Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
(١٥) الشكر هو الغاية من الخلق قال تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: ٧٨].
فهذه غاية الخلق، أما غاية الأمر قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [آل عمران: ١٢٣]
فكما قضى الله لهم بالنصر فليشكروا هذه النعمة.
(١٦) وأخبر سبحانه أنه لا يعذب الشاكرين من عباده فقال سبحانه: مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً [النساء:١٤٧]
(١٧) وأطلق سبحانه جزاء الشاكرين إطلاقاً وهو أكرم الأكرمين، وجعله عليه سبحانه فقال : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:١٤٥]. وقال سبحانه: وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:١٤٤]
(وفصل الخطاب:
أن الشكر غاية الخلق وغاية الأمر فخلق ليشكر وأمر ليشكر قال تعالى: (فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) [البقرة: ١٥٢]،
والشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره، أنت تصبر لأجل أن يحدث ما يترتب عليه وما يؤدي إليه من الأشياء، والشكر غاية في نفسه والصبر وسيلة إلى غيره وإلى ما يحمد وليس مقصوداً لنفسه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حذيفة المرعشي، قال: دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم، فإذا شقيق البلخي قد حج في تلك السنة فاجتمعنا في شق الطواف فقال إبراهيم لشقيق: على أي شيء أصلتم أصلكم؟ قال: أصلنا أصلنا على أنا إذا رزقنا أكلنا وإذا منعنا صبرنا، فقال إبراهيم: هكذا تفعل كلاب بلخ، فقال له شقيق: فعلى ماذا أصلتم؟ قال: أصلنا على أنا إذا رزقنا آثرنا وإذا منعنا شكرنا وحمدنا، فقام شقيق فجلس بين يدي إبراهيم فقال: يا أستاذ أنت أستاذنا.
(١٦) من أعظم فضائل الشكر التأسي بالنبي ﷺ لأن النبي ﷺ كان عبدا شكوراً بنص السنة الصحيحة: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلتُ له لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، فقال أفلا أحبُ أن أكونَ عبدا شكوراً)
والله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها:
стр. 3747
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها.
فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ﴾ (التوبة: من الآية ٧٢).
[*] قال عمر ابن عبد العزيز: " قيدوا نعم الله بشكر الله" وذكر ابن أبى الدنيا عن علىّ بن أبى طالب ﵁ أنه قال لرجل من همذان: " أن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد.
[*] وقال الحسن: أكثروا من ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر، وقد أمر الله نبيه أن يحدث بنمعمة ربه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: الآية ١١).
والله تعالى يحب أن يرى أثرُ نعمته على عبده، فإن ذلك شكرها بلسان الحال.
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
[*] وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: " أصبحنا مغرقين في النعم، عاجزين عن الشكر، يتحبب إلينا ربنا وهو غنىٌ عنا، ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون ".
[*] وقال شريح: " ما أصيب عبدٌ بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لابد كائنة فقد كانت ".
[*] وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبى تميمة، كيف أصبحت؟ قال: " أصبحت بين نعمتين لا أدرى أيتها أفضل: ذنوب سترها الله علىّ فلا يستطيع أن يعيرنى بها أحد، ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغه، ا عملى ".
[*] وعن سفيان في قوله ﵎: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: من الآية ٤٤).
قال: يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر، وقال غير واحد،: " كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة ".
(وفي منازل ((إياك نعبد وإياك نستعين)) ذكر ابن القيم في الشكر أيضاً سبعة عشر وجهاً وهي:
(١) أنه من أعلى المنازل.
(٢) فوق منزلة الرضا والزيادة، فالرضا مندرج في الشكر ويستحيل وجود الشكر بدونه.
(٣) نصف الإيمان شكر ونصفه صبر.
(٤) أمر الله به ونهى عن ضده.
(٥) أثنى على أهله ووصفهم بخواص خلقه.
(٦) جعله غاية خلقه وأمره.
(٧) وعد أهله بأحسن الجزاء.
(٨) جعله سبباً للمزيد من فضله.
стр. 3748
(٩) حارساً وحافظاً للنعمة.
(١٠) أهل الشكر هم المنتفعون بآياته.
(١١) اشتق لهم اسماً من أسمائه (الشكور) وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكوراً.
(١٢) غاية الرب من عبده.
(١٣) سمى نفسه شاكراً وشكوراً، وسمى الشاكرين بهذا الاسم فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلاً.
(١٤) أخبر الله عن قلة الشاكرين في عباده.
(١٥) الشكر لابد معه من مزيد.
الشكر عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه.
والشكر يتعلق بأمور ثلاث: القلب واللسان والجوارح، ومعنى الشكر ينطوي على معرفة ثلاثة أمور وهي معاني الشكر الثلاثة.
أولآً معرفة النعمة: استحضارها في الذهن وتمييزها والتيقن منها، فإذا عرف النعمة توصل إلى معرفتها بمعرفة المنعم بها ولو على وجه التفصيل، وهذا ما نجده في القرآن الكريم ليستحضر العبد هذه النعم فيشكر. وإذا عرف النعمة سيبحث العقل عن المنعم فإذا عرف المنعم أحبّه فإذا أحبه جد في طلبه وشكره ومن هنا تحصل العبادة لأنها طريق شكر المنعم وهو الله.
ثانياً قبول النعمة: تلقيها بإظهار الفقر إلى المنعم والحاجة إليه وأن وصول النعم تمّ بغير استحقاق، فالله أعطانا النعم منّة وتفضّل.
ثالثاً الثناء بها: الثناء على المنعم المتعلق بالنعمة نوعان:
عام: وهو أن تصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء ونحو ذلك.
خاص: أن تتحدث بنعمه عليك وتخبر بوصولها إليك قال تعالى: (وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ) [سوة: الضحى: ١١]
والتحديث المأمور به هنا فيه قولان كما يلي:
القول الأول: أن تذكر وتعدد (أنعم الله علي بكذا وكذا ... ) ولذلك قال بعض المفسرين اشكر ما ذكره من النعم عليك في هذه السورة من جبرك يتيماً وهدايتك بعد الضلال وإغنائك بعد العيلة.
القول الثاني: أن تستعملها في طاعته.
فالتحدث بالنعمة من الثناء على الله، فتثني على الله بالأسماء المناسبة لمقام الشكر (المنان، الكريم، ذو الفضل العظيم، الله واسع، عطاؤه كثير).
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: من استعاذكم بالله فأعيذوه و من سألكم بالله فأعطوه و من دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
(ومن الثناء كقول جزاك الله خير، و الدعاء أيضاً وسيلة للشكر.
стр. 3749
(حديث أسامة بن زيد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ.
[*] قال لعلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ) أَيْ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِثَابَتِهِ أَوْ مُطْلَقًا
(جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) أَيْ خَيْرَ الْجَزَاءِ أَوْ أَعْطَاكَ خَيْرًا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) أَيْ بَالَغَ فِي أَدَاءِ شُكْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ جَزَائِهِ وَثَنَائِهِ فَفَوَّضَ جَزَاءَهُ إِلَى اللَّهِ لِيَجْزِيَهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا قَصُرَتْ يَدَاكَ بِالْمُكَافَأَةِ, فَلْيَطُلْ لِسَانُكَ بِالشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
[*] وقال ابن القيم: [الدين نصفان، نصف شكر ونصف صبر، فهو قاعدة كل خير، والشكر مما يحبه الله فهو يحب أن يُشكر عقلاً وشرعاً وفطرةُ]، فوجوب شكره أظهر من كل واجب، وقد فاوت الله بين عباده بالنسبة للنعم الظاهرة والباطنة وفي خلقهم وأخلاقهم و أديانهم وأرزاقهم ومعايشهم. لذلك فقد روى الإمام أحمد في كتاب الزهد: [قال موسى هلاّ سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر]، فالتفاوت بين العباد يؤدي إلى الشكر.
وقد تنازع أهل العلم بين الفقير الصابر والغني الشاكر، أيهما أفضل في كلام طويل، والظاهر أن كل واحد في حق صاحبه أفضل، فالشكر في حق الغني أفضل والصبر في حق الفقير أفضل.
(حقيقة الشكر:
أخي المسلم الموفق: الشكر من أعلى المنازل وأرقى المقامات، وهو نصف الإيمان، فالإيمان نصفان؛ نصف شكر ونصف صبر. والشكر مبني على خمس قواعد:
الأولى: خضوع الشاكر للمشكور.
الثانية: حبّه له.
الثالثة: اعترافه بنعمته.
الرابعة: ثناؤه عليه بها.
الخامسة: ألا يستعمل النعمة فيما يكره المنعم.
فالشكر إذن هو: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وإضافة النعم إلى موليها، والثناء على المنعم بذكر إنعامه، وعكوف القلب على محبته، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره.
(أقسام الخلق في شكر النعمة:
أقسام الخلق في شكر النعمة ثلاثة:
(١) شاكر للنعمة مثني بها.
(٢) جاحد لها كاتم لها.
стр. 3750
(٣) مظهر أنه من أهلها وهو ليس من أهلها، ومن المعلوم شرعاً أن المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أسماء بنت أبي بكر ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الْمُتَشَبّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ، كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ".
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور، قال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه، فهذه ثياب زور ورياء، وقيل هو كمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له، وقيل هو من يلبس قميصاً واحداً ويصل بكميه كمين آخرين فيظهر أن عليه قميصين. وحكى الخطابي قولاً آخر أن المراد هنا بالثوب الحالة والمذهب والعرب تكنى بالثوب عن حال لابسه ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن، وقولاً آخر أن المراد الرجل الذي تطلب منه شهادة زور فيلبس ثوبين يتجمل بهما فلا ترد شهادته لحسن هيئته والله أعلم.
والتحدث بالنعمة المأمور به ينبغي أن يكون ذلك في النفس وعند الآخرين ولكن إذا كان عند حاسديها فإن كتم ذكرها ليس من كفرها فهو لم يكتم ذكر النعمة شحاً بذلك وتقصيراً في حق الله لكن لدرء مفسدة وهي حسد صاحب العين وكيده وضرره ودفع الضرر من المقاصد الشرعية، وعليه يحمل الحديث الآتي:
(حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان) بالكسر أي كونوا لها كاتمين عن الناس واستعينوا بالله على الظفر بها ثم علل طلب الكتمان لها بقوله
(فإن كل ذي نعمة محسود) يعني إن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم فعارضوكم في مرامكم وموضع الخبر الوارد في التحدث بالنعمة ما بعد وقوعها وأمن الحسد وأخذ منه أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه ويجتهدوا في طي سرهم
стр. 3751
[*] قال بعض الحكماء: من كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيارعليه وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه ولو كتمه كان من سطوته آمناً ومن عواقبه سالماً وبنجاح حوئجه فائزاً
[*] وقال بعضهم: سرك من دمك فإذا تكلمت فقد أرقته وقال أنو شروان من حصن سره فله بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات. وفي منثور الحكم انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزول ولا جاهلاً فيحول لكن من الأسرار ما لا يستغني فيه عن مطالعة صديق ومشورة ناصح فيتحرى له من يأتمنه عليه ويستودعه إياه فليس كل من كان على الأموال أميناً كان على الأسرار أميناً. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار قال الراغب: وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدور ويوصف به ضعف الرجال والنساء والصبيان والسبب في صعوبة كتمان السر أن للإنسان قوتين آخذة ومعطية وكلتاهما تتشوف إلى الفعل المختص بها ولولا أن الله وكل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلا حيث يجب إطلاقها.
أما مقابلة النعمة فلايمكن في حق الله قال تعالى: (لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا) [الحج: ٣٧]، فلا سبيل إلى المجازاة ويبقى في قضية الثناء عليه استعمالها فيما يرضيه، أما المجازاة فلا سبيل إليها ولا ينتفع الله بخلقه شيء.
(نماذج من شكر السلف رحمهم الله تعالى:
(شكر عمر أن رفع الله منزلته وقوله في الشكر والصبر:
وأَخرج ابن سعد وابن عساكر عن سليمان بن يسار قال: مرَّ عمر ابن الخطاب ﵁ بضَجنانَ فقال: لقد رأَيتني وإني لأرعى على الخطاب في هذا المكان، وكان ـ والله ـ ما علمتُ فظاً عليظاً، ثم أصبحت إلى أمر أمة محمد ﷺ ثم قال متمثلاً:
لا شيء فيما ترى إلاّ بشاشته
يبقى الإِله ويُودي المالُ والولدُ
ثم قال لبعيره حَوْب. كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن عساكر عن عمر ﵁ قال: لو أَتيت براحلتين: راحلة شكر، وراحلة
صبر؛ لم أبالِ أيهما ركبت. كذا في المنتخب.
(قول عمر في رجل مبتلي وفي رجل آخر في هذا الأمر:
стр. 3752
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﵁ قال: مرّ عمر ابن الخطاب برجل مبتلى أعمى أصم وأبكم، فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله شيئاً؟ قالوا: لا، قال: بلى ألا ترون يبول فلا يعتصر ولا يلتوي يخرج به بوله سهلاً، فهذه نعمة من الله. كذا في الكنز.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم قال: سمع عمر ﵁ رجلاً يقول: اللهمَّ إني أستنفق نفسي ومالي في سبيلك، فقال عمر: أو لا يسكت أحدكم فإن ابتلي صبر وإن عوفي شكر. كذا في الكنز.
(قول عمر لرجل سلّم عليه وكتابه لأبي موسى وقوله في أهل الشكر:
وأخرج مالك وابن المبارك والبيهقي عن أنس ﵁ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁، وسلّم عليه رجل فردّ ﵇ ثم سأله عمر: كيف أنت؟ فقال: أحمد إليك الله، فقال عمر: ذلك الذي أردتُ منك. كذا في الكنز. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄: اقنع برزقك من الدنيا فإنَّ الرحمن فضَّل بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلي به كلاً، فيبتلي به من بسط له كيف شكره، وشكره لله أداء للحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوَّله. كذا في الكنز؛ وأخرج الدينوري عن عمر قال: أهل الشكر مع مزيد من الله فالتمسوا الزيادة، وقد قال الله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: الآية: ٧). كذا في الكنز.
(شكر عثمان أن لم يصادف قوماً كانوا على أمر قبيح:
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن سليمان بن موسى أن عثمان بن عفان ﵁ دُعى إلى قوم كانوا على أمر قبيح، فخرج إليهم فوجدهم قد تفرقوا ورأى أثراً قبيحاً، فحمد الله إذ لم يصادفهم وأعتق رقبة.
(قول علي في النعمة والشكر:
стр. 3753
وأخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: إنَّ النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قَرَن، ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع من العبد. وعند ابن ماجه والعسكري عن محمد بن كعب القرظي قال: قال علي بن أبي طالب: ما كان الله ليفتح باب الشكر ويخزن باب المزيد، وما كان الله ليفتح باب الدعاء ويخزن باب الإِجابة، وما كان الله ليفتح باب التوبة ويخزن باب المغفرة. أتلو عليكم من كتاب الله. قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غافر، الآية: ٦٠)، وقال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم، الآية: ٧)، وقال: ﴿اذكروني أذكركم﴾ (سورة البقرة، الآية: ١٥٢)، وقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ا يجد ا غفورا رحيما﴾ (سورة النساء، الآية: ١١٠). كذا في الكنز.
(قول أبي الدرداء وعائشة وأسماء في الشكر:
وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء ﵁ قال: ما أمسيت ليلة وأصبحت لم يرمني الناس فيها بداهية إلا رأيتها نعمة من الله عليَّ عظيمة. وعنده أيضاً عنه قال: من لم يرَ أن لله عليه نعمة إلا في الأكل والشرب فقد قلَّ فهمه وحَضَر عذابه. كذا في الكنز. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٢٢٠ و٢١٠) عنه نحوه بالوجهين.
وأخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: ما من عبد يشرب الماء القَرَاح فيدخل بغير أذى ويخرج بغير أذى إلا وجب عليه الشكر. كذا في الكنز. وأخرجه الطبراني في الكبير عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنه لما قتل ابن الزبير ﵄ كان عندها شيء أعطاها إياه النبي ﷺ في سفَط ففقدته، فأخذت تطلبه، فلما وجدته خرّت ساجدة. قال الهيثمي: إسناده حسن وفي بعض رجاله كلام.
(واجبنا نحو الله في النعم:
(١) الخضوع له، خضوع الشاكر للمشكور.
(٢) حبه له، حب الشاكر للمشكور.
(٣) اعترافه بنعمته عليه (الإقرار).
(٤) الثناء عليه بها.
(٥) أن لا يستعملها فيما يكره بل يستعملها فيما يرضيه.
وإذا كانت النعم تتفاضل فهل يتفاضل الشكر؟ نعم.
(الوسائل التي تؤدي إلى الشكر:
(١) من الوسائل التي تؤدي إلى الشكر أنك تنظر إلى من هو دونك فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (
стр. 3754
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(انظروا إلى من هو أسفل منكم) أي في أمور الدنيا أي الأحق والأولى ذلك
(ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) فيها
(فهو أجدر) أي فالنظر إلى من هو أسفل لا إلى من هو فوق حقيق
(أن لا تزروا) أي بأن لا تحتقروا
(نعمة اللّه عليكم) فإن المرء إذا نظر إلى من فضل عليه في الدنيا طمحت له نفسه واستصغر ما عنده من نعم اللّه وحرص على الازدياد ليلحقه أو يقاربه وإذا نظر للدون شكر النعمة وتواضع وحمد. قال الغزالي: وعجب للمرء كيف لا يساوي دنياه بدينه أليس إذا لامته نفسه فارقها يعتذر إليها بأن في الفساق كثرة فينظر أبداً في الدين إلى من هو دونه لا لمن فوقه أفلا يكون في الدنيا كذلك. وقال الحكيم: لا يزال الإنسان يترقى في درجات النظر علواً علواً كلما نال درجة سما به حرصه إلى النظر إلى ما فوقها فإذا نظر إلى من دونه في درجات الدين اعتراه العجب فأعجب بنفسه فطال بتلك الدرجة على الخلق واستطال [ص ٦٠] فرمى به من ذلك العلو فلا يبقى منه عضو إلا انكسر وتبدّد وكذا درجات الدنيا إذا رمى ببصره إلى من دونه تكبر عليه فتاه على اللّه بكبره وتجبر على عباده فخسر دينه وقد أخذ هذا الحديث محمود الورّاق فقال: لا تنظرن إلى ذوي الـ * مؤثل والرياش فتظل موصول النها * ر بحسرة قلق الفراش وانظر إلى من كان مثـ * لك أو نظيرك في المعاش تقنع بعيش كيف كا * ن وترض منه بانتعاش. أهـ
(فمما يحفظ العبد من ترك الشكر عندما ينظر إلى من هو فوقه أن هذه قسمة الله، قال تعالى: (وَهُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنّ رَبّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنّهُ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ) [الأنعام: ١٦٥]
(٢) ومن الوسائل التي تؤدي إلى الشكر أن يعلم العبد أنه مسئول عن النعمة، قال تعالى: (ثُمّ لَتُسْأَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ) [التكاثر: ٨]، وهو كذلك محاسب عليها حتى الماء البارد، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (
стр. 3755
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ليس أحدٌ يحاسب ُ يوم القيامة إلا هلك. فقلت يا رسول الله: أليس قد قال الله (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، فقال رسول الله ﷺ إنما ذلك العرض وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب.
ويشتط الناس في فهم شكر ما أسبغ الله عليهم من النعم لدرجة أنهم يحرمون أنفسهم منها، والله تعالى رضي لنا أن نستمتع وأن نشكر، قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: ١٧٢]
(فلا يمكن أن يكون الشكر بتحريم الحلال وهذا من مباديء الصوفية، فالله رضي لنا أن نستخدم النعم المباحات ونشكره عليها ، ولو كان شرطاً في الانتفاع بالنعمة أداء ثمنها شكراً؛ ما وفّت كل أعمال العباد ولا على نعمة واحدة فتشكر الله وتعترف بالنعم وتستغفر من التقصير بشكر النعمة، فتقول أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي تأسياً بالنبي ﷺ كما في الحديث الآتي:
(حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: سيدُ الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.
(فالحل أن نستخدم النعم فيما يرضي الله ونثني عليه ونشكره ونستغفره من التقصير في الشكر وهو تعالى رضي منا بهذا ..
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها.
(حديث عمران بن حصين ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن أفضل عباد الله يوم القيامة: الحَمَّادُون.
الحَمَّادُون: أي: الذين يكثرون حمد الله جل وعلا.
(وقد كان النبي ﷺ عبداً شكوراً بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (
стр. 3756
حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلتُ له لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، فقال أفلا أحبُ أن أكونَ عبدا شكوراً)
(وتأمل في هذا الحديث بعين البصيرة كيف كان النبي ﷺ مثلاً أعلى في شكره لله تعالى مع كونه ﷺ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، فيشكر الله على المغفرة.
(٣) ومن الوسائل التي تؤدي إلى الشكر أن ندعو الله أن يعيننا على الشكر فتقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك تأسياً بالنبي ﷺ كما في الحديث الآتي:
(حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال يا معاذ والله إني لأحبك والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
(٤) أن يرعى قلبه رعاية تامة حتى يكون قلبه شاكراً تأسياً بالنبي ﷺ كما في الحديث الآتي:
(حديث ثوبان ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال:
ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة) قاله لما نزل في الذهب والفضة ما نزل فقالوا: فأي مال نتخذ فذكره قال حجة الإسلام: فأمر باقتناء القلب الشاكر وما معه بدلاً من المال.
﴿تنبيه﴾: (إن أمور الخير يمكن اكتسابها بترويض النفس عليها فإنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوَقَّه كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوَقَّه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إنما العلم) أي تحصيله
стр. 3757
(بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول
(وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب
(ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه
(ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير
(تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل [ص ٥٧٠] بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء ﵈ الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء ﵈ في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة.
стр. 3758
(وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه أن يحمدوا الله على الأكلة أو الشربة كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها.
[*] قال الحسن البصري ﵀:
إن الله ليمتع بالنعمة ماشاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذاباً ولهذا كانوا يسمون الشكر (الحافظ) لأنه يحفظ النعم الموجودة و (الجالب) لأنه يجلب النعم المفقودة.
هكذا يحفظ ويحصّل من علو منزلة الشكر وعظمه عند الله، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد الذي هو قيد النعم، فهو يقيد النعمة ألا تنقلب ولا تهرب.
[*] قال عمر بن عبد العزيز:
قيدوا نعم الله بشكر الله، والشكر مع المعافاة عند بعض أهل العلم أعظم من الصبر على الابتلاء. فقال مطرف بن عبد الله: لأن أعافي فأشكر أحبُّ إليّ من أن أُبتلى فأصبر.
فإذا رزقت الشكر على النعمة فإن هذا لا يقل عن الصبر على المصيبة.
[*] قال الحسن: [أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه قال تعالى: (وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ) [الضحى: ١١]
والله يحب من عبده أن يرى أثر نعمته على عبده فإن ذلك شكرها بلسان الحال كما في الحديث الآتي:
(حديث عمران بن حصين ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
﴿تنبيه﴾: (فصل الخطاب في مسألة أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده أن يكون لها ضابط وحد الشرعي، فإذا أردت أن تظهر نعم الله عليك فإن ذلك مقيد في عدم الخيلاء والإسراف كما في الحديث الآتي:
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة.
[*] وقال الحسن:
إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادراً على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادراً على أن يبعث عليهم عذاباً.
(وقد ذم الله الكنود وهو الذي لا يشكر نعمه، قال الحسن: (إِنّ الإِنسَانَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات: ٦] أي يعد المصائب وينسى النعم.
стр. 3759
وهذا في النساء أظهر، فلو أحسنت إلى إحداهن الدهر وطيلة العمر ثم رأت منك تقصيراً قالت مارأيت منك خيراً قط!، وهذا ظلم، والنساء أكثر أهل النار لأنهم يكفرن العشير، وإذا كان ترك شكر نعمة الزوج يؤدي إلى جهنم فما حال من يكفر نعمة الله .. ؟!!
مسألة: كيف نجمع بين قوله تعالى (وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ) وبين قوله ﷺ استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود؟
[*] فصل الخطاب في هذه المسألة أنها على التفصيل الآتي:
الأصل أنه يجب علينا أن نكثر من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه قال تعالى: (وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ) [الضحى: ١١]
والله يحب من عبده أن يرى أثر نعمته على عبده فإن ذلك شكرها بلسان الحال كما في الحديث الآتي:
(حديث عمران بن حصين ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
ويكون ذلك مقيد في عدم الخيلاء والإسراف كما في الحديث الآتي:
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة.
ولكن ينبغي أن يحدث بذلك عند أهل الصدق الذين يحبون لإخوانهم الخير ولا يحسدونهم على نعم الله تعالى فإن وُجد حاسد فله أن يكتم النعمة عنده فهذا خاص. فإذا وجد حاسد فكتمانها لأجل الحسد وليس كفران بالنعمة، وعليه يحمل الحديث الآتي:
(حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.
(٥) ومن الوسائل التي تؤدي إلى الشكر التحدث بنعمة الله:
فالتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: التحدث بنعمة الله شكر و تركها كفر و من لا يشكر القليل لا يشكر الكثير و من لا يشكر الناس لا يشكر الله و الجماعة بركة و الفرقة عذاب.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
стр. 3760
(التحدث بنعمة اللّه شكر) أي إشاعتها من الشكر ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ والشكر ثلاثة أقسام شكر اللسان بالتحدث [ص ٢٨٠] بالنعمة وشكر الأركان بالقيام بالخدمة وشكر الجنان بالاعتراف بأن كل نعمة منه تعالى
(وتركها كفر) أي ستر وتغطية لما حقه الإظهار والإذاعة قال بعض العارفين: ذكر النعم يورث الحب في اللّه ثم هذا الخبر موضعه ما لم يترتب على التحدث بها ضرر كحسد وإلا فالكتمان أولى كما يفيده قول الزمخشري: وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد أن يقتدى به وأمن على نفسه الفتنة وإلا فالستر أفضل ولو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل السمعة والرياء لكفى
(ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير) فاشكر لمن أعطى ولو سمسمة
(ومن لا يشكر الناس لا يشكر اللّه) أي من كان طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان عادته كفران نعم اللّه وترك الشكر له أو المراد أن اللّه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس وينكر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر
(والجماعة بركة والفرقة عذاب) أي اجتماع جماعة المسلمين وانتظام شملهم زيادة خير وأو أجر وتفرقهم يترتب عليه من الفتن والحروب والقتل وغير ذلك مما هو أعظم من كل عذاب في الدنيا وأمر الآخرة إلى اللّه. (فائدة﴾ أخرج في الحلية عن وهب أن بعض الأنبياء ﵇ سأل ربه عن سبب سلب بلعام بعد تلك الآيات والكرامات فقال تعالى: إنه لم يشكرني يوماً على ما أعطيته ولو شكرني على ذلك مرة واحدة لما سلبته نعمتي.
كان عمر بن عبد العزيز إذا قلّب بصره في نعمة أنعمها الله عليه قال: [اللهم إني أعوذ بك أن أبدّل نعمتك كفراً وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثني بها]، لأن الله ذم الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار.
وكان النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي كفانا وأرْوَانا غير مَكْفيٍّ ولا مكفور كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي أمامة في صحيح البخاري) قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي كفانا وأرْوَانا غير مَكْفيٍّ ولا مكفور.
(٦) ومن الوسائل التي تؤدي إلى الشكر أن سجود الشكر تأسياً بالنبي ﷺ كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي بكرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ كان إذا جاءه أمرَ سرورٍ أو بُشِّر به خر ساجدا شكرا لله تعالى.
стр. 3761
وأبو بكر الصديق ﵁ لما جاءه قتل مسيلمة المرتد الذي ألب عليه العرب وأشد الناس على المسلمين خرّ لله ساجداً، وعلي ﵁ لما رأى ذا الثدية في الخوارج أسود مخدّج مقطوع اليد عند العضد مثل حلمة المرأة، وأنه علامة وآية أنه سيقاتل الخوارج أمرهم فبحثوا في جثث القتلى وأخرجوه؛ سجد علي ﵁ شكراً لله. وكعب بن مالك سجد في عهد النبي ﷺ لما بشر بتوبة الله عليه.
﴿تنبيه﴾: (السنة لم ترد بسجود الشكر يومياً لكنها وردت في النعم المتجددة والتي تذكر بالنعمة المستديمة، ولأن هذه النعم المتجددة العظيمة لها وقع في النفوس والقلوب أعلق بها وأهنأ والإنسان يُعزّى بفقدها فإن ما توجبه من فرح النفس وانبساطها والذي يدفع الأشر والبطر عند نزول النعمة فجأة.
ومن النعم المتجددة كما يقول أحد السلف: بشّرت الحسن بموت الحجاج وهو مختفٍ فخرّ لله ساجداً، فموت ظالم نعمة و ولادة مولود، وجاء الخبر في الانتصار.
(فصلٌ في منزلة الحياء:
[*] (عناصر الفصل:
(الحياء من منازل السائرين:
(تعريف الحياء:
(فضل الحياء:
(رقابة الله على عباده توجب الحياء منه سبحانه:
(أنواع الحياء:
(درجات الحياء:
(أفضل الحياء وأكمله:
(حياء الله تعالى:
(حياء الرسول ﷺ :
(نماذج من الحياء:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(الحياء من منازل السائرين:
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحياء
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١
(ثم ذكر الإمام ابن القيم ﵀ الأحاديث الآتية:
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ مرَّ على رجلٍ وهو يعظُ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ دَعْه فإن الحياء من الإيمان.
(حديث عمران ابن حصين في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الحياءُ لا يأتي إلا بخير.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال الإيمان بضع و سبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الإيمان.
стр. 3762
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
(ثم قال رحمه الله تعالى:
وفي هذا قولان:
أحدهما: أنه أمر تهديد ومعناه الخبر أي من لم يستح صنع ما شاء.
والثاني: أنه أمر إباحة أي انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيى منه فافعله والأول أصح وهو قول الأكثرين.
(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: استحيوا من الله تعالى حق الحياء، قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس و ما وعى والبطن و ما حوى وتذكر الموت و البِلى و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
(تعريف الحياء:
الحياء خُلق يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق، فالحياء مشتق من الحياة, فعلى قدر حياة القلب يكون الحياء. والحياء قسمان: حياء جبلي فطري وحياء مكتسب.
(القسم الاول الحياء الفطري: وهو ما فطر الله الإنسان عليه كحياء الرجل والمرأة من كشف العورة أمام الناس ... ومن جنس هذا الحياء حياء آدم وحواء لما أكلا من الشجرة المحرمة فبدت سوءاتهما فأسرعا بالجبلة والفطرة بستر هذه العورة بورق من شجر الجنة, قال تعالى: (فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنّةِ وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبّهُ فَغَوَىَ) [طه: ١٢١]
(القسم الثاني الحياء المكتسب: وهو الحياء الإيماني الذي يحجب ويمنع المؤمن من فعل المعاصي والدنايا حياء من الله , وهذا الحياء يتولد في القلب «من رؤية النعم مع رؤية التقصير في حق المنعم» فيستحيي العبد حينئذ من الله, إذ يرى نعم الله عليه تتوالى ويرى تقصيره لا ينقطع في حق سيده ومولاه.
لذلك لما احتضر الاسود بن يزيد رحمه الله تعالى بكى بكاء المرأة الثكلى, فدخل عليه بعض أحبابه وقالوا: ماهذا الجزع؟ لم هذا البكاء؟ فقال الأسود بن يزيد: ومالي لا أجزع, ومن أحق بذلك مني؟ ثم نظر إلى السماء وهو على فراش الموت وقال: والله وإن غفر لي ذنوبي لاستحييت منه مما صنعت يداي.
стр. 3763
ولما دخل ابو حامد الخلقاني على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى .. قال أبو حامد وهو ينظرإالى الإمام: إن قال لي يوما أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقى وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني. فنظرإليه الإمام وقال: أَعِدْهَا بالله عليك فكرر له الأبيات فدخل الإمام داره وهو يبكي ويردد تلك الأبيات.
(فضل الحياء:
مسألة: ما هو فضل الحياء؟
خلق الحياء فإنه من أفضلِ الصفات وأجلَّ القربات، فالحياء خصلة حميدة، تكف صاحبها عما لا يليق والحياءُ لا يأتي إلا بخير، والحياء قرين الإيمان فإذا نزع أحدهما نزع الآخر، وهو مما أدركنا من كلام النبوة الأولى. وما انتشرت الفواحش والمعاصي والذنوب إلا بسبب نزع الحياء من قلوب الخلق، والحياء له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو من أشرف العبادات و أجلّ الطاعات، وإليك غيض من فيض ونقطة من بحر مما ورد في فضل الحياء:
(أولا: الحياء صفة من صفات الله تعالى:
ولو لم يكن للحياء فضل سوى أنه صفةٌ من صفات الله لكفى, فالله حييٌ ستير يستحيي من خلقه, والخلق لا يستحيون منه إلا من رحم ربي, خيره إلينا نازل, وشرنا إليه صاعد, رحماته تتنزل علينا وذنوبنا ترفع إليه, يتحبب إلينا بالنعم وهو الغني عنا, ونتبغض إليه بالمعاصي ونحن أحوج إليه بل ولا نستغني عنه طرفة عين , ومع ذلك إذا رفعنا إليه أكف الضراعة غفر الذنب وفرح بالتوبة إليه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث سلمان الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا.
(قال ابن القيم ﵀:
ومن اتصف بصفة من صفات الله قادته تلك الصفة الى ربه فأدخلته عليه وقربته من رحمته".
(ثانياً الحياء شعبةٌ من الإيمان:
стр. 3764
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان).
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ مرَّ على رجلٍ وهو يعظُ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ دَعْه فإن الحياء من الإيمان.
((حديث ابن عمر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
(حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق.
(ثالثاًالحياء خلق الاسلام:
((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء.
(رابعاً الحياءُ لا يأتي إلا بخير:
الحياءُ لا يأتي إلا بخير بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث عمران ابن حصين في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الحياءُ لا يأتي إلا بخير.
(خامساً الحياءُ خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح:
(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
(وأفضلُ الحياء أن تستحي من الله حق الحياء:
(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: استحيوا من الله تعالى حق الحياء، قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس و ما وعى والبطن و ما حوى وتذكر الموت و البِلى و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
[*] قال سفيان بن عينيه: "كما فتح القدير"١/ ٤٨٨
стр. 3765
(فليحفظ الرأس وما وعى: ما جمعه من الحواس الظاهرة والباطنة حتى لا يستعملها إلا فيما يحل.
(وليحفظ البطن وما حوى:
أي وما جمعه الجوف باتصاله به، من القلب والفرج واليدين والرجلين فان هذه الأعضاء متصلة بالجوف فلا يستعمل منها شيء في معصية الله فان الله ناظر إلى العبد لا يواريه شي.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
والحياء من الحياة ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور وعلى حسب
حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم.
(قال الجنيد ﵀: «الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير» فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء «وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح» ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق.
(ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيي منه وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير.
(وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق.
(وقال السري: إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا.
(رقابة الله على عباده توجب الحياء منه سبحانه:
(أخي الحبيب:
стр. 3766
اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، وخضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه. فالحياء على قدر حياة القلب، وكلما كان القلب أحيا كان الحياء أتم. وأشد آية باعثة على الحياء قول الله : أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:١٤]. وقول الله ﵎: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:١٦] أي: وملائكتنا أقرب إليه من حبل الوريد، وهذا بإجماع علماء التفسير. ويقول الله : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:٨٠]. ويقول الله : أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [فصلت:٥٤]. وقال الله : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة:٦]. وقال الله : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [الأحزاب:٥٢]. وقال الله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الملك:١٣]. وقال الله : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩]. ومن أسماء الله الرقيب والعليم والخبير والحكيم والمحصي والشهيد، وكلها خاصة بعلم الله . فالعليم: الذي يعلم جميع المعلومات. والحكيم: الذي يعلم دقائق العلم. والشهيد: الذي يعلم ما غاب وما حضر، والمحصي: الذي لا تغيب عن علمه غائبة. والخبير: الذي يعلم دقائق العلم، ويعلم الكليات كما يعلم الجزئيات، وكلها خاصة بصفة العلم لله ﵎. وعلم الله ليس كعلم المخلوقين، فالله ﵎ يعلم ما كان وما هو كائن وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهو العليم أحاط علماً بالذي في الكون من سر ومن إعلان وكذاك يعلم ما يكون غداً وما قد كان والموجود في ذا الآن وكذاك أمر لم يكن لو كان كيـ ـف يكون ذا الأمر ذا إمكان فعلم المخلوقين قاصر، «مبدوء بجهل ويعتريه النسيان»، وأما علم الله فهو علم كامل.
(قال ابن عمر ﵄: لا يجد عبد صريح الإيمان حتى يعلم أن الله معه، ويعلم أن الله تعالى يراه، فلا يعمل سراً يفتضح به يوم القيامة.
(أخي الحبيب:
стр. 3767
احذر أن تكون ممن إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ثوبان ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله هباءاً منثوراً قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جَلِّهِم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
«فاحذر أن تكون ولياً لله في العلانية عدواً له في السر»، وأن تكون حالك مثل حال كنيف مزين بالسراميك وباطنه وحشوه القاذورات، فلا تتجمل للناس وتطلع الله على القبيح من أمرك، «فلم جعلت الله أهون الناظرين إليك؟» أفكان الله أهون عليك من بعض خلقه؟ لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى كبرياء من واجهته به. وموقف لك لا تنساه أبداً وإن نسيت نفسك، وهو موقفك بين يدي الله ، كما جاء في حديث عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم أحد إلا سيخلو بربه ليس بينه وبينه ترجمان). فهذا الموقف لن تنساه أبداً، فليكن ولاؤك المطلق وخوفك المطلق وحياؤك المطلق من الله ، فاعمل لهذا اليوم حتى لا يموت القلب، وحتى لا يموت الورع،
(يقول الجراح قائد الجيوش الأموية: تركت الذنوب أربعين سنة حياء من الله ، ثم أدركني الورع. أي: بعد أربعين سنة مَنَّ عليَّ بالورع في النظر، وفي الشم، وفي الكلام. فهذا المقام إن ذكرته وجعلته منك على بال فلن تقرب المعصية أبداً، ومثلما تميت الذنوب الحياء فكذلك الحياء لا يأتي إلى فاسق أو فاجر أبداً.
стр. 3768
(ويقول ابن دقيق العيد: والله ما تكلمت كلمة ولا فعلت فعلاً منذ أربعين سنة إلا وأعددت له جواباً بين يدي الله . ولذلك كان من مقام المراقبة أن تقول: الله ناظر وشاهد ومطلع علي، وهذا درجة من درجات الحياء، وهذا مثل المرأة التي راودها رجل على الفاحشة، فقالت: انظر هل يرانا من أحد؟ فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت له: فأين مكوكبها؟ ورجل خلا بامرأة بعد أن نام أهل القافلة وكانت في طريقها إلى الحج، وقال لها: ما أتيت في هذه القافلة من أجل حج ولا غيره، وإنما أتيت فيها لتخرجي فيها فأخلو بك، فقالت: انظر هل نام أهل القافلة جميعاً؟ فقال لها: نعم، قالت: انظر فهل نام الله؟ ثم صعقت المرأة وغشي عليها، فولى الرجل هارباً.
(حقيقة الحياء:
والحياء رؤية آلاء الله ﵎ عليك، ورؤية التقصير منك في حق الله ، فيتولد منهما وبينهما خُلق يبعث على ترك القبيح. فرؤية الآلاء والتقصير يتولد منهما خُلق يسمى الحياء، يبعث على ترك القبيح، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي مسعودٍ الأنصاري الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
(أنواع الحياء:
(أولاً الحياء من الله:
المسلم يتأدب مع الله تعالى ويستحيي منه؛ فيشكر نعمة الله، ولا ينكر إحسان الله وفضله عليه، ويمتلئ قلبه بالخوف والمهابة من الله، وتمتلئ نفسه بالوقار والتعظيم لله، ولا يجاهر بالمعصية، ولا يفعل القبائح والرذائل؛ لأنه يعلم أن الله مُطَّلِعٌ عليه يسمعه ويراه، وقد قال تعالى عن الذين يفعلون المعاصي دون حياء منه سبحانه: قال تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ) [النساء: ١٠٨]
فالحياء من الله: ألا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
فالمسلم يستحي من ربه أن يراه على معصيته ومخالفته، وإذا فعل ذنبًا أو معصية، فإنه يخجل من الله خجلا شديدًا، ويعود سريعًا إلى ربه طالبًا منه العفو والغفران، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 3769
((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: استحيوا من الله تعالى حق الحياء، قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس و ما وعى والبطن و ما حوى وتذكر الموت و البِلى و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
فقد بيّن في هذا الحديث علامات الحياء من الله أنها تكون بحفظ الجوارح عن معاصي الله، وبتذكر الموت، وتقصير الأمل في الدنيا، وعدم الانشغال عن الآخرة بملاذ الشهوات والانسياق وراء الدنيا، فالذي يستحي من الله يجتنب ما نهاه عنه في كل حالاته، في حال حضوره مع الناس وفي حال غيبته عنهم.
وهذا حياء العبودية والخوف والخشية من الله وهو الحياء المكتسب من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور. وهذا الحياء من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان. كما في الحديث: ﴿الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾
(أركان الحياء من الله تعالى:
(الركن الأول: (فليحفظ الرأس وما وعى)، فالرأس وما فيه من جوارح تحفظها لله ، حتى الخطرات وحديث النفس تحفظه لله ، وأول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم، فاحفظ حديث النفس لله ، يقول بعضهم: ظللت عشرين سنة حارساً لنفسي من الخطرات، أي: يحاسب نفسه على الخطرات. فيا أخي! إذا مرت بك الوساوس والخطرات فاضبطها بضابطين من الكتاب والسنة. فيحفظ الرأس وما وعى، فلا يتأثر بأفكار الصحف الصفراء التي هي من ضمن الثقافات الضرار.
(الركن الثاني: (والبطن وما حوى) يعني: لا يدخل في بطنه وفي جوفه إلا الحلال، فيبحث عن الحلال ويدقق في هذه المسألة.
(الركن الثالث: (وتذكر الموت و البِلى)، فمن ذكر الموت هانت عليه شهواته.
(الركن الرابع: (و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا)، فيستحي من الله أن يراه مرابطاً على مفسدة، مقيماً على جيفة، عاكفاً على دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضه، فيستحي من الله أن يراه ملتفتاً إلى الدنيا، والدنيا لعب ولهو، واللعب واللهو لا يليق بمن شبوا عن الطوق وتركوا دنيا اللعب للصغار، فيعلم أن الملك يدعوه إلى جواره في أرض غرس غراسها الرحمن بيده، فكيف يراه منشغلاً بالدنيا وقد عكف قلبه على محبتها؟
стр. 3770
(ثانياً الحياء من الملائكة:
ثم بعد ذلك الاستحياء من الملائكة ومن أخلاقهم، قال النبي ﷺ عن سيدنا عثمان بن عفان ﵁: (ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة). كما في الحديث الآتي:
(حديث عائشة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قالت * كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.
(حديث عائشة ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ – وهو مضطجعٌ على فراش عائشة، لابساً مرط عائشة- فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عمر ﵁، فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس. وقال لعائشة: "اجمعي إليك ثيابك". فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفتُ. قال: فقالت عائشة: يا رسول الله! لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : "إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت أن أذنتُ له- وأنا على تلك الحال- أن لا يبلغ إليّ في حاجته".
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
стр. 3771
فسيدنا عثمان كان يغتسل في ثيابه حياء من الله ، وما يقيم صلبه إلا وثوبه عليه. فانظروا مقام الصحابة ومقامنا، فنحن مطالبون أن نستحيي من الملائكة، قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار:١٠] أي: فاستحيوا منهم. كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:١١] يعني: لا ألأم ممن لا يستحي من الكرام. وقد تلقى رجلاً كبيراً عظيم القدر من الصالحين لا يقدر العاصي أن يعمل عيبه أمامه، ولذلك يقول النبي ﷺ : (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك).
(حديث سعيد بن يزيد بن الأزور ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أوصيك أن تستحي من اللّه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) قال ابن جرير: هذا أبلغ موعظة وأبين دلالة بأوجز إيجاز وأوضح بيان إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح وذوي الهيئات والفضل أن يراه وهو فاعله واللّه مطلع على جميع أفعال خلقه فالعبد إذا استحى من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه تجنب جميع المعاصي الظاهرة والباطنة فيا لها من وصية ما أبلغها وموعظة ما أجمعها. (تنبيه) قال الراغب: حق الإنسان إذا همّ بقبيح أن يتصوّر أحداً من نفسه كأنه يراه فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ومن الجماعة أكثر ما يستحي من الواحد والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة: البشر ثم نفسه ثم اللّه تعالى ومن استحى من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ومن استحى منها ولم يستح من اللّه فلعدم معرفته باللّه ففي ضمن الحديث حث على معرفة اللّه تعالى.
وقال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:١٠ - ١١].
стр. 3772
(ويقول ابن أبي ليلى: ما على أحدكم إذا خلا بنفسه أن يقول: أهلاً بملائكة ربي، والله لا أعدمكم اليوم خيراً، خذوا على بركة الله، سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر. وكان الرجل يستشعر إذا خلا بنفسه أن معه الملائكة، فيقول: يا ملكاي! ادعوا الله لي، فأنتما أطوع لله مني. وهؤلاء السلف كان عندهم رقة، يعرفها من قرأ كتب التراجم، وأما نحن فخشب مسندة، لا ذوق ولا أدب ولا رقة شعور ولا علم ولا جهاد ولا شجاعة ولا أي شيء. ذهب الرجال الصالحون وأخرت نتن الرجال لذا الزمان المنتن.
(وكان يقول مالك بن دينار: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب فنريد أن نرتفع إلى مقام الاستحياء من الملائكة، وما ظنك بالرجل الذي تستحيي منه الملائكة؟! وما ظنك بأناس تشتاق إليهم الجنة؟! فإذا قيل لك: إن الجنة تشتاق لناس، وناس يشتاقون إلى الجنة، فإن بينهما درجات كبيرة.
(ثالثاً الحياء من الرسول ﷺ :
والمسلم يستحي من النبي ﷺ ، فيلتزم بسنته، ويحافظ على ما جاء به من تعاليم سمحة، ويتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ لأنه يعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن النجاة من الضلال مقرونة بالتمسك بالوحيين كلاهما.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: (تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)
((حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه.
((حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: يوشك الرجل متكئأً على أريكته يُحدَّث بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرَّم الله.
(رابعاً الحياء من الناس:
стр. 3773
المسلم يستحي من الناس، فلا يُقَصِّر في حق وجب لهم عليه، ولا ينكر معروفًا صنعوه معه، ولا يخاطبهم بسوء، يكف العبد عن فعل ما لا يليق به، فيكره أن يطلع الناس منه على عيب ومذمة فيكفه الحياء عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ولا يكشف عورته أمامهم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث معاوية بن حيده الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قيل: إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قيل: إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس.
والذي يستحي من الناس لا بد أن يكون مبتعداً عما يذم من قبيح الخصال وسيء الأعمال والأفعال، فلا يكون سباباً، ولا نماماً أو مغتاباً، ولا يكون فاحشاً ولا متفحشاً، ولا يجاهر بمعصية، ولا يتظاهر بقبيح. فحياؤه من الله يمنعه من فساد الباطن، وحياؤه من الناس يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، وصار كأنه لا إيمان له، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي مسعودٍ الأنصاري الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
(ومعنى الحديث: إن لم يستح صنع ما شاء من القبائح والنقائص، فإن المانع له من ذلك هو الحياء وهو غير موجود، ومن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر، وهذا الحديث معناه واضحاً وضوح الشمس لأن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر كما في الحديث الآتي:
((حديث ابن عمر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر.
стр. 3774
وقد دل الحديث على أن من فقد الحياء لم يبق ما يمنعه من فعل القبائح، فلا يتورع عن الحرام. ولا يخاف من الآثام، ولا يكف لسانه عن قبيح الكلام. ولهذا لما قل الحياء في هذا الزمان أو انعدم عند بعض الناس كثرت المنكرات، وظهرت العورات، وجاهروا بالفضائح، واستحسنوا القبائح. وقلت الغيرة على المحارم أو انعدمت عند كثير من الناس، بل صارت القبائح والرذائل عند بعض الناس فضائل، وافتخروا بها، فمنهم المطرب والملحن والمغني الماجن، ومنهم اللاعب الناعب الذي أنهك جسمه وضيّع وقته في أنواع اللعب، وأقل حياء وأشد تفاهة من هؤلاء المغنيين واللاعبين من يستمع لغوهم، أو ينظر ألعابهم، ويضيع كثيرا من أوقاته في ذلك.
(قال سلمان الفارسي ﵁:إن الله إذا أراد بعبده هلاكاً نزع منه الحياء، فإذ نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً. فإذا كان مقيتاً ممقتاً نزع منه الأمانة، فلم تلقه إلا خائناً مخوناً. فإذا كان خائناً مخوناً نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظاً غليظاً. فإذا كان فظاً غليظاً نزع ربقة الإيمان من عنقه، فإذا نزع ربقة الإيمان من عنقه، لم تلقه إلا شيطاناً لعيناً ملعناً.
(قال الشعبي رحمه الله تعالى:"مر عمر ﵁ في طرق المدينة المنورة فسمع امرأة تقول:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه، وأرقني ألا حبيبا ألاعبه. فوَ الله لولا الله لا شيء غيره، لزُعزِع من هذا السرير جوانبه.
مخافة ربي والحياء يكفني، وإكرام بعلي أن تنال مراكبه.
وقال عمر بعدما أتي بالمرأة: أي شيء منعك؟ قالت الحياء وإكرام عرضي.
فكتب عمر ﵁ إلى صاحب زوجها فأقفله إليها".
(ولله درُّ من قال:
إذا لم تخش عاقبة الليالي، ولم تستحي فاصنع ما تشاء.
فلا والله ما في العيش خير، ولا الدنيا إذا ذهب الحياء.
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي الحياء.
﴿تنبيه﴾: (خلق الحياء لا يمنع المسلم من أن يقول الحق، أو يطلب العلم أو يسأل عن شيءٍ لا يعلمه، أو يأمر بمعروف، أو ينهي عن منكر، فإذا أدى الحياء إلى تفويت مصلحة شرعية كان مذموماً وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 3775
((حديث أم سلمة الثابت في الصحيحين) أن أم سليم قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: إذا رأت الماء. فغططت أم سلمة تعني وجهها، وقالت يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ قال نعم. تربت يمينك، فبم يشبهها ولدُها.
(وفي الحديث منقبة لنساء الصحابة ﵅، حيث لم يمنعهن الحياء من السؤال والتفقّه في دين الله .
ولذا قالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. رواه مسلم
وهذا بخلاف بعض النساء في زماننا هذا، يخجلن أن يسألن عما أهمّهن من أمور دينهن، ولكنهن لا يخجلن من محادثة بائع أو سائق ونحوهم!
(درجات الحياء:
стр. 3776
(الدرجة الأولى من درجات الحياء: أن تبغض إليك المعصية، فإذا علمت أن الله قريب منك فسيحملك هذا على استقباح الجناية، فتنظر إلى أدنى ذنب بأنه كبير في حق الله ؛ لأنك تعلم أن الله ناظر إليك في كل لحظة، وأنت مقيم على معصيته وعلى مخالفة أمره دق أو جل، صغر أم كبر، فقل: يا رب! أتراك ترحم من لم تقر عيناه بالمعاصي حتى علم أن لا عين تراه غيرك! فلا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى كبرياء من واجهته بها. فالدرجة الأولى من الحياء تبغض إليك المعصية، وتحملك على استقباح الجناية، وتمنعك عن الشكوى لغير الله ، إلى درجة أن إحدى العابدات عندما جاءت إلى الإمام أحمد تسأله الأسئلة التي لا يسأل عنها العلماء اليوم، فقالت له: يا إمام! أنين المريض شكوى؟ قال: ما سمعت مثل هذا السؤال من قبل، ونرجو ألا يكون كذلك، قالت: يا إمام! إذا مرت الظاهرية ـ وهم أناس من الأمراء الظلمة ـ غزلنا غزلنا على ضوئها، فهل نبينه للناس، قال: افعلي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ثم قال لابنه عبد الله: تتبعها إلى أي البيوت تدخل، فقال له: دخلت في بيت بشر، قال: من بيتهم خرج الورع. فالإمام أحمد غابت عنه هذه المسألة، حتى كان في مرض الموت، فقيل له: إن طاوساً يقول: أنين المريض شكوى، وفي البداية كان الإمام أحمد يقول: نرجو ألا يكون كذلك، فغابت عنه هذه المسألة، ثم فهمها الإمام عند الموت، فما أنَّ ابن حنبل حتى مات، ولذلك تجد العباد يقولون: تفقهوا في مذاهب الإخلاص.
стр. 3777
وأشرف العلوم علم الأسماء الحسنى، فتعرف على كل اسم، وكيف تتعبد لله بهذا الاسم والصفة، وانظر الصفات في المخلوقات، فتجد نفسك في وادٍ والناس في وادٍ آخر، فعندما تعرف مثلاً اسم المقيت من أسماء الله ، وتعرف أن المقيت هو الذي يعطي كل مخلوق قوته الضروري، وتعرف مثلاً أن عدد أنواع النمل ١٢٠٠٠ نوع، وتحت كل نوع آلاف الملايين، وهذا صنف واحد، ثم الحشرات أكثر من ألف نوع، والطيور والأسماك كذلك، والنجوم لا يحصى عددها؟ والمجرات مائة ألف مليون مجرة، هذا في الجزء المرئي من السماء فقط، وعدد النجوم في كل مجرة ما يقرب من مائة ألف مليون نجم، وهذه تحتوي على نواة ونوية، وكل شيء حي يحتوي على خلايا حيه، والخلايا فيها سيتوبلازم وجدار للخلية ونواة ونوية، فمن الذي يعطي لكل مخلوق من هذه المخلوقات قوته الضروري في وقت واحد؟ وكم أمات وأحيا في وقت واحد؟ فإذا علمت هذا استحييت أن يراك الله راكناً إلى بعض خلقه، وهو ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض، ومن له ملك الدنيا والآخرة، وملك السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى: ورب عليم بذات الصدور يدين لعزته الكابر يدين له النجم في أفقه يدين له الفلك الدائر تدين البحار وحيتانها وماء سحاباتها القاطر تدين النجاد تدين الوهاد يدين له الزاحف الناشر فكل عبيد له، وكل له قانتون، قهرهم بحكمه وبملكه، وأمره ومشيئته نافذة في خلقه. إذا علمت أنه قريب منك فيقبح بك الشكوى إلى غيره: وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم قال تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:٨٣]، والشكوى إلى الله ليست بشكوى.
(الدرجة الثانية من درجات الحياء: علمك بقرب الله فتبغض إليك كثرة المخالطة.
стр. 3778
(الدرجة الثالثة من درجات الحياء: وهي التي يقول عنها الإمام ابن القيم: شهود الحضرة وانجذاب القلب والروح من الكائنات وعكوفه على رب البريات. وهناك درجات في القرب من الله لا تحيط بها الأفهام، فتطير القلوب إلى الله وتسجد تحت العرش، فمثلاً: بالله عليك هل حال قلبك هذا اليوم كحاله وأنت في أيام الاعتكاف وعكوف القلب وجمعيته على الله في العشر الأواخر من رمضان؟ وأنت تريد أن تختم المصحف كل يوم؟ ويجوز لك العلماء الوصال إلى قبل أكلة السحور بقليل، فتجمع ما بين السحور والإفطار وأنت في أيام جمعية القلب وعكوفه على رب البريات. فعندما يكون القلب عاكف على رب البريات في كل لحظه، في رمضان وشوال، وكل الأيام عنده ليلة القدر كيف يكون هذا الرجل! ولو أن شخصاً سمع الشيخ المنشاوي يقرأ الزمر أو آل عمران أنه يريد أن يطير طيراناً، فما ظنك إذا كنت كل لحظات حياتك هكذا، فإنك تجد معاني في القرب لا تكيفها الأفهام ولا تحيط بها العقول، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
فهذه لا تحيط بها الأفهام.
(أفضل الحياء وأكمله:
ونهاية الحياء وكماله ألا تستحيي من الحق، وقدم الحياء من الله على الحياء من الناس، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: لا يمنعنَّ رجلاً هيبةُ الناس أن يقول بحقٍ إذا علمه.
стр. 3779
فيؤثر الحياء من الله على الحياء من الناس. فالحياء الشرعي لا يمنعك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما الذي يمنعك شيء آخر غير الحياء، وهو الجبن والخوف والهلع، فتركك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حياء من الناس ليس من الحياء في شيء، بل هو من الخور والهلع والجبن.
(حياء الله تعالى:
من صفات الله تعالى أنه حَيِي سِتِّيرٌ، يحب الحياء والستر، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث يعلى الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن الله حَييٌ سِتير يحبُ الحياءَ والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر.
(من استحيا من الله استحيا الله تعالى منه:
(حديث أبي واقد الليثي ﵁ الثابت في الصحيحين): أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه).
مسألة: ما معنى حياء الله تعالى من عبده؟
حياء الرب من عبده حياء كرم وبر وجود وجلال، فإنه ﵎ حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً.
((حديث سلمان الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا.
(حياء الرسول ﷺ :
كان النبي ﷺ أشد الناس حياءً، وكان إذا كره شيئًا عرفه الصحابة في وجهه. وكان إذا بلغه عن أحد من المسلمين ما يكرهه لم يوجه له الكلام، ولم يقل: ما بال فلان فعل كذا وكذا، بل كان يقول: ما بال أقوام يصنعون كذا، دون أن يذكر اسم أحد حتى لا يفضحه، ولم يكن الرسول ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا (لا يحدث ضجيجًا) في الأسواق.
стр. 3780
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
((حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
((حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ كان إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ و لكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا و كذا.
((حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في صحيح البخاري) قال لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال قال رسول الله ﷺ إن من أخيركم أحسنكم خلقا.
(نماذج من الحياء:
(حياء موسى ﵇:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر، إلا من عيب بجلده: إما برص وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه، ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىَ فَبرّأَهُ اللّهُ مِمّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللّهِ وَجِيهاً) [الأحزاب: ٦٩]
(حياء النبي ﷺ :
((حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
(حياء أبي بكر الصديق ﵁:
стр. 3781
قال: أيها الناس! استحيوا من الله، فوالله ما خرجت لحاجة ـ يعني: لقضاء حاجة ـ منذ أسلمت إلا وأنا مقنع رأسي حياء من الله . فانظر إلى نفسك وأنت في هذه الحال، تحمل أمعاءك الغليظة ودورة المياه، فأنت كنيف متحرك، أفلا تستحي من الله أن تعصيه، فقد خلقك من ماء مهين فاستحي منه، فما زال يخرج منك الغائط وأنت تأنف من رائحته، هذا حياء سيدنا أبو بكر الصديق.
(حياء محمد بن سيرين رحمه الله تعالى:
(قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا نوم حتى في المنام غير أم عبد الله، وإني لأرى المرأة في المنام، فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري. فهو متحكم في نفسه في المنام. فيا ليتنا في يقظتنا كابن سيرين في المنام، فهو في منامه إذا رأى المرأة لا تحل له يصرف بصره، وأنت في يقظتك أتصرف بصرك؟
وانظر إلى حياء المرأة في قوله تعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:٢٥] وكأن الأرض حياء وهي تمشي عليها. وقال النبي ﷺ : (ليس للنساء وسط الطريق) فالنساء يمشين على جنب.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ليس للنساء وسط الطريق.
(حياء سيدتنا فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ من أبيها، حين جاءت تسأله خادماً فاستحيت، فقال: (ما جاء بك يا بنية؟! قالت: جئت أسلم عليك، فاستحيت من أبيها مرة واثنتين وثلاثاً، وربما أتاها وهي في مخدعها وعلي وقد أوشكا على النوم، فتدخل رأسها في المتاع حياء من أبيها ﵂.
(حياء الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين فكان كمال الحياء في النساء، تقول: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي ﵁ واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فكانت تتخفف من بعض ثيابها، قالت: فلما دفن عمر ﵁ كنت أدخل مجموعة معدودة علي الثياب حياء من عمر ﵁ بعد موته.
فهذا هو الحياء في أكمل صوره. فلا والله ما في المرء خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء.
(ولله درُّ من قال:
أنا العبد الذي كسب الذنوبا ... وصدته المعاصي أن يتوبا
أنا العبد الذي أضحى حزيناً ... على زلاته قلقاً كئيبا
أنا العبد الذي سطرت عليه ... صحائف لم يخف فيها الرقيبا
أنا العبد المسيء عصيت سراً ... فمالي الآن لا أبدي النحيبا
стр. 3782
أنا العبد المفرط ضاع عمري ... فلم أرع الشبيبة والمشيبا
أنا العبد الغريق بلج بحرٍ ... أصيح لربما ألقى مجيبا
أنا العبد السقيم من الخطايا ... وقد أقبلت ألتمس الطبيبا
أنا العبد المخلف عن أناسٍ ... حووا من كل معروفٍ نصيبا
أنا العبد الشرير ظلمت نفسي ... وقد وافيت بابكم منيبا
أنا العبد الحقير مددت كفي ... إليكم فادفعوا عني الخطوبا
أنا الغدار كم عاهدت عهداً ... وكنت على الوفى به كذوبا
أنا المهجور هل لي من شفيعٍ ... يكلم في الوصال لي الحبيبا
أنا المضطر أرجو منك عفواً ... ومن يرجو رضاك فلن يخيبا
أنا المقطوع فارحمني وصلني ... ويسر منك لي فرجاً قريبا
فوا أسفي على عمرٍ تقضى ... ولم أكسب به إلا الذنوبا
وأحذر أن يعاجلني مماتٌ ... يحير لهول مصرعه اللبيبا
ويا حزناه من نشري وحشري ... ليومٍ يجعل الولدان شيبا
تفطرت السماء به ومارت ... وأصبحت الجبال به كثيبا
إذا ما قمت حيراناً ظميا ... حسير الطرف عرياناً سليبا
ويا خجلاه من قبح اكتسابي ... إذا ما أبدت الصحف العيوبا
وذلة موقفٍ لحساب عدلٍ ... أكون به على نفسي حسيبا
ويا حذراه من نار تلظى ... إذا زفرت فأقلعت القلوبا
تكاد إذا بدت تنشق غيظاً ... على من كان معتدياً مريبا
فيا من مدّ في كسب الخطايا ... خطاه أما بدا لك أن تتوبا
ألا فاقلع وتب واجتهد فإنا ... رأينا كل مجتهدٍ مصيبا
وأقبِل صادقاً في العزم واقصد ... جناباً ناضراً عطراً رحيبا
وكن للصالحين أخاً وخلاً ... وكن في هذه الدنيا غريبا
وكن عن كل فاحشةٍ جباناً ... وكن في الخير مقداماً نجيبا
ولاحظ زينة الدنيا ببغضٍ ... تكن عبداً إلى المولى حبيبا
فمن يخبر زخارفها يجدها ... مخادعةً لطالبها حلوبا
وغض عن المحارم منك طرفاً ... طموحاً يفتن الرجل الأريبا
فخائنة العين كأسد غابٍ ... إذا ما أهملت وثبت وثوبا
ومن يغضض فضول الطرف عنها ... يجد في قلبه روحاً وطيبا
ولا تطلق لسانك في كلامٍ ... يجر عليك أحقاداً وحوبا
ولا يبرح لسانك كل وقتٍ ... بذكر الله ريّاناً رطيبا
وصل إذا الدجى أرخى سدولاً ... ولا تكن للظّلام به هيوبا
تجد أجرأ إذا أدخلت قبراً ... فقدت به المعاشر والنسيبا
وصم مهما استطعت تجده رياً ... إذا ما قمت ظمآناً سغيبا
وكن متصدقاً سراُ وجهراً ... ولا تبخل وكن سمحاً وهوبا
تجد ما قدمته يداك ظلاً ... عليك إذا اشتكى الناس الكروبا
وكن حسن الخلائق ذا حياءٍ ... طليق الوجه لا شكساً قطوبا
فيا مولاي جد بالعفو وارحم ... عبيداً لم يزل يشكي الذنوبا
وسامح هفوتي وأجب دعائي ... فإنك لم تزل أبداً مجيبا
وشفِّع فيّ خير الخلق طراً ... نبياً لم يزل أبداً حبيبا
стр. 3783
هو الهادي المشفّع في البرايا ... وكان لهم رحيماً مستجيبا
عليه من المهمين كل وقتٍ ... صلاة تملأ الأكوان طيبا
(فصلٌ في منزلة الصدق:
[*] (عناصر الفصل:
(الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين:
(تعريف الصدق:
(مراتب الصدق:
(من أقوال السلف في الصدق:
(حث الشريعة على التحلي بالصدق:
(شرح آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ):
(ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً:
(صور من حياة الأنبياء والصالحين مع الصدق:
(مجالات الصدق:
(دواعي الصدق:
(علامات الصدق:
(أمور مهمة في الصدق وأهله:
(الصدق المذموم:
(الحث على الاهتمام بتربية الأولاد على الصدق:
(الصدق في البيع والشراء:
(الكذب أضراره وعواقبه:
(تحريم الكذب في الرؤيا:
(عقوبة الكذب:
(تحذير السلف من الكذب:
(دواعي الكذب:
(تحريم الكذب في المزاح:
(لا تجمعن جوعا وكذبا:
(علامات الكذب:
(مواطن جواز الكذب:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين:
стр. 3784
منزلة الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: والصدق له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهي نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ المنازل كلها، والطريق الأقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين، به تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وأهل الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، هو روح الأعمال ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، وهو الباب الذي يدخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية على النبوة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكن النبيين تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين. وقد أمر الله أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخص الله المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [النساء:٦٩].
وقد أخبر الله عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام، والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق، فقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
[البقرة:١٧٧]
стр. 3785
وهذا صريح في أن الصدق في الأعمال الظاهرة والباطنة وأنه هو الإيمان والإسلام. وأخبر أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذاب الله إلا صدقه، قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة:١١٩].
وعقد البخاري رحمه الله تعالى في كتابه الجامع الصحيح باباً بعنوان: باب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:١١٩] وما ينهى عن الكذب.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصدق
«وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين» «والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين» وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرْدَاه وَصَرَعَه، من صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال وَمَحَكُ الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، «وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين» ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين.
(وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين: وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] «فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا» ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا، ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين.
следующие страницы →