِّكُمْ بِالحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ مَا يَدْعُونَكُمْ إِلَيهِ؟ وَيَقُولُ المُسْتَضْعَفُونَ: نَعَمْ لَقَدْ جَاءَهُمْ رُسُلُ اللهِ بِالحُجَجِ والبَيِّنَاتِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَحِينَئِذٍ يَقُولُ لَهُمْ خَزنَةُ جَهَنَّمَ: إِذاً فَادْعُوا أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ. وَلكِنَّ دُعَاءَ الكَافِرِينَ لاَ يُفِيدُ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُ، وَيَذْهَبُ سُدًى. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ [الزخرف/٣٦ - ٣٨] وَمَنْ يَتَغَافَلْ وَيَتَعَامَ عَنِ القُرْآنِ، وَعَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْهَمِك فِي المَعَاصِي، وَلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا. . فَإِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ فَيَكُونُونَ لَهُ قُرْنَاءَ، يُزَيِّنُونَ لَهُ ارْتِكَابَ المَعَاصِي، وَالاشْتِغَالَ بِاللَّذَّاتِ، فَيَسْتَرْسِلُ فِيهَا فَيَحِقُّ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ وَعِقَابُهُ.

стр. 1923

وَهَؤُلاَءِ القُرنَاءُ مِن شَيَاطِينِ الإِنْسِ والجِنِّ، الذِينَ يُقَيِّضُهُم اللهُ لِكُلِّ مَنْ يَعْشُوا عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، يُحَاوِلُونَ صَرْفَهُ عَنِ الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ، وَيُوسْوِسُونَ لَهُ أَنَّهُ عَلَى جَادَّةِ الهُدَى والحَقِّ والصَّوَابِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ عَلَى البَاطِلِ، وَيُكَرِّهُونَ إِلَيهِ الإِيْمَانَ فَيُطِيعُهُمْ. وَحِينَ يُوَافِي هَذَا الغَافِلُ، الذِي تَسَلّطَتْ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَتَبَرَّمُ بالشَّيْطَانِ الذِي وُكِّلَ بِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ مَا بَينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَبِئْسَ القَرِينُ أَنْتَ، لأَنَّكَ أَضْلَلْتَنِي، وَأَوْصَلْتَنِي إِلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والعَذَابِ المُهِينِ. وَيُقَالُ لِهَذَا الغَافِلِ الجَاهِلِ وَأَمْثَالِهِ، وَشَيَاطِينِهِمْ تَقْرِيعاً وَتَوْبِيخاً: لَنْ يَنْفَعَكُمْ، وَلَنْ يُغَنِيَ عَنْكُم اجْتَمَاعُكُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ وَقرنَاؤُكُمْ، وَلاَ اشْتِرَاكُكُمْ فِي العَذَابِ الأَلِيمِ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُعَانِي مِنَ العَذَابِ مَا يَكْفِيهِ. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ/٣١ - ٣٣]

стр. 1924

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذا القُرْآنِ، وَلاَ بِالكُتُبِ التِي تَقَدَّمَتْهُ، وَلاَ بِمَا اشْتَملَتْ عَليهِ مِنْ أُمورِ الغَيْبِ، وَالبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ، وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَليهم، قَائِلاً لرَسُولِهِ الكَرِيمِ: لَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ حَالَ أُولئِكَ الكُفَّارِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُمْ وَقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ، لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ، وَقَدْ عَلَتْهُمُ الذِّلَّةُ والمَهَانَةُ. . إذاً لَرَأَيْتَ أَمراً عَجَباً، إِذْ يَقُولُ الأتْبَاعُ المُسْتَضْعَفُونَ لِلسَّادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ الذِينَ حَمَلُوهُمْ عَلى اتِّبَاعِ سَبيلِ الغَيِّ والضَّلاَلةِ: لَولا أَنَّكُم صَدَدْتُمُونا عَنِ الهُدَى، وَحَمَلْتُمُونَا عَلى اتِّبَاعِكُمْ حَمْلاً لَكُنّا آمَنَّا بِرَبِّنا، وَبِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ. فَيَرُدُّ السَّادةُ المُسْتَكْبِرُونَ عَلَى المُستَضْعَفِينَ قَائِلِينَ: هَلْ نَحْنُ الذِينَ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ الذِي جَاءَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ؟ لَيْسَ هذا حَقَّاً، إِنَّكُمْ الذِينَ مَنَعْتُمْ الذِينَ مَنَعْتُمْ أَنْفُسَكُمْ حَظَّهَا مِنِ اتِّبَاعِ الهُدَى لإِجْرَامِكُمْ وَإِيثارِكُمُ الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ. فَقَالَ الأَتباعُ المُسْتَضْعَفُونَ لِلسَّادَةِ: بَلْ أَنْتُمُ الذِينَ كُنْتُمْ تُوَسْوِسُونَ لَنَا بِالكُفْرِ لَيلاً وَنَهَاراً، وَتُغُونَنا بِالّّثَّبَاتِ عَلَى الكًُفْرِ، وَالإِقَامَةِ عَلَيهِ، وَتُخْبِرُونَنا أَنَّنا عَلَى هُدىً فِيمَا نَعْبُدُهُ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ وَأَندَادٍ. وَيَتَوَقَّفُ الحِوَارُ بَيْنَ الأَتْبَاعِ المُسْتَضْعَفِينَ وَبَينَ السَّادَةِ المَتْبُوعِينَ، وَيُسِرُّ كُلُّ فَرِيقٍ في نَفْسِهِ ما يَشْعُرُ بِهِ مِنْ حَسْرَةٍ وَنَدَمٍ عَلَى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللهِ، وَمَا قَصَّرَ في طَاعَتِهِ، حِينَ يَرَى العَذابَ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْكَفَرةِ المُجْرِمينَ. ثُمَّ تُوضَعُ الأَغْلالُ وَسِلاسِلُ الحَدِيدِ فِي أَعْنَاقِ هؤلاءِ، وَهُمْ في النَّارِ. والعَذَابُ الذِي يَلْقَوْنَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِنَما هُوَ الجَزَاءُ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ عَلى مَا اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ وَالآثامِ والسَّيِّئَاتِ فِي الدُّنيا.

стр. 1925

• ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم: ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم ودعائهم الذي لا يستجاب لهم قال الله تعالى (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ١٠٠] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن مسعود قال إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار ثم قذفوا في نار الجحيم فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم ثم تلا ابن مسعود (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ١٠٠] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل للرجل صندوقا على قدره من النار ولا ينبض عرق إلا فيه مسمار من نار ثم تضرم بينهما نار ثم بقفل من نار ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم تضرم بينهما نار ثم يقفل ثم يطرح أو يلقى في النار فذلك قوله تعالى (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر: ١٦] وقوله تعالى (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ١٠٠] قال فما يرى أن في النار أحدا غيره. وقال تعالى: (فَأَمّا الّذِينَ شَقُواْ فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) [هود: ١٠٦] [*] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الربيع بن أنس الزفير في الحلق والشهيق في الصدر. [*] • وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن قتادة صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار أوله زفير وآخره شهيق. و قال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) [فاطر: ٣٧] (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيه السفن لجرت. • طلب أهل النار الخروج منها: قال تعالى: (قَالُواْ رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنّا قَوْماً ضَآلّينَ * رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ) [المؤمنون ١٠٦: ١٠٨] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره:

стр. 1926

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ أي: رُدَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ. ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١، ١٢] أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون. ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار، يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلاء. ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي. قال العَوْفِي، عن ابن عباس: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. انتهى. وقال تعالى: (وَنَادَوْاْ يَمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّكَ قَالَ إِنّكُمْ مّاكِثُونَ) [الزخرف: ٧٧] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ وهو: خازن النار. قال البخاري: حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عطاء عن صفوان بن يعلى، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى. ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]، فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك، ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾: قال ابن عباس: مكث ألف سنة، ثم قال: إنكم ماكثون. رواه ابن أبي حاتم. أي: لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها. انتهى.

стр. 1927

وقال تعالى: (وَقَالَ الّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنّمَ ادْعُواْ رَبّكُمْ يُخَفّفْ عَنّا يَوْماً مّنَ الْعَذَابِ * قَالُوَاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيّنَاتِ قَالُواْ بَلَىَ قَالُواْ فَادْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ) [غافر ٤٩: ٥٠] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لما علموا أن الله، سبحانه، لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: ﴿لأهل النار ـ أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أوما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أي: إلا من ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب. انتهى. وقال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مّا يَتَذَكّرُ فِيهِ مَن تَذَكّرَ وَجَآءَكُمُ النّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ) [فاطر: ٣٧] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب بالحق.

стр. 1928

وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: ينادون فيها، يجأرون إلى الله، بأصواتهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهمالأول، وقد علم الرب، ﷻ ، أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١١، ١٢]، أي: لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم لعدّتم إلى ما نهيتم عنه؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي: أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا فروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة. وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نُعَيَّر بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة، وكذا قال أبو غالب الشيباني. وقال عبد الله بن المبارك، عن مَعْمَر، عن رجل، عن وهب بن مُنَبِّه في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: عشرين سنة. وقال هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن الحسن في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: أربعين سنة. وقال هُشَيْم [أيضا]، عن مجاهد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله . وهذه رواية عن ابن عباس فيما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة.

стр. 1929

هكذا رواه من هذا الوجه، عن ابن عباس. وهذا القول هو اختيار ابن جرير. ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة. فهذه الرواية أصح عن ابن عباس، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا، لما ثبت في ذلك من الحديث ـ كما سنورده ـ لا كما زعمه ابن جرير، من أن الحديث لم يصح؛ لأن في إسناده مَنْ يجب التثبت في أمره. وقد روى أصبغ بن نُباتة، عن علي، ﵁، أنه قال: العمر الذي عَيَّرهم الله به في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة. - ثم ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستين سنة. انتهى. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه في العمر. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر اللّه إليه في العمر) أي بسط عذره على مواضع التملق له وطلب العذر إليه كما يقال لمن فعل ما نهى عنه ما حملك على هذا؟ فيقول خدعني فلان وغرّني كذا ورجوت كذا وخفت كذا فيقال له قد عذرناك وتجاوزنا عنك فإذا لم يرجع العبد ويعتذر مع تلاهي العمر وحلول الشيب الذي هو نذير الموت بساحته فقد خلع عذاره ورفض إنذاره وعدم الحجة في ترك الحجة ولا قوة إلا باللّه، قال ابن بطال: إنما كانت الستون حدّاً لذلك لأنها قريبة من المعترك وهو سن الإنابة وترقب المنية فهذا إعذار بعد إعذار لطفاً منه تعالى بعباده حتى ينقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجة الواضحة. • أهل النار لا يزالون في رجاء حتى يذبح الموت: ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت فحينئذ يقع منهم الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

стр. 1930

(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت ثم قرأ قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [سورة: مريم - الآية: ٣٩]. (حديث ابن عمر ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا صار أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة و النار ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود لا موت يا أهل النار خلود لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم و يزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم. • ذكر نداء أهل النار أهل الجنة وأهل الجنة أهل النار وتكليم بعضهم بعضا: ذكر نداء أهل النار أهل الجنة وأهل الجنة أهل النار وتكليم بعضهم بعضا.
следующие страницы →