Полный текст (6 619 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.
(حديث حازم بن حرملة الأسلمي ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: مررت بالنبي ﷺ فقال لي: يا حازم! أكْثر منْ قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنّها من كنوز الجنّة.
معنى كنز من كنوز: سمي هذه الكلمة كنزاً لنفاستها وصيانتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله من ذخائر الجنة ومحصلات نفائسها ويحصل لقائله ثواباً نفيساً يدخر له في الجنة.
[*] قال النووي رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة" قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئاً من الأمر.
- ومعنى الكنز هنا: أنه ثواب مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس كما أن الكنز النفيس أموالكم. ويدل لذلك الحديث الآتي:
(حديث سعد بن عبادة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: "ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ " قلت: بلى قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله.
فمن صلّى عليه صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ويكون أولى الناس به يوم القيامة، وقد وكل الله ملائكة سياحين يحملون صلاة الأمة إلى نبيهم.
قال تعالى: (إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [الأحزاب / ٥٦]
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة ... .
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: من صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى اللَّه عليه عشر صلوات، وحُطت عنه عشر خطيئات، ورُفعت له عشر درجات.
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من صلى عليَّ أو سأل ليَ الوسيلة حقت عليه شفا عتي يوم القيامة.
стр. 2242
(حديث أبي بن كعب ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي فقال ما شئت قال قلت الربع قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال قلت فالثلثين قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تُكْفَى هَمُك ويغفر لك ذنبك.
(١٦) التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين و حمد الله ثلاثا و ثلاثين و كبر الله ثلاثا و ثلاثين فتلك تسع و تسعون و قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير غفرت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.
(١٧) الإكثار من الباقيات الصالحات:
الباقيات الصالحات هن (سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر) بنص السنة الصحيحة.
• معنى الباقيات الصالحات:
الباقيات الصالحات: هي ما يتبقى لنا في الآخرة من الأعمال الصالحه، فالباقيات الصالحات أي: التي يبقى ثوابها، ويدوم جزائها وهذا خير أمل يأمله العبد و أفضل ثواب يتمناه.
- وهذا هو المأمول الحقيقي الذي يكون للعبد ويبقى قال تعالى: ""الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"" [الكهف/ ٤٦]
وقال تعالى: ""وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا"" [مريم/ ٧٦]
- بخلاف الآمال الزائلة التي تذهب وقد لا يحصل على شيء منها، وإذا حصل فلا حظ له في شيء من ذلك إلا ما قَدَّمَه كما في الحديثين الآتيين:
(حديث عبد الله بن الشخير الثابت في صحيح مسلم) أنه إنتهى إلى النبي ﷺ وهو يقرأ (ألهاكم التكاثر) قال: يقول بن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت)
стр. 2243
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال رسول الله ﷺ اعلموا أنه ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت.
فبين النبي ﷺ أن الباقي هو المقدم، وأن الذي أخره ليس من ماله، وليس له من الدنيا إلا ما لبس فأبلى، أو أكل فأمنى أو تصدق فأمضى، وعلى هذا فجديرٌ بكل مسلمٍ أن يندم أشد الندم على كل يومٍ غربت شمسُه نقص فيه أجله ولم يزد فيه عمله.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم من النار قولوا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فإنهنَّ يأتين يوم القيامة مقدمات و معقبات و مجنبات و هن الباقيات الصالحات.
"مقدمات": يعني يُقدّمْن صاحبَهنّ إلى الجنة.
"ومعقبات": يعني حافظات.
"ومجنبات": يعني يُجَنِّبْنَ صاحبَهنَّ النار.
(حديث سمرة بن جندب ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
(حديث أم هانئ بنت أبي طالب الثابت في السلسلة الصحيحة) قالت: مرّ بي رسول الله ﷺ فقلتُ: "إنِّي قد كبرتُ وضعُفت - أو كما قالت - فمُرني بعمل أعمله وأنا جالسة. قال: "سبّحي اللهَ مائة تسبيحة، فإنَّها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، تعدل لكِ مائة فرس مُسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكَبِّري اللهَ مائة تكبيرة فإنَّها تعدل لك مائة بدَنة مُقلّدة متقبّلَة، وهلِّلي مائة تهليلة - قال ابن خلف (الراوي عن عاصم) أحسبه قال -: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ به".
مُسرجة ملجمة: أي: عليها سرجها ولجامها لحمل المجاهدين في سبيل الله
стр. 2244
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما على الأرض أحد يقول لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر.
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الترمذي): أنَّ رسول الله ﷺ مرّ بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لَتُساقط من ذنوب العبد كما تَساقط ورق هذه الشجرة.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
قيعان: جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر.
غراس جمع غرس وهو: ما يستر الأرض من البذر ونحوه.
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله بكل واحدة منهن شجرة في الجنة.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فمن قال: سبحان الله كتبت له عشرون حسنة و حطت عنه عشرون سيئة و من قال: الله أكبر مثل ذلك و من قال: لا إله إلا الله مثل ذلك و من قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة و حط عنه ثلاثون خطيئة.
(حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد ملأ يده من الخير.
стр. 2245
(حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل تذكر بصاحبها أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به.
(حديث ثوبان ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله و سبحان الله و الحمد لله و الله أكبر و الولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه.
(حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح مسلم): أنَّ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : "يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضولِ أموالهم". قال: "أوَ ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلةٍ صدقة، وأمرٍ بالمعروف صدقة، ونهيٍ عن منكرٍ صدقة، وفي بُضعِ أحدكم صدقة". قالوا: "يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟ " قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ".
أهل الدثور: أي أهل الأموال والدثور: بضم الدال وجمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
والبُضْع: هو بضم الباء ويطلق على الجماع ويطلق على الفرج نفسه، هو الجماع وقيل الفرج نفسه.
(حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد ملأ يده من الخير.
(١٨) الإكثار من تلاوة وحفظ القرآن الكريم:
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر:٢٩]،
стр. 2246
(حديث ابن مسعودٍ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ﴿ألم﴾ حرف و لكن: ألف حرف و لام حرف و ميم حرف.
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال يقال لصاحب القرآن: اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها.
(١٩) تكرار قراءة سورة الإخلاص:
فإنها تعدل ثلث القرآن في الأجر والمعنى لما تحويه من توحيد الله وتعظيمه وتقديسه.
(حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أن رجلا سمع رجلا يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾. يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن).
(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
[*] قال الشيخ الألباني: صحيح دون فضل زلزلت
(٢٠) الترديد خلف المؤذن:
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن.
(حديث عمر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة فقال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر فقال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله فقال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة.
(حديث معاوية في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح قال: لا حول و لا قوة إلا بالله.
стр. 2247
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة.
(حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال من قال حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله رضيت بالله ربا و بمحمد رسولا و بالإسلام دينا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
(حديث جابر في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفا عتي يوم القيامة.
(٢١) الإكثار من قول لا إله إلا الله:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب و كتبت له مائة حسنة و محيت عنه مائة سيئة و كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي و لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك.
(٢٢) الإكثار من قول سبحان الله وبحمده:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من قال: سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من قال حين يصبح و حين يمسي: سبحان الله العظيم و بحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك و زاد عليه.
(٢٣) قول دعاء دخول السوق عند دخول السوق:
(حديث ابن عمر في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من قال حين يدخل السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد يُحيي ويُميت وهو حيٌ لا يموت بيده الخير و هو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف ألف سيئةٍ وبنى له بيتاً في الجنة.
(٢٤) الاعتمار في رمضان:
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: فإن عمرةً في رمضان تعدل حجة معي.
стр. 2248
(٢٥) التحلي ببعض آداب الجمعة:
(حديث أوس ابن أوس الثابت في صحيح السنن الأربعة) أن النبي ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة وغسَّل وبكَّر وابتكر ودنا واستمع وأنصت كان له بكلِ خُطوةٍ يخطوها أجرُ سنةٍ صيامُها وقيامها.
(٢٦) الصيام:
حث النبي ﷺ على الإكثار من صوم النفل طوال أيام السنة فرغب في صيام أيام الإثنين والخميس، وأيام البيض، وشهر شعبان، وصيام ست من شوال، وشهر الله المحرم، وعشر ذي الحجة، وصيام يوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء.
• الصيام له أجرٌ عظيم:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (قال الله : كلُ عملِ بن آدم له إلا الصيامُ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيامُ جنةُ فإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل فإن شاتمه أحدُ أو قاتله فليقل صائمٌ مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه)
(حديث أبي أمامة الثابت في صحيح النسائي) أنه قال للنبي ﷺ مُرني بأمرٍ ينفعني الله به، قال: عليك بالصيام فإنه لا مثل له)
• والصيام مما يتقى به من النار:
(حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من صام يوماً في سبيل الله بَعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)
﴿تنبيه﴾ المقصود (بسبعين خريفاً) أي سبعين سنة، وإنما خص فصل الخريف عن سائر الفصول لأنه أزكى الفصول لأنه يُجنى فيه الثمار.
• في الجنة باب خاصٌ للصائمين:
(حديث سهل بن سعد الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها بابٌ يُسمى الريَّان لا يدخله إلا الصائمون)
(٢٧) تفطير الصائمين:
(حديث زيد بن خالد الجهني الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: (من فطَّر صائماً كان له مثلُ أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)
(٢٨) الدعوة إلى الله والنصح للآخرين:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
стр. 2249
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك. قوله ﷺ : "فعمل بها بعده" معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته والله أعلم.
(٢٩) عيادة المريض:
(حديث ثوبان الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع، قيل يا رسول الله وما خُرفة الجنة؟ قال: جناها.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول يوم القيامة يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي.
(حديث علي الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي و إن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح و كان له خريف في الجنة.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
стр. 2250
(غُدْوَةً) بِضَمِّ الْغَيْنِ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغَدْوَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلِكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَمَا قَبْلَ الزَّوَالِ (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ: دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ
(حَتَّى يُمْسِيَ) مِنَ الْإِمْسَاءِ
(وَإِنْ عَادَهُ) إِنْ نَافِيَةٌ بِدَلَالَةِ إِلَّا، وَلِمُقَابَلَتِهَا مَا
(عَشِيَّةً) أَيْ: مَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ أَوَّلَ اللَّيْلِ
(وَكَانَ لَهُ) أَيْ: لِلْعَائِدِ (خَرِيفٌ) أَيْ: بُسْتَانٌ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَرُ الْمُجْتَنَى أَوْ مَخْرُوفٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
﴿تنبيه﴾: يجوز للمسلم أن يعود الكافر بغرض الدعوة إن رُجِي إسلامه وإلا فلا:
(حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قال: كان غلامٌ يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه وقال له أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أخرج من في النار.
(٣٠) الصيام وإتباع الجنازة وعيادة المريض وإطعام المسكين:
إذا اجتمعت في مسلم في يوم دخل الجنة بفضل الله كما حصل لأبي بكر ﷺ .
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة.
(٣١) الإصلاح بين الناس:
قال تعالى: (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء / ١١٤)
وقال تعالى: (فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) (الأنفال / ١)
وقال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات / ١٠)
стр. 2251
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة و يعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة و الكلمة الطيبة صدقة و كل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة و يميط الأذى عن الطريق صدقة.
(حديث أم كلثوم بنت عقبة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا.
زاد مسلم (ولم أسمعه يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها)
(حديث أسماء بنت يزيد ﵂ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته والكذب في الحرب والكذب ليصلح بين الناس.
(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام و الصلاة و الصدقة؟ إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة.
(٣٢) الصدقة الجارية:
كالمساعدة في بناء مسجد أو بئر أو مدرسة أو ملجأ أو تربية الأطفال على الدين الصحيح والآداب الإسلامية وتربية الولد على الصلاح، فإنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ومنها ولد صالح يدعو له، وكذلك نشر وطباعة الكتب ونسخ الأشرطة المفيدة وتوزيعها ودعم ذلك مادياً عن طريق مكاتب الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات والمؤسسات الخيرية وغيرها.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له.
(٣٣) قضاء حوائج الناس:
(حديث جابر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: المؤمن يألف و يؤلف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس.
(حديث محمد بن المنكدر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة.
стр. 2252
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا و من كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام و إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
(٣٤) اصطناع المعروف والدلالة على الخير:
(حديث جابر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: كل معروف صدقة.
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(كل معروف صدقة) قال القاضي: المعروف في اصطلاح الشارع ما عرف حسنه بالشرع وبإزائه المنكر وهو ما أنكره وحرمه وقال الراغب: المعروف اسم لكل ما عرف حسنه بالشرع والعقل معاً ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف وقال ابن أبي جمرة: يطلق المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من عمل البرّ جرت به العادة أم لا.
(والدال على الخير كفاعله) أي المتحير في أمره الحزين المسكين. (تنبيه) قال الماوردي: المعروف نوعان قول وعمل فالقول طيب الكلام وحسن البشر والتودد بجميل القول والباعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع لكن لا يسرف فيه فيكون ملقاً مذموماً وإن توسط واقتصد فهو برٌّ محمود وفي منثور الحكم من قلَّ حياؤه قلَّ أحباؤه والعمل بذل الجاه والإسعاف بالنفس والمعونة في النائبة والباعث عليه حب الخير للناس وإيثار الصلاح لهم وليس في هذه الأمور سرف ولا لغايتها حد بخلاف الأولى فإنها وإن كثرت أفعال تعود بنفعين نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذكر ونفع على المعان بها في التخفيف والمساعدة فلذلك سماه هنا صدقة.
(٣٥) السعي على الأرملة والمسكين:
(حديث صفوان بن سليم ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو: كالذي يصوم النهار ويقوم الليل.
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
стр. 2253
ومعنى الساعي: الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين والارملة بالراء المهملة التي لا زوج لها. أهـ
مسألة: ما الفرق بين الفقير والمسكين؟
(الفقير) الذين لا يجد شيئاً، أو يجد بعض الكفاية (أقل من النصف)
(المسكين) يجد نصف الكفاية أو أكثر من النصف، ودون الكفاية.
مسألة: كيف تعرف أن الرجل عنده نصف الكفاية أو أقل أو يزيد؟
يكون ذلك بخصم الإيرادات من المصروفات.
مسألة: إنسان يأخذ راتب شهري مقداره خمسة آلاف في السنة، وينفق في السنة عشرة آلاف، هل هو فقير أم مسكين؟
هو مسكين لأنه يجد نصف الكفاية.
مسألة: إذا كان راتبه أربعة آلاف، ومصروفه عشرة آلاف هل هو فقير أم مسكين؟
هو فقير لأنه يجد أقل من النصف.
مسألة: إذا لم يكن عنده شيئ ولا وظيفة ولا عمل؟
يكون فقير.
مسألة: هل المعتبر ما يكفي الإنسان للأكل والشرب فقط، أم المعتبر أيضاً السكنى و الإعفاف بالنكاح؟
المعتبر، الأكل والشرب والسكنى والإعفاف.
مسألة: إنسان عنده ما يكفيه من الأكل والشرب والكسوة و المسكن، وليس عنده مهرٌ ليتزوج به، هل يستحق الزكاة؟
نعم نعطيه ليعف نفسه.
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمؤنتهما، والأرملة من لا زوج لها سواء كانت تزوجت أم لا، وقيل هي التي فارقت زوجها، قال ابن قتيبة: سميت أرملة لمايحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال أرمل الرجل إذا فني زاده.
(٣٦) كفالة اليتيم:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى.
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
أنا وكافل اليتيم أي القيم بأمره ومصالحه.
قال بن بطال حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك. أهـ
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
كافل اليتيم القائم بأموره من نفقه وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك، وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أنا وكافل اليتيم) أي القائم بأمره ومصالحه هبه من مال نفسه أو من مال اليتيم كان ذا قرابة أم لا
стр. 2254
(في الجنة هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما أي أن الكافل في الجنة مع النبي ﷺ إلا أن درجته لا تبلغ بل تقارب درجته وفي الإشارة إشارة إلى أن بين درجته والكافل قدر تفاوت ما بين المشار به ويحتمل أن المراد قرب المنزلة حال دخول الجنة أو المراد في سرعة الدخول وذلك لما فيه من حسن الخلافة للأبوين ورحمة الصغير وذلك مقصود عظيم في الشريعة ومناسبة التشبيه أن النبي ﷺ شأنه أن يبعث لقوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً ومرشداً لهم ومعلماً وكافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل فيرشده ويعقله وهذا تنويه عظيم بفضل قبول وصية من يوصى إليه ومحل كراهة الدخول في الوصايا أن يخاف تهمة أو ضعفاً عن القيام بحقها.
(٣٧) اغتنام العمل في أيام عشر ذي الحجة:
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (ما من أيامٍ العملُ الصالح فيها أحبُ إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهادُ في سبيل الله إلا أحدُ خرج يجاهد بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء.
باب البكاء من خشية الله:
[*] • عناصر الباب:
• كيفية اكتساب البكاء من خشية الله:
• نماذج من بكاء السلف من خشية الله:
• استحباب إخفاء البكاء:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
• كيفية اكتساب البكاء من خشية الله:
مسألة: لو قال قائل أنا رجل لي عين لا تدمع فكيف أجعلها تدمع من خشيه الله؟
الجواب:
فصل الخطاب في هذه المسألة أن المسلم يستطيع أن يكتسب البكاء من خشية الله، وذلك من خلال الأمور الآتية:
(١) استشعار الخوف من الله تعالى:
إن هذا البكاءُ ثمرةُ العلمِ النافع، كما قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ) [الإسراء/١٠٩]
[*] قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره:
стр. 2255
قوله تعالى: " وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ " هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم، وَحُقَّ لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل. وفي مسند الدارمي أبي محمد عن التيمي قال: من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتي علما؛ لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية. ذكره الطبري أيضا. والأذقان جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيين. وقال الحسن: الأذقان عبارة عن اللحى؛ أي يضعونها على الأرض في حال السجود، وهو غاية التواضع. واللام بمعنى على؛ تقول سقط لفيه أي على فيه. وقال ابن عباس: "ويخرون للأذقان سجدا" أي للوجوه، وإنما خص الأذقان بالذكر لأن الذقن أقرب شيء من وجه الإنسان. قال ابن خويز منداد: ولا يجوز السجود على الذقن؛ لأن الذقن ها هنا عبارة عن الوجه، وقد يعبر بالشيء عما جاوره وببعضه عن جميعه؛ فيقال: خر لوجهه ساجدا وإن كان لم يسجد على خده ولا عينه. ألا ترى إلى قوله: فخر صريعا لليدين وللفم
فإنما أراد: خر صريعا على وجهه ويديه.
قوله تعالى: "يبكون" فيه دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالي، أو على معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها.
(حديث عبد الله بن الشخير الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء.
(حديث عبيد بن عمير ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ قال: فسكتت ثم قالت: لمَّا كانت ليلة من الليالي قال: «يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهَّر ثم قال يصلِّي، قالت: فلم يزل يبكي ﷺ حتى بلّ حِجْره، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي ﷺ حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد أُنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولميتفكر فيها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ (سورة آل عمران، الآية: ١٩٠).
(٢) قراءة القرآن وتدبر معانيه:
стр. 2256
قال تعالى: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) [الاسراء١٠٧ - ١٠٩] وقال : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) [مريم: ٥٨]
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن مسعود: (اقْرأ عَليَّ القُرْآن، فَإِنِّي أُحبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فقرأ عليْهِ من سُورة النِّساء حتّى بلغ قوله: ((فَكَيفَ إِذاَ جِئنَاَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَاَ بِكَ عَلى هَؤلاء شَهِيدا))، قال: (حَسْبُكَ الآن). فالتفتُ إليه فَإِذَاَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَان.
(حديث عبيد بن عمير ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ قال: فسكتت ثم قالت: لمَّا كانت ليلة من الليالي قال: «يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهَّر ثم قال يصلِّي، قالت: فلم يزل يبكي ﷺ حتى بلّ حِجْره، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي ﷺ حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد أُنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ (سورة آل عمران، الآية: ١٩٠).
(٣) معرفة عظيم الأجر على البكاء وخاصة في الخلوة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم.
стр. 2257
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
وقوله ﷺ " حتى يعود اللبن في الضرع ": هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) "تحفة الأحوذي "
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل و شاب نشأ في عبادة الله و رجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال: إني أخاف الله و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه و رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
• ويمتاز البكاء في الخلوة على غيره، لأن الخلوة مدعاة إلى قسوة القلب، والجرأة على المعصية، وبعيدة عن احتمال الرياء، فإذا ما جاهد الإنسان نفسه فيها، واستشعر عظمة الله فاضت عيناه، فاستحق أن يكون تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
(٤) التفكر في حالك وتجرؤك على المعصية والخوف من لقاء الله على هذه الحال.
[*] • كان بعض الصالحين يبكي ليلاً ونهاراً، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن الله تعالى رآني على معصية، فيقول: مُرَّ عنى فإني غضبان عليك.
(٥) استشعار الندم والشعور بالتفريط في جنب الله:
فدموعُ التائبين في جُنْحِ الليلِ تروي الغليل، وتشفي العليل، كما قال شيخ المفسِّرين أبو جعفر الطبري في تأويل قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ) [النجم:٥٩ – ٦١]
" لا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي الله؛ وأنتم من أهل معاصيه،
(وأنْتُمْ سامِدُونَ) يقول: وأنتم لاهون عما فيه من العِبَر والذِّكْر، مُعْرِضُون عن آياته! ". " جامع البيان عن تأويل آي القرآن " ٢٧/ ٨٢.
(٦) البكاء من الشفقة من سوء الخاتمة:
стр. 2258
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين): أن النبي ﷺ قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسَهم أن يُصيبكم ما أصابهم؛ إلا أن تكونوا باكين، ثم قنّع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع المشيَ حتى أجاز الوادي.
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
(لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسَهم): وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم وأن كان السبب ورد فيهم.
(إلا أن تكونوا باكين):
(أن يُصيبكم ما أصابهم) لئلا يصيبكم ما أصابهم.
وقد ترجم النووي لهذا الحديث بقوله: باب ندب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم أي محل نزول العذاب عليهم: أي طلب الخوف قلباً وظهور آثاره على ظاهر البدن بالبكاء والخضوع ونحوه كما قاله المصنف (وإظهار الافتقار) أي المبالغة في الفقر (إلى اللّه تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك) أي التحذير من الغفلة عما ذكر. " رياض الصالحين " ص٣٧٣.
[*] قال ابن علان الصديقى في دليل الفالحين:
(إلا أن تكونوا باكين) استثناء من أعم الأحوال: أي لا تدخلوا على أي حال إلا حال بكائكم، وليس المراد الاقتصار عليه حال الدخول بل استمرار ذلك مطلوب عند كل جزء من أجزاء الدخول والمرور بهم، رجاء أنه لم ينزل فيه البتة» لأنها مواقع سخط ومنازل بلاء
(أن يُصيبكم ما أصابهم) بالرفع على أن لا نافية: أي لئلا يصيبكم أي مثل ما أصابهم من العذاب. ويجوز الجزم على أنها ناهية وهو نهي بمعنى الخبر، وللبخاري في أبواب الأنبياء «أن يصيبكم» قلت: وهو كذلك في تفسير سورة الحجر منه: أي خشية أن يصيبكم، كذا قدر البصريون مثله، وقدره الكوفيون لئلا يصيبكم فحذف الجار، ووجه هذه الخشية أن البكاء في الأول أرجح لما يأتي ببعثه التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكير في أحوال توجب البكاء من تقدير اللّه تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، فمن مرّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بحالهم فقد شابههم في الإهمال ودلّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل عملهم فيصيبه ما أصابهم، ولهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالم من ليس بظالم؟ لأنه بهذا التقدير لا يأمن أن يصير ظالماً فيعذب بظلمه اهـ. ملخصاً من «فتح الباري» (متفق عليه).
стр. 2259
(٧) سماع المواعظ المؤثرة والمحاضرات المرققة للقلب:
(حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال لعرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يارسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
• نماذج من بكاء السلف من خشية الله:
[*] • وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لأن أدمع دمعه من خشيه الله أحب إلى من أن أتصدق بألف دينار.
[*] • وكان عمر بن الخطاب ﵁ في وجهه خطوط مُسودة من البكاء ٠
[*] • كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ بكى حتى يغلبه البكاء، وكان يطفئ المصباح بالليل ثم يبكي حتى تلتصق عينيه ٠
[*] • وبكى ابن مسعود حتى أخذ بكفه من دموعه فرمى به ٠
[*] • وقرأ تميم الداري رضى الله عنه أنه هذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فجعل يرددها إلى الصباح ويبكي، وقال أبو يونس بن عبيد: كنا ندخل عليه فيبكي حتى نرحمه ٠
[*] • وكان حذيفة ﵁ يبكي بكاءً شديداً، فقيل له: ما بكاؤك؟ فقال: لا أدري على ما أقدم، أعلى رضا أم على سخط؟.
[*] • وقال سعد بن الأخرم: كنت أمشي مع ابن مسعود فمَّر بالحدَّادين وقد أخرجوا حديداً من النار فقام ينظر إلى الحديد المذاب ويبكي.
[*] قال حماد بن زيد: رأيت ثابتا يبكي حتى تختلف أضلاعه.
[*] وقال جعفر بن سليمان: بكى ثابت البناني حتى كادت عينه تذهب، فجاؤوا برجل يعالجها، فقال: أعالجها على أن تطيعني. قال: وأي شيء؟ قال: على أن لا تبكي.، فقال: فما خيرهما إذا لم يبكيا، وأبى أن يتعالج.
وقرأ ثابت: ﴿تطلع على الأفئدة﴾ قال تأكله إلى فؤاده وهو حي لقد تبلغ فيهم العذاب ثم بكى وأبكى من حوله.
وقال حماد بن سلمة: قرأ ثابت: ﴿أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا﴾ وهو يصلي صلاة الليل ينتحب ويرددها.
стр. 2260
[*] وقال الثورى: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي فجعل سعيد يبكى حتى رحمته فقلت: يا سعيد ما يبكيك وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم؟ فقال: يا سفيان وما يمنعني من البكاء إذا ذكرت مناقب أهل الخير وكنت عنهم بمعزل؟ قال سفيان: حق له أن يبكى.
[*] وقال أبو مُسهر كان الأوزاعى ﵀ يحيى الليل صلاه وقرآنا وبكاء وأخبرنى بعض إخوانى من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصلاه فتجده رطباً من دموعه في الليل.
[*] وعن القاسم بن محمد البغدادى قال كنت جار معروف الكرخى فسمعته ليله في السحر ينوح ويبكى وينشد:
أي شيء تريد منى الذنوب ... شغفت بي فليس عنى تغيب
ما يضر الذنوب لو أعتقتني ... رحمةً لي فقد علاني المشيب
[*] عن بشير قال بت عند الربيع ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية ((أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)) قال فمكث ليلته حتى أصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
عن نسير بن ذعلوق قال: (كان الربيع بن خيثم يبكي حتى يبل لحيته من دموعه فيقول أدركنا قوماً كنا في جنوبهم لصوصاً.
[*] عن سفيان قال بلغنا عن أم الربيع بن خيثم كانت تنادي ابنها ربيع تقول يا ربيع ألا تنام فيقول يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف السيئات حق له ألا ينام قال فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت يا بني لعلك قتلت. قتيلا قال نعم يا والدة قد قتلت قتيلا، فقالت ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل إلى أهله فيغتفرك والله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء بعد لقد رحموك فقال يا والدة هو نفسي.
[*] قال الحسن البصري: بلغنا أن الباكي من خشيه الله لا تقطر من دموعه قطره حتى تعتق رقبته من النار وقال أيضاً: لو أن باكيا بكى في ملأ من خشية الله لرحموا جميعا وليس شيء من الأعمال إلا له وزن إلا البكاء من خشية الله فإنه لا يقوم الله بالدمعة منه شيء وقال: ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب.
- وأُتِىَ الحسن البصرى بكوز من ماء ليفطر عليه فلما أدناه إلى فيه بكى وقال ذكرت أمنية أهل النار قولهم [أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُوَاْ] وذكرت ما أجيبوا به [إِنّ اللّهَ حَرّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ] [الأعراف: ٥٠]].
стр. 2261
[*] • وانتبه الحسن ليلة فبكى، فضج أهل الدار بالبكاء، فسألوه عن حاله فقال: ذكرت ذنبا لي فبكيت.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن الحسن البصري أنه جلس ذات يوم يعظ الناس، فجعلوا يزدحمون عليه ليقربوا منه، فأقبل عليهم، وقال: يا إخوتاه، تزدحمون عليّ لتقربوا مني؟ فكيف بكم غدًا في القيامة إذا قرّبت مجالس المتقين، وأبعدت مجالس الظالمين، وقيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا؟ فيا ليت شعري: أمع المثقلين أحط، أم مع المخفين أجوز؟ ثم بكى حتى غشي عليه، وبكى من حوله، فأقبل عليهم وناداهم، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النار؟ ألا من بكى خوفًا من النار نجاه الله منها يوم يجرّ الخلائق بالسلاسل والأغلال.
يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إلى الله. ألا وإن من بكى شوقًا إلى الله، لم يحرم من النظر غدًا إلى الله إذا تجلى بالرحمة، واطّلع بالمغفرة، واشتدّ غضبه على العاصين.
يا إخوتاه، ألا تبكون من عطش يوم القيامة؟ يوم يحشر الخلائق وقد ذبلت شفاههم، ولم يجدوا ماء إلا حوض المصطفى ﷺ ، فيشرب قوم، ويمنع آخرون. ألا وإن من بكى من خوف عطش ذلك اليوم سقاه الله من عيون الفردوس.
قال: ثم نادى الحسن ﵁: واذلاه إذا لم يرو عطشي يوم القيامة من حوض النبي ﷺ .
ثم بكى وجعل يقول: والله لقد مررت ذات يوم بامرأة من المتعبدات، وهي تقول: إلهي، قد سئمت الحياة شوقًا ورجاء فيك. فقلت لها: يا هذه، أتراك على يقين من عملك؟ فقالت: حبي فيه وحرصي على لقائه بسطني. أتراه يعذبني وأنا أحب؟.
فبينما أنا كذلك أخاطبها، إذ مرّ بي صبيّ صغير من بعض أهلي، فأخذته في ذراعي، وضممته إلى صدري، ثم قبلته. فقالت لي: أتحب هذا الصبي؟ قلت: نعم. قال: فبكت، وقالت: لو يُعلم الله الخلائق ما يستقبلون غدًا، ما قرّت أعينهم، ولا التذّت قلوبهم بشيء من الدنيا أبدًا.
قال: فبينما أنا كذلك، إذ أقبل لها ولد يقال له: ضيغم، فقالت: يا ضيغم، أتراني أراك غدًا يوم القيامة في المحشر أو يحال بيني وبينك؟ قال: فصاح الصبي صيحة ظننت أنه قد انشق قلبه، ثم خرّ مغشيًا عليه، فجعلت تبكي عليه، وبكيت لبكائها.
стр. 2262
فلما أفاق من غشيته، قالت له: يا ضيغم، قال لها لبيك يا أماه. قالت: أتحب الموت؟ قال: نعم. قالت: ولم يا بنيّ؟ قال لها: لأصير إلى من هو خير منك، وهو أرحم الراحمين، إلى من غذاني في ظلمة أحشائك، وأخرجني من أضيق المسالك، ولو شاء لأماتني عند الخروج من ضيق ذلك المسلك حتى تموتي أنت من شدة أوجاعك، لكنه برحمته ولطفه، سهّل ذلك عليّ وعليك. أما سمعتيه يقول: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ [الحجر ٤٩ـ٥٠] وجعل يبكي وينادي: أواه أواه، إن لم أنج غدًا من عذاب الله، ولم يزل يبكي حتى غشي عليه، وسقط على الأرض، فدنت منه أمه، فلمسته بيدها، فإذا هو ميّت ﵀.
فجعلت تبكي وتقول: يا ضيغماه، يا قتيلًا في حبّ مولاه. ولم تزل كذلك حتى صاحت صيحة عظيمة، ووقعت في الأرض، قال: فحرّكتها، فإذا هي قد ماتت. رحمة الله عليه وعليها، ورحمنا الله بهما.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن علي بن محمد بن إبراهيم الصفار، قال: حضرت أسود بن سالم ليلة وهو يقول هذين البيتين ويكررهما ويبكي:
أمامي موقف قدّام ربي ... يسألني وينكشف الغطا
وحسبي إن أمرّ على صراط ... كحد السيف أسفله لظى
قال: ثم صرخ صرخة، ولم يزل مُغْمَى عليه حتى أصبح ﵁.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال: خرجت ذات ليلة إلى مسجد الكوفة، فلما قربت من المسجد، فإذا في بعض رحابه شاب قد خرّ ساجدًا وهو يخور بالبكاء، فلم أشك أنه ولي من أولياء الله تعالى؟، فقربت منه لأسمع ما يقول فسمعته يقول أبياتًا:
عليك يا ذا الجلال معتمدي ... طوبى لمن كنت أنت مولاه
طوبى لمن بات خائفًا وجلًا ... يشكو إلى ذي الجلال بلواه
وما به علة ولا سقم ... أكثر من حبّه لمولاه
اذا خلا في ظلام الليل مبتهلًا ... أجابه الله ثم لبّاه
ومن ينل ذا من الإله فقد ... فاز بقرب تقرّ عيناه
فبقي يكرر هذه الأبيات ويبكي، وأنا أبكي رحمة لبكاءه، فبينما أنا كذلك، لاح لي ضوء كالبرق الخاطف، فأسرعت بيدي إلى عيني، فسمعت، فإذا بمناد ينادي من فوق رأسه بصوت عذب لذيذ لا يشبه كلام بني آدم، هو يقول:
لبيّك عبدي وأنت في منفي ... وكل ما قلت قد قبلناه
صوتك تشتاقه ملائكتي ... وحسبك الصوت قد سمعناه
إن هبت الريح من جوانبه ... خرّ صريعًا لما تغشاه
ذاك عبدي يجول في حجبي ... وذنبك اليوم قد غفرناه
стр. 2263
فقلت: مناجاة الحبيب مع حبيبه وربّ الكعبة، فخريّت مغشيًا على وجهي لما أدركني من الهيبة، ثم أفقت من عشيتي وأنا أسمع ضجيج الملائكة في الهواء، وخفقان أجنحتهم بين السماء والأرض، خيّل اليّ أن السماء قد قربت من الأرض، ورأيت النور قد غلب على ضوء القمر، وكانت ليلة مقمرة ساطعة النور، فدنوت منه وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام، فقلت له: بارك الله فيك، من أنت يرحمك الله؟ فقال لي: أنا راشد بن سليمان، فعرفته لما كنت أسمع عنه. فقلت له: رحمك الله، لو أذنت لي في صحبتك لآنس بك، فقال لي: هيهات هيهات، وهل يأنس بالمخلوقين من تلذذ بمناجاة رب العالمين، فانصرف عني وتركني ﵁.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن بعض المتعبدين أنه قال: إلهي عصيتك قويًا، وأطعتك ضعيفًا، وأسخطتك جلدًا، وخدمتك نحيفًا، فيا ليت شعري، هل قبلتني على لؤمي، أم صرفتني على جرمي؟ قال: ثم غشي عليه ووقع على الأرض وانسلخت جبهته.
فقامت إليه أمه، وقبّلته بين عينيه، ومسحت جبهته وهي تبكي وتقول: قرّة عيني في الدنيا، وثمرة فؤادي في الآخرة، كلم عجوزك الثكلى، وردّ جواب أمك الحريّ.
قال: فأفاق الفتى من غشيته، ويده قابضة على كبده، وروحه تتردد في جسده، ودموعه تنسكب على خده ولحيته، فقال لها: يا أماه، هذا اليوم الذي كنت تحذريني منه، وهذا هو المصرع الذي كنت تخوّفيني منه، هذا مصرع الأهوال، وسقوط عثرة الأثقال، فيا أسفًا على الأيام الخالية، ويا جزعي من الأيام الطوال التي لم أعرّج فيها على الإقبال.
يا أماه أنا خائف على نفسي أن يطول في النار سجني وحبسي. يا حزناه إن رميت فيها على رأسي، ويا أسفاه إن قطعت فيها أنفاسي.
يا أماه، افعلي ما أقول لك.
فقالت له: يا بنيّ، فدتك نفسي، ماذا تريد؟.
قال لها: ضعي خدي على التراب، وطئيه بقدمك حتى أذوق طعم الذل في الدنيا، والتلذذ للسيّد المولى، عسى أن يرحمني وينجيني من نار لظى. قالت أمه: فقمت إليه في الحال، وقد ألصق خده بالتراب، والدموع تجري من عينيه كالميزاب، فوطئت خده بقدمي، فإذا هو ينادي بصوت ضعيف: هذا جزاء من أذنب وعصى، وهذا جزاء من أخطأ وأساء، هذا جزاء من لم يقف بباب المولى، هذا جزاء من لم يراقب العلي الأعلى.
قالت: ثم تحوّل إلى القبلة، وقال: لبيّك لبيّك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
стр. 2264
قال: ثم مات في مكانه، فرأته أمه في المنام كأن وجهه فلقة قمر تجلى من سحاب، فقالت له: يا بنيّ، ما فعل بك مولاك؟ قال: رفع درجتي، وقرّبني من محمد ﷺ ، فقالت له أمه: يا بنيّ، ما الذي سمعت منك تقوله عند وفاتك؟ فقال لها: يا أماه، هتف بي هاتف وقال لي: يا عمران، أجب داعي الله، فأجبته، ولبيّت ربي . رحمه الله تعالى.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن المغيرة بن حبيب: كنت أسمع بمجاهدة المحبين، ومناجاة العارفين، وكنت أشتهي أن أطّلع على شيء من ذلك، فقصدت مالك بن دينار، فرمقته على غفلة وراقبته من حيث لا يعلم ليالي عدة، فكان يتوضأ بعد العشاء الآخرة، ثم يقوم إلى الصلاة، فتارة يفني ليله في تكرار آية أو آيتين، وتارة يدرج القرآن درجًا، فإذا سجد وحان انصرافه من صلاته، قبض على لحيته، وخنقته العبرة، وجعل يقول: بحنين الثكلى وأنين الولهى، يا إلهي، ويا مالك رقّي، ويا صاحب نجواي، ويا سامع شكواي، سبقت بالقول تفضلًا وامتنانًا، فقلت: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]، والمحبّ لا يعذب حبيبه، فحرم شيبَةَ مالكٍ على النار. إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، فأيّ الرجلين مالك، وأي الدارين دار مالك؟.
ثم يناجي كذلك إلى أن يطلع الفجر، فيصلي الصبح بوضوء العتمة ﵀.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ عن مجاهد قال: كانت الدُّموع قد اتخذت في خَده مجرى.
- وقال أيضاً:
[*] • وكان نهاد بن مطر العدوى قد بكا حتى عمى، وبكى ابنه العُلا حتى عشى بصره. [*] • وكان منصره قد بكى حتى جردت عيناه ٠ وكانت أمه تقول: يا بني لو قتلت قتيلاً ما زدت على هذا ٠
[*] • وبكى هشام الدستوائي حتى فسدت عيناه وكانت مفتوحة وهو لا يبصر بها ٠
[*] • وبكى يزيد الرقاشي أربعين سنة حتى أظلمت عيناه وأحرقت الدموع مجاورتها ٠
[*] • وبكى ثابت البناني حتى كاد بصره أن يذهب وقيل له: نعالجك على أن لا تبكي فقال: لا خير في عين لم تبك. أهـ
стр. 2265
[*] • وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ عن الحسن بن عدقة: رأيت يزيد بن هارون بواسط من أحسن الناس عينين ثم رأيته بعد ذلك مكفوف البصر فقلت له: ما فعلت العينان الجميلتان قال: ذهب بهما بكاء الأَسحَار يا هذا لو علمت ما يفوتك في السحر ما حملك النوم تقدم حينئذ قوافل السهر على قلوب الذاكرين وتحط رواحل المغفرة على رباع المستغفرين من لم يذق حلاوة شراب السحر لم يبلغ عِرفانه بالخير من لم يتفكر في عمره كيف انقرض لم يبلغ من الحزن الغرض ٠
قيل لعطاء السليمي: ما تشتهي قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أَقدر أن أبكي وكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه ٠ وبكى مالك بن دينار حتى سود طريق الدموع خديه وكان يقول: لو ملكت البكاء لبكيت أيام الدنيا.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ أن أُم الربيع ابن خيثم قالت لولدها: يا بني أَلا تنام قال: يا أُماه من جَنَّ عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام ٠ فلما رأت ما يلقى من السهر والبكاء قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً قال: نعم قالت: ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون فوالله لو يعلمون ما تلقى من السهر قيل لزيد بن مزيد: ما لنا لم نزل نراك باكياً وجلاً خائفاً فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عبرة ٠
- وقال أيضاً: كان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على الحصى فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك ولو أمسكت قليلا ً فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة أورثني دموعاً غزاراً فأنا أستريح إلى ذرها
وعوتب عطاء السلمي في كثرة البكاء فقال: إني إذا ذكرت أهل النار وما يُنزلُ بهم من عذاب الله تعالى مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغلّ يدها وتسحب إلى النار ولا تبكي. أهـ
[*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف:
كان " عطاء السّلمي " يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق فقطرت دموعه يوما فصاح رجل: يا أهل الدار: ماؤكم طاهر فقال " عطاء ": اغسله فإنه دمع من عصى الله كان " داود " ﵇ يؤتى بالإناء ناقصا فلا يشربه حتى يتمه بدموعه.
- وقال أيضاً:
стр. 2266
[*] قال أبو جعفر الباقر: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذله وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمه رحم الله تلك الأمة.
[*] وقال كعب الأحبار: لأن أبكى من خشية الله فتسيل دموعي على وجنتي أحب إلى من أن أتصدق بوزني ذهبا.
[*] وعن أبى معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبى حازم يبكى ويمسح وجهه بدموعه فقيل له لم تمسح وجهك بدموعك؟ قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله ذلك المكان على النار.
[*] روى أحمد بن سهل قال: قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال: كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن قال وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له: إقرأ فقرأ [ألهاكم التكاثر] ورفع بها صوته فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقه ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول:
بلغتُ الثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمل أو أنتظر
أتى ثمانون من مولدي ... وبعد الثمانين ما يُنْتَظر
عَّلتنى السنون فأبليننى ... ......................
قال ثم خنقته العبره وكان معنا على بن خشرم فأتمه لنا يقول
علتنى السنون فأبليننى ... فرقت عظامى وكل البصر
[*] ابن المنكدر:
* كان محمد بن المنكدر: ذات ليله قائم يصلى إذ استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله فسألوه: ما الذي أبكاك؟ فاستعجم عليهم فتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبى حازم وأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكى فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك فقال له إني مرت بي آيه من كتاب الله قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى [وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون] قال فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما فقال بعض أهله لأبى حازم جئناك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما الذي أبكاهما.
[*] الإمام الحجة الحافظ هشام الدستوائي:
وقال شاذ بن فياض: بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه، فكانت مفتوحة، وهو لا يكاد يبصر بها.
стр. 2267
[*] قال الحارث بن سعيد كنا عند مالك بن دينار وعنده قارىء يقرأ [إذا زلزلت الأرض زلزالها] فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون حتى انتهى القارىء إلى [فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره] فجعل مالك يبكى ويشهق حتى غشى عليه فحمل بين القوم صريعاً.
[*] وعن إبراهيم بن الأشعث قال كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكى حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس فكأنه بين الموتى جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها.
[*] وعن عاصم قال: سمعت شقيق بن مسلمه يقول وهو ساجد رب اغفر لي رب اغفر لي إن تعف عنى تعف عنى تطولا من فضلك وإن تعذبني تعذبني غير ظالم لي قال ثم يبكى حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد.
- ذاك والله هو الإيمان الحق الذي ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقة العمل وهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون وإن لم يكن هؤلاء أولياء الله فليس لله ولى.
[*] • و كان سفيان يبكي ويقول أخاف أن أسلب الأيمان عند الموت.
[*] • وهذا إسماعيل بن زكريا يروي حال حبيب بن محمد ـ وكان جاراً له ـ يقول: كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه، فأتيت أهله، فقلت: ما شأنه؟ يبكي إذا أمسى، ويبكي إذا أصبح؟! قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسي.
[*] • وعوتب يزيد الرقاشى على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خُلِقتْ لك ما زدت على هذا؟! قال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن و الإنس؟
[*] • وسئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال: ويحك، الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي لا أدري ما يُصنَع بي.
[*] • وكان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته: ما شأنه؟ قالت: زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد.
• استحباب إخفاء البكاء:
стр. 2268
وبالتأمل في سيرة هؤلاء الصالحين الباكين من خشية الله تعالى نجد أنهم اشتركوا في صفة واحدة على تنوع عباداتهم واجتهاداتهم في طاعة الله تعالى تلك الصفة هي الإخلاص المنافي للرياء فلقد كانوا ﵃ أبعد الناس عن أن يراهم أحد حال البكاء حرصاً منهم أن لا يدخل العُجْب قلوبهم فتبطل عبادتهم وتراهم شددوا بلسان الحال والمقال على هذه الصفة ابتغاء نيل الأجر كاملاً غير منقوص من رب العالمين لا من مدح المادحين.
[*] قال الحسن البصري:
إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام.
وقال عبد الكريم بن رشيد: كنت في حلقه الحسن فجعل رجل يبكى وارتفع صوته فقال الحسن إن الشيطان ليبكى هذا الآن.
[*] وكان أيوب السختيانى في ثوبه بعض الطول لستر الحال وكان إذا وعظ فرقَّ فَرَقَ من الرياء فيمسح وجهه ويقول: ما أشد الزكام.
[*] وقال حماد بن زيد: دخلنا على محمد بن واسع في مرضه نعودة قال فجاء يحيى البكاء يستأذن عليه فقالوا: يا أبا عبد الله هذا أخوك أبو سلمه على الباب قال: من أبو سلمه؟ قالوا: يحيى قال: من يحيى؟ قالوا: يحيى البكاء قال حماد: وقد علم أنه يحيى البكاء فقال شر أيامكم يوم نسبتم فيه إلى البكاء.
[*] وعن القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة إن كان يصلى آنا نصلى وإن كان يصوم آنا نصوم وإن كان يغزو فآنا نغزو وإن كان يحج آنا لنحج قال فكنا في بعض مسيرتا في طريق الشام ليله نتعشى في بيت إن طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا ولعله حين فقد السراج فصار إلى ظلمه ذكر القيامة.
باب ذم المعاصي وقبح آثارها:
[*] • عناصر الباب:
• ذم المعاصي:
• قبح آثار المعاصي:
• توبيخ العاصي:
• الأدوية التي تزهدك في المعاصي:
• كيفية الوقاية من الذنوب:
• كيف أتخلص من المعاصي:
• التحذير من المجاهرة بالمعصية:
• مفاسد المجاهرة بالمعاصي:
• صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
• ذم المعاصي:
• أخي الحبيب:
стр. 2269
• كم أكبَّت المعاصي رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم، وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالت من نعمة، وأحلَّت من نقمة، وكم أنزلت من معْقل عزِّهِ عزيزاً فإذا هو في الأذلين، ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل سافلين، وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلت من ندم، وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد، وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء؛ فقلَّ أن يفارقها زوال نعمة، أو فجاءة نقمة، أو تحويل عافية، أو طُروق بلية، أو حدوث رزية؛ فلو سألت النِّعَم ما الذي أزالك؟ والنِّقم ما الذي أدالك؟ والهمومَ والأحزان ما الذي جلبك؟ والعافية ما الذي أبعدك وجنَّبك؟ والستر ما الذي كشفك؟ والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان ما الذي كوَّرك؟ وعزة النفس ما الذي أذلَّك؟ وبالهوان بعد الأكرام بدَّلك _ لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً.
• أخي الحبيب:
اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن المعاصي تضر بالقلب والبدن ضرراً بليغاً فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، نعوذ بالله الكبير المتعال من سوء الحال وقُبح الفِعال ونعوذ به من السفه والضلال، فالمعاصي للقلب والبدن داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمرها خطير وشرها مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب ضررها كضرر السرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، ومن تفكَّر ملياً وتأمل جلياً لم يجد في الدنيا و الآخرة شر ولا داء إلا سببه الذنوب والمعاصي.
стр. 2270
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبرجل التسبيح والتهليل رجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهون، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار قواداً لكل فاسق ومجرم. رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك، وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يغرّنّكم قول الله : ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، فإن السيئة وإن كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة:
أولها: إذا أذنب العبد ذنبًا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه.
والثانية: أنه فرّح إبليس لعنه الله.
والرابعة: أنه تقرّب من النار.
والخامسة: أنه قد آذى الحفظة.
والثامنة: أنه قد أحزن النبي ﷺ في قبره.
والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السماوات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان.
стр. 2271
والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين.
[*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
واعلم وفقك الله أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى وهي
وإن سر عاجلها ضر آجلها ولربما تعجل ضرها فمن أراد طيب عيشه فليلزم التقوى.
[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن الأصمعي عن أبيه قال كان شيخ يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله تعالى.
فمتى رأيت وفقك الله تكديراً في حال فتذكر ذنباً قد وقع.
[*] • قال الفضيل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي
[*] • وقال أبو سليمان الداراني: من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفيء في ليله. أهـ
• فيا من يريد دوام العيش على البقاء، دم على الإخلاص والنقاء وإياك والمعاصي فالعاصي في شقاء، والمعاصي تذل الإنسان وتخرس اللسان وتغير الحال المستقيم وتحل الاعوجاج مكان التقويم ٠
• قبح آثار المعاصي:
إن للمعاصي آثارٌ سيئة وعواقب وخيمة وقد تصل العقوبة إلى عمى البصيرة والعياذ بالله فيصير الإنسان هائماً في الضلال، يتقاعس عن التكليف ولا ينفع فيه وعظٌ ولا تسويف، يعيش حياته جيفةً بالليل حمارٌ بالنهار، يعيش عيش البهائم بالليل نائم وبالنهار هائم، لا يعرفُ من الإسلام إلا اسمه ولا من المصحفِ إلا رسمه.
[*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
اعلم أن العقوبة تختلف فتارة تتعجل وتارة تتأخر وتارة يظهر أثرها وتارة يخفى،
وأطرف العقوبات مالا يحس بها المعاقب وأشدها العقوبة بسلب الإيمان والمعرفة ودون ذلك موت القلوب ومحو لذة المناجاة منه وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن وإهمال الاستغفار ونحو ذلك مما ضرره في الدين.
وربما دبت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة إلى أن يمتلىء أفق القلب فتعمى البصيرة.
وأهون العقوبة ما كان واقعا بالبدن في الدنيا وربما كانت عقوبة النظر في البصر فمن عرف لنفسه من الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرد ما يرد.
ومن آثار المعاصي ما يلي:
(١) حرمان العلم فالعلم نور يقذفه الله فى القلب و المعصية تطفى ذلك النور
стр. 2272
(٢) وحشة يجدها العاصي فى قلبة بينه و بين الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا لا يحس بها الا من كان فى قلبة حياة.
(٣) وحشة تحصل بينه و بين الناس لاسيما اهل الخير منهم و كلما قويت تلك الوحشة ابتعد عنهم و عن مجالسهم و حرم بركة الانتفاع بهم.
(٤) تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه.
(٥) ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل.
(٦) المعاصي توهن القلب و البدن فالفاجر و إن كان قوى البدن فإنة أضعف شئ عند الحاجة.
(٧) المعاصي تؤدى الى حرمان الطاعة فإنها تصد عن طاعة تكون بدل المعصية.
(٨) المعاصي تقصر العمر و تمحق بركته فالبر كما يزيد العمر فالفجور يقصر العمر.
(٩) المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مقاطعتها و الخروج منها.
(١٠) المعاصي تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية و تضعف إرادة التوبة.
(١١) المعاصي باستمرار فعلها تصير عادة فلا يستقبح من يفعلها حتى يفتخر أحدهم بالمعصية و يحدث بها من لم يعلم أنة عملها.
(١٢) المعصية سبب لهوان العبدعلى ربه و سقوطه من عينه
(١٣) العاصي يجعل غيره من الناس و الدواب يعود عليهم شؤم ذنبه فيحترق هو و غيره بشؤم الذنوب و الظلم.
(١٤) المعصية تورث الذل فإن العز فى طاعة الله لا محال
(١٥) المعاصي تدخل العبد تحت لعنة الرسول صلى الله عليه و سلم كما لعن آكل الربا و لعن شارب الخمر و لعن الواشمةو المستوشمة وغيرهم.
(١٦) المعاصي تؤدي الى الحرمان من دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم و دعاء الملائكة.
(١٧) تحدث المعاصي فى الأرض أنواعا من فساد المياه و و الهواء و الزروع و الثمار و المساكن و ما يحل بها من الخسف و الزلازل و يمحق بركتها.
(١٨) تطفئ المعاصي من القلب نار الغيرة.
(١٩) المعاصي تذهب الحياء الذى هو مادة حياة القلب.
(٢٠) المعاصي تضعف فى القلب تعظيم الرب جل جلالة.
(٢١) المعاصي تستدعى نسيان الله لعبده و تركه و تخليته بينه و بين نفسه و شيطانه.
(٢٢) العاصي يلقى فى قلبه الرعب و الخوف دائما.
(٢٣) ينصرف العاصي عن صحته واستقامته فتجده مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته و صلاحه.
(٢٤) العاصي دائما أسير مسجون مقيد فى يد شيطانه.
• توبيخ العاصي:
• أيها العاصي ما أغدرك!
стр. 2273
• تسأل الله فيعطيك، فتستعين بما أعطاك على معصيته، أو أمنت أن يهتك سترك أو يغضب عليك غضبةً لا يرضى بعدها أبدا، كيف أمنت هذه الحالة ويمكن وقوعها لا محالة، أراك ضعيف اليقين يا مؤثر الدنيا على الدين.
• إلى متى تستمر على عصيانه، وقد غذاك برزقه وإحسانه، أما خلقك بيده؟ أما نفخ فيك من روحه؟ أما علمت فعله بمن أطاعه، وأخذي لمن عصاه؟ أما تستحي تذكره في الشدائد وفي الرخاء تنساه؟ عين بصيرتك أعماها الهوى.
هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة، فإلى كم هذا التواني؟ إن تبت من ذنبك، آتيتك أماني.
اترك دارًا صفوها كدر، وآمالها أماني
• يا من يسير بعمره وقد تعدّى الحدود، إبك على معصيتك فلعلك مطرود. يا من عمره ينتهب وليس الماضي يعود، قد أسمعتك المواعظ من أرشادها نصحًا، وأخبرك الشيب أنك بالموت تقصد وتنحّا، وناداك لسان الاعتبار: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق ٦].
[*] • قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يُغمى عليه مرة، ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكًا في دنياه، متخلفًا عن طاعة مولاه، فقلت له: يا أخي، تب إلى الله، وارجع عن غيّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك، ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك. فقال: هيهات هيهات! قد دنا ما هو آت، وأنا ميّت لا محالة، فيا أسفي على عمر أفنيته في البطالة. أردت أن أتوب مما جنيت، فسمعت هاتفًا يهتف من زاوية البيت: عاهدناك مرارًا فوجدناك غدارًا.
نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونستغفره من الذنوب المتقادمة.
• يا أسير دنياه، يا عابداً لهواه، يا مَوْطِن الخطايا، ويا مِسْتَودِعَ الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفًا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رُمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك:
إليك عنا فما تحظى بنجوانا ... يا غادرًا قد لها عنا وقد خانا
أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا ... وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا
بأي وجه نراك اليوم تقصدنا ... وطال ما كنت في الأيام تنسانا
يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع ... إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا
• كم عاهدته مرارًا فوجدك غدارًا، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين.
стр. 2274
• أيا كثير الشقاق، يا قليل الوفاق، يا مرير المذاق، يا قبيح الأخلاق، يا عظيم التواني قد سار الرفاق، يا شديد التمادي قد صعب اللحاق، إخلاصك معدم وما للنفاق نفاق، معاصيك في إدراك والعمر في إمحاق، وساعي الأجل مجد كأنه في سباق، لا الوعظ يزجرك ولا الموت ينذرك ما تطاق.
• يا من نسي العهد القديم وخان، من الذي سواك في صورة الإنسان، من الذي غذاك في أعجب مكان، من الذي بقدرته استقام الجثمان، الذي بحكمته أبصرت العينان، من الذي بصنعته سمعت الأذنان، من الذي وهب العقل فاستبان للرشد وبان، من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان، مَنِ الذي تركت شكره فلم يؤاخذ بالكفران، إلى كم تخالفه وما يصبر على الخلاف الأبوان، وتعامله بالغدر الذي لا يرضاه الإخوان، وتنفق في خِلافه ما عَزَّ وهان، ولو علم الناس منك ما يعلم: ما جالسوك في مكان، فارجع إليَّه ما دمت في زمن الإمكان، وتب إليه فإنه الرحيم الرحمن، عساه أن يعفو عما سلف وكان من الذنوب والعصيان.
• يا مخدوعاً قد غُبِن، يا مفتوناً قد فُتِن، مَنْ لكَ إذا سُوِّيَ عليك اللَبِن.
• يا حليف النوم والوسادة، يا أسير الشهوات وقد نسي مَعَادَه، يا قليل الزاد مع قُربِ مماته، أما آن لك أن تفِيق من تلك الرُقَادة، لقد ربح القوم وأنت نائم، وَخِبْتَ ورجعوا بالغنائم، بالليل نائم وبالنهار هائم وتعيش عيش البهائم، ثم تدعي أنك فاهم وأنت لا شك واهم.
• يا مَنْ شاب وما تاب، أموقنٌ أنت أم مُرْتاب، مَنْ آمن بالسؤالِ فليُعدَّ له جواب، وللجواب صواب.
• يا مَنْ كلما طال عمره زاد ذنبه، يا مَنْ كلما ابيض شَعْرُه اسوَّدَ بالآثام قلبه.
• يا مَنْ ضيَّعَ عمرَه في غير طاعة، يا مَنْ بضاعته التسويف والتفريط فَبِئْسَت البضاعة، إلى متى هذا التسويف، ولا ينفعُ فيك وعظٌ ولا تعنيف، إذا وُعِظت لم تنتفع وإذا رُدِعْتَ لم ترتدع، وإذا لم تجد جواباً قلت لم أقتنع، هذا كتاب الله لو أُنزل على جبلٍ رأيته يتصدع، ومع ذلك فلا قلبٌ لك يخشع ولا عينُ تدمع، أين الخشوع والخضوع أين البكاء وجَرَيانُ الدموع أين التوبةُ والرجوع.
• أما بان لك العيب، أما أنذرك الشيب، وما في نُصحه ريب، أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر ٠
• إلى متى هذا التواني، يا مغروراً بالأماني.
• إلى متى هذا الإعراض والعمر في انقراض.
стр. 2275
• إلى متى هذا التقصير، وإلى البلى المصير، أو ما علمت أن العمر قصير ولم يبق منه إلا اليسير، فتزود للسفر الطويل، ولا تتكلم بغير تفكير ولا تعمل بغير تدبير، ولا يشغلنك أحدٌ عن جد المَسِيْر، ولا تُضَيِّعُ الأوقات النفيسة في الأفعال الخسيسة، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة فَرَوِّضْهَا القناعة.
• أو ما علمت أن معالي الأُمور لا تنال بالفتور، وإنما تنال بالجد والاجتهاد والتشمرِ ليومِ المعاد، وخلعِ الراحة واستفراغ الوسع في الطاعة، أو ما علمت أن من جد وجد ومن زرع حصد، وليس من سهر كمن رقد والأمور تحتاج إلى وثبة أسد، فإذا عزمت فبادر وإذا هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من كان في الصف الآخر.
• أيها العبد انظر بعين فكرك وعقلك، هل تجد سبيلا لخلاص مثلك، مع إقامته على فعلك، أين اعتبارك بانطلاق أسلافك، أين فكرك في فراق ألافك، متى تنتقل على قبيح خلافك.
• يا كثير السيئات غدا ترى عملك، يا هاتك الحرمات إلى متى تديم زللك، أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك.
• يا مبارزا بالذنوب خذ حذرك وتوق عقابه بالتقى فقد أنذرك، وخل الهوى فإنه كما ترى إلى الردى صَيَرَك.
• يا من يرجو الثواب بغير عمل، ويرجئ التوبة بطول الأمل، أتقول في الدنيا قول الزاهدين، وتعمل فيها عمل الراغبين، لا بقليل منها تقنع ولا بكثير منها تشبع، لا تثق من الرزق بما ضُمِنَ لك، ولا تعمل من العمل ما فرض عليك، تستكثر من معصية غيرك ما تحقره من نفسك، أما تعلم أن الدنيا كالحية لين لمسها والسم الناقع في جوفها، يهوى إليها الصبي الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل، كيف تقر بالدنيا عين من عرفها وما أبعد أن يفطم عنها من ألفها.
• واعجباً لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك، أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك.
• أما بارزت بالقبيح فأين الحَزَن، أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن، ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن وستنتبه من رقادك ويزول هذا الوسن.
• اجتهد في تقوية يقينك قبل خسر موازينك، وقم بتضرعك وخيفتك قبل نشر دواوينك، وتَقَرَب إليه في ضعفك ولينك.
• قل للمذنبين تأملوا العواقب، الآثام تبقى وتفنى الأطايب، والذنوب تحصى وما يغفل الكاتب، والسهم مفوق والرامي صائب، واللذات وإن نيلت فبعدها المصائب، فليتدبر العاقل وليحضر الغائب.
стр. 2276
(يا مشغولاً بذنوبك، يا مغموراً بعيوبك، يا غافلا عن مطلوبك، كيف نسيت قبيح مكتوبك، لا بد عن سؤالك عن مطعومك ومشروبك، ألا تتفكر في فراقك لمحبوبك ألا تتذكر النعش قبل ركوبك.
(يا من يبارز مولاه بما يكره، ويخالفه في أمره آمناً مكره، وينعم عليه وهو ينسى شكره، والرحيل قد دنا وماله فيه فكرة، يا من قبائحه ترفع عشياً وبكرة، يا قليل الزاد ما أطول السفرة، والنقلة قد دنت والمصير الحفرة،
(متى تعمل في قلبك المواعظ متى تراقب العواقب وتلاحظ، أما تحذر من أوعد وهدد، أما تخاف من أنذر وشدد، متى تضطرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى بين القصور والتواني تتردد، متى تحذر يوماً فيه الجلود تشهد، متى تترك ما يفنى رغبة فيما لا ينفد، متى تهب بك ريح الخوف كأنك غصن يتأود، البدار البدار إلى الفضائل، والحذار الحذار من الرذائل فإنما هي أيام قلائل.
(يا سكران الهوى وإلى الآن ما صحا، يا مفنياً زمانه الشريف لهوا ومرحا، يا معرضا عن لوم من لام وعتب من لحا، متى يعود هذا الفاسد مصلحا، متى يرجع هذا الهالك مفلحا، لقد أتعبت النصحاء الفصحاء، أما وُعِظْتَ بما يكفي أما رأيت من العبرة ما يشفي، فانظر لنفسك قبل أن يعمى الناظر، وتفكر في أمرك بالقلب الحاضر ولا تساكن الفتور فإنك إلى مسكن القبور صائر، فالحي للممات والجمع للشتات والأمر ظاهر.
стр. 2277
(يا من يُدعى إلى نجاته فلا يجيب، يا من قد رضي أن يخسر ويخيب، إن أمرك طريف وحالك عجيب، اذكر في زمان راحتك ساعة الوجيب، ويحك إن الحق حاضر ما يغيب، تحصى عليك أعمال الطلوع وأفعال المغيب، ضاعت الرياضة في غير نجيب، سيماك تدل وما يخفى المريب، لا بد لغربان الفراق من نعيب، أنساكن الغفلة ولغيرنا نعيب، يا من سِلَعَهُ كلها معيب اذكر يوم الفزع والتأنيب لا بد والله من فراق العيش الرطيب، والتحاف البلى مكان الطيب، واعجباً للذات بعد هذا كيف تطيب، ويحك أحضر قلبك لوعظ الخطيب، تذكر من قد أصيب، كيف نزل بهم يوم عصيب، وانتبه لأحظ الحظ والنصيب، واحترز فعليك شهيد ورقيب، ستخرج والله من هذا الوادي الرحيب، ولا ينفعك البكاء والنحيب، لا بد من يوم يتحير فيه الشبان والشيب، ويذهل فيه الطفل للهول ويشيب، يا من عمله كله رديء فليته قد شيب، كيف بك إذا أحضرت في حال كئيب، وعليك ذنوب أكثر من رمل كثيب، والمهيمن الطالب والعظيم الحسيب، فحينئذ يبعد عنك الأهل والنسيب، النوح أولى بك يا مغرور من التشبيب، أتؤمن أم عندك تكذيب، أم تراك تصبر على التعذيب، كأنك بدمع العين ومائها قد أذيب، اقبل نصحي وأقبل على التهذيب يا مطالباً بأعماله، يا مسئولاً عن أفعاله، يا مكتوباً عليه جميع أقواله، يا مناقشاً على كل أحواله، نسيانك لهذا أمر عجيب، أتسكن إلى العافية وتساكن العيشة الصافية وتظن أيمان الغرور واقية لا بد من سهم مصيب.
(يا متحيرا في طريقه قد بان البيان، يا بليد الاعتبار وقد أنذره الأقران، يا من تقرع قلبه المواعظ وهو قاس ما لان، لو حضرت بالذهن كفاك زجر القرآن.
(يا من راح في المعاصي وَغَدَا، ويقول سأتوب اليوم أو غدا، كيف تجمع قلباً قد صار في الهوى مبددا، كيف تلينه وقد أمسى بالجهل جلمدا، كيف تحثه وقد راح بالشهوات مقيداً، لقد ضاع قلبك فاطلب له ناشدا، تفكر بأي وجه تتلقى الردى تذكر ليلة تبيت في القبر منفرداً.
• يا من في حلل جهله يرفل ويميس، يا مؤثراً الرذائل على أنفس نفيس، يا طويل الأمل ماذا صنع الجليس، يا كثير الخطايا أشْمَتَّ إبليس، من لك إذا فاجأك مُذِلُ الرئيس، واحتوشتك أعوان ملك الموت وحمى الوطيس، ونقلت إلى لحد مالك فيه إلا العمل أنيس.
стр. 2278
• يا من عمره كلما زاد نقص، يا من يأمن الموت وكم قد قنص، يا مائلاً إلى الدنيا هل سلمت من نغص، يا مُفَرِّطَاً في الوقت هلا بادرت الفرص، يا من إذا ارتقى في سلم الهدى فلاح له الهوى نكص، من لك يوم الحشر إذا نُشرت القصص، ذنوبك كثيرة جمة، ونفسك بغير الصلاح مهتمة، وأنت في المعاصي إمام وأمة، يا من إذا طلب في المتقين لم يوجد ثمة، متى تنقشع هذه الظلمة والغمة، يا من قد أعماه الهوى ثم أصمه، يا من لا يفرق بين المديح والمذمة، يا من باع فَرَحَه ثم اشترى غَمَه، يا عقلاً خرباً يحتاج إلى مرمة.
• يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثر الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقدا صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه، أما وعظك الزمان وزجرك ملمه، أين الشباب قل لي قد بان رَسْمُه، أين زمان المرح لم يبق إلا اسمه، أين اللذة ذهب المطعوم وطعمه، كيف يقاوي المقاوي والموت خصمه، كيف خلاص من قد أغرق فيه سهمه، يا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه، يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه، كيف يوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه.
• يا من قد سارت بالمعاصي أخباره، يا من قد قبح إعلانه وإسراره، فقيراً يا من الهدى أهلكه إعساره، أتؤثر الخسران قل لي أو تختاره، يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره، يا مأسورا في حبس الزلل لا ينفعه إحصاره، نقدك بهرج إذا حك معياره، كم رد على مثلك درهمه وديناره، يا محترقاً بنار الهوى متى تخبو ناره.
• أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق.
يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك. لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيًا موجودًا، كأنك لا تعود نسيًا مفقودًا.
فاز، والله، المُخِفُّون من الأوزار، وَسَلَمَ المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار.
• أخي الحبيب:
стр. 2279
أعرض عن غيّك وهواك وأقبل مولاك الذي خلقك فسوَّاك ويعلم سِرَك ونجواك، وواصل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا أيسر من الصبر على النار.
• ولله درُ من قال:
أمولاي إني عبد ضعيف ... أتيتك أرغب بما لديك
أتيتك أشكو مصاب الذنوب ... وهل يشتكى الضر إلا إليك
فمنّ بعفوك يا سيّدي ... فليس اعتمادي إلا عليك
[*] • قال بعض الأخيار لولده لما حضرته الوفاة: يا بنيّ، اسمع وصيتي، واعمل ما أوصيك به. قال نعم يا أبت.
قال يا بنيّ: اجعل في عنقي حبلًا، وجرّني إلى محرابي، ومرّغ خدي على التراب، وقل: هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته وهواه، ونام عن خدمة مولاه.
قال: فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذِلتي بين يديك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.
قال: فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من حضر وهو يقول: تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقرّبه وأدناه وجعل الجنة مأواه.
• أخي الحبيب:
• أما آن لك أن تنتبه من غفلتك.
• أما آن لك أن تُصْلِحَ الفاسدَ وتُرَقِّعَ الخَرْقَ وَتَسُدُ الثّغْر.
• أما آن لك أن تؤاخذ نفسك بتقصيرها وتحاسبها على تفريطها.
• أما آن لك أن تخلع عنك الكسل وترتدي ثوب الجد والنشاط.
• أما آن لك أن تخلع عنك الراحة وتستفرغ الوِسْعَ في الطاعة.
• أما آن لك أن تخشى الرحمن وتمتثل القرآن، وتنسلخ من العصيان واستحواذ الشيطان، وتُفيق من نومك قبل فوات الأوان.
• أما آن لك أن تُقبل على النصائح، وتتقرَّب إلى الله تعالى بالمنائح.
• أما آن لك أن تُقْلِعَ عن هواك وترجع إلى ربك الذي خلقك فسواك ويعلم سرك ونجواك.
• أما آن لك أن تحفظ لحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وأن تتذكر الموت والبلى فنستحي من الله حق الحيا، أما اعتبرت بمن نُقِل إلى دار البِلى، أما اعتبرت بوضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.
стр. 2280
• أما آن لك أن تفعل المأمور وتترك المحظور وتصبر على المقدور وتتذكر البعث والنشور، أما لو تفكرت في قبركِ المحفور، وما فيه من الدواهي والأمور، تحت الجنادلِ والصخور، لعلمت موقناً أنك ما كنت إلا في غرور، فتندم ندماً لا يخطرُ على الصدور، ولا يُكْتَبُ بالسطور، لكنه ندمٌ لا يدفعُ ولا يمنع، ولا ينفعُ في أي أمرٍ من الأمور.
• أما آن لك أن تَصُون قلبك مِن الْخَرَابِ، وَتَحْفَظ دينك مِنَ التَّلاشِي وَالذِّهَابِ، وَتَرْجُو رِضَا رَبكْ وَعَفْوَهُ يَوْمَ وَالْحِسَابِ، أما كان لك عبرةٌ فيمن ماتوا ودُفِنوا تحت التراب، كيف فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وأكثروا عليهم البكاء والانتحاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب.
• أما آن لك أن تنتبه من غفلتك فإليك يوجه الخطاب، وتُفِيق من نومك قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب، ومشتِِّت الأحباب، أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب وشر المآب، فيا له من زائر لا يعوقه عائق، ولا يضرب دونه حجاب، ويا لَهُ من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلج من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هُوَ أعظم منه من السؤال والجواب، وراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام فِي الأجسام والميزان والصراط والحساب والْجَنَّة أَوْ النار.
• فيا خَجَلة من سئل فَعُدِمَ الجواب، ويا حَسْرَة من نوقش عن الدقيق والجليل يوم الحساب، ويا ندامة من لم يحصل إِلا على الْغَضَب من الكريم الوهاب.
• ويا ويلةَ من كانت وجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية تقمعهم فيذوقون أليم العقاب، فياله من يومٍ شديد َيَشْتَدُّ فِيهِ الْحِسَابُ، وَيُشْفَقُ فِيهِ العذاب، يومٌ تخضعُ فيه الرِّقَابُ ويَذَلُ فيه كُلُّ فَاجِرٍ كَذَّابِ ويَرَجَعُ الأَشْقِيَاءُ بِالْخُسْرَانِ وَالتَّبَابِ،
• فيا ساكنا عن الصواب، كيف بك إذا وقفت للحساب بين يدي سريع الحساب، هل أعددت للسؤال جواب، ألم تخفْ سوء الحساب يوم المآب.
• كيفية الوقاية من الذنوب:
للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي:
следующие страницы →