ولا بد من معالجة الإرادة وتصحيح النية حتى تزكو النفس وتزول الشوائب العالقة بها التي ربما أبعدتها عما أرادت.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (الطب الروحاني): " إذا كانت الهمة الدنية طبعا لم ينجح فيها العلاج فإن كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء أو بغلبة الطبع والهوى فعلاجها قريب "
(أسباب دُنوّ الهمة:
(١) الطبع بأن تكون الهمة بطبعها دنية.
(٢) اكتساب الدنية من الوسط الاجتماعي، أو بصحبة سيئة إلى غير ذلك.
الثانية: مجاهدة النفس:
فلابد من مجاهدة النفس، ولابد من القسوة عليها حتى تحقق الغايات الطامح صاحبها إليها.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (مفتاح السعادة): " لا يستطيع الإنسان أن يحقق المعالي من الأمور إلا بمجاهدة نفسه وجعلها عدوة له "
ويقول ابن رجب في (شرح حديث لبيك اللهم لبيك): " النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره واكتفى شرّه "
(أسباب صعوبة مجاهدة النفس:
(١) أنها عدوّ من داخل الجسد، واللص إذا كان من داخل البيت عزّت الحيلة فيه وعظُم الضرر.
(٢) أنها عدوّ محبوب، والإنسان عَمٍ عن عيوب محبوبه لا يكاد يبصر عيبه.
ويُخطئ الكثيرون عندما يظنون أن مجاهدة النفس غير متحقق في زمان كثرت شبهه، وعظمت غربته، واستفحل الشرّ فيه، وهذا خطأ بين فإن الله لم يأمرنا إلا بما تستطيعه أنفسنا، وأيضا هناك من يخطئ على نفسه فيستأسد على نفسه فيمنعها حظوظها على الإطلاق ولا شك أن هذا غلط.
ثانياً القوة العلمية:
وهي تقوم على ركيزتين:
الركيزة الأولى: معرفة الشيء المراد تحقيقه، على أي شيء تربيها. وفي باب تربية النفس وتزكيتها هناك نوعان مطلوبان شرعا، أحدهما مطلوب طلب لزوم ووجوب والآخر مطلوب وهو من جنس المندوب.
стр. 2487
أما الواجب على المكلفين فقد حصره ابن القيم بأمور، حيث يقول: " ما افترضه الله على العبيد وكان فرضا عينيا عليهم لا يسع مسلم جهله أنواع، أوله علم أصول الإيمان الخمسة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فإن من لم يؤمن بهذه الخمس لم يدخل في باب الإيمان ولا يستحق اسم المؤمن، وثانيها علم شرائع الإسلام، واللازم منها علم ما يخص العبد من فعلها، كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج وتوابعها وشروطها ومبطلاتها، وثالثها علم المحرمات الخمس التي اتفقت عليها الرسل والشرائع والكتب الإلهية وهي مذكورة في قوله تعالى (قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: ٣٣]
رابعها علم أحكام المعاشرة والمعاملات التي تحصل بينه وبين الناس خصوصا وعموما، والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف أحوال الناس ومنازلهم، فليس الواجب على الإمام مع رعيته كالواجب على الرجل مع أهله وجيرته " هذا الواجب العيني على المكلفين.
النوع الثاني قسمان: ١ - قسم ديني مشروع. ٢ - قسم من جنس المروءات.
(وسائل تزكية النفس:
إنَّ أهم ما ينبغي للإنسان أن يتعاهده تزكية نفسه ومعرفته لوسائل تزكية النفس، ولا سيما في هذه الأزمان المتأخرة التي استحكمت فيها الشهوات، وارتطمت فيها أمواج الفتن والشبهات، والتي لم يسلم منها إلا من عصمه الله جل وعلا.
وقبل الخوض في تفاصيل وسائل التزكية لا بدَّ من العلم أن تزكية النفوس لا سبيل إليها إلا عن طريق الشرع المطهر باتباع ما جاءت به الرسل عن رب العالمين جل وعلا.
وقد أشارت آية الجمعة السابقة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: ٢].
стр. 2488
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن تزكية النفوس مُسلَّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاَّهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا ... فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم ... وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان» اهـ. «مدارج السالكين» (٢/ ٣٥٦)
ووسائل تزكية النفس تنقسم إلى قسمين: مجملة و مفصلة.
فأما الوسائل المجملة فنذكر منها ما يلي:
(١) العمل على تطهير النفس من أخلاقها الرذيلة كالرياء والعجب والشح والبخل، والحرص والطمع، والأمن من مكر الله ...
(٢) تحليتها بالأخلاق الحميدة الفاضلة بعد أن أصبحت جاهزة لها بتخليها عن الأخلاق الدنيئة، وهذه الأخلاق هي مثل: الإخلاص، والإنابة، والخوف من الله، والشكر، والتواضع ....
(٣) المحافظة على الفرائض؛ لأنها أفضل طاعة يتقرب بها العبد إلى مولاه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
(٤) الإكثار من النوافل فإنها أفضل شيءٍ يُتَقَرب به إلى الله تعالى بعد الفريضة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (
стр. 2489
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
(حديث ربيعة ابن كعب الأسلمي الثابت في صحيح مسلم) قال: كنت آتي رسول الله ﷺ بوضوئه وحاجته فقال لي سلني؟ فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك قال فأعنى على نفسك بكثرة السجود.
(٥) تدبر القرآن، فهو جلاء القلوب وإذا صفى القلب زكت النفس، والله تعالى يقول: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)) [ص:٢٩]
أما الوسائل التفصيلية؛ فمنها ما يلي:
(١) التوحيد: وقد سماه الله تعالى زكاة في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِين الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ [فُصِّلَت: ٦ ـ ٧]، وهذا التفسير مأثور عن البحر ابن عباس ﵁ حيث قال في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: لا يشهدون أن لا إله إلا الله. «المجموع» لشيخ الإسلام (١٠/ ٦٣٣).
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء» ... إلى أن قال: «فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد» اهـ. «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٩).
كما سمى الله تعالى الشرك رجسا ووسمه بالنجاسة، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
فدل مفهوم الآيتين على أن الطهارة والتزكية في التوحيد الخالص لله جل وعلا.
ولذلك قال موسى لفرعون وهو يدعوه إلى التوحيد: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨ ـ ١٩].
стр. 2490
(٢) الصلاة: وهي من أعظم ما تزكو به النفوس ولذلك قرن الله تعالى بينها وبين التزكية في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ ـ ١٥].
وقد شبه النبي ﷺ تطهير الصلاة للنفوس بتطهير الماء للأبدان كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا.
(٣) الصدقة: قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
[*] (قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» اهـ.
(٤) ترك المعاصي والمحرمات: قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي: زكى نفسه بفعل الطاعات، ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي: خسر من دساها بالفجور والمعاصي.
قال شيخ الإسلام: «فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكيا إلا مع ترك الشر، فإنه يدنس النفس ويدسيها». المجموع» لشيخ الإسلام
(١٠/ ٦٢٩).
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [النور:٢١]، ذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكي هو باجتناب ذلك» اهـ. «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٩).
(٥) التوبة، فهي أول مقامات منازل العبودية عند السالكين، وبها يذوق الإنسان حلاوة الانتقال من التخلية إلى التحلية، قال الله منوها بشأنها: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [النور:٣١]
(٦) لزوم الاستغفار والذكر عموماً، لقول الله : ((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) [الزخرف:٣٦]
стр. 2491
(٣) مخالفتها والإنكار عليها وعدم تلبية رغباتها؛ لأنها داعية للراحة والعصيان.
[*] (يقول الغزالي ﵀:
اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خُلِقَتْ أمارةً بالسوء مبالغةً في الشر فرارةً من الخير، وَأُمِرْتَ بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك.
(٧) توبيخها وتقريعها من أجل حملها على الطاعة:
[*] (يقول الغزالي ﵀: إن لازمت نفسك بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولاً بوعظ نفسك.
(٨) الإكثار من وعظها وتذكيرها بالموت والدار الآخرة:
فتخاطبها بمثل ما خاطبها به الغزالي في إحيائه حيث يقول: ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرك بالله الغرور، فانظري لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك، ولا تضيعي أوقاتك، فالأنفاس معدودة، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها، يا نفسُ أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته، فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب، ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وهو القادر على ذلك، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف برداً وأقصر مدة من زمهرير الشتاء؟ أم تظنين أن ذلك دون هذا، أم تظنين أن العبد ينجو منها من غير سعي؟ هيهات!! فكما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات ..
(٩) سوء الظن بالنفس والحيلولة بينها وبين الاغترار بالعمل والإدلال به على الله:
فإن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش.
стр. 2492
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: على السالك أن لا يرضى بطاعته لله، وألا يحسن ظنه بنفسه، فإن الرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقاتها، ودليل على جهل الإنسان بحقوق العبودية وما يستحقه الرب سبحانه، ويجب أن يعامل به، ثم إن رضا الإنسان وحُسْنه ظنه بنفسه يتولد منهما من العجب والكبر والآفات الباطنة ما هو أشد من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر.
(١٠) تنقية العمل من حظوظ النفس وشوائب الرياء:
فقد جعل ابن القيم ﵀ تصفية العمل من الشوائب هي أساس الإخلاص في العمل، بحيث لا يمازج عمل الإنسان ما يشوبه من شوائب إرادات النفس من طلب التزين في قلوب الخلق أو طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم أو أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم ... إلى غير ذلك من العلل والشوائب التي عقد متفرقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان، فلا بد من التفتيش عما يشوب الأعمال من حظوظ النفس، وتمييز حق الرب منها من حظ النفس، ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظاً لنفسك وأنت لا تشعر، فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه.
(١١) محاسبة النفس:
وقد دل على وجوب محاسبة النفس قول الله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: ١٩] تنظر أي تفكر وتتفكر.
[*] يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه سراً وعلانية في جميع الأحوال وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وحدوده وينظروا مالهم وما عليهم وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم يوم القيامة فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم واهتموا للمقام بها اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقف عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أن الله خبير بما يعملون لا تخفى عليه أعمالهم ولا تضيع لديه ولا يهملها أوجب لهم الجد والاجتهاد.
стр. 2493
(وقال الشيخ عن هذه الآية: وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه وأنه ينبغي له أن يتفقدها فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة، والحرمان كل الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر ويشابه قوماً نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل بل أنساهم الله مصالح أنفسهم وأغفلهم عن منافعها وفوائدها فصار أمرهم فرطاً فرجعوا بخسارة الدارين وغبنوا غبناً لا يمكن تداركه ولا يجبر كسره لأنهم هم الفاسقون.
قال تعالى: (وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: ٣١]، فإذاً ينبغي على العبد أن ينظر في حاله ويحاسبها ويتوب من التقصير فالمحاسبة تقود إلى التوبة قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ اتّقَواْ إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُواْ فَإِذَا هُم مّبْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠١]
ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه ((والشريكان يتحاسبان عند نهاية العمل))، ورُوي عن عائشة ﵂ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لها عند الموت: [ماأحد من الناس أحب إليّ من عمر]، ثم قال: كيف قلت؟ فأعادت عليه كلامه، فقال: [لا أحد أعزّ عليّ من عمر]. فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة أخرى لأنه رآها أنسب وأحسن وأدق وأصدق ..
[*] قال الحسن البصري ﵀: [المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة] ثم قال: [المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول والله إنك تعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات! حيلي بيني وبينك!]، هذا نموذج من الحساب لشيء يعرض للإنسان مزيّن ويعجبه وتميل إليه نفسه ولكنه يتركه لأنه ليس من مصلحته في الآخرة، [ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردتِ بهذا؟!!]، يفرط أي يسبق ويحصل ويقع.
стр. 2494
[*] قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)): [لا يلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه].
[*] وقال مالك بن دينار ﵀: رحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً. وهذا من حساب النفس.
[*] وقال ميمون بن مهران: [التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح].
[*] وقال إبراهيم التميمي: [مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: فأنتِ في الأمنية فاعملي إذاً لتكوني في الجنة في ذلك النعيم].
[*] قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: [إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبّ ثم تنبعث منها إلى الأعضاء وأول ما تنال القلب].
[*] قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)): [لا يلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه].
[*] وقال مالك بن دينار ﵀: رحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً. وهذا من حساب النفس.
[*] وقال ميمون بن مهران: [التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح].
[*] وقال إبراهيم التميمي: [مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: فأنتِ في الأمنية فاعملي إذاً لتكوني في الجنة في ذلك النعيم].
[*] قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: [إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبّ ثم تنبعث منها إلى الأعضاء وأول ما تنال القلب].
(١٢) الإقلال من النوم والأكل والكلام:
стр. 2495
ومما يعين على تزكية النفس عدم الإكثار من هذه الأمور الثلاثة والإفراط فيها، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله موجبة لقسوة القلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي، وكثرة الأكل موجبة لقوة نوازع النفس الشهوانية لدى الإنسان، وتوسيع مجاري الشيطان فيه، وكثرة الأكل موجبة لكثرة النوم وكثرة النوم موجبة للعجز والكسل فضلاً عن أنها مضيعة للعمر، وقد قيل: من أكل كثيراً شرب كثيراً فنام كثيراً فخسر كثيرا.
(١٣) التحلي بالصبر واليقين:
فبالصبر ينتصر على شهوات نفسه فيحجزها عن المحرمات ويحبسها على الطاعات، فجانبي التزكية: التخلي والتحلي لا يمكن الحصول عليهما إلا عن طريق الصبر، (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:١٠]
(١٤) الدعاء: من أسباب تزكية النفس الدعاء، فهو سلاح المؤمن بأن يلجأ الإنسان إلى الله دائماً أن يقيه شر نفسه وأن يعينه على طاعة الله، فقد كان من دعائه ﵊: (اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت، من دعائه ﵊ أيضاً اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
стр. 2496
(حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وإذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا رفع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وإذا سجد قال اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
(حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها.
(معرفة الطريق الموصل إلى تلك التزكية:
وهي مجموع أمور ثمان:
(١) صحة النية وصدقها.
(٢) التوكل على الله تعالى حق التوكل، ومن لوازم التوكل الدعاء.
(٣) استعمال طريق الترغيب والترهيب بأنواعه المختلفة.
(٤) أن يعكف المرء على إصلاح نواة قلبه، وأن يزيل أوضارها فيطهر صدره من الغش والحقد والحسد وما إليه، ولإزالة هذه الأوضار لابد من شيئين متلازمين هما [حبّ مقلق، خوف مزعج للفؤاد]
(٥) القيام بالعبادات، والإكثار مما يرضي رب الأرض والسموات، وينبغي أن يَقْلِبَ الإنسان عاداته إلى عبادات.
(٦) محاسبة النفس قبل العمل وأثناءه وبعده، والمحاسبة لها ركيزتان هما:
[العلم، الصدق] ومن المحاسبة إساءة الظن بالنفس ومن المحاسبة زيادة محاسبة القلب واللسان.
стр. 2497
(٧) الحكمة، فلابد من الحكمة في سياسة النفس فإن من لم يكن حكيما ربما أهلك نفسه وهو يريد إصلاحها، ولا تتم الحكمة إلا بأمرين (:
أ - علم معرفة النفس. ب - علم كيفية سياسة النفس.
(٨) صحبة المُرَبِّيْن والصالحين.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(فلينظر أحدكم من يخالل) أي فليتأمل أحدكم بعين بصيرته إلى امرئ يريد صداقته فمن رضي دينه وخلقه صادقه وإلا تجنبه.
﴿تنبيه﴾: (وقد جهل الكثير الطريق الذي يزكون به أنفسهم ولذلك هم صنفان:
أ - صنف لم يصل إلى هذه التربية والتزكية التي ينشدها.
ب - صنف آخر وصل إلى شيء مما أراد ولكن مع جهد كبير.
(كيفية سياسة النفس في تزكيتها:
مسألة: كيف يكون الإنسان حكيما مع نفسه حتى يسوسها في التربية ويأتي على مراتب أهل العلم في تزكية النفس وتربيتها؟
(الحكمة مع النفس وسياستها:
يكون ذلك من خلال أمرين متلازمين:
(١) علم معرفة النفس.
(٢) علم كيفية السياسة لها وكيف تُراض؟ وكيف تؤدب؟
(أما بالنسبة للأمر الأول: فيؤكده ما قاله ابن القيم في الفوائد بقوله: " لا ينتفع بنعمة الإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها ولم يتجاوز ما ليس له "
والتعرف على النفس من خلال جهتين أساسيتين:
(أ) التعرف على حوائج النفس وطباعها.
(ب) الانكفاء على النفس لمعرفة معايبها ومثالبها، والمعايب منها ما هو مشترك في جنس الناس، ومنها ما هو مختلف.
فأما المشترك فهما نوعان هما: [الظلم والجهل]
فالإنسان يدافع هذين النوعين بأضدادهما، فضد الجهل: العلم، وأعلاه مرتقى العلم النافع المأخوذ من الوحي كتابا وسنة، والظلم يدافع بالعدل، والعدل لفظ جمع الخيرات كلها.
والوقف على معايب النفس وخللها يكون بشرطين:
ذكرها ابن القيم في: (مدارج السالكين) أولهما: العلم، وثانيهما: الصدق مع النفس فلا يجاملها ولا يحابيها.
(أما بالنسبة للأمر الثاني: وهو المعرفة بقواعد الحكمة مع النفس عند تربيتها، فجماع ذلك أربع قواعد:
القاعدة الأولى: التدرج مع النفس:
стр. 2498
فالتدرج من المقاصد الشرعية إلا أن التدرج مع النفس محوط بضابط أصيل قام عليه الدليل وهو: أن التدرج لا يكون في باب الشرع إلا في أمور ثلاثة:
(أ) المستحبات. (ب) المكروهات. (ج) الزهد والورع المستحب.
وأما أن يريد الإنسان إعمال التدرج في مطلوب واجب كصلاة الجماعة مثلا فهذا حرام، ولا يجوز في الإسلام، ولا يجوز إدخال التدرج في ترك المحرمات؛ بل يجب على الإنسان تركها حالا.
القاعدة الثانية: الأولويات، بأن يُراعي الأهم فالأهم:
ولا يستطيع الإنسان إعمال هذه القاعدة حقا حتى يكون عالما بمراتب الشرع عارفا بمقاصد التشريع، وأما إن كان جاهلا فإنه لا يستطيع إعمال هذه القاعدة حق الإعمال، ولا ريب أن هذه القاعدة لها فقه وضوابط، ولها دقائق أيضا، من دقائقها ما ذكره شيخ الإسلام كما في (مجموع الفتاوي) بقوله: " ليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن يفعل مل هو أفضل له ".
القاعدة الثالثة: أن يُجمّ الإنسان نفسه ويريح ذاته في سيرها إلى التزكية والتربية:
فالنفس كالراحلة إذا لم ترحها انقطعت، فعلم أن للنفس حق عليك، وهو أن تريحها وتجمها، وقد كان السلف يعنون بهذا.
القاعدة الرابعة: إعمال اللين والرفق مع النفس:
واللين والرفق أعم معنى من التدرج مع النفس، فينبغي أن تكون لينا مع نفسك رفيقا معها، واللين والرفق ينبغي إعماله مع النفس في موضعه، فالحزم وقت الحزم، والرفق في موضعه.
(أقسام التزكية:
التزكية تقوم على أمرين: تخلية وتحلية:
تخلية للنفس عن كل الذنوب والسيئات، والمعاصي والبليات، والقبائح والمسترذلات.
وتحلية لها بالمكرمات، وتنمية المستحسن من الأخلاق والعادات حتى تبلغ بها النفس المطمئنة كما أشار الغزالي إلى ذلك بقوله: "جوهر عملية التزكية: الارتقاء بالنفس درجة درجة، من السيئ إلى الحسن ثم ترقيها في مراتب الحسن والصفاء حتى تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فتتحول من نفس أمارة بالسوء أو لوامة إلى نفس مطمئنة راضية عن ذاتها مرضية عند مولاها وربها".
(منزلة التزكية في الدين:
стр. 2499
لما دعا إبراهيم ﵇ ربه طالباً من يخلفه في الدعوة إلى الله من ولده قال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) [البقرة: ١٢٩]
فمن أهم أعمال الرسل التزكية و من مهمات الرسل التزكية، حدد إبراهيم ﵇ مهمة الرسول:
(تلاوة آيات الله
(تعليم الكتاب و الحكمة
(التزكية
استجاب الله هذا الدعاء بل و امتن به على المؤمنين في ثلاثة مواضع من القرآن:
(الموضع الأول): في سورة البقرة:
(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٥١]
(الموضع الثاني): في سورة آل عمران:
(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: ١٦٤]
(الموضع الثالث): في سورة الجمعة:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة: ٢]
﴿تنبيه﴾: (إن المتأمل بعين البصيرة في ترتيب سيدنا إبراهيم في وظيفة الرسول هو: «تلاوة الأيات ثم تعليم الكتاب و الحكمة ثم التزكية»
أما ترتيب الله جل و علا في الثلاث آيات هو: «يتلو عليكم آياتنا ثم ويزكيهم ثم ويعلمهم الكتاب و الحكمة» فقدم التزكية قبل العلم.
و العلماء يقولون: أن كل الشرع إنما ابتني لتزكية هذه النفس وتزكية القلب.
(فالتوحيد تزكية: بدليل الآية التي ذكرناها: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [فصلت ٦ - ٧]
يعني لا يزكون أنفسهم بالتوحيد، فالتوحيد تزكية، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٢٩]
стр. 2500
فتأمل!! وأنت تتأمل في هذا العصر والله عجب!! ألم تسمع عن عبدة الشيطان؟! ألم يبلغك نبأ قوم وصلوا في التكنولوجيا الحديثة و الإختراعات إلى أفق شامخة ثم هم يعبدون البقر و تمثال بوزا؟! وشكله كئيب ولا يمت للجمال بصلة!! ألم تر إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم وصلوا إلى القمر في زمن الوصول و هو يعبدون أنفسهم؟! ويعبدون فرج المرأة و الرجل؟! هذه الشركيات دليل على قذارة النفس من الداخل.
(والصلاة تزكية: قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: ٤٥]
(والزكاة تزكية: قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: ١٠٣]
(والصيام تزكية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣]، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (قال الله : كلُ عملِ بن آدم له إلا الصيامُ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيامُ جنةُ فإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل فإن شاتمه أحدُ أو قاتله فليقل صائمٌ مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه)
(والحج تزكية: قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) [البقرة: ١٩٧]
«إذن الشرع كله تزكية»
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين و باب السعادتين:
стр. 2501
((هذا العلم هو أشرف علوم العباد و ليس بعد علم التوحيد أشرف منه، و هو لا يناسب إلا النفوس الشريفة، لا يناسب النفوس الدنيئة المهينة، فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم و تشتاق إليه و تحبه و تأنس بأقله فليبشر بالخير فقد أُهل له))
﴿تنبيه﴾: (لا بد أن تدرسه وأن تفقهه وأن تفهمه، لكن مؤصلاً على الكتاب والسنة، وصافيا منقحاً بفهم السلف.
(تلازم القوتين العلمية والعملية للسير في الطريق:
إن من المعلوم شرعاً أنه لابد من تلازم القوتين العلمية والعملية للسير في الطريق ... وهذا ما أشار إليه العلامة ابن القيم ﵀ في درة من نفيس كلامه إذ يقول: "قاعدة: السائر إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد، لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية ..
فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرًا فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل.
وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية؛ فإن السير هو عمل المسافر، وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرًا في الطريق قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة ... " (١).
(وقوع التناقض بين القوة العلمية والقوة العملية:
فإن مما يحزّ في القلب ويؤلمه أشد الألم أن يجد العبد نفسه مبصرًا للطريق ولكنه يضعف عن السير فيه ... أو يجد نفسه عالمًا بما ينبغي أن يقوم به من عمل ولكنه لا يجد في نفسه همة للفعل والأداء ... أو يجد نفسه عالمًا بصفات المؤمنين وأحوال قلوبهم من الطمأنينة والرضى والصبر والثبات وغير ذلك ولكنه لا يجد قلبه كذلك في المواقف التي يحتاج فيها لتلك المعاني ... أو يجد نفسه قادرًا على ذكر ما ينبغي للمسلم من الخلق ومن قول كلمة الحق ولو على نفسه، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بحقوق الأخوة، ومن النشاط في الدعوة وغير ذلك ثم لا يجد في نفسه قوة في القيام بشيء من ذلك.
стр. 2502
وفي المقابل، ومما يزيد العبد العالم بكل ذلك حسرة وألمًا، أن يجد كثيرًا ممن لا يعلمون مثل علمه ولا يقولون مثل قوله، وليس لديهم فصاحة كفصاحته، يجدهم أقوى منه قلبًا وأكثر منه عملاً وأشد منه خشية لله وحماسة للدين وغيرةً عليه ...
(أقسام العباد بالنسبة للقوتين «العلمية والعملية»
فإذا علمنا أنه بالقوة العلمية والقوة العملية يتمكن العبد من السير إلى ربه فينبغي أن نعلم أن هاتين القوتين تتفاوتان في العبد ... وقد يغلب على عبد القوة العلمية فيعلم الطريق وربما يُبصِّر به غيره ... ويعلم الداء والدواء ولكن تضعف عنده القوة العملية، فهو يصف الطريق ولا يسير فيه ويعلم الداء وهو مصاب به، ويصف الدواء ولا يتناوله.
وقد يغلب على عبد القوة العملية الإرادية ... فمع كونه أقل علمًا من سابقه، ولا يجيد توصيف الأمور، ولا يجيد الكلام ولا الجدال، إلا أنه أسلم قلبًا وأقوى عزيمة من الأول، وأزهد في الدنيا وأشجع في المواقف وأصبر في المصائب، ويسير إلى ربه سيرًا حثيثًا، وهذا إذا كان عنده الحد الأدنى من القوة العلمية التي تصح بها عبادته وعقيدته فهو أسعد حالاً ومآلاً من سابقه، أما إذا اضمحلت فيه القوة العلمية حتى صار يعبد الله على جهل ويدعو إليه على جهل فهذا يخشى عليه من التخليط والتخبط عند ورود الشبهات.
ومن ثم فإننا نجد ابن القيم ﵀ يقسم الناس من حيث هاتين القوتين إلى أربعة أقسام:
(قسم تغلب عليه القوة العلمية.
(وثَانٍ تغلب عليه القوة العملية.
(وثالث له القوتان معًا.
(ورابع ضعفت فيه القوتان.
стр. 2503
فيقول ﵀: "من الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية، يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل (١)، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم (٢)، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله ...
ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم.
ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته.
فإذا كان السير ضعيفًا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء" (٣).
لمن أسوق كلام ابن القيم؟
стр. 2504
وقد قصدت سوق كلام ابن القيم ﵀ في تفاوت العباد في القوة العلمية والقوة العملية إلى طائفة الملتزمين بالدين في مجتمعنا أو المنسوبين إلى العلم أو الفكر أو الدعوة؛ أولئك الذين نحسن فيهم الظن ويُرجى منهم الخير، ومع ذلك فقد يقع فيهم قدر من الخلل في هاتين القوتين دون أن يصل الأمر إلى التناقض المطلق بين القوة العلمية والقوة العملية أو تنعدم إحداهما بالكلية، فهذه الدرجة الشنيعة يشبه أصحابها المنافقين الذين ظاهرهم في واد وحقيقتهم في واد آخر، أو المغضوب عليهم الذين علموا الحق وعملوا بغيره أو الضالين الذين عبدوا الله على جهل، وهذا كله له تعلق بمسألة التفاوت بين القوة العلمية والقوة العملية وأثره على واقع العبد ومصيره، وكذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣].
فهاتان الآيتان لهما أيضًا تعلق بموضوعنا، فالذي يقول ما لا يفعل أنواع كثيرة منها: من يعمل عملاً معاكسًا لقوله، ومنها المتشبع بما لم يعط، ومن يوهم الآخرين بأنه في وضع معين من العمل أو الاستعداد للبذل والتضحية فإذا احتيج منه إلى ذلك لم يكن فعله كقوله، ومنها أن يقول قولاً أو يَعِدَ وعدًا ولا يفي به، وقد قيل إن الآيتين نزلتا في هذا وأن الذم الوارد فيهما يشبه الذم في قوله ﷺ : "آية المنافق ثلاث" فذكر منها: "وإذا وعد أخلف" (١).
وذهب الجمهور إلى أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فُرِضَ نكل عنه بعضهم؛ فهي نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً. أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧، ٧٨].
стр. 2505
قال ابن عباس ﵄: كان ناس من المؤمنين قبل أن يُفْرَضَ عليهم الجهاد يقولون: لَوَددْنَا أن الله دَلَّنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾، وهذا اختيار ابن جرير، وقد قيل إنها نزلت في قوم يقولون: قتلنا، ضربنا، طعنا، وفعلنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك (١).
وعلى كل حال فالمقصود أني لا أوجه هذا الموضوع ولا أقصد به قومًا يكذبون فيقولون شيئًا يخبرون به عن أنفسهم لم يفعلوه، ولا أقصد رجلاً يقول الباطل، ولكن أكتب هذا الكلام لرجل إن لم يقل الحق لم يقل الباطل، فالكلام إذن لقوم ليس عندهم نفاق أو كذب أو انتهاك للحرمات بينما هم أصحاب ألسنة عليمة فصيحة، فهؤلاء أمرهم في غاية الشناعة، والكلام فيهم معلوم مكرور.
ولكني أعالج ظاهرة لا تبدو فيها هذه الشناعة، أو ذلك التناقض الصارخ بين العلم والعمل، وإنما يكون فيها الجانب العملي ضعيفًا إزاء الجانب العلمي دون أن يكون الشخص فاعلاً للشرور أو منهمكًا في المعاصي والآثام. وهذا سبب غموض المشكلة وإهمالها، وهو أن الشخص مع وجود خلل ما في شخصيته وتفكيره وتأثيره لا يشعر بذلك؛ لأنه ليس ثمة انحراف ظاهر في سلوكه أو عبادته، وإنما النقص في عدم مواكبة أحواله القلبية وجهوده العملية لقوته العلمية، فالقوة العلمية جيدة لكن القلب قاس والعبادة سريعة خفيفة، والورع معدوم، والغيرة على الدين ضعيفة، والبذل والتضحية والتنازل عن بعض الحقوق أو المصالح الشخصية من أجل الدعوة لا موضع لها في الواقع، والحياة للدعوة مفقودة، والحرص على هداية الآخرين غير موجود، والزهد في الدنيا لا مكان له، فصار الحال كما يصوره الشاعر:
وكلهم في لهيب القول عنترة
وكلهم في لهيب الفعل كالوتد
стр. 2506
فمثل هذه الشخصيات التي نمت نظريًا أو علميًا أو فكريًا ولم تنم علميًا وروحيًا ودعويًا فتنة للمتعلمين والمتربين، ولهذه الشخصيات تأثيرها السلبي على المسيرة التربوية، حيث يصبح مألوفًا أن نقرأ ونتعلم ثم نتكلم أو نكتب حتى يشار إلينا بالبنان، ولا يهم بعد ذلك أن تكون أرواحنا وقلوبنا وأعمالنا وبذلنا على نفس الدرجة التي يوحي بها كلامنا أو شهرتنا .. وبالإضافة إلى ذلك فهذه الشخصيات لا تؤثر مواعظها في القلوب كما قال مالك بن دينار ﵀: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زَلَّتْ موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا. وعن عبد الله بن المبارك قال: قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق.
مسألة: أيهما أفضل الأقوى في القوة العلمية عن العملية أم العكس؟
стр. 2507
الجواب: إذا كان لابد أن نفاضل بين هؤلاء وهؤلاء؛ يعني إذا كان من الصعب أن يسود النموذج المثالي الذي تتكافأ فيه القوتان العلمية والعملية وأردنا أن نفاضل بين هؤلاء الذين غلبت عليهم القوة العلمية مع ضعفهم وانهيارهم عمليًا، وبين قوم أقل منهم علمًا وفكرًا ـ ولا نقول جهالاً أو مبتدعين ـ ولكن أقوى تأثيرًا في الآخرين وأعظم في تقديم النموذج الملتزم العالم العابد الزاهد المتحمس للدين ... فلا شك أن النوع الأخير أو النموذج الأخير ـ وهو أقل في قوته العلمية ـ خير من النموذج الأول صاحب القوة العلمية مع ضعف وخور وكسل وبرود في النواحي العملية؛ إذ النموذج الأول فتنة ومدعاة للفتور، والنموذج الثاني قدوة ومدعاة للعمل والإخلاص، وأصلح قلبًا وأقرب إلى النجاة في الآخرة حيث صلح قلبه وعمله، والنوع الأول جعل جل همه صلاح الكلام والفكرة، وبكلامه صار عظيمًا في عين نفسه وفي أعين الناس ولكن الله يعلم ما في قلبه وعمله من الضعف، ولذلك تظهر في الآخر مفاجآت ... حيث توزع المقاعد في الجنة بمقاييس غير تلك التي توزع على أساسها المقاعد والدرجات في الدنيا، فنرفع فلانًا إلى هذه المكانة أو تلك ونغفل عن فلان ونتجاهله أو لا نفطن له، ويوم القيامة تظهر الحقائق، فهو حقًا "يوم التغابن" ... فكم من مشهور مرفوع في الدنيا قد يكون رَفَعَهُ حُسْنُ كلامه وكَثْرَةُ علومه ورَوْعَةُ أفكاره ولكنه يوم القيامة ليس له قدر يُذْكَر عند الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، وكم من مغمور في الدنيا لا يشار إليه بالبنان ولا يُتحدث عن عمله ولا يجيد الكلام ولا الجدل ولا التحذلق وهو يوم القيامة من الملوك العظام في الجنة! نعم والله ... ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٣]. فربما خفضت من لم يتوقع البشر المحجوبون انخفاضهم، ورفعت من لا يُتوَقْع ارتفاعُهم. فممن يقع لهم التغابن والخفض والرفع يوم القيامة أصحاب القوة العلمية والقوة العملية، وذلك أن المتميزون علميًا وفكريًا في الدنيا، إلا من رحم الله، يحسبون أنفسهم هم القوم وإن قصروا في العمل، بل ويعظمهم المتميزون قلبيًا وعمليًا لسلامة قلوبهم وهم لا يدرون أنهم أحسن حالاً ومآلاً عند الله جل وعلا ..
стр. 2508
فهذا عدله سبحانه أن يرفع أصحاب القلوب السليمة والبذل الكثير، وإن لم يكونوا علماء أو مفكرين، على أصحاب الكلام والعلم والفكر الذين لم تنتفع قلوبهم بكلامهم، ولم يدل سلوكهم على علمهم، ولم يدل بذلهم وعطاؤهم على فكرهم.
عدم ركون الصالحين من العلماء إلى قوتهم العلمية:
(ولهذا كان من مضى من صالحي العلماء يخافون على أنفسهم من الضعف العملي، ولا يركنون لشهرتهم العلمية، بل يكرهون أشد الكراهية أن يتضخموا علميًا أو يشتهروا أو يعظمهم الناس، وليس في قلوهم ما يكافئ ذلك. ولهذا جعلوا نظرهم إلى حقيقة الأمر عند الله ، وكان أهم شيء عندهم صحة قلوبهم وتقربهم إلى ربهم، وكانوا يجدون لذتهم في أن يُعَامَلُوا كعامة الخلق دون مزيد تعظيم أو تضخيم ... فهذا ابن المبارك العالم المشهور زوحم يومًا مع تلميذ له عند الماء وقد أراد أن يشرب ولم يكن أهل ذلك المكان يعرفونه، فلما زحموه ولم يوسعوا له أشفق عليه تلميذه وشق ذلك عليه، فالتفت إليه ابن المبارك قائلاً: ما العيش إلا هكذا ... حيث لم تُعْرَفْ ولم تُعَظَّم.
وكان من مضى من صالحي العلماء لا يسمحون لعلومهم أن تشغلهم عن قلوبهم وعبادتهم وبذلهم وعطائهم، فقدوتهم في ذلك رسول الله ﷺ الذي لم يقف عند تلقي العلم من جبريل ﵇ بل شمر عن ساعده في تعليمه الخلق، ومع ذلك لم يشغله هذا وذاك عن قيام الليل حتى تفطرت قدماه ... والذي يتأمل سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم رحمهما الله يجد قوة عملية عظيمة في أحوال قلوبهم وفي عبادتهم وفي دعوتهم وفي جهادهم، ولم يقصروا في ذلك اعتمادًا على ما تميزوا به من قوة علمية.
((التاريخ يشهد:
وإذا استقرأنا التاريخ فإننا نجد أن الدعاة الذين أثروا في الأمة وحركوها لم يكونوا من طبقة المفكرين العاكفين على الفكر مع ضعف قوتهم العملية، وإنما كانوا أصحاب قوة عملية، فبأفكار قليلة واضحة تساندها قوة عملية عظيمة أقاموا حركات ضخمة مؤثرة.
стр. 2509
فهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، لم يوصف بأنه من المفكرين أو العلماء المتخصصين البارزين في علم معين، وحين تتأمل كلامه تجد وضوحًا وسهولة مع قوة وروح، ويأتي بآيات وأحاديث وكلمات لسلفنا الصالح مع بعض كلام له يسير يربط به ربطًا واضحًا في غير تكلف بين تلك النصوص وما يريد، بهذا أقام حركة وأثر في الأمة، ليس في الجزيرة العربية وحدها ولكن في معظم أرجاء العالم الإسلامي، وذلك لأنه ساند كلامه اليسير وأفكاره السهلة الواضحة بقوته العملية؛ قوة في القلب، وقوة في العبادة، وقوة في السلوك، وقوة في البذل والعطاء والتحمل.
وكذا أثّر من بعده الإمام حسن البنا ﵀، ولم يكن هو الآخر من طبقة المفكرين أو الفلاسفة أو العلماء المتخصصين البارزين، ولكنه داعية رباني ذو قوة عملية مع فكرة واضحة وسهلة.
هذه أمثلة، وعلى منوالها يستطيع المتأمل البصير أن يستقرئ الواقع والتاريخ فيجد أن كل من أقاموا حركات قوية مؤثرة صامدة والتفت حولهم الشعوب والجماهير لم يكونوا من طبقة المفكرين القابعين في مكاتبهم يستحدثون المصطلحات ويتكلفون التعبيرات التي يعقدون بها لغة الدعاة حتى أن من لا يحسن مصطلحاتهم تجد نفسه كالعامي لا يدري ماذا يقولون، ولا ما ذا يقصدون.
وقد يظن من لا علم له أن سيد قطب ﵀ من تلك الطبقة، والأمر في الحقيقة ليس ذلك، والذي يعلم لغة المفكرين ولغة سيد يعرف جيدًا الفرق بين اللغتين، فلغة سيد مع تميزها بالحس الأدبي والأسلوب الراقي إلا أنها تنطوي على أفكار واضحة مباشرة تكاد تكون هي المعاني الظاهرة للآيات والتطبيق المباشر لها، وهذه الأفكار معروضة بأسلوب واضح مباشر بعيد عن تعقيد المصطلحات، على خلاف ما تنطوي عليه لغة المفكرين مِنْ محاولة الوصول إلى المقصود مِنْ طرق بعيدة وأحيانًا معقدة مع تكلف في الأساليب واستحداث المصطلحات.
ومع هذا نقول، وهب أن سيدًا كان من المفكرين ولكنه ساند فكرته بربانية وقوة عملية جعلت لكلامه تلك المصداقية أو ذلك الأثر في الأمة.
(ليس العيب في الاشتغال بالعلم أو الفكر:
стр. 2510
فليس العيب في التفكير أو التعميق في العلوم، وإنما العيب في المفكرين والعلماء المتخصصين الذين اكتفوا أو استغنوا بالتعمق في التفكير أو العلوم عن القوة العملية وعن الربانية التي ينبغي أن يتحلى بها العالم والمفكر حتى يغدو مؤثرًا في واقعه وفي أمته بروح قوية وعبادة حسنة وسلوك قويم وزهد وتواضع وتضحية وبذل وعطاء.
نعم يكون العيب في المفكرين أو العلماء المتخصصين ـ وليس في العلم سواء كان علمًا شرعيًا أو فكرًا أو غير ذلك ـ حين يهملون تلك الجوانب العملية، ويغترون بما قطعوه من المراحل في علومهم وأفكارهم فيظنوا أنهم بذلك قد صاروا عباد الله المختارين، وقد سبقوا غيرهم سبقًا بعيدًا، فلا يضرهم بعد اليوم تقصير في عبادة أو سلوك أو عمل.
لا خير في نمو نظري يتخلف عنه النمو العملي:
وهؤلاء البارزون في علمهم وفكرهم مع ضعف قلوبهم وعبادتهم وسلوكهم وقلة أو عدم بذلهم وتضحيتهم لا يمكن أن تنمو في ظلهم دعوة قوية تغير الأمة، بل هم بهذه التركيبة الخطيرة يقتلون فيمن حولهم كثيرًا من المعاني السامية الجميلة، مثل صفاء القلوب وقوتها، وصدق المحبة والأخوة، وحسن العبادة والإقبال عليها، والاستقامة والورع، والبذل والعطاء والتضحية والحياة للدعوة ... نعم يقتلون كل هذه المعاني حين يراهم مَنْ حولهم يزهدون فيها وهم البارزون المشار إلى علومهم وأفكارهم، فأي فتنة أشد من هذا؟! حتى صرنا والله لا ندري أيهما خير المعلم أم المتعلم، والمربي أم المرَبَّى! وستظل أحوالنا متردية ما دمنا نظن أن المشكلة تكمن في قلة الأفكار ونغفل عن الداء العظيم الذي هو الضعف العملي المخيم علينا.
стр. 2511
ولا خير في أي نمو نظري ـ علمي أو فكري ـ يتخلف عنه النمو العملي، وهذا ما أردت التحذير منه؛ أن نتضخم علميًا أو فكريًا على حساب قلوبنا وعبادتنا وسلوكنا وبذلنا وعطائنا في الواقع العملي لهذه الدعوة ولنصرة الدين، فيحدث الخلل وتكون الفتنة، كما أردت التحذير من أن يصبح مألوفًا عندنا أن نعلم الحق أو الواجب ولا نسعى للقيام به، ونرى الطريق ولا نسير فيها، ونعلم المزالق ولا نتوقاها، فيصدق علينا مِنْ ثَمَّ كلام ابن القيم ﵀: (فمن الناس مَنْ يكون له مِن القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية، يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله).
ولهذا فهنا كلمة نقولها لعموم الأمة: لا تظنوا حين تجدوننا قد أحسنا الحديث أننا ـ بالضرورة ـ قد أحسنا العمل والعبادة والسلوك أو أننا حقًا نتحمل ونضحي، أو أننا نحسن الثبات في الفتن والبلاء، أو أننا مؤهلون لقيادة الأمة، كلا فلا تلازم بين القوتين، نعم؛ ينبغي أن تعلموا ذلك لتكونوا أبعد عن الأوهام وأبعد عن الصدمات، فالعالم أو المفكر بشر من البشر فيه من الضعف ما فيهم ويعتريه ما يعتريهم، فلا تظنوا كل من حسن علمه ومنطقه يستطيع أن يصنع شيئًا على أرض الواقع، والموفق من وفقه الله.
وقفة أخيرة:
стр. 2512
إن تلك المعاني العظيمة التي فجرها كلام الحافظ ابن القيم ﵀ ينبغي كتطبيق عملي لها أن يراجع كل منا نفسه ـ خاصة من تميز في علمه أو فكره ـ مراجعة قوية صريحة، كيف هو في قوته العملية؟ أين قلبه؟ أين عبادته؟ أين سلوكه واستقامة لسانه وجوارحه؟ أين ورعه؟ أين بذله وعطاؤه وتضحيته من أجل هذه الدعوة؟ وليجعل كلٌّ منَّا هَمَّ الليل والنهار بالنسبة له أن ينهض بقوته العملية لتوافق ما يَعْلَمُهُ وما يفكر فيه وما يدعو إليه، فإن أبينا ذلك وقعد بنا الضعف، وعجزت عن ذلك نفوسنا المكبلة بقيود الدنيا وشهواتها، وقلوبنا الضعيفة المشتتة في أوديتها فلا ينبغي أن نستعلي على غيرنا أو نتمسح بالدعوة أو نظن أنفسنا أننا أصحاب إرادة قوية أو منهج جاد للتغيير، ويظل الناس في انتظار الخير مِنْ قِبَلِنَا فلا يجدونه، بل الأولى أن نكون صرحاء مع أنفسنا ومع الناس، ونفسح الطريق لأصحاب قلوب جديدة قوية حية، وأصحاب صدق وبذل وتضحية وعطاء، أصحاب قوة عملية فعالة، ليتقدموا إلى الراية ويسيروا بالقافلة ونكون تبعًا لهم، فربما كانوا خيرًا منا ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
(منازل التزكية:
(للتزكية منازل عظيمة، منازل التزكية هي منازل السائرين إلى رب العالمين، «منازلٌ ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال سيره إلى الله» هي منازلٌ كالمناراتِ الراسيةِ القواعد المُشَيَّدةِ الأركان الثابتةِ الوطائد، منازلٌ مشرقةٌ مضيئة أضوائها لامعة ونجومها ساطعة، «يستمد السائر إلى الله تعالى» من نورها نوراً ومن ضيائها لمعاناً ليضيء له الطريق أثناء سيره إلى الله تعالى، فيكون في سيره إلى الله تعالى متحلياً باليقظة والبصيرة والمعرفة والمحبة والخوف والرجاء والتقوى والاستقامة والتوبة والإنابة والخشوع والخضوع والإخبات والصبر والشكر والرضا واليقين والتوكل والصدق والمراقبة والرغبة والرهبة وغيرها، واعلم أن لِكُلِ منزلة مفهوماً وَحَدَاً، وَلِكُلِ منزلة ثلاث درجات واحدة تليق بعامة المسلمين وأخرى لخاصة المؤمنين وثالثة للمحسنين للمقربين، كما بينه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 2513
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق.
والصوى: جمع صوه و هي الحجرة الكبيرة العظيمة التي توضع على الطريق لتوضحه.
والمنار: هو الدليل الشاهد الذي يدل الناس على أن الطريق من هنا.
هذه الصوى و المنارات دلالة على الطريق، فإذا جاء أحدهم إلى مكان ما و لم ير معالمه إذن إنه لا يزال المتخلف المسكين مزرياً على نفسه ذامّاً لها.
[*] (قال الشيخ العزي عنها: ((هي مثل محطات التزود في أي طريق طويل، أو هي منازل طبقية و درجات صعود و مدارج إنطلاق تتوازى و تتابع)).
﴿تنبيه﴾: (ويحتاج «السائر إلى الله تعالى» إلى قوتين يكونان عوناً بعد الله تعالى في السير إلى الله تعالى وهما القوة العلمية والقوة العملية.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين:
قال أنه لابد لكل سائر من قوتين قوة علمية وقوة عملية.
أما العلمية: فهي التي تكشف له علامات الطريق وآفاته.
والقوة العملية: هي السير نفسه.
مسألة: ما هو عدد منازل التزكية؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
قد أكثر الناس في صفة المنازل وعددها من جعلها ألفا ومنهم من جعلها مائة ومنهم من زاد ونقص فكل وصفها بحسب سيره وسلوكه، وسأذكر فيها أمرا مختصرا جامعا نافعا إن شاء الله تعالى.
مسألة: ما هي عدد المقامات، وما الفرق بينها وبين الأحوال؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها كل يصف منازل سيره وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أن «المقامات كسبية والأحوال وهيبة» ومنهم من يقول الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائح الأعمال فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقاما وكل من كان أعلى مقاما كان أعظم حالا.
فمما اختلفوا فيه (الرضا) هل هو حال أو مقام؟ فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين.
وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال: إن حصل بكسب فهو مقام وإلا فهو حال.
والصحيح في هذا: أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها كما يلمع البارق ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال فإذا تمكنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها ومقامات في
стр. 2514
نهاياتها فالذي كان بارقا هو بعينه الحال والذي كان حالا هو بعينه المقام وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب وظهوره له وثباته فيه.
«وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب وينزل إلى ما دونه ثم قد يعود إليه وقد لا يعود»
«ومن المقامات: ما يكون جامعا لمقامين»
ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك.
ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه.
فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف لا يتصور وجودها بدونهما.
و (التوكل) جامع لمقام التفويض والإستعانة والرضى لا يتصور وجوده بدونها.
و (الرجاء) جامع لمقام الخوف والإرادة.
و (الخوف) جامع لمقام الرجاء والإرادة.
و (الإنابة) جامعة لمقام المحبة والخشية لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما.
و (الإخبات) له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر إخباتا.
و (الزهد) جامع لمقام الرغبة والرهبة لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو نفعه ويرهب مما يخاف ضرره.
ومقام (المحبة) جامع لمقام المعرفة والخوف والرجاء والإرادة فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها.
ومقام (الخشية) جامع لمقام المعرفة بالله والمعرفة بحق عبوديته فمتى عرف الله وعرف حقه اشتدت خشيته له كما قال تعالى (ِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر: ٢٨]
فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته قال النبي ﷺ : "أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية".
ومقام (الهيبة) جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم.
ومقام (الشكر) جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها وهو فوق (الرضا) وهو يتضمن (الصبر) من غير عكس ويتضمن (التوكل) و (الإنابة) و (الحب) و (الإخبات) و (الخشوع) و (الرجاء) فجميع المقامات مندرجة فيه لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر ونصف شكر والصبر داخل في الشكر فرجع الإيمان كله شكرا والشاكرون هم أقل العباد كما قال تعالى: ٣٤:١٣ ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
ومقام (الحياء) جامع لمقام المعرفة والمراقبة.
ومقام (الأنس) جامع لمقام الحب مع القرب فلو كان المحب بعيدا من محبوبة لم يأنس به ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به حتى يجتمع له حبه مع القرب منه.
ومقام (الصدق) جامع للإخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق.
стр. 2515
ومقام (المراقبة) جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبهما يصح مقام المراقبة.
ومقام (الطمأنينة) جامع للإنابة والتوكل والتفويض والرضى والتسليم فهو معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة وما نقص منها نقص من الطمأنينة.
وكذلك (الرغبة) و (الرهبة) كل منهما ملتئم من (الرجاء) و (الخوف) والرجاء على الرغبة أغلب والخوف على الرهبة أغلب.
وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان: «أبرار ومقربون» «فالأبرار في أذياله والمقربون في ذروة سنامه» وهكذا مراتب الإيمان جميعها وكل من النوعين لا يحصى تفاوتهم وتفاضل درجاتهم إلا الله.
مسألة: هل ترتيب منازل التزكية باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل إلى الثاني كمنازل السير الحسي؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
واعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل إلى الثاني كمنازل السير الحسي، هذا محال، ألا ترى أن (اليقظة) معه في كل مقام لا تفارقه وكذلك (البصيرة) و (الإرادة) و (العزم)، وكذلك (التوبة) فإنها كما أنها من أول المقامات فهي آخرها أيضا بل هي في كل مقام مستصحبة ولهذا جعلها الله تعالى آخر مقامات خاصته فقال تعالى في غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنهايات: (لَقَدْ تَابَ الله عَلَىَ النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رّحِيمٌ) [التوبة: ١١٧] فجعل التوبة أول أمرهم وآخره وقال في سورة (أجل رسول الله) التي هي آخر سورة أنزلت (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا) [سورة النصر]
стр. 2516
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ما صلى صلاة بعد إذ أنزلت عليه هذه السورة إلا قال في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي لله وهي الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديته وما ينبغي له قال تعالى: (إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لّيُعَذّبَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [الأحزاب ٧٢، ٧٣] فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة، وكذلك (الصبر) فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات، وإنما هذا الترتيب «ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له»،ومثال ذلك أن (الرضا) مترتب على (الصبر) لتوقف الرضا عليه واستحالة ثبوته بدونه فإذا قيل إن مقام (الرضا) أو حاله على الخلاف بينهم هل هو مقام أو حال بعد مقام (الصبر) لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر فافهم هذا الترتيب في مقامات العبودية.
مسألة: ما هو فصل الخطاب في الكلام على منازل التزكية؟
فصل الخطاب في الكلام على منازل التزكية أن نتكلم على كل منزلة بما يعود علينا بالفائدة المنشودة منها فنقوم ببيان حقيقتها وكيفية الوصول إليها وذكر الآفات المانعة من حصولها والقاطعة عنها «ومعرفة حدودها دراية والقيام بها رعاية».
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
الأولى الكلام في هذه المقامات على طريقة المتقدمين من أئمة القوم كلاما مطلقا في كل مقام مقام «ببيان حقيقته وموجبه وآفته المانعة من حصوله والقاطع عنه وذكر عامه وخاصه»
стр. 2517
فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله كسهل بن عبد الله التستري وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري ويحيى بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون ابن عبد الله الذي كان يقال له حكيم الأمة وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ولا حصر للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة ولهذا «كلامهم قليل فيه البركة» «وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة»
(صفوة منازل تزكية النفوس:
( ... المنازل الأساسية للتزكية:
مسألة: ما هي المنازل الأساسية والتي لا يتصور السفر إلى الله بدون نزولها؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
فلنرجع إلى ذكر منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ التي لا يكون العبد من أهلها حتى ينزل منازلها.
فذكرنا منها «(اليقظة) و (البصيرة) و (الفكرة) و (العزم)».
وهذه المنازل الأربعة لسائر المنازل كالأساس للبنيان وعليها مدار منازل السفر إلى الله ولا يتصور السفر إليه بدون نزولها البتة وهي على ترتيب السير الحسي فإن المقيم في وطنه لا يتأتى منه السفر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر ثم يتبصر في أمر سفره وخطره وما فيه من المنفعة له والمصلحة ثم يفكر في أهبة السفر والتزود وإعداد عدته ثم يعزم عليه فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة المحاسبة وهي التمييز بين ماله وعليه فيستصحب ماله ويؤدي ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود.
(فصلٌ في منزلة اليقظة:
مسألة: ما هي اليقظة؟
اليقظة: هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
فأول منازل العبودية اليقظة وهي انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها على السلوك فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبى منها.
فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى و فيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا و نسلم
стр. 2518
يقول رحمه الله تعالى في شرح اليقظة: ((واعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة «قلبه نائم وطرفه يقظان» فصاح به الناصح و أسمعه داعِ النجاح وأذن به مؤذن الرحمن حي على الفلاح))، فأول مراتب هذا النائم اليقظة و الانتباه من النوم هذا هو الكلام. أهـ.
«قلبه نائم وطرفه يقظان» عينه مفتوحة يأكل ويشرب ويذهب ويأتي ويتكلم ويعمل ويبيع ويشتري ويحب ويكره لكن قلبه نائم.
ومن المعلوم شرعاً أن الله يريد منك قلبك لا يريد منك شيئاً أخر، يريد منك الله سبحانه و تعالى قلبك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
هذا هو الذي يريده الله منك قلبك، أين قلبك؟! عندما يكون قلبك نائم لا يعرف الله؟! هل النائم يمشي؟! لا؛ إذا كان يوجد ولد نائم وعنده امتحان صباحاً أول شيء يقوم به أنه يستيقظ لكي يذهب إلى الامتحان، أول ما يستيقظ لا يجري على الامتحان، لا بل أول ما يستيقظ ينتبه، هذه هي إنزعاج القلب نحن نريد إنزعاج القلب، أن القلب ينتفض.
يقول الشيخ: ((فتارة تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل، فيتلمح الإنسانُ وجود نفسه فيعلم أن له صانعاً وقد طالبه بحقه، وشكر نعمته، وخوَّفه عقاب مخالفته، ولا يكون ذلك بسبب ظاهر)).
أحيانا تجد رجل يلتزم بعد أن كان في الضلال، وفجأة أعفى لحيته ظبط ملابسه دخل المسجد وانتهى عن الموسيقى والأغاني، بطل أكل حرام وربا ونصب وكذب، دخل المسجد وظل يصلي ويقرأ قرآن يتقرب إلى الله بدون أسباب ظاهرة.
مسألة: ما تعريف اليقظة عند صاحب منازل السائرين؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
وصاحب المنازل يقول: "هي القومة لله المذكورة في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) [سبأ: ٤٦].
قال: "القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة «وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه» وهي على ثلاثة أشياء:
(لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها، والتفرغ إلى معرفة المنة بها، والعلم بالتقصير في حقها".
стр. 2519
وهذا الذي ذكره: هو موجب اليقطة وأثرها فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة لاستنارة قلبه برؤية نور التنبيه أوجب له ملاحظة نعم الله الباطنة والظاهرة وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها فيئس من عدها والوقوف على حدها وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها من غير استحقاق ولا استجلاب لها بثمن فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها وهو القيام بشكرها.
(فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية: محبة المنعم واللهج بذكره وتذكر الله وخضوعه له وإزراءه على نفسه حيث عجز عن شكر نعمه فصار متحققاً ب"أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" وعلم حينئذ أن هذا الاستغفار حقيقٌ بأن يكون سيد الاستغفار وعلم حينئذ أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وعلم أن العبد دائما سائر إلى الله «بين مطالعة المنة ومشاهدة التقصير».
قال: "الثاني مطالعة الجناية والوقوف على الخطر فيها والتشمير لتداركها والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها".
فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة ويعلم أنه على خطر عظيم فيها وأنه مشرف على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ما تقدم يداه فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) [الكهف:٥٧]
فإذا طالع جنايته شمر لاستدراك الفارط بالعلم والعمل وتخلص من رق الجناية بالاستغفار والندم وطلب التمحيص وهو تخليص إيمانه ومعرفته من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة وهو تخليصهما من خبثهما ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا تقول لهم الملائكة (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: ٧٣]
وقال تعالى (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) [النحل: ٣٢] فليس في الجنة ذرة خبث.
стр. 2520
(وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء: بالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات الماحية والمصائب المكفرة فإن محصته هذه الأربعة وخلصته: كان من الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يبشرونهم بالجنة وكان من الذين ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عند الموت (أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ). [فصلت /٣٢:٣٠]
وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه لم تكن التوبة نصوحا وهي العامة الشاملة الصادقة ولم يكن الاستغفار كاملا تاماً وهو المصحوب بمفارقة الذنب والندم عليه وهذا هو الاستغفار النافع لا استغفار من في يده قدح السكر وهو يقول أستغفر الله ثم يرفعه إلى فيه ولم تكن الحسنات في كميتها وكيفيتها وافية بالتكفير ولا المصائب وهذا إما لعظم الجناية وإما لضعف الممحص وإما لهما محص في البرزخ بثلاثة أشياء.
أحدها: صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه واستغفارهم له وشفاعتهم فيه.
الثاني: تمحيصه بفتنة القبر وروعة الفتان والعصرة والانتهار وتوابع ذلك.
الثالث: ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال من الصدقة عنه والحج والصيام عنه وقراءة القرآن عنه والصلاة وجعل ثواب ذلك له، وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء قال الإمام أحمد: "لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه اختلاف والأكثرون يقولون بوصول الحج" وأبو حنيفة يقول: "إنما يصل إليه ثواب الإنفاق" وأحمد ومن وافقه: مذهبهم في ذلك أوسع المذاهب يقولون: يصل إليه ثواب جميع القرب بدنيها وماليها والجامع للأمرين واحتجوا بأن النبي ﷺ قال لمن سأله: "يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد مماتهما؟ قال: نعم فذكر الحديث" وقد قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
فإن لم تف هذه بالتمحيص محص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء: أهوال القيامة وشدة الموقف وشفاعة الشفعاء وعفو الله .
стр. 2521
فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه فلا بد له من دخول الكير رحمة في حقه ليتخلص ويتمحص ويتطهر في النار فتكون النار طهرة له وتمحيصا لخبثه ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلته وشدته وضعفه وتراكمه فإذا خرج خبثه وصفى ذهبه وصار خالصا طيبا أخرج من النار وأدخل الجنة.
قال (الثالث) يعني من مراتب اليقظة (الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام والتنصل من تضييعها والنظر إلى الظن بها لتدارك فائتها وتعمير باقيها".
يعني أنه يعرف ما معه من الزيادة والنقصان فيتدارك ما فاته في بقية عمره التي لا ثمن لها ويبخل بساعاته بل بأنفاسه عن ذهابها ضياعا في غير ما يقر به إلى الله فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين الناس مع تفاوتهم في قدره قلة وكثرة فكل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله فهو حسرة على العبد في معاده ووقفة له في طريق سيره أو نكسه إن استمر أو حجاب إن انقطع به.
قال "فأما معرفة النعمة: فإنها تصفو بثلاثة أشياء: بنور العقل وشيم بروق المنة والاعتبار بأهل البلاء".
(يعني أن حقيقة مشاهدة النعمة: يصفو بهذه الثلاثة فهي النور الذي أوجب اليقظة فاستنار القلب به لرؤية التنبه وعلى حسبه قوة وضعفا تصفو له مشاهدة النعمة فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور البتة، فنعمة الله بالإسلام والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته: هو أعظم النعم وهذا إنما يدرك بنور العقل وهداية التوفيق.
(وكذلك شيمه بروق منن الله عليه وهو النظر إليها ومطالعتها من خلال سحب الطبع وظلمات النفس «والنظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله والابتداع في دين الله» فهذان الصنفان هم أهل البلاء حقاً فإذا رآهم وعلم ما هم عليه عظمت نعمة الله عليه في قلبه وصفت له وعرف قدرها.
فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء
حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة: رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب.
قال: "وأما مطالعة الجناية: فإنها تصح بثلاثة أشياء: بتعظيم الحق ومعرفة النفس وتصديق الوعيد".
يعني أن من كملت عظمة الحق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته لأن مخالفة العظيم ليست كمخالفة من هو دونه ومن عرف قدر نفسه وحقيقتها وفقرها الذاتي إلى مولاها الحق في كل لحظة ونفس وشدة حاجتها إليه عظمت عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه في كل لحظة ونفس.
стр. 2522
وأيضا فإذا عرف حقارتها مع عظم قدر من خالفه عظمت الجناية عنده فشمر في التخلص منها وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي تلحق به.
ومدار السعادة وقطب رحاها: على التصديق بالوعيد «فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خراباً لا يرجى معه فلاح البتة» والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم قال الله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) [هود: ١٠٣]
وقال تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [النازعات: ٤٥] وقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] وأخبر تعالى أن أهل النجاة في الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد الخائفون منه فقال تعالى (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم: ١٤].
قال: "وأما معرفة الزيادة والنقصان من الأيام: فإنها تستقيم بثلاثة أشياء: سماع العلم وإجابة داعي الحرمة وصحبة الصالحين «وملاك ذلك كله خلع العادات».
يعني أن السالك: على حسب علمه بمراتب الأعمال ونفائس الكسب تكون معرفته بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه وكذلك تفقد إجابة داعي تعظيم حرمات الله من قلبه هل هو سريع الإجابة لها أم هو بطيء عنها فبحسب إجابة الداعي سرعة وإبطاء تكون زيادته ونقصانه.
وكذلك صحبة أرباب العزائم المشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى يعرف به ما معه من الزيادة والنقصان.
والذي يملك به ذلك كله خروجه عن العادات والمألوفات وتوطين النفس على مفارقتها والغربة بين أهل الغفلة والإعراض وما على العبد أضر من ملك العادات له وما عارض الكفار الرسل إلا بالعادات المستقرة الموروثة لهم عن الأسلاف الماضين فمن لم يوطن نفسه على مفارقتها والخروج عنها والاستعداد للمطلوب منه فهو مقطوع وعن فلاحه وفوزه ممنوع قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
(فصلٌ في منزلة العزم:
مسألة: ما هو العزم؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
стр. 2523
فإذا استحكم قصده صار (عزما) جازما مستلزما للشروع في السفر مقرونا بالتوكل على الله قال تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران: ١٥٩].
و (العزم) هو القصد الجازم المتصل بالفعل ولذلك قيل: "إنه أول الشروع في الحركة لطلب المقصود" وأن التحقيق: أن الشروع في الحركة ناشيء عن العزم لا أنه هو نفسه ولكن لما اتصل به من غير فصل ظن أنه هو.
وحقيقته: هو استجماع قوى الإرادة على الفعل.
و (العزم) نوعان:
أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق وهو من البدايات.
والثاني: عزم في حال السير معه وهو أخص من هذا وهو من المقامات.
(فصلٌ في منزلة الفكرة:
مسألة: ما هي الفكرة؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة (الفكرة) وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملا ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه.
مسألة: ما هو حَدُّ الفكرة؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
وصاحب المنازل جعلها بعد (البصيرة) وقال في حَدِّهَا (هي تلمس البصيرة لاستدراك البغية) أي التماس العقل المطلوب بالتفتيش عليه.
قال: "وهي ثلاثة أنواع:
فكرة في عين التوحيد وفكرة في لطائف الصنعة وفكرة في معاني الأعمال والأحوال".
قلت: الفكرة فكرتان: «فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة» «وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة».
(فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة: فكرة التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي (والتي تتعلق بالطلب والإرادة: هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار.
ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها والطريق إلى ما يضر فيتركها.
فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء.
(فصلٌ في منزلة البصيرة:
مسألة: ما هي البصيرة؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
стр. 2524
فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة «فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه» فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الجسر للعبور ولز الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين، «فينفتح في قلبه عين» يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها، «فالبصيرة نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأى عين» أهـ.
مسألة: ما هي درجات البصيرة؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
و (البصيرة) على ثلاث درجات من استكملها فقد استكمل البصيرة: «بصيرة في الأسماء والصفات» «وبصيرة في الأمر والنهي» «وبصيرة في الوعد والوعيد».
(«فالبصيرة في الأسماء والصفات»:
أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر.
стр. 2525
وعقد هذا: أن يشهد قلبك الرب ﵎ مستويا على عرشه متكلما بأمره ونهيه بصيرا بحركات العالم علويه وسفليه وأشخاصه وذواته سميعا لأصواتهم رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم وأمر الممالك تحت تدبيره نازل من عنده وصاعد إليه وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال منزها عن العيوب والنقائص والمثال هو كما وصف نفسه في كتابه وفوق ما يصفه به خلقه حي لا يموت قيوم لا ينام عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات تمت كلماته صدقا وعدلا وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا ووسعت الخليقة أفعاله عدلا وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا له الخلق والأمر وله النعمة والفضل وله الملك والحمد وله الثناء والمجد أول ليس قبله شيء وآخر ليس بعده شيء ظاهر ليس فوقه شيء باطن ليس دونه شيء أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد ولذلك كانت حسنى وصفاته كلها صفات كمال ونعوته كلها نعوت جلال وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل كل شيء من مخلوقاته دال عليه ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ولا ترك الإنسان سدى عاطلا بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته وأسبغ عليهم نعمه يتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات وصرف لهم الآيات ونوع لهم الدلالات ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب فأتم عليهم نعمه السابغة وأقام عليهم حجته البالغة أفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته تغلب غضبه.
وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها.
وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف لجهلهم بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة منهم وأقوى إيمانا وأعظم تسليما للوحي وانقيادا للحق.