← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

(يا مشغولاً بذنوبك، يا مغموراً بعيوبك، يا غافلا عن مطلوبك، كيف نسيت قبيح مكتوبك، لا بد عن سؤالك عن مطعومك ومشروبك، ألا تتفكر في فراقك لمحبوبك ألا تتذكر النعش قبل ركوبك. (يا من يبارز مولاه بما يكره، ويخالفه في أمره آمناً مكره، وينعم عليه وهو ينسى شكره، والرحيل قد دنا وماله فيه فكرة، يا من قبائحه ترفع عشياً وبكرة، يا قليل الزاد ما أطول السفرة، والنقلة قد دنت والمصير الحفرة، (متى تعمل في قلبك المواعظ متى تراقب العواقب وتلاحظ، أما تحذر من أوعد وهدد، أما تخاف من أنذر وشدد، متى تضطرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى بين القصور والتواني تتردد، متى تحذر يوماً فيه الجلود تشهد، متى تترك ما يفنى رغبة فيما لا ينفد، متى تهب بك ريح الخوف كأنك غصن يتأود، البدار البدار إلى الفضائل، والحذار الحذار من الرذائل فإنما هي أيام قلائل. (يا سكران الهوى وإلى الآن ما صحا، يا مفنياً زمانه الشريف لهوا ومرحا، يا معرضا عن لوم من لام وعتب من لحا، متى يعود هذا الفاسد مصلحا، متى يرجع هذا الهالك مفلحا، لقد أتعبت النصحاء الفصحاء، أما وُعِظْتَ بما يكفي أما رأيت من العبرة ما يشفي، فانظر لنفسك قبل أن يعمى الناظر، وتفكر في أمرك بالقلب الحاضر ولا تساكن الفتور فإنك إلى مسكن القبور صائر، فالحي للممات والجمع للشتات والأمر ظاهر.

стр. 2277

(يا من يُدعى إلى نجاته فلا يجيب، يا من قد رضي أن يخسر ويخيب، إن أمرك طريف وحالك عجيب، اذكر في زمان راحتك ساعة الوجيب، ويحك إن الحق حاضر ما يغيب، تحصى عليك أعمال الطلوع وأفعال المغيب، ضاعت الرياضة في غير نجيب، سيماك تدل وما يخفى المريب، لا بد لغربان الفراق من نعيب، أنساكن الغفلة ولغيرنا نعيب، يا من سِلَعَهُ كلها معيب اذكر يوم الفزع والتأنيب لا بد والله من فراق العيش الرطيب، والتحاف البلى مكان الطيب، واعجباً للذات بعد هذا كيف تطيب، ويحك أحضر قلبك لوعظ الخطيب، تذكر من قد أصيب، كيف نزل بهم يوم عصيب، وانتبه لأحظ الحظ والنصيب، واحترز فعليك شهيد ورقيب، ستخرج والله من هذا الوادي الرحيب، ولا ينفعك البكاء والنحيب، لا بد من يوم يتحير فيه الشبان والشيب، ويذهل فيه الطفل للهول ويشيب، يا من عمله كله رديء فليته قد شيب، كيف بك إذا أحضرت في حال كئيب، وعليك ذنوب أكثر من رمل كثيب، والمهيمن الطالب والعظيم الحسيب، فحينئذ يبعد عنك الأهل والنسيب، النوح أولى بك يا مغرور من التشبيب، أتؤمن أم عندك تكذيب، أم تراك تصبر على التعذيب، كأنك بدمع العين ومائها قد أذيب، اقبل نصحي وأقبل على التهذيب يا مطالباً بأعماله، يا مسئولاً عن أفعاله، يا مكتوباً عليه جميع أقواله، يا مناقشاً على كل أحواله، نسيانك لهذا أمر عجيب، أتسكن إلى العافية وتساكن العيشة الصافية وتظن أيمان الغرور واقية لا بد من سهم مصيب. (يا متحيرا في طريقه قد بان البيان، يا بليد الاعتبار وقد أنذره الأقران، يا من تقرع قلبه المواعظ وهو قاس ما لان، لو حضرت بالذهن كفاك زجر القرآن. (يا من راح في المعاصي وَغَدَا، ويقول سأتوب اليوم أو غدا، كيف تجمع قلباً قد صار في الهوى مبددا، كيف تلينه وقد أمسى بالجهل جلمدا، كيف تحثه وقد راح بالشهوات مقيداً، لقد ضاع قلبك فاطلب له ناشدا، تفكر بأي وجه تتلقى الردى تذكر ليلة تبيت في القبر منفرداً. • يا من في حلل جهله يرفل ويميس، يا مؤثراً الرذائل على أنفس نفيس، يا طويل الأمل ماذا صنع الجليس، يا كثير الخطايا أشْمَتَّ إبليس، من لك إذا فاجأك مُذِلُ الرئيس، واحتوشتك أعوان ملك الموت وحمى الوطيس، ونقلت إلى لحد مالك فيه إلا العمل أنيس.

стр. 2278

• يا من عمره كلما زاد نقص، يا من يأمن الموت وكم قد قنص، يا مائلاً إلى الدنيا هل سلمت من نغص، يا مُفَرِّطَاً في الوقت هلا بادرت الفرص، يا من إذا ارتقى في سلم الهدى فلاح له الهوى نكص، من لك يوم الحشر إذا نُشرت القصص، ذنوبك كثيرة جمة، ونفسك بغير الصلاح مهتمة، وأنت في المعاصي إمام وأمة، يا من إذا طلب في المتقين لم يوجد ثمة، متى تنقشع هذه الظلمة والغمة، يا من قد أعماه الهوى ثم أصمه، يا من لا يفرق بين المديح والمذمة، يا من باع فَرَحَه ثم اشترى غَمَه، يا عقلاً خرباً يحتاج إلى مرمة. • يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثر الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقدا صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه، أما وعظك الزمان وزجرك ملمه، أين الشباب قل لي قد بان رَسْمُه، أين زمان المرح لم يبق إلا اسمه، أين اللذة ذهب المطعوم وطعمه، كيف يقاوي المقاوي والموت خصمه، كيف خلاص من قد أغرق فيه سهمه، يا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه، يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه، كيف يوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه. • يا من قد سارت بالمعاصي أخباره، يا من قد قبح إعلانه وإسراره، فقيراً يا من الهدى أهلكه إعساره، أتؤثر الخسران قل لي أو تختاره، يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره، يا مأسورا في حبس الزلل لا ينفعه إحصاره، نقدك بهرج إذا حك معياره، كم رد على مثلك درهمه وديناره، يا محترقاً بنار الهوى متى تخبو ناره. • أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق. يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك. لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيًا موجودًا، كأنك لا تعود نسيًا مفقودًا. فاز، والله، المُخِفُّون من الأوزار، وَسَلَمَ المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار. • أخي الحبيب:

стр. 2279

أعرض عن غيّك وهواك وأقبل مولاك الذي خلقك فسوَّاك ويعلم سِرَك ونجواك، وواصل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا أيسر من الصبر على النار. • ولله درُ من قال: أمولاي إني عبد ضعيف ... أتيتك أرغب بما لديك أتيتك أشكو مصاب الذنوب ... وهل يشتكى الضر إلا إليك فمنّ بعفوك يا سيّدي ... فليس اعتمادي إلا عليك [*] • قال بعض الأخيار لولده لما حضرته الوفاة: يا بنيّ، اسمع وصيتي، واعمل ما أوصيك به. قال نعم يا أبت. قال يا بنيّ: اجعل في عنقي حبلًا، وجرّني إلى محرابي، ومرّغ خدي على التراب، وقل: هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته وهواه، ونام عن خدمة مولاه. قال: فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذِلتي بين يديك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك. قال: فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من حضر وهو يقول: تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقرّبه وأدناه وجعل الجنة مأواه. • أخي الحبيب: • أما آن لك أن تنتبه من غفلتك. • أما آن لك أن تُصْلِحَ الفاسدَ وتُرَقِّعَ الخَرْقَ وَتَسُدُ الثّغْر. • أما آن لك أن تؤاخذ نفسك بتقصيرها وتحاسبها على تفريطها. • أما آن لك أن تخلع عنك الكسل وترتدي ثوب الجد والنشاط. • أما آن لك أن تخلع عنك الراحة وتستفرغ الوِسْعَ في الطاعة. • أما آن لك أن تخشى الرحمن وتمتثل القرآن، وتنسلخ من العصيان واستحواذ الشيطان، وتُفيق من نومك قبل فوات الأوان. • أما آن لك أن تُقبل على النصائح، وتتقرَّب إلى الله تعالى بالمنائح. • أما آن لك أن تُقْلِعَ عن هواك وترجع إلى ربك الذي خلقك فسواك ويعلم سرك ونجواك. • أما آن لك أن تحفظ لحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وأن تتذكر الموت والبلى فنستحي من الله حق الحيا، أما اعتبرت بمن نُقِل إلى دار البِلى، أما اعتبرت بوضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.

стр. 2280

• أما آن لك أن تفعل المأمور وتترك المحظور وتصبر على المقدور وتتذكر البعث والنشور، أما لو تفكرت في قبركِ المحفور، وما فيه من الدواهي والأمور، تحت الجنادلِ والصخور، لعلمت موقناً أنك ما كنت إلا في غرور، فتندم ندماً لا يخطرُ على الصدور، ولا يُكْتَبُ بالسطور، لكنه ندمٌ لا يدفعُ ولا يمنع، ولا ينفعُ في أي أمرٍ من الأمور. • أما آن لك أن تَصُون قلبك مِن الْخَرَابِ، وَتَحْفَظ دينك مِنَ التَّلاشِي وَالذِّهَابِ، وَتَرْجُو رِضَا رَبكْ وَعَفْوَهُ يَوْمَ وَالْحِسَابِ، أما كان لك عبرةٌ فيمن ماتوا ودُفِنوا تحت التراب، كيف فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وأكثروا عليهم البكاء والانتحاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب. • أما آن لك أن تنتبه من غفلتك فإليك يوجه الخطاب، وتُفِيق من نومك قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب، ومشتِِّت الأحباب، أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب وشر المآب، فيا له من زائر لا يعوقه عائق، ولا يضرب دونه حجاب، ويا لَهُ من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلج من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هُوَ أعظم منه من السؤال والجواب، وراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام فِي الأجسام والميزان والصراط والحساب والْجَنَّة أَوْ النار. • فيا خَجَلة من سئل فَعُدِمَ الجواب، ويا حَسْرَة من نوقش عن الدقيق والجليل يوم الحساب، ويا ندامة من لم يحصل إِلا على الْغَضَب من الكريم الوهاب. • ويا ويلةَ من كانت وجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية تقمعهم فيذوقون أليم العقاب، فياله من يومٍ شديد َيَشْتَدُّ فِيهِ الْحِسَابُ، وَيُشْفَقُ فِيهِ العذاب، يومٌ تخضعُ فيه الرِّقَابُ ويَذَلُ فيه كُلُّ فَاجِرٍ كَذَّابِ ويَرَجَعُ الأَشْقِيَاءُ بِالْخُسْرَانِ وَالتَّبَابِ، • فيا ساكنا عن الصواب، كيف بك إذا وقفت للحساب بين يدي سريع الحساب، هل أعددت للسؤال جواب، ألم تخفْ سوء الحساب يوم المآب. • كيفية الوقاية من الذنوب: للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي:

стр. 2281

(١) إقامة الصلاة لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥]، فإذا أقام الإنسان صلاته بأن أتى بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وما أمكنه من مستحباتها ومن أهم وسائل إقامتها الخشوع فيها وهو حضور القلب وعدم تحديث النفس والوساوس والهواجس، فإنها من أسباب منعه عن كبائر الذنوب وصغائرها. (٢) قراءة ما يتحصن به من الشياطين كقراءة آية الكرسي قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ) [سورة: البقرة - الأية: ٢٥٥]، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح،

стр. 2282

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة). قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود). فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : (إنه سيعود). فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (يا أباهريرة ما فعل أسيرك). قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود). فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة). قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي). قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة). قال: لا، قال: (ذاك شيطان). (٣) إذا هم بالذنب فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: قال تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: ٢٠٠] وما أحسن أن تقول بصدق (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم اعصمني من الزلل ووفقني لصالح العمل). (٤) الصدقة على مساكين البيت الحرام: مسألة: هل تجوز الصدقة على المساكين الموجودين في بيت الله الحرام؟

стр. 2283

الصدقة في المسجد الحرام وفي غيره من الأماكن لا بأس بها. ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون إن الحسنة تضاعف بالمكان الفاضل. ولكن الأمر الذي يهم المرء هو هل هؤلاء الفقراء الذين يتظاهرون بالفقر هم فقراء حقيقة؟ هذا هو الذي يشكل على المرء ولكن إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا فقير فأعطاه فإنها مقبولة ولو تبين بعد ذلك أنه غني. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته. فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زِناها، وأما الغني: فلعله يعتبرُ، فينفق مما أعطاه الله. - وعليه فالصدقة على هؤلاء لا بأس بها ولو في المسجد الحرام، إلا إذا علم أن في ذلك مفسدة وأن إعطاءهم يوجب كثرتهم ومضايقتهم للناس في المسجد الحرام فحينئذٍ يتوجه بأن يقال لا يُعطون لما في هذا من السبب الموصل إلى هذا المحظور. • الأدوية التي تزهدك في المعاصي: مسألة: ما هي أنفع الأدوية التي تزهدك في المعاصي إذا عرض لك مرض المعصية وتذكرت لذتها؟ أنفع الأدوية من إذا عرض لك مرض المعصية وتذكرت لذتها هي ما يلي: (١) إذا تذكرت لذة المعصية فأدر في تلذذك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله ﷺ هاذم اللذات وتذكر شدة النزع وتفكر في الموتى الذين حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة ولا على زيادة حسنة فلا تعث يا مطلق. [*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن مخلد بن الحسين قال عدت مريضا فقلت له كيف تجدك قال هو الموت قلت وكيف علمت أنه الموت؟ قال أجدني أجتذب اجتذابا وكأن الخناجر مختلفة في جوفي وكأن جوفي تنور محمى يتلهب. قلت فاعهد. قال أرى الأمر أعجل من ذلك.

стр. 2284

فدعا بدواة وصحيفة فوالله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات. وقال إبراهيم بن يزيد العبدي أتاني رياح القيسي فقال يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدا فانطلقت معه فأتى إلى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور فقال يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيا لو منى قلت أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من طاعة الله ويصلح. قال فها نحن ثم نهض فجد واجتهد فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. (٢) وصور لنفسك حين اعتراض الهوى عرضك على ربك وتخجيله إياك بمضيض العتاب على فعل ما نهاك عنه. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (ليس منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاءَ وجهِهِ، فاتقوا النارَ ولو بشقِ تمرة.) (حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، يقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه و رأى في نفسه أنه قد هلك قال: سترتها عليك في الدنيا و أنا أغفرها لك اليوم; و أما المنافق والكافر فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. (٣) وتخايل شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة: (٤) ومثل في نفسك عند بعض زللك كيف يؤمر بك إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها وتصور نفاد اللذة وبقاء العار والعذاب فقد قال الشاعر. تفنى اللذاذة ممن نال شهوته ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار - ثم اسأل نفسك هل لك طاقة على النار وأنت تعلم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزء من نار جهنم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

стр. 2285

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: (ناركم جزء): زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد ﷺ حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس ﵄ هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد أهـ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. [*] قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى: جَهَنَّمُ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تُصْرَفْ بِالتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا. قَالَ رُؤْبَةُ يُقَالُ بِئْرٌ جِهْنَامٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ. وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ، يُقَالُ جَهَنَّمُ الْوَجْهُ أَيْ غَلِيظُهُ فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لِغِلَظِ أَمْرِهَا، انْتَهَى. [*] وقال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

стр. 2286

(لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ: الزِّمَامُ مَا يُجْعَلُ فِي الجزء السابع أَنْفِ الْبَعِيرِ دَقِيقًا، وَقِيلَ: مَا يُشَدُّ بِهِ رُءُوسُهَا مِنْ حَبْلٍ وَسَيْرٍ، انْتَهَى (يَجُرُّونَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَسْحَبُونَهَا. قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: لَعَلَّ جَهَنَّمَ يُؤْتَى بِهَا فِي الْمَوْقِفِ لِيَرَاهَا النَّاسُ تَرْهِيبًا لَهُمْ. [*] • قال وهب بن منبه: إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار نقيضها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضاً ٠ (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها. [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (سمع وجبة) هي بفتح الواو وإسكان الجيم وهي السقطة. (حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل، توضع في أخمص قدميه جمرة، يغلي منها دماغه، ما يرى أن أحداً أشدَّ منه عذاباً وإنه لأهونهم عذابا. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: يغلي منه دماغه: ووقع في حديث بن عباس عند مسلم إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب له نعلان يغلي منهما دماغه ولأحمد من حديث أبي هريرة مثله لكن لم يسم أبا طالب وللبزار من حديث جابر قيل للنبي ﷺ هل نفعت أبا طالب قال اخرجته من النار الى ضحضاح منها. (حديث أبي سعيد في الصحيحين) أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه، فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه - يعني أبا طالب -. (حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ الثابت في الصحيحين) أنه قال * يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: ضحضاح: أصله ما رق من الماء علي وجه الأرض واستعير هنا للنار.

стр. 2287

(حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: "مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ كَعْبَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ رُكْبَتَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ". [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ: ومنهم من تأخذه يعني النار إلى حجزته" هي بضم الحاء وإسكان الجيم وهي معقد الإزار والسراويل. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ: وهي بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفي رواية حقويه بفتح الحاء وكسرها وهما معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: (والذي نفس كعب بيده لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب ثم كُشف عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها! فيا قوم هل لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم إن طاعة الله أهون عليكم والله من هذا العذاب فأطيعوه) أ. هـ. طعام أهلها الزقوم وشرابهم الحميم. [*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسى فقال يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت. [*] • وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن وهب بن منبه أنه قال إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم ترجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضا. [*] • وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن مجاهد عن عبيد بن عمر قال إن أهون أهل النار عذابا رجل له نعلان من نار وشرا كان من نار أضراسه جمر ومسامعه جمر أشفار عينيه من لهيب النار تخرج أحشاؤه من قدميه وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير فهي بهم تفور. [*] • وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى أن بشر الحافي قال: ما ظنكم بأقوام وقفوا بين يدي الله تعالى مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا ولم يشربوا حتى تقطعت أكبادهم من العطش وأجوافهم من الجوع وأعناقهم من التطاول ورجوا الفرج فأمر بهم إلى النار.

стр. 2288

(٥) النظرر في العواقب: من أنفع الأدوية التي تزهدك في المعاصي البصر في العواقب. [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه صيد الخاطر: من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، و نجا من شرها. و من لم ير العواقب غلب عليه الحسن، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة، و بالنصب ما رجا منه الراحة. بيان هذا في المستقبل، يتبين بذكر الماضي، و هو أنك لا تخلو، أن تكون عصيت الله في عمرك، أو أطعته. فأين لذة معصيتك؟ و أين تعب طاعتك؟ هيهات رحل كل بما فيه! فليت الذنوب إذ تخلت خلت! وأزيدك في هذا بياناً مثل ساعة الموت، و انظر إلى مرارة الحسرات على التفريط، و لا أقول كيف تغلب حلاوة اللذات، لأن حلاوة اللذات استحالت حنظلا، فبقيت مرارة الأسى بلا مقاوم، أتراك ما علمت أن الأمر بعواقبه؟ فراقب العواقب تسلم، و لا تمل مع هوى الحسن فتندم. • عباد الله النظر النظر إلى العواقب، فإن اللبيب لها يراقب، أين تعب من صام الهواجر، وأين لذة العاصي الفاجر، رَحِلَتْ اللذة من الأفواه إلى الصحائف، وذهب نَصَبُ الصالحين بجزَعِ الخائف، فكأن لم يتعب من صَابَرَ اللذات وكأن لم يلتذ من نال الشهوات. • لله در أقوام تلمحوا العواقب، فعملوا عمل مراقب، وجاوزوا الفرائض إلى طلب المناقب، علت هممهم عن الدنايا، وارتفعت وكفت الأكف عن الأذايا. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا بن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط. [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (فيصبغ في النار صبغة): الصبغة بفتح الصاد أي يغمس غمسة. والبؤس: بالهمز هو الشدة والله أعلم. • أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون، ويتجبرون على الخلق ولا يُغْلَبُون، مزجت لهم كؤوس المنايا فباتوا يتجرعون، (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ)

стр. 2289

- حُمِلَ كلٌ منهم في كفن، إلى بيت البلى والعفن، وما صحبهم غيره من الوطن، من كل ما كانوا يجمعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ). - ضمهم والله التراب وَسُدَّ عليهم الباب وتقطعت بهم الأسباب، والأحباب يرجعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ) - شُغِلُوا عن الأهل والأولاد، وافتقروا إلى يسير من الزاد، وباتوا من الندم على أخس مهاد، وإنما هذا من حصاد ما كانوا يزرعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ) - لو رأيتهم في حلل الندامة، إذا برزوا يوم القيامة، وعليهم للعقاب علامة يساقون بالذل لا بالكرامة، إلى النار فهم يوزعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ) (٦) الهمة العالية: فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من أي بلية، فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقه شيء وما زال الهوى يذل أهل العز، وتأمل في القصة الآتية: [*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى أن أن الرشيد عشق جارية وامتنعت عليه فقال. أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي • ومن الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجلُّ طباع النساء: [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: ومن الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجلُّ طباع النساء، وقد قال الحكماء لا تثق بامرأة وقال الشاعر. إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهد وقال أبو محمد التميمي: أفق يا فؤادي من غرامك واستمع ... مقالة محزون عليك شفيق علقت فتاة قلبها متعلق ... بغيرك فاستوثقت غير وثيق وأصبحت موثوقا وراحت طليقة ... فكم بين موثوق وبين طليق - وقال أيضاً: ومما يداوى به الباطن أن يعلم الإنسان أن زوجته المحبوبة إن مات عنها مالت إلى غيره ونسيته أسرع شيء وإن كانت تحبه لأنه لا وفاء للنساء. أهـ [*] • وقال على بن أبي طالب ﵁: دّعْ ذِكْرِهِنَّ فما لهن وفاءُ: ريحُ الصبا وعهودهن وفاء.

стр. 2290

(٧) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يصور الإنسان انقضاء غرضه أو يمثل غيره في مقامه ثم يتلمح عواقب الحال، أفترى يوسف ﵇ لو زل من كان يكون أو لم يبق مدحه لِصَبْرِهِ أبد الدهر، أفترى ما سمعت بما عز، ولا شك أنه في القيمة معروف وإن كانت التوبة قد غمرت ذنبه، ولكن تلمح أنت عواقب من صبر ومن لم يصبر وأعمل فكرك في الحالتين لعل هذه العبرة تخرق حجاب الهوى فتدخل على القلب بغير إذن فتكشف هذه الغمة، فالعاقل من وزن ما يحتوي عليه العشق من لذة ونغصة فنغصه كثيرة وأذاه شديد وهو على الحقيقة يهين النفس التي لا قيمة لها وغالب لذاته محرم ثم هي مشوبة بالغموم والهموم وخوف الفراق وفضيحة الدنيا وحسرات الآخرة فيعلم الموازن بين الأمرين أن اللذة مغمورة في جنب الأذى قال الببغاء. • ولله درُ من قال: وأفضل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يميز ما تجنى عواقبه • وقال المتنبي: مما أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم ... في إثر كل قبيح وجهه حسن تحملوا حملتكم كل ناجية ... فكل بين علي اليوم مؤتمن ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن (٨) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يعلم الإنسان علم اليقين أنه لا يكون التمكين إلا بعد أن يُمْتَحَن فيصبر. [*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن الشافعي قال: لا يكون التمكين إلا بعد المحبة فإذا امتحن الإنسان فصبر مكن ألا ترى أن الله تعالى امتحن إبراهيم ثم مكنه وامتحن أيوب ثم مكن له فقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىَ لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء: ٨٤] وامتحن سليمان ثم آتاه ملكا وكذلك يوسف ﵇. [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: فمن نظر في هذا فليعلم أن مدة هذا البلاء خطوات في ميدان معاملة ويا قرب النهاية فليصابر هجير الصبر فما أسرع انقضاء اليوم وليحذر من الخسران في موسم البلاء فربما ذهب أصل البضاعة وليتخايل عند صبره خيلاء فخره فليزه بها فما يوازن صبره عمل عابد ولا زهد زاهد وربما نظر إليه في تلك الحالة نظرة رضا كانت غنى الأبد وهذا كله في الصدمة الأولى فإنه ربما وقع ملل أو سلو.

стр. 2291

(٩) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يتفكر الإنسان فيما يفوته تشاغله بالمعاصي من الفضائل فإن أرباب اليقظة عشقهم للفضائل من العلوم والفقة والصيانة والكرم وغير ذلك من الخلال الممدوحة أوفى من ميلهم إلى شهوات الحس لأن شهوات الحس حظ النفس وتلك الخلال حظ العقل والنفس الناطقة الفاضلة إلى ما يؤثره العقل أميل وإن جرها الطبع إلى الشهوات الحسيات. (١٠) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أنفة النفس الأبية أن تكون مقهورة للمعاصي فإن كل موافق للهوى يقع عليه قترة وذل لأن سلطان الهوى حاكم جائر، وعين الهوى عوراء. (١١) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي ... إعمال الفكر في قبح هذه الحال والإصغاء إلى سماع العظة من واعظ القلب فإنه من لم يكن له من قلبه واعظ لم تنفعه المواعظ ومن الناس من يسمع موعظة فيرعوى ومنهم من يرى غيره فينتهي ومنهم من يرى طاقة شيب فينزع. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط يقول استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله وأن الستور المرخاة حدود الله والداعي على رأس الصراط هو القرآن والداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن. فهلا استجبت ـ أخي المسلم ـ لواعظ الله في قلبك؟ وهلا حفظت حدود الله ومحارمه؟ وهلا انتصرت على عدو الله وعدوك، قال تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر:٦] [*] قال خالد بن معدان ﵁ قال: ما من من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً، فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب، وإذا أراد به غير ذلك، تركه على ما فيه ثم قرأ: أم على قلوب أقفالها [محمد:٢٤]

стр. 2292

[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن أبي سلمة الغنوي قلت لأبي العتاهية ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد. قال إذن والله أخبرك إني لما قلت. الله بيني وبين مولاتي ... أهدت لي الصدود والملالات منحتها مهجتي وخالصتي ... فكان هجرانها مكافاتي هيمني حبها وصيرني ... أحدوثة في جميع جاراتي رأيت في المنام تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل. • كيفية الوقاية من الذنوب: للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي: (١) إقامة الصلاة لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥]، فإذا أقام الإنسان صلاته بأن أتى بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وما أمكنه من مستحباتها ومن أهم وسائل إقامتها الخشوع فيها وهو حضور القلب وعدم تحديث النفس والوساوس والهواجس، فإنها من أسباب منعه عن كبائر الذنوب وصغائرها. (٢) قراءة ما يتحصن به من الشياطين كقراءة آية الكرسي قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ) [سورة: البقرة - الأية: ٢٥٥]، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح،

стр. 2293

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة). قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود). فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : (إنه سيعود). فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (يا أباهريرة ما فعل أسيرك). قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود). فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة). قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي). قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة). قال: لا، قال: (ذاك شيطان). (٣) إذا هم بالذنب فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: قال تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: ٢٠٠] وما أحسن أن تقول بصدق (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم اعصمني من الزلل ووفقني لصالح العمل). (٤) الصدقة على مساكين البيت الحرام: مسألة: هل تجوز الصدقة على المساكين الموجودين في بيت الله الحرام؟

стр. 2294

الصدقة في المسجد الحرام وفي غيره من الأماكن لا بأس بها. ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون إن الحسنة تضاعف بالمكان الفاضل. ولكن الأمر الذي يهم المرء هو هل هؤلاء الفقراء الذين يتظاهرون بالفقر هم فقراء حقيقة؟ هذا هو الذي يشكل على المرء ولكن إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا فقير فأعطاه فإنها مقبولة ولو تبين بعد ذلك أنه غني. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته. فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زِناها، وأما الغني: فلعله يعتبرُ، فينفق مما أعطاه الله. - وعليه فالصدقة على هؤلاء لا بأس بها ولو في المسجد الحرام، إلا إذا علم أن في ذلك مفسدة وأن إعطاءهم يوجب كثرتهم ومضايقتهم للناس في المسجد الحرام فحينئذٍ يتوجه بأن يقال لا يُعطون لما في هذا من السبب الموصل إلى هذا المحظور. • كيف أتخلص من المعاصي: إن الله حين حرَّم على العبد المعاصي لم يتركه سُدى، بل أمدَّه بما يعينه على تركها، ومن الوسائل المعينة على ذلك: (١) تقوية الإيمان بالله والخوف منه. (٢) مراقبة الله واستحضار أنه مع العبد، وأنه يراه، وأن كل ما يعمل مُسجَّل عليه. (٣) أن يقارن بين اللذة العاجلة للمعصية والتي سرعان ما تنتهي، وبين عقوبة العاصي يوم القيامة، وجزاء من امتنع من المعصية. (٤) أن يبتعد عن الوسائل التي تعينه على المعصية: كالنظر الحرام، وأصدقاء السوء، وارتياد أماكن المعاصي. (٥) أن يحرص على مجالسة الصالحين وصحبتهم. • التحذير من المجاهرة بالمعصية:

стр. 2295

إنَّ من دواعي الأسف أنه كثر في هذه الأزمان أناس لم يكتفوا بفعل المعاصي والمنكرات حتى عمدوا إلى المجاهرة بها والإفتخار بارتكابها والتحدث بذلك بغير ضرورة، والله تعالى أن يبيت الرجل يعصي .. والله يستره .. فيحدث بالذنب .. فيهتك ستر الله عليه .. يجيء في اليوم التالي ليحدث بما عصى وما عمل!! .. فالله ستره .. وهو يهتك ستر الله عليه. [*] وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (كل أمتي معافى) اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفى اللّه عنه وإما سلمه اللّه وسلم منه (إلا المجاهرين) أي المعلنين بالمعاصي المشتهرين بإظهارها الذين كشفوا ستر اللّه عنهم وروي المجاهرون بالرفع ووجهه بأن معافى في معنى النفي فيكون استثناء من كلام لغو موجب والتقدير لا ذنب لهم إلا المجاهرون ثم فسر المجاهر بأنه (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه) فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد وهذا لأن من صفات اللّه ونعمه إظهار الجميل وستر القبيح فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله قال النووي: فيكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها بل يقلع ويندم ويعزم أن لا يعود فإن أخبر بها شيخه أو نحوه مما يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها أو يدعو له أو نحو ذلك فهو حسن وإنما يكره لانتفاء المصلحة وقال الغزالي: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء بدليل خبر من واقع امراته في رمضان فجاء فأخبر المصطفى ﷺ فلم ينكر عليه. [*] • قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:

стр. 2296

هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن، يتحدث بالزنى افتخاراً والعياذ بالله، يقول: إنه سافر إلى البلد الفلاني، وإلى البلد الفلاني، وفجر وفعل وزنى بعدة نساء، وما أشبه ذلك، يفتخر بهذا. هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الذي يفتخر بالزنى مقتضى حاله أنه استحل الزنى والعياذ بالله، ومن استحل الزنى فهو كافر." شرح رياض الصالحين" (١/ ١١٦) ولا شك أن المعاصي درجات والإثم يتفاوت فيها بحسب حال العاصي أثناء المعصية وحاله بعدها، فليس المتخفي بمعصيته المستتر بها كالمجاهر، وليس النادم بعدها كالمفتخر بها. [*] • قال ابن القيم ﵀: وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدناً من النساء والمتخذة خدناً من الرجال أقل شرّاً من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي ﷺ : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ... ". " إغاثة اللهفان " (٢/ ١٤٧). الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة. والأصل: أن يُعقب المسلمُ ذنبه بتوبة واستغفار وندم وعزم على عدم العوْد لها، لا أن يُعقبها بافتخار ومجاهرة وحديث بها. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن العبد إذا أخطاء خطيئة نُكِتَت في قلبه نكته سوداء فإن هو نزع و استغفر و تاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه و هو الران الذي ذكر الله تعالى فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤]. • مفاسد المجاهرة بالمعاصي: (١) أنها استخفاف بأوامر الله ونواهيه. (٢) أنها تؤدي إلى إلفِ المعصية واعتياد القبائح واستمرائها وكأنها أمور عادية لا شيء فيها. (٣) أنها بمثابة دعوة للغير إلى ارتكاب المعاصي وإشاعة الفساد ونشر للمنكرات. (٤) أنها ربما أدت إلى استحلال المعصية فيكفر بذلك والعياذ بالله. (٥) أنها دليل على سوء الخلق والوقاحة وقلة أدب صاحبها. (٦) أنها دليل على قسوة القلب واستحكام الغفلة من قلب المجاهر. • صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله:

стр. 2297

إن صور المجاهرة بالمعاصي ـ في هذا العصر ـ كثيرة جداً، لا يمكن استقصاؤها في هذه العجالة، غير أننا نشير إلى أمثلة من ذلك، وهاك بعض صور المجاهرة بالمعاصي: • هذا رجل يتحدث أمام الملأ عن سفرته وما تخللها من فسق وفجور، فيتفاخر بذلك في المجالس ويحسب أن ذلك من الفتوة وكمال الرجولة، وهو - والله - من الذلة والمهانة وضعة النفس وخبث الباطن وضعف الإيمان جداً وقسوة القلب. • وهذا شاب يتحدث عن مغازلاته ومغامراته. . • وهذه فتاة تتحدث عن علاقاتها الآثمة عبر الهاتف. . • وهذا صاحب عمل يعطي زملائه دروسا مجانية في ظلم العمال وأكل أموالهم. . • وهذا عامل يكشف ستر الله عليه فيتحدث عن سرقته لصاحب العمل ويعلم أصدقائه بعض الحيل في ذلك. • ومنها الدعوة إلى وحدة الأديان وتصحيح عقائد الكفر. • ومنها الاحتفال بأعياد الكفار وإعلان ذلك في الصحف والمجلات والقنوات مثل الاحتفال بالكريسمس وعيد الحب وعيد الأم وغيرها. • ومنها خروج المرأة أمام الملأ متعطرة ومتزينة. • ومنها خروج المرأة وهي تلبس العباءة القصيرة أو المزركشة أو الشفافة، أو تلبس البنطال أو الكعب العالي وتجاهر بذلك أمام الملأ. • ومنها خلوة المرأة بالسائق الأجنبي أمام الملأ، وكذلك خلوتها بالبائعين في الأسواق والمحلات التجارية. • ومنها ممارسة عادة التدخين أمام الملأ. • ومنها إسبال الثياب للرجال. • ومنها حلق اللحى، والمجاهرة تشمل الحالق والمحلوق. • ومنها قص الشعر على مثال أهل الكفر. • ومنها تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء. • ومنها سفر المرأة وحدها بدون محرم. • ومنها ترك الرجال لصلاة الجماعة بدون عذر. • ومنها لبس الرجال للذهب والحرير. • ومنها السباب واللعن عمدا أمام الملأ. • ومنها تعاطي بعض الشباب - هداهم الله - أنواع المعاكسات في الأسواق والشوارع والحدائق وأماكن الترفيه وغيرها. • ومنها لبس الشباب للشورت الذي يظهر الفخذين والسير به في الشوارع، وكذلك لبس السلاسل والفانيلات التي عليها صور خليعة. • ومنها إتلاف السيارات بالتفحيط والتطعيس. • ومنها الإفطار في رمضان عمدا أمام الملأ بدون عذر. • ومنها مزاولة أنشطة تجارية محرمة كالبنوك الربوية ومحلات أشرطة الغناء ومحلات الشيشة والجراك وغيرها. • ومنها قيام بعض الشباب بالضرب على آلات الطرب والموسيقى في البر أو في المنتزهات وغيرها. • ومنها إزعاج الناس بأصوات المغنين والمغنيات عبر الراديو أو التلفاز.

стр. 2298

• ومنها استخدام بعض الكتاب الصحف والمجلات منبرا للطعن في الإسلام والمسلمين. • ومنها الغيبة والنميمة؛ لأنها لا تكون عادة إلا أمام الملأ. • ومنها السخرية والاستهزاء بأهل الدين والعفاف من الرجال و النساء، ووسمهم بالتخلف والرجعية. هذه إرشادات سريعة وعلى مثلها فقس، والحر تكفيه الإشارة، وليس المطلوب هو ترك المجاهرة بالمعاصي فقط، ولكن المطلوب هو ترك المعاصي كلها ولو سراً، لأنها قبيحة العواقب، سيئة المنتهى. باب ذم الهوى والشهوات: [*] • عناصر الباب: • تعريف الهوى: • مدح مخالفة الهوى: • استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: • تعريف الهوى: مسألة: ما هو الهوى؟ [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: الهوى: ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خُلِقَ في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه فالهوى مستجلب له ما يفيد كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذى فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق وإنما يذم المُفْرِطُ من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار. ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس وإذا فهم تعذر وجود العمل به وندر مثاله أن شهوة المطعم إنما خلقت لاجتلاب الغذاء فيندر من يتناول بمقتضى مصلحته ولا يتعدى فإن وجد ذلك انغمر ذكر الهوى في حق هذا الشخص وصار مستعملا للمصالح وأما الأغلب من الناس فإنهم يوافقون الهوى فإن حصلت مصلحة حصلت ضمنا وتبعا فلما كان هذا هو الغالب ذكرت في هذا الباب ذم الهوى والشهوات مطلقا ووسمت كتابي ب (ذم الهوى) لذلك المعنى. وقد روى عن ابن عباس أنه قال ما ذكر الله تعالى الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه وقال الشعبي إنما سمي هوى لأنه يهوى بصاحبه. - وقال أيضاً: واعلم أن الهوى يسري بصاحبه في فنون ويخرجه من دار العقل إلى دائرة الجنون. وقد يكون الهوى في العلم فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمر به العلم. وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء. • مدح مخالفة الهوى: [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ:

стр. 2299

لله درُّ نفس تطهرت من أجناس هواها، وتجلببت جلباب الصَّبر عند دنياها، وشغلها ما رأى قلبها عما رأت عيناها، وإن مالت إلى الدنيا نهاها نُهاها، وإن مالت إلى الهوى شفاها شفاها، سهرت تطلب رضا المولى فرضي عنها وأرضاها، وقامت سوق المجاهدة على سوق هداها، فباعت حرصها بالقناعة فظفرت بغناها، وفوقت سهام العزائم إلى أهداف المحارم تبتغي علاها، ورمت نجائب الأسحار فساقها حادي الاستغفار إذ عناها، وقطعت بيداء الجد بآلة المستعد فبلغت مُنَاها، فمن أجلها ينزل القطر وينبت الزرع من جزاها، ولولاها لم تثبت الأرض بأهل دنياها، وما أعطَى الصَبابَة ما استَحقَت عَليهِ ولا قَضَى حق المنازل ملاحظها بعين غُرِّى غيري وزائراها بجسم غير ناحل. • مدح الله تعالى مخالفة الهوى فقال تعالى: (وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات ٤٠: ٤١] قال المفسرون: هو نهي النفس عما حرم الله عليها. وقال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها. قال تعالى: (وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف: ١٧٦] وقال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلََهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) [الفرقان: ٤٣] وقال تعالى: (بَلِ اتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلّ اللّهُ) [الروم: ٢٩] وقال تعالى: (فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) [القصص: ٥٠] قال بعض الحكماء: «الهوى ملك عسوف وسلطان ظالم دانت له القلوب وانقادت له النفوس.» وقال آخر: إن لكل شيء أبا جاد وإن أبا جاد الحكمة طرد الهوى ووزن الأعمال. [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف: الناسُ مِنَ الهَوى عَلى أَصنافِ هَذا ناقِضُ العَهدِ وَهَذا وافي، هَيهَات مِنً الكُدورِ تَبغي الصافي، ما يَصلُحُ لِلحَضرَةِ قَلبٌ جافي. [*] • وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ:

стр. 2300

قال تعالى: (وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ * فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات ٤٠: ٤١] والمراد بالهوى هنا: ما يهوى العبد من المحارم فيذكر مقامه للحسنات. واعلم: أن من تفكر عند إقدامه على الخطيئة في نظر الحق إليه رده فكره خجلاً مما هم به، فالناس في ذلك على مراتب فمنهم من يتفكر عند جولان الهم بالذنب فيستحي من مساكنة ذلك الخاطر وهذا مقام أهل الصفا، ومنهم من قويت أسباب غفلته فهو ساكن ذلك الهم إلا أنه لا يعزم عليه، ومنهم من يعزم لقوة غفلته فهو يستسقي إقدامه فيما عزم عليه ومنهم من زاد على ذلك بمقارنته المحظور ومداناته ثم تدركه اليقظة وإنما يكون هذا على مقدار تكاثف الغفلة وقلتها فيفكر عند خاطره في عظمته من قد علم وعند يقظه في جلال من قد سمع وعند فعله في عزة من قد رأى وهذا الفكر إنما نبت عن إصرار راسخ من الإيمان في القلب راعاه الحق إليه حذار علته ومعاملة صادقة في الخلوة. مسألة: ما هو التفسير الشرعي للغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى؟ [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ: الغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى غشي على القلب وران عليه، فإذا هم بخطيئة أو قاربها اقتلب مراعاة الحق إليه: خذ مراعاته بحق الحق قبل ذلك كما قال تعالى: (فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات ١٤٣: ١٤٤] وقال (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: ٨٢] وكما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. فما ينفر طائر قلبه من (وسخ العزم على الذنب) ثم عام في (بحر الحياة) خجلاً مما هَمَّ به يخرج نقياً بعد الوسخ طاهراً بعد النجس لأن الأصل محفوظ بالصدق ومرهون بالإيمان، ولولا لطف الحق لكشف حجب الغفلة لبراقع الذنب غير أنه أراه برهان الهدى فرجع وأقام له هاتف التقوى فخشع، والقلوب تحن إلى ما اعتادت وألفت وتنازع إلى ما مرنت عليه وعرفت ٠ • استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً: [*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: قد كان أهل الحزم يعودون أنفسهم مخالفة هواها وإن كان مباحا، ليقع التمرين للنفس على ترك الهوى مطلقا وليطلب الأرباح في المعاملة بترك المباح.

стр. 2301

[*] • أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن عبد الله بن أبي عثمان قال كان عبد الله بن عمر اعتق جاريته التي يقال لها رميثة وقال إني سمعت الله قال في كتابه (لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ) [آل عمران: ٩٢] وإني والله إن كنت لأحبك في الدنيا اذهبي فأنت لوجه الله. باب استحضار سنة الجزاء من جنس العمل: ﴿تنبيه﴾:• اعلم رحمك الله تعالى أن من أنفعِ الدروس في تزكية النفوس «استحضار سنة الجزاء من جنس العمل» لأنه بمثابة حافز للإنسان على فعل الخير ورادعاً له عن الشر، لأنه يضع نصب عينيه أن الجزاء من جنس العمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فمن زرع خيراً حصد خيراً، ومن زرع الشوك لا يجني عنباً. [*] • عناصر الفصل: • أثر استحضار قاعدة الجزاء من جنس العمل في ترقيق القلب: • تأصيل سنة الجزاء من جنس العمل: • الأدلة على سنة الجزاء من جنس العمل: • الثواب والعقاب من جنس العمل: • العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس من جنسها: • أروع القصص للجزاء من جنس العمل: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: • أثر استحضار قاعدة الجزاء من جنس العمل في ترقيق القلب: إن الله قد أودع هذا الكون «سننا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل»، يُنسج على منوالها نظام هذه الحياة، فالعاقل اللبيب من يساير سنن الله ولا يصادمها، ومن أَجَلِّ هذه القواعد والسنن العظيمة أن الجزاء من جنس العمل. فجزاء العامل من جنس عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر: (جَزَاءً وِفَاقاً) (النبأ:٢٦)، فمن زرع خيراً حصد خيراً، ومن زرع الشوك لا يجني عنباً. ولو وضعنا هذه القاعدة نصب أعيننا لزجرتنا عن كثير من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: كما لا يُجْتَنَى من الشوك العنب كذلك كذلك لا يُنْزَلُ الفُجَارُ مَنَازِلَ الأبرار، وهما طريقان فأيهما أخذتم أدركتم إليه. ﴿تنبيه﴾:• إن العلم بهذه القاعدة هو في المقام الأول دافعٌ للأعمال الصالحة، رادعٌ عن الظلم، زاجر للظالمين ومواس للمظلومين.

стр. 2302

فلو استحضر الظالم الباغي عاقبة ظلمه وأن الله «سيسقيه من نفس الكأس عاجلا أو آجلا» لكف عن ظلمه وتاب إلى الله وأناب، ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه سعيد بن جبير ﵀ حين قال له الحجاج: [اختر لنفسك أي قتلة تريد أن أقتلك، فقال: بل اختر أنت لنفسك يا حجاج؛ فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها يوم القيامة]. • فلو أن هذا الذي يهدر الدم الحرام بغير حق تدبر الحكمة القائلة: بشر القاتل بالقتل لأحجم عن فعلة عاقبتها الهلكة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. • ولو أن هذا الفاجر المستهتر الذي يعبث بحرمات الناس وينتهك أعراضهم علم أن عدل الله قد يقضي أن يسلط على عرض أمه أو أخته أو زوجته أو ابنته من لا يتقي الله فيه، فينال منه كما نال هو من عرض أخيه لانتهى وانزجر. • ولله درُ من قال: يا هاتكا حرم الرجال وقاطعا ... سبل المودة عشت غير مكرم لو كنت حراً من سلالة ماجد ... ما كنت هتاكا لحرمة مسلم من يَزن يُزن به ولو بجداره ... إن كنت يا هذا لبيبا فافهم من يزن في بيت بألفي درهم ... ففي بيته يزنى بغير الدرهم • ولو أن الوصي على مال اليتيم سَوَّلَ له الشيطان أكله بالباطل فاستحضر قول الله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (النساء:٩). لاتقى الله في مال اليتامى ولحافظ عليهم وعلى أموالهم حتى يحفظ الله ذريته من بعده (جَزَاءً وِفَاقاً). إن اليقين بهذه القاعدة من قواعد نظام الكون لَيَمْنَح وقوداً إيمانياً عجيباً لمن سلك سبيل الله تعالى فوجد عقبات أو منغصات أو اضطهادات أو ظلما واستضعافا فيؤزه هذا اليقين بتلكم القاعدة على الصبر والثبات وثوقاً بموعود الله الذي يمهل ولا يهمل، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته كما في الحديث الآتي: (حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢] • تأصيل سنة الجزاء من جنس العمل:

стр. 2303

إن الجزاء من جنس العمل «سنة ثابتة من سنن الله في خلقه لا تتغير ولا تتبدل»، ولهذا أخبرنا ربنا ﵎ في كثير من الآيات القرآنية أنه يعامل خلقه بجنس عملهم، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، فقال : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]. وقال تعالى وتقدس: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧،٨] وقال الحق جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] وقد نص الله تعالى على ذلك في أكثر من مائة موضع، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقوله جل ثناؤه: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ، وقوله عز سلطانه: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] وقوله جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧] وهذا مظهر من مظاهر العدل الإلهي في الدنيا والآخرة. - والجزاء من جنس العمل منه ما يكون في الدنيا، ومنه ما يكون في الآخرة ومنه ما يكون في التشريع: • أمثلة للجزاء من جنس العمل في الدنيا: (١) تسليط الظالمين بعضهم على بعض: يقول الحق جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] (٢) إهلاك المكذبين الذين يؤذون رسل الله وأولياءه: يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤،١٣]

стр. 2304

ويقول الباري جل وعلا: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] ويقول عز سلطانه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] (٣) معاملة المنافقين والكافرين بجنس ما يعاملون به الحق والمؤمنين: قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] فالسخرية من المنافقين والكافرين تكون بالطبع على قلوبهم، وبإمهالهم في غيهم وطغيانهم يعمهون. وقال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] ومن نسيه الله كان الضلال حليفه، والشر مأربه، وجهنم منزله. (٤) نصر الله للمؤمنين في الدنيا منوط بنصرهم لدين الله تعالى وسعيهم لإعلاء كلمته ونصرتهم لبعضهم بعضا: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقال جلت عظمته: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] (حديث جابر في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلما في موطن يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِهِ و يُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَتِهِ إلا خَذَلَه الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُ فيه نُصْرتِه و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته. (حديث المستورد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة.

стр. 2305

• أمثلة للجزاء من جنس العمل في الآخرة: (١) معاملة أهل الإحسان بالإحسان: يقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ويقول جل ثناؤه: ﴿للَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦] (٢) معاملة المنافقين والكافرين بجنس ما كانوا يعاملون به الحق وأهله: يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ *هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ*﴾ [المطففين ٢٩: ٣٦] • أمثلة للجزاء من جنس العمل في التشريع بين الناس: المماثلة في القصاص: لقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] • الأدلة على سنة الجزاء من جنس العمل: [*] • قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

стр. 2306

«قالوا: وقد دَلّ الكتاب والسنة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، كما قال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقاً) [النبأ: ٢٦]؛ أي: وفق أعمالهم، وهذا ثابت شرعاً وقَدَراً، أما الشرع فلقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ" [المائدة: ٤٥]». «تهذيب السنن» (١٢/ ١٧٦).أهـ قال تعالى: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ) [فاطر: ٤٣] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀: أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) [يونس: ٢٣] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀: أي: إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم، أهـ ومن ذلك قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء: ١٢٣ـ ١٢٤) وقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران:٥٤) وقوله (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:٥٠) ومن السنة الصحيحة ما يلي: (حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ... أتاني جبريل فقال: يا محمدُ عِش ما شئت فإنك ميت و أحبب من شئت فإنك مفارِقُه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، و اعلم أن شرفَ المؤمن قيامُهُ بالليل و عزَّه استغناؤه عن الناس. (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به. (حديث أبي صِرْمَةَ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من ضَارَّ أضرَ الله به و من شاقَّ شاقَّ الله عليه. من ضَارَّ: أي من أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق أ ه. أضر الله به، ومن شاق: المشاقة: المنازعة، شاق الله عليه: أي أنزل الله عليه المشقة أ ه.

стр. 2307

(حديث جابر في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلما في موطن يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِهِ و يُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَتِهِ إلا خَذَلَه الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُ فيه نُصْرتِه و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته. (حديث المستورد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة. (حديث جابر في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلما في موطن يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِهِ و يُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَتِهِ إلا خَذَلَه الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُ فيه نُصْرتِه و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته. (حديث المستورد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم).

стр. 2308

• الثواب والعقاب من جنس العمل: [*] • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قَدَر الله وفي شرعه، فإن هذا العدلُ الذي تقوم به السماء والأرض، كما قال الله تعالى: (إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً" [النساء: ١٤٩]. وقال تعالى: (وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ" [النور:٢٢]. والسنة الصحيحة طافحة بما يدل على ذلك، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم). (حديث عليّ الثابت في صحيح السنن الأربعة) أن النبي ﷺ قال: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وِترٌ يحب الوتر. (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، ومأكله حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)

стр. 2309

- ولهذا قطع يد السارق، وشرع قطع يد المحارب ورجله، وشرع القصاص في الدماء والأموال والأبشار، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان، مثل ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في شاهد الزور أنه أمر بإركابه دابة مقلوباً وتسويد وجهه، فإنه لما قلب الحديث قلب وجهه، ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه، وهذا قد ذكره في تعزير شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم. - ولهذا قال الله تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً" [الإسراء:٧٢]. وقال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طه: ١٢٤ـ ١٢٦]. وتأمل في الأحاديث الآتية: (حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ. (حديث أبي صِرْمَةَ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من ضَارَّ أضرَ الله به و من شاقَّ شاقَّ الله عليه. من ضَارَّ: أي من أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق أ ه. أضر الله به، ومن شاق: المشاقة: المنازعة، شاق الله عليه: أي أنزل الله عليه المشقة أ ه. (حديث جابر في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلما في موطن يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِهِ و يُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَتِهِ إلا خَذَلَه الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُ فيه نُصْرتِه و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.

стр. 2310

(حديث المستورد ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة. فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده، كما أن «من تواضع لله رفعه الله فجعل العباد متواضعين له». (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. [*] • وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «الجزاء مماثل للعمل» من جنسه في الخير والشر، فمن ستر مسلماً ستره الله، ومن يَسّر على مُعْسر يَسّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومن نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن ضارَّ مسلماً ضارَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه، ومن خَذَلَ مسلماً في موضع يحب نُصرته فيه خَذَلَهُ اللهُ في موضع يحب نصرته فيه، ومن سَمَحَ سَمَحَ الله له، والراحمون يرحمهم الرحمن، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ومن أنفق أُنفِقَ عليه، ومن أَوْعَى أُوعِيَ عليه، ومن عفا عن حقه عفا اللهُ له عن حقه، ومن تجاوز تجاوز اللهُ عنه، ومن استقصى استقصى اللهُ عليه». «إعلام الموقعين» (١/ ١٩٦). • العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس من جنسها: [*] • قال ابن القيم رحمه الله تعالى: « ... فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته: أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقتل والجراح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وجوه الزَّجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الرَّدع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الرَّدع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شَرَعَ لهم في ذلك ما هو مُوجَبُ أسمائه وصفاته؛ من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعَدْله، لتزولَ النوائبُ، وتنقطعَ الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنعَ كلُّ إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقه.

стр. 2311

ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجاتٍٍ متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصلُح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخَدْشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقَدْح في الأنساب، ولا سرقة اللقمة والفَلْس بسرقة المال الخطير العظيم. فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بُدٌّ من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وُكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنساً ووصفاً وقَدْراً لذهبت بهم الآراءُ كُلَّ مذهب، وتشعبت بهم الطرقُ كلَّ مَشْعَب، ولعَظُمَ الاختلاف واشتد الخَطبُ، فكفاهم أرحمُ الراحمين وأحكم الحاكمين مُؤنة ذلك، وأزال عنهم كُلفَتَه، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعاً وقدراً، ورتَّبَ على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النَّكال، ثم بلغ من سَعَة رحمته وجوده أن جعل تلك العقوبات كفاراتٍ لأهلها وطُهرةً تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قَدِمُوا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النَّصُوح والإنابة، فرحمهم بهذه العقوبات أنواعاً من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قَتْل، وقَطْع، وجَلْد، ونفي، وتغريم مال، وتعزير. فأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس، فكانت عقوبته من جنسه، وكالجناية على الدِّين بالطعن فيه والارتداد عنه، وهذه الجناية أولى بالقتل وكف عدوان الجاني عليه من كل عقوبة، إذ بقاؤه بين أظْهُرِ عباده مَفسدةٌ لهم، ولا خير يُرجى في بقائه ولا مصلحة، فإذا حُبِسَ شره وأُمسك لسانُه وكُفَّ أذاه والتزم الذل والصَّغار وجرَيَان أحكام الله ورسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظْهُرِ المسلمين ضرر عليهم، والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين. وجَعَلَهُ أيضاً عقوبة الجناية على الفروج المحرمة لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام.

стр. 2312

وأما القَطْع فجعله عقوبة مِثله عَدْلاً وعقوبةَ السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجَلْد، ولم تبلغ جنايته حَدَّ العقوبة بالقتل، فكان أليقُ العقوبات به إبَانَةَ العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذِ أموالهم، ولما كان ضرر المحارب أشدَّ من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضَمَّ إلى قطع يده قطع رجله، ليَكُفَّ عدوانَه وشرَّ يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها، وشَرَعَ أن يكون ذلك من خلاف لئلا يُفَوِّتَ عليه منفعة الشِّق بكماله، فكَفَّ ضرره وعدوانه ورَحِمه بأن أبقى له يداً من شِق ورجلاً من شِق. وأما الجَلْد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغاً يُوجبُ القتل ولا إبانَةَ طَرَفٍ، إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سبباً لأشنع القتلات، ولكن عارَضَها في البكر شِدَّةُ الداعي وعدم المُعَوِّضِ، فانتهضَ ذلك المعارضُ سبباً لإسقاط القتل» «إعلام الموقعين» (٢/ ٩٥ - ٩٧). - وقال أيضاً: «وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر الكبائر وأعظمها ضرراً وأشدها فساداً للعالم، وهي الكفر الأصلي والطارئ، والقتل، وزِنى المُحصَن، وإذا تأمل العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث، وهذه هي الثلاث التي أجاب النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّاً وهو خَلَقَك، قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تقتل ولَدَكَ خشية أن يَطْعَمَ معك»، قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» (١). فأنزل الله تصديق ذلك: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ) [الفرقان:٦٨]. ثم لما كان سرقة الأموال تَلِي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع الطَّرَف، ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجَلْد، ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حَدَّه دون حَدِّ هذه الجنايات كلها، ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعدُ متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة ـ وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة ـ جُعِلَتْ عقوباتُها راجعة إلى اجتهاد الأئمة ووُلاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم.

стр. 2313

«إعلام الموقعين» (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) وقال في موضع آخر: «قالوا: وقد دَلّ الكتاب والسنة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، كما قال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقاً) [النبأ: ٢٦]؛ أي: وفق أعمالهم، وهذا ثابت شرعاً وقَدَراً، أما الشرع فلقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ" [المائدة: ٤٥]» «تهذيب السنن» (١٢/ ١٧٦). • أروع القصص للجزاء من جنس العمل: أولاً قصص للجزاء من جنس العمل لمن فعل خيرا: • قصةُ مُشَرِّفَة لمن حمل والده على كتفيه: حدث أحد الآباء، أنه قبل أكثر خمسين عاماً حج هذا مع والده، بصحبة قافلة على الجمال، وعندما تجاوزوا منطقة عفيف، وقبل الوصول إلى ظَلم، رغب الأب أكرمكم الله - أن يقضي حاجته، فأنزل الابن من البعير، ومضى الأب إلى حاجته، وقال للابن انطلق مع القافلة أنت، وسوف ألحق بكم، مضى الابن، وبعد برهة من الزمن التفت الابن، ووجد أن القافلة بعدت عن والده، فعاد جارياً على قدميه، ليحمل والده على كتفه، ثم انطلق يجري به، يقول الابن، وبينما هو كذلك، أحسست برطوبة تنزل على وجهي، وتبين لي أنها دموع والدي، فقلت لأبي، والله إنك أخف على كتفي من الريشة فقال الأب: ليس لهذا بكيت، ولكن في هذا المكان حملت أنا والدي • قصة العبد الذي زرع الشعير: ها هوَ رجلُ كان له عبد يعملُ في مزرعته، فيقولُ هذا السيد لهذا العبد: ازرع هذه القطعةَ برا. وذهبَ وتركه، وكان هذا العبد لبيباً عاقلا، فما كان منه إلا أن زرعَ القطعة شعيراً بدل البر. ولم يأتي ذلك الرجل إلا بعد أن استوى وحان وقت حصاده. فجاء فإذا هي قد زُرعت شعيراً.، فما كان منه إلا أن قال: أنا قلت لك ازرعها برا، لما زرعتها شعيرا؟ قال رجوت من الشعيرِ أن ينتجَ برا. قال يا أحمق أفترجو من الشعيرِ أن يُنتجَ برا؟ قال يا سيدي أفتعصي اللهَ وترجُ رحمتَه، أفتعصي اللهَ وترجُ جنتَه. ذعر وخافَ واندهشَ وتذكرَ أنه إلى اللهِ قادم فقال تبتُ إلى الله وأبت إلى الله، أنت حرٌ لوجه الله. كما تدين تدان والجزاء من جنس العمل، ولا يظلمُ ربك أحدا. ) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل:٩٧) • قصة زواج المبارك والد الإمام عبد الله بن المبارك:

стр. 2314

كان المبارك رحمه الله تعالى ـ والد عبد الله ابن المبارك ـ عبدا رقيقا أعتقه سيده، ثم اشتغل أجيرا عند صاحب بستان، وفي ذات يوم خرج صاحب البستان مع أصحاب له إلي البستان، وقال للمبارك: ائتنا برمان حلو، فقطف رمانات ثم قدمها إليهم، فإذا هي حامضة، فقال صاحب البستان: أنت ما تعرف الحلو من الحامض، قال: لم تأذن لي أن أكل حتى أعرف الحلو من الحامض، فقال له: أنت من كذا، وكذا سنة تحرس البستان، وتقول هذا، وظن أنه يخدعه، فسأل الجيران عنه فقال: ما أكل رمانة واحدة، فقال له صاحب البستان: يا مبارك ليس عندي إلا ابنة واحدة، فلمن أزوجها؟ فقال له اليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، والعرب للحسب، والمسلمون يزوجون للتقوى، فمن أي الأصناف أنت، زوج ابنتك للصنف الذي أنت منه، فقال: وهل يوجد أتقي لله منك، ثم زوجه ابنته. سبحان الله!! عف المبارك من رمانة من البستان، فسيق إليه البستان وصاحبته، والجزاء من جنس العمل ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ومن هذا البيت خرج عبد الله بن المبارك الذي كان يقول: لأن أرد درهما من شبهة، خير لي من أن أتصدق بمائة ألف درهم، ومائة ألف درهم .... حتي عد ستمائة ألف درهم. والد يتنزه عن الشبهات وكذا ابنه الإمام، من كان لله كما يريد، كان الله له كما يريد، نسأل الله من فضله. • قصة المتصدق بالدجاجة: روى أن رجلا كان يجلس مع زوجته ذات يوم يأكلان الطعام وإذا بمسكين يطرق باب بيتهما وكان أمام الرجل دجاجه فقالت امرأته: ألا أتصدق بها على هذا المسكين؟؟؟ فقال: لها: لا اذهبي واطرديه عن الباب. ومرت الأيام وأصيب الرجل بالفقر وكذلك طلق زوجته وبعد طلاقها تزوجت برجل آخر وحينما كانت جالسه ذات يوم مع زوجها الثاني تأكل الطعام وكان أمامهما دجاجه، طرق الباب طارق مسكين فقال لها زوجها الثاني اذهبي وتصدقي بهذه الدجاجة؟؟ فذهبت ورجعت تبكي فقال لها اتبكين لأننا تصدقنا بدجاجة قالت لا ولكني أبكي لأن السائل كان زوجي الأول. فقال لها: أتعلمين من أنا؟؟؟؟، أنا السائل الأول. ثانياً قصص للجزاء من جنس العمل لمن عصى الله: • قصة الرجل الذي ذبح أباه والعياذ بالله: هاهوَ رجلٌ كان له أبُ قد بلغَ من الكبر عتيا، وقام على خدمته زمناً طويلا ثم مله وسئمه منه. فما كان منه إلا أن أخذه في يومٍ من الأيامِ على ظهر دابةٍ، وخرجَ به إلى الصحراْء. ويوم وصل إلى الصحراء قال الأبُ لأبنهِ يا بني ماذا تريدُ مني هنا؟

стр. 2315

قال أريدُ أن أذبحَك، لا إله إلا الله ابنٌ يذبحُ أباه. فقال أهكذا جزاءُ الإحسانِ يا بني. قال لا بد من ذبحِك فقد أسأمتني وأمللتني. قال إن كان لابدَ يا بني فاذبحني عند تلكَ الصخرةِ. قال أبتاه ما ضركَ أن أذبحك هنا أو أذبحك هناك؟ قال إن كان الجزاءُ من جنسِ العمل فاذبحني عند تلك الصخرةِ فلقد ذبحتُ أبي هناك. ولك يا بنيَ مثلُها والجزاءُ من جنسِ العمل، وكما تدينُ تدان، ولا يظلمُ ربكَ أحدا. • قصة رجلٌ ظالمٌ غاشم استطال على الله تعالى: إليكم هذه القصة الواقعية والتي حدثت في القرن العشرين، مدير أحد السجون العربية في الستينات والقصة موثقة والأسماء لا تزيد من العبرة شيئاً كان رجلاً عنيفاً فظاً غليظاً نُقل عنه تجرأه على الله ورسوله وقد بلغ ذلك عنده مبلغه فعتا عتواً كبيراً وتجاسر وارتقى مرتقاً صعباً فلم يتجرأ فقط على النبي ﷺ بل تجرأ على الذات العلية .. تجرأ على الركن الشديد، تجرأ على القوي العزيز، تجرأ على ذي العرش المجيد، قال لمن يستغيث بالله وهو تحت وطأة التعذيب المميت: أين ربكَ هذا؟ لو نزل ربُك الآن لسجنته في الزنزانة رقم اثني عشر التي بجوارك. يالها من كلمة .. يا لها من جُرأة! هكذا جرأة وجنون بلا حدود .. طغيان وسفاهة وتأنف والله السفاهة أن يطلق اسمها على هؤلاء وهذا الذي ذكرته لكم غيض من فيض ونقطة من بحر من جبروته وطغيانه وأمهله الله ، وهذه سنته، ، وفي يوم العيد .. يوم أخذ الجبابرة هكذا يأخذهم الله دائماً وهم في زهوهم فرحون، خرج المفتري في يوم العيد غافلاً عما يُراد به مزهواً فرحاً ارتقى سيارته الفارهة وبين هو على الطريق السريع والسيارة تنهم الأرض نهماً حان وقت الحساب وشارفت الرحلة على الانتهاء .. ووصل إلى الحد المحدود والأجل الموقوت فإذا حان وقت الحساب لا يُؤجل وفجأة وبينما السيارة تنهم الأرض نهماً صدمت الرجل بسيارته سيارةً محملة بأسياخ الحديد وكانت الأسياخ بارزة كأنها أسهم الدعوات وسيوف السموات فباتت الأسياخ في عنقه ووجدت في جسده كل مطعن. قال شهود العيان: لم نستطع أن نحرر الجسد من الحديد إلا بعدما فصلنا العنق عن الجسد. فمن سجن من؟! حديد بحديد .. حديد بحديد والجزاء من جنس العمل أخبرنا الثقة الثبت أنه عندما أرادوا أن يدخلوه المسجد ليصلوا عليه أَبَتْ الخشبة أن تدخل المسجد، أبت الخشبة الظالمة أن تدخل المسجد
следующие страницы →