← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

[*] • قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته. [*] • وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى؛ فإنك إن أسأت فيما بقى، أخذت بما مضى وبما بقي. [*] • وقال بعض الحكماء: من كانت الليالي و الأيام مطياه، سارت به وإن لم يسر، وفي هذا قال بعضهم: وما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داع إلى الموت قاصد وأعجب شيء لو تأملت أنها ... منزل تطوى والمسافر قاعد [*] • قال الحسن ﵀: لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب اللآجال. [*] • وكتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسر بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به، والسلام. • ولله درُ من قال: نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل ولم أر مثل الموت حقاً كأنه ... إذا ما تخطه الأماني باطل وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. ولقد حث النبي ﷺ أمته في اغتنام حياتهم في الأعمال الصالحة كما في الأحاديث الآتية: (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك و صحتك قبل سقمك و فراغك قبل شغلك و شبابك قبل هرمك و غناك قبل فقرك. [*] قال المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (اغتنم خمساً قبل خمس): أي افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء (حياتك قبل موتك) يعني اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك فإن من مات انقطع عمله وفاته أمله وحق ندمه وتوالى همه فاقترض منك لك

стр. 2452

(وصحتك قبل سقمك) أي اغتنم العمل حال الصحة فقد يمنع مانع كمرض فتقدم المعاد بغير زاد (وفراغك قبل شغلك) أي اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أول منازلها القبر فاغتنم فرصة الإمكان لعلك تسلم من العذاب والهوان (وشبابك قبل هرمك) أي اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك فتندم على ما فرطت في جنب اللّه (وغناك قبل فقرك) أي اغتنم التصدق بفضول مالك قبل عروض جائحة تفقرك فتصير فقيراً في الدنيا والآخرة فهذه الخمسة لا يعرف قدرها إلا بعد زوالها ولهذا جاء في خبر سيجيء نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ. (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ. [*] • قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا، حتى يكون مكفيا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على ألاّ يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون" [فتح الباري: (١١/ ٢٣٠) [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (نعمتان) تثنية نعمة، وهي الحالة الحسنة، أو النفع المفعول على وجه الإحسان للغير. وزاد في رواية " من نعم اللّه " (مغبون فيهما) بالسكون والتحريك قال الجوهري: في البيع بالسكون وفي الراوي بالتحريك، فيصح كل في الخبر. إذ من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن ولم يحمد رأيه (كثير من الناس: الصحة والفراغ) من الشواغل الدنيوية المانعة للعبد عن الاشتغال بالأمور الآخروية، فلا ينافي الحديث المار: إن اللّه يحب العبد المحترف، لأنه في حرفة لا تمنع القيام بالطاعات. شبه المكلف بالتاجر، والصحة والفراغ برأس المال لكونهما من أسباب الأرباح ومقدمات النجاح فمن عامل اللّه بامتثال أوامره ربح، ومن عامل الشيطان باتباعه ضيع رأس ماله. والفراغ نعمة غبن فيها كثير من الناس. ونبه بكثير على أن الموفق لذلك قليل. وقال حكيم: الدنيا بحذافيرها في الأمن والسلامة. وفي منشور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة، ومن أمضى يومه في حق قضاه، أو فرض أدَّاه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد عتق يومه وظلم نفسه. قال: لقد هاج الفراغ عليك شغلا * وأسباب البلاء من الفراغ. أهـ • اغتنام كنوز الحسنات:

стр. 2453

من تقرب إلى الله بما افترض عليه فقد نجح، ومن زاد في تقربه إلى ربه بالنوافل فقد أحبه ربه، فعليك أخي أن تستكثر من الأعمال الصالحة مبتدئاً بالفرائض فكملها على أحسن وجه تستطيع، ثم النوافل فالإكثار منها مرقق للقلب، وهناك بعض الأعمال اليسيرة والتي يترتب عليها بإذن الله من الأجرِ العميم ما الله به عليم، ويكون مَنْ وُفِّق لاغتنامها قد عَمِلَ قليلاً وأُجِرَ كثيرا لأنها تُعَدُّ من كنوز الحسنات، وتلك الأعمال يغفل عنها كثير من الناس ويتهاونون بها، مع ما فيها من الثواب العظيم والأجر الجزيل فكم فَرَّطْنَا في قراريطٍ كثيرة، وقد آن الأوان أن نستدرك ما فات بما بقي من الأيام قبل انصرام العمر ومرور الأيام، فَمَنْ كَانَ مِنَّا أَحْسَنَ فَعَلَيْهِ بالتَّمَامِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا أساء فَلْيَخْتِم بالْحُسْنَى، فَالعَمَلُ بَالْخِتَامِ، واعلموا أن السعي للجنة لا يكون بالكلام، ولا بالأماني والأحلام، ولكن بالجِدِ والاهتمام. ﴿تنبيه﴾:• الشباب أعز مراحل العمر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] الآية. [*] • وقالت حفصة بنت سيرين: يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب. • ولله درُّ من يقول: أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما كنت أيام ... الشباب لقد خدعتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب فعليك أخي الشاب أن تبادر باستغلال مرحلة الشباب قبل أن تفوتك فلا ينفعك الندم، وقد سبق قول الإمام أحمد: ما شبهت الشباب بشيء إلا بشيء كان في كمي فسقط! (٢) تقديم الأهم على المهم: إن من فطنة المرء وذكائه أن يحرص على شغل وقته بما هو أهم , فلا يكفي أن تشغل وقتك بأمر نافع حتى ولو كان مهما إذا كان بإمكانك شغله بما هو أنفع وأهم, وهذا يشمل جميع الأفعال والأقوال. ولنضرب لذلك بعض الأمثلة التي توضح المقصود: (أ) إذا ازدحم عندك عملان في وقت واحد, أحدهما نفعه قاصر عليك كصلاة نافلة مثلا, والآخر نفعه متعدي كتعليم العلم, فإنك تقدم ما نفعه متعدي. (ب) إذا ازدحم عندك عملان أحدهما يفوت بفوات وقته كالدعاء في ساعة إجابة, والآخر يمكن تأجيله, فإنك تقدم ما يفوت بفوات وقته. (ج) إذا أردت أن تتكلم بكلمة فوجدت كلمة أنفع منها, فدع الكلمة الأولى وتكلم بالثانية.

стр. 2454

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة, بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو الربح والفائدة في دينه, فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها, وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوته بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه» ا. هـ الله أكبر! ما أعظم هذا الفقه! وكيف يكون حالنا لو طبقنا هذا على ما نتكلم به من كلام؟! (٦) لا تدع في وقتك فراغا: المؤمن ليس عنده وقت فراغ, قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] قال بعض المفسرين: «المعنى إذا أتممت عملا من مهام الأعمال فأقبل على عمل آخر بحيث يعمر أوقاته كلها بالأعمال العظيمة» (١) ا. هـ ومما ابتلينا به في هذه الأزمان تباعد المسافات بين الأماكن, فتجد بين الشخص ومكان عمله مسافة تستغرق فترة طويلة من الزمن حتى يصل إليه, وليس له بد من ذلك, فلماذا لا يستغل هذا الشخص زمن ذهابه إلى عمله وعودته منه في الاستماع إلى الأشرطة العلمية النافعة أو إذاعة القرآن الكريم؟! فإن لم يكن فلا أقل من أن يشغل الإنسان لسانه بذكر الله . قال عبد الله بن عبد الملك: كنا مع أبينا في موكبه, فقال لنا: سبحوا حتى تأتوا تلك الشجرة, فنسبح حتى نأتيها, فإذا رفعت لنا شجرة أخرى قال: كبروا حتى تأتوا تلك الشجرة, قال عبد الله: فكان يصنع ذلك بنا. وأيضا لماذا لا نشغل أوقات الانتظار في المستشفيات ومكاتب الخدمات الأخرى ونحوها في قراءة أحد الكتب النافعة؟! وأيضا لماذا لا نستغل أوقات الفراغ التي تكون في أثناء الدوام بما يعود علينا بالنفع في آخرتنا؟! بشرط أن لا يكون ذلك على حساب العمل الرسمي الذي يتقاضى الموظف أجره عليه. وأيضا إذا كنا في فترة استجمام لماذا لا ننوي بذلك التقوى على الطاعة والعبادة, فنؤجر على ذلك؟! [*] • قال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري ﵄: كيف تقرأ القرآن؟ فقال: أتفوقه تفوقا (٢). قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فاقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٣). • آفات تقتل الوقت:

стр. 2455

هناك آفات وعوائق كثيرة تضيِّع على المسلم وقته، وتكاد تذهب بعمره كله إذا لم يفطن إليها ويحاول التخلص منها، ومن هذه العوائق الآفات ما يلي: (١) الغفلة: وهي مرض خطير ابتلي به معظم المسلمين حتى أفقدهم الحسَّ الواعي بالأوقات، وقد حذَّر القرآن من الغفلة أشد التحذير حتى إنه ليجعل أهلها حطب جنهم، يقول تعالى: (وَلَقَد ذَرَأنَا لِجَهَنمَ كَثِيرًا منَ الجِن وَالإِنسِ لَهُم قُلُوبٌ لا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم ءاذَانٌ لا يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنعام بَل هُم أَضَل أُولَئِكَ هُمُ الغاَفِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] (٢) التسويف: وهو آفة تدمر الوقت وتقتل العمر، وللأسف فقد أصبحت كلمة "سوف" شعاراً لكثير من المسلمين وطابعاً لهم، [*] • قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك" - وقال أيضا: "الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه. فإياك - أخي المسلم - من التسويف فإنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد، وإن ضمنت حياتك إلى الغد فلا تأمن المعوِّقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل، واعلم أن لكل يوم عملاً، ولكل وقت واجباته، فليس هناك وقت فراغ في حياة المسلم، كما أن التسويف في فعل الطاعات يجعل النفس تعتاد تركها، وكن كما قال الشاعر: تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري ... إن جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ فكم من سليمٍ مات من غير عِلَّةٍ ... وكم من سقيمٍ عاش حِيناً من الدهرِ وكم من فتىً يمسي ويصبح آمناً ... وقد نُسجتْ أكفانُه وهو لا يدري فبادر أخي المسلم باغتنام أوقات عمرك في طاعة الله، واحذر من التسويف والكسل، فكم في المقابر من قتيل سوف، والتسويف سيف يقطع المرء عن استغلال أنفاسه في طاعة ربه، فاحذر أن تكون من قتلاه وضحاياه. • صورٌ مشرقة لحفظ السلف لوقتهم ﵏:

стр. 2456

كان السلف يحرصون على أوقاتهم ويشحون بها جدا فلا يبذلونها في غير طاعة الله، فقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم حريصين أشد الحرص على الانتفاع بأوقاتهم واغتنامها واستثمارها، فقد كانوا يسابقون الساعات ويبادرون اللحظات ضنّا منهم بالوقت، وحرصاً على أن لا يذهب منهم سدى، وكان وقتهم أغلى عندهم من الدينار والدرهم، وإن المرء لو تأمل ملياً وتفكَّر جليا لعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن الوقت أغلى من كنوز الأرض كلها، لأن المال يذهب ويجيء .. أما الأيام والليالي فإنها إذا ذهبت لا يمكن أن تعود أبداً .. [*] • قال عبد الله بن مسعود ﵁: ماندمت على شيء ندامتي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي. - وقال أيضا: إني لأبغض الرجل أراه فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته. [*] • قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: من يوم ينشق فجره إلا ويقول: يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لاأعود إلى قيام الساعة. - وقال أيضا: أدركت أقواماً كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه. - وقال أيضا: يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك. - وقال أيضا: "يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك". - وقال أيضا: "الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه. [*] • قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. - وقال أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا ً له، كلما همت نفسه بالقعود، أقامه الوقت وساعده. [*] • وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما. [*] • قال داود الطائي: " إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة وقال أحد الصالحين لتلاميذه: " إذا خرجتم من المسجد فتفرّقوا لتقرؤوا القرآن، وتسبّحوا الله، فإنكم إذا اجتمعتم في الطريق، تكلمتم وضاعت أوقاتكم ". [*] • وقيل لنافع: ماكان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة والمصحف فيما بينهما. [*] • وقال أبو يزيد: إن الليل والنهار رأس مال المؤمنين .. ربحهما الجنة وخسرانهما النار.

стр. 2457

[*] • وقال إبراهيم بن شيبان: من حفظ على نفسه أوقاته فلا يضيعها بما لا رضا لله فيه , حفظ الله عليه دينه ودنياه. [*] • قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها". [*] • قال الشافعي رحمه الله تعالى: صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين: الوقت سيف، فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق، وإلا شغلتك بالباطل. • ولله درُ من قال: من غفل عن نفسه تصرّمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدّت حسراته. • الوقت أعز شيء يغار عليه دون أن يقضى بفائدة، فإذا فاته وقت فلا سبيل إلى تداركه. • ولله درُ من قال: من علامة المقت، إضاعة الوقت. ولو أحبك الله، لشغل وقتك في رضاه. وقتك عمرك فحافظ عليه، وإذا ضاع منك فلا مَرْجِع إليه. ولأن النفس البشرية تتأثر بالنماذج الحية أبلغ من تأثرها بالخطب والمواعظ! لذا فإني سوف أسوق نماذج لسلفنا الصالح تبرز عنايتهم بحفظ أوقاتهم في جميع الأحوال والأوضاع, حتى ترى مدى التفريط في كثير من الأوقات التي أضعناها؛ لعل هذه الأمثلة ـ بعد فضل الله ـ تكون سبباً في شحذ همتي وهمتك إلى الطلب , وإلى الشعور بأننا فرطنا في قراريط كثيرة من الأوقات الفضيلة , وهذه الآثار تدل دلالة واضحة على أن السلف الصالح كانوا يشحون بكل لحظة من عمرهم , وأن الوقت كما قال الوزير يحى بن هبيرة: والوقت أنفس ماعنيت بحفظه: وأراه أسهل ماعليك يضيع وهاك بعض أروع الأمثلة التي تدل على ذلك: • حماد بن سلمة: [*] • قال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا (١). [*] • وقال موسى بن إسماعيل التبوذكي: لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا لصدقت، كان مشغولا إما يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، وقد قسم النهار على ذلك. [*] • قال يونس المؤدب: مات حماد بن سلمة وهو في الصلاة. • ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى:

стр. 2458

يظهر مدى حرص الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى على وقته ظهوراً بيناً في كثرة مؤلفاته وعِظم قدرها وندرةِ فوائدها إذا لو لم يكن أشح على وقته من دراهمه لما استطاع تحصيل هذا العلم الجم الواسع الغزير ولما استطاع تصنيفه بعد تحصيله، ولا أرى ذلك إلا من توفيق الله تعالى له، فليس كل أحدٍ يُوَفَّقُ للخير. [*] • يروي الخطيب البغدادي أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه. يعني: أن عنده من العلم في التفسير ما يملأ ثلاثين ألف ورقة، فلما وجد هؤلاء الطلبة أو هؤلاء الأصحاب غير نشطين اختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، فكم الفرق بين ثلاثة آلاف وثلاثين ألف ورقة؟! إنه عشرة أضعاف، وهو الآن يقع في ثلاثين مجلداً، ولو كان هؤلاء الطلاب أو الأصحاب أكثر همة لكان الثلاثون مجلداً ثلاثمائة مجلد! ثم حاول معهم مرة ثانية، فقال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟! أي: هل عندكم همة أملي عليكم تاريخ العالم منذ إهباط آدم الأرض إلى يومنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ما ذكره في التفسير وقال: ثلاثون ألف ورقة. فردوا مثل ذلك، فقال: إنا لله! ماتت الهمم. ثم إنه جعله على نحو قدر التفسير، وهو تاريخ الطبري المعروف. • أبو حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن: [*] • قال أبو حاتم: سألنا القعنبي أن يقرأ علينا «الموطأ»، فقال: تعالوا بالغداة، فقلنا له: مجلس عند الحجاج، قال: فإذا فرغتم من الحجاج، قلنا: نأتي مسلم بن إبراهيم، قال: فإذا فرغتم، قلنا: يكون وقت الظهر ونأتي أبا حذيفة، قال: فبعد العصر، قلنا: نأتي عارم. قال: فبعد المغرب. فنأتيه (١) بالليل فيخرج علينا فيخرج علينا كثر] كذا [ما تحته شيء في الصيف في الحر الشديد، فكان يقرأ وعليه كساؤه، ولو أراد لأعطي الكثير (٢). [*] • وقال أحمد بن علي لعبد الرحمن بن أبي حاتم: ما سبب كثرة سماعك الحديث من أبيك؟ وكثرة سؤالاتك له؟ فقال: ربما كان يأكل طعامه وأنا أقرأ عليه الحديث ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه (٣). [*] • ثعلب النحوي أحمد بن يحيى البغدادي:

стр. 2459

حكي عن ثعلب أنه كان لا يفارقه كتاب يدرسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوة ـ أي: دعوة طعام ـ شرط عليه أن يوسع له مقدار مسورة، والمسورة هي المتكأ من الجلد، يعني: مثل الوسادة من جلد تتسع لشخص. فكان يشترط على بعضهم إذا دعاه إلى طعام أو وليمة أن يوسع له في الوليمة مقدار مسورة يضع فيه كتاباً ويقرأ. أي: في أثناء حضورة في الوليمة يضع في هذا المكان الذي يحجزه له كتاباً ويقرأ فيه، وقد يحتمل أن تكون هذه القراءة أثناء الأكل، ويحتمل أنها قبل الأكل أو بعده. وإننا لنرى اليوم أن الولائم تضيع فيها ساعات طوال، وأهل بعض البلاد نجد أن كرم الضيافة عندهم يقتضي إهدار الوقت بصورة تدمي القلب، فأول شيء أنهم يجلسون ويتجمعون، وقد يستغرق ذلك ـ مثلاًً ـ نصف ساعة، والمواعيد ليس فيها دقة، ثم بعد ذلك يبدأ تبخير الحاضرين بالبخور، ثم بعد ذلك يؤتى بنوع معين من القهوة فاتح للشهية، ثم بعد ذلك يقدمون التمر مع هذه القهوة، ثم بعد ذلك يقدم الطعام، ثم بعد ذلك تقدم الفواكه، وهكذا الشاي، وإنه لشيء مؤلم جداً أن يضيع هذا الوقت، ويكون ـ أيضاً ـ طلبة علم يجودون بأوقاتهم بهذه الصورة، فهذا شيء لا يكاد يصدق! فالشاهد أن الإمام ثعلب رحمه الله تعالى كان إذا حضر دعوة اشترط خوفاً من ضياع الوقت بهذه الصورة أن يُحجز بجانبه مكان بقدر متكأ من الجلد، حتى يضع عليه كتاباً ويظل يقرأ في أثناء هذه الوليمة، فهل سمعنا حرصاً على العلم أشد من هذا الحرص؟! وكان سبب وفاة ثعلب أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم، فلا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال، وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم رحمه الله تعالى. [*] • ابن عقيل الحنبلي: الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي المتوفى سنة (٥١٣هـ) [*] • قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنه من أذكياء العالم.

стр. 2460

بلغ في محافظته على الزمن مبلغاً أثمر أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، وهو كتاب (الفنون) في ثمانمائة مجلد، وفيه اختلاف في عدد المجلدات، وبعضهم يجزم بأنه ثمانمائة مجلد، فتخيل عالماً يؤلف كتاباً في ثمانمائة مجلد! وهذا الكتاب جمع فيه التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه وأصول التوحيد والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره. [*] • قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى بالفنون مناطاً لخواطره، وواقعاً فيه، ومن تأمل فيه عرف غور الرجل. وقال سبط ابن الجوزي: واختصر منه جدي ‘ـ أي: ابن الجوزي ـ عشرة مجلدات، فرقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقت المأمونية نحواً من سبعين، وفيه حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب وأشعار. [*] • وقال الشيخ أبو حكيم النهرواني: وقفت على السفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون. [*] • وقال الحافظ الذهبي: وعلق كتاب الفنون، وهو أزيد من أربعمائة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث. وقال الذهبي أيضاً: لم يُصَنَفْ في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منهم المجلد الفلاني بعد الأربعمائة. [*] • وقال الحافظ ابن رجب: إن بعض مشايخه قال: هو ثمانمائة مجلد. - وقال أيضاً في ترجمته: «ولابن عقيل تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه: كتاب «الفنون» وهو كتاب كبير جدا، ... وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: لم يصنف في الدنيا كتاب أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة» (١) وذكر ابن رجب عن بعض العلماء أنه في ثماني مائة مجلدة.

стр. 2461

وقال الإمام ابن عقيل: " إني لا يحل لي أن أضيّع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا على الفراش، فلا أنهض إلا وخطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حرص على العلم وأنا في الثمانين من عمري أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أقصّر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سفّ الكعك وتحسّيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، وإن أجلّ تحصيل عند العقلاء – بإجماع العلماء – هو الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص، فالتكاليف كثيرة، والأوقات خاطفة ". • ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والإمام ابن الجوزي هو تلميذ ابن عقيل، [*] • يقول سبطه أبو المظفر عنه: سمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني ـ وهذا من التحدث بالنعم ـ، ولو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب، فاستفدت من نظري فيها من ملاحظتي سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعبادتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت استزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد! يعني أنه قرأ وهو يطلب العلم في مرحلة الطلب فقط عشرين ألف مجلد، ولو قلنا: إن المجلد ثلاثمائة صفحة لكان ما قرأه هو ستة ملايين صفحة، قرأها وهو في مرحلة طلب العلم رحمه الله تعالى. فما مقدار ما كتب وما صنف الإمام ابن الجوزي؟! [*] • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي مفتياً كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك له ما لم أر. [*] • ويقول الحافظ الذهبي: وما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل، ولم يدع ابن الجوزي فناً من الفنون إلا وصنف فيه، منها ما هو عشرون مجلداً، ومنها ما هو في رسالة صغيرة. فكيف اجتمع له هذا كله؟

стр. 2462

الجواب: لا يمكن أن يجتمع له هذا إلا إذا كان بجانب علو الهمة عنده محافظة على الوقت، ومحافظة على رأس المال الذي هو الوقت. يقول الموفق عبد اللطيف: إنه كان لا يضيع من زمانه شيئاً. ويقول ابن الجوزي وهو يحدث عن سياسته في عدم تضييع الوقت، وحماية الوقت ممن يعتدون عليه: لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة ـ أي أنه خدمة ومحبة لهذا العالم ـ ويطلبون الجلوس، وينزلون فيه أحاديث الناس وما لا يعنيهم، ويتخلله غيبة، وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه واستوحش من الوحدة، وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض. فـ ابن الجوزي يحكي عن موضوع الزيارات في الأعياد، وينظر إلى أن هذه الزيارات تضييع للوقت، فالشخص له أن يهنئ إخوانه في العيد، أما كثرة الزيارة مع كثرة الإخوان والأحباب وكذا فلا تنبغي، ونحن الآن ضاعفنا أيام العيد، فعيد الفطر هو يوم واحد، وأما الآن فصار ثلاثة أيام، فمن أين صار عيد الفطر ثلاثة أيام؟! إنه لا بأس بأن يكون عيد الأضحى خمسة أيام: يوم عرفة ويوم الأضحى وأيام التشريق، لكن من أين أتينا لعيد الفطر بهذه الثلاثة أيام؟! وأين الدليل عليها؟! ليس إلا حب البطالة، وتضييع الوقت، والتهريج، والأجازات، فبين كل عيد وعيد إجازة، والناس مع ذلك تتأذى، فلماذا تضييع الوقت؟! وكأن الوقت ليس له قيمة، وللأسف الشديد أن الشعب الياباني في وقت من الأوقات عمل تظاهرات ضد الحكومة لأنها أعطتهم أجازات زائدة، فبسبب أنهم أعطوا أجازات عملوا تظاهرات، فانظر إلى عباد الدنيا من هؤلاء الوثنين الذين يعبدون الدنيا كيف يتظاهرون لأجل إلغاء الأجازات؛ لأنهم يستمتعون بالعمل وبالكدح في طلب الدنيا، فكيف تكون غيرة طالب العلم على وقته ممن لا يقد ر هذا الوقت حق قدره؟! يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان.

стр. 2463

يقول: فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لمواضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي أي: يهرب بقدر المستطاع من اللقاء، كما حكى بعض العلماء عن السلف فقال: إن العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا، فمن ثمَّ يقول الإمام ابن الجوزي: فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة. أي: ترك وظائف معينة لم يعملها في بيته، فإذا حصلت زيارة من هذه الزيارات التي تضيع الوقت في الكلام الذي لا يفيد فقد خصص هذا الوقت للأفعال التي تحتاج وقتاً ولا تحتاج إلى تركيز ذهني، فلذلك يقول: ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم؛ لئلا يضيع الزمان فارغاً، فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد -أي: تقطيع الأوراق- وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي. ...... [*] • قال ابن عبد الهادي: لا أعلم أحدا صنف أكثر من ابن الجوزي إلا شيخنا الإمام الرباني أبا العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني ﵁. [*] • وقال ابن رجب: لم يترك فنا من الفنون إلا وله فيه مصنف، وله عجائب في حفظه لوقته, ومن ذلك أنه شكى من زيارة البطالين له وإضاعتهم لوقته, ثم قال: «فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغا، فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي» (١). [*] • وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه صيد الخاطر:

стр. 2464

ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، و قدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة. ويقدم الأفضل فالأفضل من القول و العمل. و لتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتور ربما لا يعجز عنه البدن من العمل، و قد كان جماعة من السلف، يبادرون اللحظات. فَنُقِلَ عن عامر بن عبد قيس، أن رجلاً قال له: كلمني، فقال له: أمسك الشمس. وقال ابن ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي، فقال: «يا بني دعني، فإني في وردي السادس» دخلوا على بعض السلف عند موته، و هو يصلي، فقيل له. فقال: «الآن تطوى صحيفتي» فإذا علم الإنسان ـ و إن بالغ في الجد ـ بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له آجره بعد موته. فإن كان له شيء من الدنيا وقف وقفاً، و غرس غرساً، و أجرى نهراً، و يسعى في تحصيل ذرية تذكر الله بعده، فيكون الأجر له. أو أن يصنف كتاباً من العلم، فإن تصنف العالم ولده المخلد. و أن يكون عاملاً بالخير، عالماً فيه، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به، فذلك الذي لم يمت. أهـ • الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: [*] • قال الضياء المقدسي في ترجمته: كان لا يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن وربما أقرأ شيئا من الحديث تلقينا، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما أفطر وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسان يوقظه فيصلي لحظة ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانيا في الليل، وقال ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبه ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر وهذا دأبه. • النووي رحمه الله تعالى: كان عمره عندما توفي (٤٥) سنة، استطاع فيها أن يحصل هذه العلوم الجمة، وأن يؤلف تلك الكتب العظيمة التي انتشرت وملأت الأرض شرقا وغربا, فهل أتى هذا من فراغ؟!

стр. 2465

[*] • قال ابن العطار في ترجمته: «وذكر لي الشيخ أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا: درسين في الوسيط، ودرسا في المهذب، ودرسا في الجمع بين الصحيحين، ودرسا في صحيح مسلم، ودرسا في اللمع لابن جنى، ودرسا في اصطلاح المنطق لابن السكيت، ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه تارة في اللمع لأبي إسحاق وتارة في المنتخب لفخر الدين، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدين، وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي». • شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يعد الإمام ابن تيمية من أكثر العلماء تأليفا للكتب, وتمتاز كتبه بأنها في الغالب من إنشائه وليست قائمة على النقل فقط كما هو حال كثير من المكثرين. [*] • قال الذهبي ﵀: «وما يبعد أن تصنيفه إلى الآن تبلغ خمس مائة مجلد»، [*] • وقال ابن عبد الهادي: «ولا أعلم أحدا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك، مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب». ويلفت العلامة ابن القيم نظرنا إلى سبب كان له أهمية بالغة في المباركة في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية: [*] • قال ابن القيم في الوابل الصيب: «الحادية والستون من فوائد الذكر: أنه يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرا عجيبا، فكان يكتب في يوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر». - وقال في موضع آخر: «وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاما قريبا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجماع نفسي وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاما هذا معناه».

стр. 2466

[*] • وقال الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى وهو يحكي عن العناء الذي لقيه في نسخ مخطوطة كتبها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بخطه، فيقول: إن ابن تيمية ما كان يرفع قلمه عن الورق. يعني أن الكلام كله متصل ببعضه، ولا ينقطع إلا في نهاية السطر؛ لحرصه على الوقت، أي أنه عندما يكتب لم يكن يترك مسافات بين الكلمات، أو يرفع يديه حتى يكتب الكلمة الجديدة، بل كان القلم يظل منحدراً كالسيل، والكلام وراء بعضه، ولا يتوقف إلا في نهاية السطر حتى يبدأ سطراً جديداً، فهذا ما رآه محب الدين الخطيب بعينيه من خط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ...... [*] • الخليل بن أحمد ﵀: أثقل الساعات على الخليل بن أحمد ساعة يأكل فيها!. [*] • قال أبو هلال العسكرى في كتابه (الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه) [٢٢] كان الخليل بن أحمد - الفراهيدى البصرى أحد أذكياء العالم (١٠٠:١٧٠) هـ يقول أثقل الساعات على: ساعة آكل فيها، فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده؟!، وما أوقد الغيرة على الوقت لديه؟!. • حرص الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل القاضى على وقتهم: [*] • روى الخطيب البغدادى في كتابه (تقييد العلم) [٢٣] عن أبى العباس المبرد، قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ - عمرو بن بحر إمام أهل الأدب، (١٦٣ - ٢٥٥) والفتح بن خاقان - الأديب الشاعر أحد الأذكياء، من أبناء الملوك، اتخذه الخليفة المتوكل العباسي وزيرا له وأخاً، واجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن، (ت٢٤٧ هـ) وإسماعيل بن إسحاق القاضي - الإمام الفقيه المالكى البغدادى (٢٠٠ - ٢٨٢ هـ) فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أى كتاب كان، حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب. أما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه، فإذا قام من بين يدى المتوكل للبول أو للصلاة، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه، إلى أن يأخذ مجلسه، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده. وأما إسماعيل بن إسحاق القاضى فإنى ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب. • حرص الطبيب ابن النفيس على وقته ﵀:

стр. 2467

وعلى سنن من سبق مضى شيخ الطب في زمانه ابن النفيس ﵀، يقول عنه الإمام التاج السبكي: وأما الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله، قيل: ولا جاء بعد ابن سيناء مثله. قال: وكان في العلاج أعظم من ابن سيناء. هذا الطبيب الرائد ابن النفيس صنف كتاباً في الطب سماه: (الشامل)، يقول فيه التاج السبكي: لو تم لكان ثلاثمائة مجلد، تم منه ثمانون مجلداً، وكان ـ فيما يذكر ـ يملي تصانيفه من ذهنه. فكيف تم له ذلك؟ ومن أين له هذه المنزلة؟! لقد كان رحمه الله تعالى إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفي فليس عنده وقت يبري القلم، وإنما يرمي القلم ويتناول غيره؛ لئلا يضيع زمانه في بري القلم. ...... • حرص الإمام السيوطي على وقته ﵀: يظهر مدى حرص الإمام السيوطي رحمه الله تعالى على وقته ظهوراً بيناً في كثرة مؤلفاته وعِظم قدرها وندرةِ فوائدها إذا لو لم يكن أشح على وقته من دراهمه لما استطاع تحصيل هذا العلم الجم الواسع الغزير ولما استطاع تصنيفه بعد تحصيله، ولا أرى ذلك إلا من توفيق الله تعالى له، فليس كل أحدٍ يُوَفَّقُ للخير. وكان السيوطي رحمه الله تعالى يلقب بابن الكتب، طلب أبوه إلى أمه أن تأتيه بكتاب من المكتبة، فذهبت أم الإمام السيوطي إلى المكتبة حتى تحضر الكتاب لأبيه، فأجاءها المخاض في المكتب، فولدته بين الكتب، فلذلك لقب بابن الكتب، ولقد طبق عليه ذلك اللقب حتى صار ﵀ أبا الكتب، ووصلت مصنفات الإمام السيوطي نحو ستمائة، غير ما رجع عنه ومحاه من الكتب. ...... • حرص عبيد بن يعيش على وقته: [*] • قال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدى بالليل، كانت أختى تلقمنى وأنا أكتب الحديث. • حرص جمال الدين القاسمي على وقته ﵀: [*] • الإمام جمال الدين القاسمي ﵀ عاش قرابة خمسين سنة وألف ما يزيد عن خمسين مؤلفاً وكانت حياته زاخرة بالعلم والدعوة والكفاح، ومع ذلك كان يقول: يا ليت الوقت يباع فأشتريه.

стр. 2468

- ومن الأمثلة ماذكره السمعاني في كتابه: (أدب الإملاء والإستملاء) عن بعض المحدثين (وهذا المثال يدل على أنه لايصرف شيئاً من وقته إلا في الطلب أو الذكر من استغفار أو تسبيح أو تهليل , فقديماً كانت حلقات العلم يحضرها الجمع الغفير من الناس , فقد ورد أن مجلس محمد ابن إسماعيل كان يحضره عشرون ألفاً، وذكر السمعاني أن المعتصم الخليفة العباسي المشهور رأى حلقة من حلقات العلم , فهاله كثرة الجمع , فأمر بأن يحصى العدد فلم يستطع العاد أن يحصيهم عدداً فأمر بحرزهم فحرزوا المجلس عشرين ألفا ومائة ألف. والشاهد من هذا الأثر: أن السمعاني رحمه الله تعالى ذكر أن المحدث كان إذا قال: حدثنا وكيع , ثم بدأ المستمعون ينقلون هذه الكلمة , كان المحدث في هذه اللحظة لا يضيع وقته , بل يستغفر الله ويسبح الله حتى ترجع عليه الكرة مرة اخرى. فانظر إلى هذه الثواني التي أبى أن يُفَرِّطَ فيها , ثم انظر كيف تذهب علينا أيام وساعات كثيرة لا نشعر بها! [*] • ويقول بعضهم عن عبد الله ابن الأمام احمد: (والله ما رأيته إلا مبتسماً أو قارئاً أو مطالعاً) [*] • ذكر الذهبي عندما ترجم لعبد الوهاب بن الوهاب بن الأمين: أن أوقاته كانت محفوظة , فلا تمضي له ساعة إلا في قراءة أو ذكر أو تهجد أو تسميع. • ومن الآثار العجيبة التي تبين مدى حرصهم على استغلال اوقاتهم ماذكره الذهبي في كتابه ((السير)) عن داوود بن أبي هند ﵀: (انه كان يقول: (كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق , فإذا انقلبت إلى البيت جعلت على نفسي أن اذكر الله إلى مكان كذا وكذا , فإذا بلغت إلى ذلك المكان جعلت على نفسي أن اذكر الله كذا وكذا .... حتى آتي المنزل. وقصده انه يستغل وقته في هذه اللحظات التي ستمر من عمره. [*] • ويقول غيره عن الخطيب البغدادي: (ما رأيت الخطيب إلا وفي يده كتاب يطالعه). [*] • قال يحيى بن القاسم: كان ابن سكينة عالماً عاملاً لا يضيع شيئاً من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على (سلام عليكم، مسألة) أي: لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام كان يقول لتلامذته ولإخوانه ومن أراد أن يأتي يستفيته: لا تزيدوا على هذه الكلمات: (سلام عليكم، مسألة) أي: ويدخل في الموضوع.

стр. 2469

أما الآن فنعجب مما يحصل من بعض الإخوة، حيث نسمع أحياناً في أشرطة مسجلة حوارات مع العلماء ومع الشيوخ: كيف الحال؟! وكيف الأولاد؟! وكيف الصحة؟! وسمعنا كذا. ويظل السائل يقدم مقدمات طويلة، وفي الآخر يجود بأن يسأل سؤاله، فأمثال هؤلاء العلماء وقتهم ليس ملكاً لنا، ولا ملكاً لأنفسهم، إنما هو ملك الدعوة وملك العلم والوظائف الشريفة، فأحب شيء إلى مثل هؤلاء -بلا شك- أنك تختصر مثل هذا الاختصار، ويمكن أن تزيد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وإن كان هذا الإمام يطلب أن يقال: (السلام عليكم) فقط لأجل حرصه على الاختصار في الكلام بقدر المستطاع. والمجتمع الذي يصل إلى هذا المستوى في استيعاب قيمة الوقت وعدم إهدار الوقت هو الأقرب للكتاب والسنة، ولهدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى. [*] • قال الشيخ العلامة محمد بن راشد الغاربي: اختار كثير من علماء السلف بحسب ما رأينا في تراجمهم أن يأكلوا الطعام الذي لا يحتاج إلى هضم كثير حتى لا تذهب أوقاتهم سدى في مضغ الطعام، إن كان يحتاج إلى مضغ كثير، فكانوا يعمدون إلى الأطعمة التي تهضم بسرعة، ولا يعمدون إلى الأطعمة التي تحتاج إلى هضم أكثر لان ذلك يؤدي إلى ضياع شيء من أوقاتهم. فأين نحن من هؤلاء العلماء الذين يحرصون على كل ثانية من وقتهم فكانوا لا يضيعون ثانية من وقتهم ونحن ألان أوقاتنا تذهب سدى ولا ننظمه. [*] • قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. [*] • وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم. [*] • قال الخطيب البغدادي: سمعت السّمسمي يحكي أن ابن جرير مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. [*] • قال التاج السبكي عن الخطيب البغدادي: كان يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتا يضيع بلا فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ. [*] • قال الفخر الرازي: إنني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز.

стр. 2470

[*] • كان بعض أصحاب شمس الدين الأصبهاني يقول عنه: كان يذكر أنه كان يمتنع كثيرا من الأكل، لئلا يحتاج إلى الشرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء، فيضيع عليه الزمان. [*] • كان معروف الكرخي يعتمر، فأتى من يقص شارب معروف الكرخي، فحلق رأسه، ثم قال للقصاص: " خذ من شاربي "، فأخذ معروف يسبح الله، فقال له القصاص: " أنا أقص شفتك، اسكت "، قال: " أنت تعمل، وأنا أعمل "، وذكروا عنه أنه ما رئي إلا متمتماً بذكر الله، ويقولون: كان إذا نام عند أهله سبّح، فلا يستطيعون النوم. [*] • وقال ابن عساكر: " كان الإمام سليم بن أيوب لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ، وكان إذا أراد أن يعدّ القلم للكتابة حرّك شفتيه بالذكر حتى ينتهي من ذلك ". • ولله درُ من قال: إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأن جميع حياتي ساعة: فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة

стр. 2471

﴿تنبيه﴾:• إن سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى بحرصهم على أوقاتهم علا قدرهم وسما شأنهم، فقد كتب الله تعالى لهم التوفيق في استثمار فرصة الحياة وجعل الدنيا مزرعةً للآخرة بصدقهم مع الله تعالى، فإنه من المعلوم شرعاً أنه ليس كلُ أحدٍ يُوَفَّقُ للخير وأن الله تعالى لا يُوَفِق للخير إلا من يصطفيه فيستعمله في طاعته ويبارك له في وقته، أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف المسلمين تفننهم وتفانيهم في تدمير وإهدار أوقاتهم في المقاهي والملاهي والطرقات وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية والمرئية وفي غير ذلك من المجالات التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها إلا تدمير الوقت تدميرا، وتدمير عمره بالعصيان والخذلان واستحواذ الشيطان، واعجباً لهم! فقد شَيَّبُوا نعمهَ الله عليهم بالكفران، ومَرَّروا بالخطأ حلاوة الإيمان،، وهدموا الطاعة بالعصيان، أين هم ممن صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، ونصبوا أقدامهم في خدمة الملك الديان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوماً ذبلا شفاههم، حمصاً بطونهم، حزينة قلوبهم، ناحلة أجسامهم، باكية أعينهم، لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطماراً بالية، وسكنوا من البلاد قفاراً خالية، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوماً قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا، قد وصوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والإرتحال، يتلذذون بكلام الرحمن ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام.

стр. 2472

باب تزكية النفوس: [*] (عناصر الباب: (معنى تزكية النفوس: (اهتمام السلف بتزكية النفوس: (معالمُ في منهج السلوك والأخلاق عند السلف: (قضية التزكية: (أقسام التزكية: (منزلة التزكية في الدين: (أهمية تزكية النفوس: (حاجتنا إلى التزكية: (تحصيل السعادة في تزكية النفوس: (حكم تزكية النفوس: (كيفية تزكية النفس: (وسائل تزكية النفس: (معرفة الطريق الموصل إلى تلك التزكية: (كيفية سياسة النفس في تزكيتها: (أقسام التزكية: (تلازم القوتين العلمية والعملية للسير في الطريق: (وقوع التناقض بين القوة العلمية والقوة العملية: (أقسام العباد بالنسبة للقوتين «العلمية والعملية» (منازل التزكية: (صفوة منازل تزكية النفوس: (المنازل الأساسية للتزكية: (فصلٌ في منزلة اليقظة: (فصلٌ في منزلة العزم: (فصلٌ في منزلة الفكرة: (فصلٌ في منزلة البصيرة: (فصلٌ في منزلة القصد: (فصلٌ في منزلة المحاسبة: (فصلٌ في منزلة التوبة: (فصلٌ في منزلة الإنابة: (فصلٌ في منزلة التقوى: (فصلٌ في منزلة الاستقامة: (فصلٌ في منزلة التفكر: (فصلٌ في منزلة التذكر: (فصلٌ في منزلة الاعتصام: (فصلٌ في منزلة الفرار: (فصلٌ في منزلة الرياضة: (فصلٌ في منزلة المحبة والخوف والرجاء: (فصلٌ في منزلة الخشوع: (فصلٌ في منزلة الإخبات: (فصلٌ في منزلة الزهد: (فصلٌ في منزلة الورع: (فصلٌ في منزلة التبتل: (فصلٌ في منزلة الرغبة والرهبة: (فصلٌ في منزلة الرعاية: (فصلٌ في منزلة المراقبة: (فصلٌ في منزلة تعظيم حرمات الله : (فصلٌ في منزلة الإخلاص: (فصلٌ في منزلة التهذيب والتصفية: (فصلٌ في منزلة التوكل: (فصلٌ في منزلة الثقة بالله تعالى: (فصلٌ في منزلة التسليم: (فصلٌ في منزلة الصبر: (فصلٌ في منزلة الرضا: (فصلٌ في منزلة الشكر: (فصلٌ في منزلة الحياء: (فصلٌ في منزلة الصدق: (فصلٌ في منزلة الإيثار: (فصلٌ في منزلة حسن الخلق: (فصلٌ في منزلة التواضع: (فصلٌ في منزلة الفتوة: (فصلٌ في منزلة المروءة: (فصلٌ في منزلة الأدب: (فصلٌ في منزلة اليقين: (فصلٌ في منزلة الأنس بالله: (فصلٌ في منزلة الذكر: (فصلٌ في منزلة الفقر: (فصلٌ في منزلة الغنى العالي: (فصلٌ في منزلة الإحسان: (فصلٌ في منزلة العلم: (فصلٌ في منزلة الحكمة: (فصلٌ في منزلة الفراسة: (فصلٌ في منزلة التعظيم: (فصلٌ في منزلة السكينة: (فصلٌ في منزلة الطمأنينة: (فصلٌ في منزلة علو الهمة: (فصلٌ في منزلة الغَيْرَة:

стр. 2473

(فصلٌ في منزلة حياة القلب: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (معنى تزكية النفوس: مسألة: ما معنى تزكية النفوس؟ الجواب: التزكية في اللغة: هي التطهير و النماء، وهو معناها في الشرع. قال سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: ١٠٣] و قال سبحانه و تعالى: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [فصلت ٦ - ٧]، أي الذين لا يزكون أنفسهم بالتوحيد. فالتزكية: «هي تطهير القلب و تنمية الإيمان»، هذا هو معنى التزكية. والتزكية عنصر أساس من عناصر الدين. (اهتمام السلف بتزكية النفوس: لقد اهتمَّ السلفُ الصالحُ بتزكية النفوس، واعتنوا بالأخلاق علماً وفقهاً، كما حقَّقوهُ عملاً وهدياً، فأفردوا كتباً مستقلةً في الزهد والرقائق، بل أنهم يوردون الصفات الأخلاقية في ثنايا كتب العقيدة: [*] (قال الإسماعيليُّ في اعتقاد أهل السنَّة (ت ٣٧١ هـ) (يرون مجانبة البدعةِ والآثام والفخرِ والتكبرُّ ويرون كفَّ الأذى وتركَ الغيبةِ إلاّ لمن أظهر بدعةً وهوىً يدعو إليهما، فالقولُ فيه ليس بغيبةٍ عندهم) صـ٥٣، [*] (وقال شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الصابونيُّ (ت ٤٤٩ هـ) في عقيدة السلف أهل الحديث: (يرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتوبات، ويتواصون بقيام الليل للصلاةِ بعد المنام، وبصلةِ الأرحام وإفشاء السلام وإطعامِ الطعام ... والبدارِ إلى فعلِ الخيرات أجمع، ويجانبون أهل البدع والضلالات ... ) صـ.٩٧، [*] (وقال قوّام السنّةُ إسماعيلُ الأصفهانيُّ (ت ٥٣٥هـ) في كتابه (الحجَّة في بيان المحجَّة ٢/ ٥٢ (ومن مذهب أهل السنَّةِ، التورُّعُ في المأكل والمشارب والتحرُّزُ من الفواحش والقبائح، ومجانبةُ أهل الأهواءِ الضلالة وهجرُهم، والمسابقةُ إلي فعل الخيرات، والإمساكُ عن الشبهاتِ) [*] (وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جملةً من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنّةِ ومن ذلك قولُه (يأمرون بالصبر عند البلاء والشكرِ عند الرخاء، ويدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسن الأعمالِ، ويعتقدون معنى قولِه صلي الله عليه وسلم " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خلقاُ، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها) الواسطية، شرح هرّاس صـ١٧٢

стр. 2474

فالسلفُ الصالح اهتمُّوا بهذا الموضوع، ونحنُ أتباعهُمُ كذلك يجب أن نَهتَم بتزكية النفوس. (معالمُ في منهج السلوك والأخلاق عند السلف: (١) إنّ مصدر تلقي السلوك والأخلاق عند السلف الصالح هو الكتابُ والسنّة لأنَّهم أهلُ اتباعُ. قال اللهُ تعالى (ونزَّلنا عليك الكتابَ تبياناً لكلِّ شيءً) [النحل: ٩٩]، ومن ذلك الأخلاقُ. [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (مسائلُ السلوكِ من جنس مسائل العقائد، كلُّها منصوصةٌ في الكتاب والسنّةِ) [الفتاوى١٩/ ٢٧٣] ولا يُؤخذُ السلوكُ من الخيالات أو القياسات أو الآراءِ والمنامات كما عند الصوفية، قال ابنُ القيمّ (من أحالك على غير (أخبرنا) و (حدثنا) فقد أحالكَ إمَّا على خيالٍ صوفي، أو قياسٍ فلسفي، أو رأيٍ نفسي، فليس بعد القرآن و (أخبرنا) و (حدّثنا) إلاّ شبهاتُ المتكلمين، وآراءُ المنحرفين، وخيالاتُ المتصوفين، وقياسُ المتفلسفين، ومن فارقَ الدليل ضلَّ عن سواءِ السبيل، ولا دليل إلى الله والجنّةِ سوى الكتابُ والسنّة) [مدارج السالكين ٢/ ٤٦٨] فلابد من الدليل على السلوك والأخلاق، ولا يجوزُ ابتداعُ طرقٍ لتزكية النفوس غير الطرق الشرعية. (٢) من معالم السلف في السلوك: موافقةُ النصوص الشرعيةِ لفظاً ومعنى: فيتأدبون مع المصطلحات الشرعية الدينية، ويستمسكون بألفاظها ومعانيها، ويحقِّقُون حدوَدها وتعريفاتِها علماً وعملاً، [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الألفاظ التي جاء بها الكتابُ والسنّةُ علينا أن نتبّع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والتقوى والإحسان والتوكل والحب لله) [الفتاوى ١١/ ٢٥]، وقال أيضاً (وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنّة ولا تقفَ السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحدٍ أن يوافقَ من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده فإن أراد بها معنىً يوافقُ خبرَ الرسول أقرَّ به، وإن أراد بها معنى يخالفُ خبرَ الرسولِ أنكره) [الفتاوى ١٢/ ١١٤] إنَّ أربابَ الطرقِ الصوفيةِ قد أحدثُوا ألفاظاً مجملةً في السلوك كالتصوفِ والغناء والفقر ونَحوها، وهذه الألفاظ عموماً لا تخلوا من مخالفاتٍ للكتاب والسنّةِ، إضافةً إلا ما فيها من التكلُّفِ الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني)، [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

стр. 2475

(لفظُ الفقر الزهدُ والتصوفِ قد أدخل فيها أمورٌ يحبُّها الله ورسولُه، كالتوبة والصبر والشكر وقد أدخلَ فيها أمورٌ يكرهها اللهُ ورسولُه كالحلول والاتحادِ والرهبنةِ المبتدعةِ) [الفتاوى ١١/ ٢٨]،والإمامُ الشاطبيُّ ذكر المعاني الصحيحةَ والفاسدةَ للتصوف ... [الاعتصام ١/ ٢٦٥] (٣) ومن معالم السلوكِ الشرعي: مراعاةُ تفاوتِ قدراتِ الناس في فعل الطاعات، وذلك بسبب اختلاف استعداداتهم [*] (قال الإمامُ مالكٌ ﵀ (إنّ الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فربَّ رجُلٍ فُتح له في الصلاة، ولم يفتُح له في الصوم، وآخرُ فُتح له في الصدقةِ ولم يُفتح له في الصوم، وآخرُ فُتح له في الجهادِ، فنشرُ العلم من أفضلِ أعمال البِرِّ. [*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وقد رضيتُ بما فُتحَ لي فيه أرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبر) [سير النبلاء ٨/ ١١٤] من الناس من يكونُ سيِّدُ عمله وطريقُة الذي يُعدُّ سلوكُه إلى الله طريق العلم والتعليم حتى يصل إلى الله ومن الناسِ من يكونُ سيِّدُ عملهِ الذكرُ، وقد جعله زادَه لمعادة، ورأسَ ماله لما له، ومن الناس من يكونُ سيِّدُ عمله وطريقُة الصلاةَُ، ومنهم من يكون طريقُه الإحسانُ والنفعُ المتعدي كقضاء الحاجات وتفريج الكرباتُ وأنواعِ الصدقات، ومنهُم الواصلُ إلى الله من كلَّ طريق قد ضرب مع كلَّ فريق بسهم، فأين كانت العبوديةُ وجدتَه هناك، إن كانَ علمٌ وجدتَه مع أهله، أو جهادٌ وجدتَه في صف المجاهدين، أو صلاةٌ وجدتَه في القانتين، أو ذكرٌ وجدتَه في الذاكرين، أو إحسانٌ ونفعٌ وجدتَه في زمرة المحسنين لو قيل له: ما تريدُ من الأعمال؟ لقال: أريدُ أن أُنْفِذُ أوامر ربي حيثُ كانت) [طريق المجرتين صـ١٧٨، ومدارج السالكين ٣/ ١٧، ١/ ٨٨]، وهذا الصنفُ الذي ذكره ابنُ القيمّ هم الصديقون وخيرُهُم أبو بكر الصديق ﵁، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 2476

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر ﵁ أنا قال فمن تبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر ﵁ أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر ﵁ أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر ﵁ أنا فقال رسول الله ﷺ ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة. (٤) تزكية النفس هذه التزكية فضل من الله ولا تكون إلا بتوفيق الله تعالى: قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يُزَكّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) [سورة: النساء - الأية: ٤٩] فلا يجوز للإنسان أن يغتر بما أعطاه الله بل يشكره ويعبده فضلٌ وتوفيق من الله تعالى ولربما سلب الله تعالى عونه وتوفيقه عنك فصار قلبك أخلى من جوف البعير فإن التزكية إلى الله مصروفة وعلى مشيئته موقوفة والعاقبة مَغِيْبَة قال تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلََكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور: ٢١] فما أفقر العبد إلى الله جل وعلا في كل أموره وشؤونه. ومن ثم ينبغي للإنسان أن يحذر من أن يمدح نفسه قال تعالى: (فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ) [النجم: ٣٢] والسلف الصالح ﵏ كان الواحد منهم يصلي ويجاهد ويصوم ويعمل الأعمال الجليلة ومن ثم يخاف أن لا يتقبل الله منه فهذا هو حال النفوس التي قد زكت وتطهرت من أدرانها يقول الله تعالى (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: ٦٠] (حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: ٦٠] قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات. فينبغي على العبد أن يكون ناظرا إلى عمله بعين باصره لأن هذا العمل إن لم يكن مخلصا فيه فهو وبال عليه وقد يلقي الله بصاحبه على وجهه في النار ولا حول ولا قوة إلا بالله. (معنى تزكية النفوس: معنى التزكية لغة: الطهارة والنماء والزيادة.

стр. 2477

معنى التزكية شرعا: تطهير النفوس وإصلاحها بالعلم النافع والعمل الصالح، وفعل المأمورات وترك المنهيات. قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا) قال ابن كثير في معنى قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا) من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة. والتزكية دعوة النبي ﷺ : (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها). والحديث بتمامه كما يلي: (حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها. [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض حديثه عن أمراض القلوب وشفائها: «والزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح، يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يربَّى بالأغذية المصلحة له، ولا بدّ مع ذلك من منع ما يضرّه فلا ينمو البدن إلَّا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره، كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره، وكذلك الزرع لا يزكو إلا بهذا» اهـ «المجموع» (١٠/ ٩٦). وقد ثبت في تفسير التزكية عن النبي ﷺ الحديث الآتي: (حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: «ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ ذَاقَ طعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ ... وَزَكَّى نَفْسَهُ»، فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: «أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ. (قضية التزكية: (قضية التزكية: قضية التزكية أن ينفتح في القلب عين ترى بها أين أنت من الله؟ أين أنت في الطريق إلى الله؟ فالقضية ليست: أنك التزمت منذ كم سنة .. وطولت لحيتك .. وقدر مطالعاتك .. وإنما القضية ماذا فعل هذا في قلبك؟! «كيف يصل العمل إلى القلب؟!» [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:

стр. 2478

«بين العمل وبين القلب مسافة» وفى تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل ولا قوة في أمره فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال. «ثم بين القلب وبين الرب مسافة» وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب ومن رحمة الله تعالى: سترها على أكثر العمال إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة. انتهى. («فالتزكية هي: الأثر في القلب»!! بين العمل و القلب مسافة و بين القلب و بين الرب مسافة، في هذه المسافات – كما يقول بن القيم –: (قطاع طرق يقطعون الطريق على العمل أن يصل إلى القلب، و على القلب أن يصل إلى الرب) يقول بن القيم: (و قد تستولي النفس على العمل الصالح فتصيره جنداً لها، فتصول به و تطغى فترى الرجل أعبد ما يكون و أطوع ما يكون و هو عن الله أبعد ما يكون) هذه هي النقطة: قد تستولي النفس على العمل الصالح!! أنت صليت فهل هذه الصلاة وصلت لقلبك، لو وصلت لقلبك تنهاك عن الفحشاء و المنكر، لكنك تجد إنسان يصلي و على باب المسجد ينظر إلى إمرأة متبرجة، على باب المسجد يكذب كذبة، على باب المسجد يتكلم مع أخر و يغتاب غيبة، فماذا فعلت الصلاة؟! هذه هي التزكية، «كيف يصل العمل إلى القلب؟!» بإزالة قطاع الطرق بين العمل و بين القلب، والمدارج هي قضية الترقي درجة درجة. ﴿تنبيه﴾: (علم تزكية النفوس من العلوم الخطيرة المهمة و مع شديد الأسف أن كثيراً ممن كتبوا في هذا العلم جعلوه علم الخاصة مع أنه العلم الذي يطالب به كل إنسان. [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التحفة العراقية يقول عليه رحمة الله: ((العبادات القلبية كالحب و الخوف و الرجاء و التوكل و اليقين و الرضا و الإنابة و الإخبات و الخشية و أمثالها واجبة بأصل الشرع على جميع المكلفين كوجوب الصلاة و الصيام و الحج))

стр. 2479

إذن القضية يا أخوة أن هذه العبادات الإخلاص والإخبات والخشية والتوكل واليقين والمحبة والرضا والرجاء، هذه العبادات واجبة وفرض وإذا كانت واجبة فإنها تُتعلم. قال سبحانه و تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: ٧٨] إذن نحن خرجنا غُفل من بطون أمهاتنا و تعلمنا كيف نصلي وكيف نتوضأ وكيف نغتسل تعلمنا كيف نصوم وكيف نحج وكيف نزكي فلماذا لم نتعلم الإخلاص؟! كيف نخلص؟! كيف نتوكل على الله؟! كثيراً ما نقول ((توكل على الله .. يا أخي توكل على الله لا تخف)) و لم نتعلم كيف نتوكل على الله؟! كيف نخبت؟! كيف نخشى الله؟! كيف نحبه؟! كيف يسير القلب إلى الله؟! قلت أن الآفة أن بعض الناس جعل علم القلوب علم الخاصة رغم أنه علم مطلوب لكل الناس كل إنسان في هذه الحياة كل مسلم يحتاج إلى هذا العلم لصحة القلب و زكاة النفس و غير ذلك من أمور كلها تكليفية في حق عامة الخلق فلذلك حلقاتنا هذه لنجعل الأمر في محله. ثم أيها الأخوة مع شديد الأسف مضطرٌ أن أقول أن هذا العلم في مسيرته التاريخية بعد القرون الثلاثة الخيرية الصحابة و التابعين و أتباع التابعين اختلط في هذا العلم أكثر من أي علم أخر أمور جعلته كالألغاز و المقصود علم القلوب أو علم العبادات القلبية، دخله الصوفية و جعلوا هذا العلم كالألغاز جعلت هذا العلم أحياناً كأنه شيء أخر غير العلم الشرعي غير النصوص الكتاب و السنة و جعلته أحياناً مستقل كما يسمونه علم السلوك بل جعلته أحياناً من تأليف البشر، إلهامات لها قوة الوحي في التشريع أو في التقرير.

стр. 2480

و كل ذلك عجيب غريب في علم يجب أن يكون كبقية العلوم محرراً منقحاً على الكتاب و السنة، إن من العجيب أن قارئ كتب هذا العلم و خصوصاً التي اختص بها الصوفية يشعر أنه أمام ألغاز أنه أمام شيء وراء النصوص و ذلك ما يضيق صدر المسلم أن يقرأ ولا يفهم شيء، حين تقرأ مثلاً ولا أحيلك على هذه الكتب ولكن كمثال (التنوير في إسقاط التدوير) ماذا تعني؟!! هذه كما ذكرت ألغاز و من ثم فإني أرفض تماماً أن أحيل أي مسلم على كتاب من كتب التصوف لا يمكن و لذلك أنا أقول أن أكثر المشتغلين بهذا العلم تصوراته قاصرة مفاهيمه ضيقة كلامهم بعيد عن الواقع عن بديهيات في الإسلام ينبغي ألا تغيب عن حس مسلم فإذا بقي هذا العلم قاصراً على هؤلاء فإن في ذلك إبقاء لشباب صحوتنا المباركة الذين يريدون السير إلى الله في أجواء غير صحية فكان لابد من دعوتنا السلفية الصافية أن تحرر هذا الموضوع ـ موضوع علم القلوب ـ أن يحرر هذا الموضوع لأنه من المواضيع التي تشكل ألف باء فهم إسلام، لأن كل مسلم في الحقيقة سائر إلى الله طالما أنه يفعل ما أمره الله عز و جل به طالما أنه باحث عن الكمال المطلوب باحث عن الوصول إلى الفردوس باحث عن رضا ربه لكن هذا الباحث لابد أن يأتي الأمور من أبوابها من بداياتها لابد من معرفة المصادر و الموارد لابد أن يعرف كيف يرد و كيف يصدر لابد ـ كما أستطيع أن أسميه الآن ـ السير الكامل و من هنا خلط الذي لا يتصور أنه لا سير إلى الله إلا من خلال التصوف! خطأ كبير، نحن هنا نريد أن نرد على الصوفية الذين لا يتصورون سيراً إلى الله بدون سير على يد أهل الطريق، إن الصحابة رضوان الله عليهم و من بعدهم من هؤلاء السلف الصالحين ساروا إلى الله قبل أن تقعد قواعد علم التصوف ما كان لهم هم إلا دراسة الكتاب و السنة و تطبيق ذلك فإن لم يكن هذا سيراً فما هو السير؟! خدعوك فقالوا: السير هو التصوف!! وأنا أخاطب أيضاً أخواننا من أهل المنهج هذا المنهج، «المنهج السلفي الكتاب و السنة بفهم سلف الأمة»، الذين صارت عندهم حساسية بالغة التي أسميها ((أرتكاريا)) من كلمة تصوف دعك من هذه الكلمة لذلك كل المصطلحات الذي يذكرها أهل التصوف، تسبب عندنا حرج، فتسمع أحدهم يقول: الشيخ عنده نزعة صوفية!! لأنه يقول السير إلى الله و أحوال القلوب و الحال و المقام .. لا .. لماذا؟!

стр. 2481

يا أخي هذه علومنا و هؤلاء سلفنا .. قال الله تعالى: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) [يوسف: ٦٥]، و نحفظ ديننا و نصدق وعد ربنا، فنحن نرد على الصوفية الذين يقولون لا سير إلى الله إلا من خلال منهج التصوف و لا سير إلى الله إلا وراء شيخ متصوف!! خطأ .. و نقول أيضاً للأخوة الذين تصوروا أن الدين علوم جامدة فحسب فليكن لهم حال مع الله و سير صحيح إلى الكمال الإنساني. (أهمية تزكية النفوس: (١) لقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة ببيان أهمية تزكية النفوس وما لها من مكانة عالية ومنزلة رفيعة، ولعل من أبرز تلك النصوص وأظهرها قوله تعالى في سورة الشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاها وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١ ـ ١٠]. فتأمل معي أيها القارئ الكريم في هذه الآيات البينات تجد أن الله قد أقسم فيها أحد عشر قسما على أن صلاح العبد وفلاحه منوط بتزكية نفسه. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في موضع آخر من الكتاب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ ـ ١٥]. (٢) أخبر الله جل وعلا بفوز من حقق هذه التزكية بالدرجات العلى، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٥ ـ ٧٦]. (٣) قد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنَّ مهمة الرسل كانت دعوة الناس إلى تزكية نفوسهم، قال تعالى لموسى في خطابه لفرعون: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٨]. وقال سبحانه عن نبينا محمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. (٤) أن هناك تلازمٌ بين السلوك والاعتقاد: فالسلوك الظاهرُ مرتبطٌ بالاعتقادِ الباطن، فأيُّ انحرافٍِ في الأخلاقِ إنما هو من نقص الإيمان الباطن، [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

стр. 2482

إذا نقصت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ، كانَ ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلاُ يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب، أن تُعدم الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ. (الفتاوى٧/ ٥٨٢،٦١٦،٦٢١) [*] (وقال الشاطبيُّ رحمه الله تعالى: (الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حكم على الباطن بذلك) الموافقات ١/ ٢٣٣ فالسلوكُ والاعتقادُ متلازمان، كذلك فإن من الأخلاقِ والسلوك ما هو من شُعَبِ الإيمان. (٥) وتظهر أهمية تزكية النفوس إذا علمنا ما يترتبُ على تحقيقِ الجانبِ الخُلُقي من الأجر الكثير والثوابِ الجزيل: (حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء. (حديث عائشة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الدينُ كلُّه خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخلُقِ زاد عليك في الدين) [مدارج السالكين ٢/ ٣٠٧] (٦) إن تزكية النفس لها أهمية بالغة من حيث أنه موضوع يتعلق بالدنيا والآخرة يتعلق بالدنيا في أخلاق الإنسان وسلوكه وتعامله مع ربه ومع نفسه ومع الناس وفي الآخرة لأن الله إنما يجزي عباده الذين استقاموا على منهجه عقيدة وعبادة وسلوكا (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء ٨٨: ٨٩] والقلب السليم هو الذي تعلق بالله وتطهر سلوكا وتوجها إلى الله وباستقامة هذا القلب يستقيم البدن لا محالة كما في الحديث الآتي: (حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب. (حاجتنا إلى التزكية:

стр. 2483

إنَّ الدارس المُدَقِّق والباحث المُحقق يعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك مدى حاجتنا العظيمة والماسَّة إلى تزكية النفس وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان، وأن الحاجة إلى ذلك أصبحت ـ وهي دوما ـ أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء. وذلك لعدة أسباب منها ما يلي: أولاً: كثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات؛ فحاجة المسلم الآن إلى البناء أعظم من حالة أخيه أيام السلف، والجهد لابد أن يكون أكبر؛ لفساد الزمان والإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر. ثانيًا: لكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس، والارتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر. ثالثًا: لأن المسؤولية ذاتية، ولأن التبعة فردية والإنسان يُحَاسَبُ عن نفسه لا عن غيره فلابد من جواب واستعداد، قال تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا) [النحل: ١١١] رابعًا: عدم العلم بما نحن مقبلون عليه؛ أهو الابتلاء أم التمكين؟ وفي كلا الحاليْن نحن في أَمَسِّ الحاجة إلى بناء أنفسنا لتثبت في الحالين. خامسًا: لأننا نريد أن نبني غيرنا، ومن عجز عن بناء نفسه فهو عن بناء غيره أعجز. (تحصيل السعادة في تزكية النفوس: إن من أعظم فوائد التزكية وعواقبها على أصحابها أنها تهبهم سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: من أحب تصفية الأحوال فليجتهد في تصفية الأعمال: قال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) [الجن:١٦] وكان بعض الشيوخ يدور على المجالس يقول: من سره أن تدوم له العافية فليتق الله". وصدق الله تعالى إذ يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا) [الشمس ٩،١٠] أهـ. ثم إنك لن تصل إلى تحقيق المقامات الراقية إلا ببذل جهد، ومجاهدة لنفسك الأمارة بالسوء وحرصك على تزكيتها، أما مجرد الأماني الجميلة، فلن توصلك إلا إلى الندامة ولو بعد حين .. ! (قل لنفسك موبخاً: تريدينَ إحرازَ المعالي رخيصةً ** ولابدَ دون الشهدِ من إبرِ النحلِ! (واهمس في أذنها أيضا: بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها ** تُنال إلا على جسرٍ من التعبِ. بل خير من ذلك ذكّرها وأعد عليها التذكير بقول رسول الله ﷺ " والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله. كما في الحديث الآتي: (

стр. 2484

(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أفضل المؤمنين إسلاما من سلم المسلمون من لسانه و يده و أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا و أفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله تعالى عنه وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز و جل. (فأفضل ألوان الجهاد: أن تلزم نفسك لتسير على الجادة، كأنما تسير على حد السيف! ومن هنا ينبغي عليك أن تمارس على نفسك عمليات متتابعة من الضبط والربط، والتوجيه، والإرشاد، فتكون أنت القائد لها فعلاً .. وبذلك تخرج من أسر قيادتها لك، وتسخيرها إياك فيما تهوى، ولا تملك أنت إلا مسايرتها. وَطِّن نفسك على أن تملأ فراغها بما يشغلها بخير، ولا تزل تنقلها من دائرة خير إلى دائرة خير، علت أو قلت، المهم أن تبقيها دائرة في دوائر الطاعة .. فإن من عجيب أمر هذه النفس: أنها إذا لم تشغلها (أنت) بالحق، شغلتك (هي) بالباطل ولابد .. ! وإن لم تملأ عليها زواياها بالخير، ملأتها هي بألوان من الشر لا محالة! ولا تكن في عجلة من أمرك!! لا تحاول القفز فوق السلم، لتصل إلى القمة بقفزة أو قفزتين، فقد تنكسر رقبتك! واعلم أن من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه فإن التأني من الله والعجلة من الشيطان بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: التأني من الله والعجلة من الشيطان. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (التأني) أي التثبت في الأمور (من اللّه والعجلة من الشيطان) قال ابن القيم: إنما كانت العجلة من الشيطان لأنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب وضع الشيء في غير محله وتجلب الشرور وتمنع الخيور وهي متولدة بين خلقين مذمومين التفريط والاستعجال قبل الوقت. قال الحرالي: والعجلة فعل الشيء قبيل وقته [ص ٢٧٨] الأليق به وهذا الحديث من شواهده ما رواه البيهقي أيضاً في سننه عن ابن عباس مرفوعاً إذا تأنيت أصبت أو كدت وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ. أهـ (وبناءاً على ذلك يجب عليك ابتداءً أن تنوي نية حسنة يعلمها الله صادقة من قلبك .. ثم أن تُوَطِّنَ نفسك، على مجاهدة نفسك في عمليات الضبط والربط والتوجيه شيئا فشيئا، وخطوة في إثر خطوة، وابدأ بالأهم ثم المهم، وثق أنك إذا خرجت مهاجراً إلى الله بنية صادقة صافية، وشرعت في هذه الرحلة، ثم مت في الطريق،

стр. 2485

قبل أن تصل، فقد وقع أجرك على الله .. ! أما إذا فسح الله لك في العمر، ثم دمت على هذا الطريق، فيوشك أن ترى ألواناً من العجب في طريق رحلتك هذه. (حكم تزكية النفوس: اختلف حكم التزكية عند العلماء نظرا لخلافهم في الأصل عند الإنسان هل هو السلامة والمرض طارئ أم الخلل والكمال مكتسب. فذهب صاحب الإحياء إلى أن التزكية فرض عين على كل إنسان .. فالأصل عنده المرض واستدل بحادثة شق الصدر. بأن كل إنسان في قلبه نزغة الشيطان وأن الله استلها من صدر نبيه ولكنها بقيت عند بقية الخلق فتحتاج إلى مجاهدة لهذه النزغات بالتربية والتزكية. وقال الجمهور: بل هي فرض كفاية، والأصل في الخلق السلامة، واستدلوا بحديث "كل مولود يولد على الفطرة". والجمع بين القولين أن غالب النفوس، ولو قلنا بأن الأصل فيها السلامة، إلا إنها قابلة للشهوات، مائلة إلى الملذات، نافرة عن الطاعات، مقبلة على الغفلات .. والمسلم مطالب بالبحث عن سلامة نفسه من كل هذا فلزمه أن يعمل على تزكيتها وتطهيرها. والذي يعيد النظر في أسباب التزكية والتربية يكاد لا يتردد في أن الحاجة إليها ربما تصل إلى حكم الواجب العيني وهو ما قال به بعض العلماء وأكدوه. [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في صيد الخاطر: "المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت والزمام بيده فما دامت على الجادة فلا يضايقها بالتضييق عليها، فإذا رآها مالت ردها بلطف، فإن ونت وأبت فبالعنف". وقال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك. (كيفية تزكية النفس: لا يستطيع أن يربي الإنسان نفسه على رضى الله تعالى إلا بقوتين: الأولى: قوة علمية. الثانية: قوة عملية. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في (طريق الهجرتين) " كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين، أما الأولى: فقوة علمية، وأما الثانية: فقوة عملية. (وقفة مع القوتين: أولاً: القوة العملية: تقوم على ركيزتين الأولى: الإرادة والعزيمة: وهما نوعان كما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه على حديث شداد بن أوس، يقول: " والعزم نوعان: عزم المريد على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها وعلى الانتقال من حال كامل إلى حال أكمل منه وهو من النهايات "

стр. 2486

ولا بد من معالجة الإرادة وتصحيح النية حتى تزكو النفس وتزول الشوائب العالقة بها التي ربما أبعدتها عما أرادت. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (الطب الروحاني): " إذا كانت الهمة الدنية طبعا لم ينجح فيها العلاج فإن كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء أو بغلبة الطبع والهوى فعلاجها قريب " (أسباب دُنوّ الهمة: (١) الطبع بأن تكون الهمة بطبعها دنية. (٢) اكتساب الدنية من الوسط الاجتماعي، أو بصحبة سيئة إلى غير ذلك. الثانية: مجاهدة النفس: فلابد من مجاهدة النفس، ولابد من القسوة عليها حتى تحقق الغايات الطامح صاحبها إليها. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (مفتاح السعادة): " لا يستطيع الإنسان أن يحقق المعالي من الأمور إلا بمجاهدة نفسه وجعلها عدوة له " ويقول ابن رجب في (شرح حديث لبيك اللهم لبيك): " النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره واكتفى شرّه " (أسباب صعوبة مجاهدة النفس: (١) أنها عدوّ من داخل الجسد، واللص إذا كان من داخل البيت عزّت الحيلة فيه وعظُم الضرر. (٢) أنها عدوّ محبوب، والإنسان عَمٍ عن عيوب محبوبه لا يكاد يبصر عيبه. ويُخطئ الكثيرون عندما يظنون أن مجاهدة النفس غير متحقق في زمان كثرت شبهه، وعظمت غربته، واستفحل الشرّ فيه، وهذا خطأ بين فإن الله لم يأمرنا إلا بما تستطيعه أنفسنا، وأيضا هناك من يخطئ على نفسه فيستأسد على نفسه فيمنعها حظوظها على الإطلاق ولا شك أن هذا غلط. ثانياً القوة العلمية: وهي تقوم على ركيزتين: الركيزة الأولى: معرفة الشيء المراد تحقيقه، على أي شيء تربيها. وفي باب تربية النفس وتزكيتها هناك نوعان مطلوبان شرعا، أحدهما مطلوب طلب لزوم ووجوب والآخر مطلوب وهو من جنس المندوب.

стр. 2487

أما الواجب على المكلفين فقد حصره ابن القيم بأمور، حيث يقول: " ما افترضه الله على العبيد وكان فرضا عينيا عليهم لا يسع مسلم جهله أنواع، أوله علم أصول الإيمان الخمسة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فإن من لم يؤمن بهذه الخمس لم يدخل في باب الإيمان ولا يستحق اسم المؤمن، وثانيها علم شرائع الإسلام، واللازم منها علم ما يخص العبد من فعلها، كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج وتوابعها وشروطها ومبطلاتها، وثالثها علم المحرمات الخمس التي اتفقت عليها الرسل والشرائع والكتب الإلهية وهي مذكورة في قوله تعالى (قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: ٣٣] رابعها علم أحكام المعاشرة والمعاملات التي تحصل بينه وبين الناس خصوصا وعموما، والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف أحوال الناس ومنازلهم، فليس الواجب على الإمام مع رعيته كالواجب على الرجل مع أهله وجيرته " هذا الواجب العيني على المكلفين. النوع الثاني قسمان: ١ - قسم ديني مشروع. ٢ - قسم من جنس المروءات. (وسائل تزكية النفس: إنَّ أهم ما ينبغي للإنسان أن يتعاهده تزكية نفسه ومعرفته لوسائل تزكية النفس، ولا سيما في هذه الأزمان المتأخرة التي استحكمت فيها الشهوات، وارتطمت فيها أمواج الفتن والشبهات، والتي لم يسلم منها إلا من عصمه الله جل وعلا. وقبل الخوض في تفاصيل وسائل التزكية لا بدَّ من العلم أن تزكية النفوس لا سبيل إليها إلا عن طريق الشرع المطهر باتباع ما جاءت به الرسل عن رب العالمين جل وعلا. وقد أشارت آية الجمعة السابقة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: ٢].

стр. 2488

[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن تزكية النفوس مُسلَّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاَّهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا ... فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم ... وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان» اهـ. «مدارج السالكين» (٢/ ٣٥٦) ووسائل تزكية النفس تنقسم إلى قسمين: مجملة و مفصلة. فأما الوسائل المجملة فنذكر منها ما يلي: (١) العمل على تطهير النفس من أخلاقها الرذيلة كالرياء والعجب والشح والبخل، والحرص والطمع، والأمن من مكر الله ... (٢) تحليتها بالأخلاق الحميدة الفاضلة بعد أن أصبحت جاهزة لها بتخليها عن الأخلاق الدنيئة، وهذه الأخلاق هي مثل: الإخلاص، والإنابة، والخوف من الله، والشكر، والتواضع .... (٣) المحافظة على الفرائض؛ لأنها أفضل طاعة يتقرب بها العبد إلى مولاه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته. (٤) الإكثار من النوافل فإنها أفضل شيءٍ يُتَقَرب به إلى الله تعالى بعد الفريضة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (

стр. 2489

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته. (حديث ربيعة ابن كعب الأسلمي الثابت في صحيح مسلم) قال: كنت آتي رسول الله ﷺ بوضوئه وحاجته فقال لي سلني؟ فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك قال فأعنى على نفسك بكثرة السجود. (٥) تدبر القرآن، فهو جلاء القلوب وإذا صفى القلب زكت النفس، والله تعالى يقول: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)) [ص:٢٩] أما الوسائل التفصيلية؛ فمنها ما يلي: (١) التوحيد: وقد سماه الله تعالى زكاة في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِين الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ [فُصِّلَت: ٦ ـ ٧]، وهذا التفسير مأثور عن البحر ابن عباس ﵁ حيث قال في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: لا يشهدون أن لا إله إلا الله. «المجموع» لشيخ الإسلام (١٠/ ٦٣٣). [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء» ... إلى أن قال: «فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد» اهـ. «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٩). كما سمى الله تعالى الشرك رجسا ووسمه بالنجاسة، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. فدل مفهوم الآيتين على أن الطهارة والتزكية في التوحيد الخالص لله جل وعلا. ولذلك قال موسى لفرعون وهو يدعوه إلى التوحيد: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨ ـ ١٩].

стр. 2490

(٢) الصلاة: وهي من أعظم ما تزكو به النفوس ولذلك قرن الله تعالى بينها وبين التزكية في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ ـ ١٥]. وقد شبه النبي ﷺ تطهير الصلاة للنفوس بتطهير الماء للأبدان كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا. (٣) الصدقة: قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. [*] (قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» اهـ. (٤) ترك المعاصي والمحرمات: قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي: زكى نفسه بفعل الطاعات، ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي: خسر من دساها بالفجور والمعاصي. قال شيخ الإسلام: «فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكيا إلا مع ترك الشر، فإنه يدنس النفس ويدسيها». المجموع» لشيخ الإسلام (١٠/ ٦٢٩). [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [النور:٢١]، ذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكي هو باجتناب ذلك» اهـ. «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٩). (٥) التوبة، فهي أول مقامات منازل العبودية عند السالكين، وبها يذوق الإنسان حلاوة الانتقال من التخلية إلى التحلية، قال الله منوها بشأنها: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [النور:٣١] (٦) لزوم الاستغفار والذكر عموماً، لقول الله : ((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) [الزخرف:٣٦]
следующие страницы →